الجواب: لم تكن مدة حضوري في درسه طويلة، حيث كانت
عبارة عن سنة وبضعة اشهر، وكان سماحته في تلك
الفترة يدرس الفقه ولم يكن يدرس الاصول. وقد كانت له
طريقة خاصة في التدريس، فكان يبدا باستعراض الروايات
الواردة في الباب الذي يبحثه اولا، ثم يتطرق للجانب الرجالي
فيه فيبحث في احوال الرواة وطبقاتهم. وقد كان (قدس سره)
محيطا بالبحوث التاريخية والرجالية، ثم ياخذ بعد ذلك في
بيان مضامين الاحاديث ومداليلها واقوال القدماء في المسالة.
وكان يعير اقوال القدماء عناية خاصة؛ لقربهم من عصر صدور
الاحاديث، فيمكن ان تتوفر لديهم قرائن لفهم الروايات
والافتاءعلى ضوئها؛ ولذا كان يقبل شهرة القدماء ويعول عليها. لقد كان السيد البروجردي (قدس سره) عالما فذا؛ يتمتع بحافظة متميزة، واذكر انه كان يستحضر اشعار السيوطي التي تقراعادة في المقدمات وهو يدرس البحث الخارج، كما كان بارعا في البحوث الرجالية، ومتبحرا في المعقول والفلسفة على ماسمعته، وبشكل عام، لقد كان للسيد البروجردي شخصية علمية ممتازة. فقه اهل بيت: ما هي ابتكارات السيد البروجردي (قدس سره)العلمية؟
الجواب: لم تسمح لي فترة حضوري القصيرة عليه من رصد
ابتكاراته العلمية، ولست انفي ذلك في الواقع، ولكنه
كان مشهودا له بالاحاطة والتسلط في الفقه والاصول. فقه اهل بيت: من هم الفقهاء القدماء الذي كان السيد البروجردي (قدس سره) يكثر النقل عنهم ويعتني باقوالهم؟
الجواب: كان السيد (قدس سره) ينقل عن الشيخ الطوسي
والمحقق وغيرهم، وكان يدفع بعض الاستشكالات على
الشيخ الطوسي التي يثيرها البعض ويقول: ان الشيخ كان
مهتما بامر التاليف والاكثار فيه حتى انه لو اردنا تقسيم عمره
الشريف على مؤلفاته ومسائله لكانت كل مسالة تستغرق خمس
دقائق من وقته، فلم تكن له الفرصة الكافية من وفرة التصنيف. وعلى كل حال، فقد كان (قدس سره) يهتم باقوال المتقدمين، ويشجع من ينقل عنهم اقوالهم وآراءهم. فقه اهل بيت: ما هي المدة التي حضرتم فيها على آية الله الميلاني (قدس سره) وكيف كانت علاقتكم به؟
الجواب: حضرت عليه ما يقرب من عشرين عاما في مدينة
مشهد، وقد كانت علاقتي به خاصة، وكان يغمرني هو في
المقابل بعواطفه. لقد كان للسيد شخصية قوية وحصيفة
ومؤدبة، وكان كتوما قليل الكلام فطنا، ويتمتع بذهنية ثاقبة
وتشخيص صائب ودقيق للامور، حتى قال بعض رجال السياسة: ان الجميع يعرف الداء ولكن السيد الميلاني يعرف الداء والدواء
معا.
وبرايي انه كان اكثر دقة من السيد البروجردي (قدس سره)
بالرغم من سعة تتبع السيد، ولكن السيد الميلاني كان ادق
علماءعصره، فقد حضر (قدس سره) على مثل الشيخ محمد
حسين الاصفهاني مدة (23) سنة، وعلى الميرزا النائيني مدة
(14) سنة، وكان افضل طلاب الشيخ الاصفهاني باعتراف
الشيخ نفسه. فقه اهل بيت: نظرا للمدة الطويلة لحضوركم على السيد الميلاني، ما هي الخصوصيات التي يتمتع بها درسه؟
الجواب: كان بحث السيد (قدس سره) يتصف بالدقة والعمق،
فقد كان دقيقا في الفقه والاصول، وكان متضلعا في
العرفان ايضا، حتى ان بعض الاصدقاء سال العلامة الطباطبائي
عن دراسة العرفان وعند من يحضر ؟ فقال له: احضر على
السيد الميلاني. الا ان السيد الميلاني كان يصب اهتمامه على
الفقه والاصول ولم يكن يدرس باقي العلوم. فقه اهل بيت: ما هي المنهجية التي يتبعها السيد الميلاني في دروسه وبحوثه؟
الجواب: كان اكثر تعرضه لاقوال الشيخ محمد حسين
الاصفهاني والميرزا النائيني(قدس سرهما)، فقد كانت انظارهما محور
البحث في درسه سيما الشيخ الاصفهاني، حيث كان السيد
معتمدا لديه وكان اكثر قدرة على فهم آرائه وبيانها، وكان هذا
الامر مشهودا له، وكان يجله عند ذكره اجلالا كبيرا، ويعبر عنه
بـ«الشيخ الاستاذ»، وكذلك كان يعبر عن الميرزا النائيني بـ«الميرزا الاستاذ».
ولا باس هنا بذكر ما نقله نجل السيد الميلاني في علاقة والده
بالشيخ الاصفهاني حيث يقول: «بعد ان درس والدي في
النجف الاشرف سكن كربلاء المقدسة، وكان الشيخ الاصفهاني
عندما ياتي الى كربلاء للزيارة ينزل في بيت والدي، وكانت
سيرة استاذه الشيخ طوال اقامته في منزل الوالد ان يتوضا
ويخرج الى حرم العباس (ع) ويقيم صلاة المغرب والعشاء
جماعة على سطح الحرم، وكان الوالد يتابعه في الخروج، وكان
يتاخر عنه في المشي ويقتدي به في الصلاة، وهكذا يفعل عند
الرجوع، مع انه كان قد نال درجة الاجتهاد آنذاك.
وعلى كل حال، فقد كان السيد دقيقا في فهمه لراء الشيخ
الاصفهاني، ودقيقا في بيانها ايضا، كما كانت سيرته طيبة مع
طلابه، ولكن المستفيدين من علمه قلة، حتى انه كان يقول:
اني ادرس ثلاثة فقط». فقه اهل بيت: ما هي الابتكارات والابداعات في بحوث السيد الميلاني (قدس سره) الفقهية والاصولية؟ الجواب: لقد كان السيد ضليعا في فقه المعاملات - اضافة لتفوقه في باقي الابواب الفقهية - سيما في بحث «الاجارة»؛ لانه درسه على الشيخ الاصفهاني ودرسه ايضا في العراق، ثم لما قدم الى مشهد اعاد تدريسه.
ومن ابداعاته وآرائه الخاصة في الاصول: رايه في مسالة الشك
في المكلف به وتردده بين الاقل والاكثر، فان اكثر
الاصوليين يعتبرون الاقل والاكثر قسيمين للمتباينين؛ لان
المتباينين اما متباينان بتمام الذات او ببعض الذات او بنحو
الاقل والاكثر، لكن الاقل مقيد بعدم الزائد على الاقل؛ اي انه
بشرط لا بالنسبة الى الزائد، واما في الاقل والاكثر فان الاقل هو
لا بشرط بالنسبة للزائد على الاقل؛ بمعنى ان الاقل اذا كان في
مقام جعله متعلقا للحكم فان الزائد عليه لا يكون جزءا من
متعلق الحكم ولا هو اقل مقيدا بعدمه، فالاقل اذا وقع متعلقا
للحكم يكون لا بشرط بالنسبة للزائد في مقام الجعل، وعليه،
فاذا كان الاقل لا بشرط فان الاقل والاكثر يكونان قسيمين
للمتباينين لا قسمين له. ولكن راي السيد الميلاني هو ان الزائد على الاقل وان كان لا يعتبر جزءا للاقل حتى يكون بشرط شيء وليس مقيدا بعدمه حتى يكون بشرط لا، الا ان الاقل في مقام الجعل وتعلق الوجوب به هو بشرط لا بالنسبة للزائد؛ بمعنى ان دخالته في متعلق الحكم تمنع من وجود الواجب الاقل المستقل بحيث يكون متعلقا تاما للوجوب الصادر عن المولى ومقوما تاما له.((475))
ومن الامور التي نود ذكرها في حق السيد الميلاني (قدس
سره) انه كان ممن يرى اهمية علم الاصول وضرورته، ولطالما
كان يردد: «من لا اصول له لا فقه له»، وكان يقول: ليس ثمة
مسالة اصولية الا وتتفرع عليها مسالة في الفقه. وهذا امر
صحيح وتام؛ اذ ان من لا يكون مجتهدا في الاصول فهو مقلد
في الفقه؛ فان علم الاصول هو العلم التصديقي الوحيد لعلم
الفقه بالرغم من وجود باقي العلوم الاخرى ايضا، الا ان الاصول
اكثرها تاثيرا وتفاعلا مع الفقه، فالمجتهد الواقعي هو من
يستند الى القواعد التي ثبتت صحتها لديه في مقام الاستنباط
ولا يكون مقلدا في درك تلك القواعد؛ اي انه يستعين
بالمبادئ التصديقية للفقه والتي هي عبارة عن القواعد
الاصولية في استنباط الاحكام من مصادرها المقررة، وكلما
كان متضلعا في هذه المبادئ التصديقية كان حاذقا في
الاستنباط، ولذا فان من لا يكون مجتهدا في الاصول فهو مقلد
في الفقه. فقه اهل بيت: تفضلتم ان السيد الميلاني كان يدرس الفقه والاصول في مشهد، فاي الدرسين كان الحضور فيه اكثر؟
الجواب: كثرة الحضور ليست معيارا في نجاح الدرس، بل
اهمية الدرس تقاس بالحضور الكيفي لا الكمي، وبما ان درس
السيد الميلاني في الاصول كان دقيقا وعميقا فلذا كان الحضور
فيه اقل. فقه اهل بيت: وكيف كان السيد الميلاني (قدس سره) في المباحث الرجالية؟
الجواب: لم يكن سماحته (قدس سره) يتعرض في الدرس
للمباحث الرجالية كما كان عليه السيد البروجردي (قدس
سره)، وهذالا يعني عدم تمكنه من ذلك، ولكنه بمعنى قلة
التعرض لذلك، وهذا شان كل من ياخذ بحجية «الشهرات
العملية» كالاقا رضاالهمداني فانه تقل حاجته الى علم الرجال؛ لان غالب المسائل مشهورة. فقه اهل بيت: هل تتذكرون شيئا مما كان يذكره السيد الميلاني بحق استاذيه الشيخ الاصفهاني والنائيني؟
الجواب: لقد كان (قدس سره) - كما قلت - رجلا كتوما وقليل
الكلام، ولكني اذكر شيئا واحدا من تلك الذكريات: كنت قليل
الاشكال في الدرس، وكنت اطرح الاشكالات بعد الدرس او في
الطريق عند الرجوع معه من الدرس، وذات يوم كنت جالسا
بخدمته،فبادر قائلا من دون اية مقدمة: ان استاذي الميرزا
كان يقول: «لا اقول ان صلاة الليل من شرائط الاجتهاد ولكنها
لا تخلو من دخل في ذلك». فقه اهل بيت: ما هي الخصائص التي يجب توفرها في مدرسي الحوزة العلمية والباحثين فيها لكي يكون تدريسهم وبحوثهم وفق المواصفات المطلوبة؟
الجواب: يجب توفر جملة مواصفات:
ثانيا ـ الاحاطة بمختلف العلوم: ان من يتخصص في علم واحد لا
يستطيع ان يستقي معلوماته من المصادر الاصلية، ففي
علم التفسير مثلا يلزم توفر عدة علوم، فمن يريد الدخول في
ساحة التفسير لابد ان يجتهد في جملة علوم، فتفسير الميزان
يعتبرتفسيرا ناجحا وموفقا؛ لان مؤلفه مفسر ذو فنون عديدة.
ثالثا ـ تزكية النفس: ان من يريد الانتفاع بعلمه عليه الاشتغال
بتزكية النفس، والا لم ينتفع بعلمه بالشكل المطلوب مهما
الف وحاضر وخرج من الطلاب، فثمة فرق بين ما يكتب ويقال
قربة الله ورجاء رضوانه، وبين ما يفعل كذلك لاغراض
مادية وشخصية. ان من يكتب الله يراعي في كتابته جانب
التقوى والاحتياط؛ فلا ينسب لاحد ما يعد افتراء عليه، ولا
يكتب ما يجهله، ويعترف بجهله اذا كان جاهلا.. الى غير ذلك.
وعلى كل حال، فان التهذيب امر لازم للاستاذ والمؤلف
والداعية والمبلغ. فقه اهل بيت: نعلم ان اكثر نشاطاتكم في مجال التدريس، فهل لكم نشاط في مجال التاليف ايضا؟
الجواب: لقد طبعت لي بعض التاليفات، وبعضها لا
يزال مخطوطا، ومن المطبوع: كتاب في الكلام بعنوان «توحيد ناب (= التوحيد الاصيل)» الذي
طبعه مكتب الاعلام الاسلامي. فقه اهل بيت: ما هي الدوافع وراء تاليف هذا الكتاب؟ الجواب: يعتبر التوحيد هو الاساس والقاعدة لكل اعتقاداتنا، ولكن قد لاحظت بعض الكتب المكتوبة في هذا الموضوع مما يعتبرخلاف الواقع، اضافة لوجود الشبهات المطروحة، فرايت من اللازم الكتابة في هذا الموضوع لرفع الشبهات. فقه اهل بيت: هل الشبهات التي عالجتها شبهات قديمة او جديدة؟
الجواب: هناك شبهات قديمة وشبهات جديدة ذكرتها وقمت
بمعالجتها، كما تعرضت لفكرة الجبر والتفويض
وعالجتها باسلوب حديث وطريقة جديدة، حيث نهجت فيها
منهجا استدلاليا ومنطقيا، واثبت برهانية المضامين الروائية
الواردة عن اهل البيت (ع). فقه اهل بيت: هل تمارسون الن انجاز تحقيق علمي؟ الجواب: من الامور التي آمل ان احققها تدوين وبحث المبادئ التصديقية العقلية لعلم الاصول، وقد كتبت الى الن ثماني عشرة قاعدة من تلك المبادئ، وقد نشرت بعضها في الدوريات وبشكل مستقل، وهي جزء من كم كبير من تلك القواعد، وآمل ان اجمعها في كتاب واحد. فمن تلك القواعد - مثلا - مسالة ان عدم الضد مقدمة لوجود الضد الآخر او بالعكس، فثمة تلازم بين عدم الضد وبين وجود الضد الآخر، فهذا بحث عقلي مطروح في الاصول، ولكن يجب ان يسبق هذا البحث الكلام في ان العدم هل يمكن ان يكون منشا للتاثير ام لا؟ لا شك ان العدم سواء كان مطلقا او مضافا هو عدم لا واقعية له في الخارج، فكيف يمكن ان يكون له دخل في وجود شيء ما؟! فقه اهل بيت: هل تطرحون تعريفا جديدا لعلم الاصول؟
الجواب: اجل، ثمة تعريف لعلم الاصول اقترحه، وقد اشار اليه
المحقق الاصفهاني، ولكنه قد يختلف معه ويغايره،
وهذاالتعريف عبارة عن: القواعد الدخيلة في ايجاد القدرة
العلمية لدى الانسان على اقامة الحجة تنجيزا او تعذيرا على
المسائل والفروع الفقهية استنادا لهذه القواعد الاصولية،
شريطة الا تكون هذه القواعد الاصولية مبحوثة في علم آخر،
فمثلا مسالة المشتق مسالة اصولية؛ لانها وان كانت مبحوثة
في علم الصرف ولكنها لم تبحث فيه من الزاوية التي بحثت
منها - اصوليا، - وهي كون المشتق حقيقة فيمن تلبس بالمبدا او
الاعم ممن تلبس وانقضى عنه. فاذا، علم الاصول هو مجموع
القواعد التي تخلق القدرة لدى الانسان على استنباط الحكم
الشرعي من مصادره باقامة الحجة عليه تنجيزا او تعذيرا ولم
تكن قد بحثت في علم آخر غير الاصول. وهذا التعريف المقترح
لم اجد من تعرض له. فقه اهل بيت: الا يخرج هذا التعريف شيئا من مباحث علم الاصول؟
الجواب: ان هذا التعريف لا يخرج شيئا من بحوث علم الاصول؛ فانه ينضوي تحته حتى مثل الظهورات التي تشكل
صغرى الحجية والظهور الافرادي والمجموعي، وحتى التبادر؛ وذلك لانا اذا اعتبرنا التبادر علامة الوضع فانه يساعد حينئذ
في خلق الظهور الافرادي. فقه اهل بيت: لقد بحث «العام والخاص» في المنطق، فكيف يتم ادخاله في علم الاصول طبق هذا التعريف؟
الجواب: ان هذا البحث يطرح في الاصول من زاوية اخرى،
ففي المنطق يقع البحث عن رفع الايجاب الكلي والسلب
الكلي، كما ان البحث فيه معنوي لا لفظي، بينما في الاصول
البحث لفظي، فهو نظير بحث المشتق الذي يبحث في علم
الصرف، الا انه اصوليا يبحث من زاوية اخرى، ونظير مادتي
الامر والنهي اللتين تبحثان بحثا لغويا في الاصول من حيث
دلالتهما على الوجوب والاستعلاء او التحريم. فقه اهل بيت: هل تعتبرون جميع البحوث الموجودة في علم الاصول - ابتداء بمباحث الالفاظ الى الاصول العملية - من البحوث الاصولية او هي من البحوث الضرورية البديهية؟
الجواب: ان جميع المسائل الاصولية هي مسائل نظرية وليست
بديهية؛ لان جميع مسائل العلوم هي مسائل ليست بديهية،ولذا فان المسائل الاصولية تتفاوت في اصل مدخليتها في
المسائل الفقهية وفي مقدار ذلك بحسب تفاوت الانظار في
ذلك،فمسالة الحقيقة الشرعية مسالة نظرية ولكنها قد يختلف
بشانها في دخالتها في المسالة الفقهية، وعليه، فان جميع
المسائل الاصولية هي مسائل نظرية تحتاج الى الدليل نفيا او
اثباتا، فهي ليست بديهية. نعم، تطبيقاتها وتاثيراتها في الفقه
متفاوتة وليست على حد واحد، فمسالة المشتق لا تؤثر الا في
مسالة او مسالتين، ولكن مسائل من قبيل المطلق والمقيد
والعام والخاص والمفاهيم والنهي في المعاملات والعبادات لها
تطبيقات في دائرة اكبر في الفقه، كما انها متفاوتة فيما بينها
في مدى مدخليتها في الفقه، الا انها تتساوى في اصل
المدخلية. فقه اهل بيت: نستنتج من كلامكم انكم لا توافقون على الفكرة التي تدعو الى تشذيب علم الاصول بحذف بعض مباحثه الزائدة التي لا يترتب عليها اثر فقهي ولا هي من علم الاصول؟
الجواب: ذكرتم في اطار فكرة تشذيب علم الاصول مسالة
حذف بعض المسائل الاصولية او اخراج ما ليس منه، ولكن
لم تشيروا الى المسالة التي تكون من احد هذين القبيلين. اما
القسم الاول: فقد تقدم الجواب عنه، وهو ان مسائل علم
الاصول امورنظرية، فعدم ترتب الاثر الفقهي على مسالة
اصولية ما مسالة نظرية تحتاج الى الاستدلال والبرهان، وعليه، فما لم يثبت اولاعدم جدوى مسالة ما في الفقه فانه لا يجوز
مصادرتها بشكل مبدئي، واحتمال فائدتها مبرر لبحثها حينئذ،
بل حتى لو كان عدم جدواها وفائدتها في الفقه امرا مجمعا عليه
فانه يجب البحث في مدى فائدتها، والا كان الحكم باخراجها
تقليدا محضا لامبرر له.
