الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ان ما يدعونا لطرح هذين النحوين هو اشكالية طرحها الشهيد الصدر (قدس سره) حول النحو الثاني؛ حيث اعتبر هذا النحوعبارة عن الطريقة الراسمالية، ويصر على عدم مشروعيتها؛ باعتبار ان الحق او الملكية انما يعتمدان على اساس العمل المباشر، واشكاليته تلك تاتي في كلا النوعين؛ اي ما يثبت حقا للمحيي او ما يثبت ملكية للحائز.

اما بالنسبة لما يثبت حقا فذلك باعتبار ان راس المال الذي يغطي اجور العمال والادوات المادية للاحياء لا يوجب حقا في الارض بل لابد من العمل المباشر، واما بالنسبة لما يثبت الملكية فان قيام شخص بتقديم راس المال الكافي لعملية الحيازة بان اعطى مجموعة من الصيادين اجورهم اليومية وادوات الصيد لم يكسب بذلك حقا في الثروة التي يحوزونها.((344))

يصر الشهيد الصدر (قدس سره) عند بحثه للمسالة فقهيا على ان المحاز له لا يملك شيئا بمجرد استئجار شخص ليقوم بعملية الحيازة، ويدفع ما ذكر من ادلة لاثبات ذلك، ولكن حلا يطرحه اخيرا يمكنه ان يعالج لنا المشكلة، وهو يطرحه في النوع الثاني اي مسالة الحيازة فيقول: ان قيام الممارس لعملية الحيازة بقصد ان يكون المحاز للذي استاجره؛ يكفي لكونه له، مستدلا لذلك بالسيرة القائمة على هذا الامر.

ان ما ذكره الشهيد الصدر (قدس سره) يمكن ان ينسحب على عملية الاحياء ايضا وان لم يذكر ذلك فيما بحثه، فان الشخص المحيي اذا قصد بعملية الاحياء ان يكون ما احياه للاخر يكفي لثبوت الحق لذلك الخر؛ ومن هنا يكون لعقد الاجارة فائدة اذارجع الى ان الاستئجار انما هو لاجل ان يقوم الاجير بعملية الاحياء او الحيازة قاصدا بذلك الشخص الذي استاجره، وتخلفه عن ذلك وقصده الاحياء او الحيازة لنفسه يعتبر تخلفا عن عقد الاجارة الذي هو من العقود اللازمة. وبهذا مع فرض قبولنا بما ذكره الشهيد الصدر فقهيا من عدم اثبات عقد الاجارة لاي حق او تملك للمستاجر، لكن ذلك لا يمنعنا من اعتبار عقد الاجارة سببا غيرمباشر لاثبات هذا الحق؛ لانه يلزم العامل الاجير بان يقصد في عمله المستاجر، وبهذا يكون لعملية الاستثمار الراسمالي هذه حلها الفقهي.

منهج المقداد السيوري
 في كنز العرفان

د. عبد الامير كاظم زاهد

* مقدمة البحث:

منذ عصر التنزيل كان اهتمام النبي (ص) واهل بيته واصحابه المنتجبين بالقرآن الكريم حفظا وجمعا ومدارسة ليس له نظير. بل لقد جاء هذا الاهتمام من حقيقة مؤداها ان الله تعالى اودع في كتابه المجيد ما عبر عنه بانه (تبيانا لكل شيء) ((345))، فاتجه اليه المسلمون كل ياخذ منه غايته ومبتغاه، ومنه خرجت آلاف المصنفات التي منها مدونات احكام القرآن وفقهه.

فهو مؤسس الاحكام، وحجة الفقيه التي لا تعارض الا في وجه الدلالة، وعليه بني الفقه الاسلامي برمته على عمق غوره واتساع مراميه؛ ولذا تعمق المسلمون بالبحث والنظر في آياته مذ عصر الرسالة وما تلاه من عصور.

وعلى هذا الجهد ظهرت التفاسير الفقهية التي وضعت في ضوء آيات القرآن القوانين والقواعد التكليفية بما اطلق عليه علم الفروع، او فقه القرآن، او آيات الاحكام، او المحتوى التشريعي في القرآن، او الاصول القانونية فيه.

ولانه قد توافر هذا العلم على كشف اجمال القرآن للاحكام، فان نمط المنهج فيه تحليلي لبيان وجه دلالة الالفاظ والتراكيب على موضوعاتها المتعددة، وتركيبي من جهة ضم مقولات السنة الناظرة الى ذات الموضوعات، وتجميعي تراكمي لضرورة عرض آراء الفقهاء والمفسرين في الية الواحدة، ومعياري لضرورة الترجيح بين الراء، فمنهجه اذا تحليلي تركيبي تراكمي معياري، بحيث يمكن وصفه بالتكاملي.

وقد اشير الى ان اول من كتب فيه هو محمد بن السائب الكلبي (ت 146 هـ) مما رواه عن عبد الله بن عباس(رضي الله عنه)، وقيل: ان اول من صنف فيه الامام الشافعي (ت 204هـ)، وروي انه القاسم بن اصبغ القرطبي (ت 340 هـ).

ثم توالى العلماء في البحث في هذا المجال، فكتب فيه الجصاص (ت 370 هـ) والكيالهراسي (ت 504 هـ) وابن العربي (ت 543 هـ) ثم القرطبي (ت 671 هـ). ومن الزيدية النجدي في القرن الثامن وشمس الدين بن يوسف في القرن التاسع.

وادعي ان تفسيري الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) والطبرسي (ت 530 هـ) يعدان من التفاسير الفقهية ((346)). وهذا القول محل نظر.

ويمكن اعتبار مصنف قطب الدين الراوندي (ت573 هـ) المسمى بـ«فقه القرآن» اول المصنفات في هذا المجال، ثم جاء دور السيوري صاحب كنز العرفان (ت 826 هـ). فالسيوري اذا يمثل الدور الثاني في سلسلة التطور المنهجي والمعرفي عند الشيعة الامامية في هذا المجال.

حدود الدراسة:

حددت الدراسة مجالها في كتاب «كنز العرفان في فقه القرآن» حسب، ولذلك تكون قد استبعدت اصلا ما للمترجم نفسه من كتب في التفسير والكتب الاخرى في آيات الاحكام سواء من اصحاب السيوري او من غيرهم من العلماء؛ بغية التعرف اولا على منهجه ليصار في حلقة ثانية او بحث آخر الى عقد مقارنة مع منهج آخر.

ولم اطلع على دراسة سابقة للكتاب، انما هناك ذكر للمترجم في المؤلفات المعاصرة.

الفصل الأول:

* المبحث الاول ـ شخصية المقداد السيوري:
هو شرف الدين ابو عبد الله مقداد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن محمد السيوري الحلي الاسدي(ت 826 هـ). تتلمذ على الفقيه الشهيد محمد ابن مكي (734ـ 786هـ) صاحب اللمعة الدمشقية. ولقد عرف الشهيد في انه درس في حوزة الحلة قواعدالعلا مة وتهذيب الشيخ الطوسي وعلل الشرائع ((347)). ومن مدرسة الحلة ومعاصري صاحب اللمعة انتهل السيوري فاتقن علوما كثيرة، فكان فقيها، اصوليا، منطقيا ((348))، ويظهر ذلك من تصانيفه.

يقول الخونساري: انه تلقى تحصيله العلمي في مدينة الحلة، وكان اجل تلاميذ الشيخ فخر المحققين الحلي (ت 771هـ) وتلاميذ الشهيد الاول (ت 786 هـ) والسيد ضياء الدين الاعرجي((349)).

ثم انتقل الى النجف فاصبح عميد مدرستها، وزعيم حوزتها العلمية ((350)). وقد بنى في مدينة النجف مدرسة علمية عرفت باسمه، وقد ورد ذكرها على ظهر كتاب المصباح للشيخ الطوسي((351)).

واما مؤلفاته فتبلغ اربعة عشر كتابا في القرآن والحديث والاصول والكلام والفقه والبلاغة والدعاء.

ومن اشهر مؤلفاته الفقهية: «التنقيح الرائع في شرح الشرائع» و «تنضيد القواعد الفقهية على مذهب الامامية»، وفي الاصول: «شرح مبادئ الاصول للعلا مة الحلي»، وفي القرآن اضافة الى كنز العرفان: «تفسير مغمضات القرآن».

ومن اشهر تلامذته: الفقيه ابن القطان الحلي وابن فهد الحلي.

* المبحث الثاني ـ كتابه كنز العرفان:
المطلب الاول ـ دواعي التاليف:
يرى السيوري ان من البحوث النافعة في القرآن علم الاحكام الشرعية والمسائل الفقهية فيقول: «فهو اعم نفعا للعوام والخواص، واجدى عائدة واولى بالاختصاص؛ اذ به ينتظم قواعد المعاش في العاجلة، وتتم سعادة المعاد في الجلة».

ويرى ان القرآن يشكل المرجع لجملة من مسائله، واحد حجج الفتاوى واكبر دلائلها، ويصرح بانه لم يظفر بكتاب في تنقيح تلك اليات بما يبرد الغليل ويشفي العليل، فهي اما مسهبة بذكر الاقاويل والاخبار، او مقصرة بالايجاز والاختصار، قال : «فحداني ان اضع كتابا يشتمل على فوائد قد خلا عنها اكثر التفاسير، وفرائد لم يعثر عليها الا كل نحرير».

ثم يتحدث عن اضافاته في الكتاب فيقول: «وضممت الى ذلك فروعا فقهية تقتضيها نصوص تلك اليات او ظواهرها، ونكات معان وعجيب غرائب تلمع لدى الفضلاء زواهرها، يظهر بذلك من اليات سرها المكنون وجوهرها الثمين المصون بحيث يعجب بذلك الناظرون، وما يعقلها الا العالمون».((352))

ويذكر السيوري كيفية ترتيبه للمعلومات في كتابه فيقول: والكتاب مرتب على مقدمة وكتب، والمقدمة فيها فوائد مباحث الوضع، فيوضح مفهوم النص والظاهر والمجمل والمؤول والمحكم، ويمثل لكل منها.

ثم يوضح دلالة اللفظ على الماهية، فيتطرق الى العام والخاص والمطلق والمقيد والفاظ العموم والمخصصات.

ثم يتطرق الى عدد آيات الاحكام، فيتبنى ما يرى من انها تقارب (350) آية، فينقل ان المشهور هو (500) آية، فيرده بان «ذلك انما هو بالمتكرر والمتداخل؛ والا فهي لا تبلغ ذلك».

المطلب الثاني ـ تقرير وصفي عن تبويب الكتاب ومباحثه:
اعتمد المقداد السيوري في تبويبه للكتاب على وفق الابواب الفقهية، وهو اذ ذاك يترك منهجية التفسير التسلسلي كما جاء في الجامع لاحكام القرآن للقرطبي او احكام القرآن للجصاص، وهو هنا يمثل نقلة كما مثلت منهجية تصنيف الحديث وفق الابواب الفقهية نقلة تعين المجتهد في التماس ادلته، سيما وهو في مجال آيات الاحكام يبدا كتابه ببحث فقهي كامل عن الطهارة ثم الصلاة فالزكاة فالخمس الى آخر ابواب العبادات حيث الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

بعدها ينتقل السيوري الى باب المعاملات، حيث يبدا الحديث فيه عن مطلق الاكتساب مستعرضا المكاسب المحرمة، ثم يتناول انواع المعاملات كالبيع والقرض والرهن والضمان... الخ.

بعده يتناول الاحكام المختصة بالاحوال الشخصية مثل النكاح والطلاق والخلع والظهار والايلاء واللعان ليبحث في نهاية كتابه الاطعمة والاشربة والارث والجنايات والقضاء.

المطلب الثالث ـ ملاحظات على التبويب:
ان اهم ما يلاحظ على تبويب الكتاب ما يلي:

أولا: انه قسم كتابه الى ثلاثة اقسام، حيث جعل القسم الاول للعبادات، والثاني للمعاملات، وخص الثالث للاحكام، وهو منهج فقهي محض.

وثانيا: ان عدد اليات المبحوثة في كتابه في العبادات هو (137)، بينما في المعاملات (86) آية، ويفرد للاحوال الشخصية (50) آية، اما الاحكام فيشرحها على (60) آية، وبذلك يكون مجموع آيات التشريع عنده (350) آية، وهو الحد المتوسط الذي يتوسط راي المقلين الذين يرون انها (150) ((353)) وراي المكثرين الذين يرون انها (500) آية ((354)).

يقول السيوري: «انه اشتهر بين القوم انها خمسمئة» ((355))، فيفسر ذلك فيقول: «ذلك انما هو بالمتكرر والمتداخل؛ والا فهي لاتبلغ ذلك».

ويلحظ ان المحققين قد بذلوا جهودا في استقصاء آيات الاحكام وفق معايير اصولية، فتوصلوا الى انها دون الاربعمئة، وقدسبقهم المقداد السيوري في القرن الثامن الى تقرير هذه الحقيقة. ان اخراج ما دل من اليات على انها اعتقادية واصولية واخلاقية يجعل رقم هذه اليات في حدود الاربعمئة، اما ضبط الموضوع وفق ما يصرح به لفظ الية فهي لا تعدو اكثر من (150) آية.

لذلك يكشف العز بن عبد السلام هذه الحقيقة فيقول: «واعلم ان من اليات ما صرح فيه بالاحكام، ومنه ما لم يصرح، ومنه ماتكفلت به آية واحدة، ومنه ما لا يتم الا بضميمة آية اخرى حكما او موضوعا».

لكني لا اقصر خلاف الفقهاء على هذه الاسباب فحسب، وانما ثمة اسلوب انتزاع الحكم، فنرى مثلا ان بعضهم يرى ان قوله تعالى: (وامراته حمالة الحطب) آية حكم يستنتج منها ان زواج اهل الجاهلية سماه القرآن زواجا. ان هذا الموضوع ومداخلة المقداد السيوري في اسلوب انتزاعه الحكم من النص ليساهم في تحديد معيار ضبط المعايير التي في ضوئها يتم تحديد كون الية آية حكم او لا، لا على اساس الاداء اللغوي كما نجده في الية من الفاظ الحرمة او الحلية صراحة، انما بانواع الدلالة الاخرى التي قد تكون غير لفظية، انما يستفاد من مفاهيمها الاحكام؛ ذلك لان المسلم به ان القرآن الكريم كتاب تتداخل فيه الهداية والتشريع في نسيج ادائه المتماسك المعجز.

لذلك يرى شلبي: «ان القرآن لم يلتزم في بيانه للاحكام اسلوبا واحدا شان القوانين او الكتب الفقهية المالوفة، فلم يعبر عن كل مطلوب طلبا مؤكدا بمادة الوجوب، ولا عن كل ممنوع بمادة التحريم» ((356)).

وثالثا: ان اسلوب السيوري الموضوعي الذي يجمع اليات المتعرضة لموضوع واحد في مبحث مخصص لها ينسجم مع طبيعة القرآن الكريم؛ اذ انه لم يجمع هذه النصوص في مكان واحد ولا في سورة واحدة، انما جاءت احكامه مفرقة في سورالقرآن وآياته؛ مبثوثة في ثنايا آيات العقائد والاخلاق والوعد والوعيد واخبار الامم السالفة؛ لذلك نجد الحكم الواحد قد وردت فيه عدة نصوص في مواضع عديدة واساليب متنوعة.((357))

لذلك نلاحظ ان السيوري قد حقق سبقا على الباحثين باعتماده هذه المنهجية بصورة عملية في كتابه كنز العرفان.. تطبيقيا.

المطلب الرابع ـ مداخلة في الملامح العامة للمنهج في آيات الاحكام:

في هذه المداخلة سنطرح مجموعة من المسائل ربما تشكل اجاباتها نظرة محددة في المنهج:

المسالة الاولى:
هل فقه القرآن مما يدخل في جهود المفسرين فيناقش في ضوء تلك المناهج، ام في جهود الاصوليين والفقهاء فيلاحظ في ضوء مناهج الاصوليين؟

فاذا كان هذا النمط من الجهد ضمن حلقة التفسير فيناقش في كونه مما ينهج التفسير بالماثور او الراي، او يلحظ جانب التغليب في طريقة المفسر؛ بيانيا كان ام لغويا ام علميا، ويلاحظ من اخذه الجانب التسلسلي ام الموضوعي.

واذا اعتبرناه جهدا اصوليا فلابد من الكشف عن منحاه الدلالي الذي ينتزع الحكم به، مثل: الكشف عن اللفظ القرآني بادوات متعددة؛ بالشعر الجاهلي او اسباب النزول، والكشف عن خلفياته في تقرير النسخ، ومدى احتجاجاته بالسنة او الاجماع اوالقياس، ويلحظ فيه القواعد الاصولية في مباحث الالفاظ في دلالة الطلب على الوجوب او الندب.

وبعبارة اخرى: هل يدخل فقه القرآن في مناهج المفسرين وجهودهم، ام في مناهج الاصوليين والفقهاء في تقرير الحكم المنتزع من النص مع اعتبار مداركه في الانتزاع؟

يبدو ان نظرة في مؤلفات آيات الاحكام يدعونا الى القول بان هذا النمط من المعرفة يقتضي جمعا موفقا بين المنهجين؛ لانه علم مركب من:

1 - الكشف عن المعاني الافرادية والتركيبية لبعض آيات القرآن، وهي وظيفة المفسر.

2- تقرير الاحكام - كمرحلة ثانية - وهي وظيفة الاصولي او المجتهد، ولكن لما كان الهدف من الدراسة الكشف عن احكام القرآن فان التركيز على الوجه الثاني هو الذي يحقق الهدف، وان كنا لا نستغني عن المعنى الاول بوصفه احدى الوسائل الموصلة الى الهدف.

المسالة الثانية:
هل يوفق هذا الجهد في الوصول الى اهدافه بالتفسير الموضوعي ام التسلسلي؟

الحق ان كلا المنهجين قد يوصلانه الى اهدافه، لكنه في اعتماده الموضوعي يكون اكثر تحقيقا لها؛ لان المنهج الموضوعي:

1- ييسر كثيرا معرفة اجزاء الحكم وشرائطه وموانعه، ويوصل بين اول الموضوع وآخره، ويكشف الصور المتعددة فيه.

2- ويجمع الخاص الى العام، والمطلق الى المقيد، والناسخ الى المنسوخ، ويبين المجمل، ولا يكتفي بتقييد وتفصيل القرآن لبعض آياته، بل يجعل من السنة بوصفها شارحة مصدرا آخر لتحديد نمط الحكم؛ حيث ان فقه القرآن بوصفه دراسة اجتهادية فان الموضوعي يكشف فيه حيثيات اعتماد الحكم باستعراض البيانات الخاصة زيادة على ما له من باع طويل لتقرير اطروحات قرآنية لمجموعة من المشاكل المعقدة (المركبة) التي تتطلب منظومة متراصة من الحلول المنهجية بنظرة شمولية، وحيث لا توقيف شرعي على التفسير التسلسلي فان اعتماد المنهج الموضوعي اقرب لتحصيل اهداف البحث في فقه القرآن.

والروايات المنقولة بشان اولوية اعتماد التسلسلي لا تدل على اكثر من الزام القراء بتسلسل المصحف، ومع ذلك فان المرجحين للتسلسلي يعترفون بجواز النهج الموضوعي.

يقول الشيرازي في شرح المهذب في ترجيحه للتسلسلي: «لان ترتيبه لحكمة، فلا يتركها الا فيما ورد فيه الشرع، فلو فرق السور او عكسها جاز، لكنه ترك الافضل» ((358))، وهو انما يصرح بالجواز مع ترك الاولى في قراءة المصحف. وحمل الرواية على الدراسة والتفسير والبيان يحتاج الى دليل؛ لاصالة البراءة، ولعدم وحدة الموضوع لا نرى قابلية القياس لسريان حكم الاصل الى الفرع.

ان حكمة التدرج القرآني في النزول انما جاءت لتهيئة نفوس القرن الاول ممن نزل عليهم النص، لذلك فان الوقوف عند التسلسل انما هو في التبليغ والقراءة وليس مطلقا، اما في جانب العرض العلمي والمدارسة فحيث لا مانع عقلي ولا شرعي بدليل قاطع في اعتماد اجزاء من القرآن لايضاح المراد منها فان جميع حجج من يرى اولوية العرض التسلسلي لا تنظر للجهد من جهة كونه باحثا للحكم من جهاته العديدة لابراز معانيه واحكامه وفق نظرة شمولية.

ولقد اعتمد المقداد السيوري هذه الحيثيات جميعا اعتمادا موفقا؛ اذ انه عند عرض الية الواحدة ضمن المنهج الموضوعي المقسم باحكام يعتمد عرض اللوازم المعنوية للفظ الية، ويعرض لمعانيها المرتبطة باعرابها، ويناقش المراد المتعدد من المعاني مرجحا بينها بادلة من القرآن والسنة، وربما يستعين في ذلك بعلوم كالتاريخ وعلم الكلام والمنطق، ففي قوله تعالى: (ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة) يناقش الاولوية، فيورد آراء متعددة لها علاقة بتاريخ الكعبة انشاء واستمرارا،ويوضح معنى (هدى للعالمين)، فاذا انتهى من المعنى العام انتقل الى ما ينتزع منه الحكم، مثل: (ومن دخله كان آمنا)،وقوله تعالى: (والله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا)، ويذكر تواكيد للامر بالحج بسبع من الوجوه لغة ورواية((359)).

وهكذا نجد ان المقداد السيوري يضع منهجه في فقه القرآن معتمدا على ركائز اساسية:
1 - اعتماده المنهج الموضوعي المتولدة موضوعاته من الشامل الكلي الى الاجزاء.
2 - اعتماده اولا منهج المفسر في بيان المعنى اللفظي للاية افرادا وتركيبا، وعرض الراء في المراد المعنوي موازنا بينها، ومرجحا لما يراه راجحا.
3 - ثم ينتقل الى منهج الاصولي ليبدا من عرض اللفظ الدال الى تقرير المدلول مع وجه الدلالة.
4- انه يضيف الى ذلك فوائد في بسط المراد من بعض الحقائق الشرعية التي ستتضح في المباحث التية.

الفصل الثاني ـ منهجه مفسرا

اسلوبه الدلالي لمعرفة معاني القرآن وادواته البحثية:
اتضح مما سبق انه للوصول الى تحديد الحكم من خلال النص هناك مرحلتان:
الاولى: معرفة معاني الالفاظ والتراكيب، وكشف المراد اللغوي منها.
والثانية: تحديد الحكم التكليفي للموضوعات التي يحكمها النص.

وفي خصوص المرحلة الاولى اعتمد المقداد السيوري عدة ادوات بحثية للوصول الى المراد من معاني الالفاظ افرادا وتركيبايمكن عرضها وفق النسق الآتي:
أ ـ اعتماده تفسير القرآن بالقرآن.
ب
ـ اعتماده الحديث النبوي لايضاح اللفظ القرآني.
ج
ـ اعتماده اقوال ائمة آل البيت (ع) وسيلة لبيان المعنى.
د
ـ اعتماده آراء الصحابة والتابعين.
ه
ـ ـ اعتماده اتفاقات المفسرين في بيان معنى اللفظ، او الراجح من آرائهم.
و ـ اعتماده اسباب النزول لبيان معنى اللفظ.
ز
ـ اعتماده القراءات الراجحة لديه في ايضاح المعنى.
ح
ـ اعتماده الشعر واللغة والنحو.
ط
ـ اخذه بالمعاني المستفادة من ظواهر الكتاب دون العدول الى معنى آخر.

ونعرض امثلة على هذا النسق البياني من كتابه كنز العرفان.

المبحث الاول ـ تفسيره للقرآن بالقرآن:
اعتمد المقداد السيوري لكشف دلالة الالفاظ على القرآن نفسه كاداة للوصول الى المراد، ويلاحظ في منهجه انه متى حصل على ايضاح اللفظ موضوع البحث من خلال آية اخرى اكتفى بها، واما الوسائل الاخرى فانها مؤكدة لما استفاده من القرآن،وهذا مسوغ لما ورد «ان احسن الهدى هدى الله»، ولانه قطعي الدليل فلا غرو ان يجعله المعين الاول في ايضاح بعض ما اشكل معناه على المفسرين، وهناك امثلة كثيرة على ذلك ((360
)).

المبحث الثاني ـ اعتماده الحديث النبوي الشريف في ايضاح المراد من معاني الالفاظ:
اذ لم تقتصر وظائف السنة عند السيوري على التخصيص والتقييد وبيان المجمل، بل تدخلت السنة النبوية الشريفة في ايضاح مشكل الالفاظ وبيان معانيها، وقد عرض لذلك كثيرا.((361))

المبحث الثالث ـ اعتماده اقوال ائمة آل البيت(ع) في ايضاح المعنى:
اذ يرى السيوري ان الله تعالى لما نصب ائمة الهدى حفظة لشرع الله فان اقوالهم تعد معجما لمعاني القرآن الكريم، وبناء عليه فقد اعتمدها السيوري في بيان المعاني، وهناك العديد من الامثلة على ذلك ((362)).

المبحث الرابع ـ استناده ونقله لراء الصحابة والتابعين:
حيث استند السيوري في كتابه على آراء الصحابة والتابعين في تفسير آيات القرآن الكريم ((363)).

المبحث الخامس ـ اعتماده اتفاقات المفسرين:
فانه ربما استعان بها لتفسير بعض اليات ايضا ((364)).

المبحث السادس ـ اعتماده سبب النزول في بيان معنى اللفظ:
فقد اعتمد السيوري في بعض المواضع على سبب نزول الية لفهم معاني الفاظ الآيات ((365)).

المبحث السابع ـ اعتماده القراءات في ايضاح المعنى:
فانه ربما تعرض لها ثم اعمل بعض المرجحات لبعض القراءات على بعض ((366)).

المبحث الثامن ـ اعتماده الشعر في بيان المعنى:
اذ استعان السيوري بالشعر في كثير من المواضع لبيان معاني بعض اليات ((367)).

الفصل الثالث ـ منهجه اصوليا وفقيها

بعد أن وضح منهجه البياني مفسرا ليات من القرآن الكريم ووضحت ادواته البحثية، يكون المنهج عند السيوري قد ارسى المعاني وقطع المرحلة الاولى ممهدا قارئه للمرحلة الثانية؛ وهي مرحلة الانتزاع (انتزاع الحكم الشرعي من النص). ولهذه المهمة ادوات بحثية ايضا تحدد ملامح منهجه في استنباط الحكم من نص القرآن جاعلا من آية الحكم ترتكز على دعائم ثلاث، هي:
أ ـ الموضوع او القضية او الواقعة التي تؤسس الية لها حكما.
ب ـ الحكم: وهو نمط التكليف الذي يجعله الشرع بواسطة النص جعلا شرعيا.
ج ـ وجه الدلالة: بمعنى مدى انطباق الحكم على الموضوعات المتعددة.

وللسيوري جهد كبير وعميق في استفادة الحكم من النصوص القرآنية، ويمكن ان نتلمس سمات منهجه الاصولي، وتتضح لناكيفية استدلاله بمصادر التشريع وحجية كل مصدر، والقواعد المستنتجة من مباحث الالفاظ والقواعد التي استقر عليها البحث الاصولي او التي اختلف في مدى حجيتها الاصوليون، من خلال ذلك. ان معرفة ما يذهب اليه المقداد السيوري من اعتماد للمصادر والقواعد تشكل نظريته في الانتزاع ومنهجا في الاستفادة الفقهية من النصوص. وفيما يلي اهم العناصر المنتزعة من طريقة استفادته الحكم مقسمة على شكل مباحث، وموثقة في الهامش بالدلالة على مواضع امثلة الانتزاع.

* المبحث الاول ـ الاستعانة بالقرآن الكريم:

ويتضمن العناصر التالية:
أولا ـ وقوفه عند ظواهر الكتاب((368)):
ثانبا ـ موقف المقداد السيوري من النسخ:

من مشكلات علوم القرآن والتفسير موضوع النسخ، وقد ورد عن ائمة التفسير ومن وافقهم في ذلك تصنيف عدد كبير من اليات بين ناسخة او منسوخة. ان المقداد السيوري كغيره من مفسري الامامية يعالج موضوع النسخ بمنهج الاصوليين لابمنهج المفسرين؛ حيث يشترط لتحقق النسخ شروطا كثيرة وتفصيلية، منها: التعارض التام في حكم الموضوع الواحد،ومنها: تاخر الناسخ في زمن النزول، وغيرها. ولنلحظ هذا المنهج الاصولي عند معالجة السيوري لما يتوهم فيه النسخ بامثلة عدة؛ لنقف من خلالها على منهجية المقداد السيوري في معالجة اثر القول بالنسخ في احكام القرآن:

1- ففي سورة المائدة نجد المفسرين لقول الله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله... ولا آمين البيت الحرام) يرون ان مفردات هذه الية منسوخة، لكن نقل السيوري قول من قال: انه لم ينسخ من هذه السورة غير هذه الية، ثم نقل راي الحسن البصري وغيره انه لم ينسخ منها شيء، وهو راي ابن جريج الموافق للمروي عن الباقر (ع) والموافق لما ورد عن المائدة انه (ص)قال فيه: «احلوا حلالها وحرموا حرامها»، كانه يتبنى باسلوب غير مباشر مذهب المقلين من النسخ.

2- يرى السيوري ان قوله تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم واخرجوهم من حيث اخرجوكم) ناسخ لكل آية فيها امربالموادعة او الكف عن القتال، كقوله تعالى: (لكم دينكم ولي دين) وامثاله؛ لان كلمة «حيث» للمكان؛ اي في اي مكان ادركتموهم من حل او حرم، وكان القتال في الحرم محرما ثم نسخ بهذه الية وامثالها ((369)).

3- لا يقف السيوري من النسخ موقف المتاخرين الرافض تماما لاغلب ما ادعي النسخ فيه؛ فهو يقر بعضه القليل. ومثال ذلك ما نجده فيما يراه بقوله تعالى: (ان يكن منكم عشرون صابرون...) الى قوله: (الن خفف الله عنكم وعلم ان فيكم ضعفا فان يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مائتين) حيث يرى انه من باب النسخ بالاخف ((370)).

4- يروى عن ابن عباس ان قول الله تعالى: (وان جنحوا للسلم فاجنح لها...) منسوخ بقوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الخر)، وهو راي الحسن وقتادة ومجاهد، الا انهم يرونه منسوخا بقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)، يقول السيوري: «والحق انها غير منسوخة؛ لتعلق الصلح براي الامام وبحسب المصالح المتجددة. ويدل على عدم نسخها ان قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين...) نزلت في سنة تسع، وبعث بها رسول الله الى مكة في محرم، بينما صالح اهل نجران في نفس السنة على الفي حلة؛ الف في صفر والف في رجب» ((371)).

5- ونجده في تفسير قول الله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية) ينقل فيقول: «قيل: كان القادر على الصوم مخيرا بينه وبين الفدية نصف صاع... ثم نسخ بقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، وقيل: انه غير منسوخ بل المراد بذلك الحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن والشيخ والشيخة... وهذا روي عن الصادق (ع)». والرواية دليل قطعي في منهج السيوري على عدم النسخ، معززا اياه بقاعدة ان «التخصيص خير من النسخ».

وكذلك نجده في تفسير (اياما معدودات) لا يقول بنسخ الايام الثلاثة وعاشوراء بشهر رمضان؛ انما يرى ان الايام المعدودات «شهر رمضان» نفسه، ويحتج السيوري على رايه في ذلك بانه قول الاكثر، قال: «وبه قال الاكثر».

من ذلك وغيره يقنن السيوري قاعدة مؤداها انه «مهما امكن صيانة الحكم عن النسخ فهو اولى» ((372)). ويتابع السيوري تحكيم هذه القاعدة، فنراه مثلا فيما يراه السدي - من ان قوله تعالى: (يسالونك ماذا ينفقون قل ما انفقتم من خير فللوالدين والاقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل) ((373)) منسوخ بية الزكاة - يرد السيوري ذلك فيقول: «حيث لا مانع من اجراء حكمها، ولايقين بالنسخ حتى مع حديث «لا وصية لوارث»؛ لاننا حتى لو سلمنا بصحة الحديث وهو آحاد فهو لا ينسخ الكتاب عند الاكثر، ويمكن حمله على التخصيص» ((374)).

ويرد قول من يرى ان قوله تعالى: (كتب عليكم اذا حضر احدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف...)منسوخ، فينقل الاقوال المدعية للنسخ قائلا: «قيل: ان الية منسوخة بية الارث، وبقوله (ص): «... لا وصية لوارث»»، ثم يعقب: «قلنا: الاصل عدم النسخ؛ ولان شرطه المنافاة، ولا منافاة بين الوصية والارث؛ اذ هو زيادة في الصلة، ولو سلم النسخ فهورافع للوجوب لا الجواز؛ وذلك لان رفع المركب لا يستلزم رفع جميع اجزائه كما يبين في الاصول».

اما الحديث ففي سنده (مقال) عند السيوري، وعلى فرض صحته فهو آحاد لا يصح ان ينسخ به الكتاب عند الاكثر، ولو سلم جواز النسخ به لكان لنا - هنا - ان نحمله على التخصيص بما زاد عن الثلث، والتخصيص خير من النسخ؛ لما تقرر في الاصول((375)).

وآخر ما نمثل لك به بما يميز منهج السيوري في موضوع النسخ قضية الزواج بالكتابية، ففي قوله تعالى: (ولا تنكحواالمشركات حتى يؤمن) يرى ان الكتابية مشركة بعدة ادلة، منها: قولهم العزير ابن الله، والمسيح ابن الله؛ لذا لا يجوز التزوج منهم، فاذا اخرجوا من دائرة الشرك الى الكفر فان قول الله تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) نص في الموضوع.

والسيوري هنا يجعل هاتين اليتين ناسختين للاية في المائدة التي تجيز التزوج بالمحصنة الكتابية، ويلتفت الى ما تقرر من ان المائدة آخر ما نزل، وقواعده المرعية عنده من ان الاصل عدم النسخ، فيقرب التخصيص لانه خير من النسخ. ويناقش موضوع نسخ آية المائدة باسناد القول بالنسخ الى زرارة عن الامام الباقر (ع)؛ اذ يصرح عند بعضهم بانهم لا يسلمون ان تكون المائدة آخر القرآن نزولا؛ لعدم الدلالة القاطعة عليه، لكنه يختار من بين هذه الراء الاقرار بان الية جزء من المائدة وان تاخرالمائدة في النزول مشهور، لما يدل عليه قرائن احكام السورة، وحيث ان الاصل عدم النسخ فان القول بتحريم التزوج بالكتابية يحتاج الى دليل جديد يعرضه فيما بعد ((376)).

من ذلك يتبين ان منهج المقداد السيوري في اهم قضيتين في الاستدلال بالنصوص القرآنية هو انه يحكم الظواهر طالما لا توجدهناك قرائن منفصلة اقوى من المتون تصرف الية من الظاهر الى غيره، وانه قائل بقلة النسخ في القرآن؛ لتعامله مع موضوع النسخ وفق منهج الاصوليين الذين يشترطون مجموعة شروط للتسليم بالنسخ. ان هذين الاصلين في منهج السيوري لهمامقتضى هام، وهو انه يستفيد من كل آية حكم في القرآن بما يغطي الوقائع والسلوك الانساني باحكام شرعية واضحة وقاطعة في الدليل، وربما الدلالة.

* المبحث الثاني ـ السنة النبوية في المنهج الاصولي عند السيوري:
لقد افاض العلماء في دور السنة في ايضاح المراد التشريعي من آيات الاحكام، وافاضوا في اقسامها واعتبار كل قسم من الادلة الشرعية ((377)). ولا نزاع في حجية السنة الصادرة عن النبي (ص)، والادلة على ذلك كثيرة ومتوافرة ((378)).

والسنة في اغلب مساهماتها في تاسيس الحكم الشرعي هي ما صدر عن الرسول (ص) بما يبين المجمل او يخصص العام او يقيدالمطلق، وهو ما اطلق عليه التشريع العام، في قبال التشريع الخاص الذي هو عبارة عن افعاله وتصرفاته على انها من خصوصيته.

لكن المسالة الهامة في استخدام السيوري للسنة بوصفها شارحة ليات الاحكام هي «طريق وصولها الينا»، فللسيوري منهجه الخاص في اثبات اسنادها الى الرسول (ص) سندا صحيحا، بشروط: الثقة والعدالة والضبط والاتصال بالنسبة لرواة الحديث عن النبي (ص)، ولرواة الحديث عن ائمة اهل البيت (ع).

ولايمانه القاطع بعصمة ائمة اهل البيت (ع) فقد جعلهم فوق معايير السند، ولكنه لاحظ سمات السند الصحيح في رواة الخبر عن المعصومين (ع).

ولدى فحص منهجه في العمل بخبر الحاد لم نجد اثرا للمشكلة التي تنازع فيها الطوسي ومن تبعه في آرائه في كتابه العدة،وابن ادريس والسيد المرتضى ومن وافقهما في عدم اجزاء العمل بخبر الواحد ((379))، انما يحتج المقداد السيوري بخبر الواحد كاحتجاجه بالمتواتر ضمن حدود الكشف عن المراد التكليفي، لكنه يستثنيه من صلاحية ان ينسخ به آية جريا على معيار اكثرشمولا؛ وهو ان الحديث عنده معتبر ابتداء اذا لم يتعارض مع القرآن، ثم يطبق المعايير. ولاجل ان نحدد كيفية استخدام السيوري للسنة في كتابه، نعرض لبعض الامثلة لنخرج منها باستنتاجات نجمعها في آخر المبحث مؤسسين ملامح منهجه في فقه القرآن:

ـ هل القيام الى الصلاة في قوله تعالى: (اذا قمتم الى الصلاة...) يعم المحدث وغيره؟ يقول السيوري: هذا باطل؛ لانه خلاف الاجماع؛ ولان النبي (ص) صلى الخمس في يوم فتح مكة بوضوء واحد، وتصريحه (ص) انه فعله عمدا بيانا لامته ((380))، وهويدل على ترجيح موقف القيام والوضوء للمحدث باستخدام سنة فعلية وقولية معا.

ـ كذلك نجد ان قوله (ص) في العمل بحلال المائدة وحرامها - لانها آخر ما نزل - تحديد توقيفي في عدم تسرب النسخ الى احكام المائدة ((381)).

ـ ومن فعل النبي انه (ص) ادخل المرفقين في غسل يديه، حسم به موضوع «الى» لانتهاء الغاية لا لكيفية الغسل، قال: «والدخول مستفاد من بيان النبي (ص)... والا لكان خلاف ذلك هو المتعين؛ لانه قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به»». وكذا الحال في الابتداء بالمرفق.

ـ ومثل مسحه (ص) على ناصية راسه احتجاجا لموقف الحنفية الذين قد رووا ان مقدار المسح الربع، لكنه لا يبرر موقف الامامية والشافعية من انه اقل ما يقع عليه اسم المسح، الا بما نص عليه السيوري بعبارته: «لنص ائمتهم (ع)»، وهو نفسه فيما رواه ابن عباس انه (ص) مسح على قدميه؛ حسما للخلاف المتاتي من القراءتين ((382)).

ـ وعن وجوب النية في الطهارات - الذي خالف فيه ابو حنيفة حيث خص الوجوب بالترابية - استدل بقوله(ص): «انما الاعمال بالنيات»؛ لان الجمع المعرف باللام دال على العموم، ويعززه ما ورد عن الائمة (ع)، فهنا يورد رواية عن الرضا (ع) جبر اللحديث اعلاه؛ مما نستنتج منه ان السيوري يعمل بالحديث غير الوارد عن الائمة (ع) اذا وافق منطوقه ما ورد عنهم(ع).

ـ ومن الامور التي تلفت الانتباه ان السيوري يذهب الى ان غير الطاهر يجوز له ان يقرا من القرآن ما تيسر على كراهة، مستدلا برسالة النبي (ص) الى هرقل وفيها آية من القرآن، يقول: «ارسلها (ص) اليه وهو كافر مجنب» ((383)). والملاحظ هنا انه(رحمه الله) لا يلتفت الى الحالات الخاصة (الاستثنائية) المعارضة بالعموم القرآني (لا يمسه الا المطهرون)، وعنده ان المنع في سور العزائم لا غير، وقد ثبت بدليل خارجي غير قوله تعالى: (لا يمسه الا المطهرون).

ـ ونجده مثلا يستدل بصيغة المبالغة «طهور» في الحديث: «لا صلاة الا بطهور» على انها بمعنى مطهر، او يستدل بها في الحديث: «جعلت لي الارض مسجدا وترابها طهورا» ليخلص الى عدم ارادة الطاهر بها، وكذا وصفه (ص) لماء البحر «هو الطهور ماؤه»؛ اذ لو لم يرد كونه مطهرا لم يصلح جوابا؛ لان «فعولا» للمبالغة، ولا يتحقق الا مع افادة التطهير.

ـ ونجده يحتج بالمرسل اذا رواه اصحاب الكتب الاربعة ومنهم الشيخ الطوسي، قال: «روى الشيخ مرسلا عنه (ص): «اذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا»»، معززا اياه برواية عن الصادق (ع) قوله: «اذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء».

ـ ونجده ينقل عن الباقر (ع) حديثا للرسول (ص): «كل مسكر حرام، وكل خمر مسكر»، ثم يعقب: «ومثله رواية ابن عمر عنه (ص)»، وهكذا يستمر السيوري في عملية الجمع بين الطريقين ((384)) جبرا للحديث، وفي حكم الفقاع مثلا يرى ان له حكم الخمر في النجاسة والتحريم؛ لما ورد من طريقهم عن عمر قال: الغبيراء التي نهى النبي (ص) عنها هي الفقاع، ومن طريقنا عن سليم بن جعفر عن الرضا (ع) قوله: «هو خمر مجهول»، وكذا عن الوشاء عن الرضا (ع) ((385)).

ويورد السيوري لما سمي بـ«التشريع الخاص» وجوب السواك للنبي (ص) بتصريحه بذلك ((386))، وكذا نافلة الليل.

ـ ويستخدم السيوري الروايات عن الائمة (ع) في تاسيسه قاعدة «حمل الفاظ القرآن على التاسيس خير من التاكيد»، مثل قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات...) الية، مفرقا بين المحافظة على الفرائض والمداومة على النوافل، قال: «وهو مروي عن الباقر والصادق (ع)؛ كل ذلك فرارا من الترادف والتاكيد غير المفيد فائدة زائدة على التاسيس المفيد».((387))

لكن - فيما بدا لي - كان عليه ان يوفق بين روايتين متعارضتين - مثل: ما استدل به على ان المراد بالوسطى «صلاة العصر»؛ لقول النبي(ص): «من فاتته العصر فكانما وتر اهله وماله»، وبين ما روي عن الائمة (ع) انها الظهر، خصوصا وانه قد روي عنه(ص) في يوم الاحزاب انه قال: «شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ صلاة العصر» - لا التشكيك في صحة الحديث، حيث يقول: «فان صح ذلك فهو صريح فيها»((388)).

وقد لا يشير السيوري الى اختلاف المتن، كما في رواية الثمالي عن احد الائمة (ع) عن علي (ع)، حيث رواها الطبرسي بمؤداهاوبلفظ مختلف في معرض تفسيره للاية (15) من سورة هود.

ـ واننا لنجده مثلا في الوقت الموسع والمشترك للصلاة يورد رواية لابن عباس عنه (ص) بدلالة معتبرة، ويعززها بما رواه محمدبن مسلم عن فعل الامام الباقر (ع) في انه صلى الظهر والعصر جمعا في وقت صلاة العصر مسترسلا غير مستعجل. ((389))

ـ لقد استخدم السيوري السنة ليس في تحديد الحكم فحسب وانما في ايضاح حقائق تاريخية، مثل: اولوية الكعبة (ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة)، ومثل: مسالة الاذان وهبوط جبرائيل به وقد علمه للرسول الذي علمه لعلي، وعلمه علي لبلال، ثم يذكر لهذه المسالة رواية اخرى عن الفضيل بن يسار عن الصادق انه علمه جبرائيل حين اسري به، كما ورد في الوسائل((390))، ويعقب فيقول: و«لا منافاة بين الحديثين؛ لجواز حصوله من جبرائيل (ع) مرتين» ((391)).

ـ ويوضح استخدام السيوري للسنة القولية المفصلة لمجمل القرآن عندما يعرض للخلاف الناشئ من فهم دلالة قوله تعالى :(فاقرؤوا ما تيسر من القرآن) يقول: «القراءة الواجبة هنا مجملة؛ علم بيانها بالسنة النبوية، والمراد بها الفاتحة؛ لقوله (ص) : «لا صلاة الا بفاتحة الكتاب» وقوله(ص): «كل صلاة لم يقرا فيها فاتحة الكتاب فهي خداج»». ويوضح آراء الفقهاء، ويعرض راي ابي حنيفة معقبا عليه: «ويدفعه الحديثان المذكوران».((392))

ـ ويحسم السيوري خلافا فقهيا مرجحا راي الشافعي واحمد والامامية في وجوب الصلاة على النبي في الصلاة، فمن طرقهم مارووه عن عائشة قالت: سمعت رسول الله يقول: «لا تقبل صلاة الا بطهور وبالصلاة علي»، وكذا عن انس. ومن طرقنا ما رواه ابو بصير وغيره عن الصادق (ع).

ويستدل بدلالة معتبرة بالحديث في جواز الصلاة على آل البيت بقول النبي (ص): «اللهم صل على ابي اوفى وآل ابي اوفى»،فجازت على اهل البيت بطريق اولى؛ مما يشعر انه يرى قياس الاولوية.

ـ بل يروي عن الباقر عن ابن مسعود رواية في الصدد ذاته، والذي يهمنا من ذلك ما يشعر انه يسوغ للامام ان يروي عن غيرآبائه (ع) ((393))، قبالة من يرى غير ذلك من علماء الحديث عند الامامية.

ـ ويحسم خلافا فقهيا في استحباب القنوت في كل صلاة - في صدد تفسيره لقول الله تعالى: (وقوموا الله قانتين) - قال: «كان رسول الله لا يصلي صلاة مكتوبة الا قنت فيها ((394))، وروي ايضا ان عليا (ع) قنت في المغرب... ومن طرق الاصحاب روايات كثيرة».

ـ وفي الصلاة المهدى ثوابها الى ميت قضاء او نفلا ((395))، يروى عن النبي (ص) حين سئل: ايصلى عن الميت ؟ قال: «نعم...»الحديث، يقول السيوري: «الى غير ذلك تمام اربعين حديثا خالية عن معارض». لكنه وفي الصفحة نفسها ينقل راي الجمهوربالمنع؛ للاية: (وان ليس للانسان الا ما سعى)، ولقول النبي (ص): «اذا مات ابن آدم...»، ثم يقول: «وعلى هذين اعتمد الثوري».

لكنه هنا يعقب مفسرا فساد وجه دلالة المانعين فيقول: «انهما عامان مخصوصان بما اتفق على جوازه كالحج والصدقة»،ويرى ان حديث «اذا مات ابن آدم...» لا يدل على اكثر من انقطاع عمله، ومحل النزاع مدى ما يصل اليه من عمل غيره. وفي هذانجد ان المقداد السيوري يحاكم ادلته وادلة خصمه محاكمة اصولية رائعة المستوى ليصل الى ترجيح آراء فقهية بمرجح معتبر.

ـ ومثلها في وجوب الافطار في السفر في تفسير قول الله تعالى: (فعدة من ايام اخر) قال: اكثر الصحابة اوجبوا الافطار في السفر، وهو المروي عن ائمتنا (ع)، وعن النبي (ص): «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر»، وروي عن الصادق (ع) انه (ص)سمى جماعة لم يفطروا: عصاة فقال: «اولئك العصاة؛ اولئك العصاة». قال: وتكرار المرض والسفر في الية دليل على تاكيد الامر بالافطار بوصفه عزيمة ويؤيده ما روي عن الرسول (ص): «ليس من البر الصيام في السفر».

ـ وفي طرق الاستدلال يرى ان الجملة الخبرية المنفية قد يراد بها النهي، وقد يراد به الكراهة او اشتراط الاذن، كقوله: «لا تنكح المراة على عمتها ولا خالتها»؛ لذا نجد ان الامامية تكاد كلمتهم تتفق على الكراهة لا الحرمة، فالنهي هنا يقتضي الكراهة.

ـ وفي تحديد المراد من اجمال قول الله تعالى: (فلا جناح عليه ان يطوف بهما)قال: السعي واجب وركن؛ لقوله (ص): «اسعوا؛فان الله كتب عليكم السعي» ((396)). قال: احتج المخالف بان الية نص عام، والعام لا يستلزم الخاص، ورد ذلك: انه علم الاستلزام من بيان النبي (ص).

ـ واحتج بحرمة التكسب بالمحرمات - اي ان الحرمة لا ترد لى فعلها فقط بل كل ما يتقلب في اثمانها - بحديث الرسول (ص): «لعن الله اليهود! حرمت عليهم الشحوم فباعوها واكلوا اثمانها»، وحديث جابر عنه (ص) ان اللعن شمل غير شارب الخمر، وجوابه عن اموال بيع الخمر انها لا تعدل عند الله جناح بعوضة. ((397))

وفي عدم ثبوت الربا بين الولد والوالد احتج بحديث النبي(ص): «انت ومالك لابيك» ((398))، مخصصا به عموم قوله تعالى: (احل الله البيع وحرم الربا).

ـ وفي خيار المجلس احتج بحديث «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» ((399))، وكذا نجده يستدل على عدم اجزاء بيع الفضولي بقوله(ص): «لا تبع ما ليس عندك، ولا بيع الا فيما يملك». لكنه يتركه الى القول بالجواز مستدلا بقضية عروة البارقي، ويرى ان النبي(ص) لا يقرر على باطل، والنهي في المعاملات لا يقتضي البطلان، ونفي الحقيقة يراد به نفي صفة من صفاتها؛ والا لما صح بيع الولي والوكيل، اذا حمل الحديث على ظاهره.

لذا يمكن القول: ان السيوري يعالج المسالة الفقهية بمنهج اصولي، وانه لا يقف عند ظواهر الحديث، وان مناط الحديث تخريجا وتنقيحا هو المقدم في اعتباراته المنهجية.

ـ ونجده يروي عن الائمة (ع) اسباب النزول ((400))، لذا يمكننا القول: انه لا يقف في مفهوم السنة عند الاستنباط، بل يتعداه الى رواية اسباب النزول.

ـ وبالحديث يرفض التسعير، قال: يجبر المحتكر على البيع، وهل يسعر عليه؟ قيل: نعم؛ والا لانتفت فائدة الجبر، وقيل: لا،وهو الاصح؛ لقوله (ص): «الناس مسلطون على اموالهم»، وقوله ايض: «الاسعار الى الله». ثم يستدرك بذوقه الفقهي الرفيع فيقول: «الا ان يطلب شططا فيسعر عليه» ((401)).

ـ ومن استنتاجاته انه يرى في قوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) دلالة على وجوب التفقه قبل الاتجار ليعلم الحلال والحرام، ويؤيده قوله (ص): «من اتجر بغير فقه فقد ارتطم في الربا».

ـ ونجده يحسم خلافا فيما ذهب اليه الشافعي واحمد من انه لا يصح ضمان المجهول، وهو موافق لبعض الامامية؛ للزومه الغرر. لكنه يرجح الراي الخر الذي لا يشترط العلم بقدر المضمون حالة الضمان؛ لعموم قوله (ص): «الزعيم غارم»، وان الغرر مندفع بالبينة بما يقوم المضمون.

ـ ويرى ان السنة في موضوع الصلح مؤكدة للكتاب بقوله تعالى: (وان امراة خافت... ان يصلحا بينهما صلحا والصلح خير)، حيث يؤكده قوله (ص): «الصلح جائز من المسلمين الا ما حرم حلالا او حلل حراما».

ـ ومنه ان النبي (ص) خصص عموم قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى...) بجواز قتل الجماعة بالواحد، ولقوله (ص): «لو اجتمعت ربيعة ومضر على قتل مسلم قتلوا به»، ثم عقب: «نعم يرد عليهم فاضل الدية»، وهو مذهب الامامية. ((402))

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية