الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

«تقصر الفرائض الرباعية في السفر الى ركعتين سواء اكان ذلك في حال الخوف ام كان في حال الامن من الامة‏المسلمة قولا واحدا»((292)).

وقال ايضا:

«لا كلام في ان اللّه عز وجل شرع الافطار في شهر رمضان لكل من سافر فيه سفرا تقصر فيه الصلاة، وهذاالقدر مما اجمعت الامة المسلمة عليه‏»((293)).

وبعد ذلك اوضح محل الاختلاف في القصر، فكتب يقول:

«اختلف ائمة المسلمين في حكم القصر في السفر على اقوال:

فمنهم من راى ان القصر هو فرض المسافر المتعين عليه...

ومنهم من راى ان القصر والاتمام كليهما فرض على التخيير...

ومنهم من راى ان القصر سنة مؤكدة‏»((294)).

وبالرغم من ان هذا الاسلوب في هذه المسالة بالذات لا يفي بنقد الفقه السني كما هو الحال بالنسبة لمسالة نكاح المتعة‏وجميع الاراء المختلفة تقع على صعيد واحد بالنسبة لمحل الاتفاق، لكن مما لا ريب فيه يمكن تلمس الفائدة الاولى التي‏ذكرناها لهذا المنهج، فقد بينا مثالين لهذه المنهجية ليتضح التفاوت بين الفوائد المذكورة لهذا المنهج بصورة‏خاصة.

الاستدلال بادلة الشيعة الى جانب ادلة السنة:

ان فقهاء الشيعة منذ عصر المعصومين(ع) كانوا على اطلاع على آراء الجمهور، واحيانا ينقلون آراءهم على اثر ماتعلموه من سيرة ائمة اهل البيت(ع)((295))، ومن زمان السيد المرتضى والشيخ الطوسي‏» وبعد تدوين كتاب‏«الانتصار» و «المبسوط‏» و «الخلاف‏» اخذت آراء اهل السنة طريقها الى الكتب الفقهية الشيعية، واستمر ذلك الى زمان‏الشهيد الاول، حتى ان العلا مة الحلي كان قد وسع من طريقة الشيخ الطوسي بتاليفه كتاب «المختلف‏». لكن من بعدعصر الشهيد الاول، سارت هذه الطريقة ببط‏ء بل كادت ان تنسى((296)).

وما ان حلت الاونة الاخيرة التي شعر فيها بالحاجة الى الفقه المقارن بين آراء الشيعة والسنة حتى دبت الحياة في هذه‏الطريقة من جديد، واصبح هذا الشعور اليوم اشد مما كان عليه.

وفي المقابل لم يول اهل السنة في كتبهم اي اهتمام لاراء الشيعة، وحتى في الكتب التي الفوها في رد الشيعة فقداعتمدوا على رواياتهم هم في ابطال‏فقه الشيعة. وفي الاونة الاخيرة بدا الفقه السني يهتم الى حد ما ببحوث‏الشيعة.

وثمة فرق اساسي بين النقد السني للفقه الشيعي وبين النقد الشيعي للفقه السني، وهو ان الفقهاء المعاصرين من‏الشيعة غالبا ما يتمسكون بالمصادر السنية لنقد الفقه السني، فيستلون الروايات التي يمكن ان تكون مؤيدة للفقه‏الشيعي من بين مصادرهم ويستثمرونها في ردهم، في حين ان فقهاء السنة غالبا ما يتمسكون لنقد الفقه الشيعي‏برواياتهم.

ومن الطريف انه في الفقه الشيعي سابقا نظير: الانتصار للسيد المرتضى(قدس‏سره) والخلاف للشيخ‏الطوسي(قدس‏سره) كانوا يتمسكون لاثبات راي الشيعة بادلة الشيعة((297)).

لقد اعتمد السيد شرف الدين(قدس‏سره) هذا الاسلوب نظرا لما يمتاز به الاستدلال بالروايات السنية من خصوصية،غير انه لم يكتف بذلك فانه كان يركز في بحوثه على ادلة الشيعة من خلال التاكيد على اعتبارها وحجيتها ليتضح‏لفقهاء السنة درجة اهميتها. وكان لهذا الاسلوب بالغ الاثر في تفعيل الفقه المقارن واخراجه من الحالة الانفعالية والجدال‏الصرف، وبنحو كان يلقي باللائمة على فقهاء السنة لاغفالهم ادلة الشيعة ورواياتهم.

ففي نقده لمالك والشيخين كتب يقول:

«واغرب من هذا ان مالكا كان لا يروي عن الامام الصادق على ما قيل حتى يضم اليه احد، والشيخان كلاهمالم يخرجا شيئا عن الكاظم ولا عن الرضا ولا عن الجواد ولا عن الهادي ولا عن الزكي الحسن العسكري... [ونقل‏اسماء من ذرية اهل البيت ممن نقلوا روايات جمة عن ائمة الشيعة]... حتى انهما لم يرويا شيئا من حديث سبطه‏الاكبر وريحانته‏من الدنيا الامام ابي محمد الحسن المجتبى سيد شباب اهل الجنة‏»((298)).

انه بهذا البيان يوجه نقدا لائمة اهل السنة وجوامعهم الروائية، ويطرح تساؤلا: لم اغفلوا روايات الشيعة؟ فلم يتوان عن‏ذكر ادلة الشيعة ورواياتهم في كل مورد مورد من مباحثه. والتعابير الواردة نظير العبارات الاتية كثيرة جدا في كتبه‏الفقهية:

1 «حجتنا التي نتعبد فيما بيننا وبين اللّه في هذه المسالة وفي غيرها انما هي صحاحنا عن‏ائمتنا(ع)»((299)).

2 «حسبنا من السنة في هذا الباب صحاح متواترة عن ائمة العترة الطاهرة‏»((300)).

3 «ونصوص ائمتنا في هذا كله متضافرة متواترة تواترا معنويا»((301)).

4 وحتى في مسالة «البكاء» عقب الاستدلال بقول النبي(ص) وفعله وتقريره وكذا الانبياء السابقين(ع) كتب‏يقول:

«اقول: اي عاقل يرغب عن مذهبنا في البكاء بعد ثبوته عن الانبياء:(ومن يرغب عن ملة ابراهيم الا من سفه‏ن‏فسه)((302))، وقد استمرت سيرة الائمة على الندب والعويل، وامروا اولياءهم باقامة متم الحزن على الحسين‏جيلا بعد جيل‏»((303)).

فقد تمسك هناك بسيرة الائمة الاطهار(ع) وبحث ما ورد من الروايات حول البكاء عن الامام الصادق(ع) والامام‏السجاد(ع) وعن الزهراء(ع)، وتناول الروايات الواردة في بكاء الامام الكاظم(ع) عن ولده الامام الرضا(ع)،وايضابكاء الامام الرضا(ع) نفسه((304)).

ولقد استند السيد شرف الدين في هذا البحث لدى تعرضه لقول النبي(ص) وفعله وتقريره الى مصدر روائي سني،ولدى تعرضه لقول الائمة الاطهار(ع) وفعلهم رجع الى المصادر الشيعية، بل انه اعتبر هذه المصادر حجة على‏العامة.

وعند الاستدلال بهذه الاية: (فما استمتعتم به منهن فتوهن اجورهن فريضة)((305)) الواردة في نكاح المتعة كتب‏يقول:

«اذ اجمع ائمة اهل البيت واولياؤهم على نزولها في نكاح المتعة، وكان ابي بن كعب وابن‏عباس...»((306)).

ونجده في هذه العبارة يعتبر ان دليله هو اجماع اهل البيت(ع) وعلماء الشيعة، ثم يتبعه بقراءة ابن عباس، وابي‏وتصريح علماء السنة، بخلاف الاخرين الذين يتمسكون في مثل هذه البحوث اولا بقراءة ابن عباس وابي بن كعب‏وتصريح علماء السنة او يقتصرون على ذلك فقط.

واحيانا قد يورد روايات الشيعة والسنة سوية بحيث يعدها ضمن ادلته وكانها ماخوذة كلها من مذهب واحد.

وكنموذج على ذلك: الفقرات التالية الواردة في بحث حكم الافطار والتي تجلب نظر قارئها الى هذه الحيثية، قال:

«وروى ان عمر بن الخطاب... وروى يوسف بن الحكم قال...

وروى عبدالرحمن بن عوف قال... وعن ابن عباس...وعن ابي عبداللّه الصادق(ع)... وعنه(ع)... وعنه(ع)... وروى العياشي...»((307)).

فان القارئ لا يكاد يحس اصلا بان مجرى الحدث قد تغير من الجوامع‏الروائية السنية الى الجوامع الشيعية.

اظهار التحريف الخفي:

التحريف هو تغيير تعاليم الدين، ويقسم الى: التحريف اللفظ‏ي والمعنوي، والى التحريف الجلي والخفي. والتحريف‏اللفظ‏ي يكون بالحذف او الاضافة او نقل الفاظ القرآن والروايات من موضع الى موضع آخر. والتحريف المعنوي يكون‏بتغيير معاني الفاظ القرآن والروايات دون تغيير الالفاظ.

واما تقسيم التحريف الى جلي وخفي فباعتبار وضوحه او عدم وضوحه، وكل من التحريف اللفظ‏ي والمعنوي يمكن ان‏يكون جليا او خفيا، بل يمكن ان يكون التحريف في البدء جليا ثم يصير خفيا، كما هو الحال في اكثر موارد التحريف‏المعنوي. وان التحريف الخفي من اشد انواع التحريف خطرا في عملية اكتشاف الحقيقة، لانه يتم باسلوب ذكي ممايستلزم كشفه حدة ذكاء.

وبعض صور التحريف الخفي نجدها في صحيح البخاري، مثال ذلك: انه احيانا توجد روايات سنية ولكنها يمكن ان‏تثبت جيدا راي الشيعة وتخالف ما عليه المذاهب السنية، لكن من يراجع الجوامع الروائية المعروفة عند العامة يرى‏انها قد انتزع منها راي اهل السنة نفسه، وهذا انما يكون بسبب وقوع نحو من التحريف الخفي في هذه الجوامع.

ومن الامتيازات الحاذقة للفقه المقارن للسيد شرف الدين(قدس‏سره) كشف هذه التحريفات وابرازها. ونشير هنا الى‏نوعين من هذه التحريفات الخفية، وان تركيز النظر على هذين النوعين ليزيد في بصيرة قارئنا الكريم بحيث لا تنطلي‏عليه مثل هذه التحريفات الخفية لدى مطالعته جوامع العامة الروائية:

ا الاسلوب الانتقائي للروايات في صحيح البخاري: ان السيد شرف الدين(قدس‏سره) في مسالة «الجمع بين‏الصلاتين‏» بعد الانتهاء من نقل مجموعة كبيرة من روايات المسالة من مصادر اهل السنة وبيان دلالتها على راي‏الشيعة كتب يقول:

«وصحاحه في هذا الموضوع التي سمعتها والتي لم تسمعها كلها على شرط البخاري، ورجال اسانيدها كلهم قداحتج البخاري بهم في صحيحه. فما المانع يا ترى من ايرادها باجمعها في صحيحه؟! وما الذي دعاه الى الاقتصارعلى النزر اليسير منها؟!... ولماذا اختار من احاديث الجمع ما هو اخسها دلالة عليه؟!»((308)).

فان السيد شرف الدين(قدس‏سره) في هذا الكلام القصير ينتقد البخاري بانه لم يرو في كتابه روايات صحيحة‏الاسانيد بحسب نظره، وانه ينتخب من بين جميع الروايات اضعفها ظهورا ودلالة على راي الشيعة.

ولو القى القارئ نظرة على الجوامع الروائية لفقه الشيعة نحو:

استبصار الشيخ الطوسي، فسيرى بوضوح في‏هذه الجوامع ان المؤلف يورد جميع الروايات المخالفة لفتواه، ويذكر عدة محتملات لرفع التعارض بينها وبين الروايات‏التي يستند اليها في فتواه، لكن البخاري لا يورد الروايات المخالفة لفتواه بتاتا، وهذا نوع تحريف خفي.

ب وضع الرواية في الموضع المناسب: ان المطالع لروايات احد الجوامع الروائية ينبغي ان يرى الروايات ذات الارتباط‏بباب ما لا غير لكن مؤلف هذا الجامع الروائي من خلال وضع الرواية في غير موضعها المناسب وبانتخاب عنوان غيرمناسب للباب الذي وضعت فيه يمكنه ببساطه ان يمهد الجو المعد مسبقا للقارئ كي يفهم الرواية ضمن ذلك الجوالمهيا. وهذا الاسلوب من التحريفات الخفية قد وضع السيد شرف الدين(قدس‏سره) اصبعه عليه بكل براعة. انه يقول‏بصدد فضح هذا التحريف من قبل البخاري:

«لماذا لم يعقد في كتابه بابا للجمع في الحضر، ولا بابا للجمع في السفر؟! مع توفر الصحاح على شرطه آالواردة في الجمع، ومع ان اكثر الائمة قائلون به في الجملة... ولم وضعه في باب يوهم صرفه عن معناها؟! فاني‏اربا بالبخاري واحاشيه ان يكون كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه((309))، وكالذين يكتمون الحق وهم‏يعلمون((310)). واليك ما اختاره في هذا الموضوع ووضعه في غير موضعه، اذ قال في باب تاخير الظهر الى‏العصر من كتاب مواقيت الصلاة من صحيحه: حدثنا... ان النبي(ص) صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصروالمغرب والعشاء»((311)).

فلو دققنا في الرواية وعنوان الباب سيتضح لنا انه يريد تزريق قيد خاص في الرواية من خلال عنوان الباب، وذلك هوان النبي(ص) في الجمع بين صلاتي الظهر والعصر قد اخر الظهر الى وقت العصر في حين ان الرواية خالية من هذاالقيد.

التحقيق السندي للاحاديث:

ان للاستدلال بالحديث في الفقه الشيعي والسني دورا خاصا، فلا نكاد نعثر على مسالة لم يستند الفقيه حين استنباط‏حكمها الى الحديث. وفي كلا الفقهين الشيعي والسني تعط‏ى اهمية كبيرة للبحث السندي للحديث لبحث مدى اعتبارالحديث وحجيته، ولكن لكل من هاتين المدرستين الفقهيتين مبانيها ومصادرها الخاصة بها لاعتبار سند الحديث. وفي‏الفقه المقارن في مجال نقد الفقه السني يمكن ان يتم البحث السندي للحديث السني بثلاثة اساليب:

1 اسلوب النقد المبنائي (اي نقد المباني والمصادر الرجالية السنية): فلعل سندا يعتبر في الفقه السني صحيحا لكن‏بهذا الاسلوب ومن خلال ابطال بعض المباني او المصادر الرجالية السنية يتم تضعيفه او تصحيح ما يعدونه‏ضعيفا.

2 اسلوب النقد البنائي (اي نقد سند الحديث على اساس المباني والمصادر الرجالية السنية): ففي هذا الاسلوب يرجع‏الناقد الشيعي كالسني الى المباني الرجالية السنية الماخوذة من المصادر الرجالية السنية ويقيم سند الحديث على‏اساس منها.

3 اسلوب اخذ الاعتراف (اي نقد سند الحديث على اساس اعتراف علماء الجرح والتعديل السنة): ففي هذا الاسلوب لايخوض في التحقيقات الرجالية المفصلة وانما يقتصر على اخذ اعتراف علماء الحديث من السنة.

فما هو الاسلوب المختار في نقد سند الحديث في نقد الفقه السني؟ ان السيد شرف الدين(قدس‏سره) استخدم الاساليب الثلاثة كلها، ولكنه جعل كل اسلوب في محله المناسب، وخلال‏عرضنا لكيفية استفادة السيد شرف الدين(قدس‏سره) من هذه الاساليب الثلاثة سنبين فوائد كل واحد منها:

اسلوب النقد المبنائي:

ان هذا الاسلوب اكثر حساسية قياسا بالاسلوبين الاخرين لنقد السند، لان الناقد في هذا الاسلوب يريد ابطال المباني‏الرجالية الاساسية لاهل السنة، وهذا الابطال قد يؤدي الى ابطال اعتبار مئات الروايات، وربما يطال عقائد اهل السنة‏ويبرز في وجهها تساؤلات.

مضافا الى ان الاستدلال في هذا الاسلوب اكثر صعوبة من الاسلوبين الاخرين، فان الناقد غالبا لا يستطيع الافادة من‏اعتراف علماء السنة، وذلك لان هذه المباني كثيرا ما تكون محل اتفاق جميع علمائهم. كما ان الناقد يجب ان يستند الى‏دليل يكون في حد نفسه مقبولا للمخاطب، اي يجب الا يكون‏دليله خارجا عن دائرة معتقدات المخاطب المذهبية.

ولقد اعتمد السيد شرف الدين(قدس‏سره) هذا الاسلوب في قسم من انتقاداته السندية. ومن الواضح ان احد المواردالتي يمكن الاشارة اليها هو نقد مبنى عدالة الصحابة، فانه يعد احد المباني الرجالية السنية الذي لو تم ابطاله ستسقط‏مئات الروايات عن الاعتبار، وقد تعرض السيد شرف الدين(قدس‏سره) لنقده في عدد من مؤلفاته.

انه يقول بصدد ما اثاره نقده من حساسية:

«انا ارى وجوها تنقبض دوني، ونفوسا تتقبض مزورة عني، وقد يكون لها بسبب الوراثة والتربية والبيئة ان‏تنقبض وتتقبض امام حقيقة وضعها البحث على غير ما الفت من احترام الصحابة واعتقاد عدالتهم اجمعين اكتعين‏ابصعين من غير ان تزن اعمالهم واقوالهم بالموازين التي اخذ النبي بها امته...»((312)).

فانه في سبيل تقليل هذه الحساسية يبين ان الهدف من نقد الصحابة هو ذات الهدف الذي دفع اهل السنة لفكرة عدالة‏الصحابة. فحينما يلتفت المخاطب الى ان ذلك الهدف منسجم مع نقد الصحابة، بل قد يراه اكثر من نظرية عدالة‏الصحابة انسجاما مع الهدف، فسوف تنخفض درجة الحساسية عنده. يقول(قدس‏سره):

«فان الجمهور انما يعفون ابا هريرة وسمرة بن جندب و...

تقديسا لرسول اللّه لكونهم في زمرة صحبه(ص)،ونحن انما ننتقدهم تقديسا((313)) لرسول اللّه ولسنته(ص) شان الاحرار في عقولهم ممن فهم الحقيقة من‏التقديس والتعظيم. وبديهي بعد ان تكذيب كل من يروي عن رسول اللّه(ص) شيئا خارجا عن طاقة التصديق‏اولى بتعظيم النبي وتنزيهه، واجرى مع‏المنطق العلمي الذي يريده(ص) لرواد الشريعة ورواد العلم من‏امته‏»((314)).

ثم ان السيد شرف الدين(قدس‏سره) قد استفاد لنقد هذا المبنى من القواعد التي يمكن ان تلقى القبول من المخاطب‏السني، ولهذه الغاية تعرض الى الامور التالية:

ا التاكيد على اصل هو محل اتفاق الفريقين في اشتراط عدالة الراوي ووثاقته في خبر الواحد، وما لم تحرز عدالته‏ووثاقته فلا يكون خبره معتبرا.

ب وهو متفرع عن الامر الاول، فان اهل السنة لابد ان يقيموا دليلا على عدالة ووثاقة جميع الصحابة، والا فلا تكون‏روايات الصحابة معتبرة.

ج ان هدف اهل السنة في نظرية عدالة الصحابة تقديس النبي(ص)، وان هذا الهدف لا يتحقق بنظرية عدالة الصحابة‏فحسب، بل انه سيتحصل من خلال نقد الصحابة.

د ثمة آيات وروايات كثيرة تدل على وجود صحابة منافقين في زمان حياة النبي(ص).

ه لا يمكن ان يكون موت النبي(ص) سببا لعدالة الصحابة((315)).

وقد استخدم ذات الاسلوب في نقده للصحابي المكثر للرواية ابي هريرة، وكان يؤكد على اهمية هذا الاسلوب في‏الفصل الحادي عشر من كتاب «ابو هريرة‏» الذي شغل حجمه نصف الكتاب((316)) في نقده لحديثه، وكذا في كتبه‏الاخرى((317)). فقد جمع في هذا الفصل مجموعة من روايات ابي هريرة المتضمنة لتجسيم الخالق وغيره من‏الامور المنكرة بنظر العقل والفطرة بشكل بحيث يكذبها المخاطب وجدانا بمجرد قراءة تلك الاحاديث. وبعد ذلك في‏الفصول التالية تصدى لبيان مراسيله التي نقلها بصورة المسانيد، وايضا دعواه الحضور في وقائع لم يكن حاضرافيها، وعند ذاك من خلال طرح‏سؤال كان يطرحه المعاصرون لابي هريرة عليه يجعل المخاطب يعود الى وجدانه، ذلك‏السؤال الذي كان دالا على تضعيف ابي هريرة عندهم وهو: لماذا يكون لهذا الصحابي الذي لم تتجاوز صحبته‏للنبي(ص) ثلاث سنوات من الاحاديث ما يفوق مجموع ما لسائر الصحابة الكبار من الاحاديث؟! ولماذا يتفرد بنقل‏روايات عن النبي(ص) دون سواه؟!((318)) اولم يكن هذا هو السبب الكامن وراء اتهام عمر وعثمان وعلي وعائشة‏له؟!((319)) انه من خلال سلوك هذا الطريق يسعى لايقاظ وجدان المخاطب. ان مرورا على ذينك النقدين للسيد شرف‏الدين(قدس‏سره) وهما من المصاديق الجلية للنقد المبنائي، ومن خلال مقارنتهما باسلوب النقد البنائي واسلوب‏انتزاع الاعتراف سيتبين ان لهذا الاسلوب حساسية خاصة وتعقيدا.

اسلوب النقد البنائي:

ان هذا الاسلوب من جهة ايجاد الحساسية ودفع المخاطب للدفاع يقع متوسطا بين الاسلوب الاول (اسلوب النقدالمبنائي) والاسلوب الثالث (اسلوب الاعتراف).

ففي اسلوب النقد المبنائي فان الناقد ينكر المباني الرجالية السنية، وربما تكون قيمة تلك المباني في الذهنية السنية‏تعدل قيمة اصول المذهب، اما في اسلوب النقد البنائي لا يتعرض الناقد لتلك المباني، بل يفترضها مسلمة.

اذا، فاسلوب النقد البنائي بالقياس الى اسلوب النقد المبنائي اقل اثارة للمخاطب، لكنه اكثر حساسية بالنسبة الى‏اسلوب الاعتراف، وذلك لان المخاطب في الجملة يسال نفسه: اذا كانت مبانينا كذلك فلماذا لم يسر علماؤنا طبقا لها؟!وهذه الناحية ستوجد عنده هالة من التشكيك باسلوب النقد البنائي وتجعله يردد دائما: ولو اننا لا نستطيع الان ان نبطل‏نقدكم ولكننا نعلم بان فيه خطا وخللا. على ان هذه الهالة تصل الى اقل ما يكون في اسلوب الاعتراف.

ومهما يكن من امر فان السيد شرف الدين(قدس‏سره) قد استفاد من اسلوب النقد البنائي ايضا في نقد السند، ففي‏مسالة الوضوء بالنبيذ وعند نقده سند رواية منقولة في وضوء النبي(ص) بالنبيذ كتب يقول:

«فان العباس بن الوليد لم يكن ثقة ولا مامونا، وقد تركه جهابذة الجرح والتعديل حتى سئل عنه ابو داود كمافي ميزان الاعتدال فقال: كان عالما بالرجال والاخبار، لا احدث عنه.

وانت تعلم انهم انما تركوه لوهنه. واما شيخه‏مروان بن محمد الطاطري الذي ورد في سند الحديث هذا فقد كان من ضلا ل المرجئة، واورده العقيلي في كتاب‏الضعفاء، وصرح بضعفه ابن حزم... على ان شيخه عبداللّه بن لهيعة المذكور في سند الحديث ايضا ممن ضعفه‏ائمتهم في الجرح والتعديل... تجده مشهودا عليه بالضعف من ابن معين وابن سعيد»((320)).

فان السيد شرف الدين(قدس‏سره) في هذا النقد نراه يرجع الى المصادر الرجالية وعلى اساس مبانيها يتصدى لنقدالسند، هذا اولا.

وثانيا: انه في هذا الاسلوب ايضا يستعين باعتراف الرجاليين من اهل السنة، اي لفق بين الاسلوبين: النقد البنائي‏والاعتراف. انه يقول لدى نقده لسند آخر:

«حسبك في بطلانه اي سند الرواية موضوع النقد ان مداره على ابي زيد مولى عمرو بن حريث، وهو مجهول‏عند اهل الحديث، كما نص عليه الترمذي وغيره. وقد ذكره الذهبي في الكنى من ميزانه فنص على انه لا يعرف،وانه روى عن ابن مسعود، وانه لا يصح حديثه، وان البخاري ذكره في الضعفاء...

وان الحاكم قال: انه رجل‏مجهول‏»((321)).

اسلوب اخذ الاعتراف:

والامتياز الايجابي لهذا الاسلوب اذا ما قيس بالاسلوبين السابقين يكون اكثر تاثيرا في الامور التالية:

ا التشكيك في القناعات: فعندما يقف القارئ على ان قسما من ابناء مذهبه يعتقد بضعف رواية ما فان اعتبارها يكون‏عنده متزلزلا، وتنزل من حد اليقين والقطع الى مستوى الظن والشك، كما ان عدم اعتبار الرواية التي كانت الى ما قبل‏ذلك يقينية وقطعية يكون متزلزلا، ويحتمل صحتها واعتبارها.

ب سعة التاثير: ان مثل هكذا اسلوب يكون تاثيره واسعا يشمل العوام والعلماء، خلافا لاسلوبي النقد المبنائي والنقدالبنائي للسند، لان هذين الاسلوبين يؤثران على العلماء فحسب بيد ان العوام لا يتقبلونه. ولا ريب في انه كلما ازدادت‏درجة اعتبار المعترف وكذلك عدد المعترفين ازداد التاثير.

ج سهولة النقد: ففي هذا الاسلوب يكون في غنى عن الخوض في المباحث المعقدة لنقد سند الحديث، وفي كثير من‏الموارد لا يشترط ان يكون لديه احاطه كاملة، بل بمجرد اعتراف اصحاب ذاك المذهب يمكنه تضعيف سند الرواية اوتقويته.

وسنواجه فعلا اعتماد السيد شرف الدين لهذا الاسلوب في الفقه المقارن. وسنتناول من بين مجموعة مباحثه الفقهية‏مسالة «هل البسملة آية قرآنية؟ وهل تقرا في الصلاة؟»((322)).

فانه يذكر في هذا البحث تسع روايات كدليل على رايه، ومضمون جميع تلك الروايات التسع يثبت رايه، ولكي يصبح‏دليله تاما يجب ان يثبت صحة سند الروايات التسع. وفي هذا التصحيح السندي استفاد من «اسلوب الاعتراف‏»، حيث‏سجل لكل من الروايات التسع اعترافا من نفس اصحاب المذاهب السنية.

واليك تلك الاعترافات المذكورة للروايات التسع مرتبة كالتالي:

1 «هذا الحديث اخرجه الحاكم في المستدرك واورده الذهبي في تلخيصه وصرحا بصحة اسناده‏»((323)).

2 «اخرجه الحاكم في كتاب الصلاة من مستدركه (صفحة 231 من جزئه الاول) فقال: هذا حديث صحيح الاسنادولم يخرجاه‏»((324)).

3 «اخرجه الحاكم في كتاب الصلاة من مستدركه واورده الذهبي في التلخيص مصرحين بصحته على شرط‏الشيخين‏»((325)).

4 «اخرجه الحاكم... ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وصححه الذهبي على شرطهما ايضا، اذاورده في التلخيص‏»((326)).

5 «اخرجه الحاكم... واورد الذهبي... مصرحين بصحته على شرط الشيخين‏»((327)).

وهنا يورد السيد شرف الدين(قدس‏سره) رواية مؤيدة دون ان يعطيها رقما معينا منقولة عن ام سلمة رحمها اللّه آدون ان يذكر لها اعترافا بتصحيح السند((328)).

6 «اخرجه الحاكم... واورده الذهبي... مصرحين بصحته على شرط الشيخين‏»((329)).

وهنا كذلك يورد السيد شرف الدين(قدس‏سره) رواية مؤيدة عن ابي هريرة دون ان يعطيها رقما ولم ينقل اعترافالتصحيح سندها((330)).

7 «اخرجه الحاكم... وصححه على شرط مسلم‏»((331)).

واضاف في الهامش:

«واورده الذهبي... وصححه على شرط مسلم‏»((332)).

8 «اخرجه الحاكم واورده الذهبي... وقالا: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات، وجعلاه علة ونقيضا لحديث قتادة‏عن انس‏»((333)).

9 «اخرجه الحاكم... واورده الذهبي... ونصا على ان رواته عن آخرهم ثقات، وجعلاه علة ونقيضا لحديث قتادة‏عن انس‏»((334)).

ثم ينقل روايتين مؤيدتين عن قتادة وحميد الطويل من دون اعطائهما رقما ومن دون نقل اعتراف لتصحيح‏السند.

وفي مقام تحقيق هذا النقد السندي نؤكد على الامور التالية:

ا لم تخل رواية واحدة من الروايات التسع المذكورة كادلة من اعتراف عالم سني بصحة سندها.

ب ان هذه الاعترافات من الحاكم والذهبي، واغلبها مسندة الى البخاري ومسلم مع الواسطة، اي ليست مدعومة فقط‏باعتراف الحاكم والذهبي اللذين يتمتعان باعتبار مقبول لدى العامة بالرغم من تاثيره واهميته هنا، بل اسندت تلك‏الاعترافات الى راي البخاري ومسلم ايضا((335)).

ج انه لم يدرج الروايات غير المدعومة باعتراف بصحة سندها ضمن الروايات المستدل بها (والتي دبجها بقوله:«وحجتنا من طريق الجمهور صحاحهم، وهي كثيرة: احدها...»)((336))، ولعل سبب ذلك كان عدم وجدان الاعتراف‏بصحة السند.

د في الروايتين الثامنة والتاسعة لم يات باعتراف تام بصحة السند: «...رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات‏»، لذا اضاف‏لتكميل الاعتراف تمسك الحاكم والذهبي بهذه الرواية:

«وجعلاه علة ونقيضا لحديث قتادة عن انس‏».

وهو بهذه التتمة لم يكن ياتي باعتراف لصحة الروايتين الثامنة والتاسعة فحسب وانما شفعه باعتراف لتضعيف رواية‏قتادة عن انس المخالفة لقوله.

ويواصل السيد بحثه تحت عنوان «حجة مخالفينا في المسالة‏»((337))، فياتي بادلتهم ومناقشتها، ونكتفي هنا بالاشارة‏الى النقد السندي لهذه الروايات:

فعند نقده للدليل الرابع حيث تمسكوا بخبر ابن مغفل كتب يقول:

«والجواب: ان ائمة الجرح والتعديل لا يعرفون ابن مغفل، ولا اثر لحديثه عندهم، وقد اورده ابن رشد حول البسملة‏من كتابه «بداية المجتهد» فاسقطه بما نقله عن ابي عمرو بن عبدالبر من النص على ان ابن مغفل رجل‏مجهول‏»((338)).

وفي نقده الدليل الخامس وهو عبارة عن خبر شعبة عن قتادة عن انس تمسك بروايات مناقضة عن انس مرت في‏الدليل الثامن والتاسع، ونقل فيما مضى الاعتراف بصحة السند((339)).

وفي نهاية هذا البحث وعندما يريد رمي الروايات التي استدل بها اهل السنة بالوضع يسند هذا الرمي الى اهل السنة‏انفسهم ويطرحه بصورة اعتراف.

«قال الامام الرازي: وايضا ففيها تهمة اخرى، وهي ان عليا(ع) كان يبالغ في الجهر بالتسمية، فلما وصلت الدولة‏الى بني امية بالغوا في المنع من الجهر بها سعيا في ابطال آثار علي(ع). قال:

فلعل انسا خاف منهم، فلهذاالسبب‏اضطربت اقواله‏»((340)).

اذا، الملاحظ ان السيد شرف الدين(قدس‏سره) في مسالة «هل البسملة آية قرآنية؟ وهل تقرا في الصلاة؟» لم يدع‏رواية واحدة من اهل السنة خالية من النقد السندي وباسلوب الاعتراف، سواء الروايات التي يحتج بها عليهم او الروايات‏التي تعتبر حجة لهم، وقلما نرى هذه الخصوصية في بحوث الاخرين في الفقه المقارن.

ولكن ينبغي الا نبتعد عن الانصاف، فان السيد شرف الدين(قدس‏سره) لم يستخدم هذا الاسلوب بشكل كامل في‏المسائل الاخرى المطروحة في كتاب «مسائل فقهية‏» البالغة (16) مسالة((341))، بل لم نلاحظ في سائر كتبه ورسائله‏في الفقه المقارن التي طالعناها((342)) نقدا سنديا باسلوب الاعتراف بصورة كاملة كما بينه في مسالة «البسملة‏»،ولهذا بينا امتياز هذا الاسلوب في هذه المسالة بالذات.

استعمال الاصول العملية:

من جملة طرق نقد الفقه السني التي اعتمدها السيد شرف الدين(قدس‏سره) هو التمسك بالاصول العملية،ولتوضيح اهمية هذا الاسلوب علينا ان نرى هل يوجد في الفقه السني عنصر بعنوان الاصل العملي او لا؟ فالبعض يقول: ان فكرة الاصل العملي الذي يقابل الامارة من مختصات الفقه الشيعي، ولا توجد فكرة الاصل العملي‏في الفقه السني، وهؤلاء يعتقدون بان مدار الفقه السني دائما على الوصول الى الاحكام الواقعية، ولو تعذر الوصول‏اليها عن طريق الكتاب والسنة فانهم يتمسكون بالامارات الظنية، نظير:

القياس والاستحسان، ولو لم يصلوا عن هذاالطريق الى الحكم الواقعي فيتشبثون باية مناسبة واعتبار ولا يذهبون صوب الاصل العملي بتاتا. اما في الفقه الشيعي‏فان الفقيه يبحث عن الحكم الواقعي عن طريق الدليل الشرعي المعتبر، وفي حالة عدم ظفره بالحكم الواقعي لا يتشبث‏بالادلة الظنية غيرالمعتبرة، بل يشخص وظيفته العملية بالاصول العملية((343)).

ومن ناحية اخرى، حينما نرجع الى كتب الفقه والاصول السنية نرى موارد كثيرة للتمسك بالاصول العملية، وربمانعثر على تصريحات واضحة باعتبارها. وكنموذج على ذلك يقول ابن حزم:

«واصل الناس كلهم على البراءة من وجوب الاحكام عليهم حتى يلزمهم الحكم نص او اجماع‏»((344)).

ويقول الغزالي:

«لان المفتي اذا فقد الادلة القاطعة يرجع الى البراءة الاصلية والاستصحاب‏»((345)).

وهو يعتبر ثلاثة معان صحيحة بالنسبة للاستصحاب:

«الاول: ما ذكرناه (اي استصحاب نفي الحكم قبل الشريعة).

والثاني: استصحاب العموم الى ان يرد تخصيص، واستصحاب النص الى ان يرد نسخ.

الثالث: استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه...»((346)).

فكيف لا توجد في الفقه السني اصول عملية في حين انهم يتمسكون بهذه الاصول؟! وللجمع بين ما تقدم من الكلام‏وبين وجود الاصول العملية في فقه السنة واصولهم يجب ان نرى هل ان تصور الفقه السني عن التمسك بهذه‏الاصول هو عين التصور الشيعي او لا؟ فلعله يمكن تقديم وجه جمع حاصله: ان تمسك الفقه السني بهذه الاصول‏كتمسكهم بسائر الامارات حذو القذة بالقذة، سوى انهم يعتقدون بالتقدم والتاخر الرتبي بينهما، اي يعتبرون ان مفادالاصول العملية نفس الحكم الواقعي، فلا فرق بين الشيعة والسنة في اصل التمسك بالاصول العملية، والتفاوت انما هوبين نحوين من التصور لدى كل من الفقهين عن مفاد الاصول العملية.

ومع قطع النظر عن وجود فكرة الاصل العملي في الفقه السني وعدم وجوده فان السيد شرف الدين(قدس‏سره) قدتمسك بالاصل العملي في عدة موارد قبال الفقه السني.

فلدى نقده للفقه المالكي والحنفي الذي لا يشترط الترتيب في افعال الوضوء، يتمسك اولا بتبادر الترتيب من آية‏الوضوء، ثم بالسنة النبوية في فعل الوضوء، وفي نهاية المطاف يقول:

«على ان الاصل العملي يوجب هنا احراز الشي‏ء المشكوك في شرطيته، واستصحاب الحدث جار مع عدم‏احرازه‏»((347)).

فقد تمسك في العبارة المتقدمة باصلين عمليين: احدهما: انه كلما شككنا في شرطية شي‏ء في واجب ما فالاصل‏العملي يقتضي لزوم الاتيان به.

وثانيهما: جريان استصحاب الحدث في فرض الوضوء من دون ترتيب.

على انه هل يصح جريان هذين الاصلين في المقام بناء على فقه الشيعة او لا؟ فيه بحث، وعلى اية حال فان السيدشرف الدين(قدس‏سره) تمسك بذلك.

وفي بحث اشتراط الموالاة ايضا تمسك بنفس هذا الكلام في رد الشافعية والحنفية، يقول:

«على انه لا خلاف في صحة الوضوء جامعا لهذه الشرائط، اما اذا لم يكن جامعا لها فصحته محل النزاع... فاحتط‏لدينك، والاحتياط هنا مما لابد منه، لان الاصل العملي يوجب احراز الشي‏ء المشكوك في شرطيته، واستصحاب‏الحدث جار مع عدم احرازه‏»((348)).

وابرز مورد يمكن من خلاله ان نستشف مدى اهتمام السيد شرف الدين(قدس‏سره)بالتمسك بالاصل العملي هومقدمة كتاب «المجالس الفاخرة‏» فانه يفتتح كتابه بهذه الجملة:

«الاصل العملي يقتضي اباحة البكاء على مطلق الموتى من المؤمنين ورثائهم بالقريض، وتلاوة مناقبهم‏ومصائبهم، والجلوس حزنا عليهم، والانفاق عنهم في وجوه البر، ولا دليل على خلاف هذا الاصل، بل السيرة‏القطعية والادلة اللفظية حاكمان بمقتضاه...»((349)).

فقد بين مفصلا في هذه المقدمة ضمن اربعة مجالس ادلة استحباب البكاء والرثاء وقراءة المناقب والجلوس والحزن‏على اهل البيت(ع)، وجميع ادلته من سنخ الامارات ولم يتمسك بالاصل العملي في اي منها، ولكن في مقدمة كتاب‏المجالس اول تعبيره الاصل العملي، ولا شك في ان هذا التعبير يكشف عن مدى اهتمامه بالاصل العملي.

والذي افهمه انه يريد ان يجعل مطلع بحثه نقطة يتفوق بها الفقه الشيعي على الفقه السني. ومعلوم ان فتوى الشيعة‏استحباب الامور المذكورة، والتصور السني سيما في الفكر الوهابي المتشدد عدم جوازها. فهو يقدم فتوى الشيعة‏من خلال طرح الاصل العملي وهو الاباحة باعتبارها مطابقة للاصل وان الرؤية السنية خلاف الاصل ويضعها على‏طاولة النقاش.

وقد عرضنا هذا الاسلوب للسيد شرف الدين(قدس‏سره) في موارد اخرى ايضا، وعلى سبيل المثال راجع العناوين‏التالية:

نقل الاتفاق قبل نقل الاختلاف، الاستدلال بادلة الشيعة الى جانب ادلة السنة، تحويل حالة الدفاع والانفعال الى‏حالة الفعل.

تحويل حالة الدفاع والانفعال الى حالة الفعل:

ان احد طرق الانتقاد والاشكال على فكرة ما هو اتهامها باستمرار وبصورة‏متلاحقة بامور لكي تكون في موضع‏الدفاع والانفعال. وهذا ما يؤدي الى:

اولا: ان الفكرة في جو النقد لا تبقى لها فرصة لتاخذ بزمام المبادرة، وتكون دوما في مقام الدفاع عن النفس تجاه‏التهم والانتقادات.

ثانيا: ان المنتقد من خلال اتهام تلك الفكرة فعلا يظهر نفسه منزها عن تلك الانتقادات ويبرئ ساحته منها، لانه يسبق‏الطرف المقابل بنسبة ذلك الاشكال اليه ويجر الفكرة المواجهة الى ازمة واضطراب، وعليه ان يبرئ نفسه من هذاالاتهام.

ثالثا: في اثناء ايراد سيل التهم العديدة على تلك الفكرة يتم نسبة امور اخرى لا تعد في نفسها عيبا ولا نقصا الا ان‏المتهم يخلق جوا عاما بحيث يوحي بان جميع ما نسب الى تلك الفكرة يعتبر عيبا، وعليه ان يرد على هذه‏التهم.

وليس هذا الاسلوب منحصرا فقط في المواجهات بين الشيعة والسنة، فاننا اليوم نرى بوضوح استخدام هذا الاسلوب‏من قبل المراكز الاعلامية الصهيونية ضد الاسلام.

ان فقه العامة وعلى الاخص الرؤية الوهابية كان دائما يستفيد من هذا الاسلوب ضد الشيعة. وقد شاهدنا من بين‏المفكرين من اخذته الرهبة على اثر هذا الاسلوب وعرض افكاره الى ازمة حقيقية ولم يستطع ان ينجو من هذا الجو،والذين تنصلوا عن معتقداتهم ليس عددهم بالقليل، واخيرا شاهدناهم فيما يرتبط بالموقف تجاه الظالمين لاهل‏البيت(ع).

لكن السيد شرف الدين من الذين سعوا في ساحة المواجهة ان ياخذ هذه الورقة الرابحة من يد الطرف‏المقابل.

وللمثال نطالع المسائل التي في البدء واجهت السيد شرف الدين بهذا الاسلوب ثم بدل الوضع وحوله لصالحه:

ان السيد شرف الدين وقبل ان يعط‏ي جوابه الاساسي عن الشبهة التي تقول بان كتب الشيعة تكفر جميع الصحابة‏كتب يقول:

«ولم لم يعتذروا عن كتبنا بما اعتذروا به عن كتبهم؟! فان الاشكال واحد، والجواب هو الجواب، واليك ما اخرجه‏البخاري في باب الحوض...»((350)).

ثم يسرد روايات عديدة من صحيح البخاري دالة كلها على ان اصحاب النبي(ص) كفروا وضلوا وارتدوا من بعده.وحينذاك وبعد ان يرد التهمة اليهم انفسهم ويحرجهم في هذه المسالة، يبدا في فصل مستقل ببيان راي الشيعة حول‏صحابة النبي(ص) وهو راي يتوسط بين الافراط والتفريط((351)).

بل انه في هذا الفصل المستقل، وبعد بيان راي الشيعة في الصحابة، يخضع اعتقاد العامة في الصحابة للنقاش، ويثيرتساؤلات تدع القارئ يسرح في تفكير عميق:

«فليتني ادري اين ذهب المنافقون بعد رسول اللّه(ص)؟!...

فهل كانت حياته سببا في نفاق المنافق؟! او موته‏سببا في ايمانهم وعدالتهم وصيرورتهم افضل الخلق بعد الانبياء؟! كيف انقلبت حقائقهم بعد وفاته؟!»((352)).

ثم انه وبعد ان يوجد الشك في ذهن المخاطب لم يتركه في وادي الشك سدى وانما ياخذ بيده صوب الحقيقة:

«وما ضرنا لو صدعنا بحقيقة اولئك المنافقين، فان الامة في غنى عنهم بالمؤمنين المستقيمين من الصحابة، وهم‏اهل السوابق والمناقب‏»((353)).

وليس غرضنا هو بيان كلمات السيد شرف الدين في خصوص هذه المسالة، وانما بيان اسلوبه في تحويل الحالة‏الانفعالية الى حالة الفعل واحراجه الطرف المقابل.

ولنبحث نموذجا آخر: ان موسى جار اللّه اشكل على الشيعة بان الامام يعني الباقر او الصادق(ع) قال في ائمة‏المذاهب الاربعة من هذه الامة: «لا تاتهم، ولا تسمع منهم، لعنهم اللّه ولعن مللهم المشركة!».

والجواب الذي اجاب به السيد شرف الدين لافت للنظر، فانه قال في سطر واحد لا اكثر((354)):

«لا طريق لموسى جار اللّه وغيره في اثبات هذا القول عن ائمتنا ابدا».

وبعد ذلك لم يلبث ان قال:

«ولو فرضنا ثبوته فما هو الا دون ما قد ثبت عن حجج اهل السنة واعلام سلفهم المعاصرين للائمة الاربعة‏».

ثم يبين في عشر صفحات((355)) عبارات ائمة اهل السنة حول ابي حنيفة ومالك وسائر ائمة المذاهب، وينقل عنهم‏قول بعضهم في بعض والتي لا تقل قبحا عما نسبه موسى جار اللّه الى ائمة الشيعة فيهم، ثم يقول:

«واذا طرق موسى جار اللّه باب قول العلماء بعضهم في بعض من كتاب جامع بيان العلم وفضله للامام ابن‏عبدالبر يجد فيه من اقوال الصحابة وائمة التابعين بعضهم في بعض ما ينهنه به عن وجده ويصغر له قول‏امامنا في ائمته، على ان ذلك القول غير ثابت عن امامنا(ع)، ولو ثبت فانما هو دون ما تلوناه من الاقوال واهون‏مما لم نتله‏»((356)).

ثم يعتذر عن نقل اقوال علماء السنة في ائمة المذاهب فكتب يقول:

«انا لم نقصد الى شي‏ء من نشر هذه الصفحات لولا ما اضطرنا هذا الرجل الى ذلك، فان الافاضة بالبحث قد تملك‏زمام القلم فلا يستطيع الباحث له ردا، ولاسيما اذا كان البحث فقيرا للدفاع بمثل هذا البيان، وعلى كل فانا نكبرالائمة الاربعة، ونحترم مذاهبهم، ونعرف قدرهم، ونستعظم امرهم، ونقدر جهودهم وبلاءهم، رضي اللّهعنهم‏»((357)).

وفي هذا المسار نشاهد بوضوح كيف لم يقع تحت تاثير هجمات موسى جار اللّه، فانه اوقعه اولا في حالة الدفاع ثم‏يحرجه ببيان امور ليس باستطاعة موسى جار اللّه ردها، وفي الختام فانه يراعي الاخلاق الحسنة للبحث ويخرجه من‏الحالة النفسية التي هو فيها ويجعله يتذوق كرم وحلم مذهب اهل البيت(ع).

فقه الوفاق في تراث الامام شرف الدين السيد منذر الحكيم 1 تاريخ المصطلح:

لئن كان مصطلح فقه الخلاف يعود استعماله الى عصر الشيخ الطوسي(قدس‏سره) متمثلا في كتابه الكبير المسمى‏بالخلاف، فان مصطلح فقه الوفاق قد استعمله العلا مة الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين، لاول مرة فيما نعلم‏ في مقال له عن البعد الفقهي في شخصية الامام شرف الدين كان قد قدمه للمؤتمر التكريمي الاول الذي عقد ببيروت‏سنة 1993م((358))، حيث اعتبر كتابي شرف الدين: «الفصول المهمة في تاليف الامة‏» و «اجوبة مسائل جار اللّه»نموذجا لما سماه ب «فقه الوفاق‏»((359)). كما اعتبر جملة اخرى من كتبه((360)) نموذجا لفقه الخلاف المصطلح بين‏الفقهاء والاصوليين.

ولا مانع من ان يكون العلا مة شمس الدين قد استلهم ذلك من تقابله مع مصطلح فقه الخلاف الذي قد تداول الفقهاءوالاصوليون المتاخرون ذلك ، غير اننا حينما نعود الى تراثنا الفقهي الامامي نلاحظ في تصانيف شيخنا المفيد،عنوانين يلفتان النظر الى تداول مفهوم هذا المصطلح في نهايات القرن الرابع ومطلع القرن الخامس الهجريين.والظروف التاريخية التي عاشها المفيد والمرتضى والطوسي(رحمهم‏اللّه) تعين على امكان طرح مثل هذا المفهوم‏الذي سوف نبحث عنه كمدلول لمصطلح فقه الوفاق.

والعنوانان هما: «الاشراف في عامة فرائض اهل الاسلام‏» و«الاعلام فيما اتفقت فيه الامامية من الاحكام‏»، فان هذين‏العنوانين يشيران الى ان مفهوم «فقه الوفاق‏» كان غرضا من اغراض التاليف، سواء على صعيد الوفاق مع سائرالمذاهب او على صعيد الوفاق في خصوص اتجاهات المذهب الامامي آنذاك((361)).

اذا، من ناحية تاريخية يمكننا ان نبحث عن جذور «فقه الوفاق‏» في مدرسة اهل البيت(ع) الفقهية، كما هي حقيقة قائمة‏في سيرة اهل البيت(ع) الرسالية حين فوت الامام علي بن ابي طالب(ع) الفرصة على الانتهازيين الذين ارادوا اثارة‏الخلاف والنزاع بعد رحيل الرسول الاعظم(ص) في خصوص قضية اغتصاب الخلافة والامامة من الامام علي(ع)الذي نص الرسول(ص) على امامته، فبادر الصحابة الى الاستئثار بموقعه ومصادرة الخلافة بعد الرسول(ص)بحيث لم يتركوا للامام علي بن ابي طالب(ع) موضع قدم فيها، فكان ما كان من الامام(ع)، حيث صبر وفي عينه القذى‏وفي حلقه الشجى بالرغم من انه كان يرى نهبهم لتراثه، ولكنه آثر احياء دين محمد(ص) ونشره ومواجهة الانحراف‏بشكل آخر يفوت فيه الفرصة على الانتهازيين امثال ابي سفيان ومن حذا حذوه في ذلك العصر.

والامام شرف الدين وان اعتنى بفقه الخلاف في كتابه «مسائل خلافية‏» كما اعتنى بل قد اسس «فقه الوفاق‏» تاسيساحديثا في كتابه «الفصول المهمة في تاليف الامة‏» لكنه لم يستعمل هذا المصطلح وان كان مؤمنا بمفهومه وبضرورته‏وبضرورة السعي لتعميقه وتاصيله في مجتمعنا الاسلامي وفي اروقته العلمية عند الفرق الاسلامية‏جميعا((362)).

ومن هنا يمكن القول بان العلا مة شمس الدين قد سبق المعاصرين في‏ابداع واستعمال مصطلح «فقه الوفاق‏» حسب مااطلعنا عليه من دراسات فقهية معاصرة.

2- تحديد المصطلح:

قال العلا مة شمس الدين،: «نعني بفقه الوفاق: المذاهب الكلامية للفرق الاسلامية حين يبحث في وجوه الخلاف بينها،لا بهدف ترجيح احدها على الاخر في هذه المسالة او تلك... بل حين يبحث في علاقتها بوحدة المسلمين باعتبارهم امة‏واحدة، وان اختلاف الفرق في المسائل الكلامية هل يقتضي او لا يقتضي اختلاف الامة نفسها وانقسامها من حيث‏كونها امة مسلمة تجاه القضايا التي تتصل بسيرورتها التاريخية وتفاعلها فيما بينها ومع العالم من‏حولها»((363)).

اذا، فقه الوفاق بحسب هذا التحديد يعنى بوجوه الخلاف لا بوجوه الوفاق. هذا اولا.

كما ان دائرة وجوه الخلاف هذه هي المسائل الكلامية لا الفرعية الفقهية ثانيا، وبالتالي ينحصر البحث في هذه المسائل‏الخلافية الكلامية في مدى تاثير الخلاف على مبدا وحدة الكلمة للامة المسلمة ثالثا.

بينما يتسع المصطلح واعني به مصطلح «فقه الوفاق‏» من حيث المفردات التي يشتمل عليها، ومن حيث الاهداف التي‏يستهدفها هذا المنحى الفقهي لاكثر من ذلك الذي جادت به قريحة العلا مة شمس الدين، في هذا النص.

ومن هنا يمكن ان نقول: ان الفروع الفقهية المختلف فيها والتي يتعصب لها البعض تدخل في هذا المضمار، حيث‏يزعم البعض ان هذه الخلافات هي ذات تاثير على اساس تدين الانسان المسلم مادام يخرج من دائرة واحدة من‏المذاهب الاربعة، او على الاقل هكذا يتعامل ارباب المذاهب مع الاتباع حين يسالون عن مدى جواز التعبد بغيرمذهبهم.

كما ان الفروع والاصول المتفق عليها بين المذاهب الاسلامية والتي توحد بينهم في كثير من انماط السلوك والفكروالخلق لهي جديرة بالدخول في البحث من حيث ضرورة تحديدها، كما فعل الشيخ المفيد في كتابه «الاعلام‏» وان خص‏بحثه ذلك بما اتفقت عليه الامامية من الاحكام، وكما فعل ايضا في كتابه «الاشراف‏» حيث ذكر ان موضوعه في عامة‏فرائض اهل الاسلام.

ثم ان نفس «مبدا الوحدة‏» مبدا اسلامي قرآني عام وضرورة من ضرورات الاسلام، وهو جدير بالبحث الفقهي من حيث‏طبيعته وحقيقته وحدوده وعن تشريعه وفلسفة تشريعه، وجدير بالبحث عن لوازمه ودلالاته وابعاده وآثاره وعن‏مميزات ادلته فقهيا، كما فعل الامام السيد عبدالحسين شرف الدين(قدس‏سره) في كتابيه «الفصول المهمة‏» و«اجوبة‏مسائل جار اللّه»((364)) .

وتدخل محاولتا الامام شرف الدين في كتابيه: «المراجعات‏» و «النص والاجتهاد»((365)) ايضا في نفس الاطار الذي‏حدده له العلا مة شمس الدين،.

وقد تناول العلا مة شرف الدين هذا الحقل الذي برزه واثاره العلا مة شمس الدين في مقاله هذا في ثنايا الكتاب‏التاسيسي لشرف الدين اعني «الفصول المهمة في تاليف الامة‏».

3- دواعي الاهتمام بفقه الوفاق:

بعد ان توسعنا في دائرة البحث التي يعتني بها العلماء في فقه الوفاق وارتاينا الا يتلخص الاهتمام باصل مبدا الوحدة‏وتاصيله فقط، كما ارتاينا الا نقف عند قضية الخلاف في الاصول او الفروع لنبحث عن مدى تاثيرها على الوحدة من‏حيث الحكم الفقهي الذي يقر الخلافات الفقهية ضمن اطار الوحدة‏الاسلامية العامة، ويؤكد التعايش السلمي رغم‏الاختلاف في الفروع والاصول، فاننا نلمس ضرورة الاهتمام بفقه الوفاق من حيث تاثيره على منهج البحث الفقهي عندسائر الفرق الاسلامية ان استطعنا الالمام بكل ما اتفق عليه اهل الاسلام، وجمع كل الاحكام التي اجمعت عليها الامة‏الاسلامية بشتى مذاهبها، اذ تصبح هذه المجموعة هي الاطار الفقهي الذي يجمع الشمل، ويحدد الخطوط الحمراء التي لاتتجاوز من قبل علماء المذاهب الاسلامية.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية