صفحه بعد

 

صفحه قبل

ودعوى: ان الرؤية طريق الى المرئي وهو الهلال، واما الشهر فيمكن ان تكون رؤية الهلال ولو في الجملة ومن قبل بعض الناس شرطا ثبوتا في تحققه ودخيلا بنحوالموضوعية فيه، فلا يكفي وجود الهلال - حتى في افق البلد - لتحقق الشهر ما لم تتحقق الرؤية للهلال في الجملة.

مدفوعة - مضافا الى كونه خلاف الفهم العرفي واللغوي لعنوان الشهر، حيث يقال: هذاهلال شهر رمضان او شوال؛ مما يكون ظاهرا في ارتباط الشهر بواقع الهلال لا برؤيته اوالعلم به، ومضافا الى انه لا يثبت قول المشهور؛ اذ لاحد ان يقول حينئذ بكفاية رؤيته في بلد واحد لتحقق عنوان الشهر، بعد ان لم تكن رؤية كل مكلف مكلف لازمة في تحقق الشهر له -: بان لازم ذلك عدم تحقق الشهر وعدم صدقه عرفا ولغة اذا لم ير الهلال اصلا حتى اذا علم بوجوده في الافق بنحو قابل للرؤية لولا المانع من غبار او غيم او رئي في ليلة التاسع والعشرين من الشهر، مع انه لا اشكال في تحقق الشهر بذلك حتى عرفا، فلا يتوهم امكان كونه من باب التعبد والتنزيل؛ فانه لا مجال له في المفاهيم العرفية، وانما يعقل بلحاظ الاحكام الشرعية كما هو مقرر في محله، فلابد وان يكون ثبوت الهلال وبلوغه مرتبة من الرشد هو تمام الموضوع لعنوان الشهر لا رؤيته او العلم به.

ب - ولو اريد اخذ الرؤية بنحو الموضوعية في الحكم الشرعي بوجوب الصوم وانتهائه - وان كان الشهر امرا واقعيا - ويدعى انها ماخوذة على نحو الطريقية موضوعالوجوب الصوم والافطار لا على نحو الصفتية فتقوم الحجج والامارات الاخرى التعبدية مقامها على القاعدة - بناء على قبول هذه الكبرى وان كانت محل اشكال على ما قررفي محله - ويقال باستفادة هذا المعنى من روايات الامر بالصوم والافطار للرؤية.

فالجواب - مضافا الى ان هذا خلاف ظاهر آية تشريع الصوم الظاهرة في ايجاب صوم لواقع شهر رمضان والروايات الكثيرة الظاهرة ايضا في ان موضوع الوجوب والتكليف الواقعي بالصوم انما هو شهر رمضان، وهذا كاف لحمل الرؤية في هذه الروايات على الطريقية المحضة لا الموضوعية خصوصا مع القرائن العامة والخاصة التي تقدمت الاشارة اليها. ومضافا الى ان هذا لا يثبت قول المشهور؛ لان غايته اخذ العلم او رؤية الهلال في موضوع وجوب الصوم، اما ان الشهر لا يكفي فيه رؤية الهلال في بلد آخر فلاينفيه، فيكفي حينئذ العلم بدخول الشهر وطلوع الهلال في بلد آخر لوجوب الصوم، وهو خلاف مقصود المشهور -: ان هذا المعنى لا يجتمع مع وجوب قضاء يوم لم يكن للمكلف طريق فيه لاثبات شهر رمضان بل قام الطريق القطعي او الحجة الشرعية عنده على عدم كونه من شعبان ثم تبين الخلاف بعد مضي اليوم؛ فانه لا شك في وجوب القضاء عليه، وهذا لا يكون الا مع فرض فعلية الوجوب الواقعي في حقه وتحقق الفوت منه وان لم يكن منجزا عليه، وهذا يعني ان وجوب صوم رمضان ليس موضوعه الا واقع الشهر لا الشهر المعلوم.

وحمل دليل القضاء على التعبد والتنزيل منزلة القضاء خلاف ظهور عنوان القضاء في جبران وتدارك الواجب الفائت حقيقة.

على ان الفقهاء لم يختلفوا في كون موضوع الوجوب انما هو شهر رمضان لا شهررمضان المعلوم او الذي قام عليه طريق معتبر، وانما الخلاف بين المشهور والمخالفين في ملاك تحقق الشهر وصدقه، كما انه لا خصوصية لاحكام شهر رمضان ولياليه عن غيره من الشهور والايام، كحرمة صوم عيدي الاضحى والفطر، او سائر احكام اول الشهر وآخره، ونحو ذلك.

فلا محيص من الالتزام بكون الرؤية طريقا محضا الى واقع الشهر الذي هو تمام موضوع وجوب الصوم ايضا، غاية الامر هذا لا يعين ما ذهب اليه الاستاذ من لزوم وحدة الشهرفي تمام ال آفاق، كما لا يكفي لنفي ما عليه المشهور من امكان ان يكون لكل افق وبلدشهره - اي نسبية عنوان الشهر حسب اختلاف ال آفاق - لان هذا الامر الواقعي يحتمل فيه احتمالات ثلاثة:

1 - ان يكون عبارة عن خروج القمر عن المحاق والذي يدعي الاستاذ - وهوالمطابق لكلمات الفلكيين - انه امر دفعي واحد بالنسبة الى الكرة الارضية بتمام اصقاعها.

2 - ان يكون عبارة عن بلوغ الهلال مرتبة من الظهور والنور بحيث يمكن ان يرى في اول نقطة وبقعة واحدة من بقاع الارض بنحو صرف الوجود، سواء اشترطنا فعلية الرؤية - خلافا للاستظهار المتقدم - او اعتبرنا امكانية الرؤية بمعنى بلوغ الهلال في نفسه تلك المرتبة من النورانية والظهور، فانه على كلا التقديرين يكون هذا المعنى امراواقعيا دفعي؛ لان صرف الوجود بهذا المعنى لا يتكرر بل يحصل لجميع البقاع دفعة واحدة.

3 - ان يكون عبارة عن بلوغه مرتبة يمكن ان يرى في افق البلد او ما يتفق معه في الافق لا في اي بلد. وهذا امر نسبي يختلف تحققه من بلد الى بلد آخر اذا لم يكونا متفقين في الافق.

وهكذا يتضح ان طريقية الرؤية لا تعين مدعى الاستاذ ولا تنفي مدعى المشهور، كما ان موضوعية الرؤية لا تنفي قول الاستاذ ولا تعين فتوى المشهور، فلا يتعين على القائلين بقول المشهور ان يستظهروا موضوعية الرؤية ودخلها لا في مفهوم الشهر ولا في الوجوب الواقعي لصوم شهر رمضان؛ ثم يتكلفوا عناية التنزيل والحكومة والتعبدات التعسفية الغريبة والبعيدة عن الذوق الفقهي السليم في دفع النقوض الواردة عليهم؛ لانه لا تتوقف فتوى المشهور على شيء من ذلك اصلا، بل يمكن الجمع بينها وبين واقعية الشهر وموضوع وجوب الصوم - الذي هو امر ينبغي ان يكون مسلما - بالنحوالمذكور في الاحتمال الثالث. بل لعل صريح عبائر جملة من المشهور - على ما ستاتي الاشارة الى بعضها - هذا المعنى لا موضوعية الرؤية؛ حيث عبروا بان طلوع الهلال الذي به يتحقق الشهر يكون في كل بلد على حد طلوع الشمس والفجر والزوال وكسوف الشمس وخسوف القمر، ولا شك في كون هذه الامور واقعية لا دخل للعلم والرؤية فيها، ولكنها نسبية تختلف من افق الى افق آخر.

الاحتمال الثالث وبيان تقريبه:

ولكن يبقى عندئذ السؤال عن كيفية استفادة هذا الاحتمال من روايات الامر بالصوم للرؤية والافطار للرؤية والتي هي عمدة مستند المشهور؟

وهذا قد يقرب باحد بيانين:

الاول - التمسك باطلاق المفهوم فيه؛ حيث انها علقت الامر بالصوم والافطار على رؤية الهلال، فيدل على انه مع عدم الرؤية لا يجب الصوم والافطار.
وهذا مطلق يشمل ما اذا رئي الهلال في بلد آخر بعيد وعلم به المكلف ايضا،فيستكشف منه انه لا يكفي ذلك لتحقق الشهر شرعا.

الثاني - لا اشكال في دلالتها على ان الميزان في دخول الشهر وعدمه اثباتا رؤية الهلال وعدمها، وهذا يدل عرفا - بعد كون الرؤية طريقا محضا - على ان الميزان ثبوت المرئي وعدمه في افق الرؤية ومكانها وهو طلوع الهلال وامكان رؤيته فيه وعدمه، فمع عدم طلوعه - بمعنى عدم بلوغه مقدارا يمكن رؤيته في ذلك المكان - يكون الموضوع منتفيا لا محالة واقعا.
وكلا البيانين غير تام.

مناقشة البيان الاول:

اما الاول منهما فللمنع من هذا الاطلاق بعد فرض حمل الرؤية فيها على الطريقية؛ لان هذا معناه ان ما هو موضوع الحكم ويدور مداره انما هو الشهر القمري بوجوده الواقعي،والرؤية جيء بها للتاكيد على لزوم احرازه والتثبت من دخوله كما هو صريح او ظاهركل او جل هذه الروايات حيث جعلت ذلك في قبال الاخذ بالراي او التظني او بقول المنجمين والحساب ونحو ذلك. وهذا يعني ان الجهة المسوقة لها هذه الروايات هي بيان الوظيفة العملية والحكم الظاهري عند عدم احراز دخول الشهر والشك فيه، فكانه قال: «لا يجب الصوم ما لم يعلم بدخول الشهر برؤية الهلال ولا يجب الافطار بل يجب الصوم ما لم يعلم بدخول شوال»، ومفهومه ليس اكثر من انه مع عدم الاحراز والشك فيه يحكم ببقاء الشهر السابق، وهذا حكم ظاهري لا محالة؛ لاخذ عدم العلم في موضوعه، فلا يكون لمفهومه اطلاق الا لحالات الشك والتردد في تحقق الشهر، ولهذا لوعلم بدخول الشهر وتحققه مع عدم رؤيته في البلد وانما علم بذلك من خلال رؤية في بلد آخر يعلم بالملازمة ووحدة الافق بينهما او من رؤيته ليلة التاسع والعشرين او غيرذلك يعلم بالتلازم في الرؤية بينهما لم يكن مشمولا لهذه الروايات؛ لا من باب التقييدوالتخصيص بل من جهة عدم الاطلاق فيه؛ بالنكتة التي اشرنا اليها.

فالحاصل: ان حمل الرؤية على الطريقية المحضة موجب لظهور الروايات في كونهابصدد بيان الوظيفة الظاهرية التي موضوعها الشك وعدم احراز دخول الشهر عند عدم رؤية الهلال، فيكون الشك وعدم العلم بالموضوع - وهو دخول الشهر - ماخوذا قيدافي مفهومها، فلا يمكن ان يستفاد من اطلاق مثل هذا الحكم الظاهري المقيد بالشك في موضوع الحكم عدم تحقق ذلك الموضوع واقعا، كيف؟! وهذا يلزم منه الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي، بل يلزم من وجوده عدمه وهو انتفاء موضوع الاطلاق والحكم الظاهري، وكل شيء يلزم من وجوده عدمه فهو محال.

نعم لا نضايق من اطلاق هذا الحكم الظاهري للشبهتين الموضوعية والمفهومية مع؛بمعنى انه لو فرض بقاء الشك لدى الفقيه في كفاية رؤية الهلال في بلد لثبوته في سائرالبلاد ولم يمكنه حل هذه الشبهة ولم يحصل له الجزم بحدود المفهوم ايضا تكون الوظيفة الظاهرية في حقه ذلك، الا انه كحكم ظاهري دائر مدار بقاء الشك في مفهوم الشهر القمري، ولا يمكن ان نثبت به عدمه واقعا وعدم كفاية الرؤية في بلد آخرلتحققه؛ فانه خلف وتهافت.

هذا مضافا الى امكان دعوى ان المراد من الرؤية في الروايات الاعم من رؤية المكلف نفسه او رؤية الآخرين اذا كانت قطعية كموارد الشياع، او ثابتة بالحجة الشرعية كمواردالشهادة المعتبرة في الهلال، وعندئذ يكون مقتضى اطلاق المنطوق شمول رؤية الهلال من قبل الآخرين في البلاد الاخرى قريبة كانت او بعيدة، ويكون هذا الاطلاق رافعالموضوع اطلاق المفهوم والوظيفة الظاهرية، فتكون الروايات دالة على القول الآخرالذي اختاره الاستاذ(قده) كما لا يخفى. وسياتي مزيد توضيح لهذا الوجه عند التعرض لادلة القول الآخر.

نعم لو كان الوارد في الروايات تقييد الرؤية بالبلد كما اذا قال: «صم للرؤية في بلدك»، امكن ان يقال بظهورها حينئذ في اشتراط طلوع الهلال وامكان رؤيته في بلد الرؤية والاكان القيد لغوا. وهذا القيد لابد وان يرجع الى الموضوع والحكم الواقعي وهو المرئي ولاربط له بموضوع الحكم الظاهري، فيستفاد منه ان موضوع الحكم انما هو امكان الرؤية او طلوع الهلال في مكان الرؤية، الا ان هذا القيد لم يرد في شيء من الروايات. ومجرد كون رؤية المكلف في بلده ومكانه عادة لا يعني تعليق الحكم عليه وتقييده به ليتم الاستظهار المذكور، وهذا واضح.

هذا كله في دفع البيان الاول؛ وهو التمسك باطلاق الروايات.

مناقشة البيان الثاني:

واما البيان الثاني فدلالة الروايات على ان الميزان بثبوت المرئي وعدمه وان كان تاما لانه مقتضى طريقية الرؤية، الا ان ظهورها في كون الميزان وجود المرئي - وهو الهلال -في افق الرؤية ومكانها ممنوع، بل لعله اعم من ذلك ومن ثبوته في افق آخر قريب اوبعيد؛ فان طريقية الرؤية لا تقتضي اكثر من ان الهلال لو كان ثابتا كان الموضوع محقق؛ اما انه بخصوصية كونه في ذلك المكان والافق يكون موضوعا، او بجامعه الاعم من وجوده هناك او في افق آخر، فكلاهما منسجم مع طريقية الرؤية.

واما عدم الرؤية فلم يجعل في الروايات طريقا للعدم، وانما هو موجب للشك في تحقق الموضوع وجريان الوظيفة الظاهرية كما شرحنا. نعم لو قيدت الرؤية بالمكان وبلدالرؤية كان ظاهرا في اخذ الخصوصية قيدا في المرئي والموضوع الواقعي للحكم، ولكنه تقدم عدم دلالة شيء من الروايات على ذلك.

وهكذا يتضح ان ما قد يتوهم من ان مقتضى الاطلاق في روايات «صم للرؤية وافطرللرؤية» صحة قول المشهور، غير تام، وانه لا يمكن ان نثبت بهذا الاطلاق ما يتحقق به الشهر العرفي ثبوتا، او ان الشهر الشرعي يختلف عن العرفي واضيق منه وانه يشترط فيه امكان رؤية الهلال في البلد، فان هذا خارج عن الجهة التي سيقت الروايات لبيانهاوهي وظيفة المكلف عند الشك.

فلو كان مقصود المشهور المتمسكين بهذا الاطلاق اثبات هذه الوظيفة الظاهرية في الشبهة الحكمية المفهومية - اي عند الشك في مفهوم الشهر للشك في كفاية رؤية الهلال في بلد آخر لثبوته في كل بلد - فهذا مطلب صحيح قابل للقبول؛ بدعوى شمول الروايات للشبهة الموضوعية والحكمية معا بالاطلاق او بعدم احتمال الفرق في الوظيفة الظاهرية الاستصحابية، الا ان الذي يثبت بذلك ليس اكثر من حكم ظاهري استصحابي يرتفع اذا تم احد امرين:

1 - ان يثبت - كما سياتي في البحث القادم - كفاية رؤية الهلال في بلد لثبوته في سائر البلاد عرفا، وصدق الشهر بذلك خارجا، فان الحكم بالصيام ونحوه لا اشكال في ترتبه على عنوان شهر رمضان وشهر شوال وهكذا، وهي عناوين واقعية عرفية، فلو احرزنا صدق مفهومها لم يبق مجال للحكم الظاهري الاستصحابي المذكور؛ لارتفاع موضوعه لا محالة.
ولا يمكن اثبات ان الشهر الشرعي اضيق مفهوما من العرفي باطلاق هذا الحكم الظاهري، بل لعل العكس اولى كما اشرنا.

2 - ان تتم دلالة بعض الروايات على كفاية رؤية الهلال في بلد لثبوته في سائر البلادمتحدة معه من حيث ال آفاق او مختلفة، فان هذا الاطلاق لو تم كان دليلا على ان الموضوع الواقعي هو الاعم على ما سياتي.

وهذا يعني ان المنهج الفني للبحث يقتضي تنقيح هذين الامرين، فاذا تم شيء منهما ثبت كفاية رؤية الهلال وطلوعه في بلد لدخول الشهر في سائر البلدان ايضا عرفا اوشرعا، واذا لم نجزم بشيء منهما وبقينا شاكين في مفهوم الشهر وكفاية رؤيته في بلد لتحققه في سائر البلاد، كان مقتضى الوظيفة الظاهرية الاستصحابية بقاء حكم الشهرالسابق - اي عدم الصوم وعدم الافطار - لا الحكم بعدم تحقق الشهر واقعا، وبينهما فرق واضح.

كلمات المشهور واستدلالاتهم:

ولا باس بالتعرض فيما يلي لجملة من كلمات المشهور واستدلالاتهم فنقول:

قال المحقق الاردبيلي(قده) بعد نقل عبارة المبسوط المتقدمة:
ووجهه - اي لكل بلد حكم نفسه - ظاهر بعد الفرض؛ لانه اذا نظر وما راى في هذاالبلد ورئي في بلد آخر يصدق عليه انه ما راى فيفطر؛ لصدق الادلة المفيدة انه ليس من الشهر في هذا البلد، فلا تنفع الرؤية في بلد آخر لاهل هذا البلد، ولا يستلزم الصدق مع انه علم بالفرض من مخالفته المطالع عدم استلزام امكان الرؤية هنا، بل قد يكون ممتنعا، فلو لم يكن يلتفت اليه قد يلزم صوم اقل من تسعة وعشرين يوما. وبالجملة، ينبغي النظر اليه كما في اوقات الصلاة؛ فان طلوع الفجر في بلد لا يستلزم ايجاب صلاة الفجر في بلد لم يطلع وان علم ذلك بالدليل او بالشهود انه قد طلع الفجر هناك هذا الوقت((133)).

أقول: اما ما ذكره من انه «اذا نظر وما راى في هذا البلد ورئي في بلد آخر يصدق عليه انه ما راى فيفطر؛ لصدق الادلة المفيدة انه ليس من الشهر في هذا البلد، فلا تنفع الرؤية في بلد آخر لاهل هذا البلد، ولا يستلزم الصدق» فهذا تمسك بالاطلاق المتقدم في التقريب الاول، وقد عرفت ما فيه من الضعف.

واما ما ذكره من انه «علم بالفرض من مخالفة المطالع عدم استلزام امكان الرؤية هنا، بل قد يكون ممتنعا» فجوابه ظهر مما تقدم ايض؛ فان عدم استلزام الرؤية في بلد لامكانها في بلد آخر انما يمنع عن تحقق الشهر فيما اذا كان الماخوذ في مفهومه امكان الرؤية في كل بلد بخصوصه، فيكون الشهر امرا نسبيا باختلاف البلدان والامكنة، بل قد يكون نسبيا ايضا بلحاظ الازمنة؛ لان امكان الرؤية في كل شهر قد يختلف عنه في الشهر الآخر بلحاظ البلدين.

واما اذا قيل بان الماخوذ في مفهوم الشهر الرؤية في اي بلد يشترك مع البلد الآخر في الليل فهو صادق لا محالة، ولا يكون نسبيا بهذا النحو، بل يكون الشهر في نصف الكرة الارضية المشترك في الليل مع نقطة الرؤية متحققا دائما، بخلاف النصف الآخر منها الذي يكون نهار؛ فانه لا يكون ذلك النهار نهار الشهر الجديد، بل نهارهم الآخر يكون اول الشهر الجديد.

وهذا التنصيف وان كان مختلفا من شهر الى آخر بحسب نقاط الكرة الارضية الا انه ملاك ومعيار تكويني واقعي وليس مربوطا بالتواضع والتسمية الجغرافية على ما سياتي مزيد توضيح له.

واما ما ذكره بقوله: «فلو لم يكن يلتفت اليه قد يلزم صوم اقل من تسعة وعشرين يوما»فهذا غريب منه مع دقة نظره(قده)؛ فان الامر بالعكس؛ اذ لازم قول المشهور ذلك؛ حيث ان المكلف لو كان في البلد الذي لم ير فيه الهلال يوم الشك او لم يمكن الرؤية فيه فسوف يكون شهر رمضان غير متحقق في حقه واقعا على قول المشهور، فلا يجب عليه الصوم ولا القضاء، فلو سافر الى البلد الذي رئي فيه الهلال يوم الشك فاتفق انه راى ايضا بنفسه هلال شوال هناك ليلة التاسع والعشرين لكون الشهر ناقصا فيه، فان شهررمضان سوف يكون بالنسبة اليه ثماني وعشرين يوما واقعا، وهذا بخلافه على القول الآخر، فانه يحكم - بناء عليه - بدخول الشهر في البلد الاول ايضا من يوم الشك؛ لكفاية الرؤية في البلد الآخر بحسب الفرض.

وقد اطلعت على كلام منقول عن كتاب (استدراك على الفصل الثالث من تشريح الافلاك ص 24) للمحقق الشعراني(قده)، وكانه يحاول ايراد نفس هذا النقض الذي افاده المحقق الاردبيلي(قده) على هذا القول، حيث قال: «بل يمكن ان يصير شهر بالنسبة الينا ثمانية وعشرين يوما، مثلا رئي هلال رمضان في بلاد جاوة غروب يوم الجمعة وفي مراكش غروب يوم الخميس وهلال شوال في جاوة غروب يوم السبت وفي مراكش غروب يوم الجمعة بحيث كان شهر رمضان في كل منهما تسعة وعشرين يوما، فاذا اخذنا نحن هلال رمضان من بلاد جاوة بالتلغراف يوم الجمعة وهلال شوال من مراكش يوم الجمعة صار شهر رمضان بالنسبة الينا ثمانية وعشرين يوما، وهذا مما لا يكون».

ويلاحظ عليه:

أولا - اذا فرض رؤية هلال رمضان في مراكش غروب يوم الخميس لزم - على القول بكفاية ذلك - الحكم بدخول شهر رمضان من يوم الجمعة لا السبت، فلا يصح متابعة بلاد جاوة المتاخرة في الرؤية. بل على هذا القول يجب على بلاد جاوة نفسها ايضا الاخذبذلك اذا اشتركت مع مراكش في ليل الرؤية.

وثانيا - ان هذا الافتراض اساسا غير واقع خارجا من الناحية العلمية؛ لان مبداتكون الهلال يتاخر في كل شهر لاحق عن نقطة تكونه في الشهر السابق بمقدار (13) ساعة تقريبا، فلا يرى بعد (29) يوما في نفس تلك النقطة؛ لان دورة القمر حول الارض بلحاظ تنوره انما تكون في كل تسعة وعشرين يوما و (12) ساعة و (44) دقيقة، فاذا فرض ان مبدا تكونه بنحو قابل للرؤية في شهر رمضان غروب يوم الخميس في مراكش فلا يمكن ان يكون مبدا تكونه في شهر شوال غروب يوم الجمعة في مراكش ايضا، بل لا يرى فيه الهلال يقين؛ لكونه تحت المحاق لمدة (13) ساعة اخرى تقريبا، بل وقد لا يكون قابلا للرؤية لاكثر من ذلك.

ومنه يظهر جواب نقض آخر منقول عنه من نفس المصدر على هذا القول، حيث قال: «والمانع الثاني من التعميم انه ما من شهر تام في بلد الا ويمكن رؤية الهلال ليلة الثلاثين منه في بلد آخر، مثلا اذا كان في بلدنا غير قابل للرؤية غروب الجمعة فلا يبعد ان يصيرقابلا للرؤية بعد اربع ساعات في بلاد المغرب، فيصير لنا هذا الشهر ايضا ناقصا، فيتوالى ويكثر في السنة بالنسبة الينا الشهور الناقصة».

فان هذا اذا تحقق في شهر ففي الشهر الآخر لا يصير الهلال قابلا للرؤية الا بعد اكثر من(17) ساعة تقريبا في بلاد المغرب والذي يكون الوقت فيه نهارا في بلادنا، فيكون الشهر ثلاثين يوما لا محالة.
ولا باس بالاشارة هنا الى ان الفلكيين قسموا الشهر الى ثلاثة اقسام:

الاول - الشهر الوسطي او الزيجي: وهو بان يعد اول شهر قمري ثلاثين يوما ثم الشهرالثاني تسعة وعشرين يوما ثم ثلاثين وهكذ؛ اي مجموع الشهرين يكون تسعة وخمسين يوما.

الثاني - الشهر النجومي او الطبيعي: وهو دورة القمر بلحاظ نقطة معينة في الفضاءبالنسبة الى الارض ينطلق منها الى ان يعود الى نفس النقطة، وهذا يكون في (27) يوماو (7) ساعات و (33) دقيقة.

الثالث - الشهر الاقتراني او الاصطلاحي: وهو دورة القمر حول الارض بلحاظ اشكال تنوره من الشمس؛ اي دورة القمر من اقترانه مع الشمس الى اقتران آخر، وحيث انه تؤثر فيه حركتان: حركته حول الارض وحركة الارض السنوية حول الشمس، فبسبب ذلك يكون الدور هنا اطول من الدور في الدور النجومي فهو (29) يوما و (12) ساعة و(44) دقيقة.

قال ابو ريحان البيروني:

الشهر قسمان: طبيعي، واصطلاحي وضعه الناس. اما الطبيعي فهو مقدار ما يدور القمرمن نقطة كمن نجمة ما تبعد عن الشمس بجهة المشرق او المغرب الى ان يعود الى تلك النقطة والنجمة. واما الثاني فهو بلحاظ اشكال تنور القمر من الشمس، ولاعتيادالناس بتلك الاشكال وضعوا لفظة الشهر بازائها.
ومقدار الثاني تسعة وعشرون يوما ونصف يوم وشيء، فمجموع الشهرين يكون تسعة وخمسين يوما، فجعلوا احدهما ثلاثين والآخر تسعة وعشرين، وهذا تقدير وسطي((134)).

واما ما ذكره اخيرا: «وبالجملة ينبغي النظر اليه كما في اوقات الصلاة؛ فان طلوع الفجرفي بلد لا يستلزم ايجاب صلاة الفجر في بلد لم يطلع وان علم ذلك بالدليل او بالشهودانه قد طلع الفجر هناك هذا الوقت» فجوابه اوضح من ان يحتاج الى بيان؛ فان عنوان الفجر والزوال والغروب لا يمكن ان يكون الا نسبيا حسب مكان شروق اشعة الشمس فيه وغروبها، بخلاف عنوان الشهر، كما افاده الاستاذ مفصلا.

وقال فخر المحققين(قده) في شرحه على القواعد:
ومبنى هذه المسالة على ان الارض هل هي كروية او مسطحة؟ والاقرب الاول؛ لان الكواكب تطلع في المساكن الشرقية قبل طلوعها في المساكن الغربية، وكذا في الغروب، فكل بلد غربي بعد عن الشرقي بالف ميل يتاخر غروبه عن غروب الشرقي ساعة واحدة، وانما عرفنا ذلك بارصاد الكسوفات القمرية حيث ابتدات في ساعات اقل من ساعات بلدنا في المساكن الغربية واكثر من ساعات بلدنا في المساكن الشرقية، فعرفنا ان غروب الشمس في المساكن الشرقية قبل غروبها في بلدنا وغروبها في المساكن الغربية بعد غروبها في بلدنا. ولو كانت الارض مسطحة لكان الطلوع والغروب في جميع المواضع في وقت واحد، ولان السائر على خط من خطوط نصف النهار على الجانب الشمالي يزداد عليه ارتفاع القطب الشمالي والجنوبي وبالعكس((135)).

وواضح من هذا الاستدلال ان المسالة عند المشهور - كما افاد الاستاذ(قده) - مبتنية على قياس طلوع الهلال على طلوع الشمس وغروبها نتيجة كروية الارض ودورانها حول نفسها، وقد عرفت ان المسالة غير مبتنية على ذلك، بل مبتنية على امر آخر تقدم مفصلا فلا نعيد.

وقال بعض المعاصرين في شرحه لمنهاج الصالحين:
ولقائل ان يقول: ان المستفاد من الادلة ان الحكم بالصوم والافطار قد رتب على رؤية الهلال، غاية الامر الرؤية طريق الى ثبوت الموضوع وليست لها موضوعية في اثبات الحكم، فلو فرض عدم امكان الرؤية لم يكن الموضوع متحققا.
وبعبارة اخرى: الظاهر من الادلة ان الرؤية بنحو الطريقية امارة لكل صقع من بقاع الارض، ومع عدم امكان الرؤية يكون موضوع الحكم منتفيا، ومع انتفاء الموضوع لايكون الحكم متحققا.
والذي يدل على هذه المقالة ان العرف يفهم من نصوص الباب امكان الرؤية في كل موضع بالنسبة الى اهله لا رؤيته على الاطلاق، ولذا يكون هذا القول قولا غير مشهور، ويحتاج اثباته الى الاستدلال واقامة البرهان.
وان شئت قلت: لا اشكال في حجية الظواهر، ولا اشكال ظاهرا في ان قوله(ع): «صم للرؤية وافطر للرؤية» يستفاد منه ان ظهور الهلال وقابليته لرؤيته في البلد يحقق الشهرالجديد بالنسبة اليه وهكذا، والعرف ببابك((136)).

ولا نحتاج الى مزيد تعليق على هذا الاستدلال في ضوء ما تقدم؛ لوضوح ان روايات الامر بالصوم والافطار للرؤية لا دلالة فيها على شرطية الرؤية في البلد لتحقق الشهر؛ لكونها - بناء على طريقية الرؤية فيها كما اعترف به المستدل، وبالقرائن الاخرى فيه- ناظرة الى الوظيفة العملية والحكم الظاهري ببقاء الشهر السابق ما لم يحرز بالقطع واليقين وبرؤية الهلال دخول الشهر الجديد، وحينئذ: كون رؤية كل مكلف بنفسه للهلال وعلمه بطلوعه لا يكون عادة الا في بلده ومكان رؤيته، لا يعني تقييد الحكم الواقعي بدخول الشهر واناطته بذلك وعدم كفاية طلوعه في بلد آخر، بل لعل الموضوع الواقعي الذي تكون الرؤية طريقا محضا اليه هو الاعم من ذلك؛ اي طلوعه في احد البلاد بنحوصرف الوجود، الا ان احراز المكلف ورؤيته بنفسه لهذا الموضوع الاعم لا يكون الابرؤيته في مكانه لا محالة.

هذا لو لم نقل بان الامر بالصوم للرؤية اعم من رؤية المكلف بنفسه او رؤية غيره؛ والافيشمل اطلاق الرؤية في هذه الروايات لرؤية الهلال في بلد آخر ايضا كرؤية الآخرين في نفس البلد.

فالحاصل: ليس لمثل هذا الخطاب اى ظهور في انه اذا لم يكن المرئي موجودا في مكان الرؤية فلا موضوع للحكم واقع؛ لان جعل رؤية الهلال التي هي طريق للمرئي غاية للوظيفة العملية بعدم وجوب الصوم والافطار لا يستلزم اناطة الحكم الواقعي بوجود الصوم او الافطار بوجود المرئي في مكان الرؤية، بل لعله الاعم، ومع ذلك يقال: «صم للرؤية وافطر للرؤية»؛ اي ما لم تتاكد وتحرز هذا الموضوع الاعم بالرؤية لا يجب الصوم.

وما قاله من ان «العرف يفهم من نصوص الباب امكان الرؤية في كل موضع بالنسبة الى اهله لا رؤيته على الاطلاق» ان اراد به استفادة شرطية امكان الرؤية في كل موضع لتحقق الشهر في ذلك الموضع بحيث يكون له مفهوم الشرط وانه اذا رئي في بلد آخر فلايكفي لوجوب الصوم، فهذه الاستفادة واضحة العدم؛ اذ من اي شيء يستفاد مثل هذه الشرطية والمفهوم سوى ما ذكر من كون رؤية كل مكلف في موضعه ومكانه، وهذا لايستلزم الاناطة والشرطية المذكورة كما هو واضح.

وان اراد به انه لا اطلاق لروايات الرؤية في بلد آخر وانصرافها الى الرؤية في نفس البلد، فهذا لو تم - وسياتي البحث عنه - فهو ينفي الاستدلال باطلاق هذه الروايات لقول الاستاذ، ولا يثبت قول المشهور؛ اذ لا يثبت التقييد والاناطة بالرؤية في البلد بنحو الشرطية وانتفاء وجوب الصوم بانتفاء المرئي في البلد حتى اذا رئي في بلد آخر، وانماغايته عدم ثبوت شيء من القولين بهذه الروايات؛ فعلى تقدير الاطلاق يثبت بها قول الاستاذ، وعلى تقدير الانصراف لا يثبت بها قول المشهور ايضا، فهي اقرب الى قول الاستاذ من قول المشهور؛ اذ لا يمكن اثباته بها على كلا التقديرين.

ثم ان المستفاد من ذيل كلام العلامة المتقدم عن المنتهى وجملة آخرين ان الرؤية في بلد تكفي لثبوته في البلد الآخر اذا لم يعلم اختلافهما بنحو لا يمكن ان يرى فيه؛ والافكلما احتمل امكان الرؤية في بلد حكم بثبوت الشهر فيه بثبوته في بلد آخر؛ اي ليس الشرط احراز امكان الرؤية فيه وانما الشرط عدم العلم بعدم امكان الرؤية فيه عندرؤيته في البلد الآخر. وكانه من هذا الباب قال صاحب الجواهر بوجوب الصوم على جميع البلاد بثبوته في بلد، حيث قال بعد نقله لكلام العلامة المتقدم:
واستجوده صاحب المدارك، ويمكن الا يكون كذلك؛ ضرورة عدم اتفاق العلم بذلك عادة، فالوجوب حينئذ على الجميع مطلقا قوي((137)).

ومثله ما في المستمسك قال:
اقول: لاجل انه لا ينبغي التامل في اختلاف البلدان في الطول والعرض الموجب لاختلافها في الطلوع والغروب ورؤية الهلال وعدمها، فمع العلم بتساوي البلدين في الطول لا اشكال في حجية البينة على الرؤية في احدهما لاثباتها في الآخر. وكذا لو رئي في البلاد الشرقية فانه تثبت رؤيته في الغربية بطريق اولى. اما لو رئي في الغربية فالاخذ باطلاق النص غير بعيد الا ان يعلم بعدم الرؤية؛ اذ لا مجال حينئذ للحكم الظاهري.
ودعوى الانصراف الى المتقاربين غير ظاهرة. نعم يحتمل عدم اطلاق النص بنحو يشمل المختلفين؛ لوروده من حيث تعميم الحكم لداخل البلد وخارجها لا من حيث التعميم للمختلفين والمتفقين، لكن الاول اقوى((138)).

وظاهر هذه الكلمات ايضا ان الميزان في تحقق الشهر الشرعي طلوع الهلال وامكان رؤيته في البلد بحيث لو علم بعدم امكانه لم يكن الشهر داخلا، ولا مجال للحكم الظاهري، الا انه مع احتمال ذلك وعدم العلم بعدم امكان الرؤية فالاخذ باطلاق النصوص - وهي الروايات الدالة على وجوب القضاء لو رئي في مصر آخر على ماسياتي - متعين، فيكتفى برؤيته حينئذ في البلد الآخر وان كان بعيدا.

وتعليقنا على هذا القول - الذي هو اوسع مما نسب الى المشهور واضيق من قول الاستاذ، ويمكن جعله قولا ثالثا في المسالة -:

أولا - ما تقدم من انه لا يستفاد من هذه الروايات اشتراط امكان رؤية الهلال في البلدفي تحقق الشهر واقعا بوجه اصلا كما شرحناه مفصلا، فما ذكره في المستمسك من انه لا مجال للحكم الظاهري اول الكلام.
وثانيا - لو سلم ان الموضوع لدخول الشهر انما هو طلوعه او امكان رؤيته في البلدبحيث مع احراز عدم امكان ذلك لا موضوع للحكم الظاهري، فكيف يستفاد من روايات الامر بالقضاء لو رئي الهلال في مصر آخر حكم ظاهري بدخول الشهر في موارد الاختلاف في الافق واحتمال امكان رؤيته لمجرد رؤيته في البلد الآخر؟! فان هذالا يستلزم منه تحقق الموضوع في البلد الاول ليعلم به كما هو واضح، ولا تكون الشهادة عليه شهادة على وجود الموضوع في البلد الاول ليكون من باب حجية الشهادة، فكيف يرفع اليد عن الحكم الظاهري الاستصحابي بعدم دخول الشهر الذي دلت عليه الروايات الخاصة ايضا لمجرد احتمال وجود الهلال في ذلك الافق؟! وهل هذا الا تعبد بدخول الشهر ووجود الهلال من دون كاشف في البين حتى ظنا؟! بل قد يكون الظن على خلافه؛ كما اذا كان احتمال الاستلزام في الرؤية بين البلدين ضعيفا وامكان رؤيته موهوما بحيث يظن بعدمه.

والحاصل: ان روايات الامر بالقضاء برؤيته في مصر آخر ان لم يكن فيها اطلاق للبلاد المختلفة في الافق فلا دلالة لها على شيء، وان كانت مطلقة وشاملة لذلك كان مفاده الحكم الواقعي بكفاية الرؤية في بلد لثبوته في سائر البلاد لا محالة، فلا وجه لاشتراط امكان الرؤية في البلد ولا لاحتماله؛ لانه ليس هو الموضوع والميزان لدخول الشهر وانما الميزان طلوعه او رؤيته في بلد واحد بنحو صرف الوجود. فمبنى المسالة ليس فيه اكثر من احتمالين؛ على احدهما يتم ما نسب الى المشهور، ولازمه احراز الاستلزام في امكان الرؤية واتحاد البلدين في الافق، وعلى الآخر لا يضر حتى العلم بعدم امكان الرؤية، وهذا واضح.

ادلة القول الثاني:

يمكن ان يستدل على القول بكفاية رؤية الهلال في بلد لثبوته في سائر البلاد - ولوالمشتركة معه في الليل - بوجوه:

الأول - ما ذكره الاستاذ في منهاجه:

الاول - ان الشهور القمرية انما تبدا على اساس وضع سير القمر واتخاذه موضعا خاصامن الشمس في دورته الطبيعية، وفي نهاية الدورة يدخل تحت شعاع الشمس، وفي هذه الحالة (حالة المحاق) لا يمكن رؤيته في اية بقعة من بقاع الارض. وبعد خروجه عن حالة المحاق والتمكن من رؤيته ينتهي شهر قمري ويبدا شهر قمري جديد.

ومن الواضح ان خروج القمر من هذا الوضع هو بداية شهر قمري جديد لجميع بقاع الارض على اختلاف مشارقها ومغاربها لا لبقعة دون اخرى وان كان القمر مرئيا في بعضها دون الآخر وذلك لمانع خارجي كشعاع الشمس او حيلولة بقاع الارض او ماشاكل ذلك؛ فانه لا يرتبط بعدم خروجه عن المحاق؛ ضرورة انه ليس لخروجه منه افراد عديدة، بل هو فرد واحد متحقق في الكون لا يعقل تعدده بتعدد البقاع، وهذابخلاف طلوع الشمس فانه يتعدد بتعدد البقاع المختلفة؛ فيكون لكل بقعة طلوع خاص بها.

وعلى ضوء هذا البيان فقد اتضح ان قياس هذه الظاهرة الكونية بمسالة طلوع الشمس وغروبها قياس مع الفارق؛ وذلك لان الارض بمقتضى كرويتها تكون بطبيعة الحال لكل بقعة منها مشرق خاص ومغرب كذلك، فلا يمكن ان يكون للارض كلها مشرق واحد ولا مغرب كذلك، وهذا بخلاف هذه الظاهرة الكونية - اي خروج القمر عن منطقة شعاع الشمس - فانه لعدم ارتباطه ببقاع الارض وعدم صلته بها لا يمكن ان يتعدد بتعددها. ونتيجة ذلك ان رؤية الهلال في بلد ما امارة قطعية على خروج القمرعن الوضع المذكور الذي يتخذه من الشمس في نهاية دورته وبداية لشهر قمري جديدلاهل الارض جميعا لا لخصوص البلد الذي يرى فيه وما يتفق معه في الافق.

