الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ثم من بغداد اتجه السيد شرف الدين الى كربلاء في موسم عرفة، وكان في استقباله هناك وجوه العلماء يتقدمهم‏السيد عبد الحسين ابن السيد علي آل صاحب الرياض والسيد حسن الحجة والشيخ محمد رضا الشيرازي، اضافة‏الى‏اعيان كربلاء.

كما كان في استقباله ايضا ابنا خالته الشيخان محمد رضا ومرتضى آل ياسين والسيد حسين‏الطباطبائي القمي.

وبعد انقضاء الموسم في كربلاء انتقل السيد شرف الدين الى النجف الاشرف، حيث نزل في دار الشيخ محمد رضا آل‏ياسين تؤمها جماهيرالمهنئين لثلاثة ايام متوالية، وقد اقامت الرابطة الادبية في عيد يوم الغدير حفلا القيت فيه‏القصائد، منها قصائد في استقبال السيد شرف الدين للشيخ محمد علي اليعقوبي والسيد محمود بن الحسين الحبوبي‏والسيد محمد بن رضا الهندي.

الى ايران وعشية يوم السبت (21/محرم/1356ه) (:3/4/1937م) تحرك السيد ورفاق سفره نحو مدينة خانقين الحدودية متجهين‏الى مشهد الامام الرضا(ع) في خراسان، فعبروا الحدود عند قصر شيرين ثم مروا بكرند فكرمانشاه التي ساءهم فيهاسفور اهلها، وصولا الى اراك التي تركوها صباح الثلاثاء متجهين نحو قم حيث كان في استقباله ابن خالته السيدمحمد علي الصدر المعروف بصدر الدين الصدر وهو والد السيد موسى الصدر ومن قم انطلق نحو الري حيث‏مشهد الشاه عبد العظيم الحسني، وقد استمر في سيره حتى حل في خراسان ليلة الاربعاء (3/صفر/1356ه)، وكان في‏استقباله حشد من علمائها.

العودة الى صور وبعد زيارة الامام الرضا(ع) عاد السيد شرف الدين الى طهران التي احتفى به علماؤها، ولكنه لم يمكث فيها طويلابسبب اضطراب اوضاع البلاد، فتحرك نحو بغداد التي وصلها مساء الخميس (18/صفر/1356ه)، وتحرك منها نحوصور يوم الاثنين (7/ربيع الاول/1356ه).

غروب الشمس يوم الاثنين (8/جمادى الثانية/1377ه) (:31/12/1957م)، توفي السيد عبد الحسين شرف الدين، في مستشفى «اوتيل‏ديو» في بيروت عند الساعة الخامسة والنصف صباحا.

وصباح يوم الثلاثاء تم تشييع جثمانه من المستشفى الى المطار والمسافة بينهما نحو (7) كلم بهدف نقله الى‏العراق ليوارى الثرى في النجف الاشرف، وقد وصل الجثمان الى المطار عند الساعة الحادية عشرة.

وعند الساعة الحادية عشرة والثلث، اقلعت الطائرة الخاصة التي تقل الجثمان الى مطار بغداد حيث وصلت عند الساعة‏الثانية ظهرا. وقد شيع الجثمان في بغداد والكاظمية ووصل الى كربلاء عند الساعة الثانية ليلا.

ويوم الاربعاء اقفلت كربلاء محلا تها لتشيع جثمان الفقيد الى النجف الاشرف. وعند خان النصف استقبل النجفيون‏الجثمان، يتقدمهم السيد محسن الحكيم والسيد الخوئي والشيخ مرتضى آل ياسين والسيد حسين‏الحمامي(رحمهم‏اللّه)، وقد وصلوا الى النجف الاشرف قبل المغرب وتم تشييعه بموكب مهيب لم تشهده النجف‏سابقا.

ثم دفن السيد شرف الدين، في احدى غرف الصحن العلوي يوم الاربعاء في (10/جمادى الثانية/1377ه)(:1/1/1958م) بعد ان صلى عليه السيد محسن الحكيم.

وفي اليوم الثالث اقام كل من السيد محسن الحكيم، الفاتحة في مسجد «عمران‏»، والسيد عبد الهادي الشيرازي، في‏مسجد الشيخ الانصاري اضافة الى مجلسي السيد حسين الحمامي والسيد الخوئي‏». وفي الكاظمية اقام آل الصدر مجلس‏الفاتحة لمدة ثلاثة ايام، وقد استقبل التعازي كل من السيد علي الصدر والسيد محمد صادق الصدر،.

وبعد ذلك كتب السيد جعفر شرف الدين الى السيد موسى الصدر وكان في قم بعد عودته من النجف الاشرف آرسالة يدعوه فيها الى الحلول في لبنان مكان والده،. فاستجاب السيد موسى وقدم في اواخر سنة (1959م)، ثم اقام‏فيها سنة (1960م)((60)).

لماذا فقه اهل البيت : ؟ دراسة تحليلية لمطارحات شرف الدين (قدس‏سره) الشيخ خالد الغفوري ان هذا البحث اذا طرح بهدف اثبات امامة اهل البيت(ع) فسيكون بحثا كلاميا.. لكن اذا طرح بهدف اثبات حجية ماصدر عنهم(ع) فسيكون بحثا اصوليا حينئذ.. وعلى الرغم من وجود ادلة مشتركة لكلا البحثين الا ان هناك ادلة خاصة‏كالقسم الاخير من الادلة التي اوردناها..

ذ :

ان اول تساؤل يطرحه العقل تجاه كل قضية يريد تحديد موقف منها هو حول مدى مشروعية تلك القضية او عدمها،فان حصل على جواب بالايجاب استقبلها، وان كان الجواب بالسلب رفضها، وان لم يحصل على جواب اهملها كان لم‏تكن.

وكلما ازدادت القضية اهمية كان السؤال آكد، ولا نعلم ثمة قضية اهم من الدين وكيفية تحصيل الطاعة للّه سبحانه.من هنا يتحتم على كل منا ان يطرح السؤال عن مدى مشروعية الطريق الذي يريد ان يسلكه للنجاة في الدنيا والاخرة‏سيما نحن المسلمين الذين تربينا على لغة الدليل التي استلهمناها من القرآن الكريم في تعاليمه السامية، نظير قوله‏سبحانه: (ولا تقف ما ليس‏لك به علم ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولا)((61))، فينبغي لنا قبل ان‏نعتنق مذهبا ما ان نتيقن من مشروعيته وحجيته، وهذا الامر لا يختص بمذهب دون آخر، فالكل مطالبون من قبل‏العقل ومن قبل واهب العقل ان يقدموا الحجة على حقانية ما يدينون اللّه به.

وقد اولى علماء مدرسة اهل البيت(ع) هذا الامر عناية فائقة، فشحنوا الكتب والاسفار بالحجج والادلة المثبتة لصحة‏مذهبهم، في حين اننا نرى ابناء المذاهب الاسلامية الاخرى قد اخلدوا الى الراحة واعفوا انفسهم مؤونة البحث في هذاالموضوع.

ا وقد واجه المصلحون من مدرسة اهل البيت(ع) هذه الحالة، فقد كانوا يتعرضون دون غيرهم الى التساؤل عن‏الادلة التي تثبت حجية مذهبهم، وقد عالجوا هذه الظاهرة بحسب ما يمليه المنطق العلمي من برهنة واستدلال، وماتقتضيه المثل والاخلاق من رد جميل وبيان واف.

ب وهناك شرذمة لم تسلك سبيل الحوار ولم تطرح التساؤل بصيغة الاستفسار، بل كالوا سيل التهم والادعاءات على‏هذه المدرسة المباركة دون حساب، وايضا تصدى علماؤنا لهذه الفئة المتطرفة بالاجوبة الرادعة والبيانات‏المسكتة.

ومن الغريب ان يرمى مذهب اهل البيت(ع) بالبدعة والضلال وعدم المشروعية ويكلف بالدفاع عن نفسه، في حين ان‏المنطق العلمي والعرفي والاخلاقي يقتضي العكس، اي يتوجب على المدعي والمتهم اقامة الدليل لاثبات ما يقذف به‏الاخرين والا كان مفتريا كذابا.

ونحن نلمس في التراث العلمي للسيد شرف الدين هذين النموذجين:

النموذج الاول: يتمثل في معالجاته العلمية للتساؤلات المتوالية التي كان يطرحها عليه الشيخ سليم البشري شيخ‏الازهر، والتي جمعها تحت عنوان «المراجعات‏».

ففي المراجعة رقم (3) يثير الشيخ البشري عدة تساؤلات على السيد شرف الدين فيقول: «انما اسالك الان عن السبب‏في عدم اخذكم بمذاهب الجمهور من المسلمين، اعني مذهب الاشعري في اصول الدين، والمذاهب الاربعة في الفروع،وقد دان بها السلف الصالح، وراوها اعدل المذاهب وافضلها، واتفقوا على التعبد بها في كل عصر ومصر، واجمعواعلى عدالة اربابها، واجتهادهم، وامانتهم، وورعهم، وزهدهم، ونزاهة اعراضهم، وعفة نفوسهم، وحسن سيرتهم، وعلوقدرهم علما وعملا»((62)). وقد اجابه السيد شرف الدين اجابة مجملة لم تشف غليل الشيخ البشري، لذا كرر عليه‏القول طالبا منه المزيد من التفصيل، فذكر في المراجعة رقم (5): «وانما سالناك عن السبب في اعراضكم عن تلك‏المذاهب التي اخذ بها جمهور المسلمين، فاجبت بان السبب في ذلك انما هو الادلة الشرعية وكان عليك بيانها مفصلا،فهل لك ان تصدع الان بتفصيلها من الكتاب او السنة ادلة قطعية تقطع كما ذكرت على المؤمن وجهته، تحول بينه‏وبين ما يروم، ولك الشكر والسلام‏»((63)).

وهنا يشمر السيد شرف الدين عن ساعد الجد ويبدا ببيان الادلة مفصلا ومزيلا لكل شبهة.

النموذج الثاني: يتمثل في تصديه للاتهامات السافرة من قبل البعض تجاه مذهب اهل البيت(ع)، حيث خصص بعض‏البحوث في‏كتابه «الفصول المهمة‏» للرد على هؤلاء وردعهم، فقد خصص الفصل التاسع «فيمن افتى بكفر الشيعة‏وتفصيل ما استدل به على ذلك‏» واوضح ان: «الغرض استئصال بذور الشقاق، بايضاح خطئه واجتثاث ارومة الافتراق‏ببيان‏اشتباهه، حرصا على الا يكال بصاعه، واتقاء من تصديقه واتباعه...»((64)).

وجعل الفصل العاشر «في الاشارة الى يسير مما نسبه الكذابون الى الشيعة وبيان براءتهم منه‏» واوضح ايضا ان:«الغرض من ذلك استئصال شافة التنافر، واقتلاع بذرة التدابر، وازالة كل عثرة في طريق الاجتماع، ودك كل عقبة في‏سبيل الوئام‏».

واضاف: «وقبل الشروع في المقصود نقدم جملة لا تتم بدونها الفائدة، حاصلها: ان في اهل السنة من رمى الامامية‏بدواهي وفواقر قد علم اليوم بفضل المطابع وبركة انتشار الكتب وتقلص العصبيات وبزوغ الحقائق انهم في غاية‏البعد عنها وتمام التقدس منها». ثم بين دواعي هذه الاكاذيب على التشيع((65)).

وجعل الفصل الحادي عشر لرد تهم المتطرفين ممن نصب العداء لال رسول اللّه(ص)((66)).

وجعل الفصل الثاني عشر لتوضيح سبب التباعد بين الطائفتين والكشف عن مكنون السر في تنافرهما.

وهنا يبدي السيد شرف الدين انزعاجه من صلافة البعض وتجرئهم على مذهب اهل البيت(ع) حيث قال: «اما ورب‏الكعبة وباعث النبيين، لقد وقفت هنا وقفة المدهوش وقمت مقام المذعور، وما كنت احسب ان الامر يبلغ هذه الغاية،وقد باح العلا مة ابن خلدون بسرها المكنون، حيث قال في الفصل الذي عقده لعلم الفقه وما يتبعه من مقدمته الشهيرة‏بعد ذكر مذاهب اهل السنة ما هذا لفظه: «وشذ اهل البيت بمذاهب ابتدعوها وفقه انفردوا به، وبنوه على مذهبهم في تناول‏بعض الصحابة بالقدح وعلى قولهم بعصمة الائمة، ورفع الخلاف عن اقوالهم، وهي كلها اصول واهية‏»... وقال ابن خلدون‏وامثاله:

انهم على الهدى والسنة، وان اهل البيت شذاذ مبتدعة وضلا ل رافضة.

فيا موت زر ان الحياة ذميمة ويا نفس جدي ان سيفك هازل ولا غرو ان قام المسلم عند سماع هذه الكلمة وقعد، بل لا عجب ان مات اسفا على الاسلام واهله، اذ بلغ الامر هذه‏الغاية، فلا حول ولا قوة الا باللّه العلي العظيم.

ايقول ابن خلدون: ان اهل البيت شذاذ ضلا ل مبتدعون وهم الذين اذهب اللّه عنهم الرجس بنص‏التنزيل؟!...»((67)).

ونحن نهدف في هذا البحث الى تحليل وتبويب بعض ما اورده من ادلة دامغة لاثبات حقانية مذهب اهل البيت(ع)ومشروعية اتباعه، ومكملين لبعض ما اورده(قدس‏سره).

وقد اعتمد(قدس‏سره) المنهجية النصوصية في بحوثه هذه، فراح يستقصي الادلة ويوظفها لاثبات حجية مذهب اهل‏البيت(ع)، ونحن نقفو اثره في ذلك، فلم نتجاوز الدائرة النصوصية الى الدائرة العقلية.

ومن الملاحظ ان السيد شرف الدين حين استدلاله بالايات الكريمة ركز على الروايات الماثورة في بيان تفسيرهاواسباب نزولها، ولم يتوسع في بحث دلالة هذه الايات في نفسها، بل كان محور بحوثه الروايات، وسنحاول تسليط‏الاضواء على دلالة الايات في نفسها.

ادلة حجية مذهب اهل البيت(ع):

ونقسم هذه الحشود الهائلة من الادلة التي اوردها الى اقسام، وسنورد لكل قسم بعض النماذج، وربما نقتصر على‏نموذج واحد خوف الاطالة:

القسم الاول: النصوص الدالة على علو مقام اهل البيت(ع):

وهذه النصوص تدل على حجية مذهب اهل البيت(ع) باحد تقريبين:

التقريب الاول: ان ما دل على ثبوت بعض الفضائل لهم يدل على انهم ليسوا اناسا عديمي الكفاءة ولا مجهولي الحال،بل لهم قيمة ذاتية ولهم امتيازات تؤهلهم لتبوء موقع الصدارة والمرجعية في امور الشريعة، لان الشارع عندما يمدح‏شخصا او جهة او يذم لابد وان يكون منطلقا من ملاكات ترتبط باغراضه واهدافه من حيث هو مشرع، والا فالشارع‏ليس مؤرخا ولا مترجما لسير الناس حتى يكون غرضه مجرد الاخبار وعرض الوقائع، بل ان اخباراته ترتبط بغرض‏انشائي له في النتيجة، سيما اذا تكاثرت هذه المدائح وثبت تعدد تلك الفضائل لا انها فضيلة واحدة، فليس هناك غيرتفسير واحد لهذا الزخم النصوصي، الا وهو تثبيت مرجعية من وردت فيه تلك النصوص.

التقريب الثاني: ان بعض الادلة يثبت ان لهم مقامات معنوية اختصهم اللّه بها دون سائر الناس قطعا، بحيث لا يحتمل‏ان يشاركهم فيها احد ولو في واحد منها، وهذا النمط من النصوص يمتاز عن سابقه، بانه اولا: اصرح دلالة واوضح،وثانيا: يحصر المرجعية فيهم، وثالثا: يعط‏ي ان مرجعيتهم ذات بعد الهي وغيبي.

وقد يعترض على ذلك باعتراضين:

الاعتراض الاول: ان القرآن تضمن مدحا لاخرين من غير اهل البيت(ع) كبعض الصحابة، فلم لا يكون ذلك دالا على‏مرجعية الممدوح؟! الاعتراض الثاني: ان غرض الشارع قد يتحقق من خلال حث الناس على محاكاة فعل الممدوح فقط دون ان يجعل‏للممدوح مقاما دينيا خاصا، فلا ملازمة بين الامرين.

والجواب: اننا لم نتمسك بمجرد المدح لاثبات المدعى، بل تمسكنا بالمدح الخاص والمتميز ببعض الخصائص، منها:

1 لحاظ بعض الحيثيات في الفعل الممدوح مما يدل على التفرد، نظير كونه في اعلى درجات الاخلاص بحيث لااخلاص اعلى منه.

2 الاسهاب في بيان الفعل وتقديمه نموذجا فذا.

3 تعدد الفضائل وتعدد المدائح.

4 تكرار المدح.

5 ثمة قرائن اضافية ستوضح عند دراستنا للنموذج المقدم.

نموذج من النمط الاول من النصوص:

قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا # انما نطعمكم لوجه اللّه لا نريد منكم جزاء ولا شكورا # انا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا)((68)).

ونحن هنا لا نريد ان نخوض في تفاصيل البحث التفسيري في هذه الاية وان كان شائقا جدا، بل نقتصر على بيان‏دلالة الاية على مدح هؤلاء الذين اقدموا على هذا العمل الصالح، وهو اطعام الاصناف الثلاثة من المحتاجين وهم:المسكين واليتيم والاسير وهذه القضية تتميز بعدة ميزات:

الاولى: انه كان في ظرف صعب لوجود الحاجة الماسة اليه من قبل المطعم، بدلالة قوله تعالى: (على حبه).

الثانية: ان هذا الاطعام انما كان لوجه اللّه، وكان عملا خالصا باعلى درجات الاخلاص، لانهم لم يكونوا يطلبون غيراللّه، وليس لهم طمع ولا اي اهتمام لان يقابلوا بالاحسان او بالمدح من قبل المطعمين، وهذه الممارسة‏العملية تعبر عن‏اعلى مراتب الاخلاص، الذي لا يتصور فوقه مرتبة.

الثالثة: وهذا الامر استحسنه القرآن، واولاه عناية الى درجة بحيث واصل البيان لما اعد اللّه لهؤلاء من نعم، مفصلاذلك ضمن احدى عشرة آية ختمها بقوله: (ان هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا)((69))، وسبقتها ثلاث‏آيات((70)).

وهذا يدل على شدة الاهتمام بامر هؤلاء بحيث يستحقون هذا الاسهاب في بيان موقفهم النموذجي وما ترتب عليه من‏ثواب اخروي. ومن اللافت للنظر انه رغم هذا البيان المفصل عن مقامهم الاخروي ونوعية الجزاء الالهي لهم الا ان هناك‏سكوتا متعمدا واهمالا مقصودا لقضية الحور العين مما يشعر بان هناك من يحتشم ضمن هؤلاء النفر، ولا داعي‏للاحتشام الا اذا كان فيهم من النساء ذوات شان وجلالة عند اللّه.

الرابعة: ان هذا المستوى من الاخلاص والنقاء لم يات صدفة، وانما ينم عن سمو في الذات، حيث ان القرآن اطنب في‏بيان خصائصهم: من الوفاء بالنذر، وخوفهم يوم اللقاء، وقد شكرهم اللّه على فعالهم ووقاهم شر ما يخافون، واغدق‏عليهم انواع الثواب. وهنا في الحقيقة عدة شهادات ربانية دالة على تزكيتهم وكل شهادة اكبر من سابقتها، وايضااشتملت هذه الايات على عدة بشارات كل منها اعظم من سابقتها، كقوله تعالى: (واذا رايت‏ثم رايت نعيما وملكاكبيرا)((71))، وقوله:

(وسقاهم ربهم شراباطهورا)((72)).

الخامسة: ان الفعل الممدوح قد يلحقه ما لا ينبغي من الافعال القبيحة، ولكن القرآن هنا اكد على ان سيرة المذكورين‏في الاية هي سيرة نقية الى آخر الخط، وبين مقاماتهم الخاصة بهم في الجنة.

السادسة: تدل بعض التعابير على ان ما لديهم من الخصال يكشف عن‏سجية ثابتة فيهم مثال ذلك: تكرر الاطعام مع‏شدة الحاجة اليه ثلاث مرات، ووفاؤهم بالنذر، ورهبتهم من اللّه... الخ لا انه مجرد فعل صالح صدر منهم في حالة من‏يقظة الضمير.

ولابد ان للقصة واقعا خارجيا، فانها ليست مساقة على نحو القضية الحقيقية، اترى ان المسلمين لم يكونوا يعرفون‏من هؤلاء؟! او لم يحبوا ان يعرفوا! خصوصا ان هؤلاء طرحهم القرآن بعنوان قدوة للانسان الذي صنفته السورة الى‏صنفين: (اما شاكرا واما كفورا)((73))، ونحن لا سبيل لنا الى تشخيص مصداق الاية من خلال القرآن وحده، نعم‏يسعفنا القرآن في تحديد الخصائص الكلية لهؤلاء.

فلابد من الرجوع الى الجو الاجتماعي وعرف ذلك الزمان، وايضا لا محيص من الاسترشاد بالروايات والاحاديث التي‏سجلت اسباب النزول. وهنا يذكرون قصة تبين اجواء نزول هذه الايات، وحاصلها كما في الكشاف((74)) : عن ابن‏عباس ان الحسن والحسين(ع) مرضا، فعادهما رسول اللّه(ص) في ناس معه، فقالوا: يا ابا الحسن لو نذرت على‏ولدك ولديك فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما ان برئا مما بهما ان يصوموا ثلاثة ايام، فشفيا وما معهم‏شي‏ء.

فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث اصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعا، واختبزت خمسة اقراص‏على عددهم، فوضعوها بين ايديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل وقال: السلام عليكم اهل بيت محمد، مسكين من‏مساكين المسلمين، اطعموني اطعمكم اللّه من موائد الجنة، فثروه وباتوا لم يذوقوا الا الماء واصبحوا صياما، فلماامسوا ووضعوا الطعام بين ايديهم وقف عليهم يتيم فثروه، ووقف عليهم اسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك.

فلما اصبحوا اخذ علي بيد الحسن والحسين واقبلوا الى رسول اللّه(ص)، فلما ابصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من‏شدة الجوع قال: «ما اشد ما يسوؤني ما ارى بكم!». فانطلق معهم فراى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنهاوغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبرئيل وقال: خذها يا محمد هناك اللّه في اهل بيتك، فاقراه السورة.

وهذه الرواية مروية بعدة طرق عن عطاء عن ابن عباس، ونقلها البحراني في غاية المرام عن ابي المؤيد الموفق بن‏احمد في كتاب فضائل امير المؤمنين(ع) باسناده عن مجاهد عن ابن عباس، وعنه باسناد آخر عن الضحاك عن ابن‏عباس، وعن الحمويني في كتاب فرائد السمطين باسناده عن مجاهد عن ابن عباس، وعن الثعلبي باسناده عن ابي‏صالح عن ابن عباس، ورواه في المجمع عن الواحدي في تفسيره((75)).

وفي الدر المنثور((76)): اخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه) الاية قال:نزلت هذه الاية في علي بن ابي طالب وفاطمة بنت رسول اللّه(ص).

ورواها المفيد في الاختصاص، وابن بابويه في الامالي باسناده عن مجاهد عن ابن عباس، وباسناده عن سلمة بن خالدعن جعفر بن محمد عن ابيه(ع)، وعن محمد بن العباس بن ماهيار في تفسيره باسناده عن ابي كثير الزبيري عن عبداللّه بن عباس، وفي المناقب انه مروي عن الاصبغ بن نباتة((77)).

وفي المجمع عن ابي حمزة الثمالي في تفسيره قال: حدثني الحسن بن الحسن ابو عبد اللّه بن الحسن انها مدنية نزلت‏في علي وفاطمة السورة كلها((78)).

وقد روي احتجاج علي بهذه السورة على ابي بكر((79))، ومرة اخرى بعد موت عمر((80)).

ومن الغريب انه لا توجد هنا روايات اخرى معارضة لهذه الروايات، اجل، روي ان النبي(ص) تلا هذه السورة على‏رجل فلما بلغ صفة الجنان زفر زفرة فخرجت نفسه... الخ.

وهي لا تنافي ما نقل، لانها ليست بصدد بيان سبب النزول.

ولكون ذلك من الواضحات قال السيد شرف الدين: «ونحن لا حاجة لنا الى تضييع الوقت في اخراج اسانيد هذا الحديث‏وطرقه الى ابن عباس ومجاهد وابي صالح وعطاء وغيرهم، ولا الى ذكر من اخرجه من حفاظ الحديث وائمة التفسيربعد تواتره عن الائمة الابرار وكونه مما لا ريب فيه‏»((81)).

والحاصل:

1 ان الروايات نصت على نزولها في علي وفاطمة والحسنين(ع).

2 لا معارض لهذه الروايات.

3 لا يوجد من ادعى نزول هذه الايات فيه.

4 كون المورد مهما ويقتضي الاهتمام به من قبل المسلمين، لان القرآن قد اهتم بامر هؤلاء النفر((82)).

كل ذلك يدل دلالة قاطعة على انها نازلة في البيت العلوي، وانه قد بلغ الذروة في معرفة اللّه وحبه ونكران الذات ونبذالدنيا وما فيها، ونصبه قدوة من قبل اللّه ونموذجا راقيا للانسان الكامل. وهذا يعني انهم مؤهلون لاحتلال موقع‏الصدارة في الامة ومنصب المرجعية الدينية للمسلمين، لاستقامتهم النموذجية.

زيادة ايضاح:

ان حقيقة هذا الاستدلال هي اعتماد الدليل الاستقرائي الذي يفيد القطع واليقين العلمي، وذلك من خلال تجميع القرائن‏الجمة، وهي:

1 اعتناء الايات الكريمة بشان هؤلاء النفر بهذا التفصيل الذي ليس له نظير في القرآن البتة.

2 تضمنها للتزكية الالهية، وانهم على الصراط حتى يرحلوا من الدنيا، لان منازلهم في الجنة مضمونة، ففيها مدح‏للفعل والفاعل.

3 وجود آيات اخرى كثيرة تضمنت الاثناء الكبير عليهم، من قبيل:

1 (يا ايها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف ياتي اللّه بقوم يحبهم ويحبونه اذلة على المؤمنين اعزة على‏الكافرين يجاهدون في سبيل‏اللّه ولا يخافون لومة لا ئم ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه واسع‏عليم)((83)).

2 (فمن حاجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم‏نبتهل فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين)((84)).

3 (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا)((85)).

4 (وكونوا مع الصادقين)(((86)).

5 (فسالوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون)(((87)).

6 (انما وليكم اللّه ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)((88)).

7 (والسابقون السابقون اولئك المقربون)((89)).

8 (اجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن باللّه واليوم الاخر وجاهد في سبيل اللّه لا يستوون عنداللّه)((90)).

9 (الذين ينفقون اموالهم بالليل والنهار سرا وعلا نية فلهم اءجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم‏يحزنون)((91)).

10 (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات اللّه)((92)).

وغيرها من الايات الكريمة الدالة على مدح اهل البيت حصرا او لكونهم المصداق الاكمل كما بينته الروايات.

فجمع هذه القرائن كلها لا يدل الا على شي‏ء واحد، وهو كون اهل البيت(ع) قطعا مقدمين عند اللّه، فعلينا الا نؤخر من‏قدم اللّه، سيما اذا اضيف الى ذلك الروايات الواردة من طرق صحيحة لدى الفريقين.

ولو غضضنا النظر عن ذلك كله، فعلى اقل التقادير فان الاية تدل على تزكية اللّه لهم وتبشيرهم بالمقام الخاص في‏الجنة، وقد اكد القرآن على ان اللّه يزكي الانفس، قال سبحانه: (فلا تزكوا اءنفسكم هو اءعلم بمن اتقى)((93))، ولايوجد من مدحه القرآن بهذا الشكل، مما يجعل احتمال المرجعية الدينية فيهم اكثر من غيرهم، لعدم المساوي لهم فضلاعن وجود الافضل منهم.

نموذج من النمط الثاني من النصوص:

قوله تعالى: (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا)((94)).

والاية مشتملة على بيان خصوصية ثابتة لاهل البيت(ع) حصرا، وذلك لوجود عدة دوال لغوية، هي:

1 لفظ «انما» الذي يفيد الحصر، اي حصر الارادة في اذهاب الرجس والتطهير.

2 لام التوكيد.

3 استعمال الضمير «كم‏» في قوله: (عنكم) واردافه بالاسم الظاهر (اهل البيت) في حين كان يمكن الاكتفاء بذكراحدهما خاصة، وهذا اللفظ سواء اريد به مجرد الاختصاص او كان مدحا او نداء فهو يدل على اختصاص اذهاب‏الرجس والتطهير بالمخاطبين بقوله: (عنكم). وبعبارة اخرى: ان في الاية قصرين: قصر الارادة في اذهاب الرجس‏والتطهير، وقصر اذهاب الرجس والتطهير في اهل البيت.

4 نسبة اذهاب الرجس الى اللّه وانه الفاعل لذلك التنزيه يدل على عناية ربانية فائقة لكي يصنع اهل البيت بعينه، والا فبالامكان التعبير بذهاب الرجس اي بالفعل الثلاثي «يذهب‏» لا الفعل الرباعي «يذهب‏» او استعمال الرباعي مطلقا دون‏نسبة الى فاعل مصرح به.

5 الرجس: صفة من الرجاسة، وهي القذارة، وهي هيئة في الشي‏ء توجب التجنب والتنفر، وقد تكون ظاهرية كرجاسة‏الخنزير، وقد تكون معنوية كرجاسة الكفر والشرك.

واللام في «الرجس‏» لام الجنس التي تفيد الاطلاق، والمراد ازالة كل‏هيئة خبيثة في النفس.

6 الاسترسال في بيان بعد ذلك التنزيه بتعقيبه بالتطهير الذي اتبع بالتوكيد بالمفعول المطلق، والملاحظ في هذاالتطهير الاطلاق، اي النزاهة من كل نقص وعيب ديني، فلا يقاس بتطهير الصدقة لدافعها من حب المال والدنيا كما في‏قوله تعالى: (خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ...)((95))،فانه تنزيه من جهة واحدة، مضافا الى ان‏التطهير والتزكية قضية مرجوة الحصول، لا انها متحققة فعلا.

ولماذا اتي بالعبارتين «اذهاب الرجس‏» و «التطهير»؟ في ذلك احتمالات:

الاحتمال الاول: ان يكون المراد باذهاب الرجس مجرد الحيلولة بينهم وبين الرجس، والمراد بالتطهير هو المساهمة‏والتدخل الالهي في عملية التنزيه، اي يكون هنا دفع ورفع للنقص والرجس.

الاحتمال الثاني: ان يكون المراد باذهاب الرجس هو نفي النقص سواء بالدفع او الرفع وبالتطهير هو اثبات الكمال،اي هنا امساك وارسال، فان اللّه يمسك عنهم الشر ويرسل عليهم الخير.

الاحتمال الثالث: ان يكون المراد من اذهاب الرجس والتطهير معنى واحدا، ولكن تكرر اللفظ زيادة في التاكيد وانه ليس‏تنزيها عاديا، بل هو تنزيه استثنائي.

7 جعل التنزيه متعلقا للارادة الالهية، فان هذا يضيف الى تلك التاكيدات تاكيدا آخر، اي ان تنزيهكم امر مطلوب للّهوتعلقت به ارادته الجدية، ونظرا لوجود قرائن تدل على اثبات خصوصية لهم دون غيرهم، فاذا الارادة هنا تكون ارادة‏خاصة بتبع ذلك.

وهل المقصود الارادة التشريعية او لا؟ في ذلك احتمالات:

الاحتمال الاول: ان يكون المقصود الارادة التشريعية، وهو وان كان محتملا بدوا ولكنه ما دامت هذه الارادة خاصة‏باهل البيت(ع) فهذا يستلزم عدة فرضيات لم نفصلها خوف التطويل الموجب للملل، والمعقول من تلك الفرضيات‏ينتهي الى وجود ملاك واقعي فيهم سيما بملاحظة الاتيان بالاسم‏الظاهر مع الضمير اقتضى مثل تلك الارادة الالهية‏الخاصة، والا كان الاختصاص عبثا ومن دون مبرر.

فنحن اما ان نقبل بهذا اللازم واما ان نلغي هذا الاحتمال من الاساس، ويتعين حينئذ الاحتمال الثاني.

الاحتمال الثاني: ان يكون المقصود غير الارادة التشريعية، والمراد هو اثبات امتياز متحقق خارجا لهم لا على مستوى‏التشريع والاعتبار المرجو الحصول، بل على مستوى الواقع المتحصل، فاذا هو امتياز متحقق.

وهذا الامتياز قد يحصل اختياريا، اما بمطابقة اختيارهم وارادتهم مع الارادة الالهية، واما ان يكون لاختيارهم مدخلية‏في حلقة من حلقات صيرورة هذا الامتياز وكينونته.

واما ان يفترض حصوله قهرا من قبل اللّه تعالى، وهذا لا يعقل الا اذا كانت هناك مقدمات اختيارية، او لعلمه سبحانه‏ الازلي بانهم لا يزيغون عن صراطه، نظير ما يقال بالنسبة لبعث الانبياء، فان البعث هو فعل اللّه وارادته، وليس من‏اختيار البشر حتى لو كان نبيا، ولكن هذا الفعل الالهي مبتن على الاصطفاء للنبي اولا على اساس الاهلية والكفاءة،وهذه الاهلية او الكفاءة لابد وان تكون اختيارية ناشئة من مساورة الخيرات والتعالي عن الرذائل، كما يحدثنا التاريخ‏عن ان النبي(ص) كان هو الصادق الامين قبل البعثة، وكان يتعبد في غار حراء قبل البعثة ايضا، وهذه كلهااختيارية. واما ان يكون المولى سبحانه عالما بان هذا النبي الذي يريد ان يبعثه للناس لا يعصي اختيارا لعلو في همته‏وسمو في نفسه، كما هو الحال بالنسبة لعيسى بن مريم فقد جعله اللّه نبيا قبل ان يصدر منه اي فعل ارادي يستحق‏المدح، لعلمه الازلي سبحانه باستقامة عيسى في المستقبل.

والا فلو لم تكن هناك اهلية ذاتية فلا يكون هناك اصطفاء، ولما فضل الانبياء على غيرهم حينئذ.

اذا، فالاية دالة حتما على وجود مقام رفيع لاهل البيت(ع) عند اللّه.

مضافا الى دوال اخرى اكتنفت الاية تزيد من ابراز هذا المدلول وتسلط الاضواء عليه اكثر، من قبيل:

1 ما روي من سبب نزول الاية عندما جمع النبي اهل بيته تحت الكساء، حيث صرح النبي بان هؤلاء اهل بيته واكدمضمون الاية بالدعاء لهم «اللهم هؤلاء اهل بيتي، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا»، فهذا يدل على ان هذه مرتبة‏الهية ادخلت السرور والفرح على قلب النبي، ونفى دخول غيرهم تحت الكساء حينما جذب الكساء من يد ام سلمة.

2 لو لم تكن هذه فضيلة خاصة فلماذا طمعت بعض زوجات النبي بالدخول تحت الكساء؟! 3 واذا لم تكن هناك خصوصية فلماذا يصر بعض المفسرين على توسعة مفهوم «اهل البيت‏» لكي يدخل معهم‏غيرهم، والا لادعى ان هذا الامرعادي واغلق البحث من اول وهلة، وما ذلك الا للتسليم بدلالة الاية على‏اثبات فضيلة‏في غاية الخطورة ارادها اللّه لاهل البيت وتمناها بعض الناس لغيرهم.

4 لماذا يكرر النبي(ص) التصريح باهل البيت مع تلاوته للاية كثيرا، فلو لم يكن ثمة فضيلة فلم هذا التاكيد كله؟! المراد باهل البيت:

نعم، يبقى البحث في بيان المراد باهل البيت مفهوما ومصداقا.

ا على الصعيد اللغوي:

اهل البيت لغة: هو لفظ مركب من «اهل‏» و «البيت‏».

والبيت: الماوى والمب ومجمع الشمل((96))، وان كان اصله ماوى الانسان بالليل، لانه يقال: بات، اي اقام‏بالليل((97)).

والعرب تسمي ما يلتجا اليه بيتا، ولهذا سموا الانساب بيوتا، وقالوا بيوتات العرب، يريدون النسب، قال الشاعر:

الا يا بيت بالعلياء بيت ولولا حب اهلك ما اتيت الا يا بيت اهلك اوعدوني كاني كل ذنبهم جنيت يريد بيت النسب. وقال الفرزدق:

بيت زرارة محتب بفنائه ومجاشع وابو الفوارس نهشل لا يحتبي بفناء بيتك مثلهم ابدا اذا عد الفعال الاكمل وبيت النبوة والرسالة كبيت النسب((98)).

وعليه، فليس المراد بهذا التركيب «اهل البيت‏» لغة هو من يسكن في البيت، بل المراد من يرتبط ويتعلق بذي البيت‏بجهة من التعلق الشديد.

والاهل مرادف للال عند بعض اللغويين، فل الرجل اهله وعياله((99)).

وذهب بعض اللغويين الى ان «آل‏» اخص من «اهل‏»، فانه يستعمل فيمن يختص بالانسان اختصاصا ذاتيا اما بقرابة‏قريبة او موالاة((100)).

ت وهل تدخل فيه الزوجة او لا؟ الظاهر ان دخولها وعدم دخولها يدور مدار شدة التعلق والاختصاص من جهة، ومن جهة اخرى يدور مدار نوع‏التعلق.

فقد تخرج عن الاهل والال، كما في قوله تعالى: (ادخلوا آل فرعون اشد العذاب)((101))، وواضح ان امراة فرعون‏غير داخلة معهم، وكما في قوله تعالى: (الا آل لوط نجيناهم بسحر)((102))، فان امراة لوط لم تكن من الناجين،قال سبحانه: (قالوا يا لوط انا رسل ربك لن يصلوا اليك فاسر باهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم اءحد الا امراءتك‏انه‏م صيبها ما اصابهم...)((103)).

ت وايضا فتارة يعتبر شخص ما داخلا في الاهل بلحاظ معين وخارجا بلحاظ آخر، فابن نوح(ع) هو داخل في الاهل‏بلحاظ النسب، وهو خارج بلحاظ النبوة والايمان والعقيدة، قال سبحانه: (ونادى نوح ربه فقال رب ان ابني من اهلي‏وان وعدك الحق وانت احكم الحاكمين # قال يا نوح انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح...)((104)).

وبلحاظ المصاهرة يطلق الاهل على الزوجة ، كما في قوله تعالى خطابا لزوجة ابراهيم(ع) عندما قالت: (ءالد واناعجوز)((105)) : (رحمة اللّه وبركاته عليكم اهل البيت)((106))، وكقوله(ص): «خيركم خيركم لاهله، واناخيركم لاهلي‏»((107))، والمراد زوجاته((108)).

وهل ان هذا الاستعمال حقيقة او مجاز؟ صرح بعضهم بالثاني، قال الزبيدي: «ومن المجاز: الاهل للرجل زوجته‏»((109)).

والحاصل: انه من الناحية اللغوية يراد بالبيت في آية التطهير هو بيت النبوة. وعليه فيكون المراد من «الاهل‏» الذي‏اضيف اليه: من تعلق بالنبي(ص) من جهة الرسالة، لا من جهة النسب، ولا من جهة المصاهرة، ولا من سائرالجهات.

ومن هنا يتضح انه بدوا لا مانع من ارادة الزوجة من «اهل البيت‏» لكن لا من حيث هي زوجة، بل من حيث علاقتهابالنبي من جهة نبوته.

غير ان هذا الاحتمال سرعان ما يتلاشى، لتذكير الضمير في الاية، حيث لم يقل: «عنكن‏»، وانما قال: (عنكم). وهذايعني ان الخطاب ليس لزوجات النبي قطعا، وعليه فالقول بان المراد به زوجات النبي فاسد، بل في منتهى الفساد، لان‏الخطاب للذكور.

وقد سلك السيد شرف الدين على ديدنه المنهج النصوصي في رد دعوى نزول الاية في نساء النبي(ص)، فقال:«... وبالغ عكرمة ومقاتل بن سليمان في الانتصار لهذا الراي والاستدلال بالسياق عليه، وكان عكرمة ينادي به في‏الاسواق تحاملا على اصحاب الكساء، ولا عجب، فان عكرمة من الدعاة الى عداوة علي، والسعاة في تضليل الناس عنه‏بكل طريق‏». واثبت بالوثائق عدم استقامة عكرمة وانحرافه، ثم قال: «واما مقاتل فقد كان عدوا لامير المؤمنين ايضا،وكان دابه صرف الفضائل عنه حتى افتضح بذلك‏». واورد المستندات الدالة على عدم وثاقته وعدم الاطمئنان‏بنقله((110)).

واما الاستدلال بسياق الايات على ارادة نساء النبي(ص)، فقد قال السيد شرف الدين في رده: «ولنا في رده وجوه:

الاول انه اجتهاد في مقابل النصوص الصريحة...

الثاني ... تذكير ضمير الخطاب فيها دون غيرها من آيات النساء كاف في رد تضليلهم.

الثالث ان الكلام البليغ يدخله الاستطراد والاعتراض... كقوله تعالى في حكاية خطاب العزيز لزوجته اذ يقول لها:(انه‏من كيدك ن ان كيدكن عظيم # يوسف اعرض عن هذا واستغفري لذنبك...)((111)).

الرابع: ان القرآن لم يترتب في الجمع على حسب ترتيبه في النزول باجماع المسلمين كافة، وعلى هذا فالسياق لايكافئ الادلة الصحيحة عند تعارضهما...»((112)).

اللهم الا ان يراد انضمامهن مع ذكور آخرين، وذكر الضمير للغلبة. ولكن هذا ايضا لا ينسجم مع كون عددهن اكثر،لكونهن تسعة نفر فلا اغلبية للذكور، هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى يصطدم ذلك مع ما روي من السنة القولية‏والفعلية للنبي الاكرم(ص) الدالة على حصر هذا المفهوم بعترته الطاهرة، سيما ما ورد في سبب نزول الاية والتي‏تنص على انها نزلت في غيرهن((113)).

وانطلاقا من المعنى اللغوي الذي يجعل مفهوم اهل البيت في بيت النبوة لا غير وبلحاظ شدة التعلق بالنبي، نجد ان‏اشد الناس تعلقا بالنبي(ص) هم فاطمة وعلي والحسن والحسين(ع)، قال الفخر الرازي: «وهذا كالمعلوم‏بالتواتر»((114))، ولا اقل من كونهم المصاديق المتيقنة لهذا المفهوم، واما دخول غيرهم فيه فمشكوك ومحل‏كلام((115)).

ب على الصعيد الروائي:

ا الروايات الواردة في سبب نزول آية التطهير والناصة على انها نزلت في علي وفاطمة والحسنين(ع) حينما غطاهم‏النبي بالكساء، وهي تزيد على سبعين حديثا، يربو ما ورد منها من طرق اهل السنة على ما ورد منها من طرق‏الشيعة.

فقد رواها اهل السنة بطرق كثيرة عن ام سلمة وعائشة وابي سعيد الخدري وسعد ووائلة بن الاسقع وابي الحمراءوابن عباس وثوبان مولى النبي وعبد اللّه بن جعفر وعلي والحسن بن علي(ع) في قريب من اربعين طريقا.

ورواها الشيعة عن علي والسجاد والباقر والصادق والرضا(ع) وام سلمة وابي ذر وابي ليلى وابي الاسود الدؤلي‏وعمرو بن ميمون الاودي وسعد بن ابي وقاص في بضع وثلاثين طريقا((116)).

2 ما روي من فعل النبي(ص) من انه كان يمر بباب فاطمة ستة اشهر اذا خرج الى صلاة الفجر، فيقول: «الصلاة يااهل البيت! (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا)». قال الحاكم: هذا حديث صحيح على‏شرط مسلم ولم يخرجاه((117))، كما روي تكرر ذلك سبعة عشر شهرا ايضا((118)).

3 ما روي من فعل النبي(ص) ايضا في منى عند الاضحية، فانه ضحى بكبشين، فقال في احدهما بعد ذكر اللّه:«اللهم عن محمد وآل محمد»، وفي الاخر: «اللهم عن محمد وامة محمد»((119)). وفي رواية: ضحى في منى عن نسائه‏بالبقر.

رواه الشيخان((120)).

4 ما ورد من الروايات الدالة على اختصاصهم ببعض الاحكام كالصلاة عليهم مقترنة بالصلاة على النبي، وهذا لاينطبق الا على اصحاب الكساء فقط وفقط.

وما كان تخصيصهم بذلك منه(ص) الا عن امر الهي ووحي سماوي((121)).

ج على الصعيد العرفي:

ان هذا الاهتمام من قبل القرآن والنبي(ص) بامر اهل البيت انعكس على المسلمين منذ الصدر الاول، وكان واضحالديهم مفهوما ومصداقا:

1 روى مسلم في صحيحه عن زيد بن ارقم عن رسول اللّه(ص) انه قال: «الا واني تارك فيكم ثقلين: احدهما كتاب‏اللّه عزوجل... واهل بيتي، اذكركم اللّه في اهل بيتي! اذكركم اللّه في اهل بيتي! اذكركم اللّه في اهل بيتي!».

وفيه: فقلنا: من اهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا، وايم اللّه، ان المراة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع الى‏ابيها وقومها. اهل بيته: اصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده((122)).

2 وعن عطية عن ابي سعيد قال: سالته: من اهل البيت؟ فقال: «النبي(ص) وعلي وفاطمة والحسن‏والحسين‏»((123)).

ت ثم ان تعيين مصداق مفهوم «اهل البيت‏» في اصحاب الكساء لم يكن اعتباطا، بل لانحصار تحقق الخصوصية‏المذكورة في الاية فيهم، وهي العصمة والطهارة((124))، وهذا ما يؤيده الواقع العملي والسلوكي لهم(ع)، وهؤلاءالخمسة قد نصوا على عصمة تسعة من ذرية الحسين(ع). وليس هناك من ادعى العصمة غير هؤلاء سيما حين نزول‏الاية، وليس هناك من يحتمل فيه العصمة سواهم.

ومع هذا كله، فقد ادعى بعض ان المراد باهل البيت في الاية من حرمت عليهم الصدقة، وهم بنو هاشم كافة. واستدل‏له بما اخرجه مسلم في باب فضائل علي من صحيحه عن زيد بن ارقم، وقد قيل له: من اهل بيته، نساؤه؟ قال: لا،وايم اللّه، ان المراة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها، فترجع الى ابيها وقومها. اهل بيته: الذين حرمواالصدقة بعده.

ورد السيد شرف الدين ذلك بوجهين، حاصلهما:

اولا ان هذه الرواية خارجة عن موضوع المسالة، اذ لم يسال زيد عن اهل البيت المذكورين في الاية ولا عن‏تفسيرها.

ثانيا لو فرضنا ان زيدا فسر الاية بما سمعت فانما هو مفسر لها براي قد رآه، لا تثبت به حجة، ولا يقوم به‏برهان، ولم يكن رواية عن‏النبي(ص)، فكيف نعارض به الادلة القاطعة؟!((125)) النتيجة:

1 ان الاية دالة على العصمة والمقام الالهي الرفيع، وهذا يعني الافضلية والتقدم على الغير، وهذا معنى الامامة‏والزعامة والمرجعية الدينية.

2 ان الاية دالة على العصمة، وقد ادعى هؤلاء المعصومون احقيتهم بالامامة والمرجعية دون سواهم، فتثبت‏مرجعيتهم، لاستحالة الكذب منهم((126)).

القسم الثاني: النصوص الدالة على محبة اهل البيت(ع):

قوله تعالى: (...قل لا اءسالكم عليه اءجرا الا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ان اللّهغفورشكور)(((217)).

لقد دار البحث حول كل فقرة من فقرات هذه الاية، وسوف نترك البحث في الفقرة الاولى: (...قل لا اءسالكم‏على‏ه‏اجرا)، ونركز على الفقرة الثانية: (ا لا المودة في القربى).

ولنبدا بتحليل ما ورد في الاية من دوال لفظية:

1 المودة: اي المحبة، ولعل بينهما فارقا كما قيل فان في المودة اشعارا بمراعاة حال المودود وتعاهده وتفقده،حتى قال بعضهم على ما حكاه الراغب : ان مودة اللّه لعباده مراعاته لهم، وقد وصف اللّه بذلك نفسه في قوله تعالى:(وهو الغفور الودود)((218))، وقوله: (ان ربي رحيم ودود)((129))، فاطلقت المودة على محبة اللّه لعباده. ولكن‏لم يرد في كلامه تعالى اطلاق المودة على حب العباد للّه سبحانه.

2 القربى: اي القرابة، وهي مصدر كالزلفى والبشرى، والمراد اهل القربى وذوو القربى.

ولكن لماذا اتي بحرف الجر «في‏» ولم يعبر بغيره من الالفاظ كالاضافة «الا مودة القربى‏» او باللام «الا المودة للقربى‏»؟وما معنى قوله: (الا المودة في القربى)؟ وقد اجاب الزمخشري بقوله: «جعلوا اي القربى مكانا للمودة ومقرا لها، كقولك: لي في آل فلان مودة، ولي فيهم‏هوى وحب شديد، تريد: احبهم وهم مكان حبي ومحله. وليست «في‏» بصلة للمودة، كاللام اذا قلت: الا المودة للقربى، انماهي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: الا المودة ثابتة في القربى ومتمكنة‏فيها»((130)).

والمضمون نفسه ذكره النبهاني في «الشرف المؤبد».

وقد وقع البحث في ما هو المراد من المضاف اليه؟ اي لمن اضيفت القربى، وفي ذلك عدة احتمالات:

الاحتمال الاول: ان الخطاب لقريش والاجر المسؤول هو مودتهم للنبي(ص) لقرابته منهم، وذلك لانهم كانوا يكذبونه‏ويبغضونه لتعرضه لالهتهم، فامر(ص) ان يسالهم: ان لم يؤمنوا به فليودوه على الاقل، لمكان قرابته منهم، ولايبغضوه ولا يؤذوه، فان نسبه(ص) من وسط قريش، وليس بطن من بطونهم الا وقد ولده، كما قيل((131)).والحاصل:

انتم قومي واحق من اجابني واطاعني، فاذا ابيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذوني ولا تهيجواعلي((132)).

ويرد على هذا الاحتمال: ان ورود لفظ الاجر لا يتلاءم مع هذا المعنى، ويكون استعماله في غير محله، لان الاجر آالمنفي في الاية انما يصح استعماله فيما اذا قوبل به عمل يمتلكه معط‏ي الاجر، فيعط‏ي العامل ما يعادل ما امتلكه من‏مال ونحوه. فسؤال الاجر من قريش وهم كانوا مكذبين له كافرين بدعوته انما يصح على تقدير ايمانهم به وعدهم ذلك‏نعمة((133))، وعلى تقدير تكذيبه والكفر بدعوته لم ياخذوا منه شيئا ولم يقدم لهم نفعا حتى يقابلوه بالاجر، وعلى‏تقدير ايمانهم به لا يتصور بغضهم له حتى يطلب منهم الا يبغضوه.

والحاصل: لا يتحقق معنى الاجر على تقدير كفر المسؤولين، ولا يتحقق معنى البغض على تقدير ايمانهم حتى يسالهم‏المودة.

واضاف السيد شرف الدين اربعة ردود اخرى اعتمد فيها الروايات والوثائق التاريخية((134)).

الاحتمال الثاني: ان الخطاب لقريش، والاستثناء منقطع.

والمعنى: اني لا اسالكم اجرا على ما ادعوكم اليه، لكن حبي لكم بسبب قرابتكم مني دفعني الى ان اهديكم وادعوكم‏للنجاة.

ويرد على ذلك: انه لا ريب في انه(ص) كان محبا للناس جميعا لا لقومه فحسب، ولكن هذا الحب نابع من سلامة‏نفسه وحبه الخير والهداية للاخرين لا بدافع القرابة والنسب. مضافا الى انه لا يتناسب مع التعبير ب«المودة في القربى‏»،بل الانسب التعبير ب«مودة لقرباكم‏» ونحو ذلك.

الاحتمال الثالث: كون الخطاب للانصار، فانه(ص) لما قدم المدينة كانت تعروه نوائب وحقوق وليس في يده سعة،فاتوه بمال ليستعين به على ما ينوبه، فنزلت الاية فرده اليهم، وقد كان له منهم قرابة من جهة سلمى بنت زيدالنجارية ومن جهة اخوال امه آمنة على ما قيل، ودعاهم الى مودة قرابته.

ويرد عليه: ان حب الانصار للنبي(ص) في غاية الوضوح، فهم الذين سالوه ان يهاجر اليهم وبوؤوا له الدار وفدوه‏بالانفس والاموال والبنين، وحتى احسانهم للمهاجرين كان لاجل حبهم للنبي(ص)، فما معنى ان يدعوهم الى محبته؟!وهل هذا الا تحصيل للحاصل؟! ثم ان القصة نفسها تذكر بان حبهم للنبي(ص) هو الذي دعاهم الى جمع المال، فمامعنى ان يطلب منهم محبته؟! وايضا ياتي فيه ما ذكرناه في الاحتمال الثاني من ان ذلك لا يتلاءم مع التعبير ب «المودة في القربى‏».

اضف الى ذلك ان قرابة النبي(ص) للانصار لم تكن قوية حتى يستثمرها لصالحه سيما وانها من جهة النساء.

الاحتمال الرابع: ان يراد ب«القربى‏» التقرب الى اللّه، و «المودة في القربى‏» هي التودد اليه تعالى بالطاعة والتقرب، فيكون‏المعنى: لا اسالكم عليه اجرا الا ان تتوددوا اليه تعالى بالتقرب اليه.

ويرد عليه: ان المستعمل في الاية لفظ المودة وليس التودد، وفرق بينهما في الاستعمال. كما انه قد مر عليك استبعاداستعمال المودة في حب العباد للّه تعالى. ثم ما معنى التودد؟! ولم لم يقل التقرب او القربى او الطاعة وزان قوله تعالى:(قل ما اسالكم عليه من اجر الا من شاء ان يتخذ الى ربه سبيلا)((135))؟! مضافا الى ان هذا التعبير المتضمن للايهام لا يتناسب مع تلك البيئة التي كانت حديثة عهد بالشرك وعبادة الاوثان‏والتي كانت تتخذ وسائط وشفعاء ومقربات الى اللّه بحسب زعمهم.

واكتفى السيد برد هذا الاحتمال بانه مخالفة للنص((136)).

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية