الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ـ وفي ضمان ما اتلفه الحيوان على صاحبه في تفسير قوله تعالى: (وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث...) ينقل ما قاله الشافعي من انه يجب ضمان ما تلف ليلا؛ اذ المعتاد وجوب ضبط الدواب ليلا؛ لقضاء النبي (ص) في ناقة البراء. وعند ابي حنيفة لا ضمان الا ان يكون معها حافظ؛ لقوله (ص): «جرح العجماء جبار».

ويتطرق السيوري الى الموازنة والترجيح بين الحكمين والدليلين بمداخلة رائعة اذ يتساءل: هل كان حكمه (ص) بوحي ام اجتهاد؟ يقول: الجواب الحق عندنا انه بوحي.

وينوه السيوري بان لبعض فضلائنا رايا في جواز الاجتهاد للنبي (ص) اذا حضرت الواقعة وفقد الوحي وكان تاخير الحكم ضرراعلى الناس.

لكنه يرده: بان الحكم مع هذه الشروط ليس اجتهادا؛ لدلالة الوحي على نفي الضرر، فيكون حكما «بالنص النوعي». وهذا اصطلاح لم اجده الا عند المقداد السيوري.

* المبحث الثالث ـ الاستدلال بالاجماع والفرق بينه وبين اتفاق الفقهاء عند السيوري:
يعرف الاجماع بتعريفات متعددة، وفي حجيته خلاف مبسوط في كتب الاصوليين. بيد ان المدخل الذي اراه لتعريف مفهوم الاجماع كما ينبئ استخدامه عند السيوري انه: اتفاق آراء من يعتبر رايه عند العقلاء على شيء فيما يعتبر رايهم فيه، ولابدلاعتباره من اضافة الى الشرع ولو بنحو عدم المانع.((403))

فمدرك الحكم عند السيوري الكتاب المفسر بالسنة، او السنة المفسرة بالكتاب ومرويات الائمة، وبذلك يكون الاجماع كاشفاعن قول المعصوم او فعله او تقريره. ولاستكشافه طرق، منها: دخول المعصوم في جملة المجمعين، لذا فان الاجماعات الحاصلة من غير الامام ممكنة ذاتا ممتنعة شرعا؛ لذلك يمكن ان يطلق عليها اتفاقات الفقهاء، وقد يسميها السيوري اجماعاعلى سبيل التجوز.

لذلك ينقل عن صاحب الجواهر في صلاة القضاء قوله: «الذي يقوى في ظني ان كثيرا من اجماعات القدماء بمعنى الاتفاق على القواعد الكلية التي تكون مدركا لبعض الاحكام الجزئية».((404))

لذلك يقول العلامة المظفر: ان الامامية لا يعتبرون الاجماع الذي لا يكشف عن قول المعصوم وان سمي اجماعا بالاصطلاح، من اجل هذا يعده الامامية كاشفا ولكن كالخبر المتواتر الذي تثبت به السنة ((405))، فالحجة عندهم في المنكشف لا في الكاشف،فيدخل حينئذ في مجال السنة، وليس هو دليلا مستقلا في مقابلها.

والاجماع اذا حصل فهو دليل قطعي على راي المعصوم لا على لفظ خاص له؛ لاجل هذا يسمى بالدليل اللبي؛ لانه يثبت به نفس المضمون (المعنى) مقابل اللفظ.

واعتبر السيوري - كبقية الامامية - الاجماع كاشفا؛ فانه لا يشترط فيه اتفاق الجميع، بل يكفي اي اتفاق فيهم المعصوم كثروا ام قلوا. يقول المظفر: «وعلى هذا فتسمية اتفاق جماعة: «اجماعا» فيه مسامحة ظاهرة». لذا فتعبير الاجماع عند السيوري - فيمايبدو لي جاء اصلا معبرا عن دخول الامام في المجمعين.

وهناك امثلة لاستخدامات السيوري للاجماع تعد - في عقيدتي - تطبيقات لهذا التنظير((406)):

* المبحث الرابع ـ آراء الصحابة والتابعين وائمة المذاهب الاسلامية اداة بحثية مقارنة في منهج السيوري:
لقد رجع الصحابة - في حالة فقدان النص - الى اجتهادهم واعمال رايهم فيما يحتاج الى اجتهاد واعمال نظر، فوق ما لهم من امتلاك ناصية اللغة، ومعرفة عادات العرب، واحوال اهل الكتاب، واسباب النزول. وبالرغم من تفاوت قدراتهم في فهم معاني القرآن واختلاف آرائهم وان كان اختلافا يسيرا فقد جعلهم المقداد السيوري مصدرا لتفسير آيات الاحكام، فما وافق من آرائهم ائمة اهل البيت(ع) اشار الى الموافقة، وما لم يكن كذلك اورده على سبيل المقارنة((407)).

وقد تعددت آراء العلماء في مدى وثاقة وحجية الاخذ بمرويات الصحابة، فمنهم من يراها سنة يعمل بها ويرجع اليها كما عندالشاطبي ((408))، ومنهم من عد اقوالهم مرجحة لراي معارض عند ترجيح الاقوال، ولا تستند الاقوال الا الى التنصيص على عدالتهم التي هي لا توجب كون كل ما يصدر منهم من السنة. ولحيثية اختلافهم فقد منع ابن الصلاح والغزالي اعتماد آرائهم مطلقا الا في مشاهدة الوقائع وعرض اسباب النزول.

ولست معنيا بمناقشة ما استدل على آراء اعتبار رايهم، الا ان اذكر ان ابن حزم قد اعتبر حديث «اصحابي كالنجوم» موضوعا مكذوبا باطلا، وقيمه الامام احمد بانه حديث لا يصح، وكذا البزار، خاصة وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة بعضهم، بل اوجبوا على كل مجتهد ان يتبع اجتهاد نفسه؛ لذلك نجد ان من ملامح منهج السيوري التزامه مع الملتزمين اعتبار رايهم في المنقولات، وموافقاتهم لمرويات اهل البيت (ع)، ومقارنته لما خالفوهم بها مقارنة الباحث الموضوعي، فهو ينقل عن عبد اللهبن عمر آخذا بروايته ان كل مسكر حرام((409)) حينما توافق رواية الباقر، وكذلك جواز الصلاة عن الميت قضاء((410))، وصلاة المسافر قصر عزيمة ((411))، وما اديت زكاته ليس بكنز ((412))، ورايهم ان سهم «في سبيل الله» في مصارف الزكاة يعم كل مصلحة؛ عملا بعموم اللفظ((413)) وروايات الائمة، وان المقصود بقوله تعالى: (وامهات نسائكم) اي اللاتي دخلتم بهن لا اللاتي عقدتم عليهن. ((414))

ان هذا المنهج نجده في اعتماده لرواية عن جابر بن عبد الله الانصاري وعن عمر بن الخطاب، فقد ذكر رايه في صحة اداء الصلوات الخمس بوضوء واحد ما لم يحدث ((415)). ونقل عنه في صدد تفسير قول الله تعالى: (فاسعوا الى ذكر الله) في آية الجمعة انه لا يريد الاسراع بل المضي، ونقل عن ابن مسعود انه قال: «لو علمت الاسراع (في: فاسعوا) لاسرعت حتى يقع ردائي عن كتفي»، وهو قول عمر وابن عباس، والموافق لقول علي والباقر والصادق (ع)» ((416)).

ونقل راي عمر في ان صلاة المسافر قصر عزيمة ((417))، وما ذهب اليه مما وافق ائمة اهل البيت (ع) من انه لو صاد المحل صيدا حرم على المحرم، قال السيوري: وهو مذهبنا، وهو قول ابن عباس وقتادة وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وائمة اهل البيت (ع) ((418)).

ونقل عن الصحابة مشاهداتهم في النزول وروايته سببا او زمانا او مكانا للنزول، فروى عن عمر سبب نزول قوله تعالى: (احل لكم ليلة الصيام الرفث الى نسائكم) ((419))، وسبب نزول قوله تعالى: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق) ((420)).

وكذا الحال عن التابعين، فقد روى وقارن وحقق موافقاتهم واختلافاتهم مع الصحابة وائمة اهل البيت (ع) عن اكثر التابعين -مثل ابن جريج، وسعيد بن جبير، وابن المسيب، والزهري، والسدي، والشعبي، وعطاء، وقتادة، ومجاهد - بنسب مختلفة.

ولناخذ لهذه العينة نقله لراء سعيد بن جبير:
ـ
فقد روى عنه في صدد تفسيره لقول الله تعالى: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس...) وقوله تعالى: (وسبح بحمد ربك حين تقوم) قال: اي من مجلسك؛ بان تقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، لا اله الا انت، اغفر لي كل ذنب وتب علي» عن سعيد بن جبير؛ ولذلك ورد مرفوعا انه كفارة المجلس.((421))

ـ ورايه في ان المراد من قوله تعالى: (وان المساجد الله) قال: الاعضاء السبعة التي يسجد عليها، وهو راي الامام الجواد (ع)،وبه قال سعيد بن جبير والزجاج والفراء ((422)).

ـ ويرى ان المراد في قوله تعالى: (فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض..) قال: الانتشار يوم السبت ((423)).

ـ وعن اسباب النزول روى عن سعيد بن جبير سبب نزول قوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) انه قال -نقلا عن ابن عباس: كانوا يطوفون بالبيت عراة، فنهاهم الله((424)). وكذا مدة فرض قيام الليل في قوله تعالى: (يا ايها المزمل...) قال: ان مدة قيامهم الى ان خفف الله عنهم فعدها من النوافل هي عشر سنوات ((425)).

اما ائمة المذاهب فلا يكاد يخلو مبحث فقهي مستند الى القرآن من ذكر ائمة المذاهب ابي حنيفة والشافعي ومالك. بشكل واسع مع ادلة رايهم موافقا لهم او مخالفا؛ اذ مع موافقته يبين دليلهم الذي غالبا لا يتفق مع ادلته، لكنهما يتفقان في دلالة واحدة على حكم واحد، ومع مخالفته اياهم يقول: دليلنا العموم.. الاجماع.. وروايات اهل البيت.. واجماع الطائفة... الخ. فعدد الراء التي نقلها عن مالك في (ج 1): (60) رايا،
وفي (ج 3): (40)،
والتي نقلها عن ابي حنيفة في (ج 1): (95) رايا،
وفي (ج 2): (33)،
وفي (ج 3): (21)،
والراء التي نقلها عن الشافعي في (ج 1): (115) رايا،
وفي (ج 2): (28)
وفي (ج 4): (11).

ان اقل ائمة المذاهب مداخلة هي آراء الامام احمد، ولم يتجاوزها مطلقا، بل يعرض لراء اسحاق بن راهويه وابي يعلى الفراءوغيرهما من فقهاء الحنابلة، كما لم ينس الاوزاعي وزفر بن الهذيل وابا يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم من الطبقة الثانية بعد ائمة المذاهب الاسلامية.

ووفق ما قررناه في اسلوب تناوله ومحاكمته للاراء الفقهية وفقا لادلتها الاصولية، ففي ظني ان السيوري قد عد الامام احمد من طبقة المحدثين لا من الفقهاء. وسنطلع على آراء الامام احمد (في كنز العرفان، الجزء الثالث) ومدركها من الحديث لفظا ومعنى؛ لنرى صحة ما افترضناه من قلة عرض آرائه بسبب ارتباط واستناد مكونات شخصيته الفقهية بالحديث فقط:

ـ ففي تفسير قوله تعالى: (مثنى وثلاث ورباع) يراها اثنتين او ثلاثة او اربعة للرجل في الحرائر، اما العبد فلا يجوز له اكثرمن اثنتين، لكنه ينقل ان بعض الفقهاء يرونه (العبد) كالحر، قال: وبه قال مالك وداود وابو ثور، بينما يرى الشافعي وابوحنيفة واصحابه واحمد انه يباح له اثنتان لا غير؛ حرتين كانتا او امتين ((426)).

ـ وفي الرضاع ينقل راي الامامية انه خمس عشرة رضعة، واكتفى الشافعي واحمد بخمس لا اقل، واكتفى مالك وابو حنيفة بالرضعة الواحدة ((427)).

ـ وفي تفسير قوله تعالى: (او يعفو الذي بيده عقدة النكاح) قال: قالت الامامية: هو الولي الاجباري «الاب والجد له بالنسبة الى الصغيرة». وقال الشافعي في الجديد واحمد واصحاب الراي: انه الزوج؛ لانه مالك لعقده وحله ((428)).

ـ وفي دلالة قوله تعالى: (وما لكم الا تاكلوا مما ذكر اسم الله عليه) قال: دلت الية على اباحة ما ذكر اسم الله عليه وتحريم ما لم يذكر، وهو نص في تحريم متروك التسمية عمدا او نسيانا، واليه ذهب احمد وداود ((429)).

ان هذه الآراء التي عرضها السيوري عن احمد بن حنبل وراؤها احاديث رواها في مسنده، وافتى بها وفق منطوق الاحاديث، وللتحقق من ذلك يراجع مسنده او كتاب الانصاف للمرداوي؛ لذلك لم نجد فيها تحقيقا للمناط او استنباطا من نصوص يؤدي الجمع بينها الى حكم فقهي. لكن السيوري كما اشرنا - لم يغفل آراء منظري الفقه الحنبلي عندما نراه ينقلها عن الفراء وابن سيرين ((430)) وابن راهويه وهم من علماء الحنابلة.

* المبحث الخامس ـ القواعد الاصولية العامة:
تقدم في المداخلة المنهجية ان فقه القرآن لا يغطيه منهج المفسر، ويقصر عنه منهج الاصولي كل على انفراد. ومن المعلوم ان البحث الاصولي عند الامامية كانت انطلاقته في القرن الرابع عند المتقدمين على الشيخ المفيد، ثم تطور عند الشيخ الطوسي في كتابه العدة، ثم تبعه العلا مة. وفي نهاية عصر العلا مة استقر البحث الاصولي على عدة قواعد شكلت عند المقداد السيوري مرجحات وقواعد معيارية في تبني بعض الاحكام، لاسيما ترجيحه لما اختلف فيها، وقد فضلت ان اقسم هذه القواعد الى قسمين:

الأول: ما يخص بيان المعنى الافرادي او التركيبي للاية.

والثاني: القواعد الاصولية التي تتدخل في حسم خلاف فقهي مرجحة وموجهة للدليل وجهة ما. فمن القواعد التي شكلت اسبقيات مبرهنا عليها ((431)) في منهج المقداد السيوري والمستفاد من كونها خبرة متراكمة تدخلت بما يشبه معايير منهجية ساعرض لبعض منها اشارة لمنهجه:

1 ـ في حالة تعارض استعمال اللفظ بين ارادة المعنى الحقيقي والمعنى المجازي يرى السيوري - كغيره من الاصوليين - ان الاصل هو الحقيقة؛ لاصالة عدم النقل من الحقيقة الى المجاز الا بصارف معتبر ((432)). ويستفاد من القاعدة انه في حالة التعارض فالراجح ما دلت عليه الاصالة المتقدمة.

2 ـ ومنها ترجيحه لعموم المراد من اللفظ او التركيب؛ اذ العام يشمل افراده فيتوهم التعارض.

3 ـ وكثيرا ما تتفرع معاني ومرادات اللفظ القرآني او الاستعمال المركب، وقد تتشابه او تختلف مع بعضها جزئيا، وقد يكون من بينها راي فيه عموم، وراي ينظر للمعنى برؤية خاصة يمكن ان تندرج تحت العموم، والذي يرجحه المقداد السيوري غالباهو العموم؛ لانه اولى من التخصيص (يقصد هنا تخصيص اللفظ على مراد معين مع ما يشاركه من معان).
ويتوجه المقداد السيوري باتجاه تقعيد وتقنين هذه المرجحة بقوله: «مهما امكن حمل الكلام على عمومه فهو اولى». ولنضرب مثلا: ففي المراد بقوله تعالى: (وادبار السجود) قال: التسبيح والدعاء بعد الصلاة (عن ابن عباس)، وقيل: الركعتان بعدالمغرب (عن علي (ع))، وعن الصادق (ع) انه الوتر آخر الليل، وعن الجبائي النوافل، وعندي ان حمله على العموم أولى.

4 ـ ويلح المقداد السيوري على قاعدة «خصوص السبب لا يخصص الحكم - المورد» حيث تساهم هذه القاعدة في توسيع مناط الحكم الشرعي وموضوعاته، فضلا عن ان يمتد زمن العمل بالحكم الى يوم القيامة. ونجد ذلك في موضوع الخمس في قوله تعالى: (اعلموا انما غنمتم من شيء)، فتخصيص الخمس بالغنائم الحربية امر تعارضه قاعدة خصوص السبب؛ لان عموم الية ناظر الى عموم مفهوم الغنيمة. وهكذا نجد ان لهذه القاعدة ناتجين: احدهما بياني، والخر اصولي يخدم اسلوب الاستنباط.

5 ـ قاعدة «التاسيس خير من التاكيد»: ويلحظ فيها ان القرآن الكريم في معانيه والفاظه يؤسس دائما معنى على زيادة اللفظ، ويندر - ان لم نقل ينعدم - فيه تكرار الالفاظ لمعنى واحد. ومثال ذلك ما يوضحه لنا السيوري ان المراد بقوله تعالى: (واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين) انه «لما تقرر في اصول الفقه ان التاسيس اولى من التاكيد؛ لاشتماله على مزيد فائدة؛ لذا لم يجز حمل قوله: (واركعوا) على الصلاة؛ اي صلوا مع المصلين تسمية للصلاة باسم بعض اجزائها... فان الامرباقامة الصلاة يستلزم الامر باجزائها؛ لان الامر بالكل امر بكل واحد من الاجزاء ضرورة، وحينئذ فالاولى حمل الية على الامر بصلاة الجماعة، فتكون راجحة اما وجوبا كما في الجمعة والعيدين، او استحبابا كما في باقي الصلوات الواجبة، وهو قول اكثر المسلمين»((433)).

6 ـ وفي مباحث المشترك، فقد تقرر عند السيوري ان المشترك لا يستعمل بكلا معنييه، وان حمل اللفظ على معنى مجازي افضل من اعمال معنييه معا. ومثاله: يقال: النكاح هو العقد، وقيل: الوط ء وعلى هذا تترتب الكثير من النتائج، لكن حسم الخلاف في القاعدة يؤدي الى تماسك نظرية الانتزاع عامة، ويتجلى ذلك في الفروع وقيل: حقيقة في الوطء ومجاز في العقد،وهو اولى؛ اذ المجاز خير من الاشتراك عند الاكثر.((434))

اما القواعد الاصولية الموجهة للدلالة والمرجحة احيانا لاحد طرفيها فهي كثيرة جدا، وهي في البحث الاصولي قواعد مبرهن عليها، والسيوري في كتابه ليس في صدد مناقشة مدركها وحجيتها؛ انما هو في المرحلة الثانية، وهي استخدام هذه القواعد لضبط دلالة النصوص. وابرز ما يمثل به لهذا الموضوع:
أ ـ دلالة الفاظ «الامر» على الوجوب، او دلالتها على مطلق الجواز باقسامه:
الملاحظ مما يطرحه السيوري ان الاصل في دلالة الامر عنده على الوجوب، لكنها دلالة على وجه الاشتراك لا على وجه القطع كما يذهب اليه غيره، ونجد ذلك تطبيقيا:

(1) ففي قوله تعالى: (فاعتزلوا النساء في المحيض) قال: دلت الية على وجوب اعتزالهن؛ اذ الامر حقيقة في الوجوب، لكنه عندما يتعرض لقوله تعالى في الية نفسها: (فتوهن من حيث امركم الله) يقول: الامر هنا ليس للوجوب مطلقا، بل قد يكون للوجوب، كما لو كان قد اعتزلها اربعة اشهر آخرها اول زمان الانقطاع والغسل، وكذا لو وافق انقضاء مدة التربص في الايلاء والظهار، وقد يكون للندب كما في اقتضاء الحال، فهو اذا لمطلق الرجحان ((435)).

(2) وفي صلاة الجمعة، فهو يرى ان سبب اختلاف المفسرين لمفردة «السعي» في الية مترتب على كون الامر به للوجوب، ويرى ان الاولى حمل الوجوب على مطلق الذهاب؛ لان قدر الندب منه المضي على سكينة في البدن. لكنه يعود الى اصالة الدلالة فيقول: لما امروا بالسعي الى ذكر الله استلزم ذلك وجوب ترك كل ما يشغل عنه؛ لذا اوجب ترك البيع، ولكن القرائن اللفظية والحالية في بعض التراكيب تصرف مراد اللفظة عن دلالة الوجوب، مثل قوله تعالى: (فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله)، والسيوري يقرر ذلك نظريا فيقول: «اختلف الاصوليون في الامر الوارد عقيب النهي، هل هو للوجوب، او للاباحة الرافعة للحظر؟ احتج اصحاب الراي الثاني بهذه الية (فانتشروا في الارض)؛ فانه اطلق لهم ما حرمه عليهم من البيع، والانتشار ليس بواجب اتفاقا»((436)).

(3) وفي الزكاة، في قوله تعالى: (خذ من اموالهم...) الية، قال: فيها دلالة على وجوب اخذ الامام الصدقة؛ لصيغة الامر، ثم عقب في موضع آخر قائلا: واذا قلنا بالوجوب على النبي او الاستحباب فهو كذلك لمن يقوم مقامه؛ لان اغلب ما وجب على النبي وجب على متبعيه بلحاظ ولاية الامر او بلحاظ الاسلام، وفي قوله: (وصل عليهم) ذكر ان دلالة الفعل مختلف فيها، ونقل راي من سماهم بـ«اكثر اصحابنا» انهم يرون ان الصلاة منه على المالك واجبة قال: «وصيغة «افعل» للوجوب، لاسيمامع عطفه على الواجب «خذ» وتعليل الامر بقوله تعالى: (ان صلاتك سكن لهم)؛ لان ذلك لطف، واللطف واجب، فالموصل اليه كذلك»((437)).

وهنا نلاحظ ان القرائن عند السيوري لا تختص بصرف الدلالة عن الوجوب، وكذلك نجد هذه التنظيرات الرفيعة المستوى في دلالة الامر تنتشر هنا وهناك، بل قد تؤكده، فنلحظها في قوله تعالى: (وليشهدوا منافع لهم)، و (وليطوفوا بالبيت العتيق)، وقوله تعالى: (واتموا الحج والعمرة...) الية، وقوله تعالى: (واوفوا بالعهد ان العهد كان مسؤولا) قال: دلت الية على وجوب الوفاء بالعهد من وجهين: الاول صيغة الامر وهو للوجوب، والثاني كون العهد مسؤولا ولا يسال الباري عن غير الواجب ((438)).

وهنا اكد لنا السيوري في منهجه ان دلالة الامر مشتركة والقرائن هي التي تحددها، وهكذا نجد ان منطق المقداد في قضية خلافية كدلالة الامر متماسك؛ حيث يحكم الاصل ويعضده بالقرائن المعززة لدلالة الصيغة مرة، والصارفة الى الندب اوالوجوب او الاباحة تارة اخرى. ويتوضح ذلك مثلا عند تفسيره لقوله تعالى: (وانكحوا الايامى منكم والصالحين...) الآية((439)).

ب ـ الاحتجاج بالمطلق والعام وضرورة الفحص عن المقيد والمخصص في منهج السيوري:

ان الباحث يلحظ عند المقداد السيوري ان المطلق قابل للتقييد؛ لذلك لا حجية في العمل به قبل الفحص عن المقيد، ففي كفارة اليمين (اطعام عشرة مساكين من اوسط ما تطعمون اهليكم او كسوتهم او تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام)، قال السيوري: «يشترط في الرقبة الايمان او حكمه؛ حملا للمطلق على المقيد في كفارة القتل» ((440)).

وكذلك الامر في العام، فهو عند السيوري ظني الا ان يثبت الا مخصص له، وعند ذاك يكتسب القطعية في دلالته على موضوعه، من ذلك:

ما ورد عنده في آية الغنيمة (واعلموا انما غنمتم من شيء) قال: قيل: (من شيء) دل على وجوب الخمس في كل ما يغنم حتى الخيط والمخيط، وقولكم يعني الامامية باشتراط النصاب في الكنز والمعدن والغوص مخصص لهذا العام، فكيف استدللتم بالعام هناك وبالمخصص هنا؟! فيجيب السيوري: قلت: «اللفظ وان اقتضى العموم، لكن البيان من الائمة (ع)خصصه وحصره» ((441)). لذا فان ذلك يقتضي القول ان السيوري لا يحصر بالقرآن انما يجعل من السنة رحابا للمخصصات.

وكذا في قوله تعالى: (فان الله خمسه وللرسول ولذي القربى)، قال السيوري: «ان قلت (في ذوي القربى): ان لفظ الية عام، قلت: ما من عام الا وقد خص، فهذا مخصوص بما رويناه عن ائمة الهدى» ((442))، وان الفقهاء من غير الامامية ايضا لايحملونه على عمومه، بل يخصون به من قريش بني هاشم وبني المطلب؛ لحديث النبي (ص).

والسيوري ضمن منهجه الانتزاعي لا يدع المخصص او المقيد (من مناطات الاجتهاد)، بل يتحرى في ذلك القرآن والرواية عن النبي (ص) او الائمة (ع).

وهكذا نجد هذه السمة تنتظم في منهجه حتى حين يرى ان العام لا يدل على الخاص بنفسه بل بدليل خارجي، ومثال ذلك في قوله تعالى: (خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين) نقل السيوري ان الية تدل على امور، منها: كراهة معاملة الادنين والسفلة الذين لا يبالون ما قيل لهم وما قيل فيهم؛ لان الامر بالاعراض عنهم يستلزم ترك معاملتهم بسائر انواع المعاملة. ورد على الاستفادة فقال: وفيها نظر؛ لان العام لا دلالة له على الخاص بنفسه بل بدليل من خارج ((443)).

وفي باب المضاربة نقل استدلال غيره على مشروعيتها باليات التي تذكر الضرب في الارض، لكن السيوري يرى ان الاعم لايشكل دليلا معتبرا على بعض افراده، يقول السيوري: «لان الضرب في الارض هو التصرف فيها، وهو اعم من المتنازع، والعام لا دلالة له على الخاص» ((444)).

وفي دلالة (لا جناح) في القرآن الكريم، اكتشف السيوري ان المستفاد منها (حلية الفعل)؛ اي الجواز العام، وهو اعم من الاباحة كقسم من اقسام الحكم التكليفي، واعم من الندب ومن الجواز؛ لان العام لا يستلزم الخاص، ويعم الخاص ببيان النبي(ص) ((445)).

ونجد ذلك ايضا في دلالة هذا اللفظ على جواز الاكل من بيوت الباء والامهات وسائر من ذكرتهم الية باعتبار رفع الجناح المستلزم للاباحة بمعناها العام؛ اي الجواز ((446)).

ويترتب على هذا ان ورود (لا جناح) لا دلالة فيه على الاباحة كقسم من اقسام التكليف، بل يستفاد من اللفظ عموم الجواز،وبادلة اخرى يحدد نوع الجواز بدءا من الوجوب وانتهاء بالكراهة.

ومن الاصالات التي يرجح بها ما اختلف الفقهاء فيه - مثلا - اصالة براءة الذمة من الوجوب حتى يقوم دليل شرعي على اشتغالها، ففي قوله تعالى: (واركعوا مع الراكعين) يرى ان الوجوب مخصص بالعيدين والجمعة، ويرد على من يرى ان صلاة الجماعة واجبة؛ استدلالا بهذه الية، وبتوعده (ص) لجماعة تركوها باحراق بيوتهم، قال: لا يدل ذلك على مطلوبه؛ لاحتمال اعتقادهم بعدم مشروعيتها، او لنهيهم على اصرارهم ترك السنن، فاذا ثبت الدليل والدلالة فليست ادل على اكثر من شدة الاستحباب الذي لا نزاع فيه؛ لاصالة البراءة من الوجوب ((447)).

وكذلك في قوله تعالى: (فاذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا) فيه مفهوم الراجحية بين الوجوب او الاستحباب، وقد رجح الثاني في حالات غير الصلاة.

ويرى السيوري اختصاص الزكاة بالمسكوكين من الذهب والفضة حصرا، ولا يعدى الوجوب الى غير ذلك من النقود، لاصالة البراءة من الوجوب.

وفي تفسير قوله تعالى: (يا ايها الناس كلوا مما في الارض...) الية، نجده يعارض من استدل بها على جواز اكل ثمرة الطريق، قال: الاولى عدم جواز ذلك؛ لاصالة عصمة مال المسلم الا عن طيب نفسه.

وفي الكاتب هل يجوز له اخذ الاجرة من المر بكتابة الدين ؟ قال: جاز؛ لاصالة عدم وجوب بذل المنفعة مجانا.

وفي الرهن هل يشترط فيه القبض ؟ قال: ان المحققين لا يرون اشتراطه، لاصالة عدم الاشتراط عند اطلاق صيغ العقود.

وكذا في مكاتبة العبيد ان علم المالكون فيهم خيرا، يرى السيوري ان الامر في قوله تعالى: (فكاتبوهم) للندب؛ لاصالة عدم الوجوب.

ونجده يستعين بعدد من القواعد الاصولية مرجحات للخلاف، مثل اذا علق الحكم على وصف مشعر بالعلية روعي الوصف،وان لفظي الحل ورفع الجناح لا يقتضيان اكثر من الجواز، وان نفي الفعل قد لا يقصد به نفي حقيقة الفعل بل نفي صفة الاولوية، وان النهي في المعاملات لا يدل على البطلان.

وهكذا نجد حشدا من القواعد الاصولية مرجحات في انتزاعاته للحكم الشرعي من النص مستفيدا منها، فهو ليس مفسراوحسب، بل اصوليا دلاليا منتزعا للحكم الشرعي باستخدام ادوات بحثية جاءت من تراكم الخبرة في الاستدلال مشكلة هرم القواعد الاصولية التي صارت في زمنه وما بعده منهجا واسعا للاستدلال من النصوص.

المبحث السادس ـ ملاحظات عامة في منهجه:
ربما افاض الباحث في التماس ملامح منهج السيوري في مصادر التشريع، وفي دلالة الالفاظ، وتحكيم القواعد الاصولية، وقديظهر غير هذه الملامح مما يمكن ادراجه تحت عنوان «الملاحظات العامة في منهجه»، واهمها:
1 ـ استفادته من آراء المفسرين اتفاقا معهم واختلافا.
2 ـ وجود آيات كثيرة في كتابه ليست بيات احكام.
3 ـ موقفه من القياس.
4 ـ رفضه للتعصب.
5 ـ اثر استمرار الاجتهاد في منهجه.

الملاحظة الاولى: من الامور التي تلاحظ في منهج المقداد السيوري مدى استفادته من آراء المفسرين قبله، مما يدل على اطلاعه على التراكم العلمي لجهد المفسرين، وهناك امثلة تطبيقية لذلك ((448)).

وقد وضع معاصره ابن المتوج البحراني كتابا في تفسير آيات الاحكام للضبط والمناقشة والمناظرة في الاسلوب والاستدلال، فناظره عشرات المرات مناظرة اختلف معه في وجهات نظره كثيرا، واتفق معه قليلا، ولولا انحصار مهمة البحث في المنهج لاستقصيت ذلك وتلمست اسبابه. ومن الامثلة على ذلك:

أ ـ في تفسيره قوله تعالى: (وقوموا الله قانتين) ((449)) قال السيوري: «قال المعاصر ما هذا لفظه: «يمكن الاستدلال بهذه الية على ندبية القنوت في الصلاة؛ اذ لا قائل بوجوبه، والاصل براءة الذمة، ولان صيغة الامر استعملت في الندب، مثل قوله تعالى: (واشهدوا اذا تبايعتم)»». ثم قال السيوري: «اقول: في هذا الكلام غلط من وجوه:

الاول: ان قوله: «لا قائل بوجوب القنوت» يدل على عدم الاطلاع على النقل؛ فان ابن بابويه وابن ابي عقيل قائلان بالوجوب وهمافي الفقه بمكان عال ((450)).

الثاني: ان اصالة البراءة انما تكون حجة مع عدم الدليل، لا مطلقا.

الثالث: ان قوله: «صيغة الامر استعملت في الندب» ان عنى بصيغة الامر هنا لفظة (قوموا) فتلك للوجوب، كما استدل هووغيره بها على وجوب القيام في الصلاة، واذا كانت للوجوب لا تدل على الندب؛ اذ لا يجوز استعمال المشترك في كلا معنييه كما تقرر في الاصول، وان عنى لفظ (قانتين) فليس بامر، وهو ظاهر.

الرابع: ان تمثيله للندب بقوله: (واشهدوا) سهو؛ فان الامر فيها للارشاد الى مصلحة دنيوية لا اخروية، بخلاف الندب فانه اشارة الى مصلحة راجحة اخروية؛ هي نيل الثواب».((451))

وهذا النمط من المناقشة العميقة نجد نظيرها كثيرا، ففي تفسير قول الله تعالى: (يا ايها المزمل قم الليل الا قليلا نصفه اوانقص منه قليلا...) الية، نجده يناقش البحراني في استفادته الندبية من لفظة «او» الدالة على التخيير؛ لان الواجب لا تخييرفيه ((452))بمناقشات عميقة نظير ما تقدم.

ب ـ لكننا نجد قضية ثانية الحق فيها مع معاصره البحراني، الا انه يستدرك عليه في مدرك ليس محل النزاع، ففي القرض (كتاب الدين) يستدل ابن المتوج بقول الله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا)، قال: وفي معناها ثلاث آيات اخرى: (ان تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم)، و (واقرضوا الله قرضا حسنا...)، و (ان المصدقين والمصدقات واقرضوا الله قرضا حسنا)، وقد استدل بها - البحراني كما نقل السيوري - على ارجحية القرض للمؤمن، قال السيوري معقبا: وعندي في ذلك نظر؛ لان القرض مطلقا قد يحمل على استعارة الاعمال الصالحة التي يفعلها العبد ويحصل له العوض في الخرة، وحينئذ لادلالة في الية على مشروعية القرض ((453)). والمقام في موضع الاستدلال على مشروعية بعض التصرفات المعاملية بمستندقرآني. ونجد نظير ذلك في استفادة البحراني من قوله تعالى: (فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله) وقوله: (وآخرون يضربون في الارض يبتغون...) على مشروعية المضاربة؛ لدلالتها على رجحان التكسب مطلقا، قال السيوري: «وعندي في الاستدلال بها نظر يعلم مما تقدم في باب القرض».

ويرى السيوري ان هذه اليات وآيات القرض اعم من المتنازع، والعام لا دلالة له على الخاص، وايضا تصح المضاربة حضرااو سفرا، فالاستدلال بهذه اليات التي تحصرها في السفر تخصيص لموضوعها من غير داع ((454)).

ونجد السيوري يشير الى تبيان الشيخ ((455)) والى تفسير الثعلبي في رواية المنهال في سؤاله الامام زين العابدين عن يتامى ومساكين آية الخمس ((456))، والى العياشي فيما ينقله عن الصادق (ع)، والى الشيخ الطوسي في التهذيب ((457)). وحظ الزمخشري في كشافه مما اشار اليه السيوري كثير، فقد اشار اليه
في (ج 1)
: اكثر من (15) مرة،
وفي (ج 2)
: اكثر من (10) مرات،
وفي (ج 3): (5) مرات،
وفي (ج 4): (7) اشارات،
واشار الى الواحدي (6) اشارات،
والى الراوندي في الجزء الثاني في ستة مواضع:

منها: اسناد ما ذكره الطبري للراوندي، مما يعني ان جامع البيان لم يكن تحت تصرفه، قال السيوري: «قال الراوندي: ذكرالطبري» ((458))، ولعله يعني الطبرسي؛ اذ المنقول واحد ((459))، وقد حفلا منه بموارد متعددة.

ومنها: ما رد عليه حصرا آية في حكم ما؛ اذ مال الى عموم الخطاب التزاما منه بانه مهما امكن حمل الكلام على عمومه فهو اولى.

ومنها: انه وافقه في تفسير (ان ترك خيرا)، فحده وفق رواية نقلها الراوندي انه فوق سبعمئة درهم.

واشار الى علي بن ابراهيم في تفسيره ((460)) في نقله لرواية مفسرة للانصاب.

وهكذا نجد السيوري يكتب بعد ان يستفيد من تراكم من سبقه من المفسرين، وقد ظهرت شخصيته وعلمه مع تعامله مع مصنفات التفسير، موافقة او مخالفة تحفظا؛ او قبولا مطلقا.

الملاحظة الثانية: ومما يلاحظ على منهجه: انه قد حشد في كتابه آيات كثيرة بدون احكام، او هي ليست آيات احكام، وهناك امثلة لذلك ((461)).

ان هذا الوعي عند السيوري في فترة حياته (750 826 ه) اي ما يوافق (1330 1406 م) يكشف تقدما فكريا رفيعا لدى العلماءالمسلمين، ان تلك الفترة كانت تعج بالظلام والمقولات الفاسدة في كل انحاء العالم غير الاسلامي والتي تتنافى وما وصل اليه الجهد العلمي البشري المعاصر. ونجد هذا الوعي العلمي في مستواه الارفع اذ يدرك المقداد السيوري عندما ينقل عن ارباب الهيئة ان الجبال سميت رواسي لانها راسية؛ اي ثابتة، وخلقت في الارض لكي تثبت ولا تضطرب؛ لان الجبال اذا ثبتت تثبت الارض بثباتها ((462))، وهذا ما يتقدم زمنا كثيرا على ظهور نظرية الجاذبية وعلاقتها بالتضاريس، يقول السيوري: «ولذلك سميت الجبال اوتادا على جهة الاستعارة، فان الوتد يوجب ثبات ما يربط به» ((463)). لكن هذا الانجاز العلمي الرفيع لا يجعلناننسى ان الكتاب في مجال فقه القرآن، وهذه موضوعات لم تتعرض لفقه القرآن.

ونجد السيوري ناسيا بالمرة ان الية التي يلزم ان تدخل هذا المصنف يجب ان تكون آية حكم، وانها مؤسسة لاحكام شرعية ينتزعها هو في تفسير قوله تعالى: (واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقبل منا انك انت السميع العليم)((464))، فبعد عرض معاني مفردات الية لغة ثم بلاغة النص والمحذوف منه لدلالة المذكور عليه قال: وهنا فوائد - وعد ثلاثة منها -:
الاولى: الاختلاف في اول من بنى البيت الحرام، فعرض راي مجاهد والحسن البصري ورده.
والثانية: ان البيت رفع في الطوفان.
والثالثة: انه استفاد ان البيت بني للعبادة لا للسكنى من قوله تعالى: (ربنا تقبل منا).

ثم ناقش رايا لمن سماهم حشوية العامة في ان الاجزاء منفك عن القبول. وبذلك يندرج في كتاب السيوري اكثر من مبحث على هذه الشاكلة دون ان يساهم في اهدافه المركزية بحثا في فقه القرآن.

وكذلك نجد هذه المفارقة المنهجية في تفسير قول الله تعالى: (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل او يغلب فسوف نؤتيه اجرا عظيما) ((465))، فالباحث يتبين له ان السيوري في حالات كهذه يضطرالى ضم آية اخرى ذات مضمون مشابه سدا للفراغ، فهنا - مثلا - اضطر الى ان يضم اليها قوله تعالى: (ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم...) ((466))، فترك الية الاولى وتوفر على سبب نزول الية محل الاستشهاد، وعرض ما فيها من حث، ثم معانيها والروايات المتعلقة بها والمحشورة حشرا.

ومثله كذلك ما نجده في تفسير قوله تعالى: (ومن يرتد منكم عن دينه...) ((467)) على الرغم من امكان الاستفادة في انتزاع احكام المرتد.

ان هذه النماذج القليلة المنتشرة هنا وهناك، لا تشكل ظاهرة في كتاب المقداد السيوري، لكنها تبرر مما حشره في مصنفه حشرا بما لا يتفق مع اهداف مباحثه، ولعله وعسى ان اكون مخطئا - وضع كتاب ابن المتوج البحراني وسايره في اليات المبحوثة، او اعتمد كتابا آخر اثبت هذه اليات فلم يستطع تغيير او تعديل منهجه فجعل لها مباحث وان لم تكن فقهية. على اننالابد ان نشير الى ان بعضا من الاستطرادات غير الفقهية مبررة.

الملاحظة الثالثة: موقفه من القياس، حيث يتفق السيوري مع علماء الامامية في عدم اخذهم بالقياس؛ ولذلك نجد اسلوب استنباطه يخلو من رد بعض المسائل اليه، بل نجده يصرح بذلك فيقول - في معرض تفسيره لقول الله تعالى: (انما المشركون نجس) -: انه لا يجوز دخولهم المسجد الحرام، وكذا باقي المساجد عندنا؛ لنصوص اهل البيت، وبه قال مالك. واقتصر الشافعي على المسجد الحرام، وهو عجيب، فهلا قاس ما عداه عليه! لانه القائل بالقياس وان العلة هي النجاسة، وهي حاصلة((468)).

والنص يكشف لنا انه عمم الحكم الى بقية المساجد بمستند الرواية (السنة)، ونعى على الامام الشافعي عدم تسريته للحكم؛ لكونه ياخذ بالقياس وان العلة متعدية، مما يعد تصريحا منه انه لا يرى القياس.

وفي صلاة الجمعة وقوله تعالى: (وذروا البيع) يقول في تعديته للاجارة والمزارعة: قال بعض المتاخرين بتعديته الى كل معاملة، وليس قياسا، بل من باب اتحاد طريق المسالتين؛ وهو الشغل عن ذكر الله ((469)).

الملاحظة الرابعة: ان المقداد السيوري يرفض التعصب جملة، ففي معرض الصلاة على النبي وآله واصحابه المنتجبين يردمن يرى ان الصلاة اختصت به شعارا له (ص)، قال: «ان قولهم: ان ذلك يوهم الرفض تعصب محض، وعناد ظاهر»، وضرب لذلك امثلة؛ مما يدلل على ان الرجل ذو عقل منفتح، وقلب طاهر من التعصب.

ويدلل على ذلك ترجيحه لراي ابي حنيفة خلافا منه حتى لمشهور الامامية في مسالة نكاح الاماء وكونه مشروطا بعدم الطول وخشية العنت عند الامامية وعرض راي ابي حنيفة انه جعل نكاح الحرة افضل، ونفى تحريم نكاح الاماء الا بالشرطين. قال السيوري: بالاول قال بعض اصحابنا محتجا بشرطية الية ورواية الباقر (ع)، والحق الثاني؛ لعموم قوله تعالى: (وانكحوا الايامى منكم والصالحين...)؛ لان دلالة الية على الشرطين تنعقد بدليل الخطاب، وهو ليس بحجة ((470)). ويرى انه على فرض التسليم بمدرك الراي الاول فليس اكثر من الكراهة.

الملاحظة الخامسة: يظهر اثر استمرار فتح باب الاجتهاد عند الامامية في مباني وفروع السيوري واضحا، فهو يتخذ موقفا ممااختلف الامامية فيه، وهذا ما يدل على شخصيته الفقهية المتميزة. ولنضرب لذلك امثلة:

1- هل الستر شرط في صحة الصلاة مع الامكان مطلقا، ام مطلقا بحال العمد؟ نقل راي الشيخ الطوسي انه يراه بحال العمد،وابن الجنيد على الامكان مطلقا، ورجح راي ابن الجنيد قال: وهو الاقوى؛ لان الاخلال بالشرط الواجب مطلقا مبطل مطلقا((471)).

2- في مصطلح «ابن السبيل» قيل: هو المسافر، ومنع ابن الجنيد السفر المباح، وذهب السيوري الى انه لا فرق في السفربانواعه، وعبر عن راي ابن الجنيد بانه ليس بشيء. ((472))

3- درج الفقهاء على تقسيم المكاسب الى: المباحة، والمحرمة، والمكروهة، كما هو الحال في اللمعة والمكاسب، لكنه وزع المكاسب (النشاط الاقتصادي للفرد) على اقسام الحكم التكليفي من الوجوب الى الحرمة ((473)).

4- قال السيوري: لو نذر شخص التصدق بمال كثير، بكم يتصدق؟ قال: يتصدق بثمانين؛ استنادا الى رواية عن الامام الهادي(ع) باستدلاله لهم بقوله تعالى: (ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين)، قال الامام (ع): فعددنا تلك المواطن فكانت ثمانين.

لكن الصدوق قال: انه يتصدق بثمانين مطلقا، وقال المفيد والطوسي: انه يتصدق بثمانين درهما، ويرى ابن ادريس انه ان كان ما يتعاملون به الدراهم فثمانون منها، وكذا الدنانير. قال السيوري: والتفصيل حسن، لكن قول الشيخين (المفيد والطوسي)اقوى؛ لحمل المطلق على المقيد؛ لان رواية الحضرمي عن الصادق (ع) قيدته بالدراهم ((474)).

نتائج البحث

تمخض البحث عن عدة نتائج يمكن اجمالها فيما ياتي:

1 ـ ظهر لدينا ان فقه القرآن يمكن ان يبسط وفق منهجين اساسيين، هما: التسلسلي والموضوعي، وقد اثبت السيوري عملياجدوى المنهج الموضوعي في هذا المجال بانه اكثر فائدة.

2 ـ يتطلب هذا المجال المعرفي مزاوجة موفقة بين المنهج الاصولي في انتزاع الحكم مؤسسا على منهج بياني لمراد النص القرآني.

3 ـ ظهرت لدينا المعايير الوصفية للسيوري في استنباط الاحكام من النص القرآني، وفي الموازنة والترجيح باعتماد القرآن نفسه والسنة والاجماع وآراء الصحابة والتابعين واتفاقات المفسرين في منهجيته المركبة في اهدافها بين ايضاح الدلالة والانتزاع اضافة لمجموعة من القواعد المبرهن على حجيتها في اصول الفقه.

4 ـ ظهر لدينا عدم دقة ما يراه الشيخ الذهبي (رحمه الله) عندما وصف كتاب السيوري بانه لا يسلم له مستند؛ فقد ظهرت لديه نظرية متماسكة في مدرك الاستنباط، وظهر بطلان اتهامه بالتعصب.

5 ـ ظهر لدينا ان الراي الوسط في آيات الاحكام هو الارجح؛ والذي يرى انها لا تزيد على (350) آية، واثبات ذلك بصيغة عملية.

6 ـ ظهر لدينا انه لا ياخذ الرواية من جهة واحدة؛ انما يعول على ما اتفق عليه رواة الحديث من المسلمين بصرف النظر عن مدارسهم الفقهية.

7 ـ عول كثيرا على ما اتفق من آراء الصحابة والتابعين مع ائمة آل البيت (ع).

8 ـ نظر السيوري الى القراءات نظرة شرعية، فاخذ منها المضطرد الموافق للعربية، والمنقول بسند صحيح، او الذي تمتع باقرار الائمة.

9 ـ ظهر لدي ان السيوري يعول على ظاهر الي وعموم معانيه في ايضاحه للمراد.

10 ـ وتبين ان السيوري كغيره من علماء الامامية قد نضجت لديه معايير في معرفة الناسخ والمنسوخ، مما يقلل كثيرا من مقولة النسخ في القرآن؛ مما اهل كتابه للاستفادة من اليات جميعا.

11 ـ ظهر ان الاتجاه الذي يغلب على تفسير السيوري ليات الاحكام هو الماثور، ونادرا ما يعوزه النص، فيلجا الى الاصول العملية رادا القياس والاستحسان والمصالح.

12 ـ تبين ان مفهوم الاجماع عند السيوري غير مفهومه عند المفسرين والفقهاء؛ فانه يراه الكاشف عن الحكم بدخول المعصوم فيه، وان اتفاق الفقهاء وان عبر عنه بالاجماع ففيه تسامح؛ لذا لا يمكن اعتباره عند السيوري دليلا، لكنه ربما يعد معززا ان لم يكشف عن راي المعصوم.

13 ـ لوحظ في منهج السيوري احاطة موسوعية بعلم الخلاف الفقهي بدءا من الصحابة وانتهاء بالطبقة الثانية من فقهاء المذاهب الاسلامية مستخدما لذلك التراكم في منهجيته.

14 ـ لوحظ على منهجه انه قد ادخل في مصنفه ما ليس بفقه القرآن، وربما كان حشره لهذه الموضوعات مسوغا بعض الاحيان، لكن لم اجد لبعضه الخر عذرا وجيها.

15 ـ لوحظ عليه انه تناول احد معاصريه بالنقد الشديد، وقد كان مصيبا في اكثر المواقف، لكنه اخفق في خصومته الفكرية في النادر من المناقشات مع المفسرين الذين سبقوه.

16 ـ بالمقارنة مع الجصاص والقرطبي يلحظ ان السيوري اخصر للعبارة، واكثر في المعاني والاحكام؛ مما يدل على امتلاكه لغة قانونية متماسكة ومكثفة.

17 ـ لوحظ ان لديه اشراقات فكرية في العلوم، والتاريخ، وعلم الكلام، سبق بها عصره ولم تكن ضمن الاستنتاجات الفقهية.

18 ـ يمكن ترتيب خطوات السيوري في عرضه للاية وفق التي:
أ ـ الجهد البياني (المعاني، الاعراب، القراءات، الشعر، القرآن، الحديث، اتفاقات المفسرين، آراء الصحابة والتابعين).
ب ـ الجهد الاستنبطي: احالة الى نظيراتها من القرآن، والتفسير بالسنة شرحا وتخصيصا وتقييدا وتفصيلا للمجمل، ثم الاجماع، فراء الموافقين من الفقهاء من الصحابة وائمة المذاهب وآراء المخالفين فادلتهم، ومناقشة تلك الادلة وابطالها، واقامة ادلة الرجحان فيما يرجحه؛ باستخدام كل تلك الادوات البحثية مع مجموعة من القواعد الاصولية المبرهن على حجيتها.

19- لوحظ انه لا يعتني بالسند ولا يذكره ولا يعلق عليه الا نادرا، ولا يستخدم الجرح والتعديل؛ مما يدلل على اهتمامه بالحديث متنا لا سندا.

20- يلاحظ انه توفر بعمق على ايراد المعنى العلمي للمصطلح الشرعي بعد نقله من مجاله اللغوي، وانه دقق كثيرا في المفاهيم والتحديدات؛ مما يصلح معه اعتبار كتابه من مصادر دراسة المصطلح القرآني للحقائق الشرعية وآلية نقل الدلالة من مجالهااللغوي الى مجال الحقائق الشرعية.

رحم الله المقداد السيوري ! وجعل كتابه صدقة جارية ينتفع بها، فقد ترك لنا ذخرا علميا نفيسا..وفقنا الله لمتابعة آثارالمخلصين من الباحثين عن الحق، والله الموفق للصواب والسداد.

حوارات

حوار مع آية الله السيد حسين شمس

اعداد: التحرير

فقه اهل بيت: نشكركم على اتاحتكم الفرصة للحوار معكم حول بعض القضايا العلمية، واستطلاع رايكم في شؤون الدراسة والمناهج في الحوزات العلمية.. ولكن قبل ذلك حبذا تحدثوننا عن لمحة موجزة من سيرتكم الذاتية والعلمية.

* بدات دراستي الدينية في مدينة مشهد المقدسة حيث مرقد الامام الثامن من ائمة اهل البيت علي بن موسى الرضا (ع)، وقداتممت فيها المرحلة التمهيدية «المقدمات» و «السطوح» وشطرا من الدراسات العليا «البحث الخارج». ثم انتقلت الى العاصمة طهران لدراسة المعقول فمكثت فيها سنتين، ثم انتقلت الى مدينة قم المقدسة وبقيت فيها سنة وبضعة اشهر حضرت خلالهاالفقه على آية الله العظمى البروجردي (قدس سره) والاصول على الامام الخميني (قدس سره)، ودرس الفلسفة على العلا مة الطباطبائي (قدس سره)، ثم اقفلت راجعا الى مشهد بقصد الزواج فصادف رجوعي مجيء آية الله العظمى الميلاني من كربلاء المقدسة للاقامة في مشهد، فعزمت على البقاء لمعرفتي بمقامه العلمي الشامخ وشهادة العلماء والحوزات له بذلك بما فيهاالحوزة النجفية، وقد مكث (قدس سره) في مدينة مشهد الى آخر عمره بما يقرب من عشرين عاما وقد رافقته مشتغلا بامرالدراسة والتدريس الى انتصار الثورة الاسلامية، حيث قررت الرجوع الى مدينة قم والى الن اشتغل بالتدريس فيها.

فقه اهل بيت: ذكرتم انكم كنتم من حضار درس آية الله السيد البروجردي (قدس سره)، فما هي اهم الخصائص التي كان يتصف بها درسه(قدس سره)؟

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية