حقوق الانسان

اطلالة تاريخية

يحتدم الجدل في هذه الايام حول ما يصطلح عليه ب«حقوق الانسان‏» في الاوساط‏الخاصة من الساسة والمنظرين والمثقفين.. وقد انساب هذا الجدل والقى بظلاله على‏الاوساط الجماهيرية العامة.. واصبح هذا المصطلح مالوفا لدى الاسماع ولا تزال‏ايقاعاته ترن في الاذان لكثرة تكراره وتردده في شتى المجالات سواء الاعلامية اوالثقافية او الحقوقية او السياسية واخيرا صار محورا للمناقشات والقرارات المطروحة‏في المحافل الدولية.. حتى باتت هذه المسالة شيئا فشيئا تحتل مساحات واسعة من‏اهتمامات البشر وتحولت الى قضية العصر بل الى قضية الانسان الاولى والاخيرة الى‏حد شاع التصور ان (حقوق الانسان) هي الاكسير الذي لو تحقق لانحلت جميع‏الازمات التي تئن منها شعوب العالم.. ولعاش الانسان جنة لا يجوع فيها ولا يعرى‏ولا يظما فيها ولا يضحى..

فالمشكلة كل المشكلة انما نشات من عدم الايمان‏بمبادئ حقوق الانسان..

الدفاع عن حقوق الانسان:

وقد تحمس لذلك قوم في طليعتهم الغربيون وتبعهم المستغربون من الشرق الذين‏اتخذوا منه شعارا علقوه على يافطاتهم وزعموا انهم اعتمدوه اساسا في كل مايطرحون من برامج سياسية او مدنية او اعلامية او عسكرية على الصعيد الداخلي اوالاقليمي او العالمي.. وقد تفننوا في اقحام هذا الشعار في كل خطوة او تحرك على‏الصعيد الدولي واجادوا استخدامه كجسر للعبور الى اي هدف يستهدفونه كسلاح‏ستراتيجي ضد كل من لا يرغبون فيه..

وتصدى ساسة الغرب او الحكام منهم خاصة لحمل لواء المطالبة والدفاع عن‏حقوق الانسان المضيعة سيما في دول العالم الثالث وذرفوا الدموع على الحقوق‏المنتهكة فيه.. وصار الحديث عن حقوق الانسان حكرا على الغرب فقط وفقط وماعلى الشرق الا الانصات والاستماع والتصديق والانصياع..

ومن اللافت للنظر ان ثمة‏تركيزا استثنائيا في الخطاب السياسي الغربي على عالمنا الاسلامي عموما واجزائه‏الحية بصورة خاصة.. فان اصابع الاتهام في الغالب ان لم نقل دائما توجه اليه‏فحسب.. وهذا ما يوحي الى انه ليس من انتهاك لحقوق الانسان البتة في جنة الغرب..وليت الامر توقف عند هذا الحد فان التشويه والاتهام طال الشريعة الاسلامية ذاتهاوامتدت اليها اشارات الشك ورميت باغلظ السمات واسوا الصفات دون حساب‏وكيلت لها الشكاوى دون مراعاة واحترام..

الهجوم على الاسلام والمسلمين:

وقد سعى هؤلاء ان يبرروا هجومهم المدروس والمبرمج على الاسلام والامة‏الاسلامية فتذرعوا بعدة مبررات وعوامل ابرزها ثلاثة:

العامل الاول: الواقع المرير الذي يعيشه المسلم في اغلب ارجاء الوطن الاسلامي في‏ظل الحكومات الظالمة والكيانات المستبدة التي لا تقيم للانسان وزنا ولا تحترم له‏حقا من حقوقه التي لابد منها.. العامل الثاني: التمسك ببعض الاحكام الواردة في‏الشريعة والتي تبدو متعارضة مع مبادئ حقوق الانسان، نظير: عقوبة قتل المرتدوالتمييز بين المراة والرجل في بعض الاحكام واقرار الاسلام لنظام الرق.. بل اوغل‏بعضهم في الطعن بان التعارض بين الشريعة وحقوق الانسان ابعد من ذلك واعمق‏بدعوى ان الدين مبني على مقولة (التكليف) التي هي في مقابل مقولة (الحق)فالتعارض ليس في حدود الجزئيات التي ربما يغض النظر عنها او يمكن علاجها اويؤجل البحث فيها الى مرحلة اخرى وانما التعارض في المبنى والاساس النظري بين‏منظومة حقوق الانسان واطروحة الدين..

فان التشريعات الدينية اسلامية وغيرهاجاءت لتعين للبشر وظائفهم وتحدد لهم مجموعة من الواجبات‏ومجموعة‏من‏المحرمات‏فمن‏امتثلها كانت له الجنة ومن خالفها كانت له النار..فالانسان في دائرة الدين يجد نفسه امام ركام من التكاليف وما عليه الا الانقيادلها ولامجال للحديث عن الحق.. وهذا تماما يتنافى مع فكرة الحق..

العامل الثالث: ظهور بعض الحركات والتشكيلات التي تنتسب الى الاسلام وترفع‏شعارات حادة انتقامية وتتوسل بلغة المواجهة وتتعامل بمنطق القوة ولا تعتقدبالحوار مع الاخر..

وقد ولد ذلك حالة من الرفض الدولي والشعبي لهذه التوجهات‏الخطيرة سيما في بؤر التوتر في المنطقة الاسلامية بل طالت الدول الغربية ذاتها..

تشخيص المدعي والمدعى عليه:

ولسنا بصدد تحليل هذه العوامل بصورة تجزيئية، لان ذلك قد يغير من مجرى‏الحديث مما يبعدنا عن الغرض الاصلي.. الا اننا نكتفي هنا بمجرد التعليق على ذلك‏بثلاث كلمات مقتضبة فحسب: الكلمة الاولى: اننا لا ننكر الاوضاع المتردية التي‏تعيشها شعوبنا في العالم الثالث وشعوبنا المسلمة.. كيف وقد اكتوينا بنارها؟! الا انهاليست معلولة لشريعة الاسلام، وذلك لعدم تحكيم الاسلام وعزله عن الحياة العامة‏وخنقه في دائرة ضيقة.. اذا فالمسؤولية في ذلك قانونيا واخلاقيا تقع على عاتق كل‏من ساهم في صنع هذا الواقع السيئ.. وفي المقدمة الحكام المستبدون والدول‏الغربية التي قدمت الدعم المباشر وغير المباشر لهؤلاء الظلمة ولاتزال..

الكلمة الثانية: واما الروح الانتقامية والممارسات الارهابية لبعض الجماعات‏والتشكيلات التي تنسب نفسها للاسلام فان ذلك كله لا يمثل ظاهرة غالبة وانما هي‏تجمعات محدودة عددا وموقعا وتاثيرا.. وبعضها نشات تحت الرعاية الغربية وفي‏ظلها.. فلم يدفع المسلمون اليوم فواتير اصدقاء الغرب وندمائهم بالامس؟! الكلمة الثالثة: لماذا يظهر الغرب دوما بمظهر القديس النزيه والاب الحنون والمدافع‏الحقيقي عن البشرية والناطق الرسمي باسمها؟! 1 يا ترى ان ثقة الشعوب بالغرب هي التي رشحته لذلك؟! 2 ام ان مصداقيته المثالية وواقعه الراهن اهلاه لهذا الدور؟! فعلى الصعيد الداخلي‏نرى الانتهاكات المستمرة هنا وهناك لحرية التعبير عن الراي والحرية الشخصية حتى‏ان بعض القوانين الغربية راحت تلاحق الناس في قضاياهم الشخصية العادية وتحظرعليهم نوعا من الازياء.. وعلى الصعيد الدولي اخذوا يحكمون العالم بمنطق القوة‏وبلغة الغاب ويمنعون الشعوب من حقهم في تقرير المصير ولم يراعوا سيادة البلدان‏الاخرى ولم يحترموا وحدة التراب ولا استقلال الدول ويدعمون الارهاب الدولي‏بصورة علنية.. 3 ام ان الماضي المشرف الذي بناه الغرب للعالم سواء الماضي‏القريب ام البعيد هو الذي يثبت له نوعا من الجدارة والصدارة؟! وهل يخفى على احد ان هذا التهويل لمسالة حقوق الانسان كان نوعا من التغطية‏للانتهاكات الفظيعة للحقوق والكرامة‏الانسانية التي ارتكبها الغرب اثناء الحرب‏العالمية الثانية والتي احرقت الحرث والنسل ورسمت للعالم خارطة مبتنية على‏اساس الظلم والجور.. فاطلوا بعدها على الدنيا عام 1948م بالاعلان العالمي لحقوق‏الانسان.. فمثلهم في ذلك مثل من يقتل الضحية ثم ينثر عليها الورود ويملا الدنياصراخا وعويلا.. فالغرب اذا المتهم رقم واحد في هذه القضية بل متلبس بالجناية مع‏سبق الاصرار وعدم الندم..

حقوق الانسان تاريخيا:

من الخيانات الكبرى تزوير الحقائق العلمية والوقائع التاريخية..

فان هناك محاولات‏ترمي الى جعل اطروحة حقوق الانسان انجازا غربيا معاصرا وانتاجا ورد ساحتنا من‏الغرب.. وهذا النمط من الطرح قد يوجد له مجال في صعيد الاعلام ولكنه لا يمكن‏ان يصمد امام الدراسات والبحوث التخصصية التي ترجع نشاة ذلك الى سبعة قرون‏سابقة اي الى اوائل القرن الثالث عشر وعلى وجه التحديد في عام 1215م حيث‏عقدت اتفاقية تحد من صلاحيات ملك بريطانيا آنذاك ضمن (63) مادة، منها (14)مادة تتعلق بحقوق الانسان.. ثم تلت ذلك مقررات اخرى عام 1628م وفي عام‏1689م..

واما في الولايات المتحدة الامريكية فقد انطلقت البذرة الاولى لفكرة حقوق الانسان‏ابان الاعلان عن الاستقلال عام 1776م ثم اضيفت بعد ذلك بعض التعديلات‏للدستور الامريكي عام 1791م شملت عشر مواد تمثل في الحقيقة الاصول والمباني‏لحقوق الانسان.. واما في فرنسا فقد حققت الثورة الفرنسية عدة انجازات مهمة‏وعلى راسها الدستور الفرنسي الذي تمت المصادقة عليه عام 1789م.. وقد تضمن(17) مادة ثم جرى تطوير لذلك عام 1793م و1795م.. ثم توجت تلك الخطوات في‏شهر كانون الاول عام 1948م بالقفزة التي احدثها الغرب بالاعلان العالمي عن لائحة‏حقوق الانسان..

حقائق ومفاخر تاريخية:

ولا يصح ان يتوهم احد ان هذه هي القصة الكاملة لقضية حقوق الانسان مولداوتكاملا.. اي انها بدات ونشات في احضان الغرب ونمت وترعرت فيه والعالم كله‏آنذاك كان غافلا عن هذا الاكتشاف المهم لا يعرف شيئا عن حقوق الانسان والحياة‏المدنية.. وذلك لان الدراسات التتبعية تثبت ان اطروحة حقوق الانسان ليست انجازاعصريا ولاغربيا.. بل ان جذوره الاولى ضاربة في اعماق التاريخ وفي البيئة الشرقية‏على وجه الخصوص وهو امر متفق عليه في الجملة وان كان يقع اختلاف في‏وجهات النظر في بعض الجزئيات بين الباحثين في هذا المجال.. ولنعرض فكرة كلية‏حول ذلك:

1 اثبتت بعض الدراسات المختصة ان الديانة الزرادشتية وهي من الديانات‏القديمة جدا كانت تشتمل على مدونات نصت بشكل صريح على بعض مبادئ‏حقوق الانسان في (53) فقرة، كحرية الفكر، حرية الاعتقاد، حرية التعبير عن الراي،حرية المراة، و..

2 كما ان حضارة الرافدين الاولى هي الاخرى نصت على بعض الحقوق، سيماقانون حمورابي (1782 1750 ق.م) الذي احتوى على (282) مادة قانونية عالجت‏مختلف الجوانب في حياة الانسان والمجتمع.. ويعتبر هذا القانون اهم وثيقة تاريخية‏في المجال القانوني.. وقد تم اكتشافها عام 1901م في احدى مدن ايران.. وبالرغم‏من احتواء هذا القانون على بعض العقوبات التعسفية والقاسية وموارد مناقضة‏لحقوق الانسان وان كانت لا تصل الى القسوة والهمجية لقوانين الغرب في العصورالوسط‏ى كتعذيب المتهم والتمثيل به حيا كما تضمنته القوانين البريطانية آنذاك الاانه في الوقت نفسه اكدت شريعة حمورابي على بعض الحقوق الاساسية كحقوق‏العائلة والتخفيف من آثار السلطة الابوية والسماح بالتبني، واوجبت على المتبني‏رعاية من تبناه وتعليمه صنعة معينة، وقد اخذت بمبدا عدم التعسف في استعمال‏الحق الفردي و..

3 وهناك وثيقة تاريخية تم اكتشافها عام 1879م وضعت من قبل الامبراطور(كوروش الكبير) بعد احتلاله بابل عام 539 ق.م.. وقد نصت هذه الوثيقة على:تحسين الوضع المعاشي للناس، وتحقيق الامن، واعمار المساكن، ووضع نهاية‏لحالتهم المتردية، و..

4 كما ان الديانات السماوية هي الاخرى اعتنت بحقوق الانسان فالتوراة تنص على‏بعض الحقوق للانسان وان كانت باهتة: كاحترام الوالدين، والنهي عن القتل والسرقة‏وشهادة الزور و..

5 واما الديانة المسيحية فباعتبار ارتكازها على اصل الحب واساس العفو الى الحدالذي يشمل حتى الاعداء نراها مفعمة بالتاكيد على حقوق الانسان الى درجة‏الاغراق.. كما نطالع ذلك في انجيل متى الفصل الخامس، والفصل الحادي عشر،وكذلك الفصل الثاني عشر حيث نص على مبدا الاخوة الانسانية ومبدا المساواة‏و..

6 واما الشريعة الاسلامية فقد احدثت انعطافا في تاريخ القوانين والشرائع بالنسبة‏لحمايتها لحقوق الانسان ضمن ما جاءت به من احكام مبتنية على اساس اليسر وقاعدة السماحة، قال سبحانه: (يريد اللّه بكم اليسر و لا يريد بكم العسر)((1))(الذين يتبعون الرسول... ويحل لهم الطيبات ويحرم على‏هم‏ال خبائث‏ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت علبهم)((2))..

وقد نصت الشريعة الاسلامية على جميع المبادئ الاساسية لحقوق الانسان بصراحة‏ووضوح كمبدا المساواة بين البشر، قال تعالى: (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكروانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل‏لتعارفوا ان اكرمكم عند اللّه اتقاكم)((3)).. ومبداالكرامة الانسانية، قال جل وعلا: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحرورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)((4)).. وقد سمت‏الشريعة بالانسان الى حد اعتبرته خليفة وممثلا للّه في الارض، قال عز اسمه: (واذقال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة.. قال ياآدم انبئهم..)((5))..ورسمت الشريعة للانسان حريما لا يمكن انتهاكه كحقه في الحياة: (من قتل‏ن فسابغير نفس او فساد في الارض فكانما قتل الناس‏ج ميعا ومن‏اح ياها فكانما احياالناس جميعا)((6)).. وحقه في الملكية والانتفاع: (كلوا من طيبات مارزقناكم)((7))، (ولا تاءكلوا اموالكم‏بى نكم بالباطل)((8)) و..

وسنخصص ان شاء اللّه في فرصة لاحقة الحديث باسهاب عن امتيازات‏الاطروحة الاسلامية وتفوقها على ما تقدم وما تاخر من اطروحات دينية ووضعية..وقد شهد تاريخنا المعاصر خطوة مهمة الا وهي الاعلان الاسلامي لحقوق الانسان‏عام 1989م في (32) مادة في طهران.. ثم اجريت عليه بعض التغييرات وتمت‏المصادقة عليه في مؤتمر القاهرة عام 1990م في (25) مادة..استنتاجات‏وملاحظات:

وفي ضوء ما استعرضناه من حقائق نسجل الملاحظات التالية:

1 ان النواة الاولى لقضية حقوق الانسان لم تنشا في الحضارة الغربية دون سواها كمايدعي البعض.. كما انها لم تكن حديثة الولادة بل يعود تاريخها الى الحقب البعيدة‏والحضارات القديمة..

2 بل يمكن القول بان مقولة حقوق الانسان مرتبطة بظاهرة عريقة اخرى وهي‏ظاهرة التقنين والتشريع التي عرفتها الانسانية منذ ايامها الاولى وفي مختلف ادوارحياتها، فان الانسان الاول لم يكن متوحشا ولا همجيا بل كان مدنيا واجتماعيا، نعم‏يوجد تفاوت بين قانون وآخر في درجة حمايته لتلك المبادئ وفي كيفية ترجمة‏ذلك خلال عملية التقنين وفي الضمانات التي تكفل اجراء ذلك عمليا..

3 ان البحث هنا يدور مدار المضمون والمفهوم لا مدار الالفاظ والمصطلحات..فربما لا نجد مصطلح الحق متداولا في ادبيات بعض الشرائع غير ان هذا لا ينفي‏وجوده مفهوما ومضمونا..

4 ثمة ملازمة بين مقولة (الحق) ومقولة (التكليف).. لان الاعتراف بالحق لشخص‏ما ينشا منه دائما الزام للغير بعدم التجاوز عليه ويثبت عليه ضرورة مراعاته‏واحترامه.. وعليه فان تصوير المنافاة بينهما ليس صحيحا وهو نوع تلاعب بالالفاظ‏ليس الا..

5 ان اثارة شبهة كون الاسلام‏خصوصابل‏الدين‏عمومايتعامل مع الانسان باعتباره‏مكلفا وليس ذا حق شبهة واهية ومغالطة..

اذ ان الانسان بالنسبة الى ربه ومولاه‏سبحانه يعد مكلفا ومامورا وعليه ان يعي هذا التكليف وينتخبه عن اختيار وقناعة..ولا معنى لان يقال بان للانسان حقا على اللّه بالمعنى القانوني..

اجل بالنسبة لعلاقة‏الانسان بما حوله من اشياء وبغيره من بني آدم يمكن ان تنتظم وفق اساس الحق‏واساس التكليف امرا ونهيا..

6 وتجدر الاشارة الى ان مقولة الحق لا يمكن تفسيرها حقوقيا ومنطقيا الا على‏اساس النظرية الدينية وهي نظرية المشرع الاعلى وهو اللّه تعالى.. وهذه نقطة قوة‏تفتقدها كل التشريعات والقوانين والنظم الوضعية الاخرى التي فشلت في تقديم‏مبرر موضوعي لذلك مما اضطرها الى استلاف تبريرات غير علمية وجدانية‏وعاطفية..

7 ان التشبث بوجود حكم او حكمين في الشريعة فيه نوع من الشدة والقسوة‏واستعمال القوة لا يبرر رمي الاسلام وشريعته بالمنافاة مع اطروحة حقوق الانسان..بل لابد ان يحصر النقاش في هذه المفردات الجزئية ولا يسحب كحكم كلي على‏الشريعة باسرها.. وهذا ما ينبغي ان يبحث في الاروقة الخاصة بطريقة منطقية لابصورة المهاترات والاتهامات الاعلامية.. وقد توفرت دراسات عديدة فقهية‏وحقوقية مقارنة على تحليل وبحث هذه الموارد التي يدعى فيها المنافاة واثبتت‏تلك الدراسات دقة المشرع الاسلامي وبراعته التقنينية.. اضف الى ذلك اننا لا نجدتشريعا واحدا في التاريخ القديم والحديث لا يتضمن احكاما او عقوبات تتسم‏بالشدة والعنف والتحديد للحريات وكيفية ممارسة الحق..

8 عندما يمارس المتخصص عملية التقييم للاتجاهات المدرسية لابد وان يفصل‏بين الناحية النظرية والناحية التطبيقية.. ولا يصح الخلط بينهما.. وبتصوري ان كثيرامن الانتقادات الموجهة الى الاسلام وشريعته مرتبط بالناحية الثانية لا الاولى.. وليس‏المراد التقليل من اهمية الجانب التنفيذي بل المراد ان الموقف في الحالتين مختلف‏جدا ففي الحالة الاولى يقتضي رد النظرية ورفضها من الاساس بينما في الحالة‏الثانية فالموقف يستلزم قبولها نظريا ومعالجة ما اصابها من اخطاء ومنيت به من‏خروقات..

9 ان الموضوعية تملي على كل منصف عدم كتمان الحقائق وعدم اسدال الستارعلى التجاوزات التي بدرت من غير المسلمين والتي بلغت الذروة في انتهاك حقوق‏الانسان.. فلم يغفل امتهان الانسان في عهد سلطة الكنيسة خلال فترة طويلة دامت‏قرونا وما كانت تقوم به من تخدير للضعفاء والمحرومين بصكوك الغفران؟! ولم يتجاهل ما لحق بالبشرية سيما العالم الاسلامي من نيران الحروب الصليبية‏والحربين العالميتين المدمرتين الاولى والثانية؟! ولماذا لا تثار الاعتراضات الجادة والصريحة بوجه الصهاينة الذين صادروا بلداباكمله وابادوا شعبا عريقا وزيفوا تراثا مجيدا؟! ولم تلجم الافواه الحرة تجاه نزيف الدم في فلسطين؟! ولم هذا السكوت قبال ما نراه‏من انتهاكات يومية لحقوق الانسان باجمعها؟! ذلك في الوقت الذي توجه كل اصابع الاتهام الى الاسلام والمسلمين فحسب وتسخركل الامكانات والابواق ضدهم..

نتوقف مع القارئ الكريم في هذه المحطة الثقافية عند هذا الحد ونكتفي بهذاالمقدار من البيان العاجل والطرح الاجمالي ولعل لنا وقفة اخرى.. نرجو من اللّهالتوفيق والهدى (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذهدى تنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت‏الوهاب)((9))..

.. ولا حول ولا قوة الا باللّه ..

رئيس التحرير الهوامش بحوث اجتهادية البنوك دراسة في اقسامها واحكامها آية اللّه السيد محسن الخرازي القسم الثالث الثالث (من انواع المعاملات البنكية) حساب الذخيرة:

من الواضح انه لو كان ما يدفعه العميل الى البنك بعنوان الوديعة والامانة حقيقة ولم‏ياذن في التصرف فيه، وجب على البنك حفظ عينه، ولا يجوز له التصرف فيه، ولوتصرف فيه كان ضامنا، ولو تعامل عليه لم يصح الا باجازة صاحبه.

ولو اذن في التصرف فيه جاز التصرف فيه لمالكه فيما اذا لم يرجع الاذن في التصرف‏الناقل الى التمليك بالضمان، والا فيصير قرضا، ومع كونه قرضا لا يجوز اشتراط شي‏ءمن النفع، لانه ربا محرم.

والظاهر كما افاد سيدنا الامام المجاهد(قدس‏سره) ان ودائع البنك (قبل الثورة‏الاسلامية في ايران) من هذا القبيل، فما سمي وديعة وامانة فهو قرض واقعا، ويحرم‏اشتراط النفع فيه.

نعم، لو اعط‏ى البنك شيئا من دون شرط جاز اخذه، بل لو التزم‏البنك بان يعط‏ي شيئا ولكن لم يشترط عليه المقرض ولم يبن‏على شرطه، جاز له اخذالجوائز ونحوها وان كان داعيه هو ذلك. وسر ذلك ان شرط المقرض يوجب الحرمة،والمفروض ان المقرض لم يشترط. ثم انه لا مدخلية للتبعية والاصلية في ذلك، اذالمعيار في الجواز هو الداعي، والمعيار في الحرمة هو الشرط.

ومما ذكر يظهر ما في بعض كلمات الاعاظم حيث قال: لا اشكال في اخذ الجوائزسواء كان عن طريق القرعة او غيرها، لكن بشرط عدم كون الداعي الى اخذ الجوائزمقدما على الداعي الى الادخار، وذلك لان الاصلي والفرعي لا تاثير لهما في الجوازوالحرمة، وانما المعيار هو الشرط وعدمه. والمراد من الشرط هو الالزام والالتزام بين‏الطرفين، فالاولى ان يقال: لا اشكال في اخذ الجوائز ان لم يكن بينهما شرط والتزام،والا فاخذ الزيادة محرم ولو كان الالزام والالتزام بمثل القرعة لاخذ الجوائز.

وربما يقال: بان تعهد البنك بدفع الجوائز يكون من قبيل الشرط الضمني ولو لم يكن‏طرف آخر مصرحا بقبول ذلك الشرط.

وفيه: ان المراد ان كان صورة بناء المقرض على تعهد البنك وان لم يصرح بذلك فهو،واما اذا لم يكن بانيا عليه بل كان تعهد البنك داعيا الى افتتاح الحساب فلا اشكال،لان المضر هو شرط المقرض، والمفروض هو العدم.

ولا فرق في صورة الاشتراط بين ان تكون مدة الادخار قصيرة او طويلة او متوسطة،اذ اشتراط الزيادة في جميع الصور هي زيادة في القرض، وهي ربا محرم.

وربما يقال: ان حساب الادخار لا يدخل فيه الربا المحرم، لان مناط حرمة الربا هوالاستغلال، وصاحب المال بافتتاحه الحساب لا يستغل البنك، فليس في هذا القسم‏من الودائع ما يوجب الحرمة.

واجاب عنه بعض الاعلام: بان ما ذكر في الروايات من المفاسد المترتبة على الرباانما هو من باب حكمة تحريم الربا لا علته، والحكم لا يدور مدار الحكمة، وعليه‏فالقرض مع الشرط ربا محرم سواء ترتب عليه شي‏ء من المفاسد ام لا((10)).

الرابع (من انواع المعاملات البنكية) حساب الادخار للعمليات التجارية وغيرها:

ويسمى بالودائع الثابتة، وهو حساب يفتتحه البنك للعميل لايداع رؤوس الاموال فيه،ويخول العميل البنك في التصرف فيها والقيام بالمعاملات المشروعة، من المضاربة‏او الجعالة او الاجارة بشرط التمليك او المشاركة او المزارعة او المساقاة او غيرها.فالمدخر في البنك هو رؤوس اموال اصحابها، ويكون البنك في حكم الوكيل عنهم،فلا يصدق على الادخار في زماننا هذا (بعد انتصار الثورة الاسلامية وتعديل قوانين‏البنوك الى قوانين اسلامية) انه قرض.

ومقتضى تعدد المدخرين هو حصول الشركة في المدخرات كل بحسب حصته،ويتقسط الربح والخسارة بينهم بمقدار حصصهم، وسياتي ان شاء اللّه تعالى حكم‏ضمان الربح او ضمان الخسارة من ناحية البنك او الشخص الثالث، فانتظر.

مسائل:

الاولى: يجوز افتتاح حساب الادخار لكل من تتوفر فيه الاهلية سواء كان شخصاحقيقيا او معنويا، واما الصغار والسفهاء والمجانين فلا يجوز لهم ذلك، لمحجوريتهم،كما يدل عليه في الجملة قوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح فان‏آنس‏تم منهم رشدا فادفعوا اليهم اموالهم)((11))، وقوله(ع): «والغلام لا يجوز امره في‏الشراء والبيع، ولا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة او يحتلم او يشعر اوينبت قبل ذلك‏»((12)).

هذا مضافا الى قوله(ع): «عمد الصبي وخطؤه واحد»((13)) بناء على عدم‏اختصاصه بباب الجنايات، فتامل.. الى غير ذلك من الاخبار.

وعليه، فلا يجوز لغير البالغ الرشيد ان يفتتح حسابا، لانه تصرف مالي وهو محجور.نعم لو تصدى لذلك وليه كالاب والجد والوصي والحاكم الشرعي فلا اشكال في‏جوازه ونفوذه.

ويدل عليه روايات متعددة:

منها: موثقة محمد بن مسلم عن ابي جعفر(ع) انه قال «في الرجل يتصدق على ولده‏وقد ادركوا: اذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث، فان تصدق على من لم يدرك من‏ولده فهو جائز، لان والده هو الذي يلي امره‏»((14)). ولكن شمول الوالد للجدمحل تامل ونظر.

ومنها: رواية عبداللّه (عبدالملك خ. ل) بن الصلت قال: سالت ابا عبداللّه(ع)عن‏الجارية الصغيرة يزوجها ابوها، لها امر اذا بلغت؟ قال: «لا، ليس لها مع ابيها امر»،لعمو((15))م قوله:

«ليس لها مع ابيها امر»، ولا يخصص بالمورد، نعم تختص‏بولاية الاب.

هذا، مضافا الى ما في سندها من الترديد بين ان يكون عبداللّه بن الصلت اوعبدالملك.

ومنها: صحيحة عبدالرحمان بن الحجاج الواردة في وصية امير المؤمنين(ع)، قال:«وان حدث بالحسن والحسين حدث فان الاخر منهما ينظر في بني علي، فان وجدفيهم من يرضى بهديه واسلامه وامانته فانه يجعله ان شاء اللّه، وان لم ير فيهم بعض‏الذي يريد فانه يجعله الى رجل من آل ابي طالب يرضى به، فان وجد آل ابي طالب‏قد ذهب كبراؤهم وذوو آرائهم فانه يجعله الى رجل يرضى به من بني هاشم...».

فان ظاه((16))ره هو الاذن في الايصاء، وهو يكشف عن ولاية الجد بالنسبة الى‏ذراريه، لان عليا(ع) من اجدادهم. وايضا يدل على ولاية الوصي، والا لم يتحقق منه‏الايصاء، كما لا يخفى.

ومنها: معتبرة محمد بن سنان، ان علي بن موسى الرضا(ع) كتب اليه في جواب‏مسائله: «وعلة تحليل مال الولد لوالده بغير اذنه وليس ذلك للولد لان الولد مولودللوالد في قول اللّه عز وجل : (يهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاءالذك‏ور)((17)) مع انه الماخوذ بمؤونته صغيرا وكبيرا والمنسوب اليه او المدعو له،لقول اللّه عز وجل : (ادعوهم لابائهم هو اقسط عند اللّه)((18))، وقول‏النبي(ص): انت ومالك لابيك. وليس للوالدة كذلك، لا تاخذ من ماله الا باذنه او باذن‏الاب، لان الاب ماخوذ بنفقة الولد، ولا تؤخذ المراة بنفقة ولدها»((19)).

ومنها: صحيحة علي بن جعفر في مورد نكاح الصغيرة: «لانها واباهاللجد»((20)).

والظاهر من هذه الاخبار هو شمولها للكبير من الاولاد، ولكنها تختص بصورة‏الاضطرار والحاجة، جمعا بينها وبين الاخبار الدالة على التقييد بصورة الاضطراروالحاجة، كموثقة الحسين بن ابي العلا قال: قلت: ما يحل للرجل من مال ولده؟ قال:«قوته (قوت خ. ل) بغير سرف اذا اضطر اليه...»((21)).

وخبر ابي حمزة الثمالي عن ابي جعفر(ع): «ان رسول اللّه(ص) قال لرجل: انت ومالك‏لابيك ثم قال ابو جعفر(ع): ما احب ان ياخذ من مال ابنه الا ما احتاج اليه مما لابدمنه، ان اللّه لا يحب الفساد»((22)).

وربما يدعى الانصراف عن الكبير، لمعهودية استقلال المكلف في نفسه وماله وعدم‏سلطنة الغير حتى الاب عليهما، بل هو كالضروري، فتنصرف الادلة عنهما، فحينئذليس خروج امواله ونفسه حال كبره من قبيل التقييد حتى يتوهم انه من التقييدالاكثري((23)).

وفيه نظر، لان الانصراف بدوي، وعليه فالاخبار المذكورة شاملة للكبير ايضا، ولكنهامقيدة بصورة الحاجة والاضطرار فيما اذا كان التصرف لنفسه لا للولد.

اللهم الا ان يستبعد ان يكون للاب والجد حق التصرف في مال اولادهما بالبيع‏والشراء ونحوهما من دون موافقة الاولاد مع كونهم كبارا، اذ لم ينقل تجويز ذلك من‏احد من العلماء، فلم يعمل الاصحاب باطلاق الروايات حتى في مثل البيع والشراءونحوهما، فتامل.

وكيف كان، فقد استشكل على الاخبار التي ورد فيها «انت ومالك لابيك‏» بان‏المستفاد من بعض الاخبار انه حكم ادبي خلقي، كصحيحة الحسين بن ابي العلاالمروية في الكافي عن محمد بن يحيى، عن عبداللّه بن محمد، عن علي بن الحكم،عن الحسين بن ابي العلا قال: قلت لابي عبداللّه(ع): «ما يحل للرجل من مال ولده؟قال: «قوته (قوت خ. ل) بغير سرف اذا اضطر اليه‏». قال: فقلت له: فقول رسول‏اللّه(ص) للرجل الذي اتاه فقدم اباه فقال له: «انت ومالك لابيك‏»؟ فقال: «انما جاءبابيه الى النبي(ص) فقال: يا رسول اللّه، هذا ابي وقد ظلمني ميراثي من امي، فاخبره‏الاب انه قد انفقه عليه وعلى نفسه، فقال: انت ومالك لابيك، ولم يكن عند الرجل‏شي‏ء، افكان رسول اللّه يحبس الاب للابن؟!»((24)).

حيث تدل الرواية على ان قول رسول اللّه(ص): «انت ومالك لابيك‏» ليس حكما كليافقهيا، بل هو حكم ادبي خلقي مذكور في واقعة خاصة لدفع مزاحمة الولد لوالده.ومعناه انه لولا ابوك لما كنت موجودا، فانت ومالك من ابيك، فلا يصلح التعرض له‏وان ظلمك في التصرف في مالك، وعليه فلا ينافي هذا الحكم الخلقي مع ما ذكر في‏صدر الرواية من اختصاص حلية مال الولد بالقوت.

هذا، مضافا الى انه لا معنى لكون الابن ملكا للاب والجد بحيث يعامل معاملة العبدالمملوك فلا يباع ويتصرف فيه كما يتصرف في العبد المملوك، وهو شاهد على عدم‏كون الاضافة في قوله:

«مالك لابيك‏» اضافة ملكية.

ويمكن الجواب عنه كما افاد سيدنا الامام المجاهد(قدس‏سره) بان: «ما ورد هذه‏الجملة فيها روايات كثيرة صحيحة السند لا يمكن رفع اليد عنها بمثل هذا الاشعارالضعيف، مع ان عدم قبول دعوى الولد دليل على ان قوله(ص) ليس موعظة، بل‏الحكم الشرعي يقتضي ذلك في مورد الانفاق على نفسه وولده، ولم يتضح ان دعوى‏الولد كانت غير ما اقر الوالد به، ولهذا لم ينكر عليه بانه صرفه في غير نفقتي ونفقته،تامل‏»((25)).

وحاصله: ان هذه الصحيحة لا تنافي الحكم الفقهي، اللهم الا ان يقال: انها لا تنافيه‏لولا الذيل، واما معه فيستفاد انه لا حق للاب في التصرف في الزائد على القوت،ولكن لا يحسن حبس الاب للابن، فقوله: «انت ومالك لابيك‏» مقول لافادة عدم حسن‏حبس الاب، وهو حكم خلقي، فتامل.

نعم، مع الشك في معنى الصحيحة فلا وجه لرفع اليد عن الاخبار الموثقة الدالة على‏ان قوله(ص): «انت ومالك لابيك‏» يفيد الحكم الفقهي، لعدم سراية الاجمال من‏المنفصل الى تلك الاخبار. بل لو سلمنا ظهور هذا الخبر في الحكم الخلقي فهو لايقاوم ظهور سائر الاخبار في كونه حكما فقهيا، فلا يصلح لرفع اليد عنها، لقوة ظهورتلك الاخبار في الحكم الفقهي.

وعليه فتحمل هذه الرواية على استفادة الحكم‏الخلقي من الجملة الصادرة لافادة الحكم الفقهي.

واما الاشكال في سند هذه الرواية من جهة الحسين بن ابي العلا وعبداللّه بن محمد،ففيه: ان نقل مثل صفوان وابن ابي عمير والبزنط‏ي عن الحسين بن ابي العلا يكفي في‏وثاقته، لانهم لا يروون ولا يرسلون الا عن الثقة.

وايضا عبداللّه بن محمد كما صرح به بعض الاعلام هو اخو احمد بن محمد بن‏عيسى، ويلقب ببنان، وروى عنه محمد بن يحيى بلا واسطة، وهو ممن لم يستثنه ابن‏الوليد، وفيه ايماء الى وثاقته.

ثم ان المراد من ملكية الولد ليست هي نوع ملكية العبيد، بل هي الملكية التي اشيراليها في قوله تعالى: (يهب لمن يشاءاناثا ويهب لمن يشاء الذكور)((26))، ومن‏المعلوم انه كناية عن ولاية الاب على الابن.

وكيف كان، ففيما ذكر غنى وكفاية في اثبات ولاية التصرف في اموال الصغيروالمجنون والسفيه، وهم: الاب، والجد للاب، ووصيهما، والحاكم الشرعي، ومن‏يجعله قيما، فلا تغفل.

الثانية: ان مقتضى المطلقات المتقدمة الظاهرة في سلطنة الوالد على الولد وماله آكما افاد شيخنا الاعظم(قدس‏سره) هو جواز تصدي الاب والجد مع عدم الفساد، اذماله كمالهما، فكما ان لهما التصرف في مالهما ما لم يلزم منه المفسدة، فكذلك لهماذلك في مال الولد، فلا يشترط في جواز التصرف ان يكون ذا مصلحة، بل اللازم هوخلوه عن المفسدة.

وبعبارة اخرى: هذا القول المبارك يعين الاولى في قوله:

(واولوا الارحام بعضهم اولى‏ببعض)((27))، فلا تغفل.

وعموم قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي‏ا حسن)((28)) الشامل‏للجد، قابل للتخصيص بما ورد في جواز تصدي الجد بما ليس فيه المفسدة، وحينئذفيجوز للجد التصرف بما لا يكون مفسدة، ولو سلمنا عدم التخصيص وجب‏الاقتصار عليه في حكم الجد، فيكون تصرفه منوطا بالمصلحة، بخلاف الاب، فان‏التصرف منه يجوز فيما لا تكون مفسدة.

ودعوى عدم القول بالفصل ممنوعة، والمفروض ان الاية لا تشمل الاب، والا فلايصدق اليتم، كما لا يخفى((29)).

الثالثة: لا خلاف ظاهرا كما افاد شيخنا الاعظم(قدس‏سره) في ان الجد وان علايشارك الاب في الحكم، ويدل عليه ما دل على ان الشخص وماله الذي منه مال ابنه‏ لابيه، وما دل على ان الولد ووالده لجده((30)).

ولو فقد الاب وبقي الجد، فهل ابوه وجده يقومان مقامه في المشاركة او يختص هوبالولاية؟ قولان: من ظاهر ان الولد ووالده لجده وهو المحكي عن ظاهر جماعة آومن ان مقتضى قوله تعالى: (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض) كون القريب اولى‏بقريبه من البعيد، فتنتفي ولاية البعيد، خرج منه الجد مع الاب وبقي الباقي.

وليس المراد من لفظة (اولى) التفضيل مع الاشتراك في المبدا، بل هو نظير قولك: «هواحق بالامر من فلان‏» ونحوه، وهذا محكي عن جامع المقاصد والمسالك والكفاية.

ولا يخفى ((31))عليك ان المستفاد من قوله(ع): «لانها واباهاللجد»((32))، وقوله(ص): «انت ومالك لابيك‏» الظاهرين في الكبرى الكلية ان‏الاجداد كالجد القريب في المشاركة، فكما ان القول المذكور كناية بحسب فهم‏العرف عن ثبوت الولاية للاب بل احقيته بالنسبة الى ابنه، فكذلك يكون بالنسبة الى‏الاجداد، فهم مقدمون فضلا عن اشتراكهم.

وحيث ان النسبة بين هذا القول وقوله تعالى: (واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض)هي نسبة العموم والخصوص، فيقدم القول المذكور بمعناه على عموم الاية الكريمة،فالجد مقدم على الاب، وجد الجد مقدم على الجد والاب. ولكن النسبة بين قول‏رسول اللّه(ص): «انت ومالك لابيك‏» والاية الكريمة هي نسبة العموم من وجه،ومقتضى التعارض في مادة الاجتماع هو الرجوع الى اصالة عدم ترتب الاثر ما لم‏تكن مصلحة، فتدبر جيدا.

الرابعة: لا ولاية للامهات بالنسبة الى اموال المحجور عليهم المذكورين، فلا يجوزلهن افتتاح حساب باموالهم للتجارات من دون اذن اوليائهم، كما لا يجوز بعد افتتاح‏الحساب اخذ ما فيه بدون اذن اوليائهم ايضا. ولا يكفي في ذلك العلم بالرضا، لعدم‏كفايته في التصرفات المعاملية وان اكتفي به في غيرها.

الخامسة: ان مقتضى ما مر من محجورية الصغار قبل البلوغ وحصول الرشد هو عدم‏جواز تصرفهم في اموالهم ولو بافتتاح الحساب، لانه ايضا تصرف، فاللازم حينئذ ان‏يكون التصرف المذكور باذن اوليائهم.

ومما ذكر يظهر ما في قانون البنك الايراني المصادق عليه في مطلع سنة (1357ه.ش: 1978م) والقاضي بان الاطفال اذا بلغوا سن الثانية عشرة جاز لهم الاقدام على‏افتتاح الحساب للادخار لانفسهم، وينحصر حق الاخذ من الحساب المذكورلصاحب الحساب، واذا اتموا الخامسة عشرة جاز لهم اخذ ما ادخروه في الحساب‏المذكور((33)).

وذلك لما عرفت من ان افتتاح الحساب تصرف، ولا يجوز ذلك من دون اذن الاولياء.هذا مضافا الى ان الحكم بحصر جواز اخذ المدخر لصاحب الحساب مع ان حق‏الاخذ لاوليائهم، كما ترى.

على ان تحديد وقت جواز الاخذ بخمس عشرة سنة في غير الذكور منظور فيه من‏جهة ان وقت بلوغ الاناث اقل من ذلك.

هذا مضافا الى ان عدم تقييده بحصول الرشدلا يخلو عن اشكال.

السادسة: لو شرط البنك على المدخرين للتجارة انه يتحتم عليهم عند فقدان وثيقة‏الحساب اعلام البنك بذلك، وجب على المدخرين الالتزام بذلك، لانه شرط في‏ضمن عقد من العقود، كالمضاربة والجعالة والشركة والوكالة، ولا يضر بالوجوب‏المذكور كون العقود المزبورة من العقود الاذنية، للزوم مراعاة الشروط المذكورة في‏العقود وان كانت اذنية ما دامت العقود باقية.

نعم، اذا فسخت العقود المذكورة ارتفع وجوب مراعاة الشرط بتبع ارتفاع العقودالاذنية.

وكيف كان، فلو لم يعلم المدخرون بفقدان الوثيقة المذكورة وحصلت الخسارة فلاضمان على البنك، لان يد البنك يد امانة، وليس على الامين الا اليمين، والمفروض‏ان سبب الخسارة المدخرون انفسهم، ولا افراط ولا تفريط من ناحية البنك، كما لايخفى.

السابعة: لو وقعت المصالحة بين البنك ومدخري راس المال للتجارة بتعهد البنك في‏صورة ادخار المدخرين مبلغا في كل شهر طيلة ثلاث او خمس سنوات للتجارة‏وعدم اخذهم شيئا من راس مالهم وارباحه على ان يعطيهم شهريا بعد ثلاث سنوات‏نصف ما كانوا يدفعونه في كل شهر، او يعطيهم شهريا بعد خمس سنوات مثل ماكانوا يدفعونه في كل شهر ما داموا على قيد الحياة، صحت المصالحة المذكورة.

واذا اراد المدخرون فسخ المصالحة المذكورة رد اليهم ما ادخروه مع ارباحه الى‏زمان الفسخ، فهذه المصالحة وقعت بين المدخرين على الا ياخذوا ما ادخروه‏للتجارة وارباحه الى ثلاث او خمس سنوات، وبين البنك على ان يعطيهم شهريانصف ما كان يدفع في كل شهر او تمامه. ومقتضى هذه المصالحة هو بقاء ما ادخره‏المدخرون على ملكيتهم، وكذلك حصة ربحهم من المضاربة ونحوها، ويكون اعطاءالبنك في مقابل استدامة المضاربة ونحوها.

ومثل المصالحة ما لو جعل الاعطاء المذكور شرطا في المضاربة او الجعالة اونحوهما، او شرطا في ضمن عقد خارج لازم آخر، لصحة الشرط المذكور.

لا يقال: ان شرط دفع مبلغ ما دامت الحياة شرط غرري في نفسه، فيكون فاسدا،للنهي الشرعي عنه.

لانا نقول: لا دليل على ممنوعية الغرر في غير البيع فضلا عن الشرط، لاختصاص‏قوله(ع): «نهى النبي(ص) عن بيع الغرر» بخصوص باب البيع وما يلحق به، ولااشكال بعد اختصاص النهي عن الغرر بالبيع.

ودعوى الغاء الخصوصية عن البيع والتعدي الى سائر المعاملات، مندفعة:

اولا: بمنع الغاء الخصوصية مع احتمال اختصاص ذلك بباب البيع وما يلحق به.

وثانيا: ان غايته هو التعدي الى المعاملات المستقلة لا الشرط الذي لا استقلال له في‏نفسه، ولا مجال ايضا لدعوى بناء العقلاء على ممنوعية الغرر في مطلق المعاملة‏حتى الشرط، وذلك لاقدامهم على جملة من المعاملات الغررية فضلا عن الشروط‏الغررية.

ودعوى ان جهالة الشرط تستلزم في العقد دائما مقدارا من الغرر الذي يلزم من‏جهالته جهالة احد العوضين كما في مكاسب شيخناالانصاري(قدس‏سره)((34)) صحيحة في خصوص البيع وما يلحق به ممايفسده الغرر اذا كان الشرط من اوصاف العوضين وشؤونهما، فان الجهالة حينئذترجع الى جهالة احد العوضين، واما اذا لم يكن الشرط من اوصاف العوضين فلا يلزم‏من جهالة الشرط جهالة العوضين.

لا يقال: ان الالتزام المعاملي مقيد بالشرط المذكور، فمع انتفائه ينتفي الالتزام‏المعاملي.

لانا نقول: ان ذلك في الشرط الاصولي لا الشرط الفقهي، لان نسبة العقد الى الشرط‏حينئذ تكون كنسبة الظرف الى المظروف ليكون الشرط خارجا عن الشروط‏الابتدائية، فهو التزام في ضمن التزام، ومن المعلوم ان الجهالة في الالتزام المظروفي‏لا ترتبط بالالتزام الظرفي، اذ المفروض ان الشرط شرط فقهي لا شرط اصولي بحيث‏يتوقف الالتزام الظرفي على الالتزام المظروفي، فلا تغفل.

وهذا الذي ذكرناه طريق لتصحيح حساب الادخار لراس المال واخذ شي‏ء مستمرومستديم باستدامة الحياة بالشرط الذي عرفته.

ولكن المذكور في بعض القوانين البنكية غير هذا الطريق.

والطريقة التي يعتمدها بنك‏«سبه‏» احد البنوك الايرانية هي ان ما اودعه المدخرون خلال فترة ثلاث او خمس‏سنوات انما هو راس المال، والارباح المجتمعة في تلك السنوات تبقى محفوظة‏تحت عنوان الربح التجميعي طيلة مدة الادخار، وهذا الربح لا يعط‏ى للمدخرين حتى‏انتهاء السنوات الثلاث او الخمس، فاذا انتهت تلك السنوات حسب ربح راس المال‏والارباح المجتمعة خلال تلك السنين، ويعط‏ي البنك في كل شهر مبلغا للمدخرين‏بعنوان ربح المجموع من راس المال والارباح المجتمعة في تلك السنوات، ولكن‏تعيين هذا المبلغ ليس تعيينا نهائيا، بل هو موقت حتى تتم المحاسبة النهائية عندالموت او عند غلق الحساب والتسوية.

واذا انكشف عند التسوية ان الربح اقل، اخذ المقدار الناقص من الارباح المجتمعة‏اثناء مدة الادخار بعنوان الربح التجميعي، ولا يتحمل البنك شيئا من الخسارة.

ولو ظهر وقوع خسارة باصل راس المال حين الرد، جبر ذلك ايضا من الربح المجتمع‏خلال مدة الادخار، ولا تتعلق الخسارة براس مال البنك او راس مال سائرالمدخرين.

والظاهر ان هذه الطريقة ايضا لا باس بها ان كان تعيين المبلغ بعنوان على الحساب‏والمضاربة واقعة بينهما بالشراكة بنسبة معينة ولو بجعل المبلغ المذكور مرآة لها، والافالمضاربة محل اشكال، ومع فساد المضاربة فالربح عائد للمدخرين، والبنك‏يستحق اجرة المثل. اللهم الا ان يوكل البنك من قبل المدخرين في المصالحة في‏نهاية الامر بينهم وبين البنك فيما يتعلق باجرة عمل البنك بما يراه صالحا، فلا تغفل.

الثامنة: لو كان ادخار المدخر في البنك بشكل تدريجي لاجل اعداد راس مال لتامين‏معيشته في المستقبل مع ترخيص البنك في المضاربة بما ادخره طيلة السنوات‏المعهودة بينهما، جاز ذلك ان تمت شرائط المضاربة، كتعيين حصص الربح بالنسبة،والا فالمضاربة باطلة وان كانت المعاملات الواقعة على راس المال صحيحة، لكونهاماذونة بالاذن في المضاربة، وذلك لان اللازم في المضاربة هو تعيين الربح بالنسبة،ولا يكفي فيها تعيين النسبة بالقياس الى اصل راس المال كما هو المتعارف في‏البنوك، فان النسبة بالقياس الى راس المال غير النسبة قياسا الى الربح، والفرق بينهماواضح، فان كانت النسبة هي الخمس مثلا فلا تكون مقصودة بالقياس الى الربح بل‏الى راس المال، لانها ليست بشي‏ء يقصد، اذ خمس الربح قليل، اللهم الا ان يكون‏المقصود هو احتساب نسبة المبلغ الحاصل من النسبة المفروضة على راس المال‏قياسا الى مجموع الربح العائد للبنك فيعطيه بتلك النسبة، ولا اشكال فيه حينئذ مادام يبقى شي‏ء للعامل، والا فتخرج هذه المعاملة عن المضاربة، كما لا يخفى.

نعم، لو وكل صاحب المال البنك في المصالحة بعد اتمام العمل بين البنك والموكل‏بما يراه صالحا فلا اشكال، وان فرض بطلان المضاربة.

ثم انه لو مات صاحب المال خلال المدة المعينة انفسخت المضاربة، لانها من العقودالاذنية، ويرد راس المال الى الورثة مع حصة ربحه التجميعي الى حين الموت.

لكن لو فرض كون العقد الحاصل بينه وبين البنك عقد مضاربة فيترتب على ذلك ان‏يفقد كل المال او بعضه عند تعرض البنك للخسارة او المال للتلف.

ويمكن التخلص من هذه المشكلة بالتامين على المال ليدفع البنك المال مع ارباحه‏في الاحوال الاعتيادية، وتدفع شركة التامين المال المؤمن عليه عند تعرضه للخسارة‏او التلف. ولا فرق في ذلك بين ان يكون التامين بين البنك وشركة التامين او بين‏صاحب المال وشركة التامين، بناء على صحة عقد التامين كما قررناه في محله.

التاسعة: يجوز لمن يدخر راس المال ان ياخذ راس ماله في اي وقت كان، لان الوكالة‏والمضاربة والجعالة والشركة ونحوها من العقود الاذنية، كما فصلناه في محله.

نعم، لو شرط بقاء جميع المال او بعضه في مدة معلومة في ضمن عقد خارج لازم، لم‏يجز الاسترداد قبل حلول المدة المذكورة، قضاء للشرط.

وكذا لو صرف البنك الوكيل من قبل صاحب راس المال ذلك المال في شراء دارواجارتها بشرط التمليك لا يجوز له فسخ البيع ولا الاجارة، لانهما من العقود اللازمة،والمفروض انهما وقعا مع الاذن.

وكيف كان، ففي موارد جواز الرجوع لا يستحق من الارباح الا حصة راس ماله من‏الربح الى زمان الرجوع ما لم يشترط في ضمن عقد خارج لازم الا ياخذ حصته اوبعضها عند الرجوع، والا فلا يجوز له ان ياخذ ذلك، كما لا يخفى.

العاشرة: الادخار تارة يكون بنحو الودائع الثابتة مع اشتراط ابقائها لدى البنك مدة‏معينة كستة اشهر مثلا في ضمن عقد لازم، واخرى يكون بنحو ودائع التوفير مع‏عدم اشتراط ابقائها لديه مدة معينة بل يمنح اصحاب ودائع التوفير الحق في سحب‏اموالهم متى شاؤوا، ومن هذه الناحية تكون ودائع التوفير هذه شبيهة بالحساب‏الجاري، اي الودائع المتحركة، ومن ناحية اخرى هي شبيهة بالودائع الثابتة من حيث‏التعامل بها في مجال المعاملات من قبيل المضاربة ونحوها.

وغير خفي ان البنك حينئذ يواجه طلبات السحب من الموفرين في ودائع التوفير من‏ناحية، ومن ناحية اخرى يكون ملتزما بتوظيف هذه الودائع في مجال المعاملات،وهذا امر يتوقف على القدرة على ذلك، ولذا قال الشهيد الصدر(قدس‏سره):«يستطيع البنك ان يقدر النسبة التي تسحب فعلا من مجموع ودائع التوفير، فاذافرضنا انها كانت لا تزيد في العادة على 10% فسوف يعتبر عشر كل وديعة من ودائع‏التوفير وديعة متحركة (كالحساب الجاري)، ولا يدفع عنها اي فائدة او ربح، بل‏يحتفظ بها كقرض في حالة كاملة من السيولة النقدية لمواجهة طلبات السحب من‏الموفرين الذين يشترط عليهم البنك الا يطالبوا الا بقيمة الوديعة‏» ((35)).

الحادية عشرة: لا يشترط في حساب الادخار لراس المال مدة معينة، وانما تتعين‏المدة بالتوافق بين صاحب راس المال والبنك، فان عينا مدة فلا يجوز للبنك‏تمديدها من دون اذن صاحب راس المال الا اذا وكله المالك عند افتتاح الحساب‏للتمديد مرة او مرات.