وهكذا يكون فقه الوفاق الاطار الموحد، ويعبر عن الثوابت التي
لا ينبغي تجاوزها والمحكمات التي يعود اليها كلمذهب رغم
تنوع الاتجاهات في استنباط الاحكام واختلافها في المناهج
الخاصة بها، وبذلك يكون فقه الوفاق الضرورةالاولى لتطوير
فقه الخلاف الى مستوى الاتجاه به نحو توحيد الامة والتقارب
بين مذاهبها، لتلتقي في نقاط ومحاورجديدة تحتاجها في
مسيرتها التكاملية التي تفرضها عليها ضرورات الحياة والتي
بشر بها قرآن ربها حين قال:(هوالذي ا رسل رسوله بالهدى
ودين الحق ليظهره على الدين كله)((366)).
4 تاريخ تاسيس فقه الوفاق:
لقد اسس القرآن «مبدا التفقه في الدين»، وينبغي الا ننغلق
على انفسنا في فهم مصطلح «التفقه» و«الفقه»، حيث
يشاءالبعض ان يحصره بالبحوث الفقهية الاستدلالية المتعارفة
لدى الفقهاء، ولاسيما حين تحدد مرحلة هذا الفقه في
تاريخالتشريع الاسلامي الامامي بمرحلة غيبة الامام
المهدي(ع)، حيث تتزامن اواخر مرحلة الفقه الروائي او الفقه
الماثور معبدايات مرحلة الفقه الاجتهادي((367)).
وقد سار النبي(ص) واهل بيت الرسالة في طريق فتح باب
التفقه في الدين بشكله الصحيح، وتعميق هذا المبداوتبيين
معالمه وفتح آفاقه وابعاده،وايجاد تيار فكري قوي وثلة مثقفة
بثقافة الكتاب والسنة تحمل مشعل الهدايةالربانية على مدى
القرون والاجيال، وتلتزم بمنهج صحيح لهذا التفقه، وتقوم بسد
الحاجات الحقيقية المستجدة في كلعصر.
واوامر القرآن الكريم المتظافرة بالاعتصام بحبل اللّه جميعا،
واتحاد آحاد الامة على التمسك به وعدم التفرق
والتشرذموالتنازع، هي الرصيد الاول لمبدا الوحدة الاسلامية
ولفقه الوفاق بمعناه الواسع الذي بيناه، بدءا بضرورة
التماسكوالتعاضد والتكاتف وصيرورة المسلمين يدا واحدة
في كل الظروف والحالات، وانتهاء بحرمة التفرق وشق
عصاالمسلمين.
5-
فقه الوفاق في السيرة والسنة النبوية الشريفة:
وجاءت سيرة النبي الاعظم(ص) واهل بيته الاطهار
وخطاباتهم للامة لتؤكد هذا المبدا الذي وحد القبائل
المتنازعةوالشعوب المتفرقة في ثقافاتها واتجاهاتها في عصر
النبي(ص)، كما قال تعالى: (ان هذه امتكم امة واحدة
واناربكمفاع بدون)((368)).
وحين عين النبي(ص) للمسلمين طريق الوحدة وبين لهم
الضمانات اللازمة من خلال احاديث الثقلين
المتعددةبقوله(ص): «اني تارك فيكم ما ان تمسكتم بهما لن
تضلوا: كتاب اللّه، وعترتي اهل بيتي»((369))، لم يكتف
اهلالبيت(ع) بالنصح والارشاد، بل جسدوا هذا المبدا بكل دقة
وامانة حتى حين انتزعت منهم الامامة السياسية غصباوعدوانا
عليهم وابعادا لهم مما آثرهم اللّه به.
لقد طرح اهل البيت(ع) مبدا الوحدة الاسلامية بكل قوة، شعارا
وشعورا وسلوكا مميزا، واصلوه وعمقوه بسيرتهمرغم كل
الانحرافات التي طالت الامة، ورغم كل الاقصاءات التي حصلت
لهم من قبل الحكام اعداء الاسلام واعداء الامةالذين لبسوا
لبوس الاسلام وراحوا يتبجحون بالوحدة وخوف الفتنة
حينعدوا على آل بيت الرسول وشردوهمومزقوهم شر تمزيق.
وقد جعل الرسول(ص) امامتهم للامة امانا من الفرقة ومحورا
مهما من محاور الوحدة التييلتقي عليها كل المسلمين.
فالكتاب والسنة هما الرصيد الاول لهذا المبدا، وهما اللذان
طرحا فقه الوفاق كمفهوم وكمبدا اساس في حياة
الامةالاسلامية، ونظرا له خير تنظير، وقد تناساه الحكام
وتغافلوا عنه واستعملوه بشكل يحقق لهم مصالحهم حين
انحرفواعن الصواب.
6-
فقه الوفاق في سيرة اهل البيت(ع):
ورغم المحاولات المبذولة لابعاد الامة عن اهل البيت(ع)
الذين جعلهم النبي(ص) محور الوحدة الحقيقيةوالمطلوبة في
مقاييس الرسالة الاسلامية فان اهل البيت(ع) لم ينفصلوا عن
الامة، بل حاولوا الاحتفاظ بحضورهمالفاعل في الساحة
وتواجدهم بين جمهور الامة وعلى اصعدة شتى ومستويات
مختلفة، سواء على مستوى توجيهالنخبة وقيادتها فكريا وثقافيا
ودينيا، وسواء على مستوى التعامل المبدئي مع الحكام من
خلال النصح والارشاد وعدماعطاء فرص للاحتواء والذوبان في
جهاز الحاكمين وركبهم، وسواء على مستوى الجماهير الذين
يبحثون عن قدوةعملية ونماذج رسالية تروي عطشهم وتسد
حاجاتهم العاطفية والسلوكية.. وهم في كل الظروف ورغم كل
الخلافاتالتي حصلت من خلال ابعاد الحكام المنحرفين للامة
عن مصادر الرسالة وينابيعها السليمة من كل غبش
وغشوتشويش، فانهم هم الذين جسدوا مبدا الوفاق والوحدة
بشكل رائع لا مثيل له، مؤثرين طاعة اللّه ورضاه المتمثل
فيتحقيق وحدة الامة حتى على حقوقهم الخاصة بهم، وهم
بذلك قد بلوروا فقه الوفاق بعلى درجاته واسمى مثله
وانواعه،ليرتقوا بالامة من الحضيض الى القمة، ومن ردى
الشقاق والتمزق الى هدي الوحدة والاتفاق
والتلفوالوئام((370)).