ومن هنا يظهر ان ذهاب المشهور الى اعتبار اتحاد البلدان في الافق مبني على تخيل ارتباط خروج القمر عن تحت الشعاع ببقاع الارض كارتباط طلوع الشمس وغروبها، الاانه لا صلة - كما عرفت - لخروج القمر عنه ببقعة معينة دون اخرى؛ فان حاله مع وجود الكرة الارضية وعدمها سواء((139)).

ونلاحظ على هذا البيان: ان هذا التفكيك بين طلوع الاهلة وطلوع الشمس وغروبها وان كان صحيحا من الناحية العلمية الا انه لا يكفي لجعل عنوان الشهر وواقعه امرا دفعيا بالنسبة الى الكرة الارضية بتمامها وان لا يتعقل له افراد متعددة؛ وذلك لان عنوان الشهر القمري قد لا يكون اسما لهذه الحادثة الكونية الدفعية، بل يمكن ان يكون اسمالامر واقعي آخر ايضا، وهو نسبي وله افراد متعددة باختلاف بقاع الارض، وهو امكان رؤية الهلال في نفسه في بلد الرؤية؛ بمعنى بلوغه مرتبة من النضج والتكون نتيجة سيره بحيث يكون قابلا للرؤية في غروب ذلك البلد، وهذا امر واقعي الرؤية طريق اليه ولكنه في نفس الوقت نسبي؛ اي يختلف من بقعة الى اخرى على الكرة الارضية.

والحاصل: ان مجرد وجود حادث واقعي دفعي - وهو خروج القمر من تحت شعاع الشمس - لا يكفي لحسم المسالة بعد ان كان عنوان الشهر القمري قابلا للوضع لغة اوعرفا او عند الشارع -على الاقل - بازاء الامر الآخر الواقعي، فيكون دخول الشهروصدقه حينئذ مختلفا باختلاف البقاع وال آفاق رغم عدم قياس ذلك على طلوع الشمس وغروبها، وهذا واضح.

هذا مضافا الى ان ظاهر هذا البيان كفاية خروج القمر عن تحت الشعاع لدخول شهرقمري جديد لجميع بقاع الارض على اختلاف مشارقها ومغاربها ولاهل الارض جميعا.وهذا سياتي عدم امكان قبوله عرفا للنقاط التي يكون الوقت فيها نهارا واحتساب كل ذلك النهار وليلته السابقة من الشهر الجديد مع عدم خروج الهلال في اكثره، وهذا معناه انه لابد من تقييد واخذ عناية اضافية على مجرد خروج القمر عن اشعة الشمس في صدق دخول الشهر، فلعل تلك العناية والخصوصية تكون نسبية.

والظاهر انه من جهة مثل هذا الاشكال عدل السيد الاستاذ فتواه في الطبعات الجديدة للمنهاج، فقيد الفتوى بكفاية رؤية الهلال في بلد لثبوته في سائر البلاد مطلقا بما اذا كانت تلك البلاد تشترك مع بلد الرؤية في شيء من الليل ولو يسيرا، وهذا ما كنا قد اقترحناه عليه في الجواب على اشكالات بعض تلامذته عليه والتي طبعت جميعا بعنوان (رسالة حول مسالة رؤية الهلال).

كما انه في تقريرات بحثه لكتاب الصوم من العروة الوثقى المطبوعة اخيرا عدل عن ايراد هذا الاستدلال، وانما ذكره في مقام دفع شبهة قياس حدوث الهلال وطلوعه على شروق الشمس وغروبها وانه قياس مع الفارق.

الثاني - ما ذكره الاستاذ في تقريرات بحثه كدليل اول على هذا القول، حيث افاد:

وتدلنا عليه اولا: اطلاقات نصوص البينة الواردة في رؤية الهلال ليوم الشك في رمضان اوشوال وانه في الاول يقضي يوما لو افطر؛ فان مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين ما اذا كانت الرؤية في بلد الصائم او غيره؛ المتحدة معه في الافق او المختلفة.
ودعوى الانصراف الى اهل البلد كما ترى، سيما مع التصريح في بعضها بان الشاهدين يدخلان المصر ويخرجان، فهي تشمل الشهادة الحاصلة في غير البلد على اطلاقها((140)).

وهذه الروايات التي يشير اليها الاستاذ(قده) عديدة واكثرها معتبرة، كصحيح الحلبي عن ابي عبد الله(ع) انه سئل عن الاهلة فقال:
هي اهلة الشهور؛ فاذا رايت الهلال فصم، واذا رايته فافطر. قلت: ارايت ان كان الشهرتسعة وعشرين يوما اقضي ذلك اليوم؟ فقال: لا، الا ان تشهد لك بينة عدول؛ فان شهدواانهم راوا الهلال قبل ذلك فاقض ذلك اليوم.

ومثلها معتبرة ابن سنان ومعتبرة زيد الشحام((141)).

وفي معتبرة منصور بن حازم عن ابي عبد الله(ع):
صم لرؤية الهلال وافطر لرؤيته، فان شهد عندكم شاهدان مرضيان بانهما راياه فاقضه.

وفي ذيل معتبرة ابي ايوب:
واذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر((142)).

وقد يلاحظ على هذا الاستدلال: بان روايات حجية الشهادة ناظرة الى طرق الاثبات وان البينة حجة، وليس فيها نظر الى جهة الثبوت وان ما يتحقق به الشهر واقعا هل يكفي فيه طلوع الهلال في بلد آخر ام لا ليتمسك باطلاقه.

نعم لو كانت الروايات ناظرة الى ثبوت الهلال او قيام بينة في بلد آخر امكن التمسك باطلاقها من تلك الجهة واثبات الكفاية، ولكنها ليست كذلك، فليس الاشكال دعوى الانصراف الى بينة اهل البلد، وانما الاشكال هو عدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة؛ فلا يتم الاطلاق فيها.

ويمكن الجواب: بان لسان هذه الروايات يختلف عما دل على قبول اصل الشهادة والبينة في الهلال، من قبيل ما ورد انه «لا اجيز في الهلال الا شهادة رجلين عدلين»؛ لانها ناظرة الى حكم قضاء يوم آخر لمن صام تسعة وعشرين يوما ولو من جهة انه لم ير الناس الهلال في اول الشهر مع الصحو وعدم علة في السماء. بل قد تبرع الامام(ع) في بعضها ابتداء لبيان حكم القضاء، وقد جعل وجوب القضاء يوما آخر في هذه الروايات متفرعاعلى قيام بينة عدول يشهدون بانهم قد راوا الهلال قبل ذلك، ومن الواضح ان هذا مطلق يشمل ما اذا كانت البينة تشهد بذلك في مصر آخر، وما في ذيل معتبرة ابي ايوب تصريح بهذا الاطلاق، فلو كان وجوب القضاء مقيدا برؤية الهلال في نفس البلد كان لابدمن تقييد شهادة البينة بان تكون من نفس البلد وفي افقه لا افق آخر والا كان اغراء بالجهل. فالاطلاق في لسان هذه الروايات واضح لا ينبغي انكاره، بل لولا الاطلاق اللفظي لكان يتم فيها الاطلاق ايض؛ بملاك ترك الاستفصال ووقوع المكلف في خلاف الواقع.

الثالث - ما اشرنا اليه عند التعرض لادلة القول الاول من امكان التمسك باطلاق روايات الصوم او الافطار للرؤية لما اذا كانت الرؤية في بلد آخر مختلف في الافق.

وهذا الاطلاق يمكن تقريبه بنحوين:

1 - اطلاقها لما اذا راى المكلف الهلال في مكان ثم سافر الى بلد آخر يختلف معه في الافق لم ير فيه الهلال رغم استهلال الناس وكون السماء مصحية، فانه لا اشكال في ان مقتضى هذا الاطلاق وجوب الصوم عليه ذلك اليوم - ولو قضاء اذا وصله بعد الزوال -حتى اذا كان بحيث لا يمكن ان يرى فيه الهلال وانه لابد من اعتبار ذلك اليوم من رمضان، مع انه لو كان الميزان في تحقق الشهر بالبلد الذي هو فيه فذلك النهار ليس من رمضان بالنسبة اليه لكي يجب عليه صومه، والبلد الذي كان قد راى الهلال فيه لم يكن موجودا فيه في نهاره ليصبح وجوب صومه عليه فعليا. فهذا الاطلاق ينفي تعدد الشهربتعدد البلاد في حق هذا المكلف؛ فيتعين لا محالة كفاية الرؤية لبلد لسائر البلدان ايض؛ لعدم احتمال الفرق بين مكلف ومكلف في الحكم الواقعي في البلد الواحد.

2 - التمسك باطلاق الرؤية للاعم من رؤية المكلف نفسه او رؤية الآخرين، فان هذه الروايات بعضها وردت بعنوان «صوموا للرؤية» او «الصوم للرؤية او بالرؤية» ونحو ذلك. كصحيح محمد بن مسلم عن ابي جعفر(ع) قال:

اذا رايتم الهلال فصوموا واذا رايتموه فافطروا، وليس بالراي ولا بالتظني ولكن بالرؤية. قال: والرؤية ليس ان يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد: هو ذا، وينظر تسعة فلا يرونه؛ اذا رآه واحد رآه عشرة آلاف. واذا كانت علة فاتم شعبان ثلاثين((143)).

وصحيح ابي ايوب ابراهيم بن عثمان بن الخزاز عن ابي عبد الله(ع)، قال: قلت له: كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال:
ان شهر رمضان فريضة من فرائض الله، فلا تؤدوا بالتظني. وليس رؤية الهلال ان يقوم عدة فيقول واحد: قد رايته، ويقول الآخرون: لم نره؛ اذا رآه واحد رآه مئة واذا رآه مئة رآه الف. ولا يجزي في رؤية الهلال اذا لم يكن في السماء علة اقل من شهادة خمسين،واذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر((144)).

ورواية ابي العباس عن ابي عبد الله(ع) قال:
الصوم للرؤية والفطر للرؤية. وليس الرؤية ان يراه واحد ولا اثنان ولاخمسون((145)).

ورواية حبيب الخزاعي قال: قال ابو عبد الله(ع):
لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة، وانما تجوز شهادة رجلين اذا كانا من خارج المصر وكان بالمصر علة؛ فاخبرا انهما راياه واخبرا عن قوم صاموا للرؤية وافطروا للرؤية((146)).

ومثل هذا اللسان ظاهر في ان الميزان في تحقق الشهر ثبوت الرؤية القطعية للهلال من قبل الناس ولو في الجملة او بمقدار البينة العادلة بشروطها، فيكون له اطلاق لثبوت الرؤية في بلد آخر ولو كان مختلفا في الافق مع بلد المكلف.

وقد يناقش في كلا هذين التقريرين بما قدمناه سابقا من ان روايات الصوم للرؤية مسوقة لبيان الوظيفة الظاهرية عند الشك، وليست بصدد بيان ما يتحقق به الشهر واقعا من حيث كفاية رؤيته في بلد آخر وعدمها، فلا اطلاق فيها من الناحيتين.

ويمكن الجواب: بان الحكم الظاهري والوظيفة العملية انما يستفاد من مفهوم تعليق الصوم على الرؤية لا منطوقه؛ فانه لبيان الحكم الواقعي بتحقق الشهر برؤية الهلال اوالقطع بطلوعه بنحو بحيث يمكن ان يرى، فيمكن ان يكون فيه اطلاق لرؤيته في البلدالمختلف معه في الافق ويكون هذا اطلاقا في الحكم الواقعي لا جمعا بين الحكم الظاهري والواقعي، بخلاف ما تقدم فيما سبق، فراجع وتامل.

الرابع - التمسك بالروايات الخاصة الواردة في قضاء يوم الشك اذا علم بعد ذلك برؤية الهلال فيه بمصر آخر، وهي روايات عديدة لابد من التعرض لها تفصيلا:

منها - صحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد الله(ع) قال فيمن صام تسعة وعشرين قال:
ان كانت له بينة عادلة على اهل مصر انهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوما((147)).

قال في مستند العروة في توضيح دلالة الصحيحة:
دلت - بمقتضى اطلاقها - بوضوح على ان الرؤية في مصر كافية لسائر الامصار وان لم ير فيها الهلال من غير غيم او اي مانع آخر، ولم يقيد فيها بوحدة الافق مع ان آفاق البلادتختلف جدا حتى في الممالك الصغيرة كالعراق؛ فان شمالها عن جنوبها كشرقها عن غربها يختلف اختلافا فاحشا، فعدم التقييد والحالة هذه وهو(ع) في مقام البيان يكشف طبعا عن الاطلاق((148)).

وقد يناقش: تارة: بان الرواية ليس فيها عموم وانما نكرة في سياق الاثبات، وحينئذ تنصرف بحكم الغلبة الى البلاد المتقاربة لا البلاد المتباعدة المختلفة في الافق والتي كان يندر الاطلاع على حالها بسرعة في تلك الازمنة.

واخرى: بان الظاهر ان الاطلاق في بيان حكم انكشاف كون يوم الشك من رمضان لا في بيان الكاشف وانه يحصل بمجرد رؤيته في بلد من البلاد ولو كان في غاية البعد، فكما لادلالة في هذا الاطلاق على الشروط المعتبرة في البينة فكذا لا دلالة على الشروط المعتبرة في البلدين من القرب والبعد، بل المراد بيان حكم الانكشاف بعد فرض ثبوت الكاشف((149)).