الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

الصورة الاولى ـ وجوب اللطف بحفظ المصالح:
ويقصدون به انه يجب على المولى تعالى ان يتلطف بعباده، والا يضيع عليهم المصالح المترتبة على العمل بالاحكام، فلابد ان يرشدهم الى ما يقربهم اليه تعالى من مناهج السعادة والصلاح، ويحذرهم عما يبعدهم عنه تعالى من مساقط الهلكة والفساد، فاذا اتفقت الامة على ما يخالف الواقع فعلى الامام (ع) ان يلقي الخلاف بينهم، ولا يسمح بحدوث الاتفاق الا مع المطابقة للواقع.

ويمكن المناقشة في ذلك:
أولا ـ بعدم قبول اصل هذه القاعدة؛ اذ لا دليل على وجوب اللطف عليه تعالى، فكل ما يصدر منه فضل ورحمة على عباده.
ثانيا ـ بان الناس هم السبب في عدم ظهور الالطاف الالهية؛ بايجادهم الموانع التي تحول دون ظهور امام العصر والاستفادة من بركاته.
ثالثا ـ بان المقصود من المصلحة التي يجب ابلاغها الى العباد ان كانت هي العبودية والخضوع الى الله تعالى فهي ممكنة التحقق والتحصيل حتى عن طريق الاحكام الظاهرية، فلا تفوت بخفاء الاحكام الواقعية؛ فان الحكم الظاهري موجود دائما عند خفاءالحكم الواقعي.

وان كان المقصود منها المصلحة والمنفعة الثابتة في متعلقات الاحكام الواقعية قبل تعلقها بها وبقطع النظر عن احكام الشارع ،فان ايصالها ليس واجبا عليه تعالى، بل جرت السنة الالهية على ايكال امر تحصيلها الى خبرة البشر انفسهم، وبصيرتهم المتنامية المتطورة من خلال التجارب والممارسات؛ ولعل الحكمة في ذلك تكمن في ترك البشر وشانهم ليتكاملوا ويكدوا ويسعوا لكي تتفتح قدراتهم وامكاناتهم بصورة تدريجية.

هذا، مضافا الى ان هذه القاعدة لا تعني اكثر من وجوب ايصال المصلحة بالطرق المتعارفة عن طريق بيان الائمة (ع) للرواة المعاصرين لهم.

اذا، لا ربط لمسالة الاجماع بقاعدة اللطف حتى يمكن الاستدلال بها عليه ((237)).

الصورة الثانية ـ جريان العادة بحفظ المصالح:
وهي نفس الصورة السابقة، الا انها تختلف عنها في انها لا تحتم على الله تعالى اللطف بعباده، بل تعتبره حالة ثابتة جرت عادته عليها، فلو قام الاجماع على ما يخالف الواقع فان عادة الله تقضي بارشاد عباده الى خلافه، كما هي عادته في ارسال الرسل وانزال الكتب وغير ذلك.

وأورد عليها: بان العادة وان ثبت جريانها في الامور المذكورة، الا انه لا دليل على ثبوتها في موارد اخرى لم يتمكن الناس فيهامن تلقي الاحكام لقصور او تقصير في انفسهم ((238)).

ولو سلمنا ان مقتضى القاعدة القاء الخلاف لحفظ المصالح، فان ذلك لا يحل المشكلة ما لم يمنع الكل او الاكثر على اقل تقدير؛لان مجرد القاء الخلاف لا يوجب انكشاف المصلحة المجهولة لديهم ((239)).

الصورة الثالثة ـ وجوب اللطف بسد ثغرة الدين:
وهي تعني ان على الله تعالى الا يبقي في الدين ثغرة توجب وهنه وضعفه، فاذا قام الاجماع وادى الى ضعف الدين والاستهانة به فان مقتضى اللطف القاء الخلاف بين المجمعين وتشتيت آرائهم.

فلو فرضنا - مثلا - ان نتيجة الاجماع هي التفرقة بين الاسود والابيض في بعض الحقوق والواجبات، فمن الطبيعي ان يكون ذلك موجبا لوهن الدين، فلابد حينئذ من سد هذه الثغرة بهدم الاجماع او المنع من حدوثه وانعقاده، فلو حدث الاجماع وانعقد، دل حدوثه على مطابقته للواقع وعدم استلزامه لما يوجب ضعف الدين.

ويمكن المناقشة فيها: بان ذلك لو تم فهو لا يجري في الاحكام التعبدية الصرفة التي لا نظر للناس فيها حتى يضعف الدين بسببها، فالدليل الذي اقاموه في هذا المجال اخص من المدعى ((240)).

وعلى كل حال، فالاجماع اللطفي هو الذي اختاره الشيخ الطوسي وجماعة، الا ان بعض عباراته قد توهم بانه كان يعتقد -مضافا الى ذلك بالاجماع الدخولي، وبذلك صرح المحقق القمي ((241))، بل صرح بعضهم بان الشيخ لم يكن يعتقد الا بالاجماع الدخولي، وان ما ذكره من قاعدة اللطف كان وسيلة لاثبات هذا الاجماع والاستدلال عليه ((242)).

وفي قبال ذلك ذهب الشيخ الانصاري الى ان الشيخ الطوسي لم يكن معتقدا الا بالاجماع اللطفي ((243))، مستشهدا بقوله في عدة الاصول بان هذا الكلام من السيد المرتضى غير صحيح؛ لانه يؤدي الى عدم صحة الاحتجاج باجماع الطائفة اصلا؛ لانا لا نعلم دخول الامام (ع) في المجمعين الا باعتبار قاعدة اللطف((244)).

الثاني ـ الكشف على اساس العقل النظري:((245))
 لقد حاول جماعة ((246)) من متاخري المحققين بل معظم المتاخرين ((247)) الاستدلال على كشف الاجماع عن راي المعصوم او عن دليل معتبر بالعقل النظري.

اما الكشف عن راي المعصوم: فقد قيل ان هناك ملازمة بين اجماع العلماء على حكم معين وبين كشفه عن راي المعصوم (ع)؛لان الملازمة قد تكون عقلية: كالملازمة بين العلة والمعلول كالنار والحرارة.

وقد تكون عادية: كالملازمة بين آراء المرؤوسين ورئيسهم.
وقد تكون اتفاقية: كالملازمة بين الخبر المستفيض وصدقه والملازمة بجميع اقسامها هذه تجري في الاجماع.

اما الملازمة العقلية فقد ذكروا في بيانها: انه لا يمكن انفكاك الفتاوى الكثيرة للعلماء عن راي المعصوم (ع)؛ لان كل واحدة منهاتوجب الظن برايه (ع)، ويزداد هذا الظن قوة كلما ازداد عدد المفتين الى ان يصل درجة القطع بالمطابقة وعدم انفكاك الاجماع عن راي المعصوم.