7-
فقه الوفاق في مدرسة اهل البيت(ع):
وقد سار علماء مدرستهم(ع) على منوالهم ونهجهم، فسلكوا
مسلكهم وكتبوا فقه الخلاف من منطلق توحيد الامةوتقريبها
نحو الاهداف الرسالية المنظورة لها، كما نجد ذلك واضحا فيما
الفه رواد الفقه الاسلامي في نهايات القرنالرابع ومطلع القرن
الخامس الهجريين كالشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ
الطوسي(رحمهماللّه) ومن حذاحذوهم من فقهاء هذه المدرسة
المباركة((371)).
بيد ان الامام السيد عبدالحسين شرف الدين(قدسسره) الذي
عاش عصر الاستعمار ومحاولاته لتمزيق الامةالاسلامية تحت
شعار التحضر والتقدم العلمي والتقني قد اتقن خطته في لم
شمل المسلمين وتوحيد امة محمد(ص)توحيدا ينطلق من
اسس علمية نظرية قرآنية ونبوية، وسد في كتاباته معظم انواع
الخلل والضعف المحتمل، واتم الحجةعلى ارباب المذاهب من
خلال مصادرهم ومراجعهم، ولم يكتف بنصوص الكتاب والسنة
بل اردفها بفتاوى علمائهم كيمايسد طريق التاويل والتوجيه
الذي هو اعتى سلاح عند النخبة ان ارادت الخروج على
الاصول والمبادئ والقيم لا سمحاللّه برداء وزي علمي
طبعا((372)).
8
-
مميزات منهج شرف الدين:
وهكذا يكون الامام شرف الدين قدوة للعلماء في تاسيسه لفقه
الوفاق في اول مؤلفاته التقريبية: «الفصول المهمة فيتاليف
الامة»((373))، وقدوة لهم في منهجه الوحدوي الذي سلكه
في فقه الخلاف في جملة من مؤلفاته التي سميتباسماء شتى
مثل: «مسائل خلافية» او «مسائل فقهية»، ومثل «النص
والاجتهاد» الذي بحث فيه اعمق المسائل الخلافيةبنفس
وحدوي تقريبي يحاول فيه بيان جذور الاختلاف واسبابه
العميقة((374)).
وقد استطاع الامام شرف الدين بمنهجه العلمي واصالته
وعمقه ان يتسلقالى مستوى ريادة هذا الخط الوحدوي
الذيتبعه فيه جملة من علماء المذاهب، سواء في الازهر
الشريف او حضارة النجف العلمية او حواضر ايران
الاسلامية،حيث تجسدت ريادته لمن تلاه ممن كتب في فقه
الوفاق وفقه الخلاف، امثال: الشيخ محمد حسين
كاشفالغطاء((375))، والشيخ محمد رضا المظفر، والشيخ
عبدالحسين الاميني((376))، والسيد محمد
تقيالحكيم((377))، والسيد مرتضى العسكري((378))،
والشيخ اسد حيدر((379))، والسيد الشهيد محمد باقر
الصدر،والامام السيد حسين البروجردي، والشيخ محمد تقي
القمي، واقرانهم من علماء الازهر الشريف((380)).
حتى بزغ نجم الامام روح اللّه الموسوي الخميني(قدسسره)،
حيث سار على المنهج نفسه، ولم يتجاوز الاصول ولاالفروع
التي آمن بها، ولكنه اصبح آية من آيات الوحدة وتجسيدا
حقيقيا لمبدا توحيد المسلمين ضد اعدائهم.
9-
منهج الامام شرف الدين (الخط العام):
وحين استهدف الامام شرف الدين تثبيت مبدا الوحدة
الاسلامية واقراره كواقع في الحياة الاجتماعية
والسياسيةللمسلمين، انطلق من مقدمات مقبولة لدى
الفريقين، ليتم الاقناع واتمام الحجة المقبولة لدى كل فريق.
وهذا هو المنهج الذي اتبعه في حواره مع الشيخ سليم البشري
في كتابه القيم: «المراجعات»، وقد انتهى فيه الى نتائجباهرة
حيث تم الاقناع، وهو يتم لعامة من يقرا هذا الكتاب عادة.
ويكفيك ما دونه احد المستبصرين في
كتابه«المتحولون»((381)) الذي اورد فيه ارقاما حقيقية عن
الذين كتبوا عن اسباب استبصارهم وعن منهجهم في
ذلك،ويتبين من خلاله دور كتاب «المراجعات» في تحقيق
عملية الاستبصار، او التحول الثقافي للنخبة والنتائج
المحمودةلمنهج شرف الدين فانه يثير لكل باحث اسئلة
حقيقية لا تتركه حتى يصل الى مرفا اليقين وشاطئ
الاطمئنان. ويبلغساحل النجاة من الشكوكوالاثارات
وتراكمات الماضي السحيق.
هذا هو المنهج العام الذي يتضمن بدوره مجموعة من
الخطوات العلمية التي تحقق القناعة اللازمة لكل منصف،
وقدسار على ذلك الامام شرف الدين بشكل علمي واضح لم
ينحرف في منهجه رغم وعورة الطريق.
وقد كتب العلا مة شمس الدين عن منهج الامام شرف الدين ما
هذا نصه:
«ونلاحظ ان الامام شرف الدين قد التزم بهذا النهج التزاما
صارما فيما وصل الينا من ابحاثه في فقه الخلاف وفي
فقهالوفاق.
ففي فقه الخلاف في كتاب «مسائل فقهية»((382)) وفي
رسالته المخطوطة عن السجود على التربة الحسينية نلاحظ
انهقد استند في تقرير راي مذهب الامامية الى مسلمات الكتاب
والسنة المقررة في فقه المذاهب الاخرى، ولم يذكر ادلةمذهب
الامامية الا قليلا وعلى نحو الاشارة العابرة، بحيث لولا هذه
الاشارات القليلة لحسب القارئ الذي لا يعرفالمذهب الفقهي
للامام شرف الدين انه فقيه من فقهاء المذاهب غير الامامية
يناقش آراء فقيه لغيرالامامية»((383)).
وهذا عنصر مهم جدا قلما يستطيع الباحث المعتقد براي خاص
وبمدرسة معينة ان يتخلى عن رايه حين مناقشةالاخرين بكل
موضوعية، وكانه صاحب نفس المدرسة التي ينطلق منها
للمناقشة، وهذا ان دل على شيء فانما يدل علىقدرته الفائقة
على التجرد والتخلي عن آرائه الخاصة، والتجرد التام من كل
خلفية مذهبية للوصول الى اقصى درجاتالموضوعية.
واما منهجه في فقه الوفاق الذي يهدف الى العبور من حالة
القطيعة والشتات الى التواصل والتفاعل والتكامل والوحدةعلى
اساس الاختيار والقناعة لا الضرورة والالجاء، فلابد من اعتماد
الحوار على الحجة المشتركة بينالطرفين، فانه قدابدع فيه
ايضا ضمن التزامه بالمنهج العلمي الموضوعي التزاما صارما.
ونقاط الابداع تتضح من خلال متابعة الفصول التي عنونها
وبحث عنها والتي تبلغ اثني عشر فصلا بعد اعادتهالنظر
فيما الفه ونشره في الطبعة الاولى.
10-
منهج شرف الدين في «الفصول المهمة»:
ويمكن عرض منهجه الذي اشرنا الى الخط العام فيه بما يلي:
1-
التاسيس لمقولة فقه الوفاق ضمن فصول خمسة.
الاول: عرض فيه الاساس العقيدي للوحدة.
الثاني والثالث: عرض فيهما الاساس الفقهي للوحدة على
مباني المذاهب المختلفة.
الرابع: عرض فيه الاساس الفقهي للوحدة عند الامامية.
الخامس: عرض فيه بعض صحاح اهل السنة الحاكمة بنجاة
الموحدين وموقف نصوص اهل البيت(ع) منها، وكيفيةالجمع
بين المطلقات الحاكمة بالنجاة والنصوص التي تشترط ولاية
اهل البيت(ع).
2-
وضمن فصلين آخرين انتقل من الاساس العقيدي والفقهي
النظري الى التطبيق الفقهي والعملي لفقهاء
المذاهبالاسلامية، وهو يهدف الى رفع ما قد يعلق ببال احد
من الهنات وسوء الظن بالاخرين.
3-
وفي الفصل الثامن استشهد بتاريخ السلف ممن تاولوا في
عشرات الوقائع فخالفوا الجمهور، ولم يقدح ذلك
عندالمسلمين في اسلامهم وحرمتهم، بالرغم من ان بعض
هذه الوقائع التي تاولوا فيها قد زجت بالمسلمين عامة
فياوضاع شديدة الخطورة وبالغة الصعوبة وكانت ذات ثمن
باهض جدا.
ثم ناقش فتاوى التكفير وابطلها.
4-
وفي الفصول الثلاثة الاخيرة اتجه الى عوامل الفرقة
واسبابها((384))، ولم يقنع ببيان الحكم وادلته ومبانيه،
لانالاسباب مادامت غير معروفة فان الداء سوف يبقى مستمرا
رغم المحاولات العلمية (الفقهية والاخلاقية) التي يقوم
بهاالعلماء، وقد كان لزاما على العالم ان يكون رائدا وطبيبا
معالجا للامراض النفسية والثقافية التي تنتاب الامة.
ومن هنا ركز على دور الكذابين ودور بعض الكتاب في التفرقة،
والاسباب التي تبعد الشيعي عن السني والسني عنالشيعي
بكشف المنفرات من الطرفين تجاه الاخر. وبذلك يكون منهجه
في المعالجة العلمية منهجا فريدا وتاسيسا رائعاقلما نجد نظيرا
له عند الفقهاء، وهو اشبه بالمنهج الذي اتبعه اهل بيت الرسالة
مستلهما من القرآن الكريم في كيفيةمعالجة الامراض
الاجتماعية والنفسية والاخلاقية بالاهتمام باسبابها وعللها،
وتوظيف التجارب التاريخية لدراستهاوالاعتبار بها والانطلاق
من الواقع باتجاه ما ينبغي وقوعه وتحققه.
11-
الاطروحة الفقهية والقضية السياسية:
وممن سار على منهج الامام شرف الدين وطرحه بشكل ايجابي
واستثمره لقضايا عصرنا هو سماحة العلا مة الشيخمحمد مهدي
شمس الدين، بقوله: «نقل الامام شرف الدين اطروحته الفقهية
الى صميم القضية السياسية للمسلمين فيالعصر الحاضر.. وهو
بذلك يعالج قضية نعيشها الان على مستوى الامة الاسلامية
في جميع شعوبهاودولها»
((385)).
وهذه القضية هي المشكلة الخطيرة التي تعيشها الامة بسبب
النزعةالتكفيرية التي تعلنها بعض الحركات الاسلاميةضد كل
من لا يحمل عقيدتها السياسية او نزعة القطيعة مع المخالفين
وانكار ولاية المؤمنين فيما بينهم عند بعضالحركات
الاسلامية الاخرى.
ومن هنا ينبغي الاهتمام بفقه الوفاق للاسباب التالية:
1-
لضرورة بلورة العلاقات بين اتباع المذاهب الكلامية
والفقهية، وترشيدها على اساس العلم الفقهي لا
الاوهامالفقهية.
2-
كما ان فقه الوفاق ضرورة لبلورة العلاقة بين الحركات
الاسلامية فيما بينها من جهة، وفيما بينها وبين
الامةوالمجتمع وترشيدها من جهة اخرى.
3-
ان انبعاث الاسلام من جديد في عصرنا الحاضر كان مصدر
رجاء للامة الاسلامية في ان تعود الى اصالتهاوتستعيد هويتها
وتحقق وحدتها في مواجهة قوى الاستعمار التي استبدت بها.
ولكن هذا التطور الخطير من الحركات الاسلامية وما تواجهه
الحركات في ذاتها وما تنتهجه في كثير من تنظيماتهالاسلوب
التكفير على المستوى الفكري والنظري والعنف المسلح على
المستوى العملي بما هو نتيجة للموقف الفقهيمن الاخرين،
هذا التطور يوشك ان يزج الامة في مشكلة جديدة تهدد قدرتها
على الصمود امام تحديات الخارج الثقافيةوالحضارية
والعسكرية والاقتصادية والسياسية.
وهذا الواقع يستدعي من فقهاء الامة احياء هذا الحقل الفقهي
الهام في الفقه السياسي التنظيميالاسلامي((386)).
وهكذا يحتفظ الامام شرف الدين بريادته للفقهاء في هذا الحقل
المهم والذي تميز فيه بما يلي:
1-
بالاستقصاء الكافي لاراء ارباب المذاهب.
2-
والتوجه الى تاريخهم وتاريخ المسلمين.
3-
الرصد الجيد للادلة القرآنية والنصوص النبوية وما تلاها من
نصوص اهل البيت(ع).
12-
على خطى المنهج الوحدوي للامام شرف الدين:
ان تعميق فقه الوفاق وربطه بالموقف السياسي الاسلامي
يتطلب من المصلحين والدعاة الى نهضة الامة
واحيائهاالمشاركة الجادة والميدانية في حقلي التنظير والعمل
بشكل فردي ومؤسساتي وبكل ما اوتوا من حول وقوة
وقدرةعلى الابداع والاعمار.. وقد احدثت مواقف الامام شرف
الدين وكتبه تيارا نهضويا في هذا الاتجاه تبلورت من
خلالهشخصيات وحدوية فذة، كالشيخ محمد رضا المظفر،
والسيد محمد تقي الحكيم، والشيخ اسد حيدر، والسيد
الشهيدمحمد باقر الصدر، والسيد مرتضى العسكري، والشيخ
محمد جواد مغنية، والسيد موسى الصدر، وغيرهم.
على اننا قد افردنا مقالا مستقلا لاستشراف هذا الدور التكميلي
لعلنا نوفق لنشره في فرصة اخرى، ان شاء اللّهتعالى.
فقه الخلاف عند العلا مة شرف الدين
فدك نموذجا
الشيخ محمد الزروندي
قبل البحث نشير الى جملة امور ينبغي التنبيه عليها:
اولا تشكل آراء السيد شرف الدين(قدسسره) في كتاب
«النص والاجتهاد» محور البحث في هذا المقال، وقداستفدنا
ايضا من كتبه الاخرى في هذا المجال.
ثانيا حاولنا في هذا المقال قدر الامكان الاستناد الى كتب
جمهور المسلمين وتوثيق المعلومات منها.
ثالثا بالرغم من الافادة من مصادر التاريخ، الا ان الاطار العام
للمقال واهدافه الاساسية تبقى فقهية محضة.
وبيانا لاهمية البحث وايضاحا لطبيعته وسياقه الفقهي نشير
الى جملة من الاسئلة الفقهية التي حاول المقال
معالجتهاوالاجابة عليها:
1 هل تعتبر فدك ملكا شخصيا للنبي(ص) او لا؟
2 لو لم تكن ملكا شخصيا له(ص)، فما هو العنوان الذي
تنضوي تحته عناوين الاموال العامة كالانفال والفيءوغنائم دار
الحرب وخمس الغنائم او انها ملك عام للمسلمين؟ وعلى كل
حال، فهل للنبي(ص) الحق في هبتهاواعطائها للغير او لا؟
3 ما هي الادلة الدالة على اعتبار فدك نحلة؟
4 ما هو العنوان الفقهي المنطبق على فدك من بين العناوين
التالية: النحلة، العطية، التمليك، الاقطاع، الهبة؟
5 يعتبر القبض شرطا من شروط التمليك في الهبة، فهل
يشترط ذلك ايضا في فدك؟
6 لقد طالب الخليفة الاول باعتباره مدعيا فاطمة(ع)
بالبينة، ومن هنا نسال:
ا هل ان مطالبتها(ع) باقامة البينة تامة من الناحية الفقهية او
لا؟
ب هل ان البينة التي اقامتها(ع) كانت معتبرة وتامة او لا؟
ج بناء على عدم اعتبار بينتها(ع)، فهل للخليفة الحكم بصحة
ادعائها او لا؟
7 لماذا لم يسترجع امير المؤمنين(ع) فدكا في خلافته؟
هذه هي بعض المحاور والاسئلة التي عالجها المقال بشيء من
التفصيل او الاختصار احيانا.
فدك جغرافيا وتاريخيا:
لم يتعرض السيد شرف الدين(قدسسره) الى تحديد فدك
جغرافيا، الا ان غيره من الباحثين والمؤرخين اسهبوا فيبيان
ذلك، ومن الامور التي بحثوها تحديد المسافة بينها وبين
المدينة ، حيث توجد عدة آراء في تحديد ذلك، قال
ياقوتالحموي وغيره: «قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان،
وقيل ثلاثة»((387)).
وحددها غيره بمسيرة ست ليال، ومنهم السمهودي، حيث ذكر
انها قرية بالقرب من خيبر، بينها وبين المدينة
ستليال((388)).
وقد ذكروا في وجه تسميتها بذلك ان اول من نزلها هو «فدك
بن حام»، فسميت بذلك((389)).
كما ذكروا في تاريخ فدك انها كانت منزلا لقبيلة بني مرة من
قبائل غطفان، وان ام النعمان بن المنذر ملك الحيرةكانت من
فدك((390)).
واما من حيث الاثار التاريخية القديمة فيها فقد ذكروا ان قلعة
«الشمروخ»، وهي قلعة قديمة ومشهورة ومن الحصونايضا
كانت في فدك((391)).
وكانت فدك الى ما يقرب من القرن الثالث الهجري في طريق
الحاج من المدينة الى مكة وبالعكس، وكانت منزلالاستراحة
الحجاج، وتعرف اليوم ب «الحائط» ومن توابع امارة «الحائل»،
وهي الى الغرب من منطقة «الحليفة» جنوبي«ضرغد»، وتحديدا
في الحدود الشرقية لخيبر.
وقد ذكر بعض الباحثين انها كانت الى سنة (1975م) تشتمل
على (21) قرية، وعدد سكانها (11000) نسمة، وسكان«الحائط»
لا يتجاوز عددهم (1400) نسمة فقط((392)).
فدك اقتصاديا:
ذكر الباحثون امورا كثيرة فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي
لفدك، فقد روى المحدث القمي عن الشيخ عبداللّه بن
حمادالانصاري ان خراج فدك كان يعادل (24) الف دينار، وفي
نقل آخر انه يعادل (70) الف دينار((393)).
وذكر الحلبي في السيرة ان ابا بكر قد هم بارجاع فدك الى
السيدة فاطمة(ع)، ولكن عمر صرفه عن ذلك وقال له:
انكستحتاج اليها في حربك مع مشركي العرب فيما لو حاربوا
الاسلام((394)).
وكتب ابن ابي الحديد في الجانب الاقتصادي لفدك واهميته
قائلا:
«قلت لمتكلم من متكلمي الامامية يعرف بعلي بن تقي من
بلدة النيل: وهلكان فدك الا نخلا يسيرا وعقارا ليس
بذلكالخطير! فقال لي: ليس الامر كذلك، بل كانت جليلة،
وكان فيها من النخل نحو ما بالكوفة الان منالنخل»((395)).
وذكر الواقدي كما نقل عنه ابن ابي الحديد ان الخليفة
الثاني قد دفع خمسين الف درهم من اموال العراق لشراءنصف
فدك الذي كان بيد اليهود((396)).
وقد نقل الطريحي رواية في ذيل مادة «فدك» تدل على سعة
فدك، مما ينبئ عن اهميتها الاقتصادية البالغة، حيث ذكران
احد حدودها احد، والاخر العريش((397)) في مصر، والثالث
سيف البحر اي ساحل البحر الاحمر او بحر الخزر آوالحد
((399)) الرابع دومة الجندل((398))
ومن جميع ما تقدم تظهر اهمية المكانة التاريخية والاقتصادية
لفدك.
اقسام اموال النبي(ص):
قبل الدخول في البحث ينبغي اثبات ان فدكا تدخل تحت اي
قسم من اقسام اموال النبي(ص)، وذلك لان الاموال التيكانت
تجلب من الكفار وتصير بيده(ص) على انواع، بحيث ان الحكم
بجواز اعطائها وهبتها يختلف باختلاف هذهالانواع، فبعض
الاموال يعتبر ملكا عاما للمسلمين، كالاراضي المفتوحة عنوة
وكذلك غنائم دار الحرب، فمثل هذهالاموال هي للمسلمين
عموما من ناحية فقهية، واما غنائم دار الحرب فهي تقسم بين
المقاتلين.
ومعلوم ان للنبي(ص) ان يتملك اضافة الى حقه في الخمس
صفايا الملوك من غنائم دار الحرب، كالفرس والسيفوالاشياء
الثمينة والاسرى، ثم يوظفها في مصالح المسلمين العامة.
وهذا الحكم مورد اتفاق بين الفريقين، وان كانت ثمة فوارق في
بعضالخصوصيات والشروط.
وقد ذكرت كتب التاريخ موارد عديدة من الصفايا والقطائع
التي اصطفاها او اقتطعها الرسول(ص) لنفسه او لغيره،وقد
اكتفينا بالاشارة الى مصادرها في الهامش خوف
الاطالة((400)).
الصنف الثاني من الاموال هي التي تقع في يد النبي(ص) من
الكفار، وتسمى «الانفال»، وقد يصطلح عليها بعض
فقهاءالجمهور «بالفيء».
ولا خلاف بين فقهاء الفريقين في حكم الانفال او الفيء، وان
كان ثمة اختلاف في موارد الانفال وعددها وبعضالخصوصيات
الاخرى((401))، فالشيعة مثلا ترى استنادا للايات والروايات
المتواترة ان الانفال هي للنبي(ص)ثم للامام(ع) من بعده ثم
للفقيه كمنصب. ومن هذه الايات:
1 قوله تعالى: (يسالونك عن الانفال قل الانفال للّه
والرسول)((402)).
2 قوله تعالى: (ما افاء اللّه على رسوله من اهل القرى فلله
وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين
وابنالسبيل)((403)).
وعلى كل حال، فان الانفال هي من مادة «نفل» بمعنى الزيادة
والعفو والغنيمة الحربية((404))، والفيء بمعنى
الغنيمةوالخراج، ولذا يصطلح فقهاء الجمهور على ما يؤخذ من
الكفار بلا حرب «الفيء»، فقد ورد في الموسوعة الكويتية
انهاختلف في معنى الانفال اصطلاحا على خمسة اقوال، قال:
«الثاني: الفيء، وهي الرواية الاخرى عن كل من ابن عباس
وعطاء، وهو ما يصل الى المسلمين من اموال المشركينبغير
قتال، فذلك للنبي(ص) يضعه حيث يشاء»((405)).
وثمة بحث مفصل في تحديد المفهوم اللغوي والاصطلاحي
للانفال والفيء.
والمهم في بحثنا عد فدك بحسب الفقه الامامي من الانفال،
وفي فقهالجمهور من مصاديق الفيء، وعليه فاننا لو تنزلنالقلنا
انها من غنائم الحرب التي اصطفاها النبي(ص) لنفسه لمصلحة
معينة، وهذا ما يؤيده الكثير من شواهدالفريقين((406)).
وعلى جميع الصور الثلاث، فان ملكيتها تعود الى رسول
اللّه(ص) يتصرف فيها وفقا للمصلحة التي يراها.
وحاصل البحث في هذه النقطة بناء على مباني الفريقين هو
ملكية فدك لرسول اللّه(ص) وحقه في نحلتها للغير.
كيفية الاستيلاء على فدك:
يرى الفقهاء والمؤرخون ان ارض فدك تم الاستيلاء عليها من
قبل المسلمين من غير حرب، ومن هؤلاء: العلا مة السيدشرف
الدين(قدسسره) من الامامية((407))، والواقدي الذي كتب
يقول ما ملخصه: ان النبي(ص) توجه في السنةالسابعة للهجرة
الى خيبر وكانت آنذاك موئلا لليهود ومقرا لخططهم على
الاسلام، وكان قد بلغ رسول اللّه(ص) ان منبفدك يقصد
مساعدة اهالي خيبر في حربهم مع المسلمين، فجهز من
اصحابه (1400) مقاتل في محرم او جمادى الاولىالى خيبر،
فباغتهم المسلمون وفتحوا ست قلاع، وكان فتح القلعة السابعة
التي كان فيها مقتل مرحب على يد الامامعلي(ع)((408)).
وبعد فتح قلاع خيبر تناهى الخبر الى اهالي فدك، فدخلهم
الخوف وكانوا يريدون قبل ذلك مساعدة من كان في
قلعةخيبر، فقاموا بتسليم فدك سلما الى المسلمين، وبعثوا
عنهم رجلا الى رسول اللّه(ص) يطلب منه ان يعاملهم
كماعامل اهل خيبر، فقبل النبي(ص) ذلك على ان يدفعوا
نصف خراجها له(ص)((409)). وقد روت كتب التاريخوالسيرة
هذه الواقعة((410)) مع بعض التغييرات الطفيفة((411)).
دعوى انحال النبي(ص) فدكا:
ذكر العلا مة السيد شرف الدين(قدسسره) عدة امور فيما
يرتبط بنحلة النبي(ص) فدكا لابنته
فاطمة(ع)،قال(قدسسره): «لما انزل اللّه عزوجل عليه:
(وآت ذا القربى حقه)((412)) انحل فاطمة فدكا، فكانت في
يدهاحتى انتزعت منها لبيت المال. هذا ما ادعته الزهراء بعد
رسول اللّه(ص) واوقفت في سبيله موقف المحاكمة
باجماعالامة»((413)).
ويمكن القول: بان انحال النبي(ص) فدكا لفاطمة(ع) هو من
المسلمات التاريخية المستغنية عن اقامة الدليل، ولكنمع
ذلك نشير الى بعض النماذج، فقد استدل العلا مة السيد شرف
الدين(قدسسره) بعد ان تعرض الى ان من كانفي فدك
تصالحوا على دفع نصف خراجها لرسول اللّه(ص) بجملة من
الادلة على ذلك، نورد بعضها:
الدليل الاول: الاستدلال بية القربى، وهي قوله تعالى: (وآت ذا
القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذرتبذيرا).
وقد ذكر المفسرون من الفريقين((414)) بحوثا عديدة في
ذيل هذه الاية يدل معظمها على ان مورد نزول الاية هواداء
حقوق اهل البيت(ع) ومنهم السيدة فاطمة(ع)، وعلى هذا
الاساس فقد نحل النبي(ص) فدكا لفاطمة(ع).
وذكر الشيخ الطريحي، ان مفاد الاية هو الامر بانحال
فاطمة(ع) فدكا، وكانت بيدها الى وفاة النبي(ص) ثم
اخذتمنها قهرا((415)).
وفي تفسير الدر المنثور نقلا عن ابن عباس قال: «لما نزلت
(وآت ذا القربى حقه) اقطع رسول اللّه(ص)
فاطمةفدكا»((416)).
وورد هذا المضمون بعينه في صحيح مسلم عن ابن عباس،
حيث ذكر انه لما نزل قوله تعالى (وآت ذا القربى
حقه)اقطع((417)) رسول اللّه(ص) فاطمة(ع) فدكا((418)).
ويؤيد هذا المطلب وروده في كثير من المصادر الاخرى، منها:
مسند ابي يعلى((419))، وتفسير روحالمعاني((420))، وحياة
الصحابة((421))، وشواهد التنزيل((422)).
وقد نقل العلا مة المجلسي، عن مجمع الزوائد وكنز العمال
وتاريخ الطبري والعقد الفريد وتاريخ ابي الفداء وارشادالساري
واعلام النساء وشواهد التنزيل ان هذه الاية نزلت في انحال
فدك((423)).
الدليل الثاني الذي استدل به العلا مة شرف الدين لاثبات
انحال النبي(ص) فدكا: هو ما ورد في الكتاب رقم (45)
مننهج البلاغة والذي كتبه الامام امير المؤمنين(ع) الى واليه
على البصرة عثمان بن حنيف الذي تضمن جوانب
اخلاقيةوسياسية وعقائدية بعد ان بلغه(ع) استجابة واليه على
البصرة لدعوة بعض التجار وجلوسه على مائدة تستطاب
فيهاالاطعمة، فكتب له الامام(ع) فيما ينبغي ان تكون عليه
سيرة الولاة، وذكر حقيقة الدنيا وضرورة العيش البسيط
سيمالامام الرعية، قال(ع):
«بلى، كانت في ايدينا فدك من كل ما اظلته السماء، فشحت
عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس قوم آخرين، ونعمالحكم
اللّه، وما اصنع بفدك وغير فدك، والنفس مظانها في غد جدث،
تنقطع في ظلمته آثارها»((424)).
الدليل الثالث: ما نقله العلا مة السيد شرف الدين(قدسسره)
عن تفسير مجمع البيان من ان المامون الخليفة العباسيارجع
فدكا الى اولاد فاطمة(ع)((425)).
ومن الواضح جدا انه لو لم تكن فدك لفاطمة وعلي(ع) لما قام
المامون بارجاعها الى اولاد علي وفاطمة، مع حرصهعلى مثل
هذه الثروة المالية وعدائه لبني هاشم. وعلى كل حال فقد
كتب الطبرسي قائلا:
«قال عبد الرحمان بن صالح: كتب المامون الى عبد اللّه بن
موسى يساله عن قصة فدك، فكتب اليه عبد اللّه بهذاالحديث،
رواه الفضيل بن مرزوق عنعطية، فرد المامون فدكا الى ولد
فاطمة(ع)»((426)).
وقد قام بارجاعها ايضا مضافا الى المامون العباسي كل من
عمر بن عبد العزيز وابي العباس السفاح والمهديالعباسي.
وسيمر تفصيل ذلك علينا في البحث التاريخي لفدك.
الدليل الرابع: ما ذكره العلا مة السيد شرف الدين((427))، وهو
عبارة عما ذكره ابن حجر الهيثمي من ان فاطمة(ع)اقامت
بينة على ان النبي(ص) نحلها فدكا، اولهما علي والاخر ام
ايمن((428)).
ثم يقول ابن حجر خلافا للموازين الفقهية والعلمية : ان
هؤلاء الشهود لم يبلغوا حد النصاب((429)).
ولا شك في توجه الاشكال الى مثل هذا الكلام من عدة جهات،
وقد اجاب عنها ابن حجر باجوبة عديدة سياتي التعرضلها في
بحث الجواب على الشبهات.
اضافة الى ذلك، فان الشواهد التاريخية والروائية تدل على
وجود شهود غير الامام علي(ع) وام ايمن، مثلالحسنين(ع).
الدليل الخامس: ذكر العلا مة شرف الدين بعد سرد الادلة
على انحال النبي(ص) فدكا لابنته فاطمة(ع) وملكيتها لها
طريقا آخر يثبت من خلاله حتى على فرض التنزل وعدم
وجود دليل على ذلك لزوم اعطائها ما ادعته: «فليته
اتقىفشل الزهراء في مواقفها بكل ما لديه من سبل الحكمة، ولو
فعل لكان ذلك احمد في العقبى، وابعد عن مظان الندم،واناى
عن مواقف اللوم، واجمع لشمل الامة، واصلح له بالخصوص.
وقد كان في وسعه ان يربا بوديعة رسول اللّهووحيدته عن
الخيبة، ويحفظها عن ان تنقلب عنه وهي تتعثر باذيالها، وماذا
عليه، اذ احتل محل ابيها، لو سلمها فدكا منغير محاكمة؟!فان
للامام ان يفعل ذلك بولايته العامة، وما قيمة فدك في سبيل
هذه المصلحة ودفع هذهالمفسدة؟!»((430)).
ثم ينقل العلا مة السيد شرف الدين امنية كثير من اتباع
الخليفة الاول لو انه فعل ذلك، ومن اولئك الاستاذ محمود
ابورية المفكر المصري الشهير، حيث كتب يقول: «واليك كلمة
في هذا الموضوع لعيلم المنصورة الاستاذ محمود ابو
ريةالمصري المعاصر، قال: بقي امر لابد ان نقول فيه كلمة
صريحة، ذلك هو موقف ابي بكر من فاطمة رضي اللّه عنها
آبنت رسول اللّه(ص) وما فعل معها في ميراث ابيها، لانا اذا
سلمنا بان خبر الاحاد الظني يخصص الكتاب القطعي،وانه قد
ثبت ان النبي(ص) قد قال: «انه لا يورث»، وانه لا تخصيص في
عموم هذا الخبر، فان ابا بكر كان يسعه انيعطي فاطمة رضي
اللّه عنها بعض تركة ابيها(ص)، كان يخصها بفدك، وهذا من
حقه الذي لا يعارضه فيه احد، اذيجوز للخليفة ان يخص من
يشاء بما شاء. وقد خص هو نفسه الزبير بن العوام ومحمد بن
مسلمة وغيرهما ببعضمتروكات النبي. على ان فدكا هذه التي
منعها ابو بكر لم تلبث ان اقطعها الخليفة عثمان
لمروان»((431)).
واما البحث في صحة حديث الارث او عدم صحته وما يتوجه
عليه من نقوض على فرض صحته من جهة الخليفةالاول
نفسه وابنته عائشة، مثل: مسالة دفنها في دار النبي(ص)، فقد
افردنا لذلك بحثا مستقلا ، وطرحنا الاشكالاتفيه، وعالجناها
في ثلاثة مستويات، واثبتنا فيه ضعف حديث نفي الارث من
الناحية السندية والدلالية.
الدليل السادس: استدل العلا مة السيد شرف الدين على صحة
ادعاء الزهراء(ع) بانها افضل نساء العالمين، كما دلتآية التطهير
على عصمتها، وآية المباهلة على استجابة دعائها، ومع هذه
النعوت والاوصاف فان ادعاءها غني عنالحاجة الى البينة
والاثبات. ثم ينقل ما ورد في فضائلها من طرقالجمهور
ومصادرهم المعتبرة((432)) التي كان يكفيالخليفة احدها
للاخذ بدعوى فاطمة(ع) وتصديقها. ومن هذه النصوص:
1 ما رواه البخاري عن عائشة من ان فاطمة(ع) سيدة نساء
المؤمنين وسيدة نساء اهل الجنة. ورواه بهذا المضمونجماعة،
منهم ابن حجر في الصواعق المحرقة، ومحمد بن سعد في
الجزء الثاني من الطبقات.
2 كلام الفخر الرازي في ذيل آية المباهلة((433)) في تفضيل
سيدة نساء العالمين(ع).
3 اجماع المسلمين على نزول آية التطهير في
فاطمة(ع)((434)).
4 وجوب المودة والمحبة لفاطمة(ع) كجزاء على
الرسالة((435)).
5 اشعار الامام الشافعي التي يقول فيها:
يا اهل بيت رسول اللّه حبكم
فرض من اللّه في القرآن انزله
كفاكم من عظيم القدر انكم
من لم يصل عليكم لا صلاة له
فانه يدل على فضل آل النبي(ص) ومنهم فاطمة(ع)، وان من
لا يصلي عليهم لا تقبل له صلاة.
6 كلام محيي الدين ابن عربي في ان حب اهل البيت(ع)
ومودتهم فرض يتقرب به الى اللّه سبحانه.
7 كلام العلا مة النبهاني الدال على ان النبي(ص) هو صفوة
اللّه، واهل بيته(ع) هم صفوة المسلمين الذين اذهب اللّهعنهم
الرجس وفرض محبتهم.
8 كلام الزمخشري في ذيل آية الابرار((436)) بطريق ابن
عباس، والواحدي في كتاب البسيط، والثعلبي في
التفسيرالكبير، وموفق بن احمد في كتاب الفضائل، الدال على
ان نزول هذه الاية كان في اهل البيت(ع).
وفضائلهم(ع) في مصادر الفريقين جمة غفيرة((437)).
الاشكالات:
يمكن ان تطرح عدة شبهات بناء على ملكية فاطمة(ع) لفدك،
وسوف نطرح بعضها للنقد والمناقشة.
الشبهة الاولى:
ان من ادلة ملكية فاطمة(ع) لفدك آية (وآت ذا القربى
حقه)((438))، وهذه الاية هي من سورة الاسراء، وهيمكية،
في حين ان قضية فدك كانت في السنة السابعة للهجرة، وعليه
فان الروايات في تفسير الاية الدالة على انحالالنبي(ص) فدكا
لفاطمة غير صحيحة((439)).
الجواب: ان هذا الاشكال يبتني على فرضية ان القرآن الذي
بين ايدينا يمثل ترتيب النزول نفسه في زمن رسولاللّه(ص)،
بمعنى انه نزل بسورة الحمد اولا ثم البقرة، وهكذا الايات
بحسب ترتيب نزولها كما نقرؤه الان، مع ان الذيلا شك فيه
وكما هو مقرر في علوم القرآن ان ترتيب النزول يغاير الترتيب
الفعلي، حيث كان رسول اللّه(ص) يغيروينقل مواضع الايات،
وعليه فان بعض الايات المدنية اثبتها في سور مكية وبالعكس.
والشاهد على هذا هو ان سورةالفاتحة ليست هي اول سورة
بحسب الترتيب، كما ان سورة البقرة ليست الثانية، وسورة
الناس ليست الاخيرة.
كما ان ثمة سورا مكية او مدنية والحال ان بعض آياتها ليست
كذلك، فمثلا ورد في نسخة مصحف الازهر:
ان سورة الاعراف مكية الا الاية (163) الى الاية (170) فانها
مدنية، وسورة الانفال مدنية الا الاية (20) الى الاية (26)فانها
مكية، كما ان اول سورة الاسراء مكي الا الاية (26) و(32)
و(33) و(57) و(73) الى الاية(80) فانها مدنية. وورد فيتفسير
مجمع البيان ان سورة الاسراء مكية الا خمس آيات منها، وفي
قول ثماني آيات فانها مدنية، ومنها الاية موردالبحث((440)).
ثانيا: لو سلمنا عدم مدنية هذه الاية كما يذكر علماء علوم
القرآن، فان ثمة روايات كثيرة من الفريقين في انالنبي(ص)
نحل فاطمة(ع) فدكا بعد نزول هذه الاية، الامر الذي يثبت
مدنيتها.