واما القسم الثاني من الجواب: فان جميع مسائل علم الاصول -
ما عدا مسالة حتمية ان يكون لكل علم موضوع الذي يقع
مقدمة للبحث في علم الاصول، وكذا مسالة انسداد باب العلم
والعلمي لاثبات حجية الظن المطلق اذا سبقها البحث عن
الظنون الخاصة - غير خارجة عن علم الاصول، وكل من يدعي
خروج مسالة منه فانه لا يمكن لغيره الاذعان بذلك ما لم يقم
دليل لديه؛ لكون المسالة نظرية تحتاج الى الدليل نفيا واثباتا.
ان كثيرا ممن يطلق الدعوة الى تهذيب وتشذيب علم الاصول -
بمعنى حذف بعض المسائل اما لدعوى عدم ارتباطها
بعلم الاصول او لدعوى عدم جدواها وفائدتها - لا ينطلق من
استدلال علمي على ذلك بل ينطلق من حالة التبعية والتقليد
للغير، مع ان المسالة نظرية تحتاج الى الدليل كما قلنا. فقه اهل بيت: برايكم ما هي البحوث التي يلزم دراستها بشكل معمق من قبل الباحثين في الدراسات الدينية؟
الجواب: لقد ذكرت ان مسائل كل علم من العلوم هي نظرية لا
بديهية للباحثين فيها والا كان البحث فيها لغوا لا طائل تحته،وعلم الفقه هو من العلوم النظرية التي تحتاج مسائلها نفيا
واثباتا الى الدليل، والدليل على كل مسالة اما بديهي او نظري،
واذاكان نظريا فلابد من الاستدلال عليها في مرحلة سابقة
واثباتها، وعلم الفقه له مبادئه التصديقية التي يجب ان تبحث
في محلها، وياتي على راسها مسائل علم الاصول التي يجب
بحثها بشكل معمق ودقيق بنحو يمكن الاستدلال بها على نفي
او اثبات المسالة الفقهية من مصادرها المقررة، وكلما كان
الاستدلال والبحث في الاصول اعمق كانت القدرة على
الاستنباط اوفر وافضل واكثراحرازا للحكم الواقعي او الظاهري.
واما المسائل الفقهية، فانه يجب على من يريد بحثها والخوض
فيها مضافا الى اتصافه بان يكون من اهل الاستدلال
بذل قصارى جهده في طلب الدليل على المسالة بحيث يخرج
من حد التقصير، ومن الواضح انه كلما بذل جهدا اكثر كان
اكثراطمئنانا باحراز الحكم والوظيفة، ولا اقل من ان يكون
معذورا، هذا من جهة.
ومن جهة اخرى، فان من الجدير بل الواجب على كل من
يتمكن من البحث ان يتصدى للمسائل الابتلائية التي تعرض
للمجتمع سيما المسائل المستحدثة مع رعاية الاهم فالاهم؛
لان ادراك الجميع مشكل ان لم يكن ممتنعا عادة. وكما قلنا
فان البحث كلمااتصف بالعمق والدقة كان اقرب الى احراز
الوظيفة سيما اذا اقترن بتبادل الراي والبحث مع اهل
الاختصاص. فقه اهل بيت: ثمة شبهات تثار بوجه فكرة ولاية الفقيه حتى ان المسالة بحثت على صعيد مجلس خبراء القانون الاساسي، وقد توصلوالاثبات ولاية الفقيه بعد بحث ونقاش، كما طرحت المسالة ايضا في تتميم القانون الاساسي لاثبات «الولاية المطلقة للفقيه»، وقداثيرت اسئلة كثيرة وقدم الباحثون الاجوبة على ذلك بعد بحث المسالة بشكل دقيق. السؤال هنا: ما هو رايكم بهذا الخصوص ؟وما هو الاستدلال الذي ترونه انتم في المسالة؟
الجواب: تعتبر مسالة ولاية الفقيه مسالة نظرية، الا ان اصل
هذه الفكرة امر متفق عليه بين الجميع، ولكن الخلاف في
سعتها وضيقها؛ اي في تحديد دائرتها وحدودها، والقدر
المتيقن من هذه الولاية هو الامور الحسبية التي لا يتصدى لها -
عادة شخص بعينه، فيكون التصدي فيها للفقيه. نعم، الخلاف
في تحديد المصاديق الحسبية هل انها منحصرة بامور
الايتام والقصر واموال الغيب او انها تتسع لتشمل ادارة الحكم
والبلاد من جهة المصالح العامة، كحفظ الامن، والحفاظ على
النفوس والاموال، وحفظ استقلال البلاد، ومنع نفوذ الاجانب
في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية، وصيانة بيت
المال،واجراء الحدود الالهية، كل ذلك يدخل في الامور
الحسبية. كما يستعان لاثبات ذلك ايضا من الوجوه العقلية
التي يستدل بهالاثبات ولاية الائمة (ع)، وكذا التعليلات
الواردة في النصوص لاثبات امامتهم (ع)، بل يمكن ان يعضد
ذلك ببعض اليات والروايات الواردة في باب الولاية مقرونة
ببعض القرائن العقلية والنقلية، والائمة (ع) هم الافراد
والمصاديق الافضل للاية بحيث مع وجودهم لا تصل النوبة
لغيرهم من المصاديق؛ لان ما يترتب على منصب الامامة من
الاغراض لا ينحصر بوقت حضورهم حتى يلزم تعطيل تلك
الاغراض في زمن غيبتهم وتصدي غير الفقيه العادل الجامع
للشرائط ممن هو ليس اهلا للتصدي وربماكان من اعداء الدين
والمستعمرين. فقه اهل بيت: هل تذهبون الى لزوم مبايعة الشعب للفقيه ؟ وهل يلزم على الفقيه التصدي لامر الزعامة؟
الجواب: اجل، يجب عليهم قطعا؛ لان بيعة الناس شرط
لتصديه، قال امير المؤمنين (ع): «لولا حضور الحاضر»،
فالبيعة شرط لفعلية الولاية، والامام (ع) وان كان وليا في واقع
الامر ولكن لولا بيعة الامة له لما تصدى لذلك، فلابد من بيعة
الامة ومساندتها حتى يقام القسط؛ (ليقوم الناس بالقسط)((476))، ومن اقامة القسط ان يبايعوا الفقيه ليتاتى شرط
القيام.
والمتحصل: ان الولاية على الغير - في غير ولايته تعالى - امر
اعتباري مجعول بالعرض لا بالذات؛ ولذا فان من له الولاية
بالذات له ان يجعل الولاية لغيره جعلا مباشرا او بالواسطة
ليترتب على هذا الجعل الاحكام التكليفية او الوضعية، فالولاية
هي كسائرالعناوين الاعتبارية الاخرى كالملكية والزوجية - التي
تقع موضوعا لجملة من الاحكام التكليفية والوضعية، وجعل
هذه الولاية تارة يكون لافراد معينين كولاية الائمة (ع)، وتارة
يكون لعنوان كلي منوط بشروط خاصة، فكل من يقع مصداقا
لذلك العنوان الكلي وتتوفر فيه الشروط اللازمة، من باب اتحاد
العنوان الكلي مع الفرد الخارجي، فانه تثبت له الولاية في
زمان الغيبة، وعليه، فان الجاعل هو الله تعالى لا الناس،
فانتخاب الناس ليس هو جعلا للولاية؛ اذ ليس لهم جعلها ولا
هي بيدهم، وليس هو شرطافي جعلها، فالولاية ثابتة لمن
تجعل وتثبت له اما بنحو التعيين للمصداق او تعيين الكلي
المتحد مع افراده في الخارج، سواءعرفه الناس او جهلوه،
وسواء انتخبوه او لم ينتخبوه. نعم، البيعة والانتخاب كلاهما
شرط في تحقق القدرة لدى الولي على اداءوظائفه وواجباته؛
لان كل تكليف منوط عقلا بالقدرة، والبيعة تعني اعلان الامة
وفاءها للولي ومظاهرته على اداء واجباته وتصديه وقيامه بالامر،
فتكون البيعة واجبا كفائيا على الامة؛ ليتسنى من خلال
البيعة اقامة العدل والقسط الذي يمثل هدف الانبياء والرسل في
بعثتهم، (لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب
والميزان ليقوم الناس بالقسط) ((477))، والبيعة لولي الامر
هي من ابرز مصاديق اقامة القسط بنحو الوجوب الكفائي، ولا
معنى للبيعة في الفكر الامامي غير ما ذكرناه، ولااعتبار له ولا
دليل عليه. نعم، اهل السنة والجماعة يعتبرون تعيين الولي
ومبايعته واجبا على الامة بنحو يكون رايهم وراي اهل الحل
والعقد دخيلين في اصل انعقاد الولاية له لا في فعليتها.
ومناقشة هذا الراي متروك الى مجاله الخاص.
فقه اهل بيت: نظرا لاهمية هذا البحث نرجو مزيدا من الايضاح.
الجواب: انه وفقا لنظرية الامامية، في الامامة فان الامامة
تكون لائمة اهل البيت (ع) في زمان حضورهم لقيادة
المجتمع واصلاح امره من الناحية المعنوية والمادية والسياسية
والاقتصادية والثقافية، واما في زمان غيبتهم فيوكل الامر لمن
تتوفرفيه المواصفات المؤثرة في اصلاح المجتمع وادارته،
ولكن لما كان امر ادارة المجتمع امرا جماعيا بحاجة الى
مساعدة الآخرين ومشاركتهم، فانه من الضروري ان يعين الولي
اهل الكفاءة العلمية والاخلاقية والعملية كما كان يفعل امير
المؤمنين (ع) حيث كان له صلاحية العزل والنصب المطلق،
وهكذا الفقيه بيده العزل والنصب، وكل من يتصدى لامر من
دون نصبه - بشكل مباشر او غير مباشر
-
فلا مشروعية لتصرفاته
ولا يترتب عليها اي اثر شرعي. وبالطبع، فان النصب والعزل
لابد ان يكونابمعيار العدالة ومطابقين لمصالح المجتمع، والا
لزم نقض الغرض المطلوب.
ومن مواصفات المتصدي التي يلزم توفرها فيه ولها مدخلية
في اصلاح الامور: ان يكون مقتدرا وحازما؛ فربما لا
تجدي الموعظة والنصيحة مع البعض في اصلاح المجتمع،
فلابد من الحزم والقوة؛ فان الموارد تختلف شدة ولينا، وهكذا
كانت سيرة الرسول الاعظم (ص) وامير المؤمنين (ع) في امر
الحكومة. اذا، لابد من توفر الصفات التي تؤدي الى تحقق
الاصلاح في اتجاهاته الثلاثة: السياسية والثقافية والاقتصادية. فقه اهل بيت: يحاول البعض ان يثير فكرة تعدد القراءات بوجه ولاية الفقيه، فما هو رايكم بهذا الخصوص؟ الجواب: ان اثارة هذه الفكرة دعوة جاهلة ومغرضة وليس المقصود منها البحث العلمي؛ اذ ليس وراء هذا العنوان «تعدد القراءات» سوى المغالطة والتعتيم على الحقيقة؛ وذلك لان تعدد القراءات انما يصح فيما لو كانت المسالة نظرية وتبحث من قبل المعنيين واهل الفن والاختصاص لا ادعياء العلم وانصاف العلماء؛ بديهة ان كل علم له متخصصون وخبراء لا يجوز لغيرهم البحث في مسائله وتعطي افكاره، وكان هذه القاعدة تصح في كل علم الا الدين فانه شرعة لكل وارد!
وعلى كل حال، فان الغرض تصدي الفقيه لاصلاح المجتمع،
ولا يتم ذلك الا بتصدي الخبراء العدول الذين يستعين بهم
الفقيه في ادارة الامور، وان لم يكونوا بهذه الصفة لزم ان يكونوا
عارفين بوظائفهم ويشرف عليهم من ذوي العدالة من يراقبهم، فاذالم يكن المشرف عليهم بهذه الصفة لزم التسلسل؛ مما
يؤدي الى فشل الهدف وعقم النتيجة او قلة اثرها وفائدتها،
فلابد حينئذمن تدخل الامة للامر بالمعروف والنهي عن
المنكر، واقامة القسط، والرقابة على المسؤولين، والنصيحة
لائمة المسلمين بقصد الاصلاح، واقامة العدل، والحد من هدر
بيت المال، والتقليص من مظاهر التمييز بين الطبقات
والافراد.
فقه اهل بيت: في الختام، اذا كانت لديكم بعض التوجيهات او الاقتراحات
التي تودون ابداءها، فتفضلوا ببيانها.
الجواب: في الحقيقة لابد من ايجاد حركة في الحوزة العلمية
في البعد العلمي والعقائدي والاخلاقي في الفقه وفي الاصول
وفي الجوانب العملية والسلوكية، ولابد من ايجاد نهضة اولا في
امر الدراسة؛ وذلك بان تتفرغ جماعة للدراسة وتهيئ لهم
الاموربشكل جيد.
الامر الآخر هو لزوم تهذيب النفس والاخلاق لطالب العلم،
وعملية التهذيب عبارة عن كسب كرائم الاخلاق وفضائلها او
تقويتها، واجتناب الرذائل التي من الممكن ان تكون دخيلة في
كل عمل من اعمالنا الفردية او الاجتماعية، الكبيرة منها او
الصغيرة،
وفي المجالات كافة: السياسية او الثقافية او
الاقتصادية؛ فان النفس هي ظرف العلم والفضائل، والبدن
والجوارح آلة ووسيلة،وهذه الفضائل والرذائل هي التي تصقل
شخصية الانسان، وتكون معدنه، وتحدد مسار سعادته او
شقاوته في الدنيا والآخرة، وعليه، فان شقاء الانسان وسعادته
يتحددان على ضوء شخصية الانسان التي هي عبارة عن مجمع
الفضائل او الرذائل،
وسوف يكون ما يصدر منه من اعمال
وسلوكيات متجانسا مع تلك الفضائل والرذائل ومطابقا لها
بحيث تكون تلك الفضائل او
الرذائل ملكات ثابتة ودائمة في
جميع الاوقات والحالات، ولذا فان تهذيب النفس له دخل
كبير في طلب العلم وفي الدعوة والتبليغ وفي الافتاء
والاستنباط. ان هدف الطالب المهذب هو فهم الدين من مصادره، وغايته من وراء هذا الهدف هو تكامل ذاته الحاصل من تبعيته للعقائدوالاخلاق والتشريع، ومن تكميل غيره بعد تكامل ذاته، ولذا فان على طالب العلم ان يعد نفسه ويشتغل بازالة الموانع وتهيئة الارضية، وهذا ما يحتاج الى عزيمة وهمة واستقامة وثبات، وانصراف عن الافراط في اللذائذ النية، ورعاية الاهم فالمهم، والحرص على عدم تفويت الفرص المؤثرة في بناء الذات، ورعاية التقوى في اتيان الواجبات وترك المحرمات، وان ينشط لاداء بعض النوافل والمستحبات المهمة كنافلة الليل اذا لم يضر ذلك بتحصيله للعلم؛ فان ذلك يوجب التسديد والتوفيق، وهي وصية النبي (ص) لامير المؤمنين (ع)، وفوق كل ذلك ذكر الله اذا خير بين امرين احدهما الله والآخر لارضاء هواه فيحفظ كرامة نفسه وشرفها، ولا يدنسها ويشينها بسيئ الاعمال وحقير الفعال، ولا يبيعها بثمن بخس؛ فان من يحقق ذلك يظفر بنعمة كبرى تضمن له الآخرة والاولى وينال شرف الدارين.
كما يلزم ان يكون قصده من تحصيل العلوم هو فهمها وليس
مجرد الدراسة، والتصديق بها لا حفظ الفاظها ومفاهيمها
بدون تصديق بها كما هو الغالب، ولذا نجد ارتقاء المراتب العالية
قليلا جدا. ان المحصل والدارس الحوزوي لا يبحث عن
الشهادات،بل يبحث عن طلب العلم الى ان يصل الى رتبة فهم
المطالب من مصادرها من الكتاب وسنة الرسول (ص) والائمة
الطاهرين(ع)
والعقل، فاذا بلغ ذلك وحصله صار عنصرا نافعا
لمجتمعه في اي موقع من مواقع الافتاء او الدعوة والتبليغ او
التاليف، واذا بلغ رتبة الافتاء ادى ما يراه وظيفته وواجبا عليه
بعيدا عن الاغراض الدنيوية، ولا يطرح نفسه ولا يتصدى لامر
الا اذا راى ان الوظيفة تلزمه به، فلو راى قيام من به الكفاية
بالامر فلا داعي للتصدي لتبقى نعمة المرجعية في المذهب
الامامي التي تستمد قوتها من هيمنتها على القلوب متمركزة
بثقلها في جهة واحدة تحمي الكيان من الهجمات والاعتداء
كما كانت عليه سيرة السلف الصالح،والا يسمح بتصدع صفوف
المؤمنين وتشتتها، والا يضيع ولا يفتت هذه القدرة المعنوية
الخذة بمجامع قلوب الناس والمؤمنين وهي قدرة المرجعية والزعامة الدينية، الامر الذي
يثلج قلوب الاعداء الذين نالوا ما نالوا لحد الن من هذه الزعامة، والتاريخ خيرشاهد
على ما نقول.
ولطالما كان السيد البروجردي (قدس سره) ينصح تلامذته،
وكان يؤكد على ان ينصح الاستاذ طلبته فيما يخص
الدراسة وتزكية النفس في ابتداء درسه او آخره؛ وذلك
ليخرجهم من حال الغفلة. وانا اذكر لكم بعض تلك النصائح:
ـ
في احد الايام جاء (قدس سره) الى مجلس الدرس وارتقى
المنبر، ونظر الى الجمع الغفير من الحاضرين فقال: «لقد
شاهدنا في مدة عمرنا كثيرا من امثال هذا الحضور في امثال
درس الآخوند الخراساني، حيث كان يحضر درسه ما يفوق الالف
طالب،ولكن الذين كانوا يفهمون مراده لا يتجاوزون المئة
وخمسين شخصا، والذين يناقشون ويشكلون بشكل صحيح لا
يتجاوزون الثلاثين، مع ان المشهور والمعروف في الاوساط
العلمية ان المجتهدين من حضار درسه كانوا اربعمئة مجتهد».
ـ
ومن تاكيداته ونصائحه ايضا قوله (قدس سره): «انني منذ
شروعي في الدراسة والى الن لم اتوان في امر تحصيل العلم،
وقدوصلت الى ما وصلت اليه، فكيف بكم انتم الذين تدرسون
ولكن من غير تفرغ وانكباب في الدراسة وطلب العلم، فالى
اين تريدون الوصول؟!». وهكذا هو امر الحوزة اليوم، الكثير
يدرس ولكن من غير تفرغ وانشغال تامين في الدرس.
ـ
ومما كان يذكره ايضا قوله (قدس سره): «ان حقيقة الاسلام
هي التي حفظت الاسلام وتحفظه، واما نحن فلم نقدم
للاسلام شيئا». ان من العجب ان يسارع احدنا فيما لو مرض هو او احد ابنائه الى علاجه، ولكننا نغفل عن علاج انفسنا، فكلنا مرضى، وقلمايتفق لغير المعصوم الا يكون مبتلى باحد الامراض الروحية، وكل من يتنكر لذلك فانه لم يعرف نفسه، وهو مغرور وجاهل جهلا مركبا. لا اقول كم هو عدد الكمل واهل التهذيب والتزكية! ولكني اقول: كم هو عدد من يفكر بتزكية نفسه وعلاج روحه! فان المنشا في تمام مصائب الدنيا - ولا اقول مجتمعنا هو هذه الامراض الروحية.. طلب القدرة.. طلب السيادة.. طلب الجاه.. طلب الثروة والاستئثار بها. والله در ذلك العبد الصالح الذي كان يتلو (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة...)؛ اي ابتغ فيما آتاك الله من العلم والمال والعزة والمقام وغير ذلك، ابتغ بذلك الدار الآخرة واجعلها وسيلة لها لا غير.
وكما قلت فان تزكية النفس دخيلة في كل شيء؛ في طلب
العلم وفي التبليغ والدعوة وفي الافتاء، وهكذا في القضاء لابد
ان يكون القاضي عزيز النفس، ويعرف ماذا يريد ان يقول،
وكيف يريد ان يقضي، لا يرتشي ولا يخدع.
ان اصلاح امر القضاء لا يكون اصلا وابدا الا بتزكية النفس لا غير، الخوف من الله هو الذي يردع القاضي من ان يفكر ويخطط
في الليل كيف يرتشي غدا ويبطل حقا ويضيعه، فالوازع
الداخلي خير ضمانة في السر والعلانية لاجراء التكاليف الالهية،
وهذاالوازع ينشا من الاعتقاد الحقيقي بالمبدا الاعلى ومن
تصفية النفس وتهذيبها من الرذائل التي هي المنشا في كثير
من المعاصي.
اذا، لابد من نهضة وحركة وسعي في الحوزة العلمية في
المجال العلمي والاعتقادي والاخلاقي، والا ستفشل كثير من
الاعمال. ان طالب العلم اذا كان مهذبا فانه سوف يجد في
دراسته ولا يهدر وقته، ويكون قانعا لا يطلب المال لاجل المال، فالمال عنده ليس هو الهدف النهائي، هدف الطالب المهذب
هو هداية الناس وتعليمهم، والعلم والمال كلاهما وسيلة
للهداية، ولكنه لابد ان يكسب المال حتى يحفظ حياته ويؤدي
دوره في التبليغ، فما يكسبه او يحصله من مال انما هو وسيلة
لا غاية. ان امر التزكية دخيل في كل مجال وصعيد؛ في التبليغ وفي الافتاء وفي غير ذلك. ان من يبلغ درجة الاجتهاد لا ينبغي له ان يعجل في التصدي، بل لابد ان يلحظ حاجة الناس؛ لان في التصدي ارتكاب الخطا الذي هو في غنى عنه، فليس المنصب الا ان تاخذ من هذا وتعطي لهذا، وفي كل ذلك حساب وسؤال، فما بال اللبيب ان يلقي بنفسه في مثل هذه المخمصة؟!
فقه اهل بيت: في الختام نشكر لكم مشاركتكم في هذا الحوار. شكرا جزيلا. للانشطة العلمية في الحوزة على مدار الفصل
ندوة لنقد ودراسة فكر الدكتور الذهبي اعداد: التحرير
انعقدت الندوة المذكورة برعاية مؤسسة القرآن للابحاث التابعة
للحوزة العلمية، وقسم تدريس علوم القرآن والحديث،ومركز
الدراسات والابحاث في مدرسة الامام الخميني (قدس سره).
تصدرت الندوة كلمة لسماحة آية الله الشيخ هادي معرفة - دام
ظله صرح فيها بان احد الاعمال القيمة والعلمية هو نقد
الفكرالاسلامي خصوصا للعلماء المعاصرين.
ثم قال: على المحقق ان يكون مولعا بالعلم محبا له، وليس
هدفه من ذلك نفسه، والا فهو ليس بمحقق. واضاف: ان الاسلام يتوقع من المسلمين ما هو ابعد من التعبد، الا وهو درك القرآن الكريم والتدبر في حقائقه، وهذه الحرية لم يعطها اي دين آخر. ثم قال: يقول الكاتب جرجي زيدان في موسوعته الروائية - عندما يتحدث عن العهد العباسي وعن المامون بالتحديد -: «انه كان لا يقبل شيئا الا اذا اقيم عليه برهان الى ان يقول:... ولذا كان شيعيا». ومعنى ذلك ان الشيعة هي الفرقة الوحيدة التي لا تقبل شيئا الا ببرهان، فهل نحن كذلك؟! وفيما يتعلق بالدكتور الذهبي قال: في رايي ان الدكتور محمد حسين الذهبي رجل محقق قرا جميع الكتب وطالعها بدقة، لكن الذي لا ينقضي منه العجب انه لماذا لم يستخدم المنهج العلمي في التعامل مع الشيعة؟! فعندما يريد ابداء رايه في تفاسير الشيعة - مثلا يقول: «لننظر الى بعض الفرق التي نسبت نفسها الى الاسلام». لماذا يعتبر الشيعة من الفرق التي نسبت نفسها للاسلام؟! وحول تفسير الشيخ محمد جواد البلاغي (قدس سره) - الرجل الذي حارب التبشير وابتهجت كنائس الغرب برحيله وكان يعطي معاشه الذي هو عبارة عن قرانين الى صائغ يهودي ليعلمه اللغة العبرية، والذي وافاه الاجل قبل اتمام تفسير سورة النساء - يقول الدكتور: «انه انتهى به التفسير الى الآية (56) من سورة النساء، وهي قوله تعالى: (ان الذين كفروا بياتنا سوف نصليهم نارا... ليذوقوا العذاب ان الله كان عزيزا حكيما)»، في حين انه انتهى الى الآية (57) من السورة نفسها، وهو قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها اءبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا)!! وبين يديك الجزء الثالث من «التفسير والمفسرون» الذي شحنه من اوله الى آخره في الكلام عن الشيعة، حيث جمع وتمت طباعته بعد وفاته.
واضاف قائلا: يعتبر الدكتور الذهبي استاذا في نقد الكتب
واعطاء صورة عنها، لكنه عندما يحاول بيان وتحليل
المسائل القرآنية الاصلية نجده يفتقر الى القدرة العلمية.
انه يعتبر التفسير بالراي بمنزلة اعمال النظر فيه، فيقول: «التفسير بالراي يعني اعمال النظر في التفسير»، في حين
ان التفسير على نحوين: نقلي يعتمد النص، ونظري يعتمد
على اجتهاد المفسر واعمال نظره. ثم يعقب ويقول: «وهو
على نوعين: ممدوح ومذموم»، وهذا خطا منه؛ لان التفسير
بالراي ليس بمعنى الاجتهاد اي جعل المفسر رايه تفسيرا
للقرآن؛ فقد ذهب اسلافه والكثير من العلماء والمحققين الى
ان التفسير بالراي الممنوع منه على قسمين: أحدهما: الاستقلال في التفسير من دون معرفة شان النزول واقوال السلف فيه. والآخر: تحميل رايه بان يجعل رايه تفسيرا،نظير تفاسير اهل البدع.
ثم اضاف سماحته: ان راي الدكتور الذهبي في بطن القرآن -
الذي قال فيه النبي (ص): «ان للقرآن بطنا وظهرا» وفسره
الامام الباقر بان «ظهره تنزيله، وبطنه تاويله» - هو انه بالمعنى
الذي فسرته الباطنية (الاسماعيلية) وهو تفسير القرآن بالراي، ومن ثم حمل الكثير من تفاسير الشيعة على هذا المعنى. ثم تحدث حجة الاسلام الدكتور مؤدب قائلا: ان الدكتور محمد حسين الذهبي من محققي علماء السنة، ومن الاوائل في استخدام المناهج التفسيرية، وممن الف كتبا في ذلك. وقد تناول في كتابه «التفسير والمفسرون» ابحاث تاريخ التفسير والمناهج التفسيرية في الفترة ما بين زمن النبي (ص) وحتى عهد التابعين، وذكر خصائص التفسير بالماثور مفصلا، كماتطرق الى التفسير بالراي والى تحليل ادلة الطرفين والمنهج التفسيري لدى المفسرين من اهل السنة وسائر الفرق الاسلامية. بعد ذلك تحدث الدكتور رضائي مبينا خصائص الكتاب وما يمتاز به من نقاط قوة، ثم تعرض الى نقاط الضعف فيه التي من جملتها: عدم استناد آرائه الشخصية على اساس..ضعف الاستدلال فيه..التعصب الشديد.. الانا الحاكمة في التفسير.. العداء للشيعة وائمة اهل البيت(ع).. عدم المعرفة الكافية بالتفاسير خصوصا المعاصرة منها..الخلط بين الشيعة والمعتزلة.. وغيرذلك. الندوة العلمية لرابطة الباحثين في علم التاريخ بالتعاون مع مؤسسة التحقيق التابعة للحوزة والجامعة، انعقدت الندوة العلمية السادسة في معاونية التحقيق التابعة للحوزة العلمية بقم المقدسة حول «الاجتهاد والتقليد». وقال سماحة الشيخ رسول جعفريان الذي تحدث عن تاريخ الاجتهاد: ان كل مفهوم من المفاهيم الدينية يمر بادوار تاريخية متعددة نظرا لما يطرا عليه من تحولات وتطورات نتيجة تاثره بعوامل مختلفة، كالقرآن الكريم والسنة المطهرة والسيرة والصحابة. واضاف: ان التعرض الى تاريخ الاجتهاد والتقليد يعتبر ضرورة ملحة؛ وذلك لما لهما من تاثير في مسار الفكر السياسي الشيعي، وايضا لان البعض حكم على الاسلام بانه اسلام تاريخي، معتقدا ضرورة العودة الى الاسلام في فجره الاول، ومعتبرا هذه التحولات والتطورات (الاجتهاد والتقليد) مؤثرة سلبا على الثقافة الدينية. لكن هذا التصور خاطئ؛ باعتبار ان الاديان كلها فيها تطور وفيها اجتهاد، وان ذلك متصور في جميع المجالات. ثم قارن سماحته بين المرجعية في المنظور الشيعي وبينها في المنظور السني، فقال: ان المرجع عندهم يقصد به العالم الذي وظيفته اصدار الفتاوى، بينما الامر يختلف عندنا؛ فالمرجع الى جانب تلك الوظيفة يكون له نوع حاكمية وزعامة ايضا بصفته نائبا لصاحب الامر عجل الله تعالى فرجه.
ثم تعرض سماحته الى الاجتهاد وانه مر بثلاث مراحل: دورات تعليمية في مجال علم الفلك
قال مدير مركز الدراسات والبحوث الفلكية التابع لمكتب آية
الله العظمى السيد علي السيستاني - دام ظله - في قم المقدسة
لبعض المراسلين: ان المركز خرج (950) طالبا في العام
الحالي، كما انه افتتح ايضا دورات تعليمية عامة للشباب.
واضاف: لقد بلغ مجموع المتخرجين من المركز (2000)
طالب، تشكل الاناث منهم 60%، والذكور 40%. وقد اقام المركز
في العام الماضي دورة تعليمية لطلاب المتوسطة بلغ عددهم
(1200) طالب ثم قال: ان المركز المذكور مجهز بعدد
من التلسكوبات الكومبيوترية واجهزة متطورة لتصوير الفضاء،
بالاضافة الى مكتبة تخصصية تضم ثلاثة آلاف كتاب
باللغات العربية والفارسية والانجليزية.
اسقف الفاتيكان الاعظم
أثنى الاسقف الاعظم في زيارته للمراكز العلمية والثقافية في
قم المقدسة على المساعي التي تبذلها الجمهورية الاسلامية
في مجال البحث العلمي والحوار بين الاديان، وكان ضمن
برنامج زيارته لقم المقدسة التعرف على مكتبة آية الله السيد
المرعشي النجفي الكبرى ومؤسسة الاديان والمذاهب.
وقال في لقاء صحفي معه: لم نكن نتوقع ان تكون نشاطات
واعمال المراكز البحثية في قم في مجال الاديان المختلفة
بهذا الحد؛فان هذا الامر يستحق كل تقدير وثناء.
ثم اثنى على الخدمات الجليلة التي قدمها المرحوم آية الله
العظمى المرعشي النجفي للطبقة المثقفة خصوصا لبلاد
الاسلام،فقال: ان جهاد هذا العالم دليل على علمه وايمانه
الراسخ، وهذا الحب والايمان هما اللذان يقودان المجتمعين
المسلم والمسيحي الى مستقبل افضل.
هذا وقد ابدى استعداد بلاده لتبادل النشاطات العلمية
والثقافية مع مراكز الابحاث ومؤسسات التحقيق في قم
المقدسة.
فتحت «جامعة القرآن الكريم» بقم المقدسة ابوابها امام المئات
من طلاب العلوم الدينية للمشاركة في دورة خاصة
ومكثفة لتحفيظ القرآن الكريم يمنح المتخرج منها شهادة
دولية في حفظ القرآن الكريم.
ومن خصائص هذه الدورة ايضا الى جانب التعريف بالقرآن
الكريم: تدريس عدد من حفاظ القرآن الكريم..الاستفادة
من الطلاب الممتازين للتدريس في بعض تخصصات الجامعة
المذكورة.. الاستفادة من توجيهات وآراء بعض ذوي
الاختصاص من الحفاظ والاساتذة من خارج البلاد.
هذا وقد بلغ عدد المقبولين في هذه الدورة (600) طالب تم
قبولهم على مراحل متعددة.
المؤتمر العالمي
برعاية واهتمام من منظمة الاعلام الاسلامي التابعة للحوزة العلمية بقم المقدسة، وبدعم واسناد من المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية والمجمع العالمي لاهل البيت(ع) والمركز العالمي للعلوم الاسلامية ومؤسسة رعاية شؤون الحوزات والمدارس خارج البلاد، سوف ينعقد في الثالث من صفر عام 1426ه المؤتمر العالمي للعلامة السيد شرف الدين في جمهورية ايران الاسلامية، وفي جمادى الآخرة من نفس العام في لبنان، وذلك بمناسبة ذكرى مرور خمسين عاما على رحيل الامام شرف الدين (قدس سره).
وتتلخص اهم نشاطات المؤتمر المزمع انعقاده بقم المقدسة
بما يلي:
2- بيان اهداف انعقاد المؤتمر والتي من اهمها: بيان سيرة
الامام شرف الدين ودوره السياسي والاجتماعي في البلاد
الاسلامية.. عرض جوانب من الفكر الاصلاحي للامام شرف
الدين.. ترسيخ ودعم فكر اهل البيت (ع) باعتبارهم القدوة
والاسوة الحسنة للاجيال والمؤسسات الدينية.
|