واورد عليه: بان هذا الكلام وان كان صحيحا في الاخبار الحسية كما في الاخبار المتواترة - لان احتمال مخالفة الواقع فيها ينشااما من احتمال الخطا في الحس او من احتمال تعمد الكذب، وكلا الاحتمالين يضعف بكثرة المخبرين الى ان يحصل القطع بالمخبر به، فينعدم الاحتمالان - الا ان ذلك لا يصح في الاخبارات الحدسية المبنية على البرهان كما في المقام ((248)).

اما الشهيد الصدر فقد ذكر ((249)) انه لا مانع من القول بان تراكم القيم الاحتمالية قد يكون مؤديا بسبب كثرتها الى القطع بالواقع، فكلما ازداد عدد المجمعين ازداد احتمال قربهم الى الواقع وراي المعصوم (ع). لكنه اكد في الوقت نفسه على ان هذا البرهان المسمى ببرهان حساب الاحتمالات لا يعني وجود الملازمة بين فتوى المجمعين وبين راي الامام (ع)؛ لان الملازمة تعني عدم امكان الانفكاك بين اللازم والملزوم، وهو ما لا يمكن احرازه؛ اذ كثيرا ما نقطع بشيء فينكشف بعد ذلك خلافه.

والطريقة المثلى في تصوير كاشفية الاجماع عن راي المعصوم بحساب الاحتمال هو ان يقال: ان فتوى العلماء المعاصرين لزمان الغيبة اذا استقرت على حكم معين ولم يكن بايدينا ما يساعد عليه؛ لكونه خلاف القواعد العامة المنقولة الينا من قبلهم في كتب الحديث مثلا دل ذلك على وجود ماخذ على الحكم المذكور؛ باعتبار ان افتاء اولئك الاجلاء من دون دليل وماخذ غيرمحتمل في حقهم، كما انه لا يحتمل في حقهم ان يكونوا قد غفلوا عن مقتضى القاعدة الاولية المخالفة لهذا الحكم؛ لانهم هم الذين نقلوا الينا هذه القواعد، فهي واضحة مشهورة مطبقة من قبلهم في نظائر ذلك، فلابد من وجود ماخذ خرجوا على اساسه عن مقتضى تلك القواعد، وهذا الماخذ يتردد في بادئ الامر بين احتمالين: احدهما: ان تكون هناك رواية عندهم قد استندوا اليها ولم تصل الينا، والخر: ان يكون هناك شيء غير الرواية يسمى بالارتكاز العام.

والاحتمال الاول ساقط عادة؛ اذ لو كانت هناك رواية لوصلت الينا عن طريق كتبهم الفقهية الاستدلالية او الروائية، فليس من المعقول ان يكون استنادهم الى رواية واضحة الدلالة ومع ذلك لم تصل الينا، مع انهم تعرضوا لروايات ضعاف لم يعتمدواعليها سندا ودلالة في مجامعهم الروائية وكتبهم الاستدلالية، فاذا لم يذكروا حديثا فيما توصلوا اليه من حكم، دل ذلك على انهم تلقوا الحكم المذكور بنحو الارتكاز العام الذي لمسوه عند الجيل الاسبق منهم وهم جيل اصحاب الائمة (ع) الذين هم حلقة الوصل بينهم وبين الائمة ومنهم انتقل كل هذا العلم والفقه اليهم. وهذا الارتكاز ليس رواية محددة لكي تنقل، بل هو مستفاد بنحو وآخرمن مجموع دلالات السنة؛ من فعل المعصوم او تقريره او قوله، ولهذا يحصل لنا القطع بمفاد هذه الاجماعات باعتبار استنادها الى امور قريبة من الحس؛ لان الارتكاز كالحس وليس كالبراهين العقلية الحدسية التي يحتمل خطؤهم في فهمها جميعا.

وبذلك يتعين الاحتمال الثاني من الاحتمالين المتقدمين، فيحصل الجزم او الوثوق بالحكم ضمن شروط وتحفظات لابد من اخذها بعين الاعتبار لتتم الحسابات الكاشفة عن راي المعصوم.

وبذلك اتضح عدم صحة ما تقدم من ان تراكم الفتاوى انما يوجب القطع في الحسيات دون الحدسيات؛ لاننا لا نريد ان نستكشف راي الامام من الاجماع مباشرة ليقال: ان قول الامام محجوب عنهم، بل نستكشفه بتوسط الارتكاز العام الموجودبين اصحاب الائمة السابقين؛ فانه كاشف عن رايه (ع)؛ لكونهم معاصرين له (ع) ومتلقين لكل تصوراتهم منه. ((250))

هذا كله في الملازمة العقلية.

واما الملازمة العادية فقد قالوا في تصويرها: ان كشف الاجماع عن راي المعصوم ككشف اتفاق المرؤوسين عادة عن راي رئيسهم، فاذا اتفق الوزراء واركان الدولة على شيء فانه يكشف عادة عن موافقة السلطان لهم.

وأورد عليه:
أولا ـ ان ذلك انما يتم فيما اذا كان المرؤوسون ملازمين لرئيسهم كملازمة الوزراء لسلطانهم، وليس اجماع العلماء في عصرالغيبة من هذا القبيل ((251)).
وثانيا ـ ان غاية ما يمكن تحصيله من الاجماع هو كشفه عن الحكم الشرعي عادة، لا الملازمة بينه وبين الحكم الشرعي؛ لان الملازمة تعني عدم امكان الانفكاك، وقد تقدم ان كشف الاجماع عن الحكم الشرعي لا يعني عدم امكان انفكاكه عنه.

وأما الملازمة الاتفاقية فقد قالوا في تصويرها: ان اتفاق العلماء يلازم احيانا راي المعصوم ويكشف عنه، وهي طريقة المتاخرين في دعوى الاجماع ((252)).

وقد علق السيد الخوئي على ذلك بما حاصله: ان الملازمة الاتفاقية بهذا المعنى مما لا سبيل الى انكارها، الا اننا لا يمكننا ادخالهاتحت ضابطة معينة؛ لان استكشاف قول الامام (ع) بهذه الطريقة يختلف باختلاف الاشخاص والانظار، فرب فقيه لا يرى تحقق الملازمة الا عن طريق اتفاق علماء جميع الاعصار، وآخر يراها تتحقق باجتماع علماء عصر واحد او جماعة من عصر واحد، بل ذهب بعضهم الى تحققها باجتماع ثلاثة علماء فقط، وهم الشيخ الانصاري والسيد الشيرازي الكبير والميرزا محمد تقي الشيرازي قدس الله اسرارهم، وذلك لاعتقاده بشدة ورعهم ودقة نظرهم ((253)).

واما الشهيد الصدر (قدس سره) فقد اعتبر ان اعتقاد المتاخرين بان الاجماع كاشف بالملازمة عن راي المعصوم يرجع في حقيقته الى حساب الاحتمالات الذي يتاثر بعوامل عامة وخاصة متعددة، ولهذا تختلف الاجماعات من حيث الكشف المذكورحسب اختلاف مواردها وخصائصها ((254)).

هذا، ومن تتبع كلمات الفقهاء يجدها في ظاهرها منطوية على حالة من التذبذب وعدم الاستقرار في طريقة التعامل مع الاجماع،فبينما هم يستدلون بالاجماع في بعض مسائل الفقه، نجدهم يرفضون حجيته عند استدلال الغير به في مسائل اخرى.

ويمكننا توجيه ذلك: بانهم اذا كانوا قد رفضوا الاستدلال بالاجماع فهم يرفضونه لعدم بلوغه درجة الكشف التام عن قول المعصوم (ع)، واذا قبلوه واستدلوا به فلبلوغه درجة الكاشفية عن قول المعصوم (ع)، فاختلاف المواقف تابع لاختلاف النتائج والمعطيات التي يحصلون عليها لاكتشاف الحكم الشرعي.

وبذلك يمكننا التعرف على ضوابط الكشف الرئيسية التي كانوا يعتمدون عليها للتوصل الى الاحكام الشرعية من خلال الاجماع((255)).

ويمكن رفع التهافت بطريقة اخرى مفادها: ان ذكر الاجماع في البحوث الفقهية الاستدلالية لا يكون الا من باب المؤيد الى جانب الادلة الاخرى، لا انه يستدل به بصورة مستقلة عن غيره.

الملازمة الشرعية (الاجماع التقريري):

يطلق الاجماع التقريري - كما تقدم - على الاجماع الذي يقوم على اساس تقرير الامام (ع) وسكوته عما توصل اليه المجمعون اذاكانوا مصيبين، وارشادهم الى الحق وصرفهم عما توصلوا اليه اذا كانوا مخطئين.

فاذا اجمعوا على حكم ولم يردعهم عنه احد، كشف ذلك عن صدق ما توصلوا اليه ومطابقته للواقع، والا كان على الامام حتى في زمن الغيبة ان يتدخل لارشادهم وينقذهم من ضلالهم؛ لان سكوته يكون تقريرا لعملهم ((256)).

وانما سمينا ذلك ملازمة شرعية؛ لان الملازمة بين الاجماع والكشف عن راي المعصوم لم تكن لتحدث لولا وجوب ارشادالمخطئين شرعا؛ حيث دل سكوته (ع) عنهم على صوابهم.

وقد اعتقد بهذه الطريقة من الاجماع بعض المتاخرين، ويحتمل ان يكون ابو الصلاح الحلبي من المتقدمين ممن ذهب اليه ((257)).

والاشكال في هذه الطريقة من الاجماع هو ان ارشاد الناس وامرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر انما يجب لو تحققت شروطه، وهي غير محرزة في المجمعين اذا كانوا مخطئين. ((258))

الظروف المساعدة على كاشفية الاجماع((259)):

هناك عدة امور يمكن ان تكون مساعدة على كشف الاجماع عن الحكم الشرعي، وهي كما يلي:

1- نوعية المجمعين:
ان لنوعية المجمعين تاثيرا كبيرا في الكشف عن الحكم الشرعي، فاذا كان المجمعون متقدمي فقهاء عصر الغيبة الذين يتصل عهدهم بعهد الرواة وحملة الحديث والمتشرعين المعاصرين للمعصومين، فانه بواسطتهم يمكن الكشف عن الارتكاز العام الحاكم لدى طبقة الرواة.

وكذا لو كان المجمعون من الذين يكثر الخلاف بينهم في اكثر المسائل؛ لاختلاف مشاربهم وانظارهم في معالجة المسائل ،فان اتفاقهم رغم ما هم عليه من اختلاف يدل على ان ما توصلوا اليه قريب من الواقع.

2- عدم وجود مدرك في مورد الاجماع:
لابد الا يكون المجمعون او جملة معتد بها منهم قد صرحوا بمدرك محدد لهم، بل لابد الا يكون هناك مدرك معين من المحتمل استناد المجمعين اليه، والا كان المهم تقييم ذلك المدرك.

وعلى هذا الاساس، يسقط الكثير من الاجماعات عن الاعتبار؛ لانها مذكورة الى جانب الادلة الاخرى، وقلما نجد اجماعا مجرداعنها، فالمسائل التي لا دليل لها الا الاجماع لا تتعدى الخمس والعشرين مسالة كما قيل ((260))، وان كان المنقول عن السيد البروجردي انها خمسمئة مسالة ((261)). وقد ذكر المحقق القمي عدة امثلة لهذه المسائل، منها: مسالة نجاسة ابوال وارواث ما لا يؤكل لحمه، ومنها: نجاسة الماء القليل بجميع اقسامه بملاقاة النجاسة، ومنها: نجاسة ماء الورد بملاقاة النجاسة حتى ولو بلغ الف كر.

ويبدو ان التفريق بين الاجماع المدركي وغير المدركي لم يكن مطروحا عند المتقدمين، بل ولا عند اكثر المتاخرين؛ بدليل انهم عندما يحاولون الرد على المتقدمين - الذين استدلوا بالاجماع على مسالة انفعال ماء البئر بملاقاة النجاسة - لم يتمسكوا في ردهابكون الاجماع المدعى في ذلك مدركيا منشؤه وجود روايات متعددة في هذا الباب، بل تمسكوا بدلا عن ذلك بوجود المخالف وانه معارض بروايات اخرى.

قال صاحب الجواهر - بعد ان ذكر الروايات الدالة على الانفعال -: «ان اقوى دعوى لهم في ذلك الاجماعات المنقولة، وهي مع كون المخالف لها موجودا حتى من القدماء، بالاضافة لاطباق المتاخرين على خلافه، مع مخالفتها لما سمعت من الاخباريضعف الظن بها؛ لقوة الاخبار - عليها من وجوه. على انه يظهر من العلا مة في المنتهى ((262)) المناقشة في نسبة ذلك الى الاكثر، فضلا عن دعوى الاجماع عليه» ((263)).

وهذا الكلام من صاحب الجواهر - وعدم استدلاله بكون الاجماع المدعى مدركيا - يدل على مدى تاخر الاعلام - حتى المعاصرين منهم - عن التصريح بالفرق بين الاجماع المدركي وغيره.

ولعل اول من صرح بهذا الفرق هو المحقق العراقي عند تعرضه لادلة جواز الاخذ بالبراءة قبل الفحص، حيث قال: «اما الاجماع فلا وثوق به؛ لقوة احتمال كون مدرك المجمعين فيه هو حكم العقل» ((264)).

ثم توالت بعد ذلك التصريحات للتاكيد على هذا الفرق الى زماننا هذا.

ولابد من الاشارة الى ان الكلام حول عدم حجية الاجماع المدركي انما يصح اذا كان المبنى في حجيته يستند الى الملازمة اوحساب الاحتمالات، حيث يقع البحث حينئذ عن ضرورة مراجعة مدرك الاجماع بدلا من مراجعة نفس الاجماع.

بخلاف ما لو كان المبنى هو التشرف او قاعدة اللطف او دخول الامام في المجمعين او تقريره لاجماعهم؛ وذلك لان المبنى اذاكان هو التشرف بخدمة الامام فان تحصيل الحكم الشرعي عن هذا الطريق يكون بالاتصال المباشر بالامام وسماع الحكم الشرعي منه، فلا معنى للتشكيك في دلالة كلام الامام على المطلوب بعد ان كان هدف الامام تفهيم الشخص بالحكم الشرعي،كما لا معنى للتشكيك في السند بعد ان كان الشخص قد تلقى النص من الامام مباشرة.

بل ان البحث عن مدرك الاجماع التشرفي لا يبقى له مبرر بعد افتراض كونه ماخوذا من الامام مشافهة من دون استناد الى رواية مذكورة في كتب الحديث حتى يمكن مراجعتها والبحث عن دلالتها وسندها.

واما اذا كان المبنى في الاجماع هو قاعدة اللطف او تقرير الامام او دخوله في المجمعين، فهو ايضا لا يصحح الاشكال في حجيته؛ لان المفروض ان الامام ايدهم فيما توصلوا اليه، سواء كان ذلك بقاعدة اللطف، او بدخوله في المجمعين، او بتقريره لعملهم.

اذا، فلم يبق مجال للاشكال في حجية الاجماع المدركي الا على مبنى الملازمة او حساب الاحتمالات اللذين لم يفترض فيهمااحراز لقول المعصوم (ع) الا بمقدار ما يكشفه الاجماع عن قوله (ع)، ولما كان منشا الكشف في الاجماع المدركي هو نفس المدرك الذي يستند اليه المجمعون فلابد من مراجعته للتاكد من سنده ومقدار دلالته على ما ادعاه المجمعون من دون ايكال ذلك الى المجمعين انفسهم؛ وذلك لاحتمال خطئهم وغفلتهم عن اشكالات السند او الدلالة.

3- عدم وجود قرائن عكسية:
يجب الا تكون هناك قرائن عكسية تدل على عدم وجود ارتكاز ووضوح في حكم المسالة لدى المعاصرين للائمة (ع) او القريبين من عصرهم (ع)، والا كان ذلك معارضا مع كاشفيته الاجماع، ومانعا عن الوصول الى القطع بحساب الاحتمالات؛ اذ مع عدم وضوحها يصعب الحكم بان المجمعين مصيبون فيما توصلوا اليه؛ لاحتمال ان يكونوا مخطئين في ذلك؛ لان الخطا كثيرا مايحصل عند عدم وضوح المسائل، بخلاف ما لو كانت واضحة لدى الجميع.

ومن هذا القبيل ما روي في مسالة طهارة الكتابي ونجاسته، حيث يستنتج من سؤال الراوي ان نجاسة الكتابي لم تكن مرتكزة في اذهان الاصحاب، ولذا نجدهم يؤكدون للامام (ع) بان الكتابي يشرب الخمر وياكل الخنزير، كما في صحيحة عبد الله بن سنان، حيث قال: سئل ابو عبد الله (ع) وانا حاضر: اني اعير الذمي ثوبي وانا اعلم انه يشرب الخمر وياكل لحم الخنزير، فيرده علي، فاغسله قبل ان اصلي فيه؟ فقال ابو عبد الله (ع): «صل فيه، ولا تغسله من اجل ذلك؛ فانك اعرته اياه وهو طاهر، ولم تستيقن انه نجسه...» ((265)).

4- توافر دواعي الحكم المقابل:
قد يتفق احيانا ان تكون هناك دواع كثيرة لاشاعة الحكم المخالف للاجماع، فلو كان هذا الحكم هو الموافق لنظر الشريعة حقالشاع وانتشر بسرعة؛ لتوفر الظروف والدواعي لانتشاره، كما هو الحال في مسالة الخمس في ارباح المكاسب؛ فان الحكم الواقعي لو كان هو عدم وجوب الخمس لشاع ذلك بين الكل؛ لرغبة السلطة الجائرة آنذاك في اشاعة امثال هذه الاحكام وحرمان الائمة (ع) من حقوقهم، فلو قام الاجماع رغم هذه الظروف على وجوب الخمس دل قيامه على مطابقته للواقع؛ لانه انعقد مع توافر الدواعي على عدم انعقاده.

ومن هذا القبيل ايضا لو كانت هناك رواية صحيحة دلت على الحكم المخالف لحكم الاجماع فان توجه المجمعين الى الحكم المتفق عليه رغم وجود رواية صحيحة يدل على مدى وضوح الحكم المجمع عليه لديهم ومطابقته للواقع.

5- كون المسالة شرعية:
لابد ان تكون المسالة المتفق عليها مما يترقب ورود النص الشرعي بشانها، لا ان تكون من المسائل العقلية او التطبيقية؛ اذ من المحتمل حينئذ ان يكون المجمعون قد اعتمدوا على دليل غير شرعي في التوصل اليها.

ومما تقدم يتضح ان الاجماع يمكن ان يكون حجة اذا توفرت فيه الظروف المناسبة للكشف عن راي المعصوم سواء كان بالملازمة او بحساب الاحتمالات، وانما رفض البعض حجيته لاعتقادهم بعدم حصول الكشف في اكثر الحالات التي ينعقد فيهاالاجماع؛ لانه انما يكشف بنحو الملازمة الاتفاقية التي لا يمكن ادخالها تحت ضابطة معينة.

الى هنا كان الكلام حول كشف الاجماع عن قول المعصوم (ع).

واما كشفه عن دليل معتبر: فقد ذكر بعضهم ان اجماع عدد كبير من الاعلام على حكم قد يكون كاشفا عن دليل معتبر لو وصل الينا لاخذنا به ((266))، فلو حصل الاتفاق مثلا على ان حد الكر في الماء ثلاثة اشبار ونصف في ثلاثة اشبار، فلابد وان يكون هذا الاتفاق كاشفا عن وجود دليل معتبر اعتمده المجمعون وان لم يصل الينا، خصوصا وان ديدن المتقدمين هو التعبد بالاخباروالرجوع اليها والافتاء على وفق متونها، حتى كانوا لا ينقلون بالمعنى الا بالمقدار الذي ثبت جوازه ((267)).

وقد ذكر المحقق النائيني ان مسلك الكشف عن دليل معتبر عند المجمعين هو اقرب المسالك الى الحق ((268)).

ولابد من الاشارة الى ان كشف الاجماع عن دليل معتبر كما يمكن ان يكون بالملازمة يمكن ان يكون بحساب الاحتمالات، وذلك بنفس الطريقة التي ذكرناها في كشف الاجماع عن قول المعصوم، فلا نعيد.

وعلى أية حال، فان غاية ما يدل عليه هذا المسلك هو ان ورع الفقهاء وتقواهم يمنعهم من الافتاء بغير علم، وانه لابد ان يكون هناك دليل استندوا اليه في استنباطهم.

ويرد عليه: ان هذا الدليل ان كان رواية فكيف يمكن ان يكونوا قد عملوا بها ولم ينقلوها في كتبهم، مع انهم ملتزمون بنقل جميع ما هو موجود عندهم من اخبار حتى لو كانت ضعيفة؟! ولو فرضنا ان هناك رواية كانوا قد اعتمدوا عليها، فليس من الضروري ان تكون معتبرة بنظرنا؛ لاحتمال ضعفها دلالة اوسندا وان كانت بنظرهم غير ضعيفة ((269)).

هذا اذا كان دليل المجمعين دليلا روائيا، واما لو كان اصلا او قاعدة فيمكن المناقشة ايضا: بان المجمعين قد يكونون مخطئين في تطبيقهم لهذه القاعدة او الاصل، كما سيظهر ذلك جيدا عند البحث عن المسامحة في نقل الاجماع.

ومن الواضح ان هذا الاشكال لا يكون واردا اذا اخذنا بوجهة النظر القائلة باستناد الكشف في الاجماع على ارتكاز عام يدل دلالة قطعية على راي المعصوم (ع)؛ اذ لا يوجد مدرك في الحكم المجمع عليه حتى يمكن مناقشته ((270)).

الفرق بين الاجماع المدركي وكشفه عن دليل معتبر:

ان وجود الشبه بين هذين العنوانين قد يؤدي الى الخلط بينهما، مع انه في الاجماع المدركي لابد من وجود دليل فعلي يصلح لان يكون مدركا للمجمعين، بخلاف الاجماع الكاشف عن دليل معتبر؛ فانه يكون بعد الفراغ عن عدم وجود دليل معتبر صالح للاستدلال ((271)).

على ان المنكشف في الاول هو نفس الحكم الشرعي، وفي الثاني الدليل الدال عليه.

الاجماع امارة ام دليل قطعي؟

اتضح مما سبق ان الاجماع امارة ظنية تعبدية اذا كان الدليل على حجيته اليات والروايات المتقدمة؛ لان غاية ما تدلا ن عليه هولزوم العمل بمضمون الاجماع تعبدا.

بخلاف ما لو كان الدليل على حجيته هو العقل العملي او النظري مثلا، فانهما يدلا ن على مطابقة الاجماع للواقع وكشفه عنه كشفا قطعيا؛ ولذا فهو يكون دليلا قطعيا على الحكم الشرعي ((272)).

النصاب اللازم في تحقق الاجماع:

لا حد ولا نصاب لعدد المجمعين على اساس المبنى الكشفي غير الاستقلالي؛ لما ذكرنا من ان الكشف عن الحكم الشرعي يتاثربعوامل متعددة، منها: نوعية المجمعين، وتوافر الدواعي للحكم المقابل، وعدم وجود قرائن عكسية..الى غير ذلك من العوامل التي تساعد على الكشف عن الحكم الشرعي حتى مع عدم تحقق الاجماع بمعناه الحقيقي - وهو اتفاق الجميع - لان المعيار في الحجية على هذا المبنى ليس في تحقق نفس الاجماع، بل في درجة كشفه عن الحكم الشرعي((273)).

قال الخراساني:

وليس شرطا اتفاق الكل
بل دونه من اجتماع الجل
((274))

نعم، يستثنى من هذا الكلام المبنى اللطفي الذي يشترط في تحققه اتفاق جميع العلماء ولو في عصر واحد.

وهل هناك نصاب معين على المبنى الاستقلالي السني؟

الجواب: ان ذلك يختلف باختلاف الادلة التي اقاموها على حجيته، فان كان دليلهم هو قوله تعالى: (ويتبع غير سبيل المؤمنين...) ((275))، فالنصاب اللازم فيه هو اتفاق جميع المؤمنين؛ لعدم صدق سبيل المؤمنين بغير الجميع.

وان كان دليلهم هو «لا تجتمع امتي على خطا» ((276)) فالنصاب هو اتفاق الامة باسرها.

ولما كانت الاجماعات المدعاة في جميع المسائل لم يتحقق فيها هذان النصابان اضطروا الى العدول الى تحديدات اخرى للنصاب، كاتفاق اهل المدينة، او اهل الحرمين (مكة والمدينة)، او اهل الكوفة والبصرة، او اكثرية المسلمين، او الفقهاءوالاصوليين، او اهل الحل والعقد... وغير ذلك من التحديدات التي لم يدل عليها دليل ((277)).

مقدار دلالة الاجماع:

لما كان كشف الاجماع قائما على اساس اجتماع انظار اهل الفتوى على قضية واحدة، فلابد من اختصاصه بالمقدار المتفق عليه، فعند اختلاف الفتوى بالعموم والخصوص لا يتم الاجماع الا في مورد الخصوص ((278)).

فاذا كان معقد الاجماع مطلقا وله قدر متيقن، فلابد من الاقتصار عليه وعدم التعدي بالاجماع الى غيره؛ لان كاشفيته بحساب الاحتمالات في القدر المتيقن اقوى من كاشفيته في غيره؛ باعتبار ان خطا المجمعين في تشخيص اصل الارتكاز ابعد من خطئهم في تشخيص حدوده وامتداداته.

وقد عبر علماؤنا عن ذلك بوجوب الاخذ بالقدر المتيقن في الدليل اللبي ((279)).

تطبيق الحجية على بعض اقسام الاجماع:

بعد ان اتضح الاساس الذي تبتني عليه حجية الاجماع، لا باس بتطبيقها على بعض اقسامه المهمة التي اهتم الاصوليون بدراستها والتعرض لمسائلها:

أ ـ الاجماع المركب:
تقدم ان الاجماع المركب هو عبارة عن اتفاق العلماء على نفي القول الثالث رغم وجود الخلاف بينهم.

ويمكننا تصور الاجماع المركب على نحوين:

النحو الاول: ان يكون نفي القول الثالث عند كل فقيه مرتبطا باثبات ما تبناه من راي؛ بمعنى ان الفقيه ينفي القول الثالث اذا كان الراي الذي تبناه صحيحا، والا فلا يرفضه.

وحينئذ، اذا شك الفقيه فيما توصل اليه من راي فسوف يشك في نفي القول الثالث ايضا؛ لانه في طوله ومترتب عليه.

والاجماع بهذه الصورة انما يكون حجة على بعض مباني الاجماع المتقدمة، كالمبنى اللطفي والدخولي؛ اذ لو كان القول الثالث المتفق على نفيه حجة لكان على الامام ان يلقي الخلاف بينهم، او لا يدخل ضمن اجتماعهم.

واما على المباني الاخرى كمبنى الملازمة وحساب الاحتمالات - فلا يكون الاجماع حجة؛ اذ مع انقسام العلماء الى رايين يحصل لنا العلم ببطلان احدهما، فيؤدي ذلك الى فقدان نصف القيم الاحتمالية التي كان بامكاننا التوصل من خلالها الى الكشف عن قول المعصوم في نفي القول الثالث.

النحو الثاني: الا يكون نفي القول الثالث عند كل فقيه مرتبطا باثبات ما تبناه من راي، بل هو ينفي القول الثالث حتى مع بطلان ما اختاره.

وهذا المعنى من الاجماع يرجع في حقيقته الى الاجماع البسيط؛ لان الكل متفق على نفي القول الثالث بقطع النظر عن اختلافهم في الاقوال الاخرى.

وحينئذ، يكون الاجماع حجة في نفي القول الثالث على جميع المسالك المتقدمة؛ لانه لا يختلف ملاكا عن الاجماع البسيط((280)).

الفرق بين الاجماع المركب وعدم القول بالفصل:

ان الفرق بين هذين الاصطلاحين يكمن في ان الموضوع في الاول جزئي ليس له افراد متعددة، بخلاف الثاني.

ومثال الاول: مسالة الجهر في القراءة في ظهر الجمعة التي انقسم العلماء فيها بين قائل بالاستحباب وقائل بالوجوب، فالقول بالحرمة يكون خرقا لما اتفقوا عليه في هذين القولين.

ومثال الثاني: ثبوت خيار العيب في جميع اقسامه وافراده على قول، وعدم ثبوته في جميعها على قول آخر، فالقول بثبوته في بعض دون بعض يكون حينئذ قولا بالفصل، وخرقا لما اتفقوا عليه في هذين القولين.

وانما سمي قولا بالفصل؛ لانه يفصل بين افراد الموضوع الواحد في الحكم؛ فيجعل لبعضها حكما ولبعضها حكما آخر.

ومن ذلك يعلم ان المخالفة الحاصلة بين القول الثالث وبين الاجماع المركب تختلف عن التباين مخالفة القول الثالث وعدم القول بالفصل؛ لان المخالفة للاجماع في المركب شامل لموضوع الحكم باسره وهو الجهر في القراءة؛ لان الاجماع ينفي حرمة الجهر فيها، والقول الثالث يثبتها.

بعكس مخالفة عدم القول بالفصل؛ فانها ناقصة؛ لان القول الثالث لا ينفي مفاد القولين الا في بعض افراد موضوعهما، فينفي الخيار في بعض افراد العيب ويثبته في بعضها الآخر.((281))

ب ـ الاجماع السكوتي:
وقد عرفوه - كما تقدم - بانه عبارة عن تصريح مجموعة من الاعلام برائهم في مسالة وسكوت آخرين عنها.

وقد وقع الخلاف في حجيته، فذهب علماؤنا الى عدم حجيته، بل قيل: انه ليس من الاجماع ((282))؛ لان سكوت البعض لا يمكن ان يكون دليلا على رضاهم دائما؛ اذ قد يكون سكوتهم للتوقف او التامل في المسالة او لخوف الفتنة او الخجل في بيان الحكم المخالف او المداهنة او عدم الاهتمام ببيان الحق او الجهل بالحكم الشرعي او عدم وصول المخالفة وغير ذلك مما له دخل في السكوت ((283)).

وحينئذ، لا يكون الاجماع السكوتي حجة الا في حالات نادرة يكون فيها السكوت كاشفا عن الرضا، كما لو تكرر كثيرا في مناسبات تعم فيها البلوى ((284)).

وفي مقابل ذلك، اعتبر جماعة من اهل السنة الاجماع السكوتي حجة مطلقا؛ لان السكوت - في رايهم - كاشف عن الرضا دائما؛لجريان العادة في كل عصر بافتاء اكابر العلماء في مسالة وسكوت اصاغرهم تسليما وقبولا، بل ان تعذر تحصيل آراء الجميع كاف لاثبات حجيته باعتقادهم ((285)).

وفصل آخرون بين كون الساكتين في عصر الصحابة وغيرهم، فيكون الاجماع حجة في العصر الاول دون الثاني اذا كان مورده مما يفوت استدراكه، كاراقة الدماء واستباحة الفروج، وفي غير ذلك لا يكون حجة، كاخذ الاعيان ((286)).

ج ـ الاجماع المنقول:
لم يكن الاجماع المنقول مطروحا في اكثر كلمات المتقدمين، بل لم يستدل به احد في مسائل الفقه المختلفة الى زمان العلا مة الذي كان اول من صرح بحجيته ((287)).

وقيل: ان اول من طرح ذلك المحقق ثم من بعده العلا مة؛ لان التركيز كان على الاجماع المحصل.((288))

وقد وقع الخلاف بين الاعلام ((289)) في حجية الاجماع المنقول، والسبب في ذلك هو ان الالتزام بحجية خبر الواحد لا يعني بالضرورة التزاما بحجية الاجماع المنقول؛ لامكان الالتزام بحجية الاول دون الثاني ((290))؛ وذلك لان ادلة حجية الخبر لاتشمل كل خبر مهما كان نوع المخبر به، بل هي مختصة بالخبر الحسي الحاكي عن حكم شرعي او شيء ذي اثر شرعي؛ فهوالذي يصح ان يعبدنا الشارع به، والا فلا يكون مشمولا لادلة حجية خبر الواحد.

ومن المعلوم ان الاجماع المنقول - باستثناء الاجماع التشرفي والدخولي - المحكي فيه هو نفس اقوال العلماء، وهذه الاقوال لا هي حكم شرعي ولا ذات اثر شرعي ((291)).

وقد حاول البعض التخلص من هذه المشكلة، كما سيتضح ذلك من خلال البحوث المقبلة.

ثم ان الاجماع المنقول قد يكون منقولا بالتواتر، وقد يكون بالآحاد:

اما المنقول بالتواتر: فهو عبارة عن قيام عدد كبير من الاعلام بنقل الاجماع في مسالة بحيث يؤدي نقلهم الى العلم بثبوت المنقول.

ونقل الاجماع بهذه الصورة حكمه حكم المحصل من جهة الحجية؛ لانه يؤدي الى العلم باتفاق المجمعين ومطابقة ما يقولونه لقول المعصوم (ع) ((292)).

لكن الشيخ البهائي شكك في اصل تحقق التواتر في نقل الاجماع؛ باعتبار ان تحصيل آراء الجميع من قبل ناقل الاجماع لا يكون الا بالحدس والاستنباط ((293)).

واما المنقول بالآحاد: فهو عبارة عن قيام عدد قليل من الاعلام بنقل الاجماع بالمقدار الذي لا يؤدي الا الى الظن بحصول الاتفاق.

وهذا المعنى من نقل الاجماع هو الذي وقعت عليه معركة الراء، بل هو المراد من الاجماع المنقول عند اطلاقه دون غيره. ((294))

ولابد من الاشارة الى ان البحث عن حجية الاجماع المنقول لابد ان يكون بعد الفراغ عن حجية خبر الواحد؛ اذ بدون ذلك لا معنى للبحث عن حجيته سيما مع عدم وجود خصوصية تميزه عن خبر الواحد((295)).

المسامحة في نقل الاجماع:

قد يتسامح ناقل الاجماع مرة في اصل الاجماع واخرى من جهة معقده:

1 ـ المسامحة في اصل الاجماع:
قد ينقل الفقيه الاجماع لعثوره على عدد من الاقوال المتفقة على حكم معين فيقطع بموافقة الخرين لها، فيدعي الاجماع عليه،لكنه بعد ان يطلع على وجود المخالف يزول قطعه ويتراجع عن دعوى الاجماع.

قال المحقق السبزواري: «ان مرادهم بالاجماعات المنقولة في كثير من المسائل، بل في اكثرها، لا يكون محمولا على معناه الظاهر الى ان قال: والذي يظهر لي من تتبع كلام المتاخرين انهم كانوا ينظرون الى كتب الفتاوى الموجودة عندهم في حال التاليف، فاذا راوا اتفاقهم على حكم قالوا انه اجماعي، ثم اذا اطلعوا على تصنيف آخر رجعوا عن الدعوى المذكورة واعتبرواالمسالة خلافية. والشواهد على ذلك كثيرة ليس هنا محل تفصيلها»((296)).

وقد حاول الشهيد الثاني توجيه كثرة المسامحة في نقل الاجماع بقوله: «ان ذلك اما لعدم اعتبار المخالف المعلوم المعين، وامالتسميتهم ما اشتهر اجماعا، واما لعدم ظفرهم بالمخالف حين ادعوا الاجماع، واما لتاويل الخلاف على وجه يمكن مجامعته لدعوى الاجماع وان بعد، كجعل الحكم من باب التخيير...» ((297)).

وقد يكون من اسباب هذه المسامحة ايضا ان ناقل الاجماع يرى ان مدرك الحكم بدرجة من الوضوح لا يحتمل معه مخالفة من احد، فيدعي الاجماع على هذا الحكم، مع انه قد تخفى عليه بعض الاشكالات التي تكون مانعة من توصل الغير الى نفس النتيجة التي توصل اليها.

وهذه الكيفية من النقل لا يمكن ان تكون حجة على المنقول اليه الا اذا حصل له القطع بالمنقول.

ومن هذا القبيل ايضا دعوى ابن ادريس الاجماع على انه يجب على الزوج اعطاء فطرة زوجته لو كانت ناشزا((298)).

ورد عليه المحقق: بان احدا من علماء الاسلام لم يقل بذلك، فضلا عن الامامية ((299)).

والظاهر ان ابن ادريس لم يراجع اقوال العلماء، وانما استكشفها من روايات دالة باطلاقها على ذلك، فتصور ان الحكم فيهامعلق على عنوان الزوجية، ولم يلتفت الى انه معلق على عنوان العيلولة او على عنوان واجبي النفقة دون غيرهما ((300)).

2 ـ المسامحة في معقد الاجماع:
قد ينعقد الاجماع على قاعدة او اصل يرى ناقل الاجماع ان المسالة الكذائية مورد لجريانهما فيها، فيخيل للغير ان الاجماع قدانعقد على خصوص هذه المسالة؛ كما في الاجماعات المنقولة عن السيد المرتضى الذي كان كثيرا ما يدعي الاجماع على حكم لم يقل به احد، كدعواه الاجماع على جواز الوضوء بالماء المضاف ((301))، وكدعواه هو والشيخ المفيد الاجماع على جواز ازالة النجاسة بمطلق المائعات غير الماء، وقد علل السيد ذلك بقوله: «ان من الاصل العمل بدليل
((302)) الاصل ما لم يثبت الناقل،وليس في الشرع ما يمنع من استعمال المائعات في الازالة ولا ما يوجبها، ونحن نعلم انه لا فرق بين الخل والماء في الازالة، بل ربما كان غير الماء ابلغ، فحكمنا حينئذ بدليل العقل ((303)).

وهذا الكلام غير صحيح؛ لان ازالة النجاسة التي ذكرها السيد موردا لجريان البراءة قد وردت في خصوصها روايات يظهر من كلمة «اغسل» الواردة فيها كون التطهير لا يكون الا بالماء المطلق ((304))، ومع وجود الدليل الاجتهادي لا تصل النوبة للعمل باصل البراءة، بل لا يصح العمل به حتى مع عدم وجود الدليل؛ وذلك لكونها مجرى للاستصحاب دون البراءة؛ لمسبوقيتها بالحالة السابقة.

وعلى اية حال، فان الكثير من اجماعات القدماء يبدو انها لا تعني اكثر من الاتفاق على القواعد الكلية التي يمكن ان تكون مدركا لبعض الاحكام الجزئية. نعم، لو كان نقل الاجماع من المتاخرين كالمحقق والعلا مة والشهيد فالانصاف اعتبار حكايتهم؛ لانهم لا يدعون الاجماع الا بمراجعة نفس فتاوى العلماء وآرائهم ((305))

العوامل المساعدة((306)) على حجية الاجماع المنقول:

هناك عدة عوامل يمكن ان تكون مؤثرة في حجية الاجماع المنقول وكشفه عن قول المعصوم (ع)، وهي كما يلي:

1- قوة دلالة الفاظ الاجماع:
لابد في الاجماعات المنقولة من ملاحظة مقدار دلالة الفاظها قوة وضعفا، فقد تكون صريحة في الاجماع، وقد تكون ظاهرة فيه، وقد تكون مشعرة بتحققه.

اما الالفاظ الصريحة: فهي كما لو قال ناقل الاجماع: ان ذلك قام الاجماع عليه، او هو مختار الامامية، او الجميع، او اهل الاسلام، او اهل الحق، او اهل الايمان..الى غير ذلك من الالفاظ الصريحة في حدوث الاجماع وتحققه.

واما الالفاظ الظاهرة: فهي كما لو قال: لا خلاف في المسالة الكذائية، او لم نعرف فيها مخالفا، او لم يظهر فيه خلاف..الى غيرذلك من الالفاظ والكلمات التي لا تكون صريحة في الاجماع، بل هي ظاهرة فيه.

واما الالفاظ المشعرة: فهي تختلف باختلاف المواطن وموارد الاستعمال، كما لو قال الناقل: ان الحكم في المسالة الكذائية كذاوخالف فيه الشافعي، او ان الحكم كذا خلافا لجمهور العامة، فان امثال هذه العبارات تشعر بانعقاد الاجماع وحدوثه بين الشيعة بقرينة مخالفة الشافعي او العامة له؛ اذ لو كانت هناك مخالفة من قبل الشيعة لكان الاولى ذكرها بدلا من ذكر غيرها، ولذا قال المحقق السبزواري بعد ان نقل كلام من ادعى ان الشافعي هو الذي خالف في ثبوت الكفارة على المرضع اذا خافت الضرر على نفسها بسبب الصيام: «ان هذا الكلام مشعر بالاتفاق» ((307)).

2- مستوى التتبع والضبط والدقة العلمية:
يشترط في الاجماعات المنقولة ملاحظة المكانة العلمية لناقله، وقدرته على التتبع، وحفظ ما يتلقاه من الخرين، وغير ذلك من الاوصاف المؤثرة في صحة نقل الاجماع ومطابقته للواقع.

وهذه الاوصاف لا يبعد ان تكون متوفرة في عدد من علمائنا المتاخرين كالمحقق الاول والثاني والعلا مة والشهيدين والفاضل الهندي.

وعلى اية حال، من لم تتوفر فيه هذه الصفات لا يمكن الاعتماد على نقله؛ لعدم الوثوق بمطابقة ما يقوله للواقع.

3- وضوح المسالة وشهرتها:
ولابد ايضا من ملاحظة نوع المسالة التي نقل الاجماع فيها، فقد تكون من المسائل المشهورة المعروفة التي تناولها الاصحاب في كتبهم وتعرضوا لها في ابحاثهم، وقد تكون دون ذلك في المعروفية.

وقد تكون من المسائل الاستطرادية غير المعروفة، والتي ليس لها مكان محدد في ابحاثهم الفقهية، وانما عنونوها لمناسبات مختلفة وفي مواضع متفرقة لا يصل اليها الا الاوحدي من الاعلام.

ومن الواضح ان احتمال انعقاد الاجماع وتحققه في الحالة الاولى اقرب الى الواقع من احتمال انعقاده في الحالتين الثانية والثالثة؛ اذ لم يلتفت اليهما الكثير من الاعلام بسبب خفائهما، فمن الصعب حصول الاتفاق فيهما.

وعلى اية حال، اذا لم تتوفر الشروط المساعدة على الكشف في الاجماعات المنقولة فسوف يبقى نقل الاجماع فيها ناقصا يحتاج في كشفه عن قول المعصوم الى ضم اقوال اخرى لابد من تحصيلها من كلمات الاعلام.

احكام الاجماع:

1- حكم جاحد الاجماع((308)):
اختلف العلماء فيمن انكر حكما مجمعا عليه، فذهب بعض الى انه كافر، وذهب آخر الى خلافه، واختار ثالث التفصيل بين ما لوكان الحكم داخلا في مفهوم الاسلام كالعبادات والتوحيد والرسالة فيحكم بكفره، وبين ما لم يكن كذلك فلا يحكم بكفره((309)).

اما القائلون بكفر منكر الاجماع مطلقا فقد اختاروا ذلك باعتبار ان الاجماع هو الذي يوجب القطع بدخول النبي (ص) في المجمعين، فانكاره يعني بالضرورة انكارا لحجية قول النبي (ص) ورسالته.

وقد قيد الوحيد البهبهاني((310)) البحث في هذه المسالة بما اذا كان الاجماع متحققا بين المسلمين لا بين الامامية خاصة؛ لان رفض اجماع الامامية لا يؤدي الا الى عدم الايمان بامامة المعصوم، وهو مما لا يوجب الكفر قطعا.

ولابد من التنبيه على ان انكار الاجماع انما يوجب الكفر اذا كان المنكر عالما بان ما ذهب اليه المجمعون كان صحيحا، والا فلامعنى للحكم بكفر من خطا المجمعين وتوصل الى غير ما توصلوا اليه من حكم؛ لاعتماده على دليل مستقل، او لعدم اعترافه باصل حجية الاجماع.

وقد اشار المحقق الى هذا المعنى قائلا: ان جاحد الحكم المجمع عليه كافر؛ لانه يجحد ما يعلم حقيقة انه من الشرع. ((311))

قال الخراساني:

من جحد الحكم الذي قد اجمعا
مع علمه تكفيره لا يمنعا((312))

واما القائلون بان منكره ليس كافرا فقد استدلوا له بدليلين:

أحدهما: ان اصل ادلة الاجماع لا تفيد العلم، فكيف بما يتفرع عنه من احكام؟! فان غاية ما يفيده الاجماع هو حصول الظن بالحكم الشرعي وجاحد المظنون ليس بكافر اجماعا.

وثانيهما: هو انه لو سلمنا حصول العلم بالاحكام بواسطة الاجماع فان العلم بالاجماع غير داخل في ماهية الاسلام حتى يحكم بكفر منكره، ولو كان داخلا حقا لوجب على الرسول الا يحكم باسلام احد الا اذا عرفه حجية الاجماع، وبما انه لم يفعل ذلك ولم يصرح به دل ذلك على عدم دخوله في ماهية الاسلام.((313))

واما القائلون بالتفصيل المتقدم فالذي يفهم من كلامهم هو انهم استدلوا عليه بان انكار الاجماع انما يوجب الكفر اذا ادى الى انكار ماهية الاسلام، بخلاف ما لو لم يكن مؤديا الى انكارها، فان المنكر يبقى حينئذ على اسلامه؛ لانه مؤمن باصل الاسلام وماهيته ((314)).

قال امام الحرمين: «لقد شاع في السنة الفقهاء ان خارق الاجماع يكفر، وهو باطل قطعا؛ فان منكر اصل الاجماع لا يكفر، فضلاعمن خرق نتائجه وخالفها، والقول بالتكفير والتبري ليس بالهين».

ثم قال: «نعم، من اعترف بالاجماع واقر بصدق المجمعين في النقل ثم انكر ما اجمعوا عليه، كان تكذيبه تكذيبا للشارع، ومن كذب الشارع فقد كفر. والقول الضابط فيه: ان من انكر طريقا في ثبوت الشرع لم يكفر، ومن اعترف بكون الشيء من الشرع ثم جحده كان منكرا للشرع، وانكار جزء من الشرع كانكار كله» ((315)).

وقد علق على ذلك بعض علمائنا بقوله: «وهذا التفصيل من امام الحرمين في محله؛ لوضوح ان انكار الطريق لا يستلزم انكارحكم شرعي ثبت بالضرورة» ((316)).

2- حكم الاجماع بعد الاجماع:
قال المحقق(قدس سره): «لا يجوز ان ينعقد اجماع على حكم ثم ينعقد اجماع آخر على خلافه؛ لاستلزامه تخطئة المعصوم ،باعتبار انه كان في ضمن المجمعين في الاجماع الاول.

وقد تقول: ان دخول الامام في الاجماع الاول قد يكون لتقية، فلا يلزم من بطلان هذا الاجماع الحكم بخطا الامام واشتباهه.

والجواب: هو انه يشترط في تحقق الاجماع وانعقاده صدوره عن قصد وارادة، فاذا صدر عن تقية لم يتحقق ولم يوجد اجماع حتى يبحث في جواز مخالفته باجماع آخر» ((317)).

ولابد من الاشارة الى ان هذا الكلام من المحقق يبتني على بعض مسالك الاجماع المتقدمة، كالمسلك الدخولي واللطفي، وامابناء على الملازمة وحساب الاحتمالات فلا مانع من القول بحدوث اجماع آخر يكشف عن خطا المجمعين في الاجماع السابق وعدم موافقة الامام (ع) لهم.

3- حكم الاجماع بعد الخلاف:
قال السيد المرتضى ما حاصله: اختلف الناس في ان الاتفاق بعد الخلاف هل يوجب رفع الخلاف ام لا يوجبه؟

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية