الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

فذهبت جماعة الى انه لا يوجب رفع الخلاف، وذهبت اخرى الى انه يوجبه، وفصلت ثالثة بين ما اذا كان المجمعون هم نفس المختلفين سابقا فيرتفع الخلاف، وبين ما اذا كانوا غيرهم فلا يرتفع.

بل حكي عن بعضهم استحالة وقوع الاجماع في مورد الخلاف. ((318))

الا ان الصحيح - باعتقاد السيد المرتضى - هو الراي الاول؛ لعدم اختلاف الحال في الاجماع بين كون معقده مسبوقا بالخلاف اوغير مسبوق به؛ حيث قال: «ان الذي اوقع هؤلاء في الاشكال هو تسالمهم على جواز الاخذ باي واحد من الراء المتخالفة قبل تحقق الاجماع، فاذا قلنا بحصول الاجماع بعد ذلك على صحة بعض الاقوال ولزوم الاخذ بها دون بعض كان ذلك نقضا لماتسالموا عليه من جواز الاخذ باي واحد منها.

ولاجل التخلص من هذا الاشكال قرروا اعتبار الحكم بلزوم الاخذ ببعض الاقوال دون بعض امرا مختلفا فيه رغم قيام الاجماع عليه.

لكن الصحيح هو امكان انقلاب المسائل الاختلافية الى اتفاقية اذا قام الاجماع عليها؛ لعدم صحة الالتزام بما تسالموا عليه من جواز الاخذ باي واحد من الاقوال المتخالفة بعنوان انها حكم واقعي.

واما بالنسبة لما ذهب اليه بعضهم من منع انعقاد الاجماع بعد الخلاف فيمكن الرد عليه بما نجده من وقوع اجماعات كثيرة في مسائل متعددة كانت قبل تعلق الاجماع بها في عداد المسائل الخلافية ((319)).

الخصخصة ودورها
في الاقتصاد الاسلامي

 السيد علي عباس الموسوي

تمهيد

لا يزال عالمنا الاسلامي يرزا تحت وطاة التطور الاقتصادي والتقني والتكنولوجي الغربي، هذا التطور الذي يطالب من جهة انظمتنا الاسلامية بالتطور السريع لمواكبة ما يجري وهو بعد منه على بعد اميال، ويفرض نفسه من جهة اخرى على عالم نابغزو شامل يتضمن الاقتصاد والاستملاك؛ استملاك الثروات الطبيعية والصناعية ضمن اطر مقننة لا نزال نجهل اسلوب مواجهتها، بل ننحني امامها في كثير من الاحيان ونظن ان فيها صالحنا وانقاذ انفسنا، ونحن في داخلها نقاتل حتى الرمق الاخير الذي لا ندري متى يحين أوانه.

ومن الاطر القانونية التي دعا اليها الغرب وقدمها لنا كنموذج لخلاصنا قانون الخصخصة. وقد تلقفته بعض الدول الاسلامية كوسيلة للخلاص، فيما وقفت اخرى تنظر بحذر وتخطو ببط ء الخائف المترقب ما سيؤول اليه امر سابقتها.

ولا تزال الدراسات التي تتناول هذا الموضوع شحيحة بعض الشيء، وهو الامر الذي يكسب الموضوع اهمية فائقة، فاين تقع الخصخصة كنظام اقتصادي في النظام الاقتصادي الاسلامي؟ هذا ما سنحاول الاجابة عليه ضمن هذا المقال.

النقطة الاولى ـ تعريف المصطلح

الخصخصة (Privatizaion) هي بمعنى يقابل التأميم (Nationalizition) الذي يعني تحويل مصادر الملكيات الخاصة لصالح الدولة كتاميم النفط الذي حصل في الجمهورية الاسلامية الايرانية في الخمسينات.

وتوضيح هذا المصطلح انه قد جرت العادة على تقسيم القطاعات العاملة والمنتجة في الدولة الى قطاعين:
القطاع العام: (وهو القطاع من الاقتصاد القومي الذي تملكه الدولة وتتولى ادارته وتسيير عمليات الانتاج والتوزيع فيه).
القطاع الخاص: (وهو قسم من الاقتصاد القومي الذي تعود ملكيته الى الافراد او الشركات التي يملكها افراد).

وعملية الخصخصة هي عبارة عن تحويل القطاع العام الى قطاع خاص، وحيث ان المصطلح لا يزال من الجدة بمكان فله الحق في الاشباع قليلا لتكوين رؤية صحيحة نسعى اليها، فقد عرفت الخصخصة بالعديد من التعاريف نذكر بعضا منها:
أ ـ تحويل الملكية العامة الى القطاع الخاص؛ ادارة او ايجارا او مشاركة او بيعا وشراء فيما يخص الدولة او تنهض به او تهيمن عليه في قطاعات النشاط الاقتصادي المختلفة او مجال الخدمات العامة((320)).
ب ـ تحويل المصانع والمؤسسات والمنشت والمرافق الاقتصادية من ملكية الدولة او الملكية العامة الى الملكية الخاصة.
جـ ـ وهذا التعريف يتوسع قليلا في الاصطلاح ليجعله عبارة عن سياسة اقتصادية عامة؛ ويخالف فيه الضيق الموجود في التعاريف السابقة؛ اذ يجعله شاملا لامور متعددة فينص:

(مفهوم الخصخصة واسع، ولا ينبغي ان يبقى مفهوما ضيقا، ولكنها تتسع لتشمل مفاهيم اخرى من اجل تحقيق اهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأهمها:
1- التاجير طويل الاجل لبعض الاصول او الانشطة غير المستغلة (بفتح الغين) اقتصاديا.
2- توسيع قاعدة ملكية الشركات التابعة عن طريق شراء صغار المستثمرين والعاملين اسهم هذه الشركات من خلال بورصة الاوراق المالية.
3- تطوير الادارة من خلال الاخذ بليات السوق، واطلاق المنافسة، وفتح اسواق جديدة محليا وخارجيا، والاهتمام بجودة المنتجات وتطورها.
4- ادخال المستثمر الخارجي الاجنبي لما لديه من امكانيات وخبرات واسعة، بحيث يكون شريكا استراتيجيا).

فاذا هذا التعريف يخرج عن مجرد عملية تحويل القطاع العام الى القطاع الخاص، فيشمل التشجيع على استحداث مشاريع لدى القطاعات الخاصة او تنمية الشركات الكبرى على حساب الشركات الصغرى او تشجيع القطاع الخاص.

ولعل هذا التعريف اكثر التعاريف وضوحا؛ بحيث يمكنه تقديم صورة عن واقع الخصخصة واشكالها.

وتذكر الدراسات ان مفهوم الخصخصة يعود الى عهد الستينات، وقد ظهر في بريطانيا اولا. وما اكسب الخصخصة اهميتهاولفت الانظار اليها هو البرنامج الشامل الذي نفذته حكومة المحافظين في بريطانيا بزعامة مارجريت تاتشر عام 1979 م، وقدتضمن البرنامج تحويل مشروعات وانشطة القطاع العام الى القطاع الخاص. وقد دفع نجاح التجربة البريطانية مختلف الدول النامية الى تطبيق برنامج الخصخصة ضمن سياسات اعادة الهيكلة والتصحيح الذي اتبعته مؤسستا صندوق النقد والبنك الدوليان ((321)).

وتنسب الخصخصة الى شخصيتين اقتصاديتين هما: «مليتون فريدمان» المستشار الاقتصادي للرئيس الاميركي ريغان و «فردريك هايك» المستشار الاقتصادي لرئيسة وزراء بريطانيا تاتشر. ولعل بعضهم يحاول ارجاع جذور الفكرة الى ما قبل ذلك بكثير، فينقل عن ابن خلدون قوله: «اذا تعطى الحاكم التجارة فسد الحكم وفسدت التجارة»، او عن آدم سميث قوله:«الحكومة اسوا تاجر واتعس صانع».

لقد كانت الفترة الممتدة بعد 1951 اي تاريخ تاميم النفط في ايران هي فترة التاميم، فقد سرت موجة التاميم الى العالم ككل،فكان تاميم قناة السويس في مصر، وكان تاميم النفط في العديد من الدول، وبهذا اخذ القطاع العام دورا هاما في تنمية الاقتصاد لدى الدول، الى ان سرت موجة الخصخصة التي تعتبر بحق وليدة العولمة بشقها الاقتصادي، فابتدات الشركات العالمية بالسيطرة على القطاع العام عبر نظام الخصخصة.

لقد حثت جميع الدول الكبرى الدول النامية على الخصخصة، بل ربطت هذه الدول مجموعة من المساعدات التي تقدمها باتباع هذه الدول لسياسة الخصخصة، بل اعتمد البنك الدولي على الخصخصة كسياسة مفروضة على الدول المستدينة.

لقد كانت الدعوة الى الخصخصة تتم عبر عنوان براق هو اعادة الهيكلة الاقتصادية بعد نشوء النظام العالمي الجديد وسقوط المعسكر الاشتراكي.

اننا نستطيع وبوضوح الربط بين الاحداث السياسية التي كانت تجري على الساحة الدولية وبين شيوع وانتشار كلا النوعين، فالتاميم انتشر في الوقت الذي كان الاتحاد السوفيتي السابق في عصر قوته على الساحة الدولية، وهو فرض او شجع على قيام الحكومات بتاميم المرافق العامة بنحو يتناسب مع السياسة الشيوعية والرؤية الماركسية الاشتراكية.

واما بعد السياسة التي انتهجها آخر رؤساء الاتحاد السوفيتي ميخائيل غروباتشوف وانهيار الاتحاد السوفيتي فقد سيطرت القوى الراسمالية على الاقتصاد الدولي، وحيث كانت رؤيتها تقوم على تشجيع الملكية الفردية ابتدات الدعوة الى انتهاج سياسات الخصخصة، فنحن لا نجد هذا الضجيح حول موضوع الخصخصة الا في هذه الفترة التي شهدت ازدهار النظام الراسمالي وتفرده على الساحة الدولية في ظل غياب مطلق للرؤية الاسلامية.

على ان التعبير الذي استخدمناه نحن هنا حول المصطلح هو التعبير الاكثر رواجا، وان كان البعض يستعمل تعابير اخرى يراهااوفق بقواعد اللغة، مثل: الخوصصة او التخاصية او التخصيصية ((322)).

* اهداف الخصخصة:

تعتبر الخصخصة الن في عالم الاقتصاد وسيلة من وسائل الالتحاق لدى الدول النامية بالدول الصناعية المتقدمة، ولذاتكتسب اهمية خاصة لدى هذه الدول؛ فما هي الاهداف المرجوة من عملية الخصخصة؟ تذكر الابحاث والدراسات المتعلقة بهذا الموضوع بعض هذه الاهداف:

1- تخفيف الاعباء المالية على ميزانية الدولة: يعتبر هذا الهدف من الاهداف الرئيسية لقيام الدول بعملية الخصخصة، وذلك امام ما تواجهه دوائر القطاع العام من فشل يحمل الدولة ثقلا ماليا وعجزا وتضخما لا يمكنها تلافيه، فكثيرا ما تلجا الدول لكي تسد العجز اللاحق بالشركات العامة الراجعة لها الى مواردها المالية الاخرى، لما يحيط بالغاء بعض الخدمات من مخاطرلاسيما الخدمات التي ترتبط بالواجبات الاساسية للدولة المعاصرة. وهذه الضرورة تدعو اليها الحاجة الفعلية بقطع النظر عن اسباب فشل القطاع العام وامكانية معالجته.

2- حفز العامل على العمل والانتاج: اذ متى كان لدى الشخص فائدة ترجع الى شخصه من خلال العمل الذي يقوم به وارتباط ذلك بعمله كما وكيفا، فسوف ينشط بشكل مختلف عن الخر الذي لا يشعر بمثل هذا الاحساس نتيجة كون العمل مملوكاللدولة، سواء ذلك فيما يرجع الى اصحاب هذه الشركات انفسهم او الى العاملين في هذه الشركات، حيث ترتفع نسبة اجورهم بشكل عام عما يمكن ان تقدمه القطاعات العامة.
ولعل البعض يرجع هذا الامر الى الطبيعة الانسانية، فيما يعتبر آخر ان التربية يمكنها ان تعالج هذه المشكلة.

3- الحصول على السلع والخدمات بجودة اكبر وبسعر اقل وتنوع اكبر نتيجة زيادة المنافسة؛ وذلك لان عنصر المنافسة لايؤثر اثره المطلوب في القطاعات العامة؛ لان الذي يقوم بالعمل في الشركات العامة لا تعنيه جودة الانتاج بقدر ما يهتم بحصوله على مقرره الشهري الذي سيصله سواء كان عمله من الجودة بمكان او لم يكن.

اساليب الخصخصة:

قد أشار التعريف السابق الذكر الى بعض انحاء الخصخصة، ونتناولها هنا بشيء من التفصيل. والالتفات الى هذه الاقسام مهم في بحثنا عن دور الخصخصة في الاقتصاد الاسلامي:

1- البيع: بيع الشركات الحكومية (القطاع العام) للجمهور لاسيما العاملين فيها، وهذا البيع قد يقع ببيع القطاع العام المعين كلياوبشكل كامل، وقد يقع ببيعه جزئيا على ان تبقى للدولة بعض الاسهم فيه، فتصبح المنشاة مشتركة الملكية بين القطاعين.

2- التاجير الطويل الامد للاصول المملوكة للحكومة للقطاع الخاص، وعملية البيع او التاجير تتم عادة عبر البيع المباشر او عبرالمقايضة بالديون المتوجبة على الدولة او عبر المناقصات.

3- التعاقد مع القطاع الخاص على انتاج الخدمة التي كانت الدولة تقوم بها في القطاعات العامة؛ اي ايكال ادارة هذا القطاع فقط الى الشركات الخاصة دون بيع او اجارة، فتجري عقود بين الدولة ووحدات القطاع الخاص تخول الاخيرة حق الادارة لحساب الدولة مقابل مزايا معينة كحصة في الربح او الانتاج. وهذا الاسلوب اقل اثارة للجدل من الاسلوب الاول.

النقطة الثانية

الخصخصة بين اتجاهي الرفض والقبول
أثارت قضية الخصخصة جدلا في عالمنا الاسلامي، كما اثارت جدلا لدى سائر الدول. ولعل المنطق الرافض لعملية الخصخصة لم يقتصر على الاسلاميين؛ لان المخاطر المتصورة لعملية الخصخصة عند الرافضين كان لها ابعادها المختلفة، ولم تقتصر المخاطر على البعد الايديولوجي. ونحن نتعرض لكلا وجهتي النظر.
اما المنطق الرافض للخصخصة فهو لمخاطر متعددة:

الاول: البعد الايديولوجي، حيث ينظر الكثيرون الى الخصخصة بعين الريبة؛ لانها تشكل ممارسة واضحة لسيطرة النظام الراسمالي على دول العالم، وليس ذلك لمجرد كون هذه الفكرة غربية المنشا بل لمدى اصرار الدول الغربية على تغلغلها في العالم الاسلامي بنحو اصبحت تشكل جزءا من الخطاب السياسي الغربي لقادة الدول الاسلامية.

ان اي شخص - حتى من يؤيد الخصخصة ويرى فيها حلا لمشكلات الدول النامية - لا يمكنه انكار كونها وليدة النظام العالمي الجديد بما يعنيه من سيطرة الاقتصاد الليبرالي الراسمالي. لم يكن من الصدفة ان تسود موجة الخصخصة العالم اليوم متاثرة بالنظام الرأسمالي.

الثاني: سيطرة الشركات الغربية على الدول الاسلامية؛ لانه لا مفر امام عجز رؤوس الاموال الداخلية عن كونها الطرف الآخر الذي يمثل القطاع الخاص المحول اليه القطاع العام من اللجوء الى الشركات الاجنبية للقيام بهذا الدور؛ لانها هي التي يتوفر لهاالمال اللازم والخبرات الكافية لهذا الامر، وهذا سوف يؤدي بدوره الى عملية السيطرة الاقتصادية للدول الكبرى على الدول النامية المدعوة بشدة الى الخصخصة.

الثالث: ان الخصخصة تعني نقل الاحتكار من الدولة الى الشركات الخاصة؛ اذ القطاعات العامة محدودة، فاذا حدثت الخصخصة فانها سوف توكل الى شركات محددة تصبح هي المحتكرة لهذه القطاعات.

واما المنطق المؤيد للخصخصة فيبرر ذلك بامور:
الاول: ما تقدم ذكره من رفع الاعباء عن الدولة اذ تقل النفقات الحكومية، ومن تقوية الانتاج كما ونوعا بسبب المنافسة، وذلك في ظل ملاحظة ان المشكلات المالية الاساسية التي تواجهها الدول تتمثل في القطاعات العامة هذه.
الثاني: اجتذاب رؤوس الاموال المحلية بدل استثمارها في الخارج؛ لان الخصخصة تفتح فرصا متعددة امام اصحاب رؤوس الاموال للاستثمار؛ فانه في ظل الحرية الاقتصادية المتاحة في الغرب والفرص المتوفرة والضمانات المقدمة من قبل تلك الدول يجد اصحاب رؤوس الاموال في تلك الدول خلاصا لهم من المشاكل التي يعانون منها في دولهم.
الثالث: اجتذاب رؤوس الاموال الاجنبية والاستفادة منها بما يرجع بالفائدة الى المجتمع ككل.
الرابع: القضاء على التسيب الاداري والاهمال الحاصل في القطاع العام المدار من قبل الدولة والذي هو ام المشاكل لدى الدول النامية.

ان ملاحظة ما تقدم ذكره لدى الداعين الى الخصخصة والرافضين لها يجعلنا نقف موقفا وسطا؛ فلا الرفض المطلق لهاووصفها بابشع الاوصاف هو الموقف الصائب، ولا القبول المطلق بها واعتبارها المخلص والمنقذ لاقتصاد الدول النامية هوالموقف الصائب، بل الاصح هو ان نعتبرها اسلوبا من الاساليب التي ينبغي التعطي معها بدقة وحذر؛ لئلا نقع في مخاطرهاولئلا نحرم من فوائدها.

على ان ما ينبغي الاشارة اليه هو ان بعض ما ذكر - سواء في منطق الرافض للخصخصة او الراضي بها - يرجع الى امور تطبيقية ترتبط بالظروف التي تعيشها الدول، وهذه الظروف لا ينبغي ان تكون حاكمة على البحث النظري.

النقطة الثالثة

الخصخصة رؤية فقهية اسلامية
ان ما تقدم من حديث كان الغرض منه تنظيم اطلالة على هذا النظام الاقتصادي الوافد، وقد وصل الدور الن الى محاولة درس الموضوع في الرؤية الاسلامية الفقهية لنرى الموقف الصحيح منها.

* أولا ـ هل تتلاءم الخصخصة مع النظام الاقتصادي الاسلامي العام؟
لابد ان نقدم لمحة سريعة توضح الفارق بين النظام الاقتصادي الاسلامي وبين النظامين الاشتراكي والراسمالي، ولعل افضل ما يمكننا ان نعتمد عليه في هذا المجال هو كتاب «اقتصادنا» للشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره).

اما النظام الاشتراكي فهو يؤمن بالتاميم باعتبار مصادر الثروة ملكا للمجموع، فلابد من ان تمحى الملكية الخاصة سواء في مجال الانتاج او الاستهلاك، نعم الملكية الخاصة تشكل مرحلة يمر بها المجتمع في سيره نحو الاشتراكية، فاذا تتجه الاشتراكية الى عملية محو للملكية الخاصة ليصبح كل فرد مالكا لثروات البلاد كلها كما يملكها الآخرون.

وبهذا يكون من الواضح ان الخصخصة تتناقض مع النظام الاشتراكي؛ هذا لانها سوف تسير في الاتجاه المعاكس تماما؛ اذانها سوف تحول الملكية العامة - والتي هي ملكية الدولة - الى ملكية خاصة فردية.

ان الملكية الخاصة مرفوضة من قبل الاشتراكية حتى لو كانت تلك الملكية هي ملكية الشركات الخاصة، وبعبارة اخرى لا تؤمن الاشتراكية بالملكية الخاصة اساسا ولا وجود لها في قاموسها ونظامها.

واما النظام الراسمالي فهو يعتبر الملكية الخاصة غير المحدودة هي الاصل والاساس، فالمسالة تنعكس تماما مع ما تذهب اليه الاشتراكية، ولا يكون الخروج عن الملكية الخاصة الى الملكية العامة الا في ظروف استثنائية حيث تدعو الضرورة الى تاميم بعض المشاريع، فللملكية الخاصة ان تغزو جميع عناصر الانتاج من الارض واللات والمباني والمعادن. ومن هنا كانت الخصخصة وليدة النظام الراسمالي، وتعتمد الراسمالية في نظرتها هذه على اساس التوافق بين المصالح العامة والدوافع الذاتية مما يوجب اعطاء الفرد حريته المطلقة في عملية الاستثمار.

واما النظام الاسلامي فتلخصه عبارة؛ هي «الملكية المزدوجة»؛ اي يقرر مبدئية كلا النمطين من الملكية العامة والخاصة ،وليس لواحدة منهما ان تكون هي القاعدة العامة. فاذا لكل واحد من النمطين دائرته التي يتحرك فيها، فلا يصح تملك الاراضي العامة بمجرد الاحياء، بل غاية ما يثبت لمن احيا ارضا حق الاستفادة منها الى ان يهملها من قبل نفسه؛ لان الارض هي من الاموال التي لم تصنعه اليد البشرية وانما تتدخل في عملية تكييف محدودة لهذا المال. كما انه ليس لاحد سلب مال غيره مهما كان؛ فالناس مسلطون على اموالهم. وبهذا يتضح ان النظام الاسلامي يقر كلا نوعي الملكية، فما هي العلاقة بين الخصخصة والنظام الاسلامي؟

ان الامر الواضح مما تقدم هو ان الخصخصة لا تعتبر مرفوضة رفضا مطلقا في النظام الاقتصادي الاسلامي؛ لانه يقر مبداالملكية الخاصة التي هي الاساس في الخصخصة، ولكن قبوله لها الى اي مدى وما هي الدائرة التي تقبل الخصخصة فهوموكول الى النقاط التالية، ولكن ما توصلنا اليه هو ان الاسلام في مقابل الرفض المطلق للنظام الاشتراكي يقبل بالخصخصة، ولا تتنافى مع اسسه التي اقرها.

ولكن لا ينبغي ان نغفل هنا امرا؛ وهو ان الاسلام في الوقت الذي لا يمنع من الملكية الخاصة بل ويشجع عليها لابد وان نلحظ التشريع الاسلامي العام المرتبط بالملكية الخاصة؛ اي لا ينبغي ان ننظر الى النظام الحقوقي فقط في الاقتصاد الاسلامي، بل علينا النظر ايضا الى النظام الاخلاقي الذي دعا اليه الاسلام؛ اي اننا ينبغي علينا ان نلحظ التشريع الاسلامي عامة، ومثل هذه النظرة العامة سوف تقدم لنا فارقا بين الرؤيتين: الرؤية الاسلامية للملكية الخاصة والرؤية الراسمالية لهذه الملكية، وتتمثل هذه الرؤية الاسلامية في عدم اطلاق الاسلام من ناحية حقوقية من جهة وخلقية من جهة اخرى للملكية الخاصة، وعدم الاطلاق هذا يظهر في ملاحظة مجموعة من الاحكام نذكرها هنا اجمالا؛ اذ لهذا دوره في توضيح النظرية الاسلامية، فقد حد الاسلام من الملكية الخاصة بطرق متعددة هي:

1- الضرائب الثابتة التي فرضها الاسلام على الملكية الخاصة والمتمثلة بالخمس والزكاة كنموذجين بارزين، وربما نعتبربعض الاحكام الاخرى ضمن هذا الاطار، كنظام الكفارات الذي هو فرض ضريبة مالية على المخالفات العبادية.

2- الضرائب المتحركة التي خول الاسلام فيها للحاكم ان يفرض ضريبة مالية على بعض الاموال التي يرى فيها نموا للملكية الخاصة بشكل مطرد بنحو يسمح بفرض ضريبة عليها لسد حاجة اجتماعية عامة، مثل ما ورد من ان امير المؤمنين عليا (ع)فرض على الخيل وعلى الارز ضريبة لم تكن في السابق ((323)).

3- تحديد الكيف: لقد نهى الاسلام عن بعض المعاملات، وهذه المعاملات قد تكون مثمرة للفرد بلحاظ اقتصادي ولكن الضرر الموجود فيها اوجب صدور المنع عنها، وتحديد الكيف سوف يؤدي الى تحديد الكم بشكل طبيعي، ومثاله تحريم الربا. وهذاالتحديد في الكيف كما يشمل المعاملات المحرمة في التشريع الاسلامي يشمل المعاملات التي تدخل في دائرة المكروهات. فمن المعاملات ما نهى عنه الاسلام نهيا تنزيهيا بهدف المنع من تراكم الثروة، فقد ورد في الرواية عن ابي عبد الله (ع) قال: «ربح المؤمن على المؤمن ربا، الا ان يشتري باكثر من مئة درهم فاربح عليه قوت يومك، او يشتريه للتجارة فاربحوا عليهم وارفقوا بهم» ((324)). فالملاحظ في الرواية الدعوة الى الارفاق بالمشتري في الربح حتى وان كان شراؤه لاجل التجارة.

4- ذم المال وذم الربح: وردت العديد من الروايات وبالسنة متعددة تذم جمع المال، فمنها ما يحذر منه، فورد عن الامام الباقر(ع): «ليس من شيعتنا من له مئة الف ولا خمسون الفا ولا اربعون الفا، ولو شئت ان اقول ثلاثون الفا لقلت. وما جمع رجل قط عشرة آلاف من حلها» ((325)).
وهذه الرواية وردت بالسنة متعددة، كما وردت العديد من الروايات في ذم الاغنياء والمترفين ووصفهم بالعديد من الصفات المذمومة.

5- اعتبار المال وسيلة لا غاية: فالاسلام يعتبر ان القيمة الاساس هي للانسان، وان المال النافع الذي ينبغي تامينه هو الذي يعود بالنفع على الانسان.

6- تفتيت الثروات الموجودة عبر نظام الارث، والدعوة الى مشاركة الفقراء الاغنياء في اموالهم.

* ثانيا ـ هل نمتلك نموذجا تاريخيا اسلاميا للخصخصة؟
حيث توصلنا في السابق الى عدم رفض النظرية الاقتصادية الاسلامية لمفهوم الخصخصة كمبدا، فهل نجد نماذج تاريخية فقهية للخصخصة؟

ان ما يمكن ان نتوصل اليه كنماذج هو كالتالي:
الاول ـ احياء الموات:
من الطرق التي شرعتها النظرية الاقتصادية الاسلامية مسالة احياء الموات، ويعقد الفقهاء بابا مستقلا لمسالة الاحياء هذه ،والمستند لذلك هو النصوص الواردة عن النبي (ص) والائمة (ع) في ذلك، وهي:

ورد عن عمر بن يزيد قال: سمعت رجلا من اهل الجبل يسال ابا عبد الله (ع) عن رجل اخذ ارضا مواتا تركها اهلها، فعمرهاوكرى انهارها وبنى فيها بيوتا وغرس فيها نخلا وشجرا؟ - قال: - فقال ابو عبد الله (ع): «كان امير المؤمنين (ع) يقول: من احياارضا من المؤمنين فهي له، وعليه طسقها (اجرتها) يؤديه الى الامام في حال الهدنة. فاذا ظهر القائم فليوطن نفسه على ان تؤخذ منه» ((326)).

فاذا، الارض الموات تدخل في نطاق القطاع العام؛ اي ما تعود ملكيته للدولة (الامام او منصب الامامة)، وقيام اي فرد بعملية الاحياء لا يخرج الارض عن ملكية الدولة؛ اي لا يسمح للفرد بتملك رقبتها وان احياها، وانما يثبت له حق الاختصاص بها؛ اي يمنع الخرون من مزاحمته في حقه هذا، ويبقى عليه اداء اجرة هذه الارض للدولة (الامام).

وقد افادت العديد من النصوص عدم تملك الشخص لهذه الارض الموات، وانما له حق الاستفادة منها، فقد ورد في بعضها: «من احيا ارضا من المسلمين فليعمرها، وليؤد خراجها الى الامام من اهل بيتي، وله ما اكل منها، فان تركها واخربها فاخذهارجل من المسلمين من بعده فعمرها واحياها فهو احق بها من الذي تركها، فليؤد خراجها الى الامام من اهل بيتي، وله ما اكل منها حتى يظهر القائم (ع)...» ((327)).

ان هذا ينسجم مع ما سياتي من عدم امضاء النظرية الاقتصادية الاسلامية للخصخصة بنحو التمليك لمثل الارض.

ومن الواضح ان عملية احياء الموات تشكل نموذجا بارزا للخصخصة؛ لان على من يريد ان يستفيد من الارض الموات ان يدفع مقابل ذلك للدولة الاسلامية، ويثبت له حق بها.

الثاني ـ الاراضي الخراجية:
الاراضي المفتوحة عنوة (بالقوة) العامرة او المفتوحة صلحا يجوز استثمارها، وعلى من يستثمرها دفع الخراج والذي يكون في الغالب حصة من حاصلها للدولة، ولا يتملك الزارع لها شيئا من الاراضي الخراجية وانما له الاستفادة منها طبق الاتفاق المبرم بينه وبين السلطان. والنموذج الابرز لهذه الارض هي ارض خيبر، حيث فتحها النبي ثم عامل عليها يهود خيبر بحصة من حاصلها، فقد ورد عن ابي عبد الله (ع): «ان النبي (ص) لما افتتح خيبر تركها في ايديهم على النصف، فلما ادركت الثمرة بعث عبد الله بن رواحة اليهم فخرص عليهم».((328))

الثالث ـ الاقطاع من قبل الامام:
ذكر الشيخ في المبسوط: «اذا اقطع السلطان رجلا من الرعية قطعة من الموات صار احق به من غيره باقطاع السلطان اياه، بلاخلاف» ((329)).

الاقطاع هو منح الامام لشخص من الاشخاص حق العمل في مصدر من مصادر الثروة الطبيعية، وهذا الحق لا يوجب ملكية للشخص وانما يوجب له حق التصرف، وهذا ما يظهر لنا من تعبير الطوسي بانه كان احق بها، وكذلك نجد الامر في عبارة العلامة الحلي حيث قال: «يجوز للامام ان يقطع غيره ارضا من الموات خالية من التحجير لمن يحييها، ويصير المقطع اولى. ويفيد الاقطاع التخصيص والاحقية كالتحجير، ويمنع الغير من المزاحمة له، ولا يصح رفع هذا الاختصاص بالاحياء. وقد اقطع النبي (ص) وليد بن وائل ابن حجر ارضا بحضرموت، وروي ان النبي (ص) اقطع الدور، واقطع الزبير حضر فرسه يعني عدوه ما جرى، فلما قام الفرس رمي بسوط، فقال النبي (ص): «اقطعوا له مرمى سوط»، وروي ان رسول الله (ص) رعى الانصارليقطع لهم بالبحرين، فقالوا: يا رسول الله، ان فعلت فاكتب لاخواننا من قريش بمثلها. وفائدة الاقطاع ان المقطع احق باحيائه، كالمحيي»((330)).

فاذا الاقطاع نموذج آخر من الخصخصة؛ واخراج المال من القطاع العام الى القطاع الخاص دون ان يكون في ذلك تمليك لرقبة الارض، بل الارض تبقى مملوكة للقطاع العام، وانما له حق الاستفادة منها.

والاقطاع لا يحمل محاباة؛ لان من تقطع له الارض لابد له من احيائها؛ ولذا قيد الفقهاء الاقطاع بقدرة المقطع له على احياءالارض ((331))، كما ذكروا ان للامام استرجاع ما اقطعه ان لم يقم المقطع له بالاستفادة مما اقطعه الامام.

ثالثا ـ هل يمكن ان تشمل الخصخصة كل اموال الدولة الاسلامية؟ لابد لنا لتحديد ما يمكن ان تشمله الخصخصة من اموال الدولة الاسلامية من اتباع تقسيم قد يبدو غريبا، ولكن هذا ما تفرضه علينا طبيعة التراث الفقهي الموجود الذي نتعامل معه؛ فانه حيث تقرر لدينا قبول النظام الاقتصادي الاسلامي للخصخصة فهل تشمل الخصخصة كل دوائر النظام الاقتصادي الاسلامي؟ ان معرفة ذلك تتوقف على ملاحظة اموال القطاع العام في الدولة الاسلامية، ونحن هنا نعتمد على التقسيم الفقهي للاموال العامة؛ لانه هو الذي يعكس وجهة نظر الاقتصاد الاسلامي:

* الارض:

ان الارض التي هي من الاموال العامة في الدولة الاسلامية على نوعين:

أ ـ ما يكون داخلا في ملكية الدولة، كالاراضي الموات اي الانفال التي دلت الية الكريمة على انها ملك للدولة: (يسالونك عن الا نفال قل الا نفال الله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله ان كنتم مؤمنين) ((332)).

وقد دلت العديد من الروايات على ملكية الدولة للاراضي الموات، وقد عبرت بعض الروايات عن ذلك نحو: «ان الارض الله ولمن يعمرها» ((333)).

ولكن ملكية الدولة هذه تنتقل الى الافراد عند ممارسة عملية الاحياء باذن من الدولة مقابل ضريبة تفرضها عليهم، وهذا باعتقاداغلب الفقهاء، وعلى هذا الاساس تكون مثل هذه الاموال قابلة للخصخصة والبيع من قبل الدولة.

نعم، ثمة راي آخر يميل اليه الشهيد الصدر، ويرى فيه عدم ثبوت حق الملكية حتى للشخص الذي يحيي الارض الموات، وعليه فلا تكون هذه الارض قابلة للخصخصة بنحو التمليك وان كانت تقبلها بنحو الاجارة او نحو ذلك.

ب ـ الاموال التي هي ملك للمسلمين جميعا، ومثاله البارز هو الاراضي المفتوحة عنوة وقد كانت عامرة حال الفتح بفعل سكانها، او العامرة طبيعيا كالغابات ((334))، فقد اجمع الفقهاء على ان هذه الاراضي هي ملك للمسلمين ((335)). وهذه الاراضي هي التي تعرف بالاراضي الخراجية، وقد وردت العديد من النصوص التي تنهى عن بيع وشراء الاراضي الخراجية لانها ملك للمسلمين.

وبعد ان لاحظنا هذه النصوص نعلم ان هذه الدائرة من الاموال لا تقبل الخصخصة التي ترجع الى البيع والشراء، نعم تقبل الاجارة (المزارعة او تقبل الارض باصطلاح الفقهاء) دون ان تصبح الارض ملكا للقطاع الخاص الذي هو طرف العقد؛ لان هذه الارض هي ملك للمسلمين؛ من وجد منهم حال الفتح ومن سيوجد الى يوم القيامة، ولذا لا يجوز حتى لولي الامر بوصفه ولياللامر نقل ملكية هذا القطاع الى الافراد ببيع او ((336))، فهي غير مملوكة حتى للدولة نفسها حتى غيره تتمكن من نقلها للقطاع الخاص بيعا.

ان النتيجة التي نصل اليها بالنسبة للارض هي انها لا تقبل الخصخصة بنحو التمليك سواء ما كان منها ملكا للمسلمين او ملكاللدولة؛ بحسب الراي المتبنى من قبل الشهيد الصدر (قدس سره).

نعم، كلا النوعين من الارض يقبل الخصخصة بنحو الاجارة، او ادارته والاستفادة منه مقابل مال يدفع للدولة، وهو ما كان يعبر عنه بالخراج.

* المواد الاولية في الارض:
قسم الفقهاء المعادن وسائر المواد الاولية في الارض الى قسمين:

فقسم منه هو المعدن الظاهر الذي لا تتوقف الاستفادة منه على استخراج وبذل جهد.

وقسم منه المعدن الباطن الذي لابد للحصول عليه من بذل جهد واستخراج.

ولعل اتفاقهم واقع على ان القسم الاول هو من المشتركات العامة، اي التي لا يتملك اي فرد منها ما زاد على حاجته.

واما القسم الثاني ففيه خلاف فقهي، الا ان الذي مال اليه الشهيد الصدر (قدس سره) في كتابه اقتصادنا هو انه ايضا من دائرة الملكية العامة ((337))، فلا يحق لانسان تملك ما زاد على حاجته.

ان كون هذين القسمين من دائرة الملكية العامة اي مما يملكه المسلمون جميعا يمنع من خصخصتهما بيعا، فلا يمكن للدولة ان تقوم بتخصيص مثل قطاع النفط؛ بمعنى بيع ما هو موجود مما يستخرج من الارض، وكذا مثل حقول الغاز او المناجم.

* الثروات الطبيعية الاخرى:

في ارجاء الكون مجموعة من الثروات الطبيعية والتي يمتلكها الانسان بحيازته لها، كالنباتات والاحجار والطيور وسائرالحيوانات. وهذه الاموال اقر الشارع مالكية من يحوزها، ولذلك فهي وان كانت من المباحات العامة ولكنها تدخل في ملك الشخص الحائز لها، فهل تقبل هذه الامور الخصخصة؟ اي هل تتمكن الدولة ان تمنع الافراد من الاستفادة من هذه المباحات العامة وتجيز ذلك لشركات خاصة او افراد معينين؟

ان الاجابة عن هذا السؤال تتوقف على طرح سؤال مسبق والاجابة عنه، وهو سؤال اساسي يرجع الى ان هذه المباحات العامة هل تدخل اساسا في القطاع العام؟ واذا كان الجواب بالنفي فهذا يعني ان مصطلح الخصخصة لن يشمله؛ لان مثل هذا القطاع ليس مملوكا للدولة حتى يكون بيدها خصخصته، بل هو ملك للامة بالاساس، ولاي فرد او شركة استثمار ذلك بما تراه،وليس للدولة حق التدخل الا اذا كان تدخلها لاجل عملية التنظيم منعا للتزاحم بين الافراد.

ان حقيقة الامر بالنسبة لهذه الثروات هي ان النصوص الشرعية لم تتعرض كثيرا لمثل هذا النوع؛ وذلك باعتبار ان ما كان يمكن للشخص ان يقوم بحيازته لا يتعدى احتياجاته الفعلية، اي ان من كان يقوم بالاحتطاب او الصيد لم يكن يكفيه ما يحصل عليه الا لتامين معيشته العادية حتى وان كان ذلك عبر بيع ما حصل عليه من خلال عملية الحيازة صيدا او احتطابا او غيرها. واما بعد تطور الله حيث اصبحت تقوم بمثل هذه الامور شركات كبرى وتستثمر اموالا ضخمة - كالثروة السمكية الموجودة في البحار والانهار - هل يمكننا ان نقول ان الحكم بالاباحة العامة لهذه الثروات على حاله وان لهذه الشركات ان تحوز ما شاءت وتتملكه؟

ان اية دولة من الدول اليوم لا تسمح بقيام شركات عامة بعملية استثمار لهذه الثروات دون مقابل، بل ترى لنفسها احقية القيام بذلك بنفسها، ولها ان توكل امر ذلك الى الشركات الخاصة، لاسيما لبعض الثروات ذات القيمة المالية الكبيرة، كبيض الكافيار المستخرج من الاسماك.

ان المبدا الاقتصادي الاسلامي العام الذي يمنع من تراكم ثروة الفرد يرشدنا الى ان الحكم لن يكون بالايجاب، وان الدولة هي التي لها الحق في الاستفادة من هذه المباحات العامة بنحو تعود به الفائدة على المجتمع الاسلامي، وليس للانسان ان يستفيدمن تلك المباحات بما يزيد عن حاجته.

واذا كان كذلك، يعلم ان هذه الثروات ايضا تدخل ضمن القطاع العام، وان للدولة خصخصة هذا القطاع، وهذه الخصخصة لاتمنع من ان تكون بنحو التمليك؛ لان الاسلام لم يمنع من تملك هذه الاموال للفرد اساسا، بخلاف نموذج الارض او المعادن.

* المياه وسائر الحاجيات الاجتماعية العامة:

تعتبر المياه من الحاجات الملحة للانسان والمرافقة لحياة الانسان، وهي وان كانت من المشتركات العامة اي من الامور التي تخضع لمبدا الملكية العامة فلكل انسان منها حاجته ولكنها تمتاز بخصوصية؛ هي ورود نص فيها على اشتراك الناس فيها،فقد ورد عن ابي الحسن (ع) عندما ساله الراوي عن ماء الوادي انه قال: «ان المسلمين شركاء في الماء والنار والكلا»((338)).

وعن ابي عبد الله (ع) قال: «قضى رسول الله (ص) بين اهل المدينة في مشارب النخل انه لا يمنع نفع الشيء، وقضى بين اهل البادية انه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء، وقال: لا ضرر ولا ضرار» ((339)).

ان هذا النص يفيدنا في استنباط مفهوم اوسع؛ وهو ان الحاجات الانسانية العامة والملحة لا يسمح الاسلام بتملكها من قبل فردبنحو يمنع الخرين من الاستفادة منها الا ببدل، وهذه الحاجات الملحة وان كانت تقتصر في الحديث على الامور الثلاثة ولكنهالعلها لاجل انها كانت هي الحاجات الملحة في ذلك الوقت وكانت تشكل حاجات اساسية لدى المجتمع آنذاك، وهذا الامر يختلف باختلاف الازمنة والامكنة؛ فقد يكون الكلا لدى مجتمع ما لا يشكل مصدرا اساسيا في الحياة بالنحو الذي كان يشكله لدى العرب آنذاك؛ حيث كان الرعي من المقومات الاساسية للحياة الاقتصادية.

* الخدمات العامة:

ان في كل مجتمع معاصر مجموعة من الخدمات التي لا تشكل تصرفا في اي من اموال الدولة او الاموال العامة السالفة الذكر ،فمثلا خدمة الهاتف او البريد او الكهرباء او النقل او غير ذلك من الخدمات التي تفرضها المدنية المعاصرة لا تشكل تصرفا في اي مما سبق ذكره، وهنا لا يكون ثمة مانع فقهي من خصخصة هذه القطاعات حتى لو كانت عبر عملية بيع القطاع العام للقطاع الخاص مقيدا بالمصلحة كما سوف نشير اليه.

* الخصخصة في الادارة والاستخدام:

قد تقدم سابقا ان الخصخصة تاخذ اشكالا متعددة، ولعل ما توصلنا اليه بالنسبة لحكم اموال الدولة وما يدخل في الملكية العامة من الارض والمواد الاولية وانها لا تقبل الخصخصة يرجع الى الشكل الاول من اشكالها المتمثل بعملية التمليك لهذه الامور للقطاع الخاص، وهذا لا يعني رفض الشكلين الخرين من اشكال الخصخصة وهما:
1- التاجير الطويل الامد بما يرجع الى صالح من له الحق في الاستفادة من هذه الاموال؛ اي السكان.
2- التعاقد مع القطاع الخاص على انتاج الخدمة التي كانت الدولة تقوم بها.

ان ما نصل اليه من نتيجة هو ان النظام الاقتصادي في الاسلام لا يرضى بالخصخصة (التي تكون بنحو التمليك) سواء كانت هذه الخصخصة باحالة هذه القطاعات العامة لرؤوس الاموال الداخلية الاسلامية او كانت لرؤوس الاموال الاجنبية، مع قطع النظر عن المخاطر الخاصة لتحويل هذه القطاعات الى سيطرة رؤوس الاموال الاجنبية.

ان الذي يشهد لرفض النظرية الاقتصادية الاسلامية لتملك القطاع الخاص لهذه القطاعات العامة هو الحكم الفقهي بالنسبة لمن احيا الارض الموات ثم تركها فقد حكم الفقهاء بان حق هذا الشخص فيها سيزول بزوال هذا الاحياء وعود الارض ميتة،والنصوص في ذلك متعددة، منها ما تقدم ذكره من ان الشخص ان ترك الارض فخربت فاخذها شخص آخر فليس له منعه.

رابعا ـ الخصخصة في اطار النظام الاقتصادي الاسلامي:

لا شك في ان كل ما سبق يعطي صورة عن الخصخصة ودورها في النظام الاقتصادي الاسلامي، ولكن لابد في خاتمة البحث من الاشارة الى بعض النتائج التي يمكن ان نكون قد توصلنا اليها مما سبق:

الامر الاول: ان الخصخصة كمبدا وان كانت لا تتنافى مع النظام الاقتصادي الاسلامي ولا تقف على الطرف النقيض من مبداالملكية المزدوجة الذي هو الاساس في هذا النظام، ولكن السماح بعملية الخصخصة في الدولة الاسلامية ينبغي الا يكون مفتوحا ومشرعا الى الحد الذي يوجب تحويل النظام الاقتصادي الى النظام الراسمالي، وهذا هو ما تخوف منه بعض الرافضين لسياسة الخصخصة في الدول الاسلامية؛ حيث اعتبروا ذلك واقعا ضمن مشروع الغزو الراسمالي للعالم الاسلامي، ومظهرامن مظاهر العولمة الاقتصادية. ان تلافي ذلك يتم في الدولة الاسلامية عبر طريقين:

الطريق الاول: مراعاة المبادئ الاقتصادية الاساسية في الاسلام، اعني به مبدا الملكية المزدوجة الذي يقضي برفض شمول نظام الخصخصة لما تقدم - اي الارض والمواد المعدنية والثروات الطبيعية ومنع النظام الاقتصادي الاسلامي من تحويله الى الملكية الخاصة - بل اننا نتمكن ان نعتبر هذا المبدا من ادلة التشريع العليا التي ينبغي ان تكون حركة الدولة الاسلامية من خلالها.

وهذا الامر يشهد له ملاحظة النصوص المتقدمة التي لم تطلق عنان التصرف في هذه الاراضي؛ فجعلت الاحياء مقيدا بدوامه واستمراره بنحو لو عادت الارض مواتا خرجت عن دائرة تصرف المحيي، او التي قيدت الاقطاع من قبل الحاكم بما يكون تحت قدرة المقطع له، او التي منعت من خصخصة بعض الحاجات الضرورية كالمياه. ان هذه الموارد تدل على مدى السعي الحثيث لدى الاقتصاد الاسلامي للحفاظ على دائرة الملكية العامة وعدم انعدامها في الدولة الاسلامية. بل ان ملاحظة النظرة الاسلامية الى المال عامة - والتي ترجع الى اعتباره قياما للناس فجميع الاموال لجميع الناس ((340))- والملكية الخاصة لا ينبغي ان توجب خللا في النظام الاجتماعي العام.

الطريق الثاني: الاستفادة من دائرة الاحكام الولائية من قبل ولي الامر؛ وذلك لاننا وان كنا جعلنا التقسيم ثنائيا في النظام الاقتصادي الاسلامي: ما لا يقبل الخصخصة بعنوانه الاولي كالاراضي والمواد الاولية والمياه، وما يقبل الخصخصة بعنوانه الاولي، ولكن هذا لا يمنع من ان يقوم ولي الامر وهذا من صلاحياته الثابتة له باصدار منع من خصخصة بعض ما هو من هذاالقسم اذا وجد ان شمول الخصخصة لجميع الافراد الداخلة تحت هذا القسم موجب لانقلاب النظام الاقتصادي الاسلامي الى النظام الراسمالي شكلا ومضمونا او احدهما فقط مما لا يكون مقبولا ومغايرا لمصلحة المسلمين.

ان نموذج ذلك ما ذكره الشهيد الصدر من ان للحاكم الشرعي ان يحدد حدا اعلى لا يسمح بتجاوزه في عملية احياء الارض اوغيرها من مصادر الثروة الطبيعية لو كان عدم التحديد مؤديا الى امكان ظهور الوان من الاستغلال والاحتكار التي لا يقرها الاسلام ((341)).

ان الحد الذي ينبغي مراعاته والاهتمام به حتى لا يقع ما يخشى منه هو ان يبقى لدائرة القطاع العام الدور الفاعل في الاقتصاد الاسلامي بنحو لا يتحول هذا القطاع الى حالة استثنائية ويخرج عن كونه عبارة عن الحالة الطبيعية او عن كونه القاعدة المتقارنة والمترافقة مع القطاع الخاص، وهذا يعني انه لابد وان يترافق مع عملية المنع من الخصخصة العمل على تشجيع القطاع العام وتوفير ما يرفع به المشاكل المحيطة به.

اننا نستطيع ان نتحدث عن وجود مبدا اقتصادي اسلامي يمنع من تراكم الثروة بنحو تخرج به الدولة عن النطاق الاسلامي الى الاقتصاد الراسمالي، يقول تعالى: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الا غنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله ان الله شديد العقاب) ((342)). مضافا الى ان من مظاهر ذلك نستطيع ان نعد فرض ضرائب جديدة على القطاع الخاص ترجع بالفائدة على الدولة وسائر الناس، ولهذا نماذج تاريخية في الفقه الاسلامي.

الامر الثاني: من المحاذير التي يتمسك بها الرافضون للخصخصة هو الخشية من غزو الشركات الكبرى الاجنبية للدول الاسلامية، وان تصبح لها السيطرة على هذه الدول من خلال امساكها بالاسس الاقتصادية للبلد؛ فاذا اصبحت اهم مؤسسات الدولة بيد هذه الشركات فان الدولة سوف تصبح رهينة لهذه المؤسسات، وسوف ياتي اليوم الذي تصبح سياسة الدول الاسلامية بيد هذه الشركات الاجنبية والتي سوف تلحظ بالطبع مصالحها دون مصالح شعوب الدول الاسلامية.

ان ما يذكره هؤلاء صحيح ينبغي الحذر منه، ولكن لدى النظام الاقتصادي الاسلامي وسائل تحميه من ان يصبح رهينة لهذه الشركات، وهو يظهر مما تقدم في الامر السابق والمتمثلة خلاصته في ان الاقتصاد الاسلامي لا يسمح بخصخصة جميع القطاعات العامة للدولة. والحماية هذه تاتي من جهتين:
احداهما: دائرة المنع من خصخصة بعض القطاعات العامة بشكل اولي، مثل الارض وغيرها.
ثانيتهما: دائرة الاحكام الولائية والتي تتمثل هنا بامرين:
الاول: دائرة المنع من خصخصة بعض القطاعات العامة مطلقا سواء للشركات الداخلية او الاجنبية.
الثاني: منع الشركات الاجنبية من تملك ما يدخل تحت دائرة الخصخصة تلافيا للمشكلة التي يتخوف منها.

الامر الثالث: لقد كررنا الحديث عن فكرة الاحكام الولائية، ولابد من الدخول قليلا في توضيح مضمار هذه الاحكام.

ان من يتتبع الاقتصاد الاسلامي يلاحظ وجود مبدا يطلق عليه الاحكام الولائية، والذي هو عبارة عن مظهر تدخل الدولة في النظام الاقتصادي، فان النظام الاقتصادي الاسلامي وان كان يحمل تشريعا ينظم فيه الحياة الاقتصادية للدولة الاسلامية؛ولكن رعاية منه للظروف المتغيرة والمتبدلة عبر العصور والازمنة والامكنة المختلفة جعل من مبادئه السماح للدولة بالاشراف والتدخل للحفاظ على سائر المبادئ الاساسية للاقتصاد الاسلامي وتكيفها بما يتلاءم مع المتغيرات.

ولعل ادلة ولاية الفقيه العامة هي اهم ما يمكن الاستدلال به على وجود مثل هذا الحق للدولة، مضافا الى التطبيق التاريخي لهذاالامر في نماذج مثل: منع الاحتكار، والمنع عن بيع او اجارة الارض التي لا يستفيد منها الشخص، فقد ورد عن النبي (ص): «اذاكان لاحدكم ارض فليمنحها اخاه او ليزرعها». ((343))

الامر الرابع: الموقف من الطريقة الراسمالية للاستثمار:

تقدم ان عملية الاستثمار (بالاحياء والحيازة) قد تكون للثروات الطبيعية التي لا تقبل الملكية الخاصة (الارض والثروات الطبيعية)، وقد تكون لما يقبل منها ذلك كالثروات الطبيعية الاخرى (الحيوانات والنباتات والاحجار وغيرها).

ولكن عملية الاستثمار هذه تتم باحد نحوين:

النحو الاول: الطريقة التقليدية القديمة التي كانت تتم بقيام الشخص ذاته بعملية الاحياء او الحيازة، وتكون نتيجة عمله ثبوت الحق له في الارض ونحوها، او ثبوت الملكية له في الحيوان والخشب ونحوهما.

النحو الثاني: ان يتم ذلك عبر استئجار اشخاص للقيام بعملية الاحياء او الحيازة ليتملك المستاجر او يكون له الحق فيما تم احياؤه او حيازته.

ان الشركات الموجودة اليوم تعتمد على النحو الثاني؛ فان الشركات المملوكة من قبل شخص او مجموعة اشخاص تقوم باستئجار اشخاص للقيام بمهمة الاحياء او الحيازة مع قيامها بتامين الادوات اللازمة لكلا الامرين.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية