المسؤولية والتعايش والحوار
شعوب مختلفة وقبائل متفاوتة واوضاع متباينة يعيشها
المسلمون وعادة ما يترك ذلك التفاوت اثره عليهم بشكل او
بخر... بيدانه يطغى على هذا وذاك وشائج عريقة مختزنة في
منطقة الشعور الباطن لها امتداداتها في العواطف والاحاسيس
ولها بصماتها فيالممارسات ولها تاثيرها في التطلعات فتفرض
نفسها ككيان ارتباطي واقعي يسمى بالامة الاسلامية.. وهذه
الكينونة بالرغم مناستطاعتها صهر الفوارق القومية واذابة
الفواصل الطبقية اجتماعية واقتصادية الا انها تصطدم دائما
بجدار المذهبية والطائفية فتولدنتوءات وترهلات تشوه صورة
الكيان من خارجه وتنخر في احشائه من الداخل.. ومن الطريف
ان الجميع دون استثناء ينظر الى ذلكنظر ريبة ويرجو من
القدر ان ياذن كي تستعيد الامة عافيتها..
وما ادري الى متى ننجد ونتهم في هذه الدوامة والدوران في
حلقات مفرغة منطقيا وميدانيا؟! ول م لم نرد هذا الواقع الكبير
الىكتاب اللّه لنستنطقه ولنساله الموقف كما نرجع اليه في
الوقائع الصغيرة؟! ولم لم نرجع الى اهل الذكر الذين نصبهم
اللّهاعلاماللهداية ليعلمونا ما لم نكن نعلم؟! ولماذا لا نقتدي
بعترة النبي الذين جعلهم اللّه امانا لاهل الارض وضمانا للامة
منالضلال؟!
القرآن والتعددية المذهبية:
اما القرآن فانه لم يعرف هذه التعددية الطائفية فقد كان
يخاطب كيانا واحدا (يا ايها الذين آمنوا).. (انما ال
مؤمنون)(والمؤمنون والمؤمنات).. (يا عبادي) ويعتبر التفرق
والاختلاف من شيم الكفر والشرك فقال محذرا من الفرقة:
(ولا تكونوا من المشركين # من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا
كل حزب بما لديهم فرحون).. (ولا تتبعوا السبلفتفرق بكم عن
سبيله).. فسبيل اللّه واحدة ودينه واحد وعباده سواء..
وقد وقف القرآن بشدة وحسم تجاه اية محاولة لتقسيم
المجتمع وتجزئته وعدها بغيا وامر بالتصدي لذلك فقال
سبحانه: (وانطائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما
فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء
الى امر اللّهفا نفاءت فاصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا ان اللّه
يحب المقسطين).. والمعالجة القرآنية هنا كما هو ظاهر من
هذه الايةوغيرها ذات حيثيتين احداهما سلبية والاخرى
ايجابية:
والاولى تتمثل بالدعوة الى التخي والصلح على اساس العدل
والقسط والثانية تتمثل بالمواجهة والتصدي للبغي وشق
عصاالمسلمين وقد فصلت العترة النبوية كيفية التصدي
وبينت ضوابطه واوضحت انه يختلف عن التصدي للكفر في
المنطلقوالشكل..
وصرح الفقهاء بانه لولا مواقف علي(ع) في حروبه الجمل
وصفين والنهروان لما اتضح فقهيا حكم البغاة وكيفية
التعاملمعهم..
وهذه الاجراءات كلها بالنسبة لنزاع عارض واشتباك طارئ
وانفعال مؤقت سرعان ما يزول.. فيا ترى ماذا سيكون الموقف
الاسلاميتجاه ظاهرة التمذهب والتعددية الطائفية وهو
اختلاف تطول مدته ويدوم مقامه وتمتد جذوره الى البنى
التحتية العقائديةوالثقافية؟! ولا شك بان هذه الحالة مرفوضة
قرآنيا لان اللّه سبحانه لم ينزل اكثر من شريعة واحدة وكتاب
واحد.. ولكن يبدو انهمن الصعوبة بمكان تحصيل العلاج فيما
لو حصلت تلك الحالة المرفوضة..
فلا محيص من الرجوع الى الثقل الاصغر وعدل القرآن وهم
العترة الطاهرة من اجل معرفة ذلك.. فانهم(ع) امان لاهل
الارضكما ان النجوم امان لاهل السماء وانهم كسفينة نوح من
ركبها نجا..
العترة ومعالجة التعددية المذهبية:
ان تتبع منهج الائمة من اهل البيت(ع) ودراسة نصوصهم
وتحليل سيرتهم ليكشف بوضوح عن وجود نظرية تحدد كيفية
التعاملمع ظاهرة التعددية او قل التفرق.. وسنركز على دراسة
سيرة الامام علي(ع) كنموذج جلي باعتباره عاش الايام الاولى
لنشوءهذه الظاهرة ضمن مراحل وظروف متفاوتة.. وليعلم ان
من جملة الثوابت ان كل ما يصدر عن اهل البيت(ع) له بعد
تشريعيويعبر عن الزامات دينية ومقررات فقهية.. هذا ويمكن
القول بان نظريةاهل البيت(ع) تقوم على ثلاثة اركان لا تخلو
من ترابط فيمابينها:
الركن الاول المسؤولية:
مما يتميز به الرسالي هو الانطلاق في تعامله مع القضايا من
منطلق الشعور بالمسؤولية تجاه الامة والرسالة.. فالحفاظ
علىكيان الامة الاسلامية من الانهيار وبقاؤها قوية قادرة على
مواجهة التحديات هدف اساسي لاهل البيت(ع).. كما ان
حراسة الرسالةوحمايتها من الاندراس وديمومتها حية وفاعلة
تستطيع ان تكونحلا وافيا لمتطلبات الحياة الانسانية يعد
هدفا مقدسا لهم(ع)..
وعندما نحلل موقف الامام امير المؤمنين علي بن ابي
طالب(ع) تجاه الولادة الاولى لظاهرة التعددية في الكيان
الاسلامي نراهمبتنيا على الحرص على الامة وعلى الدين..
وذلك عندما قدم ابو سفيان زعيم حزب الطلقاء الانتهازي
عرضا سخيا لدعم المعارضةبالخيل والرجال والمال واجهه امير
المؤمنين(ع) برد عنيف لم يكن ينتظره ابو سفيان في مثل
تلك الظروف التي كان امير المؤمنيناحوج ما يكون الى الدعم
العسكري والمادي ليثبت وجوده على السطح بعد ان همش
دوره بطريقة قاسية يصفها ببيت شعري كانقد انشده:
شتان ما يومي على كورها
ويوم حيان اخي جابر
لقد رفض امير المؤمنين(ع) عرض ابي سفيان حفاظا على
كيان الامة من التصدع وآثر الصبر على تفريق الشمل
وذهابالريح..
وايضا نراه(ع) في الوقت الذي دار التنافس فيه على السلطة
يعكف على حماية الهوية الفكرية والثقافية للامة من خلال
حفظهللمصدرين الاساسيين للرسالة، وهما: القرآن والسنة..
حيث قام بجمع وتدوين كتاب اللّه خلال الاشهر الاولى عقيب
وفاةالرسول(ص) وكذلك تدوينه لاحاديث الرسول والسنة
النبوية فيما يعرف بكتاب علي وكتب العلم الاخرى التي تركها
لاهلالبيت..
الركن الثاني التعايش المشترك:
ان التفرق تحت اي عنوان كان يلقي بظلاله على العلاقات
الاجتماعية حيث يبدا الفئوي بتصنيف المجتمع الى صنفين:
من يرىرايه ويتفق معه فيه، ومن يخالفه الراي.. والنفس
بطبعها تميل عاطفيا الى الصنف الاول وتالفه وتستوحش من
الصنف الثانيوتنفر منه حتى تتعاظم هذه المشاعر تدريجيا
وتتحول الى حب وبغض والى ود وكراهة، وهذا ما ينسحب
قطعا على السلوكاليومي، لانه سيكون حينئذ اساسا لجميع ما
يصدر عن الشخص من ممارسات وتعاملات مع الاخرين سواء
في البيع والشراء اوالتزاوج او التزاور او التعاون والتكافل..
وسوف يصبح الصنف الاول امة والصنف الثاني امة ثانية.. من
هنا نرى ان اهل البيت(ع)قد ثبتوا مبدا التعايش المشترك
نظريا وعمليا..
فعلى الصعيد النظري نجد الوثائق الكثيرة التي سجل فيها امير
المؤمنين(ع) رؤيته الى الامة وحدد فيها مبادئ التعايش
بعيداعن روح الفئوية والتمييز غير الموضوعي.. واليك عهده
الذي كتبه لواليه على مصر مالك الاشتر ولم يثبت فيه مادة
واحدةلتحقيق امتياز لشيعته ومريديه في وقت كانت زمام
الامور بيده.. فلم يغتنم تلك الفرصة لتركيز طيفه في الامة بل
احتضنالمجتمع بكل اطيافه بروح الابوة وبصدر اتسع
لمناوئيه كاتساعه لمحبيه..
الركن الثالث الحوار:
وعلى ضوء الركنين الاول والثاني يولد الحوار، اي يتحرك في
جو يسوده الشعور بالمسؤولية وفي فضاء خال من التوتر
وتسودهالعلاقات الاخوية.. وبعبارة اخرى: ينطلق الحوار على
اساس الوعي والموضوعية.. فان التعايش ان لم يكن مسبوقا
بدوافعالحرصعلى كيان الامة ولم يكن ملحوقا بالحوار الهادئ
والهادي سيكون صرف سياسة براغماتية تسليما للواقع
واستثمارا له باقصى مايمكن تحقيقا للمصلحة الفئوية.. ومن
هنا نلاحظ اعتماد اهل البيت(ع) الظاهرة الحوارية لكي
يمارسوا عملية التوجيه والتصحيحمع عدم التراجع عن الثوابت
العقدية.. وهذه الظاهرة نلمسها في سيرة امير المؤمنين(ع)
وان برزت بشكل اوضح بعد استلامهالحكم.. ولم يكن ليستعمل
منطق القوة الذي كان متيسرا لديه.. بل كان ينتهج الحوار
المفتوح والنقاش الحر دون خوفمن استبدادسلطوي ودون
ذعر من كابوس الدكتاتورية الحكومية..
وقد حذا علماؤنا حذو اهل البيت(ع) لتجسيد هذا الثلاثي في
نظريتهم (المسؤولية.. التعايش.. الحوار) وياتي في طليعة
هؤلاءالعلا مة المجاهد السيد شرف الدين، حيث شخص
المسؤولية ونهض باعبائها في رحلة التعايش والحوار مع الاخر..
وهو «المجتهدالمطلق ومن اهل الذكر الذين ترجع اليه العباد»
كما في اجازات بعض الاعاظم له.. فلم يثنه اجتهاده عن
ممارسة هذه الادواروالواجبات التي نستشرف تفاصيلها من
خلال الملف الخاص به في هذا العدد والتي حاولنا قراءتها من
زاوية فقهية او قريبة منها..
نسال المولى القدير ان يوفقنا للاقتداء بمحمد واهل بيته امتثالا
لامره (يا ايها الذين آمنوا اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول واوليالامر
منكم فان تنازعتم في شيء فردوه الى اللّه والرسول ان كنتم
تؤمنون باللّه واليوم الاخر ذلك خيرواحسنتاويلا)..ولا حول ولا
قوة الا باللّه..
رئيس التحرير
بحوث اجتهادية
عمل الاجير لغير المستاجر
آية اللّه السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
اذا آجر شخص نفسه لعمل ثم اراد ان يعمل لشخص آخر في
نفس زمان الاجارة تبرعا او باجارة ا خرى، فهل يجوزله ذلك
تكليفا ام لا؟ وعلى كلا التقديرين فما هو حكمه الوضعي؟
1 الحكم التكليفي:
لا اشكال ولا خلاف في جواز ان يعمل شخص واحد لشخصين
في زمان واحد اذا كان على وجه لا ينافي الوفاءبالاجارة
الاولى((1)) او باذنه. كما لا خلاف ولا اشكال في حرمته اذا كان
منافيا معه((2))، لانه تعجيز لنفسه عنالوفاء بالاجارة، وهو
واجب، فيكون تركه اختيارا معصية. والحرمة التكليفية بمعنى
ترك الواجب مما لا خلاف فيه، واماحرمة نفس العمل الاخر
الذي قام به بعنوانه فهي مبتنية على القول بحرمة ضد الواجب
وان وجوب شيء يقتضي النهيعن ضده((3)) وهو خلاف
المشهور وغير صحيح على ما حقق في محله من علم الاصول
او القول بتعلق ملكالمستاجر او حقه بالعمل الاخر بحيث
يكون صرفه للغير تصرفا في حق المستاجر وغصبا او تفويتا
واتلافا لحقه، وهومحرم شرعا((4)). وهذا قد يتحقق في بعض
الاقسام والصور كما سياتي.
2 الحكم الوضعي:
لا خلاف في صحة اجارة الاجير نفسه لشخص آخر اذا لم يكن
الوفاء بهامنافيا مع الوفاء بالاجارةالاولى((5))، وانما البحث في
صورة التنافي وعدم اذن المستاجر الاول، فيقع البحث عن
صحتها وفسادها وعما يحقللمستاجر الاول.
وقد اختلفت كلمات الاصحاب في المقام اختلافا شديدا،
والمشهور التفصيل بين الاجير الخاص والاجير المشترك
اوالعام.
وقد عرف المحقق الاجير الخاص بانه: الذي يستاجر مدة
معينة((6)). وشرحه آخرون باخذ قيدين فيه: المباشرةوالمدة
المعينة((7)). الا ان صاحب العروة ذكر اقساما اربعة للاجير
الخاص، فقال: «الاجير الخاص وهو من آجرنفسه على وجه
يكون جميع منافعه للمستاجر مدة معينة، او على وجه تكون
منفعته الخاصة كالخياطة مثلا له، او آجرنفسه لعمل مباشرة
مدة معينة، او كان اعتبار المباشرة او كونها في تلك المدة او
كلاهما على وجه الشرطية لا القيدية لا يجوز له ان يعمل في
تلك المدة، لنفسه او لغيره بالاجارة او الجعالة او التبرع، عملا
ينافي حق المستاجر الا معاذنه»((8)).
والمستفاد من كلمات الفقهاء انه كلما اخذت مباشرة الاجير
للعمل والمدة المعينة في الاجارة بنحو القيدية او الشرطيةفهو
اجير خاص او بحكمه، فلا تصح الاجارة الثانية بلا اذن
المستاجر، لمنافاتها مع الاولى. وفي قباله الاجير العام
اوالمشترك، وهو ما اذا كانت الاجارة غير مشروطة بالمباشرة او
كانت موسعة من حيث المدة، فتجوز الاجارة الثانيةللاجير،
لعدم المنافاة بينهما حينئذ على ما سياتي.
وفيما يلي نذكر اولا الصور الاربع المتقدمة للاجير الخاص وما
ذكره الفقهاء في كل منها من الاحكام، ثم نتعرض لمااذا كان
الاجير مشتركا او عاما في احدى الاجارتين او كليهما.
اذا كان الاجير خاصا:
وفيه صور:
الصورة الاولى: من آجر نفسه على وجه يكون جميع منافعه
واعماله فيالخارج للمستاجر في مدة معينة ثم يعمل فيتلك
المدة لنفسه او للغير.
وقد يناقش في هذا القسم تارة: بانه غير معقول، لعدم قابلية
المنافع المتضادة لان تملك جميعا في عرض واحد لا
فيمنافع الاموال ولا الاعمال.
الا ان هذه المناقشة شكلية، اذ المقصود ان كل ما يكون ثابتا
لمالك العين او العامل ينتقل بتمامه الى المستاجر بنحويكون
مخيرا كالمالك في استيفاء اي منها، سواء كان من باب امكان
ملكية المنافع المتضادة في عرض واحد، لانهاحكم وضعي لا
تكليفي، او ملكيتها بدلا، او ملكية الجامع والقدر المشترك بين
انواعها المتضادة والجامع لمراتبهاالطولية كما عبر بذلك
المحقق النائيني(قدسسره)((9)) فنفس العلقة الوضعية
التي كانت للمالك تنتقل بالاجارةالى المستاجر، وهذا لا اشكال
فيه.
وقد يناقش فيه اخرى: بان هذا القسم لا يخلو من شوب اشكال،
لاستلزام الغرر((10)). ويندفع: بامكان تعيين ذلك اووصفه
بحسب قابليات الاجير، فيندفع الغرر.
وقد حكم صاحب العروة بعدم جواز عمل الاجير في هذه
الصورة لنفسه ولا لغيره تبرعا او بجعالة او اجارة، لانهليس ملكا
له، بل للمستاجر بحسب الفرض، فيكون محرما تكليفا ووضعا،
اي تكون اجارته او الجعالة عليه باطلة بلااذن المستاجر. وحكم
بانه اذا خالف فعمل، فان كان لنفسه او لغيره بنحو التبرع
فللمستاجر ان يفسخ اجارتهويسترجع اجرة المسمى، او يبقيها
ويطالب عوض الفائت من المنفعة من الاجير لا المتبرع، سواء
كان جاهلا بالحال اوعالما، لان المؤجر هو المباشر للاتلاف. وان
كان العمل للغير بنحو الجعالة او الاجارة فللمستاجر ان يجيز
ذلك،ويكون له الاجرة المسماة في تلك الاجارة او الجعالة، كما
ان له الفسخ والرجوع الى الاجرة المسماة، وله الابقاء
ومطالبةعوض المقدار الفائت، فيتخير بين الامور
الثلاثة((11)). ووجهه واضح، حيث ان العمل المتعلق للاجارة
الثانية اوالجعالة ملك للمستاجر في هذه الصورة،فيكون من
العقد الفضولي على ماله، فله اجازته، فيكون المسمى له لا
للاجير.وهذا هو المشهور((12)) بين المتاخرين.
واصل الحكم بعدم صحة الاجارة الثانية عن الاجير بلا اجازة
المستاجرلكونها منافية مع الوفاء بالاجارة الاولى علىكل حال
مما لم يستشكل فيه مشهور الفقهاء، الا انه بالنسبة للاحكام
الاخرى المذكورة في هذه الصورة وقع بعضالخلاف، نشير الى
اهمها:
فبالنسبة لحق الفسخ والخيار للمستاجر اذا خالف الاجير،
المشهور لدى القدماء انفساخ الاجارة في باب الاعمال لاثبوت
خيار الفسخ كما في اجارة الاعيان، فقد يقال: انه بناء عليه لا
يكون للمستاجر الا استرداد المسمى في الاجارةالاولى،
لانفساخها، لا التخيير بينه وبين اجرة مثل الفائت كما لا
موضوع لاجازة العقد الثاني من قبل المستاجر، نعميصح ذلك
من قبل الاجير، لانفساخ الاولى وارتفاع المانع بذلك عن
صحته.
الا ان هذا غير تام، لان الانفساخ انما يقال به اذا لم تكن الاجارة
الاولى على جميع منافع الاجير حتى ما يفعله للغير اولنفسه
كما هو الفرض، والا لم يحصل التخلف بمعنى ترك العمل
المستاجر عليه، وانما يحصل ذلك لو لم يعمل حتىلنفسه،
فخياطته ثوب نفسه او ثوب غيره تبرعا اداء للعمل المستاجر
عليه ايضا، غاية الامر خالف المستاجر في انه لميسلمه اليه
واستوفاه واتلفه عليه بنفسه او بتسليمه للغير ليستوفيه.
وخالف بعض الفقهاء على العكس، فانكر حتى الخيار للمستاجر،
فقال: «ان اخذ عوض المثل او المسمى في هذهالفروض نحو
استيفاء لمنفعة الاجير، فمع تمكن المستاجر منه بلا عسر ولا
ضرر لا يبعد عدم جواز فسخ عقدنفسه»((13)).
والظاهر ان هذا مبني منه على تصور ان منشا الخيار وحق
الفسخللمستاجر انما هو قاعدة «لا ضرر»، مع ان مبنى
هذاالخيار عدم تسليمه العمل للمستاجر وهو موجب
للخيار((14)) في اجارة الاعمال عند المشهور، فلا اثر لامكان
اخذالعوض بلا عسر ولا ضرر في سقوط الخيار.
وبالنسبة لامكان رجوع المستاجر على الاجير بعوض الفائت من
المنفعة ذكر جملة من الفقهاء بان له الاخذ باكثرالامرين، منه
ومن عوض (اجرة مثل) العمل الذي عمله لنفسه او
لغيره((15)).
الا انه لا يبعد ان يكون مقصود صاحب العروة من عوض الفائت
من المنفعة ذلك ايضا، لان ما عمله لنفسه او لغيرهاذا كان اكثر
قيمة فحيث انه ملك للمستاجر في هذه الصورة فيصدق عليه
انه فائت عليه باستيفاء الغير له، فياخذزيادة قيمته.
وبالنسبة لعدم امكان رجوعه على المتبرع له بعوض الفائت من
المنفعةلانه ليس مباشرا للاتلاف وانما المباشر هوالمؤجر ذكر
جملة من الفقهاء كما في المسالك((16)) وعن القواعد((17)):
انه يتخير بين مطالبة من شاء منهما، اماالمؤجر فلانه المباشر
للاتلاف، واما الثاني فلانه المستوفي((18)).
وهذا مبني على القول بان الاستيفاء لمنفعة عمل مملوك للغير
سبب للضمان وان كان عامله قد جاء به بعنوانالتبرع.
وقد منع عن ذلك بعض الفقهاء مدعيا ان سبب الضمان ينحصر
في الاتلاف ولو بالتسبيب او وضع اليد على مالالغير، وكلاهما
منتف في حق المتبرع له((19)).
وذكر صاحب العروة انه اذا كان المتبرع له آمرا على وجه
يتحقق معه صدق الغرور، جاز الرجوع عليه من قبلالمستاجر
او المؤجر بعد رجوع المستاجر عليه حسب قاعدة رجوع
المغرور على من غره((20)).
وناقش في ذلك بعض الفقهاء((21)) مدعيا عدم تمامية كبرى
قاعدة الغرور. كما انه على القول بها لا تصدق علىالمتبرع له
اذا كان امره للمؤجر بعنوان التبرع.
نعم، اذا غره الامر فاخبره كذبا بان المالك وهو المستاجر هنا
هو الذي رخصك في ان تعمل لي هذا العمل تبرعا،فحينئذ لا
ينبغي الشك في الضمان، اذ بعد انكشاف الحال وتغريم
المستاجر للاجير وخروج الاجير عن عهدة الضمانباداء البدل،
يتصف ذاك العمل المتبرع فيه بكونه ملكا للاجير ومحسوبا
عليه، والمفروض انه لم يات به مجانا وملغيالاحترامه، بل قد
صدر بامر الغار حسب الفرض وقد استوفى هذه المنفعة، فلا
جرم يكون ضامنا، لا لاجل قاعدة الغروربل لاجل استيفائه
منفعة بامره لم يعملها العامل له مجانا بل بتخيل الاذن ممن
بيده الاذن وضمانه له، فيكون من قبيل مااذا امره بالعمل
بدعوى ان شخصا آخر قبل ان يدفع له العوض فظهر كذبه.
وبالنسبة لالحاق الجعالة بالاجارة في امكان اجازة المستاجر لها
فيكون له الجعل، ذكر المحقق النائيني(قدسسره)بان
صلاحية الجعالة لاجازة المستاجر لها تختص بما اذا تعلقت
بعمل شخص ذلك الاجير، ولا تطرد فيما لم يتعينشخصه في
عقد الجعالة((22)).
واجاب عليه السيد الحكيم(قدسسره) بعدم الفرق بينهما، فان
الثانية منحلة ايضا الى جعالات متعددة بعددالاشخاص((23)).
ثم ان عطف الجعالة على الاجارة ليس من حيث الحكم
بتنافيها مع الاجارة الاولى اذ لا التزام في الجعالة بالعمل
منقبل العامل، وانما الالتزام من قبل الجاعل، وهو لا ينافي
التزام الاجير بالاجارة الاولى بل من جهة انه اذا قلنا بانالعمل
محرم على العامل بعنوانه وقلنا ببطلان الالتزام بجعل مال بازاء
عمل محرم كانت الجعالة باطلة بدون اذنه، ومنجهة انه اذا
كان العمل الخارجي ملكا للمستاجر كانت الجعالة الواقعة عليه
فضولية، فله ان يمضيها لنفسه فيكون لهالجعل، او يردها
فيطالب بعوض العمل الذي استوفاه الجاعل او عوض المنفعة
الفائتة عليه، فالتشابه بينهما بلحاظ هذهالاحكام المترتبة.
وبالنسبة لصحة الاجارة الثانية باجازة المستاجر في هذه
الصورة لكون العمل مملوكا له، ذكر بعض الفقهاء ان هذا لايتم
مع الاختلاف بين الاجارتين، كما اذا وقعت الاجارة الثانية على
ما في الذمة، لعدم كونه ملكا له، لان المفروض تعلقالاولى
بالمنفعة الخارجية، والثانية بما في الذمة بلا تعلق لها بالخارج.
نعم، في الجعالة لا يكون العمل في الذمةموضوعا لها، بل العمل
الخارجي المتحد مع موضوع الاجارة السابقة، فتكون الاجازة
كافية في تملك الجعل((24)).
الا ان الظاهر ان نظر صاحب العروة الى تعلق الاجارة الثانية
ايضا بما في الخارج لا العمل في الذمة، فانه ملحقبالصورة
الثالثة في التقسيم الرباعي المتقدم كما سياتي، فهذا خارج عن
هذه الصورة روحا وملاكا، فان الصورةالثالثة القادمة وان فرض
فيها تعلق الاجارة الاولى بما في الذمة، الا انه لا فرق من هذه
الناحية بين ذلك وبين العكس،فالمقصود من الصورة الثالثة
على ما ياتي اختلاف متعلق الاجارتين من هذه الجهة، بان
يكون احدهما العملالخارجي، والاخر العمل في الذمة، او
كلاهما كذلك.
ثم انه ذكر بعض الفقهاء((25)) في المقام ان الاجير لو كان قد
آجر تمام منافعه الخارجية للاول فلا يصح منه تمليكعمله في
الذمة ثانيا للغير، لا من جهة التنافي مع الوفاء بالاجارة الاولى
ليقال بصحته باجازته، بل من جهة انه لميبقله عمل في ذمته
بعد ان كان قد ملك تمام منافعه الخارجية للمستاجر الاول،
فالعقلاء لا يرون لمثل هذا الشخصمالا في ذمته لكي يمكنه
تمليكه باجارة ثانية للثاني.
الا ان هذا الربط لاعتبار المال في ذمة احد لدى العقلاء بما
يملكه صاحب الذمة في الخارج محل تامل بل منع، اذلازمه الا
يصح العقد على ما في الذمة للمعدم الفقير الذي لا يملك مالا
في الخارج، وهو مما لا يمكن المساعدةعليه.
فليس المانع هنا ايضا الا التنافي مع حق المستاجر الاول،
والذي يرتفع باجازته واسقاط حقه او ملكه لذلك العمل،فيمكن
ان يقع وفاء للاجارة الثانية الواقعة على العمل الذمي للاجير.
ومنه يظهر ان اجازة المستاجر في هذا الفرضلاجارة الاجير
للثاني بمعنى انها تسمح له بتطبيق عمله الذمي المملوك
للمستاجر الثاني على العمل الخارجي المملوكللمستاجر
الاول، فباجازته للاجير مجانا او في قبال اخذ العوض يتحقق
الوفاء بالاجارة الثانية.
ثم ان من يقول بعدم تملك اعمال الحر وان غاية ما يثبت في
اجارة الاعمال انما هو استحقاق العمل في ذمة العامل اوانه
كالحقوق الشخصية، لابد له من المنع عن امكان تصحيح
الاجارة الثانية للمستاجر مطلقا، لعدم تعلقها بمملوكهاصلا.
الصورة الثانية: ان يؤاجر نفسه على ان يكون عمله الخارجي
المعين ومنفعته الخاصة كالخياطة مثلا في تلكالمدة
للمستاجر، فيعمل في تلك المدة نفس العمل لنفسه او للغير
تبرعا او باجارة.
وحكم هذه الصورة كالصورة السابقة في التضمين وجريان
الفضولية فيه اذا كانت الاجارة الثانية متعلقة بنفس
العملالمتعلق للاجارة السابقة وكانت الاجارة الثانية واقعة
على العمل الخارجي ايضا لا العمل في ذمة الاجير، والا كان
منقبيل الصورة القادمة، كما اشرنا الى ذلك في نفس الشق
من الصورة السابقة.
واما اذا كانت متعلقة بعمل آخر نوعا كما اذا آجر نفسه ثانيا
للكتابة او موردا كما اذا كان المستاجر عليه خياطةثوبه لا
ثوب آخر فسوف تفترق هذه الصورة عن السابقة في انه ليس
للمستاجر هنا اجازة ذلك، لان المفروض انهغير مالك لهذه
المنفعة، فليس للمستاجر الاول الا الفسخ واسترجاع المسمى
او الابقاء والتضمين، اي المطالبة بعوضالعمل الفائت من
الاجير دون المستوفي وهو الثاني، لان ما استوفاه لم يكن ملكا
له.
وهذا هو المشهور بين المتاخرين، الا انه خالف فيه المحقق
النائيني(قدسسره)، حيث تقدم منه ان الاجارة فيالمنافع
المتضادة انما ترد على القدر المشترك بينها والجامع لمراتبها
الذي كان المؤجر مالكا له، وان تعيين المؤجرلاحدها يوجب
سلب حق التصرف في غيرها، فتكون الاجارة الثانية في هذه
الصورة واردة كالصورة السابقة علىما ملكه المستاجر
الاول، فتصلح لاجازته، ولو اجاز فمع تساوي المنفعتين في
المالية ومقدار الانتفاع تكون الاجرةالمسماة في الاجارة الثانية
حينئذ هي تمام ما يستحقه. ولو كان ما عقد عليه في الاجارة
الاولى دون ما عقد عليه فيالثانية كان الزائد على ما يستحقه
المستاجر الاول من مراتب المنفعة للمؤجر. ولو انعكس الفرض
ضمن المؤجر مقدارالتفاوت على اشكال في ذلك((26)).
وقد تقدم المنع من رجوع الاجارة لاحاد المنافع المتضادة الى
تمليك الجامع والقدر المشترك فيما بينها، بل هو
تمليكلخصوص تلك المنفعة كالكتابة وهي غير الخياطة، فلم
ترد الاجارة الثانية على ما هو مملوك للمستاجر.
ونضيف هنا بان المفروض عند هذا المحقق هو ان تعيين احدى
المنافع في الاجارة يوجب سلب سلطنة المستاجر علىضدها
وان كان مالكا لنفس القدر المشترك الذي كان يملكه المؤجر،
وهذا يكفي لعدم جواز اجازة المستاجر للاجارةالثانية، لان
المؤجر لا يرضى بحسب الفرض بالكتابة للمستاجر الاول، وانما
اوقع العقد عن نفسه للثاني لا عنالمستاجر الاول، فبعد العمل
المضاد ايضا يكون المستاجر الاول ممنوعا عن السلطنة
والتصرف فيه وان كان مالكاللقدر المشترك فيه، فلا تصلح
اجازته لتصحيح الاجارة الثانية للمستاجر، لكونه مسلوب
السلطنة عليه، كيف؟! والا امكنه ابتداء ايجار من استاجره
للخياطة من اجل الكتابة واي عمل آخر مضاد للغير، مع انه
واضح البطلان.
كما انه لو فرض وحدة متعلق الاجارتين وهو القدر المشترك
وانهالمملوك للمستاجر الاول، فلماذا يكون فاضلالمسمى
في الاجارة الثانية على المسمى في الاولى للمؤجر بعد اجازة
المستاجر؟ بل لابد وان يكون كله للمستاجر كمافي الصورة
الاولى، لكونه عوض مملوكه بعد الاجازة للعقد الفضولي،
ومجرد كونه قد انتقل اليه بعقد معاوضة سابقةبثمن اقل لا
يوجب عدم صحة معاوضته باكثر، لانه راجع اليه لا الى الغير.
نعم، لو قيل بان اقدام الثاني على الاجارة او الجعالة نحو تسبيب
معاملي ايضا لتفويت العمل والمنفعة التي كانتللمستاجر
الاول وهو الخياطة، او للجامع بين المنفعتين المملوك له،
فيمكن للاول تضمين الثاني ايضا بمقدار قيمةالخياطة لا
الكتابة، وتكون الزيادة لو كانت للاجير، وهذا ما ذهب اليه
بعض الفقهاء((27)).
ثم ان هذه الصورة تفترق عن الاولى ايضا في امكان اجازة
المستاجر الاجارة الثانية للاجير لا لنفسه، فتكون اجرةالمسمى
فيها للاجير ايضا وهذا ما ذكره جملة من الفقهاء((28))
وتكون اجازة المستاجر هنا كاجازة المرتهن بيعالراهن لا
كاجازة المالك، اي مسقطا لحقه في المنفعة التي هي ملك
للمؤجر لا المستاجر. وهذا بخلاف الصورة الاولى،حيث يكون
العمل المتعلق للاجارة الثانية ملكا للمستاجر، وتكون اجازته له
من اجازة المالك، فلا يمكن تصحيحهاللاجير حتى باجازة
المستاجر، الا اذا رجع ذلك الى تمليكه العمل من جديد او
فسخ الاجارة الاولى، فيكون من قبيل منباع ثم ملك، وقد
تقدم شرحه.
وخالف في هذه الفتوى بعض الفقهاء، تارة من ناحية ابتناء ذلك
على القول بملك المنفعتين المتضادتين من قبلالمؤجر في
عرض واحد، واما اذا قيل بامتناع ذلك فيشكل القول بصحة
الاجارة الثانية للاجير حتى مع اجازةالمستاجر الاول، لان تلك
المنفعة ليست مملوكة له((29)).
واخرى بانه حتى لو قيل بملك المنفعتين المتضادتين، الا ان
العمل الضد حيث كان محكوما بالبطلان في ظرفه لكونهمفوتا
لحق المستاجر لمكان المزاحمة فقد وقعت الاجارة الاخرى
على وجه غير مشروع، والاجازة اللاحقة منصاحب الحق لا
يقلب ما وقع عما وقع عليه، فلا يتصف بالمشروعية ليشمله
دليل الوفاء بالعقد. نعم لو اذن المستاجرقبل العمل للثاني
صح((30)).
ويمكن ان يدفع الاشكال: الاول بان معنى اجازة المستاجر
الاول هو اسقاط حقه في تضمين الاجير وابراء ذمته عنه،فلا
يلزم ملكية العملين المتضادين في عرض واحد، بل قبل الابراء
واسقاط الضمان لم يكن يملك الا المنفعة الاولى التيكانت
مضمونة عليه للمستاجر الاول، وبعد الاجازة واسقاط الضمان
كانه ارجع اليه عمله الاخر، فاصبح كما لو لم يكناجيرا للاول
مالكا لكل من العملين بدلا، فيمكنه ان يملك العمل المضاد
للثاني.
نعم، على هذا سوف يدخل المقام في من باع ثم ملك، لان
الملكية تحصل بعد الاجازة واسقاط الضمان للعمل المضادمن
قبل المستاجر الاول.
كما يمكن ان يدفع الثاني: بان وجوب الوفاء بالاجارة الاولى لا
يجعل العمل الضد محرما، لانه ليس مملوكا للمستاجربحسب
الفرض ليقال بانه غصب او تصرف في مال الغير. وانما غايته
عدم امكان شمول دليل الوفاء للاجارة الثانية معفرض شموله
للاولى، فاذا اجاز المستاجر ولو بعد العمل امكن شمول دليل
الوفاء للاجارة الثانية حينئذ من الان آلتمامية المقتضي وارتفاع
المانع بلا حاجة الى اجازة اخرى من الاجير، لكون العقد
الثاني صادرا منه وفي عمله ومالهلا مال المستاجر.
وبحكم اجازة المستاجر للاجير ما اذا فسخ الاجارة الاولى
واسترد المسمى او امضاها مع تضمين الاجير قيمة
المنفعةالفائتة عليه، فانه ايضا سوف يملك الاجير المنفعة الضد
بناء على امتناع ملك المنفعتين معا، فيكون من قبيل من
باعثم ملك، وبناء على عدم الامتناع وكون المانع التنافي في
شمول دليل وجوب الوفاء في عرض واحد فالامر اوضح،لارتفاع
هذا المانع بذلك بقاء، فيشمله دليل الوفاء.
ثم انه في هذه الصورة اذا اشتغل الاجير على الخياطة بالكتابة،
فبناء على ما هو المشهور لدى القدماء من
انفساخالاجارة((31)) بترك العمل اما مطلقا او اذا كانت
الاجارة على العمل الخارجي الذمي لا يتخير المستاجر بين
الامورالثلاثة المتقدمة، كما لا موضوع لاجازته للاجارة الثانية،
لان هذا ترك للعمل المستاجر عليه لا استيفاء الغير له كما
كانفي الشق السابق من هذه الصورة وفي الصورة السابقة،
فيتحقق الانفساخ القهري، ويكون المستاجر اجنبيا
بالنسبةللعمل الضد وهو الكتابة في المثال بل تنعكس
النتيجة، بمعنى انه تبطل الاولى وتنفسخ بمجرد ترك
الفعلالمستاجر عليه سابقا، فيمكن ان يقع العقد الثاني صحيحا
عن الاجير، لارتفاع المانع بنفس فعل الضد.
الصورة الثالثة: ان يؤاجر نفسه على كلي العمل في ذمته ولكن
مباشرة وفي مدة معينة بنحو القيدية ثم يعمل لنفسهاو لغيره
في تلك المدة. وهنا لا فرق بين ان تكون الاجارة الثانية على
العمل الخارجي او في الذمة، وبالامكان ان يجعلالمقصود من
هذه الصورة مطلق اختلاف متعلق الاجارتين من حيث ان
متعلق احداهما على الاقل يكون هو العمل فيالذمة، لان هذه
الحيثية هي تمام الملاك للفرق بين هذه الصورة والسابقتين.
وقد الحق الفقهاء هذه الصورة من حيث الاحكام المتقدمة
بالشق الثاني من الصورة الثانية، اي تعلق الاجارة الثانيةبعمل
غير العمل المتعلق للاجارة الاولى، وبناء عليه، فلا يمكن
للمستاجر اجازة العقد الثاني لنفسه، وانما يمكن اجازتهللاجير
والتي تكون بم
عنى اسقاط حقه، فيصح العقد الثاني من الاجير على التفصيل
المتقدم في هذا الشق من تلك الصورة.
هذا، وللمحقق صاحب الجواهر كلام في المقام، ظاهره امكان
تصحيح الاجارة الثانية او الجعالة للمستاجر الاولباجازته وان
كان ما يملكه هو العمل في الذمة حيث قال: «ان المملوك
للمستاجر وان كان كليا في ذمته الا انه باعتبارحصره عليه
بالمباشرة والمدة كان كالشخصي، وجرى عليه حكم
الفضولية»((32)).
ويمكن توجيه ما افاده: بان العمل المملوك للمستاجر الاول
وان كان كليا في ذمة الاجير، الا انه حيث كان منحصرا فيتلك
المدة وبالمباشرة كان تعيينه في العمل الماتي به خارجا اذا
كان من نفس النوع باختيار المستاجر، فله ان يعينهفي العمل
الخارجي الذي وقع متعلقا للاجارة الثانية فيملكه، فاذا اجاز
العقد الواقع عليه استند اليه العقد ووقع له. ولايضر بذلك عدم
كونه مملوكا له حين العقد، فان المعيار ان يكون مملوكا له
حين الاجازة.
الا ان هذا ان تم فهو يختص بما اذا كان ملك المستاجر كليا في
ذمة الاجير والاجارة الثانية واقعة على العمل الخارجيمن
نفس النوع كما هو مفروض الجواهر ولا يجري في عكس
ذلك، وهو ما اذا كان متعلق الاجارة الاولى العملالخارجي
والثانية العمل في الذمة، لان عمله للثاني حينئذ وان كان ملكا
للمستاجر الاول الا انه لم يقع عليه العقد الثانيلتجري فيه
الفضولية، وانما وقع العقد الثاني على العمل الذمي وطبقه
العامل على العمل المملوك للمستاجر الاول، فلاتنفع اجازته
في صيرورته له. نعم تنفع اجازة المستاجر الاول مجانا او مع
الضمان لعوضه، لوقوعه عن الاجير، فتصحمنه.
ثم انه قد يقال في موارد اختلاف الاجارتين في المتعلق
بالخارجية والذمية بان يكون احدهما او كلاهما العمل
فيالذمة: ان المباشرة والمدة الماخوذتين فيهما بنحو التقييد
لا يقتضي تخلفهما الا تخلف القيد والوصف، وهو على حدتخلف
الشرط يوجب الخيار وحق الفسخ لا تفويت متعلق العقد،
فترجع الصورة الثالثة الى الصورة الرابعة القادمة لباوروحا.
والجواب: ان القيود والاوصاف انما تكون كالشروط في الاعيان
الخارجية المتعلقة للمعاوضة والتمليك، واما اذا كانتقيودا
راجعة الى المال الكلي او العمل فلا محالة تكون مقيدة ومقومة
لذلك المال الكلي او العمل، فلا يصدقمتعلقالعقد على فاقد
القيد، ولهذا يكون التنافي والتمانع بين نفس الاجارتين
والعقدين في هذه الموارد لا بين دليل الوفاءبالشرط ضمن
العقد.
وهذا هو فرق هذه الصور الثلاث عن صورة الاشتراط وهي
الصورة الرابعة القادمة وعلى اساسه حكم بالبطلانوعدم
امكان صحة العقدين والاجارتين معا عن الاجير في هذه الصور،
بخلاف تلك حيث وقع فيها خلاف على ماسياتي.
الصورة الرابعة: ان يؤاجر نفسه على كل العمل في ذمته ولكن
مع فرض اخذ المباشرة او المدة شرطا في ضمن عقدالاجارة
الاولى لا قيدا فيه.
وقد ذكر بعض الفقهاء((33)) ان الاشتراط في الامور الكلية
والاعمال الذمية ظاهر في التقييد لا الشرط ضمن العقدوان
كان ذلك ايضا معقولا فيها كما لو صرح به. ولا اشكال في ثبوت
الخيار للمستاجر في هذه الصورة مع تخلفالاجير عن شرطه،
فيكون له حق الفسخ واسترداد المسمى، الا انه اذا لم يفسخ
ليس له المطالبة بعوض الفائت، اذ لمتفت عليه المنفعة
المملوكة له، لانها بحسب الفرض كلي العمل في الذمة في
صورة اخذ قيد المباشرة، او الجامع بينعمله وعمل غيره في
صورة اخذ قيد المدة، وهذا قابل للوفاء به حتى بعد العمل
للثاني.
كما انه لا اشكال في صحة الاجارة الثانية عن الاجير اذا اجاز
المستاجر الاول ورفع يده عن حق الاشتراط قبل عملالاجير
للثاني، لعدم التنافي بين العقدين ذاتيهما وارتفاع المانع.
وانما البحث في هذه الصورة في امكان القول بصحة الاجارة
الثانية للاجير بلا حاجة الى اجازة المستاجر الاولواسقاط حقه
في الاشتراط او عدم صحته حتى مع الاجازة اذا كان بعد
العمل، والاقوال في المسالة اربعة:
1 قول بالصحة بدون الحاجة الى الاجازة((34))، ويمكن
الاستدلال عليه:بان الاشتراط ضمن العقد لا يوجب الا حكما
تكليفيا بوجوب الوفاء مع الامكان، ويترتب على تخلفه الخيار
للمشروط له، وكلاهما لا ينافي صحة الاجارةالثانية.
2 قول بالبطلان بدون الاجازة، وهو مختار اكثر الفقهاء
المعاصرين((35))، وقد استدلوا على ذلك: بان الشرط
يوجبالحق للمشروط له فلا يجوز تكليفا ولا وضعا تفويته، او
يوجب قصور سلطنة الاجير عما ينافيه وضعا، او يوجبحرمة
العمل المنافي له فتبطل الاجارة لاشتراط اباحة العمل فيها، او
ان دليل وجوب الوفاء بالشرط المتحقق والنافذبالنسبة للاجارة
السابقة مانع عن شمول دليل الصحة ووجوب الوفاء للاجارة
الثانية فتبطل. وقد تقدم شرح هذه الوجوهسابقا.
3 التوقف وعدم اختيار احد الوجهين، وقد اختاره صاحب
العروة((36)).
4 البطلان حتى بالاجازة اذا كانت بعد العمل في الاجارة
الثانية والتوقف على اجازة المستاجر واسقاط شرطه اذا
كانقبل العمل، وقد اختاره بعض الفقهاء المعاصرين((37))
مدعيا في وجهه: ان اجازة المستاجر اذا كانت بعد عملالاجير
للثاني فقد وقع العمل غير مشروع، والاجازة اللاحقة لا تغير ما
وقع عما وقع عليه ليتصف العقد بالمشروعية،فيشمله دليل
وجوب الوفاء. وهذا بخلاف ما اذا كانت اجازته قبل العمل.
وقد تقدم ان هذا قد يصح اذا كان وجه المنع اتصاف العمل
للثاني بالحرمة بعنوانها لا من جهة ترك العمل للاول، وامااذا
كان وجه المنع هو التنافي بين دليل وجوب الوفاء بالشرط
النافذ والجاري بالنسبة للاجارة السابقة مع دليل وجوبالوفاء
بالاجارة اللاحقة وهو مبنى هذا العلم في المنع فهذا لا
يقتضي البطلان في فرض كون الاجازة لاحقة للعمل،لانه من
حينها يمكن ان يكون الاجير مشمولا لدليل وجوب الوفاء
باجارته الثانية بعد ان كان مالكا لعمله الثاني من اولالامر،
وانما كان المانع وجوب الوفاء بالشرط وقد ارتفع. واثر شمول
دليل الصحة والنفوذ للعمل السابق صيرورته منالان ملكا
للمستاجر الثاني واستحقاق الاجير للمسمى في الاجارة الثانية.
ثم ان التنافي بين الاجارتين من ناحية الاشتراط في احداهما
لا ينبغي ان يحكم فيه دائما ببطلان الاجارة الثانية، بل
قديحكم فيهما معا بالصحة مع بطلان الشرط وثبوت الخيار
لصاحبه، وذلك فيما اذا كانت المباشرة والمدة ماخوذتين
فيالاجارة الاولى بنحو القيدية وفي الاجارة الثانية بنحو
الشرطية لا القيدية، فانه حينئذ تقع الاولى صحيحة ويبطل
الشرطفي الاجارة المتاخرة، لانه المنافي مع الاجارة الاولى،
فلا يمكن ان يشمله دليل وجوب الوفاء بالشرط. واما دليل
وجوبالوفاء بالعقد فهو شامل للاجارة الثانية مع الاولى بلا
محذور، لعدم التنافي بينهما بعد فرض كون متعلق الثانية
كليا.وبطلان الشرط وفساده لا يسري الى العقد، بل يوجب
الخيار لصاحبه.
اذا كان الاجير مشتركا:
وقد عرفت ان مقصود الفقهاء منه ما يقابل الاجير الخاص، اي ما
اذا كانت الاجارة على العمل غير المشروطبالمباشرة او غير
المشروط بالمدة المعينة، اي كانت المدة اوسع من ظرف
العمل المستاجر عليه والعمل كلي في الذمةفي تلك المدة
الموسعة، فيجوز له ان يؤجر نفسه لعمل آخر، سواء كانت
الاجارتان على العمل الخارجي او في الذمة اومختلفتين، وسواء
كان الاجير فيهما معا مشتركا او في احداهما مشتركا وفي
الاخرى خاصا، لعدم التنافي حينئذ بينالاجارتين.
قال المحقق اليزدي(قدسسره) في العروة: «اذا آجر نفسه
لعمل من غير اعتبار المباشرة ولو مع تعيين المدة اومن غير
تعيين المدة ولو مع اعتبار المباشرة، جاز عمله للغير ولو على
وجه الاجارة قبل الاتيان بالمستاجر عليه، لعدممنافاته له من
حيث امكان تحصيله لا بالمباشرة او بعد العمل للغير، لان
المفروض عدم تعيين المدة. ودعوى ان اطلاقالعقد من حيث
الزمان يقتضيوجوب التعجيل، ممنوعة، مع ان لنا ان نفرض
الكلام فيما لو كانت قرينة على عدم ارادةالتعجيل»((38)).
الا انه ينبغي البحث في نقطتين:
1 اذا فرض وجود التنافي بين متعلقي الاجارتين ولكن لا من
ناحية اشتراط المباشرة او المدة بل من ناحية اخرى،كما اذا
كان بين العملين تضاد بلحاظ تمام العمر لا في الزمن الواحد
فحسب، اي كان الاتيان بكل منهما قبل الاخرمعجزا له عن
القيام بالعمل الاخر، فهنا حتى اذا كانت الاجارتان مطلقتين
من حيث الزمان والمدة ولم يكن اطلاقالاجارة مقتضيا
للتعجيل او صرح بعدم التعجيل، فانه مع ذلك سوف يقع
التنافي بين الاجارتين لا محالة مع كون الاجيرفيهما حسب
المصطلح المتقدم من الاجير المشترك لا الخاص.
ويمكن ان يفرض ان احد العملين يوجب التعجيز عن الاخر
دون العكس، الا ان الاجارة عليه كانت في زمان معينوبنحو
التعجيل والمباشرة اي من الاجير الخاص والاجارة الاخرى
بنحو الاجير المشترك، فانه ايضا سوف يقعالتنافي بين
الاجارتين في وجوب الوفاء.
والفقهاء لم يتعرضوا لهذا الفرع بالخصوص، الا انهم تعرضوا
لفرع مشابه له، وهو ما اذا آجر الشخص نفسه بعدالاجارة بنحو
الاجير المشترك لاخر طول حياته فانه سوف تقع المنافاة لا
محالة بين الاجارتين رغم ان احداهما وهيالاولى من
الاجير المشترك من حيث المدة، وقد حكم بعضهم ببطلان
الاجارة الثانية، لكون الاجير فيها بحكمالتمانع بينهما في
معنى الخاص بالاضافة الى المدة للعمل الاول((39)).
واحتمل بعضهم الصحة، كما في الجواهر((40)).
الا ان مقتضى المبنى المشهور والمتقدم شرحه من انه كلما
كان بين الاجارتين تمانع في مقام الوفاء حين انعقادالاجارة
الثانية، فلا تصح، لاحد الوجوه المتقدمة في بطلان اجارة
المنافع المتضادة هو الحكم بعدم صحة الاجارةالثانية في
الامثلة المتقدمة للاجارة وان لم يصدق عليها عنوان الاجير
الخاص، بل عرفت انه لا خصوصية لعنوانالاجير الخاص، وانما
المقصود به موارد التمانع بين الاجارتين حين الانعقاد.
الا ان هذا لا يقتضي بطلان الاجارة الثانية في تمام الامثلة
الثلاثة بل تختلف النتائج فيها.
ففي المثال الاول وهو ما اذا كان التنافي والتضاد بين متعلق
الاجارتين بلحاظ تمام العمر بحيث اذا عمل احدهماامتنع عليه
الاخر الى آخر عمره تبطل الاجارة الثانية لا محالة ما لم
تنفسخ الاجارة الاولى.
وكذلك الحال في المثال الثاني، اي اذا كان احد العملين يعجز
عن الاخر وكانت الاجارة فيه مقيدة بالتعجيل والزمانالاول.
نعم، اذا كان التعجيل والزمان الاول فيها ماخوذين بنحو
الاشتراط لا القيدية وكان انعقادها متاخرا زمانا عن
انعقادالاجارة على العمل الاخر غير المعجز، صحت الاجارتان
وبطل شرط التعجيل وكان للمستاجر الخيار، كما تقدم
نظيرهفي الصورة الرابعة للاجير الخاص.
واما المثال الثالث وهو ما اذا كانت احدى الاجارتين ما دام
العمر بناء على صحته وعدم كونه غرريا فتارة تكونهذه
الاجارة قبل الاجارة المقيدة بزمان معين اي الخاصة
واخرى بالعكس، ففي الحالة الاولى تبطل الاجارة
الثانيةالخاصة لا محالة، لان صحتها بعد فرض صحة الاولى
ممتنعة، الا اذا كانت الاجارة المحدودة بالمدة بنحو الشرطية
لاالقيدية، فيبطل الشرط فيها ويكون للمستاجر فيها الخيار
كما ذكرنا آنفا.
وفي الحالة الثانية لا تبطل الاجارة اللاحقة المشتركة وانما
يبطل منها المقدار من الزمان المنافي مع الاجارة
الاولىالخاصة، سواء كانت خصوصيتهابلحاظ الزمان من باب
القيدية او الشرطية، واما بلحاظ سائر الازمنة فلا تنافي
بينوجوب الوفاء بها والوفاء بالاجارة السابقة الخاصة، فيكون من
قبيل تبعض الصفقة على المستاجر، فيكون لهالخيار.
وهذا التفصيل يمكن ايراده ايضا في الصور الاربع المتقدمة
للاجير الخاص.
كما ان الاحكام الاخرى من الانفساخ، او ثبوت الخيار وامكان
المطالبة بالمنفعة الفائتة على تقدير عمل الاجير
للثانيوجريان الفضولية في الاجارة الثانية للمستاجر الاول، او
توقف صحته للاجير على اجازة المستاجر الاول مطلقا او
اذاكانت قبل العمل كل تلك التفاصيل المتقدمة في الاجير
الخاص قابلة للجريان في هذه الموارد الثلاثة من
الاجيرالمشترك كل بحسب مورده.
2-
اذا فرض عدم التنافي بين الاجارتين ذاتا كما في الاجير
المشترك في غير الامثلة المتقدمة الا انه وقع التنافيبينهما
اتفاقا وصدفة، كما اذا اخر الاجير احد العملين الى ان ضاق وقته
الموسع مع وقت العمل الاخر فامتنع عليهالوفاء بهما معا، لا
ينبغي الاشكال في الصحة وعدم البطلان هنا، لوقوعهما معا
صحيحتين ابتداء، وعروض التزاحموالتخلف في مقام العمل لا
يقتضي البطلان، بل اذا تخلف عن الوفاء باحداهما كان
للمستاجر في تلك الاجارة حق الفسخواسترداد المسمى او
الابقاء والمطالبة باجرة مثل العمل الفائت منه. هذا اذا لم نقل
بالانفساخ القهري بترك العمل فياجارة الاعمال مطلقا او اذا
كانت الاجارة على العمل الخارجي، كما هو مشهور القدماء.
|
|---|