|
واما افتراض ان دلالة مثل اخبار التعارض على الحجية يعني
نصا من الائمة(ع) علىحجية خبر الواحد، الامر الذي يستدعي
عمل الشيعة باخبار الاحاد فهو افتراض لايضر بفكرتنا هنا، لان
المفروض ان تقعيد مبدا الاوثقية مخصوص ببعض
حالاتالتعارض، ونحن لا ننكر ان يكون الشيعة عاملين
بالاخبار الظنية في بعض الحالاتالخاصة، وما ننكره ان تكون
هذه الظاهرة هي المبدا في سيرة المتشرعة في عصرالحضور،
فبحثنا هنا تاريخي حول الظاهرة العامة، لا اصولي حول مبدا
حجية السنةالمحكية الظنية.
واما حديث الشهيد الصدر عن الترجيح بملاك الموافقة للقرآن
الكريم فهو ايضا غيرتام، لان صدور نصين متعارضين احدهما
مخالف للقرآن ليس بمستحيل او بمنفي،والوجه في ذلك ان
الاخبار التي تحدثت عن عدم صدور النصوص المخالفة
للقرآنالكريم عن لسان اهل البيت(ع) مثل «فهو زخرف»((91))
او «لم نقله»((92))انما هي اخبار الطرح، والتي تكون فيها
الرواية منافية تماما للنص القرآني، كما لواجازت شرب الخمر
مطلقا، اما اخبار الترجيح فان ما تعنيه المنافاة فيها انما
هوالتنافي بين احدى الروايتين والكتاب الكريم بنحو العموم
والخصوص، لا بنحو نفيالنص القرآني او روحه برمته، فاذا بني
على جواز تخصيص الكتاب بدليل يقيني كانمعنى ذلك
مطابقة احدى الروايتين المتعارضتين للكتاب تماما دون اي
تناف، فيماكانت الاخرى مقيدة لاطلاقه او مخصصة لعمومه،
وحيث كانت الروايتان متيقنتينمن حيث ذاتهما،
اعلمالامام(ع) السائل بان الرواية الموافقة للقرآن الكريم
هيالصحيحة، وهذه الصحة ليست انباء غيبيا عن جميع حالات
التعارض الاتي من هذاالنوع، بل هي اما مؤشر احتمالي من
الامام(ع) على ان غالبية الحالات التي تكون منهذا القبيل
يكون المطابق منها للواقع هو غير المخالف للكتاب، فيكشف
بالاحتمالالقوي عن خطا اليقين بصدق احدى الروايتين، او
مجرد حكم تعبدي ليس له انباءعن الخارج فيكون بنفسه حكما
الهيا مقطوعا لفرض سماعه منه(ع).
بل ربما امكن التوقف في هذه النصوص اذا استثنينا اخبار
التعارض من مثل نصوصالحث على الكتابة للحديث ونشره،
ونصوص الارجاع الى بعض الشخصياتباعيانهم وهم من
اعاظم الاصحاب، ونصوص عدم جواز التسرع برد
الاحاديثنتيجة اذواق شخصية و... اذ لا تدل على شيء في
المقام كما حقق ذلك مفصلاالشهيد الصدر نفسه((93)).
لا بل يمكننا القول بان اخبار الترجيح قليلة... ظنية، في سندها
كلام، فلا تصلحلوحدها هنا شاهدا على امر تاريخي يفترض
تحصيل اليقين ولو الاطمئناني فيه لاالحجية التعبدية.
وهذا كله معناه ان فرضية اليقين فرضية غير بعيدة ولا
مستهجنة، بل لعل طبيعةالاشياء تقتضيها، وتجعل منها
الفرضية الاقرب الى الواقع، سيما اذا نجحنا في البرهنةعلى ان
مشهور الشيعة منذ بداية عصر الغيبة والى زمن العلامة الحلي
في القرنالثامن الهجري كانوا يذهبون الى عدم حجية الاحاد
الظنية كما قويناه في مقالتناالمشار اليها، فان فرضية اليقين
في عصر الحضور بامكانها بسهولة الانسجام معهذه الشهرة
المتاخرة، اما فرضية التعبد الظني فيجب عليها ان تفسر هذا
التحول فيالعقل الشيعي بمجرد حصول الغيبة، اذ لماذا عدل
الشيعة عن العمل تعبدا باخبارالاحاد الظنية في عصر الحضور
الى رفضها في عصر الغيبة لما يزيد عن اربعة قرونمع استثناء
مدرسة الشيخ الطوسي؟!
ولسنا نزعم ان الشيعة كانوا يرون قطعية الروايات كافة او ما
كان موجودا منها فيبعض المصادر المشهورة، كما يحاول
القول به بعض الاخبارية، بل نؤكد على انالمراد ان الشيعة
كانت عاملة بالخبر اليقيني، لا ان كل خبر كانعندها يقيني،
فلم تكنالطائفة الشيعية عاملة في الراي العام الغالب عليها
باخبار الاحاد الظنية حتى ماكان منها ظنا قويا، كما استقربناه
ولم نجزم به.
وينتج عن ذلك: ان ما يقال من عمل الطائفة قديما بالخبر
الموثوق، ان اريد به الخبرالمتيقن منه فهذا صحيح، واما ان
اريد به مجرد حالة الوثوق العام بمعنى كوناحتمال الخلاف
موجودا بدرجة معتد بها، غايته لا يؤخذ به مثل 90% او 95%
فهذاغير معلوم على ما بينا.
ومن الضروري هنا الاشارة الى نقطة جديرة، كانت لنا وقفة
معها في مقالتنا المذكورة،وهي انه قد يتصور استبعاد الا يعمل
الشيعة بالخبر الموثوق بمعنى الخبر الظنيالمتاخم للعلم او ما
بات يعرف اليوم في الدراسات الدينية
بالاطمئنان((94))،وينطلق هذا الاستبعاد من انه من غير
المنطقي افتراض انه كانت تحصل لهم منجميع الاحاديث
التي كانوا يعملون بها حالة يقين برهاني يستبطن اليقين
بالشيء معاستحالة خلافه، فان هذا اذا تم في التواتر فلا يتم في
جميع الروايات التي كانتمتوافرة آنذاك، اذا فيجب القول بانه
كان يحصل لهم من تلك النصوص اليقين بالمعنىالاعم من
اليقين البرهاني واليقين العادي مما يسمى بالظن الاطمئناني.
ولكي تنجلي صورة هذا الاستبعاد نلاحظ ما ذكره بعض
الاخباريين من ان المرادباليقين الذي كان يعمل به معاصرو
حقبة الحضور هو اليقين العادي((95))،والمقصود باليقين
العادي هو الاطمئنان الذي لا يعتنى معه باحتمال الخلاف
رغموجوده، فاذا كان الاخباريون الذين يدعون قطعية الروايات
يحاولون تفسير اليقينبذلك، فكيف يمكن تجاوزهم على
تشددهم في هذا الامر وزعم ان الشيعة زمنالحضور كانت لا
تعمل بهذا اليقين بل بخصوص اليقين بمعناه البرهاني؟!
والذي يبدو لنا ان هذه الملاحظة التي اثارها الشيخ الانصاري
(1281ه) وجماعة فيتحليله((96)) موقف السيد المرتضى
على ما بيناه هناك جديرة بالتامل، وفيالحقيقة ليس ثمة ما
يبعد هذا الاحتمال اذا تخطينا مثل ادعاء السيد
المرتضىالمذكور هناك، والسبب هو ان هذا الاحتمال يمكن
استبعاده لو كانت بايدينا نصوصتعود لتلك الحقبة تصرح
فيما نفهمه منها هنا بعدم العمل الا باليقين القاطع
الجازمالذي لا احتمال للخلاف فيه، كما هو الحال مع السيد
المرتضى وابن ادريس وفق ماوافينا بحثه، لكن حيث لا نملك
نصوصا واردنا غض الطرف عن حال الحقبة الممتدةمن المفيد
(413ه) وحتى العلامة (726ه) اذ قد ترجح طرفا على طرف
لزمناالابقاء على هذا الاحتمال، فهو قريب جدا، سيما على ما
اشار اليه بعض الاخباريينمن ان العلم في اللغة العربية يطلق
على اليقين الجازم وعلى الاطمئنان وما يسكنالنفس على
نحو الحقيقة، فاذا صحت هذه المقولة فان المترقب حينئذ
مالم ياتدليل على العكس ان يكون التعاطي العفوي
لمتشرعة عصر الحضور قائما على هذاالمدلول اللغوي، لا لان
اللغة هي معيار هنا، بل لان ثبوت تحمل اللغة لهذا
المفهومعلى نحو الحقيقة شاهد على ان العقل العربي لم يكن
على تماس حصري مع مفهوماليقين البرهاني، مما يدلل على
ان العقل الجمعي يقوم اليقين عنده على مفهوم اوسعمن
المفهوم الارسطي له، ولهذا نتج عن هذا الوعي الجمعي
مدلول لغوي على نحوالحقيقة.
هذا، ولكن ذلك يجامع عدم استبعاد اعتمادهم على نصوص
اليقين ايضا لاالاطمئنان، والوجه في ذلك ان الفروع الفقهية
ونحوها في الوسط الشيعي لم تكنكثيرة في عصر الحضور، فان
الفقه التفريعي خطوة ترجع اقدم محاولة لها الى
الشيخالطوسي (460ه) في «المبسوط» او على ابعد تقدير كما
المحنا سابقا الىالاسكافي والحسن بن ابي عقيل العماني،
وقد قيل في ذلك ان الطوسي اتى بالفروعمن مصنفات اهل
السنة، ولم تكن هذه الفروع متداولة في الوسط الشيعي، كما
يشهدعلى ذلك مراجعة الكتب التي سبقت الطوسي، مثل
كتاب المقنعة للمفيد، والانتصاروالناصريات للمرتضى،
والمقنع والهداية للصدوق ونحو ذلك، حتى كانت
محاولةالطوسي هذه محلا لانتقاد بعض العلماء الذين اتوا بعده
وعلى راسهم ابن ادريسالحلي (598ه)((97)).
وهذا معناه ان الموضوعات التي تحتاج الى الروايات وليس فيها
مرجع آخر هيفروعات الفقه والاخلاق، وهي موضوعات كانت
محدودة جدا، ومن ثم فمهما كانتحصيل اليقين باخبارها
قليلا الا ان قلتها تنسجم مع قلته، ومن ثم فلا يصح
قياسمرحلة ما قبل الطوسي على ما بعده، فاحتمال ان يكون
اعتمادهم على الخبر اليقينيبالتواتر او القرائن مثل اعتضاده
بالاجماع او دليل العقل او الكتاب وارد لا استحالةفيه ولا بعد.
نعم، لو كانت الفروع الفقهية كثيرة جدا كما هو الحال في
عصرنا الحاضر،لكان لهذا الاستبعاد مجال، ولهذا وجدنا الشيخ
ابن ادريس الحلي رغم تاليفه كتابالسرائر في الفقه
الاستدلالي بعد المبسوط، الا انه حيث كان منكرا لاخبار
الاحادالظنية لم يكن كتابه في التفريع بحجم كتاب المبسوط،
بل الامر كذلك حتى مع كتبالمحقق الحلي(رح).
ان الخطا الذي وقع فيه البعض انهم قاسوا مفردات الامور
فلاحظوها تعطي العلمالعادي، فنسبوا الى المتقدمين ان ما
كان ينتج لهم منها هو هذا العلم العادي، وقد قلنامرارا وسنقول
بان هذه المقارنة غير صحيحة، فان نظرية الاجماع مثلا
على مسلكالدخول او اللطف قد تعطي اليقين البرهاني، فلا
يصح لمثل الشهيد الصدر (1400ه)ان يدعي ان الاجماع عند
المتقدمين يعطي اليقين الاستقرائي او العلم العادي لمجردان
تحليله الشخصي للاجماع كان كذلك وفق حساب الاحتمال
الرياضي، وهكذاالحال في التواتر، فمجرد تفسيرنا للصغرى لا
يصحح الكبرى، فمن الممكن جدا انيحصل القطع الجازم
المحيل للخلاف لديهم من امر لا نجد نحن ادنى ما يوجبذلك
فيه، والامثلة على ذلك كثيرة جدا.
والمتحصل: ان اخذهم بالخبر الاطمئناني هو الاقرب والاكثر
منطقية مع كون احتمالعدمه واردا ايضا بدرجة ضعيفة.
النتيجة
ونكتفي فعلا بهذا المقدار من الحديث عن هذه الحقبة، وقد
وجدنا فيها ان الشيعةكانت ترى من جهة مبدا حجية السنة
الشريفة الواقعية، كما كانت ترى من جهةاخرى فيما هو
المتيقن عندنا ان السبيل الى السنة الواقعية هو السنة
المحكيةالمتيقن بها اما يقينا برهانيا او يقينا عاديا مما يسمى
في علم الاصول بالاطمئنان وفيالمنطق باليقين الاستقرائي
الموضوعي، وانه لم يكن هناك فرق في ذلك بين
الامورالاعتقادية والامور الفرعية العملية، كما لم يكن هناك
فرق بين تيار الكلام والعقلوتيار الحديث والاخبار، لاننا لم نجد
جدلا في ذلك خلال تلك الحقبة.
نعم، احتمال عملهم بالاحاد الظنية غير منفي عندنا تماما،
غايته انه مجرد فرضيةمحتملة، والاقرب لتفسير الواقع
تفسيرا تاريخيا يرعى الظواهر العامة السائدة هوفرضية
اليقين، وعلى القارئ ان يرجع الى دراستنا المشار اليها في
العددين (34) و(35) من مجلة فقه اهل البيت(ع) لكي تكتمل
الصورة عنده اكثر.
وعلى القارئ ان يدرك ان الابحاث التاريخية لا يوجد فيها دائما
برهان يقيني، وانماهي قرائن وصور تتكون من ملاحظة
مجموعة معطيات، لتكون فرضية ما اقرب الىالواقع منطقيا
من الفرضية الاخرى.
الهوامش
دور العرف والسيرة في استنباط الاحكام
الاستاذ جعفر الساعدي
نظرة عامة حول العرف:
1 السابقة التاريخية للعرف:
ليس العرف ظاهرة مؤقتة برزت في زمان ومكان معينين،
لامتداده بامتداد الاعصاروالامصار منذ ان بدا الانسان حياته
الاجتماعية الى يومنا هذا، ففي المجتمعاتالبشرية خصوصا
البدائية منها كافريقيا ومناطق اخرى من العالم يعتبر
العرفمحورا في سياستهم ومعاملتهم وجميع تصرفاتهم.
ولم يكن عرب الجاهلية بعيدين عن هذه الطريقة، فقد كان
العرف حاكما على جميعتصرفاتهم وشؤونهم الى ان ظهر
الاسلام واستقرت احكامه وقوانينه التي لوحظتفيها
الاعتبارات العرفية في مجالات مختلفة لتحديد الموضوع
والدلالة وتشريعالاحكام بشروط وقيود معينة ياتي الكلام
حولها.
ولم يفقد العرف تاثيره رغم تطور الحضارات والمجتمعات
المعاصرة كامريكاوانجلترا اللتين يعتبر العرف فيهما اصلا مهما
في تحديد القوانين الى درجة يسمونهبالقانون العام.
اهمية العرف والسيرة:
للعرف والسيرة دور مهم في الاستدلال على مسائل مهمة في
علم الاصول، كحجيةالظواهر وخبر الثقة، وهما اهم امارتين
يمكن التعويل عليهما في عملية الاستنباط.
ومن هنا برزت الحاجة الى دراسة السيرة دراسة مستقلة
ودقيقة، خصوصا مع رواجالاستدلال بها في مسائل الفقه
كالمعاملات التي يكون للعرف راي فيها، بل الملاحظاتساع
دائرة الاستدلال بالسيرة كلما تقلصت الادلة التي كان يعول
عليها سابقا آكالاجماع المنقول والشهرة واعراض المشهور عن
خبر صحيح، او عملهم بخبرضعيف ونحو ذلك لاثبات
المسلمات والمرتكزات الفقهية، فان السيرة عوضت عنمثل
هذه الادلة في كثير من المسائل التي يتحرج فيها الفقيه عن
مخالفة فتاوىالقدماء من الاصحاب او آرائهم المشهورة((98)).
ومما يعزز مكانة السيرة وموقعها في مجال الاستنباط تصريح
بعضهم بانها اعظم منالاجماع، ففي مسالة تبييت النية للصوم
قال المحقق النجفي: «ان الاجماع بقسميه آبل السيرة التي
اعظم من الاجماع عليه»((99)).
2 منشا العرف والسيرة:
قد يواجه الفرد ظروفا مختلفة في حياته الاجتماعية فيحاول
وضع حلول مناسبة لها،وتتكرر هذه المحاولة بمجرد تكرر
الظروف المشابهة. ولما كانت غريزة تقليدالاخرين تدفع
الانسان للقيام بنفس ما يقوم به غيره، فمن الطبيعي ان
يتحولالاسلوب الفردي الى اسلوب جماعي يعتاد الناس على
اتباعه في معالجة تلكالظروف.
والسبب في ذلك هو ان الانسان يفضل السير على ما سار عليه
اسلافه ومعاصروه،تجنبا من مواجهة مشاكل الحياة وظروفها
الصعبة، فمع المتابعة وتكرار التقليديتحول ذلك السلوك الى
قاعدة عامة يتبعها الناس في تصرفاتهم كلما تكررت
تلكالظروف، فتنشا القواعد العرفية وتظهر آثارها على اقوال
الناسوافعالهم((100)).
ويمكن ان يكون منشا العرف والسيرة الفطرة والمصالح ومتابعة
الهوى بالاضافة الىالظروف المختلفة المؤثرة بصورة تدريجية
على مرتكزات الناس واعرافهم.
((101))ان المراد من السيرة عند اطلاقها هو المعنى
والظاهر
الفطري الارتكازيدون غيره((102)).
3 تاثير الابتلاء في انعقاد السيرة:
للحاجة والابتلاء تاثير كبير في تكوين السيرة وتحققها، فكلما
ازدادت درجة ابتلاءالناس بحالة معينة ازداد احتمال تحققها
فيها، وكلما قل ابتلاؤهم بها قل احتمالتحققها، فالعلاقة بينها
وبين الابتلاء طردية. وقد اشار علماؤنا الى هذه العلاقة
فيمناسبات مختلفة((103)) نذكر منها على سبيل المثال
قبول دعوى الفقر، فانالمشهور جواز اعطاء الصدقة للفقير
بمجرد دعوى الفقر من دون حاجة الى يمين اوبينة، وذلك
لقيام السيرة القطعية على قبول قوله كذلك.
فالتشكيك بهذه السيرة في غير محله، اذ لو كان بناء المسلمين
على مطالبة البينة اواليمين لكان في غاية الوضوح، لكثرة
الابتلاء بامثال هذه المسائل في كل زمانومكان((104)).
4 المراد من السيرة والعرف:
اما السيرة فقد تكون عقلائية وقد تكون متشرعية:
فالسيرة العقلائية: هي عبارة عن استمرار عادة الناس وتبانيهم
العملي على فعل شيءاو تركه((105)).
وقد وسع بعضهم في معناها لتشمل المرتكزات العرفية
والمواقف العقلائية التي لمتظهر بصورة فعل وسلوك
خارجي((106)).
وهذا المعنى للسيرة يمتاز عن المعنى الاول بالسعة والشمول
لمسائل لا مبرر لطرحهافي بحث السيرة العقلائية الا اذا
فسرناها به.
والسيرة المتشرعية: هي عبارة عن السلوك العام للمتدينين
لا العوام غير المبالين آكسيرتهم على اقامة صلاة الظهر يوم
الجمعة مثلا((107)).
واما العرف فقد عرفوه بتعريفات قريبة جدا من تعريفهم
للسيرة، ومن هذهالتعريفات: انه كل ما اعتاده الناس وساروا
عليه، سواء كان فعلا شائعا بينهم او لفظاتعارفوا اطلاقه على
معنى لا يتبادر غيره عند سماعه((108)).
ومنها: انه كل ما اعتاده الناس من اتباع قاعدة من قواعد
السلوك مع اعتقادهمبالزامها((109)).
ومنها: انه ما استقرت عليه النفوس بشهادة العقول وتلقته
الطبائع بالتسليم والقبول.
ومنها:((110)) انه ما يغلب على الناس من قول او فعل او
ترك((111)).
ومنها: انه القانون الذي لم توضع قواعده في وثائق
مكتوبة((112)).
وبذلك يتضح ان العرف لا يختلف عن السيرة العقلائية في
معناها الثاني، ومن هناجمعنا بينها وبين العرف في كثير من
البحوث المقبلة.
ومما تقدم يتضح الفرق بين سيرة المتشرعة والعقلاء في
نقطتين:
الاولى: ان سيرة المتشرعة وليدة البيان الشرعي، وهي كاشفة
عنه ومبرزة له، واماسيرة العقلاء فهي لا تكون كذلك الا مع
سكوت المعصوم الكاشف عن الامضاء،فسيرة المتشرعة من هذه
الناحية اقوى من سيرة العقلاء، ولذا نجد الفقهاء يترقون
فيالاستدلال من سيرة العقلاء الى سيرة المتشرعة، فيقولون
مثلا: هذا هو الذي قامتعليه السيرة العقلائية بل سيرة
المتشرعة((113)).
ومرد بناء العقلاء الى ميل عام نحو سلوك معين لا دخل للشارع
في تحققه، ولهذا لايقتصر هذا الميل على نطاق المتدينين
خاصة بل يعم سائر الناس((114)).
النقطة الثانية: ان سيرة المتشرعة لابد من حصولها في زمان
الامام(ع) بعكس السيرةالعقلائية التي قيل((115)) بكفاية
معاصرة الارتكاز العقلائي فيها للمعصوم، بلحتى لو كانت
متاخرة عنه زمانا اذا كانت من الطبائع العقلائية التي يميل
اليها الانسانلو خلي وطبعه.
مقارنة:
1 الفرق بين العرف وسيرة العقلاء:
ذكر بعضهم ان الفرق بين العرف والعقلاء هو ان ما يقوم به
العقلاء لابد ان يكون حسناومفيدا باعتقادهم، وليس من
الضروري ان يكون كذلك عند العرف((116)).
الا ان الذي يظهر من موارد الاستعمال هو ان للعرف معنى عاما
شاملا للعرفالخاص وللعقلاء الذي يعبر عنه بالعرف العام وبناء
العقلاء. فاصطلاح العرف اعم مناصطلاحي العقلاء والعرف
الخاص.
2 الفرق بين العرف والعادة:
لقد فرق بعضهم بين العرف والعادة على اساس ان العرف
يتضمن شعورا عامابضرورة الالتزام بما هو متعارف، واما العادة
فهي التي لا يكون الدافع منها الا الانسبما اعتادت عليه
النفوس، سواء كان هناك شعور بضرورة الالتزام ام لم يكن، فهي
اعممن العرف من هذه الناحية، والعلاقة بينهما هي العموم
والخصوص المطلق.
وفي م((117))قابل ذلك ذهب جماعة الى ان العلاقة هي
التساوي وانه لا فرقبين العرف والعادة، فلا يكون احدهما اعم
من((118)) الخر.
وذهب آخرون الى ان العلاقة هي التباين((119))، فلا يمكن
الحكم بالتقائهما فيبعض الموارد، لان العرف يباين العادة
باختصاصه بالاقوال، والعادة تباين العرفباختصاصها
بالافعال((120))، فلا مجال للالتقاء ابدا.
3 الفرق بين الاحكام الشرعية والعرفية:
تختلف الاحكام الشرعية عن العرفية((121)) في نقطتين:
الاولى: ان الدليل الدال على الاحكام الشرعية كاشف عن ثبوتها
قبل صدور الخطاب،بخلاف ادلة الاحكام العرفية التي لا يكون
دليلها كاشفا عن ثبوتها قبل ذلك، لامكانتزامن ثبوتها مع
صدور الخطاب.
ويترتب على هذا الفرق ثمرة مهمة، وهي ان العام في الاحكام
الشرعية لو صدربعد وقت العمل بالخاص فلا يكون ناسخا له،
لان مضمونه مقارن واقعا لمضمونالخاص وان كان متاخرا عنه
في مرحلة البيان، فاحتمال ناسخية العام للخاص غيروارد في
الاحكام الشرعية، لان النسخ انما يتصور مع عدم الاقتران
المدلولي، بخلافالاحكام العرفية، فان تاخر العام فيها عن
الخاص غير كاشف عن هذا الاقتران، فلايصح اعتباره عاما
مسبوقا بمخصصه، بل يكون ناسخا لحكم الخاص
ونافيالمضمونه، اذ لا دليل على اقتران العام بالخاص
واقعا((122)).
ونحن لا ندعي هنا ان هناك اتفاقا بين الاعلام على ان العام لا
يكون ناسخا للخاصبعد مضي وقت العمل به، لان ذلك احد
الراء في المسالة التي لابد من البحث عنهافي محلها، وانما اردنا
الاشارة الى الفرق بين الاحكام الشرعية والعرفية
وكيفيةاستثمار بعض الاعلام لهذا الفرق في خدمة الاستنباط.
النقطة الثانية: ان الاحكام العرفية تمتاز عن الاحكام الشرعية
بوضوح مناطاتها وعدماجمالها بدرجة يمكن الغاء الخصوصية
عن موضوعها لتشمل موارد اخرى بوحدةالمناط، بخلاف
الاحكام الشرعية التي يغلب على مناطاتها طابع الغموض
وعدمالوضوح، فليس من السهل سرايتها الى غير موضوعها.
ومما يؤيد عدم وضوح المناط في غالب الاحكام الشرعية هو
اجتماع المتفرقاتوافتراق المجتمعات في هذه
الاحكام((123)).
تقسيمات((124)) العرف:
1 العرف العام والخاص:
العرف العام: هو الذي يشترك فيه غالب الناس على اختلاف
ازمانهم وبيئاتهموثقافاتهم ومستوياتهم. ويدخل في هذا
الاصطلاح الظواهر الاجتماعية العامة، امثالرجوع الجاهل الى
العالم، وعدم نقض اليقين بالشك.
وهذا المعنى للعرف العام قريب جدا من المعنى الذي فسروا به
بناء العقلاء، بل قيلبعدم التقابل بينهما((125))، لانه عبارة عن
السلوك التلقائي العام تجاه واقعةمعينة يتساوى فيها سائر
الناس على اختلاف اماكنهم وازمنتهم. وقد يعبر عنه
بعرفالاعصار والامصار.
ثم ان المقصود من العرف العام وان كان المعنى الظاهر منه
وهو عرف الاعصاروالامصار((126))، الا انه قد يطلق احيانا
ويراد به عرف البلد في مقابل بعضالاعراف التي هي اضيق منه
دائرة، كعرف طائفة من طوائف البلد او محلة منمحلا ته، كما
سياتي توضيح ذلك في البحوث المقبلة.
واما العرف الخاص: فهو العرف الذي يختص بفئة من الناس
يجمعهم زمان او مكاناو مهنة خاصة او فن معين، كالاعراف
السائدة في بلد او قطر او مهنة او فن خاص.وقد يعبر عن العرف
الخاص احيانا بالعادة.
ولابد من الاشارة الى ان التداخل بين معنيي العرف العام
والخاص واطلاق العرفالعام على بعض مصاديق الخاص احيانا
سبب حالة من الغموض وعدم الوضوح فيمايقصدونه من
العرف، وانه هل هو العرف العام او الخاص، كما سياتي بيانه في
بحثدوران الامر بين العرف العام والخاص.
2 العرف الحادث والمقارن والمتاخر:
العرف الحادث: هو ما حدث بعد ظهور الاسلام وتشريع الاحكام.
واما العرف المقارن: فهو المقترن بحدوث شيء آخر، كاقترانه
بحدوث معاملة يكونمؤثرا في دلالتها، وموضحا للمقصود منها.
واما العرف المتاخر: فهو المتاخر عن حدوث شيء، كتاخره عن
حدوث معاملة مثلا،فلا يكون مؤثرا في دلالتها ولا المقصود
منها.
3 العرف المسلم:
هو عبارة عن القضايا التي تسالم الناس على اقرارها، كجعل
الخيط في عهدة الخياط،وجعل ازالة الثلج عن سطح البيت في
عهدة المستاجر، وجعل القلم الذي يكتب بهالموظف في عهدة
الدولة. ويقابله العرف غير المسلم.
4 العرف الثابت والمتبدل والمطرد والمساوي:
العرف الثابت: هو الذي لا يتغير بتغير الزمان والمكان والاحوال
والاشخاص،لرجوعه الى طبع الانسان وفطرته. ويقابله العرف
المتبدل.
واما العرف المطرد: فهو العرف الغالب الذي يتخلف احيانا.
واما العرف المساوي: فهو الذي يتساوى العمل به وعدم العمل
به.
5 العرف القولي والعملي والارتكازي:
العرف القولي: هو ما تعارفه الناس باقوالهم وخالفوا به لغتهم،
كاطلاقهم الولد علىالذكر دون الانثى، مع اشتراكهما فيه لغة.
واما العرف العملي او ما يسمى بعرف العادة فهو ما اعتاده
الناس باعمالهموترسخت عليه افعالهم، كالبيع المعاطاتي
الذي جرت عليه معاملاتهم.
واما العرف الارتكازي: فهو الانطباع السائد بين عامة الناس
حول شيء معين فيعالم التصور والذهن، ولم تظهر آثاره في
مرحلة الفعل والعمل.
6 العرف الصحيح والفاسد والمرسل:
العرف الصحيح: هو ما كان غير مخالف لقواعد الشريعة
ونصوصها، كتعارفهم علىتقديم بعض المهر وتاجيل البعض
الخر.
واما العرف الفاسد: فهو ما كان مخالفا لقواعد الشريعة
ونصوصها، كتعارفهم علىشرب المسكرات مثلا.
واما العرف المرسل: فهو الذي لم يشهد الشرع له بالاعتبار او
الالغاء.
حجية العرف والسيرة:
ليس العرف دليلا مستقلا بذاته على غرار الادلة الاخرى
كالكتاب والسنة، لان الرجوعاليه انما هو لامضاء الشارع وتاييده،
نعم يمكن ان يكون مستقلا في تشخيصالموضوعات
والمفاهيم العرفية الواردة في ادلة الاحكام، كتشخيص
المقصود منكلمة الصعيد في قوله تعالى: (فتيمموا صعيدا
طيبا)((217)) الا ان حجيته فيذلك ضمن حدود معينة ياتي
الكلام عنها، وهو من باب تعيين صغريات الدليل، لا انهبنفسه
دليل((218)).
وفي مقابل ذلك ذهبت بعض المذاهب السنية((129))
كالحنفية والمالكية الى انالعرف حجة ودليل مستقل يمكن
الاعتماد عليه حتى في مجال استنباط الاحكامواستكشافها ولو
لم يحظبتاييد الشارع وامضائه، مستدلين له بعدة ادلة:
منها: رواية عبد اللّه بن مسعود التي ورد فيها ان «ما رآه
المسلمون حسنا فهو عند اللّهحسن»((130))، حيث استدل
السرخسي بها مدعيا ان تعامل الناس من غير نكيراصل من
الاصول المهمة، لدلالة هذه الرواية ع((131))ليه.
واورد عليه: بانه يحتمل ان تكون هذه الجملة في الرواية من
كلام ابن مسعود لا منالنبي(ص)، وهي لذلك ساقطة عن
الاعتبار.
ومنها: قولهم: ان الشارع المقدس راعى عرف العرب في
تشريع بعض الاحكام،فوضع الدية على العاقلة، واشترط الكفاءة
في الزواج، وغير ذلك من الامور الدالةعلى اعتناء الشارع
بالعرف وقوانينه((132)).
واورد عليه: بان الشارع انما ماشاهم في هذه الامور لعدم
مخالفتها لاحكامه، وهو لايعني بالضرورة امضاءه جميع ما
تعارفوا عليه والتزموا به حتى يكون العرف مرجعاللكشف عن
الاحكام والحصول عليها((133)).
وبذلك اتضح ان العرف لا حجية له الا بامضاء الشارع وتاييده،
فما قيل من انالعرف معترف به في الاسلام، وانه بمثابة
شريعة محكمة، وان التعيين بالعرفكالتعيين بالنص، وان
الثابت بالعرف كالثابت بالنص لا اساس له من الصحة،
ولادليل على اعتباره((134)).
واذا اردنا البحث حول حجية السيرة والعرف بصورة اساسية
فلابد من التركيز علىثلاثة محاور رئيسية: وهي تنقيح
الموضوع والدلالة والحكم، وذلك كما يلي:
ا تنقيح العرف لموضوعات الاحكام((135)):
قد يقوم العرف بتنقيح موضوع الحكم من دون التعرض لتشريع
اصل الحكم، فاذا لميكن للشارع اصطلاح خاص في المفاهيم
والموضوعات المذكورة في لسان الدليلفلابد من ارجاعها الى
العرف للتعرف على مداليلها((136))، اذ لو كان لها دلالةخاصة
غير المعنى العرفي لبينها، فيكون عدم تبيينها دليلا على ايكال
تحديدها الىالعرف، كما في لفظ «الاناء» و «الصعيد» وغيرهما
من الامور الماخوذة في لسانالدليل، بل لا يصح ان يتكلم
الشارع بكلام لا يفهمه العرف، لان الحكمة من استعمالالالفاظ
والقائها الى الخرين تكمن في تفهيمهم لها((137)).
ثم ان تنقيح الموضوع بالسيرة قد يكون ثبوتيا وقد يكون اثباتيا:
1 التنقيح الثبوتي:
هو عبارة عن قيام السيرة بتكوين موضوع واقعي للحكم لا
يتغير بتغير الدلالة عليه،كما في امساك الزوجة بمعروف في
قوله تعالى: (فامساك بمعروف)((138))الدال على وجوب
النفقة بالمعروف الذي هو بمعنى الشائع المستساغ، والعرف
هوالذي يقوم بتحديد خصوصياته وميزاته، فلابد ان تكون
النفقة في كل زمان بحسبه،ولا شك انها في زماننا اكمل من
العصور المتقدمة التي خرجت عن النفقة المتعارفةالفعلية
نتيجة اختلاف الظروف الفكرية والاقتصادية والاجتماعية
المؤثرة في توسيعمفهوم النفقة بالمعروف عما كان عليه سابقا،
فلا يصح التمسك بالمرتبة السابقةللامساك بالمعروف بعد
حلول الرتبة اللاحقة لها.
ويعتبر ذلك في الحقيقة تدخلا من السيرة والعرف في تكوين
موضوع الحكمالشرعي توسعة وتضييقا.
2 التنقيح الاثباتي:
وهو عبارة عن تدخل السيرة في تنقيح الموضوع اثباتا وكشفا لا
ثبوتا، كما لو دل دليلعلى ان المؤمنين عند
شروطهم((139))، واكتشفنا من تباني العقلاء وسيرتهم
فيخيار الغبن انهم لا يرضون في البيع والمعاوضة بفوات
المالية، وانما يرفعون اليد عنالخصوصية مع الحفاظ على
المالية بما يساويها عرفا في العوض، فان مقتضى حالالانسان
المتعارف بمقتضى القواعد العقلائية عدم رضاه بفوات المالية،
وهذا كاشفنوعي عن اشتراط عدم التفاوت الفاحش بين
العوض والمعوض في المعاملة، والا لميتحقق الرضا بالمعاوضة
وتنفيذها.
ويترتب على الفرق بين هذين النحوين من التنقيح الثبوتي
والاثباتي انه لو شذ انسانعن السيرة وخرج عن مقتضاها فلن
يؤثر ذلك في النحو الاول، بل يبقى الحكم ثابتافي حقه ايضا،
لان انعقاد سيرة العقلاء ادى الى ايجاد فرد حقيقي من
الموضوع، فلااثر لمخالفته، بخلاف النحو الثاني الذي كان دور
السيرة فيه دور الكاشف عن قصدهوشرطه، فلو نص الشخص
على مخالفته لهم في مورد معين كان ذلك رافعا
للحكم،لكشفه عن عدم المنكشف بالسيرة في ذلك المورد.
والسيرة بكلا نحويها تكون حجة على القاعدة من دون حاجة
الى التماس دليلعليها، لانها تنقح موضوع الحكم الشرعي
تنقيحا حقيقيا ثبوتيا او اثباتيا، ولهذا لايحتاج الفقيه في امثال
هذه الموارد الى اثبات معاصرة السيرة لزمن المعصوم(ع)،لعدم
دخل ذلك في الحكم الكلي المشرع، وانما يحتاج الى ملاحظة
وجودها فيالزمن الذي يراد اثبات الحكم فيه، بل لو كانت
موجودة في زمن التشريع وتبدلت بعدذلك لسقطت عن التاثير
في زماننا((140)).
ومن هذا القبيل المكيل والموزون مثلا فانه لا يصح بيعهما
جزافا الا اذا تبدلتنظرة السيرة العرفية تجاههما وصارا
بنظرهم من الامور الجزافية، فيصح حينئذ بيعهماكذلك.
وكذا لو انعكس الامر وصار الجزافي مكيلا او موزونا فانه لابد
من التعامل بهما علىاساس الكيل والوزن.
وهذا لا يعني ان للعرف مطلق العنان في التصرف في الاحكام،
لان «حلال محمدحلال الى يوم القيامة، وحرامه حرام الى يوم
القيامة»((141))، بل ان نظرة العرفالى الموضوعات هي التي
تتبدل بتبدل الظروف والازمان، فتتبدل الاحكام بتبعها.
ومن هنا فقد رفض صاحب الجواهر ما قيل: من ان موضوعات
الاحكام غير قابلةللتغير والتبدل، وانه لابد من الالتزام في
تحديدها بالعرف السائد في زمان النبيوالائمة(ع) دون غيرهم،
فما كان مكيلا او موزونا في زمانهم(ع) لا يصح بيعه جزافاوان
صار جزافا بعدهم، لانه يؤدي الى التلاعب بالاحكام وتغايرها
بتغاير الاعصاروالامصار.
وقد برر صاحب الجواهر رفضه لهذا الكلام بما حاصله: ان تغاير
الاعصار والامصارلا يؤدي الى تغاير الاحكام بل يؤدي الى تغاير
الموضوعات والعناوين التي انصبتعليها تلك الاحكام، كما هو
الحال في جميع العناوين والموضوعات الواردة
فيالشريعة((142)).
وبذلك يمكننا الرد على من رفض التمسك بغير عرف
النبي(ص) في موارد مختلفةمن الفقه، كالمحقق
الثاني((143)) الذي استنكر ما قاله الشهيد الثاني فيخصوص
لزوم عدم خروج البئر عن مس((144))ماه عرفا، مدعيا ان
لازمه تغيرالحكم بتغير التسمية، فلابد من الالتزام بعرف
النبي(ص) دون الاعرافالمت((145))اخرة عنه.
فانه يمكن الجواب عنه بما تقدم من عدم تصرف العرف
بالاحكام حتى يرد عليههذا الاشكال، بل الموضوعات هي التي
تغيرت بتغير الاعراف، فيتغير الحكم بتبعها.
ومن امثلة اختلاف الاحكام باختلاف الاعراف: مصارف الزكاة
المذكورة في القرآنالتي هي في الغالب موضوعات عرفية لا
دخل للشارع في تحديدها، كعنوان «الفقراء»في قوله
((146))تعالى: (انما الصدقات للفقراء وفي سبيل
اللّه...)((147))،حيث تتفاوت مصاديقهم بتفاوت الاعراف في
تحديد القوت المتداول بينهم. وكذاالحال في عنوان «سبيل
اللّه» المذكور في هذه الية والذي يتفاوت تشخيصه
بتفاوتدرجة حضارة الامة ونظرتها الى السبيل((148)).
ب تنقيح العرف للدلالة والظهور:
للعرف دور مهم في تنقيح ظهور الدليل من خلال المناسبات
والمرتكزاتالاجتماعية المرتبطة بفهم النص، باعتبارها بمثابة
القرائن اللبية المتصلة بالكلام،ولابد لمن يتصدى لاحراز
ظواهر الادلة ان يكون له ذوق عرفي سليم للتعرف منخلاله
على دلالة النصوص بعيدا عن التعقيدات الفلسفية التي لا
يالفها عامة الناسالمخاطبين بالاحكام الشرعية، مع الاعتراف
بوجود معان دقيقة في الكتاب والسنة لايدركها الا من بلغ
مرتبة عالية من العلم والمعرفة، الا ان آيات الاحكام
ورواياتهاليست بهذه المثابة من الدقة، لكونها مبينة بالفاظ
بسيطة وقوالب عرفية يالفها عامةالناس((149)).
وحجية الدلالة العرفية ليست بحاجة الى دليل، لدخولها في
كبرى حجية الظهور، الا انها تختلف عن تنقيح الموضوع في
كونها بحاجة الى المعاصرة لزمن المعصوم(ع)،لان الحجة من
الظهور ما قصده الامام واراده في كلامه، ومع الشك في
المطابقةفالاصل عدم الظهور النوعي العام للكلام((150)).
ولابد من الاشارة الى ان التنقيح الظهوري قد يكون حكميا،
كانصراف ادلة البراءة عناطراف العلم الاجمالي بنظر العرف
واختصاصها بالشبهات البدوية، وقد يكونموضوعيا كالغاء
خصوصية دم الرعاف او الثوب في قول السائل: «اصاب ثوبي
دمرعاف»، حيث لا يرى العرف للثوب او الرعاف خصوصية، بل
الحكم الوارد فيالرواية يعم مطلق الدم والبدن.
والفرق بين التنقيح الموضوعي البحت الذي تقدم الكلام عنه
وبين التنقيحالموضوعي الدلالي هو ان الاول يتم احراز
الموضوع فيه من قبل العرف من دونالاستعانة بدليل لفظي
خارجي، كما في مورد الانفاق على الزوجة بالمعروفومراجعة
العرف في تحديد المقصود منه، فان العرف ينفرد في تحديده
من دوناستعانة بدلالة الدليل والقرائن الحافة به.
بخلاف التنقيح الموضوعي الدلالي الذي يقوم العرف باحراز
الموضوع فيه بمعونةدلالة الدليل وما يحف به من قرائن، كما
في مثال الثوب ودم الرعاف المتقدم ذكره.
اذا اتضح ذلك فلابد من التعرض لعدة مسائل لها علاقة ببحث
الدلالة والظهور، سواءكان ظهورا حكميا او موضوعيا، وذلك
كما يلي:
1 عرف المحاورة وعرف الارتكاز:
تختلف دلالة الكلام باختلاف الطريقة المتبعة في تفسيره،
فهناك طريقة التحاور او مايسمى ب «عرف المحاورة» الذي
يقوم على اساس الفهم الابتدائي من خلال الظهورالبدوي
للكلام في ضوء القواعد والضوابط اللغوية المتعارفة التي بها
يمكن التفريقبين جملة «الماء اذا تغير ينجس» وبين جملة
«الماء المتغير ينجس»، فنحكم فيالاولى بان موضوعها هو
نفس الماء بغض النظر عن قيد التغير، ونحكم في الثانية
بانموضوعها هو الماء مع قيد التغير، فيكون التغير في الجملة
الثانية جزءا مكملالموضوع النجاسة، بخلاف الجملة الاولى.
والدلالة البدوية في كلتا الجملتين مستفادة من لسان الدليل
مباشرة من دونالاستعانة بالمرتكزات والتصورات العرفية
العامة التي يتم من خلالها التعرف علىدلالة الكلام
وموضوعات الاحكام التي يعبر عنها الاعلام ب «مناسبة
الحكموالموضوع» والتي يتم من خلالها تفسير الكلام تفسيرا
مخالفا احيانا للظهورالابتدائي في لسان الدليل، ففي المثال
المتقدم يكون الماء وحده موضوعا للنجاسةحتى في جملة
«الماء المتغير ينجس»، لان المرتكز في ذهن العرف هو ان
التغير ليسالا واسطة لثبوت النجاسة للماء، فلا دخل له في
موضوع الحكم((151)).
وقد اشار المحقق الخراساني الى هاتين الطريقتين في فهم
النصوص عند تعرضهلجملة «العنب اذا غلى يحرم»، حيث اعتبر
الحرمة فيها شاملة للزبيب ايضا، لانعرف المحاورة وان كان
يفهم منها ان موضوع الحرمة هو خصوص العنب، الا انعرف
الارتكاز المستند الى مناسبة الحكم والموضوع يجعل
موضوع الحكم عاماشاملا للزبيب ايضا، لان العنبية والزبيبية
باعتقاد العرف هما من حالات الموضوعالتي لا يوجب زوالهما
ارتفاع الحكم((152)).
والمتبع كما هو واضح عرف الارتكاز دون المحاورة، لان
الظهور البدوي انما يكونمعتبرا عند فقدان الظهور المستقر
المتمثل هنا بعرف الارتكاز.
2 الاتجاه العرفي والعقلي في فهم الاحكام:
لقد التزم اكثر علمائنا بالدلالات العرفية واعتمدوا عليها في
فهم الاحكام، رغمانهماكهم في اعمق النظريات الفلسفية،
ايمانا منهم بلزوم استنباط الاحكام الشرعيةبطرقها المتعارفة،
وهذا هو المسلك الصحيح في فهم الدلالات والذي عبرنا
عنهبالاتجاه العرفي في فهم الاحكام.
الا ان الغفلة عن ذلك او الاعتقاد بما يخالفه دفع البعض الى
التمسك بالبراهينالعقلية والقواعد الفلسفية في مجالات
متعددة من الفقه، ومن هذا القبيل مسالةحرمة مس الخط
المحفور من القرآن، حيث تردد بعضهم في الحرمة بعد
تسليمهبحرمة مس الخط البارز والعادي منه مستدلا لذلك
بانه غير قابل للمس، لتقومهبالهواء، وعدم صدق عنوان المس
عليه.
واورد عليه: بانه من التدقيقات الفلسفية التي لا يصح التمسك
بها في استنباطالاحكام، بل لابد من الرجوع الى العرف الذي
يرى ان المحفور كبقية الخطوط التييحرم مسها، لاتصال
اطرافه بالسطح، فيكون قابلا للمس، فتجري فيه الحرمة
كماتجري في بقية الخطوط((153)).
ومنها: ما ذكره بعضهم من ان فسخ المعاملة كما يكون بالقول
كذلك يكون بالتصرف،الا ان الاشكال في مشروعية التصرف
في ملك الغير قبل حدوث الفسخ، اذ كيفيجوز للفاسخ ان
يتصرف في شيء لا يزال في ملك غيره؟!
وقد حاول البعض توجيه ذلك بطريقة فلسفية مفادها: ان
الفسخ وان كان متاخرا عنالتصرف رتبة الا انه مقارن له زمانا،
لحدوثه بمجرد تصرف الفاسخ في العينالمنقولة، فيكون
تصرفه حينئذ جائزا وواقعا في ملك نفسه لا في ملك غيره.
واورد عليه: بانه يبتني على خلط الفلسفة بالفقه، والعقل
بالعرف، لان التصرف ان كانقد وقع في ملك الفاسخ فلا يعقل
فسخه، وان كان قد وقع في ملك غيره فهو حرام.
ومنه((154))ا: مسالة الشركة في السهم المشاع، فقد رفض
بعضهم ان يكونالمقصود من الشركة في السهم المشاع هو
الاشتراك في كل جزء من اجزاء المال، لانهلا يتفق مع نظرية
«الجزء الذي لا يتجزا» المذكورة في الفلسفة، اذ لا يعقل
الاشتراكفي الجزء الذي هو غير قابل للتجزئة، فلابد ان يكون
المقصود من الشركة المشاعةهو قابلية السهم للانطباق على
اي طرف من اطراف المال، كالطرف الشرقي اوالغربي منه،
فيتميز السهم بالقسمة ويخرج عن الابهام، فيتضح انه من
الطرف الشرقيمن المال او من الطرف الغربي منه مثلا.
لكن هذا الكلام مرفوض، لان الشركة والاشاعة من المعاني
العرفية الخارجة عن اطارالفلسفة والبرهان، فلا معنى لابتناء
مسالة عرفية سوقية رائجة بين الناس على مسالةعقلية
فلسفية((155)).
والامثلة على الاتجاه العقلي التي من هذا القبيل كثيرة لا
مجال للتعرض لجميعها.
استثمار الدقة العقلية في فهم الاحكام:
ان التاكيد على الاستفادة من العرف في فهم الاحكام الشرعية
لا يعني اقصاء العقلوالاستغناء عنه حتى لو لم تكن هناك
نصوص شرعية يمكن الاستعانة بالعرف فيفهمها((156))،
كبحث مقدمة الواجب، والملازمة بين حكم العقل
والشرع،وبحث الاجزاء، واجتماع الامر والنهي، ودلالة النهي
على الفساد.. وغيرها منالبحوث العقلية التي لا سبيل للعرف
للوصول اليها بل لابد من الاستفادة من البراهينالعقلية
والبحوث الفلسفية لتنقيحها والاستفادة منها في مجال
الاستنباط.
3 تطبيق المفاهيم على المصاديق:
لا اشكال بين الاعلام في وجوب مراجعة العرف في تحديد
المفاهيم الواردة فينصوص الشريعة، واما مراجعته في تطبيقها
على مصاديقها فقد اصر المشهور علىعدم مراجعته فيها،
لتسامحه غير المقبول ولا المطابق للواقع، كتسامحه في
اطلاقاسماء المقادير على ما ينقص او يزيد عنها قليلا، فانه لا
دليل على حجية هذا النوعمن المسامحات بعد وضوح
المقصود منها وعدم الاجمال فيمعناها((157)).
ومن هنا نجدهم يحكمون ببطلان عقد الزواج بل حرمته
الابدية لو تزوجت المراةقبل انقضاء عدتها ولو بساعة مع
الالتفات الى انها في العدة.
وكذا حكموا بانفعال الماء الذي نقص عن الكر ولو بمقدار غرفة.
وكذا حكموا بعدم التقصير فيما دون المسافة ولو بخطوة.
وكل ذلك لاجل عدم اعتناء الشارع بالمصاديق المبتنية على
المسامحة العرفيةباعتبارها غير محققة لعناوينها((158)).
وعلى اية حال، فقد اعتمد الاعلام((159)) على الدقة العقلية
في تشخيصالمصاديق، ولم ياخذوا بنظر الاعتبار تطبيقات
العرف التسامحية البعيدة عن الواقع.
وقد حاول السيد الحكيم(قدسسره) توضيح المقصود من عدم
صحة الاعتماد علىالعرف في مرحلة التطبيق عندما اكد على
ان ذلك انما يكون في الامور الواقعية التييحتمل خطا العرف
في تشخيصها، كما في تطبيق ماء الكر على الماء
الخارجي،بخلاف الامور الاعتبارية التي لا مانع من الرجوع فيها
الى العرف كما في تطبيقمفهوم البيع على مصاديقه
الخارجية((160)).
وفي المقابل ذهب الامام الخميني(قدسسره)((161)) الى ان
العرف كما يكونمرجعا في تشخيص المفاهيم كذلك يكون
مرجعا في تشخيص المصاديق بالدقةالعرفية التي يمكن من
خلالها احراز المصاديق احرازا واقعيا من دون حاجة الىالدقة
العقلية البرهانية التي لم يلتفت اليها عامة المخاطبين
بالتكليف بما هم اناسعاديون لا بما هم فلاسفة وحكماء، فهم
يدققون ويطبقون المفاهيم على مصاديقهابمقدار وسعهم
وتشخيصهم العرفي العام.
ولما كانت طريقة العرف تبتني على تلقي المفاهيم وتطبيقها
على مصاديقها، فلامعنى للتخلف عنها بعد ان لم تكن للشارع
طريقة متميزة عن طريقة العرف والا لبينهالهم، فلو ورد الامر
بغسل الثوب وتطهيره من الدم فلابد من الرجوع الى العرف
فيتشخيص مفهوم الدم ومصداقه الخارجي، فان كان لمفهومه
مصداق برهاني عقليوهو اللون المتبقي في الثوب بعد غسله،
فانه لا سبيل للعرف الى تشخيصه ولو معالدقة وعدم التسامح،
وانما العقل البرهاني وحده هو الذي يحكم بانه دم، باعتبارعدم
انفصال العرض عن جوهره، فاللون بالدقة العقلية عبارة عن
اجزاء صغيرة منالدم عالقة بالثوب، وهذه الدقة لا يؤخذ بها بعد
عدم التفات العرف اليها، لانالمرتكز في اذهانهم خروج اللون
عن حقيقة الدم وماهيته.
لكن عدم قبول الدقة العقلية البرهانية لا يعني بنظر الامام
الخميني(قدسسره) قبولالمسامحة العرفية واعتبارها معيارا
في تشخيص المصاديق، ومن هنا فقد سلكطريقا وسطا
متمثلا باتباع الدقة العرفية، فان مقتضى الدقة العقلية في
عنواني الارضوالتراب مثلا ان يكونا خاليين من كل ما
يخالطهما من غير جنسهما، حتى منالاشياء التي لا ترى الا
بالعدسات والمكبرات.
وقد يكون خلوهما من ذلك بالدقة العرفية، كما لو كان في
التراب شيء قليل يخالطهمن غير جنسه لا يرى بالعين
المجردة رغم التدقيق فيه، فيحكم العرف حينئذ بانهتراب رغم
اختلاط غيره به واقعا.
وقد يكون بالمسامحة العرفية، كما لو غض العرف طرفه عن
الاجزاء الصغيرة رغمامكان رؤيتها بالعين المجردة ومن دون
تدقيق، فيحكم على المختلط بغيره بانه منالتراب.
ونحن وان كنا مكلفين ابتداء بالاخذ بالنظرة العرفية الدقية
دون المسامحية او العقليةالبرهانية، الا انه اذا كانت هناك
قرينة على اعتبار المسامحة العرفية فلابد من الاخذبها، كما
في كلمتي «الصعيد» و «التراب» المنصرفتين الى المتعارف من
الصعيدوالتراب، وهما لا يخلوان عادة من الاعواد والحشائش
الصغيرة، فيصدق عليهمالذلك انهما صعيد او تراب بالمسامحة
العرفية، فيكفي التيمم بهما من دون اشكال،ولابد من رفع اليد
حينئذ عن النظرة الدقية العرفية والاخذ بالنظرة التسامحية،
لقيامقرينة عليها.
ولو لم تكن هناك قرينة على ذلك وشككنا في وجودها فلابد
من الالتزام بالمصاديقالحقيقية التي عبرنا عنها بالمصاديق
الدقية العرفية، دون العقلية البرهانية، لانالخطاب متوجه الى
العرف الذي لا يعتني بالقواعد العقلية والتحليلات
الفلسفية،فالمعيار هو عقل العرف الدقي دون العقل البرهاني.
التوفيق بين الدقة العقلية والمسامحة العرفية:
|
|---|