الظاهر ان اختلاف الاعلام في التعامل مع النصوص بالمسامحة العرفية او الدقة‏العقلية ليس اختلافا جوهريا، لان الجميع متفقون كما يبدو من كلماتهم على لزوم‏مراعاة الدقة العرفية في تطبيق المفاهيم وعدم الافراط او التفريط في احرازالمصاديق، الا ان طريقة بيانهم تختلف باختلاف المناسبات، فعندما يواجهون فكرة‏المسامحة المطلقة في التطبيق يردونها بضرورة الالتزام بالدقة العقلية في تحصيل‏المصاديق، وعندما يواجهون فكرة الدقة البرهانية في التطبيق يردونها بكفاية‏الاعتماد على العرف في تشخيص المصاديق، وكلاهما ناظر الى ضرورة احرازالمصاديق احرازا دقيا متعارفا بعيدا عن المسامحة العرفية الساذجة والبراهين العقلية ‏الفائقة.

هذا هو التفسير المعقول الذي يمكن من خلاله الجمع بين كلماتهم والتخلص من‏محذوري الدقة في البرهان والمسامحة في الكلام.

ومما يؤيد هذا الجمع عدم تصريح الاعلام بلزوم الاعتماد على المسامحة العرفية‏الصرفة او الدقة الفلسفية المحضة وان تورط البعض من الناحية العملية بالتمسك‏ببعض البحوث الفلسفية في موارد نادرة من الفقه كما اشرنا الى ذلك في بحث‏الاتجاه العقلي في فهم الاحكام او تساهل آخرون في اطلاق المسامحة على‏الارتكازات العامة ومناسبات الحكم والموضوع((162))، مع انها ليست من‏المسامحة العرفية الصرفة التي يدور النزاع حولها نفيا او اثباتا، فالمحقق العراقي آمثلا عندما تعرض لمسالة اشتراط جريان الاستصحاب باتحاد القضيتين قال: «ان‏احراز الاتحاد ليس بالنظر الدقي العقلي او النظر العرفي الدليلي، بل بالنظر العرفي‏المسامحي حسب ما هو المرتكز في اذهانهم من مناسبة الحكم‏والموضوع‏» ((163)).

مع انه في هذه المسالة نفسها يرفض الاعتماد على المسامحة العرفية الصرفة، ممايكشف عن مدى تساهل الاعلام في اطلاق المسامحة العرفية وعدم تبديلها بكلمة‏اخرى تمنع من تداخل هذين المفهومين.

4 الملازمات العرفية:

لم يعتمد الاعلام في فهم الادلة الشرعية على الظهورات المطابقية فحسب، بل تعدوامنها الى لوازمها العرفية باعتبارها امتدادا طبيعيا لها، والامثلة على ذلك كثيرة:

منها: مسالة لزوم المعاملة وعدم تزلزلها، حيث استدل الفقهاء عليها بقوله تعالى:(اوفوا بالعقود) ((164)) المقتضي لحرمة نقضها، لان الامر بالشي‏ء وان لم يستلزم‏النهي عن ضده او نقيضه عقلا الا ان اللازم العرفي له هو عدم جواز نقضه وضعا،فتكون المعاملة بذلك لازمة((165)).

ومنها: الملازمة بين جواز التكشف وجواز النظر، حيث استدل بعضهم على جوازالنظر الى الصبية بجواز الكشف عن راسها للملازمة العرفية بينهما.

قال السيد الحكيم في مستمسكه: «ان الدليل على جواز كشف راس الصبية قوله(ع):«لا تغط‏ي راسها حتى تحرم عليها الصلاة‏»((166)). وهو وان كان ظاهرا في جوازالتكشف الا انه يدل بالملازمة العرفية على جواز نظر ((167))البالغ اليها».

ومنها: الملازمة بين جواز الافتاء وجواز التقليد، فقد ورد عن الباقر(ع) انه قال لابان‏بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة وافت‏الناس، فاني احب ان يرى في شيعتي‏مثلك‏»((168)).

فان هناك ملازمة عرفية بين جواز افتاء المفتي ومشروعية اتباعه وتقليده في فتواه.((169))

واللة على الاخذ بالملازمة العرفية كثيرة اعرضنا عن ذكرهااختصارا.

5 الملازمة بين عرف المتشرعة وعرف الشارع:

اذا كان للفظ دلالة على معنى في عرف المتشرعة فلابد ان تكون كذلك في عرف‏الشارع، لان الظاهر ان ما يفهمه المتشرعة استمرار لما في الشريعة، والا لكان المعنى‏المتداول عندهم منقولا عن معناه الشرعي، وهو خلاف الاصل والظاهر، لاقتضائه ‏هجر الحقيقة الشرعية في عرف المتشرعة، وهو مستبعد جدا، بل لا يكاد يكون هناك‏مورد واحد نقله العلماء عن معناه الشرعي الى معنى آخر يغايره((170)).

اتحاد الاعراف((171)) واختلافها:

لقد اكدنا مرارا على دور العرف في حمل الالفاظ على معانيها المتعارفة خصوصا مع‏اتحادها وعدم اختلافها اذا لم تكن هناك حقيقة شرعية يمكن التعويل عليها.

ولاجل استيعاب هذه الفكرة لابد من استعراض الصور المحتملة فيها وطرحها ضمن‏محورين رئيسيين: احدهما اتحاد الاعراف، والخر اختلافها.

اما اتحاد الاعراف فصوره سبع:

الصورة الاولى: اتحاد عرف المتكلم والمخاطب والمحل.

الصورة الثانية: اتحاد عرف المتكلم والمخاطب وانتفاء عرف المحل.

الصورة الثالثة: اتحاد عرف المتكلم والمحل وانتفاء عرف المخاطب.

الصورة الرابعة: اتحاد عرف المخاطب والمحل وانتفاء عرف المتكلم.

الصورة الخامسة: انفراد عرف المحل وانتفاء عرف المتكلم والمخاطب.

الصورة السادسة: انفراد عرف المتكلم وانتفاء عرف المخاطب والمحل.

الصورة السابعة: انفراد عرف المخاطب وانتفاء عرف المتكلم والمحل.

وفي جميع هذه الصور يحمل اللفظ على مورد الاتحاد والانفراد، اذ لا عرف آخريمكن حمل اللفظ عليه حتى يكون مانعا من ظهوره فيهما.

واما اختلاف الاعراف فصوره المحتملة ثمان، وهي كما يلي:

الصورة الاولى: اختلاف عرف المتكلم والمخاطب وانتفاء عرف المحل:

وفيها عدة اقوال:

الاول: تقديم عرف المتكلم على المخاطب، وهو مختار صاحب الجواهر وصاحب‏الحاشية على المعالم الذي استدل على ذلك بان الاستعمالات الدائرة بين الناس‏ظاهرة في عرفهم، خصوصا وان ذلك هو مقتضى الغلبة، لان عادة الناس جرت على‏التكلم بمقتضى عرفهم وعدم متابعتهم لاصطلاح غيرهم.

القول الثاني: تقديم عرف المخاطب على المتكلم، لان اجراء الكلام بمقتضى عرف‏المتكلم يؤدي الى اغراء المخاطب بالجهل، لانه يحمله على عرف نفسه، ولقول‏النبي(ص): «انا معاشر الانبياء نكلم الناس على قدر عقولهم‏»((172)).

القول الثالث: التوقف وعدم الاخذ باي من العرفين، لاحتمال ان يكون كل واحدمنهما مقصودا لدى المتكلم، فلا يصح حمل كلامه على احد العرفين الا مع القرينة.

واورد عليه: بان احتمال قصد احد العرفين لا ينافي ظهور الكلام في احدهما.

الصورة((173)) الثانية: اختلاف عرف المتكلم والمحل وانتفاء عرف المخاطب:وهذه الصورة لا تخلو من اشكال، اذ من ناحية نجد ان الناس كثيرا ما يتبعون عرف‏المحل في خطاباتهم، خصوصا مع طول مكث المتكلم في ذلك المحل، ومن ناحية‏اخرى نجد ان المتكلم يقصد من كلامه عادة ما هو رائج في عرفه دون غيره، ولماكان الوجهان في طرفي الاشكال متكافئين فلابد من التوقف وعدم ترجيح احدهماعلى الخر.

الصورة الثالثة: اختلاف عرف المخاطب والمحل مع انتفاء عرف المتكلم: وهذه‏الصورة هي الاخرى لا تخلو من اشكال وان كان الراجح تقديم عرف المحل على‏المخاطب مع طول مكث المتكلم فيه.

الصورة الرابعة: اختلاف عرف المتكلم والمخاطب وموافقة عرف المتكلم للمحل:وفي هذه الصورة اختار صاحب الحاشية((174)) تقديم عرف المتكلم على‏عرف المخاطب لظهور كلامه فيه، بل هذه الصورة اظهر في تقديم عرف المتكلم من‏الصورة الاولى.

وفي المقابل ذهب جماعة الى تقديم عرف المخاطب على عرف المتكلم، كما هومنسوب الى العلا مة والشهيد الثاني((175)).

الا ان المحقق القمي توقف في ذلك مع عدم وجود قرينة على احد العرفين.

الصورة ((176))الخامسة: اختلاف عرف المتكلم والمخاطب وموافقة عرف‏المخاطب للمحل: وفي هذه الصورة ايضا لابد من تقديم عرف المخاطب على‏عرف المتكلم.

الصورة السادسة: اختلاف عرف المتكلم والمحل وموافقة عرف المخاطب للمتكلم:وهذه الصورة لا تخلو من اشكال، وان كان الاقوى ترجيح عرف المحل مع طول‏مكث المتكلم فيه.

الصورة السابعة: اختلاف عرف المخاطب والمحل وموافقة عرف المتكلم‏للمخاطب: وهذه الصورة في الحقيقة عبارة اخرى عن الصورة الخامسة، ويجري‏فيها ما يجري في تلك الصورة.

الصورة الثامنة: اختلاف عرف المتكلم والمخاطب والمحل:

وهذه الصورة لا تخلومن اشكال ايضا، فقد يقال بتقديم عرف المتكلم للظهور والغلبة، وقد يقال بتقديم‏عرف المحل خصوصا مع طول المكث فيه.

7 الدوران بين الحقيقة الشرعية والعرفية واللغوية:

اذا ورد خطاب من الشارع فيمكن ان تكون له عدة حالات:

الحالة الاولى: ان تكون له حقيقة شرعية الى جانب الحقيقة العرفية واللغوية، وحينئذلابد من حمله على الشرعية((177))، لان الهدف من تاسيسها الرجوع اليها عندالشك في المراد، ولذا لم يتردد احد في تفسير الصلاة والزكاة والحج والصيام‏بمعانيها الشرعية الموجودة في زمن النبي(ص) دون معانيها اللغوية((178)).

الحالة الثانية: الا تكون هناك حقيقة شرعية ولا عرفية، فلابد من حمل الخطاب على‏الحقيقة اللغوية، لانها الاصل كما قال السيد المرتضى(قدس‏سره)((179)).

الحالة الثالثة: ان تكون هناك حقيقة عرفية في زمن الخطاب الى جانب الحقيقة‏اللغوية، فلابد من حمله عليها((180))، لانها طارئة على الحقيقة اللغوية وناسخة‏لها، ولان((181)) الخطاب متوجه الى العرف وهم الذين يحددون‏مدلوله((182)).

الحالة الرابعة: عدم بلوغ المعاني العرفية مرتبة الحقيقة، وفي هذه الحالة وقع الكلام‏في ترك العمل بها، فذهب جماعة((183)) الى ان العمل بالعرف مشروط بعدم‏مخالفته للغة، لانها هي الاصل في الكلام وبها نزل القرآن ((184))الكريم، ولان‏الحقيقة متاخرة عن الحقيقة اللغوية فلابد من الاخذ باللغوية وترك‏العر((185))فية.

اصالة تطابق العرف مع الشرع واللغة:

اذا كان للفظ دلالة على معنى معين عند العرف، وحصل الشك في انه كان كذلك في‏اللغة وعرف الائمة(ع) ام لا، فلابد من الحكم بانه كان كذلك عندهم ايضا، لاصالة‏عدم النقل التي هي عبارة اخرى عن الاستصحاب القهقرائي الذي يعني سحب حالة‏اليقين الفعلية الى حالة الشك السابقة.

وهذا الاستصحاب وان كان فاقدا لصفة الحجية في سائر الموارد باعتبار عدم تاخراليقين فيه عن الشك الذي هو شرط في جريان الاستصحاب لقوله(ع): «لانك كنت‏على يقين من طهارتك ثم شككت فيه‏»((186)) الا ان حجيته فيما نحن فيه‏ثابتة ببناء العقلاء، فيستصحب العرف الفعلي ويحكم بانه كان كذلك في اللغة وعندالائمة(ع)، فيثبت تطابق الحقيقة العرفية مع الحقيقة اللغوية والشرعية.

ولولا حجية الاستصحاب في هذا المجال لانسد باب الاستنباط، ولما استقر حجرعلى حجر كما قيل، لاحتمال ان تكون كلمات الائمة(ع) ظاهرة في غير ما هي ظاهرة‏فيه الن، وكذا الحال بالنسبة لكلمات العلماء المتقدمين، اذ يحتمل ان تكون مختلفة‏ظهورا عما هي ظاهرة فيه الن((187)).

8 الدوران بين العرف العام والخاص:

اذا دار الامر بين العرف العام والخاص قدم العام على الخاص، فلو كان مقتضى‏القواعد النحوية مثلا تفسير الكلام بمعنى غير الذي يفهمه العرف العام فلابد من‏ترك العمل به والاخذ بالعرف العام((188))، لان المحاورات العرفية غالبا ماتكون غير مطابقة للعرف الخاص((189))، فاذا واجهنا عرفين احدهما متمثل‏بعرف البلد وآخر بعرف النحاة مثلا قدم عرف البلد، باعتباره اعم من عرف النحاة‏في ذلك البلد.

هذا اذا فسرنا العرف العام بمعنى يقابل العرف الخاص ببعض العلوم والفنون، وامااذا كان معناه عاما شاملا لجميع الاعصار والامصار في مقابل العرف الخاص ببلد اوقطر معين فيحتمل تقديم العرف الخاص على العام اذا كان متعارفا بين الناس.

قال ا((190))لسيد اليزدي في باب الوقف: «ان الواقف اذا كان مقصوده واضحاكان متبعا، والا فلابد من الرجوع الى العرف الخاص ثم الى العام ثم الى اللغة، ومع‏وجود القرائن المفيدة للقطع تقدم القرائن على الجميع‏»((191)).

وعلى اية حال، فقد استعمل علماؤنا اصطلاح العرف العام في معنيين متفاوتين:

احدهما: العرف العام بمعنى العرف السائد في جميع الاعصار والامصار، ويقابله‏العرف الخاص المحدود بعصر ومصر معينين.

والخر: العرف العام بمعنى العرف الخاص ببلدة معينة، في مقابل العرف الذي هواضيق منه دائرة، كعرف بعض العلوم والفنون.

والعرف العام بالمعنى الثاني ليس الا عرفا خاصا يقابل العرف العام بالمعنى الاول.

وهذا التداخل في تفسير العرف العام والخاص واختلاف اطلاقاتهما سبب احياناحالة من الارباك وعدم الوضوح فيما يقصدونه من العرف العام، فهل هو عرف‏الاعصار والامصار ام عرف البلد؟ ومما زاد في الارباك اطلاقهم كلمة «العرف‏» احيانامن دون تقييدها بالعرف الخاص او العام، ففي مسالة تحديد ماهية البئر والمقصودمنها في الشريعة مثلا ذكر الشهيد الاول بانها عبارة عن «مجمع ماء نابع من الارض‏لا يتعداها غالبا ولا يخرج عن مسماها عرفا»((192)). فلم يحدد المقصود من‏العرف، هل هو العرف العام او الخاص؟ ومن هنا فقد بدا المحقق الثاني متحيرا في‏تفسير كلام الشهيد الاول عندما قال ما حاصله: ان ارجاع تحديد ماهية البئر الى‏العرف يؤدي الى اجمال ما افاده وعدم وضوح ما اراده، فهل المرجع هو العرف العام‏او الخاص؟.

9 ال((193))جمع العرفي وتعارض الادلة:

الجمع العرفي: هو عبارة عن التوفيق بين الادلة التي يكون بعضها كالقرينة على تفسيرالبعض الخر.

والدليل على مشروعية العمل بالجمع العرفي هو لزوم فهم مقصود المتكلم من‏مجموع كلامه((194)). وللجمع العرفي موارد متعددة:

منها: ما اذا كان احد الدليلين اخص من الخر، فانه يقدم عليه، لانه بمثابة القرينة.

ومنها: ما اذا كان احدهما نصا والخر ظاهرا، او كان احدهما ظاهرا والخر اظهر،فانه يقدم النص على الظاهر والاظهر على الظاهر، كما لو كان احد العامين من وجه‏واردا مورد التحديد والبيان للاوزان والمقادير والمسافات، فان مثل هذا موجب لقوة‏الظهور على وجه يلحقه بالنص.

ومنها: ما اذا كان لاحد المتعارضين او كليهما قدر متيقن لا في اللفظ اذ لو كان‏كذلك لخرج عن مورد التعارض بل في الخارج، كما في قوله(ع): «ثمن العذرة من‏السحت‏»((195)) و «لا باس ببيع العذرة‏»((196))، فان المتيقن من الاول‏عذرة الانسان، والمتيقن من الثاني عذرة الحيوان، فيحمل كل منهما على ما هو متيقن‏منه، فيرتفع التعارض بينهما.

ومنها: ما اذا كان احد العامين آبيا عن التخصيص بخلاف الخر، فيحمل غير البي‏على البي والقابل على القابل.

ومنها: ما لو كان تخصيص احد العامين موجبا لخروج اكثر موارده بخلاف الخر.

وهناك((197)) موارد اخرى وقع الخلاف في عدها من موارد الجمع العرفي ليس‏هنا مجال ذكرها.

ج تاثير العرف في تشريع الاحكام:

قد يستدل بالعرف والسيرة للاستدلال على كبرى الحكم الشرعي، كالاستدلال‏بالسيرة العقلائية القائمة على ان من حاز شيئا ملكه. وحجية العرف في هذا المجال‏تتوقف عند المشهور على اثبات عناية اضافية، اذ لا معنى للاستدلال ابتداء بعمل‏العقلاء وبنائهم على حكم الشارع من دون استكشاف امضائه الذي لابد ان يكون‏ادناه السكوت والتقرير.

فالحجية في الحقيقة ثابتة للامضاء والتقرير الصادر عن المعصوم لا لعمل العرف‏والعقلاء، ولكي تكون مؤيدة من قبل المعصوم لابد ان تكون معاصرة له، فلا تكون‏حجة اذا كانت مستحدثة بعد ذلك الزمان((198)).

وفي مقابل المشهور هناك نظرية اخرى تبتني على ارجاع السيرة العقلائية الى العقل‏العملي باعتبارها من مصاديقه، لتمكن العقلاء من تقدير المصالح والمفاسد.

وحكم العقل بذلك ليس حكما مطلقا غير قابل للنقض والاستثناء، فتبقى احكامه‏نافذة معتبرة ما لم يرد من الشارع ردع عنها، مما يعني ان الحجية هي الاصل الاولي‏حتى لو كان هناك مانع من الردع، فلا حاجة لاحراز عدم الردع بل يكفي عدم احرازالردع((199))، لانه احد العقلاء بل رئيسهم((200)).

وعلى هذا الاساس‏يمكن الاخذ بالسيرة العقلائية سواء عاصرت المعصوم ام لم تعاصره، لاستنادحجيتها الى تدبير العقلاء وعقولهم، فهي نظير حجية القطع، الا ان حجيتها معلقة‏على عدم الردع((201)).

واورد على هذا المسلك: بان احراز موافقة الشارع للعقلاء لمجرد كونه احد العقلاءغير صحيح، لاحتمال مخالفته لهم بسبب كون السيرة ليست عقلائية بحتة لتاثرهابعوامل غير عقلية، كالعواطف والمشاعر التي لها تاثير كبير في قرارات العقلاءوتصرفاتهم، او لانها لم تكن مبتنية على نكتة مدركة بالقريحة العامة للعقلاء، بل على‏اغراض شخصية تطابقوا عليها صدفة، وعندئذ فمن المحتمل الا يكون حال الشارع‏موافقا لحالهم، فيخالفهم باتخاذه موقفا افضل او اشمل من موقفهم نتيجة لذلك.

ثم ((202))انه بناء على نظرية المشهور((203)) فان طريقة استكشاف البيان‏الشرعي عند العقلاء سوف تختلف عن طريقة استكشافه في سيرة المتشرعة الناشئة‏من البيان الشرعي، اذ من غير المحتمل اتفاق المتشرعة جميعا على اداء صلاة الظهريوم الجمعة مثلا من دون ان يكون هناك بيان شرعي يدل عليها، وهذا بخلاف‏الميل العام الذي تمثله السيرة العقلائية الذي لم يكن ناشئا عن بيان شرعي ودوافع‏دينية حتى يكون كاشفا عن وجود هذا البيان، ولذا لابد من اتباع طريقة اخرى في‏الاستدلال على حجية السيرة العقلائية تختلف عن هذه الطريقة، فنقول:

ان الميل الموجود عند العقلاء نحو سلوك معين يعتبر قوة دافعة لهم نحو ممارسة‏ذلك السلوك، فاذا سكتت الشريعة عن ذلك الميل ولم تردع عن الانسياق معه كشف‏سكوتها عن رضاها وعن انسجام هذا السلوك مع التشريع الاسلامي.

ومثاله: سكوت المعصوم عن الميل العام عند العقلاء نحو الاخذ بظهور الكلام وعدم‏ردعه عنه، فانه كاشف عن رضاه واعتباره حجة وقاعدة لتفسير الفاظ الكتاب والسنة،والا لمنع عنه في نطاقه الشرعي، وذلك لانه لو لم يردع لادى ذلك الى نقض غرضه‏وتخلفه عن اداء رسالته، من التبليغ وبيان احكامها وحلالها وحرامها، فانه بحكم كونه‏حجة على العباد في تبليغ الشريعة مسؤول عن توضيح ما يخالفها من اوضاع الناس،والا كان مخالفا لمسؤوليته بما هو مكلف، وناقضا لغرضه بما هو آمر، وكلاهمامستحيل.

وبعبارة اخرى: ان الاستدلال بالسيرة العقلائية يقوم على اساس القرائن‏والاحتمالات، وذلك لاننا لو حللنا السيرة العقلائية الى مفرداتها وجدنا ان الميل العام‏عند العقلاء نحو سلوك معين كالاخذ بالظواهر مثلا يعبر عن ميول مشابهة عندعدد كثير من الافراد تشكل مجموعها ميلا عاما، وحين ناخذ فردا من اولئك الافرادالذين يميلون الى الاخذ بالظهور مثلا ونلاحظ سكوت المولى وعدم ردعه عنه،يمكن ان يكون قرينة ناقصة على حجية الظهور، لان من المحتمل ان يكون هذاالسكوت نتيجة لرضا المولى وموافقته، فهو لذلك محتمل الحجية، الا ان من‏المحتمل في الوقت نفسه الا يكون السكوت ناتجا عن رضاه بالاخذ بالظهور،لاحتمال ان يكون سكوته لسبب خاص، كاطلاعه مثلا على عدم ارتداعه لو ردع مثلا،فيكون ذلك مبررا لسكوت المولى عن هذا الفرد، فلا يكون الا قرينة ناقصة على‏رضاه، ولكن اذا اضيف الى ذلك فرد آخر له نفس الميل وسكت عنه المولى قوي‏احتمال الرضا، لاجتماع قرينتين، وهكذا يكبر هذا الاحتمال حتى يؤدي الى العلم‏حين يوجد ميل عام ويسكت المولى عن ردعه((204)).

ويمكن اثبات سكوت المولى وعدم ردعه بنفس عدم وصول الردع، لان عدم وصوله‏كاشف عن عدمه، باعتبار ان الردع عن كل سيرة يتحدد حجمه وعمقه بمقدار اهمية‏تلك السيرة ومدى تركزها وسعتها، فردع المعصوم(ع) عن عمل شخصي يمكن الا يصل الينا، اذ ليست كل واقعة لابد ان تصل الينا، الا ان الردع عن تصرف نوعي عام‏في مختلف الاحوال لابد من تكرره وتركزه لكي يناسب قوة المردوع ويؤثر اثره في‏قلع جذوره، ومثله يولد انتباها من المتشرعة في السؤال من الائمة نتيجة البلبلة‏والتذبذب الذي يحصل بالردع في البداية، فينعكس لا محالة في الروايات والثارالمنقولة عنهم لتدل على توضيح بطلان مضمون تلك السيرة بنحو يكون من البعيدجدا بحساب الاحتمالات ان يخفى كل ذلك عنا مع توفر الدواعي على نقلها، لكونهاقضية تاسيسية مخالفة مع الوضع العام الذي كان سائدا((205)).

مفاد امضاء السيرة العقلائية وحدود دلالتها:

هل مقدار مفاد الامضاء للسيرة العقلائية هو في حدود ما هو معمول به خارجا وقام‏التعارف عليه في عهد المعصوم(ع)، ام انه يتسع بسعة النكتة العقلائية التي قامت‏السيرة عليها؟ فالسيرة على سببية الحيازة للتمليك مثلا كان المقدار المعمول به منها خارجا الحيازة‏بالطرق والوسائل البدائية كالاغتراف والاحتطاب، واما مثل حيازة الطاقة الكهربائية‏التي لم يكن لها وجود آنذاك فهل المقدار المستفاد من امضاء السيرة يشملها، ام لادلالة فيه الا على المقدار الذي انصبت عليه السيرة؟ والصحيح في الجواب ان يقال بدلالة عدم الردع على امضاء تمام النكتة العقلائية‏التي هي اساس العمل الخارجي وملاكه لدى العقلاء، لان المعصوم(ع) له مقام‏التشريع وتبليغ احكام اللّه سبحانه وتعالى، وتصحيح او تغيير ما ارتكز عند الناس من‏شرائع غير صحيحة، ومثل هذا المقام اوسع مدلولا من مجرد كونه ناهيا عن المنكرالخارجي وآمرا بالمعروف، بل يدل بحسب ظهوره الحالي على انه ناظر الى النكات‏التشريعية الكبروية نفيا واثباتا، فيكون لسكوته وعدم ردعه ظهور في امضاء تمام‏النكتة العقلائية للسيرة((206)).

عدم كفاية معاصرة المعصوم(ع) حال الغيبة:

قد يتوهم البعض ان السيرة المتاخرة هي ايضا معاصرة للمعصوم الغائب الحجة‏عجل اللّه تعالى فرجه وسكوته عنها دليل على امضائها، فلا توجد سيرة غير معاصرة‏للمعصوم.

والجواب: ان سكوت المعصوم في غيبته لا يدل على امضائه لا عقلا ولا استظهارا.

اما عقلا: فلان المعصوم غير مكلف حال الغيبة بالنهي عن المنكر وتعليم الجاهل، اذليس الغرض بدرجة من الفعلية يستوجب الحفاظ عليه بغير الطرق المتعارفة التي كان‏الناس هم السبب في سدها.

واما استظهارا: فلان المناط هو استظهار حال المعصوم، ومن الواضح ان حال الغيبة لايساعد على الاستظهار من السكوت((207)).

السيرة العملية والارتكازية:

السيرة الارتكازية عبارة عن الانطباع السائد بين عامة الناس حول شي‏ء معين في‏عالم التصور والذهن، في مقابل السيرة العملية المتمثلة باعمال الناس وتصرفاتهم.

وهذا الفرق بين السيرتين وان لم يصرح به الاعلام بصورة مباشرة الا ان بالامكان‏انتزاعه من بعض كلماتهم((208)).

وقد ذكر البعض ان السيرة الارتكازية لا تكون حجة الا اذا بدت آثارها العملية، لان‏عدم خروجها عن حدود الارتكاز لا يدع مجالا لنفي الشارع واعتراضه عليها، لعدم‏وجود عمل يمكن الردع عنه حتى يكون سكوته قرينة على تاييده وامضائه له، فلوكان هناك ارتكاز على ان الراء الفقهية التي يتوصل اليها الفقهاء مثلا هي عبارة‏اخرى عن الطرق والامارات الموصلة الى الواقع، فهذا الارتكاز لا يبرر تقليد الميت‏بحجة ان رايه امارة على الواقع كبقية الامارات الاخرى، لعدم ظهور الثار العملية‏لهذا الارتكاز في زمن الائمة(ع) ولو بصورة محدودة، فكيف يكون سكوت الامام(ع)عنه دليلا على امضائه؟! قال الامام الخميني(قدس‏سره): «لا شك في انهم لا يفرقون بين راي الميت والحي‏بعد كون المرتكز لديهم ان الراء كلها طرق وامارات الى الواقع كسائر الامارات، لكن‏الكلام في انه هل يكفي مجرد عدم الفرق بينهما بحسب الارتكاز، او لابد من اثبات‏امر آخر وهو بناؤهم على العمل بقول الميت وتعارفه لديهم حتى يكون بمراى‏ومسمع من الشارع، ويستكشف من عدم ردعه رضاه ومن سكوته ارتضاؤه؟ الظاهر هو الثاني، فانه لو لم تجر السيرة بينهم على العمل بقول الميت وان فرض‏ارتكازهم على جوازه لا يكون للردع موضوع، فان ما هو الواجب على الشارع ردعه‏رد السيرة التي جرى عليها العقلاء حسب ارتكازهم، واما مع عدم الجري على طبق‏الارتكاز فما هو الغرض حاصل من دون ردع‏»((209)).

اما السيد الحكيم(قدس‏سره) فقد مال الى حجية السيرة الارتكازية كما يشعر به كلامه‏في مسالة اخبار صاحب اليد عن نجاسة ما كان في يده سابقا، معتبرا ان ندرة هذاالنوع من المسائل وقلة الابتلاء بها وان كان يؤدي الى عدم انعقاد السيرة العملية فيهاالا انه من غير المستبعد قيام السيرة الارتكازية على الحاق اليد السابقة باليد الفعلية،خصوصا اذا لم تمض عليها مدة طويلة.

وقد ذكر(قدس‏سره) انه ليس من الواضح الاستدلال بالسيرة على هذا الحكم، لندرة‏الابتلاء بمثل ذلك. نعم، السيرة الارتكازية غير بعيدة، ولاسيما في اليد القريبة، كما لودفع المبيع الى المشتري ثم اخبره بنجاسته((210)).

تخطئة الشارع للعرف والسيرة:

قد يقوم الشارع بمخالفة العرف او تخطئته في بعض تصرفاته واحكامه التي يراهاغير مطابقة مع الشريعة، وذلك بانحاء مختلفة:

النحو الاول: ان يقوم الشارع بتخطئة العرف في المصداق الذي اشتبهوا في تطبيق‏المفهوم عليه، فينبههم على ان المصداق ليس ذلك بل هو شي‏ء آخر، كما لو اشتبهوافي ادخال غير البيع في البيع، فنبههم على ان ذلك ليس من مصاديقه.

النحو الثاني: ان تكون التخطئة من باب التخصيص والاخراج الحكمي، بمعنى ان‏البيع العرفي مثلا وان كان بيعا حقيقيا بنظر الشارع ايضا الا ان الاثر الشرعي لم‏يترتب الا على بعض مصاديقه، فتكون حقيقة البيع حينئذ متحدة مفهوما ومصداقاعند الشرع والعرف.

النحو الثالث: ان تكون التخطئة لاجل التنبيه على ان الاثر الشرعي انما رتب على‏المصداق الشرعي للبيع دون العرفي، ومعنى ذلك ان هناك مصداقين احدهما شرعي‏والخر عرفي.

والفرق بين هذا النحو من التخطئة وبين النحو الثاني منها هو ان البيع في النحو الثاني‏بيع بنظر الشارع ايضا، الا انه لم يرتب عليه آثار البيعية بل رتبها على غيره من افرادالبيع، بعكس النحو الثالث الذي يكون مصداق البيع الشرعي فيه غير مصداقه العرفي،وذلك من قبيل الايجاب الشرعي الذي يختلف مصداقه عن الايجاب العرفي.

ثم ان((211)) هناك من انكر اطلاق التخطئة على الامور الاعتبارية، لانها لا يمكن‏تصورها الا في الامور الواقعية، كتشخيص الدم الذي تراه المراة بعد سن الخمسين‏وانه من الحيض ام لا، حيث ان العرف لم يعتبر ذلك حيضا، والشارع اعتبره حيضافي خصوص المراة القرشية، حيث حكم بان ما تراه المراة في هذا السن حيض، وامافي الامور الاعتبارية كالبيع، وتشخيص المدعي وتمييزه عن المنكر مثلا فلا يصح‏تخطئة العرف فيها، لانها لا واقع لها خارج دائرة الاعتبار، فلابد من تفسير مخالفة‏الشرع فيها على انها نوع من التضييق او التوسعة في الحكم((212)).

الهوامش المشاركة المتناقصة صورها واحكامها الشيخ مرتضى الترابي مقدمة احد الاركان الاساسية لاحداث المشاريع الاقتصادية الكبيرة في مجال الصناعة‏والزراعة والخدمات او شراء الاصول المنتجة كالطائرات والسفن والعقارات هوتمويلها عن طريق تامين السيولة المالية الكافية لذلك، وهي في الغالب لا تكون‏متوفرة لدى الاشخاص او المؤسسات. ومن الحلول المناسبة لهذا الموضوع تاسيس‏شركات تقوم بجمع المال من اصحابه لاجل استخدامه في تمويل مشروع خاص.ولكن الشركات تقصر بوحدها عن حل هذه المشكلة، لان لتاسيس الشركات‏وتسجيلها وادارتها قوانين خاصة قد لا تتناسب مع ظروف الاشخاص والمؤسسات‏العاملة في مجال الاقصاد. على ان راس مال الشركات لا يفي غالبا بتمويل المشاريع‏الكبيرة خصوصا في بداية تاسيسها فتحتاج هي ايضا الى مصدر آخر.

الطريق غير الاسلامي لحل هذه المشكلة هو التمويل الربوي بواسطة المصارف‏التقليدية التي تجمع النقود من الناس وتمول المشاريع بطريق الاقراض الربوي.

وبما ان الشريعة الاسلامية المقدسة قد حرمت الربا حرمة قاطعة، اصبح البحث عن‏وسائل مشروعة بديلة عن التمويل الربوي من الامور الضرورية في مجال البحوث‏الاقتصادية الاسلامية، وذلك لكي يتسنى للمصارف والمؤسسات المالية الاسلامية‏القيام بتمويل المشاريع الاقتصادية بطريقة مشروعة بعيدة عن الربا والمعاملات‏المشتملة على الغرر والغبن وغير ذلك مما هو محظور شرعا.

لاجل ذلك، قامت المؤسسات المالية الاسلامية بالبحث عن طرق استخدام العقودالمعهودة في ثوب جديد في الاقتصاد المعاصر، بالاضافة الى احداث عقود جديدة‏في اطار القواعد العامة الثابتة في الفقه.

والمشاركة المتناقصة التي توصلت اليها الذهنية الفقهية المعاصرة لاجل حل مشكلة‏التمويل هي من العقود المعهودة، لكن احتواءها على بعض الشروط الخاصة جعلهامن الصيغ الجديدة للعقود في مجال الاقتصاد. فهي احدى ادوات الاستثمار القصيرة‏الاجل كالمرابحة والسلم والاستصناع والاجارة المنتهية بالتمليك، وقد وضعت لاجل‏انقاذ المتعاملين من التورط في الربا وسائر التصرفات المشتملة على الحرام.

ويدخل في نطاق هذا التعاقد قيام المصرف بتمويل مشروع جديد او مشروع قائم،عقاري او زراعي او صناعي او تعليمي، او بشراء الاصول المنتجة، كشراء طائرة اوسفينة او عقار على وجه المشاركة، او بانشاء المنشت والمباني على الارض‏المملوكة لمن يرغب في المشاركة المتناقصة مع المصرف.

تعريف المشاركة المتناقصة:

المشاركة المتناقصة: هي الاتفاق على الاشراك في راس مال مشروع اقتصادي له‏منافع قابلة للاسترباح مع منح الحق لاحد الشريكين بشراء حصة شريكه في المال‏المشترك، اما دفعة واحدة او على دفعات، بحسب شروط متفق عليها من عائده الذي‏يخصه من ذلك المال او بالاموال الاخرى. والغالب تحققها بين مؤسسة مالية من‏مصرف وغيره وبين شخص طبيعي.

ولا يخفى ان المشاركة المتناقصة داخلة في شركة العنان، لانها شركة تتحقق نتيجة‏عقد يقصد منه تحصيل الربح. ولا ينبغي توهم كونها شركة ملك غيرعقدية((213))، اذ اشتراك شركة العنان التي هي شركة عقدية مع شركة الملك(الحاصلة بمزج المالين او بشراء مال واحد على نحو الاشاعة بينهما ونحو ذلك‏بدون ان تنشا بعقد يخصها) في بعض الثار كالمشاركة في المال لا يوجب اهمال‏الانشاء العقدي الذي هو الملاك في تشخيص الامر الاعتباري القائم بين المتشاركين‏ما لم يثبت خلافه.

على ان النتائج المتوقعة من المشاركة المتناقصة كالاسترباح، وامكان تصرف احدالشريكين في المال المشترك، وتقسيم الربح طبقا للموافقة الحاصلة بينهما لا بنسبة‏المالين، ومنح الحق لاحد الشريكين في تملك حصة الشريك الخر بالتدريج مما لاتترتب على شركة الملك بل تتضاد معها. فلابد من انشاء عقدي يجمع هذه الثاروالشروط. وعد هذه الشروط وعدا او مفاهمة بحيالها من دون استناد الى عقد مع انه‏خلاف الظاهر من اقدامهما على جعلها شروطا في ضمن الاتفاق المسمى بالمشاركة‏المتناقصة مخالف لمصب الانشاء في هذا الاتفاق ايضا، فان مصب الانشاء في‏المشاركة المتناقصة ليس هو شراء المال بالشراكة مجردا عن قصد الاسترباح، بل هوشراء المال بالاشتراك مع قصد الاسترباح، كما يدل على ذلك استخدام كلمة‏«التمويل‏» لبيان المحور الاصلي في العمل الذي يقوم به الشريكان وبالاخص‏المصرف في المشاركة المتناقصة.

ولابد لحصول المشاركة المتناقصة من كون الشريكين سهيمين معا في راس المال،فلو كان جميع راس المال لاحد الطرفين فسوف لا تتحقق هناك مشاركة بل تكون امااجارة او مزارعة او مضاربة او ما شابه ذلك من العقود، فمع فرض انعقاد ذلك‏صحيحا فسوف لا ينعقد مشاركة كما ذكرنا.

وايضا يشترط في صحة المشاركة عند الامامية حصول الامتزاج بين المالين بحيث لايمكن التفكيك بينهما، فعلى هذا لابد اما ان يكون راس المال من الاشياء القابلة‏للمزج كذلك فيمزج بينهما، او يحصل نتيجة المزج وهي الاشاعة في الملكية‏بالمعاملة، كان يبيع احد الشريكين قسما مشاعا من ماله للاخر مقابل قسم مشاع من‏مال الخر حتى يكون هذان المالان مملوكين بالملكية المشاعة لهما.

قال صاحب الرياض(رح): «ولو قلنا بمنع الشركة في القيمي بالمزج، فطريق التخلص‏من المنع والحيلة لتحصيل الشركة فيه: ان يبيع كل منهما حصته مما في يده بحصته‏مما في يد الخر، او يتواهبا الحصص، او يبيع حصته بثمن معين من الخر ويشتري‏حصة الخر بذلك الثمن، وغير ذلك من الحيل. ويجري في المثلي ايضا، حيث لايقبل الشركة بالمزج بتغاير الجنس او الوصف‏»((214)).

اما تعريف المشاركة المتناقصة بما ورد في قانون البنك الاسلامي الاردني بانها:«دخول البنك بصفة شريك ممول كليا او جزئيا في مشروع ذي دخل متوقع وذلك‏على اساس الاتفاق مع الشريك الخر بحصول البنك على حصة نسبية من صافي‏الدخل المتحقق فعلا مع حقه بالاحتفاظ بالجزء المتبقي او اي قدر منه يتفق عليه‏ليكون ذلك الجزء مخصصا لتسديد اصل ما قدمه البنك من تمويل‏»((215)).

فناظر الى بعض الاشكال التطبيقية لهذا العقد، اي ليس كل ما ورد في هذا التعريف‏كاشتراط تسديد ما قدمه البنك من تمويل من الدخل المتحقق من مقومات هذاالعقد، بل هي من مميزات بعض تطبيقاته. بل التعبير بحق احتفاظ البنك بجزء من‏الدخل المتحقق لتسديد ما قدمه البنك من التمويل لا يلائم الشركة، اذ ظاهره ضمان‏الشريك لحصة شريكه في المال بالقيمة الاسمية الذي هو من خصوصيات القرض‏الربوي، فانه اقراض مع الفائدة. وكون الفائدة هنا حصة من دخل متوقع غير منجز لايخرجه من الربا القرضي.

الا ان يقال ان ذلك فيما اذا قصد المتعاملان القرض وانشه، وليس في المقام ما يدل‏على ذلك، ومجرد اشتراط التضمين لا يكفي في اثبات قصد القرض وانشائه.

صور المش((216))اركة المتناقصة:

ذكر في توصية مؤتمر المصرف الاسلامي الاول بدبي المنعقد في عام (1399ه)الموافق لعام (1979م) ان للمشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك ثلاث صور:

الصورة الاولى:

يتفق البنك مع متعامله على تحديد حصة كل منهما في راس مال المشاركة‏وشروطها. وقد راى المؤتمر ان يكون بيع حصص البنك الى المتعامل بعد اتمام‏المشاركة بعقد مستقل، بحيث يكون للبنك حرية بيع حصصه للمتعامل (شريكه) اولغيره، وكذلك الامر بالنسبة للمتعامل يكون له الحق في بيع حصته للبنك او لغيره.

الصورة الثانية:

يتفق البنك مع متعامله على المشاركة في التمويل الكلي او الجزئي لمشروع ذي‏دخل متوقع، وذلك على اساس اتفاق البنك مع الشريك الخر لحصول البنك على‏حصة نسبية من صافي الدخل المحقق فعلا مع حقه بالاحتفاظ بالجزء المتبقي من‏الايراد او اي قدر منه يتفق عليه، ليكون ذلك الجزء مخصصا لتسديد ما قدمة البنك‏من تمويل.

الصورة الثالثة:

وهي التي يحدد فيها نصيب كل من البنك وشريكه في صورة اسهم تمثل مجموع‏قيمة الشي‏ء موضوع المشاركة (عقارا مثلا)، ويحصل كل من الشريكين على نصيبه‏من الايراد المتحقق من العقار. وللشريك اذا شاء ان يقتني من هذه الاسهم المملوكة‏للبنك عددا معينا كل سنة، بحيث تكون الاسهم الموجودة في حيازة البنك متناقصة‏الى ان يتم تمليك شريك البنك الاسهم بكاملها، فتصبح له الملكية المنفردة للعقاردون شريك آخر.

ولا يخفى ان انقسام المشاركة الى هذه الصور انما هو بلحاظ كيفية تملك الشريك‏العميل لحصص البنك والشرط الراجع لذلك في العقد، والا فيمكن فرض صور اخرى‏بلحاظ سائر الاركان والخصوصيات في العقد، كالمتعاقدين، ونوع المشاركة، وكيفية‏الاستثمار.

اما بلحاظ المتعاقدين فيمكن ان يفرض كون المتعاقدين معا ذوي شخصية حقيقية اومعنوية، او يكون احدهما ذا شخصية حقيقية والخر ذا شخصية معنوية. وهذه‏الصورة الاخيرة هي الغالبة في هذه المشاركة.

ومن ناحية راس المال يمكن ان يفرض كون المشاركة في عروض او نقد او منهما معا(وعلى اية حال لابد من تحقق الاشاعة في الملك اما بالمزج او بطريق آخر كماذكرناه).

وبلحاظ كيفية الاستثمار يمكن اشتراط كون الاستثمار بالتوكيل للاسترباح او بالاجارة‏او المضاربة او المزارعة او غيرها.

وكذلك يمكن اشتراط كون كيفية استغلال المنفعة‏والربح كتعيين الوكيل في الاسترباح او المستاجر مثلا مفوضا الى احد الشريكين‏فقط (كالمصرف) كما يمكن اشتراط كون احد الشريكين (كالعميل) هو الوكيل في‏الاسترباح او المستاجر.

ويمكن ان يكون اشتراط بيع الحصص بشكل المواعدة السابقة على عقد المشاركة،كما يمكن ان يكون شرطا في عقد المشاركة.

والشرط قد يكون بنحو شرط الفعل اي ان يشترط احد الطرفين على الخر ان يبيع اويؤجر حصته في المشاركة من الطرف الخر، او ان يوكل احد الجانبين الخر لاجل‏ذلك وقد يكون على نحو شرط النتيجة، اي كون نفس هذا الاشتراط كافيا في تحقق‏البيع او الاجارة او الوكالة في المستقبل من دون حاجة الى الايجاب والقبول‏المستقلين.

ومن ناحية نوع المشاركة يمكن ان تنشا المشاركة على نحو يكون لنفس المشاركة‏شخصية معنوية مستقلة عن المشاركين، كتاسيس شركة ذات مسؤولية محدودة او لاتكون لها شخصية معنوية كشركة المحاصة.

وكذلك يمكن تنويعها من ناحية كون بيع الحصص بالثمن المسمى عند انشاءالمشاركة او بالقيمة السوقية التي تعين حين انتقال الحصص الى الطرف الخر.

ومن ناحية الانشاء العقدي يمكن ان تنشا كعقد مستقل فتكون جائزة، او تجعل شرطافي عقد آخر الزامي كالبيع فتكون لازمة، لما تقرر في محله من ان الشروط الضمنية‏في العقد تتبع العقد في جوازه ولزومه.

فصور المشاركة المتناقصة كثيرة، وحصرها في ثلاث صور بلا موجب، الا ان يكون‏النظر الى بيان صورها بلحاظ عملية التناقص فقط. الا انه يرد عليه: ان صورها بلحاظ‏عملية التناقص ايضا لا تنحصر فيها، ولها صور اخرى ككون التناقص على نحوالمواعدة او على نحو التنجيز، وكذلك تعيين قيمة الحصص فيها بالقيمة الاسمية اوبالقيمة السوقية.

وعلى اية حال، خصوصية المشاركة المتناقصة المنبثقة من شركة العنان تاتي من‏ناحية الشروط التي يتضمنها هذا العقد.

واهم تلك الشروط هو اشتراط تخلي‏المصرف عن حصته لصالح العميل المشارك ببيعه له تدريجا او دفعة، وكذلك اشتراط‏كيفية استثمار المال المشترك، فلابد من تركيز البحث على هذه الشروط وكيفية‏صياغتها وآثارها في العقد. وقبل ذلك نقدم البحث عن الشروط الضمنية للعقود،وذلك لما يتراءى من ان عدم وجود المباني المنقحة حول مسالة الشروط لدى بعض‏الباحثين في هذا الموضوع هو الذي اثر فيما يشاهد من تهافت كلماتهم فيه.

الشروط الضمنية في العقود:

تتضمن العقود غالبا بالاضافة الى اركانها شروطا يبنى عليها الالتزام العقدي،وذلك لعدم وفاء العقد العادي بدون تلك الشروط بتحقيق غرض المتعاملين من‏انشائه في الغالب. هذا ما جرت عليه سيرة العقلاء في العقود واقرهم على ذلك الشرع‏الا فيما كان الشرط مخالفا لمقتضى العقد او كان مخالفا للكتاب والسنة فيكون‏باطلا((217)).

وروى الكليني(رح) بسنده عن عبداللّه بن سنان، عن ابي عبداللّه(ع)، قال: سمعته‏يقول: «من اشترط شرطا مخالفا لكتاب اللّه فلا يجوز له ولا يجوز على الذي اشترط‏عليه، والمسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب اللّه عزوجل‏»((218)).

وروى الصدوق(رح) ايضا في الصحيح عن ابي عبداللّه(ع):

«المسلمون عند شروطهم‏الا كل شرط خالف كتاب اللّه عزوجل فلا يجوز»((219)).

والشرط الضمني يمكن ان يكون واحدا او متعددا، فان الشرط ما لم يكن مخالفالمقتضى العقد وموجبا للغرر في اصل المعاملة ولم يكن محللا لحرام او محرمالحلال فانه سائغ وان بلغ عشرات الشروط. وبعبارة اخرى: كل شرط لم يخل باحداركان العقد او شرائطه العامة (كما لو جعل العقد مرددا فيؤدي الى تعليق العقد اوالغرر)، ولم يخالف حكما شرعيا اقتضائيا((220))، فهو صحيح، ولا فرق في ذلك‏بين الشرط الواحد او المتعدد.

فما قد يقال من ان وجود الشرط في المعاملة خصوصا اذا كان متعددا يوجب تعددالصفقة في العقد الواحد المنهي عنه شرعا، لا يعول عليه((221))، لان الجمع بين‏الصفقتين في صفقة واحدة انما يصدق فيما لو كان هناك صفقتان لكل منهما ايجاب‏وقبول وثمن ومثمن، ولكن ربط احدهما بالخر في مقام الانشاء، كان يبيع احدالمتعاملين شيئا للاخر على ان يبيع الخر شيئا منه، كما يقول: ابيعك داري على ان‏تبيعني دابتك مثلا.

ويمكن ان يكون المراد من النهي عن صفقتين في صفقة ان يبيع‏شيئا بثمنين احدهما نقدا والخر نسيئة بايهما شاء المشتري اخذ من دون ان يوجب‏احدهما ويجعله قطعيا((222)). وقد ورد النهي عنه في روايات كثيرة.

وقد فسر غير واحد من العلماء هذا الحديث نهي النبي(ص) عن صفقتين في صفقة،وكذا نهي النبي(ص) عن بيعين في بيع باحد هذين المعنيين.

اما حديث نهي النبي(ص) عن بيع وشرط على تقدير صحته فالظاهر ان المراد منه‏هو النهي عن شرط خاص كان متداولا في ذلك الزمان، مثل اشتراط زيادة الثمن، على‏تقدير التاخير في اداء الثمن لا مطلق الشرط((223)).

والمشروط كما يمكن ان يكون وجود وصف في متعلق العقد، كذلك يمكن ان يكون‏اتيان فعل من الافعال التكوينية او انشاء امر من الامور الاعتبارية، كالاجارة او البيع اوالهبة او غير ذلك كل ذلك، صحيح بمقتضى ادلة نفوذ الشروط((224)).

نعم، قد نبه الفقهاء على ان الشرط ان كان امرا من الامور الاعتبارية امكن صياغته‏على نحوين:

1 شرط الفعل: وهو ما يحتاج بعد العقد الى انشاء جديد، كان يشترط البائع على‏المشتري في ضمن عقد البيع ان يجعله وكيلا عنه في امر كذا، ويعني ان يشترط عليه‏ان ينشئ عقد الوكالة له بعد اتمام عقد البيع، فباجراء عقد البيع لا يصير البائع وكيلاعن المشتري، بل تحتاج وكالته عنه الى انشاء آخر.

2 شرط النتيجة: وهو ما كان العقد كافيا في تحققه من غير حاجة الى انشاء آخر، كان‏يشترط البائع على المشتري في ضمن عقد البيع ان يكون وكيلا عن المشتري في امرمن اموره ويعني ان الوكالة تحصل للبائع بمجرد هذا الاشتراط وبايقاع عقد البيع ولايحتاج ثبوتها الى انشاء عقد وكالة من جديد بعد اتمام عقد البيع.

وذكروا ان شرط النتيجة انما يكون صحيحا اذا لم يكن المشروط مما يتوقف حصوله‏على اسباب خاصة، كالنكاح والطلاق مثلا، فلا يصح اشتراطهما على نحو شرط‏النتيجة((225)).

لزوم الشرط وجوازه:

الشرط في ضمن العقد اللازم لازم، اي يجب الوفاء به، ويكون لمن له الشرط حق‏اجبار المتعاقد الخر على العمل به، ويحق له ايضا فسخ العقد في صورة تخلفه.

اما الشروط الواقعة في ضمن العقود الجائزة فالمشهور عندهم هو عدم لزومها، لعدم‏شمول ادلة الوفاء بالعقد والشرط لها، فان منصرف تلك الادلة هو العقود اللازمة دون‏الجائزة، اذ هي اذن ووعد من جانب، وقبول من جانب آخر، فليس هناك عقد حقيقة.فهي غير مقتضية للزوم بذاتها، فبالاحرى يكون ما تضمنته من الشروط غير واجب‏الوفاء ايضا الا على مسلك من ذهب الى وجوب العمل بالوعد فيجب الوفاء.والمشهور لدى الامامية هو عدم وجوب العمل بالوعد((226)).

هذا قول المشهور، وللسيد الطباطبائي اليزدي صاحب العروة(رح) هنا مسلك خاص،وهو ان الشرط في ضمن العقد الجائز لازم، يجب الوفاء به ما دام العقد باقيا. فما دام‏العقد لم ينفسخ فانه ليس للمتعاقدين الامتناع عن العمل بالشروط الضمنية.

نعم، هن((227))اك طريق لتبديل العقود الجائزة وما فيها من الشروط من الجوازالى اللزوم، وهو صياغتها شرطا في ضمن عقد لازم آخر.

قال السيد الطباطبائي(رح): «اذا شرط الوكالة على وجه شرط النتيجة في ضمن عقدلازم ولو من طرف من عليه الشرط لزمت، وليس له عزل الوكيل على الاقوى‏المشهور، لان الوكالة وان كانت جائزة الا انها تلزم اذا جاءت من قبل الشرط‏».

فعلى ه((228))ذا لو ارادا ان يجعلا المشاركة المتناقصة عقدا لازما غير قابل‏للفسخ من جانب واحد، يمكنهما ان يجعلا مصب التعاقد عقدا لازما كالبيع اوالاجارة مثلا كان يبيع احد الجانبين للجانب الخر كتابا او يؤجر سيارة مثلا ويشترطافي ضمن ذلك العقد المشاركة المتناقصة، اي الشركة في مشروع ذي دخل متوقع مع‏التزام احد الجانبين ببيع حصته من الجانب الخر دفعة او تدريجا. فتكون المشاركة‏حينئذ لازمة بتبع العقد المتضمن لها.

الشروط الضمنية في المشاركة المتناقصة:

ذكرنا ان خصوصية المشاركة المتناقصة المنبثقة من شركة العنان تاتي من ناحية‏الشروط التي يتضمنها هذا العقد. واهم تلك الشروط هو اشتراط تخلي المصرف عن‏حصته لصالح العميل المشارك ببيعه له تدريجا او دفعة، وكذلك اشتراط كيفية‏استثمار المال المشترك. فلابد من تركيز البحث على هذه الشروط وكيفية صياغتهاوآثارها في العقد.

شرط تخلي المصرف عن حصته لصالح مشاركه (العميل):

ذكرنا ان مؤتمر المصرف الاسلامي الاول بدبي راى ان تخلي المصرف عن حصته‏لصالح مشاركه يمكن ان يكون على احد الصور الثلاث التي مضى ذكرها.