والانصاف ان مثل هذه التشكيكات غير مانعة عن الاطلاق في
الحديث؛ لوضوح ان الحكم لو كان مقيدا ثبوتا وواقعا بما اذا كان
الهلال مرئيا او قابلا للرؤية في البلد لا البلادالاخرى المختلفة
في الافق كان ينبغي تقييده بذلك؛ لانه قيد في الحكم او
في موضوعه، فكيف لا يذكره المولى وهو في مقام بيان الحكم
بتمام موضوعه؟! والغلبة الخارجية في عدم الاطلاع على حال
اهل مصر آخر مختلف في الافق لا تقدح في اطلاق ما جعله
المولى موضوعا للحكم وهو كفاية رؤية اهل مصر آخر، على ان
هذه الغلبة غيرتامة؛ لان الرواية ناظرة الى حكم القضاء الحاصل
من قيام البينة على رؤية اهل مصرآخر بعد مضي شهر رمضان،
وهذا يحصل كثير؛ لحصول التنقل والسفر من تلك البلاد الى
هذا البلد غالب؛ فيطلع المكلف على ذلك ولو بعد شهر او
شهرين فيجب عليه القضاء، وليست الرواية ناظرة الى حكم
الاداء والصوم في نفس يوم الشك بقيام البينة على صوم اهل
مصر آخر ليقال بندرة حصوله في تلك الازمنة بالنسبة الى
البلاد المتباعدة، فالمناقشة الاولى واضحة الضعف.
كما ان المناقشة الثانية غير واردة؛ لان الرواية لم يفرض فيها
وجود غيم او مانع عن رؤية الهلال في داخل البلد ليتوهم
اختصاص النظر فيها الى حكم الانكشاف وعدمه لهذاالمكلف او
لاهل ذلك البلد، وانما حكم بذلك لكل من صام تسعة وعشرين
يوما ولومن جهة عدم امكان رؤية الهلال في مكان الاستهلال
ثم قامت بينة على صيام اهل مصرآخر ثلاثين يوما، وهذا لا
اشكال في دلالته على كون المعيار ثبوت رؤية الهلال في بلد ما
بنحو صرف الوجود وعدم اشتراط امكان الرؤية في كل بلد بلد.
على ان كفاية الرؤية في بلد لبلد آخر لا يرتبط بالكاشف
وشروطه كشروط البينة بل بالمنكشف والحكم الواقعي فلو كان
قيدا في الحكم لكان ذكره لازما.
والحاصل: ان تعبير الامام(ع) في هذه الرواية كالصريح في ان
النظر فيها ليس الى انكشاف الهلال لمن لم يتمكن من رؤيته
لمانع ونحوه والا لقال: «الا ان تقوم بينة عادلة على رؤيته» مع
انه قال: «الا ان تقوم بينة عادلة على اهل مصر انهم صاموا
ثلاثين على رؤيته» فافترض قيام البينة على رؤية اهل مصر
للهلال.
وهذا ظاهر من ناحية في ان من صام تسعة وعشرين في مورد
السؤال لم يكن في ذلك المصر بل كان في مكان او مصر آخر
والا لكان ممن صام معهم ثلاثين على رؤية الهلال ولم يكن
بحاجة الى بينة على ذلك كما هو واضح.
ومن ناحية اخرى يدل على ان رؤية اهل مصر آخر محقق
لموضوع وجوب الصوم واقعا وتكون البينة عليه كالبينة على
رؤيته في نفس المكان فليس النظر في الرواية الى الانكشاف
لمن يشك ولم ير الهلال بالرجوع الى البينة على الرؤية بل
النظر الى توسعة المنكشف وان رؤية الهلال في بلد آخر يكفي
لسائر البلاد ولعمري هذا الاستظهار
واضح ولا ينبغي التشكيك
فيه.
ومنها - صحيح عبد الرحمان بن ابي عبد الله قال: سالت ابا عبد
الله(ع) عن هلال شهر رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من
شعبان؟ قال:
ومثله صحيح اسحاق بن عمار((151)).
وقد يناقش في اطلاقهما: بان النظر فيهما الى فرض وجود
المانع - وهو الغيم - عن رؤية الهلال في البلد بحيث لولاه لامكن
رؤيته، فلا اطلاق لهما لما اذا لم يكن مانع وعلم بعدم امكان
رؤية الهلال في افق البلد.
والجواب: قوله (يغم علينا) معناه الخفاء وهو اعم من كونه من
جهة وجود غيم في السماء، ولو فرض فهو وارد في سؤال السائل
لا جواب الامام(ع)، بل تاكيد الامام(ع) في الجواب على عدم
الصوم الا ان تراه او يشهد اهل بلد آخر فتقضيه دليل على
بيان الكبرى الكلية وان رؤية اهل بلد آخر تكفي في فرض عدم
رؤيتك سواء كان لوجود
مانع عن الاستهلال او عدم وجوده
وتحقق الاستهلال وعدم الرؤية ولو من جهة عدم امكان الرؤية
في تلك النقطة، فالاطلاق في مثل هذا اللسان تام ايضا.
ومنها - صحيح ابي بصير عن ابي عبد الله(ع) انه سئل عن اليوم
الذي يقضى من شهر رمضان؟ فقال:
وقد جعله الاستاذ(قده) اوضح الروايات دلالة، قال: «فان في
قوله(ع): «جميع اهل الصلاة» دلالة واضحة على عدم اختصاص
راس الشهر القمري ببلد دون بلد وانما هوحكم وحداني عام
لجميع المسلمين على اختلاف بلادهم من حيث اختلاف
ال آفاق واتحادها، فمتى قامت البينة على الرؤية من اي قطر من
اقطار هذا المجموع المركب -وهم كافة اهل الصلاة - كفى.
كما ان قوله(ع) في الذيل:
وقد ناقش في دلالته بعض تلامذة الاستاذ، بل جعله دليلا على
قول المشهور ومقيدالاطلاق الروايات المتقدمة.
اما المناقشة في دلالتها على هذا القول، فبالنسبة الى الجملة
الاولى في صدر الحديث قال: «ان المستفاد من هذه الجملة انه
يكفي لاثبات الهلال شهادة شاهدين عدلين من كل فرقة من
فرق المسلمين، ولا يستفاد من هذه الجملة الا ما يستفاد من
قوله(ع): «لا اجيزفي الهلال الا شهادة رجلين عدلين»، فلا
يرتبط مفاد هذه الجملة بكون راس الشهرالقمري واحدا
بالنسبة الى جميع الاقطار.
ويؤيد ما ذكرنا ان صاحب الوافي بعد نقل الرواية قال: «من
جميع اهل الصلاة يعني: اي مذهب كان من ملل اهل الاسلام...
«ولقد اجاد فيما افاد».
وبالنسبة الى الاستدلال بالجملة الثانية من ذيل الحديث قال:
«ويرد عليه: ان الحكم معلق على قضاء اهل كل مصر، ولم يعلق
على قضاء مصر على الاطلاق.
وبعبارة اخرى: لو كان الامر كما يدعي كان اللازم كفاية ثبوت
الهلال في مصر واحد.
وان شئت قلت: المستفاد من الجملة ان الشرط الثبوت في
جميع الامصار لا كفاية ثبوته في مصر من الامصار.
وبعبارة واضحة: ان المستفاد من هذه الرواية انه لو ثبت الهلال
في كل مصر من الامصاريثبت ايضا في المصر الذي لم يثبت
فيه بالرؤية او بالشهادة، وحيث ان دلالة هذه الرواية على
المدعى بالعموم الوضعي ترفع اليد عن اطلاق بقية الروايات
التي تدل باطلاقها على ان ثبوت الهلال في مصر من الامصار
يكفي للثبوت على الاطلاق.
ويمكن ان يقال: ان المستفاد من ذيل الحديث بنحو الحصر ان
قضاء جميع اهالي الامصار شرط لوجوب القضاء، ومفهومه عدم
كفاية قضاء اهل بعض الامصار دون بعض، فمفهوم هذه الرواية
اخص بالنسبة الى بقية الروايات؛ اذ المستفاد من
تلك المطلقات ان الرؤية في مصر من الامصار على الاطلاق
يكفي للثبوت لبقية الامصار؛ بلافرق بين كون البلد الذي رئي
فيه واحدا او متعددا، وبلا فرق بين كون البلد المرئي متحدا في
الافق مع البلد الذي لم ير فيه او مختلفا، فان تلك المطلقات
لها الاطلاق من جميع هذه الجهات، ومفهوم هذه الرواية اخص
من تلك المطلقات؛ لان منطوقهاداخل في تلك المطلقات،
فان من جملة الفروض الرؤية في جميع الامصار، فهذه الرواية
تخصص تلك النصوص.
وعلى فرض الاغماض عن البيان المذكور فلا اقل من التعارض،
ونتيجته التساقط، وبعد
سقوط طرفي المعارضة تصل النوبة الى
الاخذ بالروايات الدالة بظواهرها على ان الميزان بالرؤية في
البلد. فلاحظ ما ذكرناه واغتنم، ولعمري انه دقيق وبالتلقي
بالقبول حقيق، ونشكر المولى على ما انعم وهو العالم بالاشياء
وعليه التوكل والتكلان»((154)).
اقول: اما ارادة جميع الملل والفرق من الجملة الاولى وهي
قوله(ع): «من جميع اهل الصلاة» فبعيد جد؛ اذ لازمه ان يكون
اهل الفرق والمذاهب الاخرى عدولا، فيكون الحديث دالاعلى
حجية شهادة الشهود من الفرق الاخرى، بل ظاهره عندئذ لزوم
البينة وقيام شاهدين من كل فرقة وملة من المسلمين لكي
يثبت دخول الشهر ولا يكفي قيامهامن الفرقة الحقة فقط، وهو
كما ترى. بخلاف ما اذا اريد به جميع اهل الصلاة من
حيث بلادهم وامصارهم كما فهمه الاستاذ. ويؤيده ما ورد في
الجملة الثانية: «الا ان يقضي اهل الامصار» حيث لم يقل اهل
الصلاة، فالنظر في الجملة الاولى ايضا الى جميع المسلمين من
حيث تواجدهم في الامصار لا من حيث مللهم ومذاهبهم.
نعم يمكن ان يستشكل في الاستدلال بالجملة الاولى بان
الاستاذ جعلها قيدا للشاهدين العدلين، وفسرها بان يكون
العدلان من مجموع اهل الصلاة في الامصار، فيكفي لا
محالة قيام البينة من مصر واحد، مع انه يحتمل او يستظهر من
الحديث ان الجملة قيد لثبوت البينة؛ اي ان تقوم البينة من
جميع الامصار على دخول راس الشهر عندهم، او يكون قيدا في
مؤدى البينة؛ اي لابد وان يثبت بالبينة متى كان راس الشهر
عند جميع اهل الصلاة. وعلى كلا التقديرين لا يكفي ثبوته في
مصر واحد، فتكون الجملتان في الحديث بمضمون واحد؛ وهو
انه لا يجب على المكلف القضاء الا اذا ثبت موضوعه: اما
بقيام البينة على دخول راس الشهر في الامصار وتقدم الشهر
عندهم، او بقضاء اهل الامصار
يوما. وهذا هو الذي جعله تلميذ
الاستاذ معارضا لاطلاق الروايات المتقدمة بل مقدماعليه؛
لكونه بالعموم وهي بالاطلاق، او لكونه بحكم الاخص منها عرفا.
الا ان هذا الاستظهار في غير محله؛ لعدم احتماله فقهيا ولا
عرف؛ لوضوح انه لا يشترط في دخول الشهر في بلد دخوله في
سائر الامصار والاقطار التي يسكنها المسلمون جميعا. بل
مقتضى هذا انه لا يكفي قيام البينة بدخول الشهر او قضاء اهل
البلد يوما في بلد المكلف نفسه اذا لم يكن كذلك في سائر
البلدان والامصار، وهذا خلاف كلا القولين وغير محتمل في
نفسه.
بل لازم هذا الاستظهار ايضا وحدة الشهر في جميع الامصار
بمعنى آخر؛ وهو لزوم الثبوت في جميع الامصار ليثبت الشهر
حتى في البلد الواحد، فاما ان يقضي الجميع اولا يجب القضاء
على الجميع، وهذا غير محتمل كما اشرنا. وانما المستفاد منه
ان المقصود هو العام البدلي كما قال الاستاذ وانه اذا ثبت راس
الشهر في بعض الامصاربالقطع واليقين ثبت على الجميع، غاية
الامر لابد من التثبت بحيث اذا ثبت ولو بالبينة متى كان راس
الشهر في بلد من بلاد المسلمين او ثبت قضاء اهل مصر من
الامصاروجب القضاء، والا لم يجب، فيكون قوله(ع) «من جميع
اهل الصلاة» من اجل التاكد من ثبوت الهلال في يوم الشك عند
المسلمين وصومهم على رؤيته حقيقة ولو في مصر من الامصار
وعدم الاكتفاء بمجرد دعوى الرؤية من شخص او شخصين،
حتى ان البينة لابدوان تشهد بانه متى كان راس الشهر عند
الناس واهل الصلاة، او يثبت قضاء اهل الامصار
كذلك. فالرواية
على هذا تصلح ان تكون دليلا على قول الاستاذ، الا ان هذا
الظهور ليس باوضح واظهر من الروايات الاخرى كما ذكره
الاستاذ، بل لعله اخفى منها.
ثم لو فرض عدم استظهار العموم البدلي من الرواية وحمل
العموم فيها على الشمولية فدعوى المعارضة مع الروايات
المتقدمة في غير محلها لانها تدل على انه لا يجب الصوم الا ان
يقضي اهل الامصار، وهذا التعبير ارشاد الى انه في صورة قضاء
اهل الامصار ويتاكد حينئذ ثبوت راس الشهر ويحصل العلم
بذلك، وهذا لا ينافي ما اذا دل دليل آخر على ثبوت الشهر ايضا بشيء آخر كثبوت قضاء بعض الامصار ايضا وهمامثبتان فليس
في الرواية مفهوم الحصر اساسا حتى على هذا التقدير.
ولو فرض استفادة الحصر من قوله «لا يقضى الا ان يقضي اهل
الامصار» فالنسبة بينه وبينها ايضا ليس هو الاخصية كما ذكره
بل الامر على المصلي لان تلك الروايات ايضاتدل على انه لا
يقضي الا اذا قضى اهل بلد آخر من الامصار، وهذا من قبيل ما
ورد في دليل (لا يكرم الرجل الا اذا كان عالما) و ورد انه (لا
يكرم الرجل الا اذا كان فقيها) فانه لاوجه لجعل الثاني مخصصا
للاستثناء في الاول لمجرد كونه فردا منه لانهما مثبتان
فلاتنافي بينهما وانما اطلاق استثناء في الاول يعارض اطلاق
المستثنى منه في الثاني بنحوالعموم من وجه ولا يجعل اطلاق
المستثنى منه مخصصا للاستثناء بل الجمع العرفي على العكس
فان العرف يحصل اطلاق الاستثناء في الدليل الاعم مخصصا
للمستثنى منه في الثاني وان ذكر العنوان الاخص في الاستثناء
الثاني من باب الافضلية او الاولوية، بل حمل عنوان (صوم بلد
آخر) في تلك الروايات على ارادة جميع الامصار ليس عرفيا
بل بحكم الغاء ذلك العنوان.
ثم لو فرض التعارض والتساقط فليست النتيجة ثبوت قول
المشهور كما ذكره لما تقدم من عدم دلالة روايات (صم للرؤية
وافطر للرؤية) على قول المشهور لتكون هي المرجع الفوقاني بعد التساقط بل الرؤية
فيها اما مطلقة وشاملة للرؤية في بلد آخر فتكون دليلاعلى قول الاستاذ، او ساكتة من
هذه الناحية ولا يمكن استفادة شيء من القولين منها بينمااستفيد من
روايات اخرى عامة - روايات البينة المتقدمة - قول الاستاذ
فيكون المرجع الفوقاني الذي يرجع اليه بعد التساقط موافقا
لقول الاستاذ لا المشهور.
ومنها - ما رواه في الوسائل عن الصدوق(قده) في الفقيه باسناده
عن سماعة - وهومعتبر - انه سال ابا عبد الله(ع) عن اليوم في
شهر رمضان يختلف فيه؟ قال:
والرواية اذا كانت بهذا المتن كانت من جملة الروايات التي
باطلاقها تدل على كفاية دخول الشهر في بلد واحد لسائر
البلدان؛ لان النكرة تفيد الاطلاق.
الا انه بمراجعة الرواية في مصدرها اعني - كتاب من لا يحضره
الفقيه - راينا ان الوارد فيه «اذا اجتمع اهل المصر»((156))
معرفة بال، وحينئذ لا تكون ظاهرة في الاطلاق لغير المصر
الذي فيه المكلف.
ومنها - مكاتبة محمد بن عيسى قال: كتب اليه ابو عمرو:
اخبرني يا مولاي انه ربمااشكل علينا هلال شهر رمضان فلا
نراه، ونرى السماء ليست فيها علة، فيفطر الناس ونفطر معهم،
ويقول قوم من الحساب قبلنا: انه يرى في تلك الليلة بعينها
بمصر وافريقية والاندلس، فهل يجوز يا مولاي ما قال الحساب
في هذا الباب حتى يختلف الفرض على اهل الامصار؛ فيكون
صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا؟ فوقع(ع):
وقد استدل بها بعض الاعلام كالسيد ابو تراب الخونساري(قده)
في كتابه سبيل الرشادفي شرح نجاة العباد والسيد
الگلپايگاني(قده) في كتابه مجمع المسائل.
قال الاول:
وقال الثاني:
وقد يقال: ظاهر السؤال ان الراوي كان مركوزا في ذهنه انه اذا
صح وجاز ما يقوله اهل الحساب كان صوم اهل تلك البلاد
خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرن؛ اي كان لكل بلد هلاله،
وانما يسال عن جواز ما يقوله اهل الحساب من حيث امكان
الاعتماد على قولهم وعدمه، والامام سكت عن هذا الارتكاز ولم
ينفه وانما تصدى لنفي اعتبار قول اهل الحساب وان الصوم او
الافطار ليس الا بالرؤية، فتكون الرواية دليلا على عدم
كفاية الرؤية في البلاد البعيدة - اذا استفدنا من سكوت الامام امضاءه لمرتكز السائل
- ولااقل من عدم دلالتها على شيء من
الطرفين.
وفيه: منع هذا الاستظهار، بل ظاهر الرواية ان السائل يسال
عن امكان اختلاف الفرض على اهل الامصار واقعا وعدمه بحيث
لو ثبت هناك ثبت هنا ايضا وان لم ير فيه الهلال، غاية الامر
جعل حساب المنجمين وقولهم منشا هذا السؤال لعدم امكان
منشاآخر للعلم بثبوت الهلال في بلد كتلك البلاد البعيدة
وقتئذ في يوم الشك.
فالسؤال بحسب الحقيقة عن حكم صومهم عند احتمال صحة
ما يقوله اهل الحساب بشان تلك البلاد من حيث كفاية ذلك
لهم وعدمها، فيكون جواب الامام(ع) بعدم الاعتباربقول اهل
الحساب وعدم الصوم مع الشك ظاهرا في انه مع العلم بذلك
كان يجب الصوم.
والقرينة على هذا الاستظهار ما ذكره السائل في صدر السؤال
من انه اشكل علينا هلال شهر رمضان؛ مما يعني ان قول اهل
الحساب اوجب الاشكال عنده في حكمهم.
كما انه لو كان المركوز في ذهنه عدم كفاية الثبوت والرؤية في
تلك البلاد فاي فائدة عملية في حقه في السؤال عن صحة
وجواز ما يقوله اهل الحساب بشان الهلال في تلك البلاد؟!
ولماذا ينهاه الامام عن صوم يوم الشك في مقام الجواب؟!
فالرواية ظاهرة في الاكتفاء لو ثبت رؤية الهلال في تلك البلاد
وان عدم الاعتداد بقول اهل الحساب من جهة عدم حصول
العلم بقولهم.
ومنها - رواية علي بن ابي حمزة الثمالي قال: كنت عند ابي عبد الله(ع) فقال له ابوبصير: جعلت فداك، الليلة التي يرجى فيها ما
يرجى؟ فقال:
والرواية ينقلها المشايخ الثلاثة، الا ان في السند القاسم بن
محمد الجوهري وهو ممن لم يصرح بتوثيقه في كتب الرجال،
ولكن يمكن اثبات وثاقته بنقل بعض الثلاثة عنه بطرق صحيحة
(ابن ابي عمير وصفوان والبزنطي) بناء على قبول هذه القاعدة
الرجالية، وكذلك وقوعه في اسناد كامل الزيارات بناء على كفاية
ذلك في التوثيق.
ودلالتها على المدعى واضحة؛ فانه اذا كان الميزان في دخول
الشهر برؤية الهلال في البلد وان لكل بلد شهره وليلة قدره
فلماذا يكلف بطلبها ضمن اربع ليال - اي طلب ليلة احدى وعشرين ضمن ليلتين وليلة ثلاث
وعشرين ضمن ليلتين - بمجرد خبر يجيء من ارض اخرى؟! فالرواية واضحة الدلالة
على ان ليلة القدر واحدة للبلدين والارضين وليست لكل منهما
ليلة قدر غير اخرى؛ ومن هنا قال(ع): «ما ايسر اربع
ليال تطلبها فيها!»، واطلاقه يشمل البلاد البعيدة غير المتحدة
مع بلد المكلف في الافق. ثم انه مما يؤيد هذا الاطلاق في مجموع هذه الروايات عدم ورود الاشارة في شيء من الروايات الى ان الميزان ببلد الرؤية ومكانها، مع انه لو كان حكم الصوم يختلف من بلد الى آخر وانه يلزم طلوع الهلال وامكان رؤيته في البلد لكان يشار اليه - مع شدة الحاجة اليه - ولو في حديث واحد، كما ورد ذلك في مواقيت الصلاة وطلوع الشمس وغروبها، مع ان ذلك امر واضح عرفا لا يشك فيه عادة، فانه مع ذلك ورد في ذيل روايات مواقيت الصلاة: «انما عليك مشرقك ومغربك وليس على الناس ان يبحثوا»((161))، بينما لم يرد مثل ذلك في روايات الصوم، وانما ورد عكسه من الامر بالقضاء اذا ثبت بعد ذلك رؤيته في مصر آخر، فلو كان شرطا فكيف يسكت عنه في جميع ما وصلنا من الروايات؟!
وقد حاول بعضهم الاستناد الى تلك الجملة الواردة في مواقيت
الصلاة في باب الصوم ايضا بارادة الاعم من طلوع الشمس او
القمر.
ولكنه تمحل واضح؛ اذ - مضافا الى ان عنوان المشرق والمغرب
لا يناسب الهلال فلايقال مشرق الهلال عن طلوعه ولا مغربه
عن عدم طلوعه وانما هما مختصان بشروق الشمس وغروبها -
ان هذا التعبير قد ورد في ذيل السؤال عن مواقيت الصلاة في
رواية زيد الشحام (ابو اسامة) قال: صعدت مرة جبل ابي قبيس
والناس يصلون المغرب، فرايت الشمس لم تغب انما توارت
خلف الجبل عن الناس، فلقيت ابا عبد الله(ع) فاخبرته بذلك،
فقال لي: «ولم فعلت ذلك؟ بئس ما صنعت! انما تصليها اذا لم
ترهاخلف جبل، غابت او غارت ما لم يتجللها سحاب او ظلمة
تظلها، وانما عليك مشرقك ومغربك، وليس على الناس ان
يبحثوا»((162)). وهو واضح في ارادة مشرق الشمس ومغربها
واوقات الصلاة.
ثم ان المشهور قد حملوا هذه المجموعة من الروايات الصريحة
في الدلالة على كفاية ثبوت الرؤية في مصر آخر على ارادة
البلاد القريبة المتحدة معه في الافق والتي تستلزم رؤية الهلال
فيها لرؤيته في البلد؛ بدعوى انصرافها الى ذلك، او عدم اطلاق
فيها لاكثرمن ذلك؛ لندرة امكان الاطلاع على حال البلاد
البعيدة في تلك الازمنة.
وقد منع جملة من المحققين هذا الانصراف - كما تقدم عن
بعضهم - كما منعواالندرة، قال المحقق النراقي(قده) في
المستند:
هذا مضافا الى ان الندرة الخارجية والمصداقية اساسا لا تمنع
عن انعقاد الاطلاق، كما هومقرر في محله.
ونضيف الى ذلك كله: ان هذا الحمل ليس له معنى محصل؛
لان البلاد القريبة اذا اريدبها البلاد المتصلة او كالمتصلة بالبلد
والتي تكون من اطرافه وحواليه فهذا من الواضح انه لا يمكن
حمل عنوان «مصر آخر» عليها ولا يظن ارادة المشهور لذلك،
وان اريد بهاالبلاد التي تبعد عن البلد مسافة عرفا بحيث يصدق
عليها انها امصار اخرى فمن الواضح ان رؤية الهلال في الامصار
الاخرى لا تستلزم رؤيته في البلد في كل شهر ولو كانت
قريبة خصوصا اذا كان غربيا بالنسبة الى البلد؛ لما اشرنا اليه من
ان امكان الرؤية للهلال في كل شهر بالنسبة لبقاع الارض ليس
على وتيرة واحدة وفي بقاع معينة في تمام الشهورالقمرية، بل
يختلف من شهر الى شهر؛ فقد تكون دائرة امكان الرؤية في
شهر من الشهور تنتهي الى حد ذلك البلد الغربي القريب من
بلدنا فلا يكون امكان الرؤية فيه مستلزما لامكانها في بلدنا، وهذا
يعني انه لا يكفي حمل هذه الروايات على البلاد القريبة، بل لابد
اما من الاقتصار على رؤية الهلال في البلد وما يتصل به من
الاحياء وهذا الغاء لهذه الروايات جميعا، او الاستعانة بالهيئة
ونحوها لاحراز الدائرة من البقاع الارضية التي يمكن ان يرى
فيها الهلال في كل شهر؛ فلا يحكم بدخول الشهر فيما يخرج
عنها ولوكان قريبا، بخلاف ما يقع فيها ولو كان بعيدا عن بلد
الرؤية، وحمل الروايات على مثل ذلك كما ترى.
ثم انه قد يناقش في اصل صحة هذا النهج من الاستدلال
بالروايات في المقام بما افاده بعض المعاصرين بقوله:
ولا يمكن التمسك بالاطلاق لرفع هذا الشك واثبات انه لا
يختلف الخروج عن المحاق باختلاف البقاع؛ فان هذا امر
تكويني عبر عنه بالظاهرة الكونية، ولا مجال لاثبات
الامورالتكوينية بالاطلاقات، بل لابد من مراجعة الفن المربوط
بهذا الامر وتحقيق انه هل يختلف الخروج عن المحاق باختلاف
البقاع او لا يختلف من العلم المدون له.
ان قلت: الامر التكويني وان لا يثبت باطلاق الدليل الشرعي الا
ان الاطلاق يثبت حكم ذلك الامر، فلو قال الشارع: ان الفقاع
خمر، يثبت حكم الخمر للفقاع وان لا يثبت خمرية الفقاع؛ فانه
من الامور التكوينية، وفيما نحن فيه لو قال الشارع: «فان شهد
اهل بلد آخر انهم راوه فاقضه» يثبت حكم وجوب القضاء وان لا
يثبت ان اليوم الذي افطرفيه كان من شهر رمضان.
قلت: - مضافا الى انه خلاف ما هو بصدده فانه في مقام اثبات ان
اليوم المذكور من شهررمضان والافطار الواقع فيه افطار في
شهر رمضان، ومضافا الى انه خلاف المقطوع به بيننا وبين
الاصحاب من عدم وجوب القضاء لو لم يكن الافطار في شهر
رمضان، ومن عدم جواز الافطار لو علم ان اليوم من شهر
رمضان، بل لا يقول بذلك مسلم فضلا عن الفقهاء - لا يكفي
الاطلاق المذكور لاثبات ذلك، بل لابد من دليل خاص لاثبات
الحكم في صورة عدم الموضوع وهو الشهر؛ فان المحتمل في
هذه المطلقات امران:
فالمتحصل: انه لو اراد من التمسك بالاطلاقات اثبات الشهر
واقعا في بلد لم ير فيه الهلال فهذا من اثبات التكوين بالتعبد،
ولو اراد من ذلك اثبات حكم الشهر فمع انه خلاف المقطوع به
دون اثباته خرط القتاد؛ فان جميع المطلقات ناظرة الى بيان
لزوم قضاء صوم يوم افطر فيه مع رؤية الهلال في غير البلد.
وهذا لو لم يكن دالا على ان فوت صوم شهر رمضان مفروض في
المطلقات - ولذا عبر فيها بالقضاء وهو التدارك، فلا
اطلاق للرواية حتى يلزم التقييد بل الحكم متقيد من الاول - لا
يكون دالا على الاطلاق ايض؛فان الاطلاق خلاف ظاهر لفظ
القضاء، والتحفظ بظاهر القضاء ينافي الاطلاق، فلا
يمكن التمسك باصالة الاطلاق في هذه الحالة((164)).
ويلاحظ عليه:
أولا - لا ينحصر وجه العمل بهذه الروايات بحملها على التعبد
في الامور التكوينية، بل يمكن ان يكون من باب سعة موضوع
الحكم الشرعي بوجوب الصوم وان تحقق رؤية الهلال في نقطة
بنحو صرف الوجود كاف لترتب الحكم بوجوب الصوم اداء
وبالتالي تحقق الفوت لمن لم يصمه فيجب عليه القضاء ايضا،
نعم حيث نعلم من الخارج -وهو ظاهر آية الصوم ايضا - ان الواجب
المكتوب على هذه الامة انما هو صوم شهررمضان الذي انزل
فيه القرآن، فتكون نتيجة الجمع بين الادلة: ان مبدا ترتب
احكام الشهر عند الشارع انما يكون بالرؤية في بلد ما بنحو صرف
الوجود، وهذا لازم على كلاالقولين؛ فانه على قول المشهور
ايضا يكون مبدا وجوب الصوم انما هو رؤية الهلال في نفس البلد
ولو فرض ان الشهر التكويني قد تحقق، وليس هذا مبتنيا على
القول بالحقيقة الشرعية في عنوان الشهر كما توهم، بل من باب
سعة موضوع الاحكام الشرعية اوضيقها من اول الامر.
وثانيا - لا محذور في ان يستفاد من الروايات والبيانات الصادرة
عن الشارع تحديد الامور التكوينية خصوصا اذا كانت حقائق
عرفية للوضع والاعتبار دخل فيها او في حدودها، بل ما اكثر
الامور التكوينية التي وقعت موضوعات او متعلقات
للاحكام الشرعية! وقد صدر عن الشارع الاقدس تحديدات
وتقديرات فيها ضمن الروايات والبيانات الصادرة عن
المعصومين(ع)، وعليها مدار الفقه والفقهاء في الفتوى
والعمل،كالتحديدات الشرعية الواردة في الاوزان والمقادير،
كالكر والرطل والدرهم والدينار،وفي الاوقات كالزوال والغروب
والفجر، وفي الحيض وصفات دم الحيض ومدته واقله واكثره
وسن الياس، وعلامات البلوغ والاحتلام.. الى غير ذلك الوارد
في ابواب كثيرة من الفقه لم يستشكل فقيه في الاخذ بها
بدعوى انها ظواهر تكوينية لا مجال للتعبد فيها، بل على
العكس من ذلك اصبحت التحديدات والروايات البيانية
الصادرة فيها مبنى للعمل ولانضباط هذه المفاهيم ودقتها
حتى عند العرف ايضا.
ولهذه التحديدات احد محملين وتفسيرين؛ لانها اما ان تكون
بصدد بيان تحديدشرعي خاص يختلف عن التحديد العرفي
التكويني العام او الخاص بعرف معين -سواء بلغ اللفظ والاسم
المستعمل في ذلك المعنى الشرعي حد الحقيقة ام لا -
فكمايوجد هناك حيض تكويني طبي له تحديده الخاص كذلك
يوجد حيض شرعي له تحديده الشرعي، واما ان تكون بصدد
بيان نفس ذاك الامر التكويني العرفي حقيقة ودقة باعتباره
مفهوما دقيقا قد يخطا فيه النظر السطحي العرفي؛ فان
الشارع من شانه في مثل هذه المفاهيم العرفية التكوينية
التحديد والبيان وتصحيح الافهام اذا كانت تلك المفاهيم
متعلقات للاحكام الشرعية ومحطا لحاجة الناس، ويكون البيان
الشرعي عندئذحجة بل موجبا للقطع بصحة ذلك التحديد اذا
علم بصدوره عن الشارع، وان مايقوله اهل الفن اذا كان على
خلافه فهو اما ان يكون خطا منهم او محمولا على
مصطلح خاص كما تقدم في الشهر النجومي.
فكلا هذين النحوين - المحملين - في التحديدات الشرعية في
الامور التكوينية ثابت في الفقه كما لا يخفى على المتتبع
الخبير، فلا يصح طرح مفاد الروايات اذا كانت متعرضة لامر
تكويني - كمبدا الفجر او الزوال او الغروب او الشهر - لمجرد
دعوى كونها من الامور التكوينية وانه لا مجال للتعبد فيها
ولابد فيها من مراجعة اهل الفن.
على انه من قال بان العرف والتكوين الخارجي واهل الفن لا يساعدون على هذاالتحديد
للشهر الوارد في هذه الروايات؟! وكيف لا يكون التحديد الآخر الذي يختاره المشهور تعبدا في
امر تكويني لو فرض انه يكفي فيه عند اهل الفن رؤية الهلال
في بلدآخر ولو لم يكن متحدا في الافق؟! وكيف يمكن ان
يحكم حينئذ بوجوب صوم يوم ليس من شهر رمضان تكوينا؟!
اللهم الا ان يكون مقصود المشهور الحكم
الظاهري الاستصحابي ببقاء حكم الصوم بعد فرض الشك فيما
هو الامر التكويني في عنوان الشهر بنحو الشبهة المفهومية،
وقد تقدم الاشكال فيه ايضا.
واما ما ذكره في ذيل كلامه من عدم الاطلاق في الروايات
ال آمرة بالقضاء لانها قد فرغ فيهاعن تحقق فوت صوم شهر
رمضان فهو غريب جد؛ لان معناه ان السؤال والجواب
في الروايات عن وجوب قضاء يوم فرض كونه من رمضان، وهذا
لم يكن محل شك عنداحد، ولا يمكن حمل الروايات عليه؛
لانها صريحة في السؤال عن مبدا الشهر وانه هل يكفي فيه رؤية
الهلال في بلد آخر مع عدم رؤيته في البلد ام لا؟ فيكون جواب
الامام بوجوب القضاء لا محالة دالا على تحقق الفوت لصوم
رمضان بذلك، وهو معنى كفاية رؤيته في بلد آخر مطلق؛
لتحقق الشهر اما عرفا وتكوينيا او شرعا على الاقل.
الخامس - لو فرض عدم وجود تلك المجموعة من الروايات
وفرض عدم الاطلاق في روايات البينة او الرؤية للرؤية في بلد
آخر؛ مع ذلك قلنا: ان مقتضى القاعدة هو الرجوع الى العرف
في تشخيص ما هو الشهر القمري وكيفية تحققه - كما هو الحال
في سائرالشبهات المفهومية - والاحكام الشرعية من وجوب
الصوم او الافطار او غير ذلك مترتبة بحسب ادلتها على عنوان
الشهور والاهلة، وهي ليست من الاعتباريات او
الحقائق المجعولة او المستحدثة شرعا، كما يشهد به قوله
تعالى: «يسالونك عن الاهلة قل هي م واقيت للناس»((165))،
كما ان الرؤية ليست الا طريقا محضا اليها على ما تقدم مفصلا.
ولا شك عندنا في ان الميزان لتحقق الشهر القمري عند العرف
انما هو تحقق الدورة الجديدة لحركة القمر وسيره حول الارض،
والذي يكون بخروجه من المحاق وظهوره بحيث يكون قابلا
للرؤية على شكل هلال، فانه بداية دورته الجديدة ومبدا
احتساب الشهر القمري الجديد عرفا، قال سبحانه وتعالى: «فالق
الاصباح وجعل الليل سكناوالشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير
العزيز العليم»((166))، غاية الامر حيث انه في لحظة خروج
الهلال تكون البقاع على الكرة الارضية من حيث الوقت والنهار
والليل مختلفة؛ اي نصف الكرة في النهار ونصفها في الليل، فاذا
اعتبرنا الميزان في احتساب دخول الشهر عرفا من اول النهار لا
من نصفه او ربعه او ثلثه - كما يساعد عليه الاعتبارالعرفي - كان
اللازم القول بتحقق الشهر في تلك اللحظة في النقطة التي
يمكن فيهارؤية الهلال عند غروب الشمس وجميع النقاط
الشرقية التي تشترك معها في الليل ولوبقليل ليكون من بداية
نهارها الجديد من الشهر الجديد.
وهذه الضابطة وان كانت قد تختلف ايضا من شهر الى شهر آخر
بلحاظ الامصاروالبقاع، الا انه لا ضير فيها بعد ان كانت مبتنية
على نكتة موضوعية عرفية في كيفية احتساب مبدا الشهر
القمري؛ وهي لزوم وقوع النهار بتمامه داخل الشهر القمري،
وهذاهو الذي جعل الاستاذ(قده) يقيد فتواه بالقيد المذكور.
في كفاية الرؤية بالعين المسلحة:
ثم ان هنا بحثا موضوعيا آخر ينفتح بابه في المقام، وهو ان
الميزان في تحقق الشهرالقمري هل يكون بخروج القمر عن
المحاق واقعا ولو لم يكن قابلا للرؤية على شكل هلال حتى
بالاجهزة والعين المسلحة، او بصيرورته هلالا قابلا للرؤية ولو
بالاجهزة، اوبصيرورته قابلا للرؤية بالعين المجردة فلا يكفي
امكان رؤيته بالعين المسلحة والاجهزة الحديثة؟ وهذا البحث
يتجه حتى على القول بلزوم رؤية الهلال في البلد خاصة كما
هو واضح.
ظاهر كلمات الفقهاء اشتراط رؤيته بالعين المجردة، وقد عقد
الاستاذ - على ما في تقريرات بحثه - تنبيها لتوضيح هذا البحث
فقال:
ومن ثم قد يتفق مع الشمس طلوعا وغروبا وقد يختلف، فمع
الاتفاق المعبر عنه بالمحاق وتحت الشعاع - وهو طبعا في آخر
الشهر - بما ان النصف المستنير فيه بكامله نحوالمشرق ومواجه
للشمس لم ير منه اي جزء بتاتا.
ثم بعدئذ يختلف المسير فينحرف الطرف المستنير الى الشرق
ويستبين جزء منه، وبه يتكون الهلال الجديد - كما تقدم - الا ان
هذا الانحراف المستتبع لتلك الاستبانة تدريجى الحصول لا
محالة، فلا يحدث المقدار المعتد به القابل للرؤية ابتداء بل
شيئا فشيئ؛ اذ كلما فرضناه من النور فهو طبعا قابل للقسمة
بناء على ما هو الحق من امتناع الجزء الذي لا يتجزا، فلنفرض ان
اول جزء منه واحد من مليون جزء من اجزاء النصف المستنير
من القمر، فهذا المقدار من الجزء متوجه الى طرف الشرق غير
انه لشدة صغره غير قابل للرؤية.
ولكن هذا الوجود الواقعي لا اثر له في تكون الهلال وان علمنا
بتحققه علما قطعيا حسب قواعد الفلك وضوابط علم النجوم؛
اذ العبرة - حسب النصوص المتقدمة - بالرؤية وشهادة الشاهدين
بها شهادة حسية عن باصرة عادية لا عن صناعة علمية او
كشفه عن علوه وارتفاعه في الليلة ال آتية.
ومنه تعرف انه لا عبرة بالرؤية بالعين المسلحة المستندة الى
المكبرات المستحدثة والنظارات القوية - كالتلسكوب ونحوه -
من غير ان يكون قابلا للرؤية بالعين المجردة والنظر العادي.
نعم لا باس بتعيين المحل بها ثم النظر بالعين المجردة، فاذا
كان قابلا للرؤية ولوبالاستعانة من تلك ال آلات في تحقيق
المقدمات كفى وثبت به الهلال كما هوواضح((167)).
أقول: اما قوله بعدم كفاية الوجود الواقعي للجزء من الهلال
الذي لشدة صغره غيرقابل للرؤية فهذا صحيح؛ بمعنى ان
مجرد العلم بحركة القمر من نقطة التقارن مع الشمس
وخروجه عن المحاق ما لم يتحقق على شكل هلال لا يكفي
لتحقق الشهرالقمري قطعا وان علم ذلك بالحساب او
بالاجهزة؛ لان الميزان في دخول الشهرالقمري بتحقق الهلال،
وهو اسم لبلوغ القمر هذه الحالة، فالشهور والمواقيت
تتحقق للناس بالاهلة لا بمجرد حركة القمر ودورته الجديدة
علميا.
واما ما افاده من اشتراط امكان رؤيته بالعين المجردة العادية
وعدم كفاية رؤيته هلالابالعين المسلحة فهذا قابل للمناقشة
من جهتين:
1 - المنع عن دلالة النصوص على اعتبار الرؤية بالعين الباصرة
العادية؛ فان عنوان الرؤية كما يشمل الرؤية بالعين المجردة
العادية كذلك يشمل الرؤية بالعين المسلحة؛ فانها ايضا رؤية
للهلال كالرؤية بالنظارة الطبية لمن هو ضعيف النظر.
نعم احراز وجود الهلال بالحساب والصناعة العلمية من دون
امكان رؤيته حتى بالعين المسلحة لا يكفي في دخول الشهر؛
لاشتراط بلوغه مرتبة بحيث يمكن ان يرى هلالاولو بالاجهزة
العلمية، وبلوغ هذه المرتبة لا يمكن احرازه عادة بالحساب.
نعم الرؤية بالاجهزة المقربة ليست رؤية غالبة ولا متعارفة بين
الناس، ولكنه تقدم انه لاموجب لدعوى الانصراف الى الافراد
الغالبة او المتعارفة، خصوصا بعد ان كانت الرؤية طريقا محضا
الى طلوع الهلال ووجوده في الافق على شكل هلال.
2 - استفادة ذلك من بعض الروايات كمعتبرة علي بن جعفر عن
اخيه موسى(ع)، وقد نقلت بنحوين:
وقد نقلها بهذا النحو ايضا الشيخ(قده) في التهذيب
والحميري(قده) في قرب الاسناد عن كتاب علي بن جعفر،
والسؤال فيه عن رؤية هلال شهر رمضان.
ولكن في الفقيه نقلها الصدوق(قده) باسناده عن علي بن
جعفر انه سال اخاه موسى بن جعفر(ع) عن الرجل يرى الهلال
في شهر رمضان وحده ولا يبصره غيره، اله ان يصوم؟قال: «اذا
لم يشك فليفطر، والا فليصم مع الناس»((168)). وظاهره
السؤال عن هلال شهر شوال.
ولعلهما روايتان وان كان ذلك مستبعدا مع وحدة فقراتهما.
ومضمونهما واحد على كل حال؛ وهو ان من يرى الهلال وحده
ولا يبصره غيره اذا لم يحصل له الشك وكان متيقنا برؤيته
وجب عليه ترتيب آثار الشهر الجديد.
والتعبير بقوله: «يبصره وحده ولا يبصره غيره» ظاهر في
انفراده بالابصار بحيث ان غيره لا يبصر لا انه لم يبصر، فيدل
ولو باطلاقه على انه حتى مع عدم امكان ابصار غيره من الناس -
كما اذا كانت عينه غير متعارفة في الابصار - ايضا حكمه ذلك،
فلا وجه لاشتراط الابصار بالرؤية بالعين المتعارفة او العادية.
والله الهادي للصواب. للخاجه نصير الدين الطوسي
تحقيق: الشيخ خالد الغفوري القسم الثاني في كيفية التحصيص مع((169)) التصحيح
وهو يشتمل على قاعدة وابواب وعلاوة. والعلاوة: في مثال جامع للابواب المذكورة.((173)) القاعدة
الفرضيون يخرجون الحصص من اقل عدد ينقسم على ارباب
الحقوق، ولا يقع فيه كسر، ويضيفون حصة كل واحد منهم الى
ذلك العدد؛ فيقولون حين سئلوا عن: متوفى خلف ابنين وتركة
مثلا((174))، ان لكل ابن سهما من سهمين((175))
من تركته، ولا يقولون ان((176))التركة بينهما نصفان.
ويسمون العدد المضاف اليه اصل المال ومخرج
السهام((177)).
ولما كان تصحيح الكسور مرتبا على الحساب، اوردنا هذه
القاعدة من ذلك العلم، اذهي كالاصل في هذا الباب. وهي تدور على مقدمة وفصول: - المقدمة
كل عددين اما ان يكون احدهما مثل الآخر وهما المتساويان،
او لا يكون وهماالمختلفان، ثم المختلفان؛ اما ان يعد الاقل
منهما الاكثر حتى يفنيه وهما المتداخلان، اولا يعده، ولا يخلو
اما ان يوجد عدد ثالث اكثر من الواحد يعد كل واحد منهما
كذلك وهما المتشاركان، وذلك العدد هو((178)) مخرج الكسر
المشترك فيه، او لا يوجدوهما المتباينان.
تتمة لها:
فان كان معك عددان مختلفان، واردت ان تعرف النسبة
بينهما، فانقص اقلهما من الاكثرمرة بعد اخرى((179))
حتى يفنى، او يبقى منه شيء لا يمكن ان ينقص منه.
فان فني فهما متداخلان، كالاربعة مع الثمانية والعشرين، فانها
اذا انقصت منها سبع مرات تفنيها.
وان بقي شيء فانقصه من العدد الاقل الذي كان معك، فان
افناه فهما متشاركان في كسرالعدد المفني، وان((180))
بقي شيء، فانقصه من الباقي اولا، وهكذا مرة بعد مرة حتى يفنى
الزائد بناقص اكثر من الواحد((181))،
فيكونان((182))متشاركين في كسر العدد الناقص المفني.
مثاله: خمسة عشر، وستة وثلاثون، متشاركان في الثلث، لانا اذا
نقصنا الاقل من الاكثرمرتين، بقيت ستة، نقصناها من خمسة
عشر مرتين، بقيت ثلاثة، نقصناها((183)) من الستة مرتين،
افنتها، فعلمنا انها مخرج الكسر المشترك فيه، وهو((184))
الثلث.
وان كان المفني هو الواحد فهما متباينان، كثلاثة عشر مع
احدى وثلاثين، لانا اذاانقصنا((185)) الاقل من الاكثر مرتين،
بقيت خمسة، نقصناها من الثلاثة عشر((186)) مرتين، بقيت
ثلاثة، نقصناها من الخمسة، بقي اثنان، نقصناها((187)) من
الثلاثة بقي واحد، نقصناه من اثنين مرتين افناهما. فصل
اذا اردت ان تطلب اقل عدد ينقسم على عددين مختلفين،
فاعرف النسبة بينهما، فان كانامتداخلين، فالمطلوب هو الاكثر
منهما، ولا يحتاج الى عمل آخر، وان كانا متشاركين في كسر، فالمطلوب هو الحاصل من
ضرب ذلك الكسر من احدهما في الآخر، كما اذاطلبنا عددا ينقسم على تسعة، وخمسة عشر،
وقد اشتركا((188)) في الثلث، فثلث
ايهما ضربت في الآخر،
حصلت خمسة واربعون، وهي اقل عدد ينقسم عليهما.
وان كانا متباينين، فالمطلوب هو الحاصل من ضرب احدهما في الآخر، كما اذا طلبنا اقل عدد ينقسم على سبعة وعشرة
فهو سبعون، لانها((189)) الحاصل من
ضرب احدهما((190))
في الآخر((191)). فصل
وهكذا((192)) العمل اذا اردت اقل عدد ينقسم على اعداد
مختلفة، لانك اذاعرفت العدد المنقسم على اثنين منها ثم
عرفت((193)) العدد المنقسم عليهما وعلى الثالث منها، ثم
المنقسم عليها وعلى الرابع، وهلم جرا، فقد وجدت العدد
المنقسم عليهاجميعا.
مثاله: اذا اردنا ان نعرف اقل عدد ينقسم على ثلاثة، واربعة،
وخمسة، وستة، وثمانية،فالمنقسم على الثلاثة والاربعة اثنا
عشر، لانهما متباينتان((194))، والمنقسم عليهماوعلى
الخمسة ستون؛ لانهما ايضا متباينتان((195))، والمنقسم
عليها وعلى الستة ايضا ستون؛ لانهما متداخلتان((196))،
والمنقسم عليها وعلى الثمانية مئة وعشرون،لانهما متشاركان
في الربع، فمئة وعشرون هي اقل عدد ينقسم على الاعداد
المذكورة. فصل
والكسر على ضربين: مفرد، ومركب.
واذا((200)) قيل: اى عدد ينقسم منه كذا على كذا، مثلا اى
عدد ينقسم ربعه على خمسة؟
فاطلب عددا يكون لربعه خمس.
واذا قيل: اى عدد ينقسم الباقي منه بعد الربع والسدس على
خمسة مثلا؟
فاطلب العدد الذي له الربع والسدس، فانقص منه ربعه وسدسه
ثم انظر في الباقي، فان كانت الخمسة مباينة له فاضربها في
العدد الاول فما بلغ فهو المطلوب،وان((201)) كانت مشاركة
او داخلة فبحسب ما يقتضيه الاصل الذي عرفت، وبالله التوفيق.
الباب الاول
اذا قررت الاصل المذكور سهل عليك القسمة؛ لان الورثة اذا
لم يكن فيهم صاحب فرض، ويقتسمون بالسوية، فعدد رؤوسهم
اصل المال.
وان كانوا يقتسمون للذكر مثل حظ الانثيين، فاجعل لكل ذكر
سهمين، ولكل انثى سهماواحدا، فما اجتمع فهو اصل المال.
فان كان فيهم خنثى مشكل امره فله ثلاثة، ولكل ذكر اربعة،
ولكل انثى اثنان، فالمبلغ اصل((202)) المال.
فان كان فيهم صاحب فرض او اصحاب فروض، فاطلب عددا له
ذلك السهم او تلك السهام، وينقسم الباقي بعد السهم او السهام
على رؤوس باقي الورثة او سهامهم.
مثاله: أب وابنان وبنت. |