الشبهة الثانية:
ان الاية والروايات في تفسيرها تتحدث عن حق فاطمة(ع) في
فدك، وعليه فلا معنى للتعبير بالنحلة والهبة ما دام
حقالها(ع).
الجواب: ان التعابير الواردة بشان قضية فدك مختلفة،
والمقصود في جميعها شيء واحد هو عبارة عن اعطاء
فدكلفاطمة(ع)، وقد عبرت الروايات عن هذا الاعطاء بعناوين
عديدة:
1 عنوان الاقطاع: قال الامام السجاد(ع): «اقطع رسول اللّه
فاطمة فدكا»((441)). وبهذا المضمون رواية عن
ابنعباس((442)).
2 عنوان الاعطاء: عن الامام الصادق(ع) قال...: «فقال رسول
اللّه(ص): ان ربي امرني ان اعطيكم مما افاء علي، قال:اعطيكم
فدكا»((443)). وبنفس هذا المضمون ما ورد في كتاب
المامون العباسي((444)) كما في شرح نهجالبلاغة((445)).
3 عنوان التمليك: قال رسول اللّه(ص)...: «هذه فدك... فقد
جعلها لك كما امرني اللّه تعالى به،
فخذيهالكولولديك»((446)). وقد ورد هذا المضمون ايضا في
نصوص اخرى((447)).
4 عنوان النحلة: قال علي(ع) في كتاب له لابي بكر: «اقتسموا
مواريث الطاهرات، واحتقبوا ثقل الاوزار بغصبهم نحلةالنبي
المختار»((448)).
وقالت سيدة نساء العالمين(ع): «هذا ابن ابي قحافة يبتزني
نحلة ابي»((449)).
5 عنوان الدفع: قال رسول اللّه(ص): «يا فاطمة، ان اللّه امرني
ان ادفع اليك فدكا»((450)).
6 عنوان الصدقة: قالت فاطمة(ع): «سهمنا بخيبر، وصدقتنا
فدك»((451)) وقد ورد هذا المعنى والمضمون في
كتابالمامون العباسي ايضا((452)).
7 عنوان الهبة: قالت فاطمة(ع): «ان فدكا وهبها لي رسول
اللّه»((453)).
وعلى كل حال، فان ما طالبت به الزهراء لا يقتصر على فدك
فحسب، بل يشمل ارث النبي(ص)، مثل بيته واثاثهولباسه
وموقوفاته التي كانت لفاطمة وعلي(ع) الولاية عليها، وكذلك
سهم ذي القربى في غنائم حربخيبر((454)). وعليه، فان
التعبير بالارث او الهبة كليهما صحيح. ويمكن ان يكون ما
ذكرته(ع) في خطبتها فيالمسجد لا ربط له بقضية فدك.
الشبهة الثالثة:
ان الموهوب لا ينتقل من ملك الواهب بحسب فقه الفريقين
الا بقبض الموهوب له، وعليه فان فدكا لم تنتقل الىفاطمة(ع)
ولم تملكها، ويكون تكذيب الخليفة لها صحيحا((455)).
الجواب: ان الشواهد التاريخية والروايات تدل على انتقال فدك
في حياة النبي(ص) الى فاطمة(ع). واليك بعضالشواهد:
1 روى ابو شبة عن ابي سعيد الخدري ان ابا بكر انتزع فدكا
من فاطمة((456)). ولا معنى للانتزاع اذا لم تضعيدها عليها.
2 ما ورد في كتاب علي(ع) الى عثمان بن حنيف: «بلى كانت
في ايدينا فدك»((457)).
3 ما ذكره علي(ع) في محاجته لابي بكر: «.. فان كان في يد
المسلمين شيء يملكونه ثم ادعيت انا فيه، من تسالالبينة؟»
قال: اياك كنت اسال البينة. قال: «فما بال فاطمة سالتها البينة
على ما في يدها وقد ملكته في حياة رسولاللّه(ص)
وبعده؟!»((458)).
4 ما ورد في بعض النصوص من ان ابا بكر «بعث الى فدك من
اخرج وكيل فاطمة بنت رسول اللّه منها.
الشبهة الرابعة:
انه اذا كانت فدك نحلة بيد فاطمة(ع) من النبي(ص)، فلماذا
كانت(ع) تؤكد في خطبتها على كونها ارثا، اذ انها لوكانت ارثا
فانها تنتقل اليها بعد وفاة النبي(ص)، وان كانت هبة فلا تنتقل
اليها بعد وفاته، فبين هذين الادعاءينتنافظاهر.
الجواب: اولا: ان الزهراء(ع) كانت ترى في فدك انها هبة لها،
ولكن بما ان ابا بكر وعمر قد انكرا ذلك عليها استناداالى حديث
مجعول يقول «انا معاشر الانبياء لا نورث دينارا ولا درهما»، لذا
ارادت الزهراء(ع) ان تظهر زيف هذا الحديثومعارضته للقرآن
وتثبت ان تمسكهم به على خلاف نص القرآن الصريح في ورثة
الانبياء((459)).
ثانيا: ان المقصود بالارث مطلقا هو ما ينتقل من الاب الى ولده
وان كان في زمان حياته، ولا يراد به الارثالاصطلاحي الذي
يكون بعد موت المورث، والشاهد على ذلك ان العرف يقول في
استعمالاته: ان فلانا الابن ورث هذهالاخلاق والملكات عن ابيه،
حتى مع وجود ابيه في الحياة. والشاهد على ذلك ما خاطب به
علي(ع) ابا بكر قائلا:
«يا ابا بكر، لم منعت فاطمة ميراثها من رسول اللّه وقد ملكته
في حياةرسول اللّه؟!»((460)) فيظهر ان المقصودبالارث ليس
الارث الاصطلاحي.
ثالثا: ذكر السيد الشهيد الصدر(قدسسره) ان المقصود بالارث
هو الارث الاصطلاحي، والسبب في طرحالزهراء(ع) المسالة
بعنوان الارث اولا، لانها كانت في مقام اخذ تمام حقها، وقد كان
الارث باعتباره شيئا مسلماوثابتا يشمل فدكا والخمس وكل
ميراث رسول اللّه(ص)، فلما منعت من الارث كاصل اسلامي
مسلم طرحتمسالة النحلة((461)).
الشبهة الخامسة:
ذكر قاضي القضاة في «المغني» ان السبب الذي دعا عليا لعدم
استرجاع فدك ايام خلافته هو عدم ملكية فاطمة(ع)لها، والا
كان اللازم استرجاعها.
الجواب: وقد اجاب العلا مة المجلسي(قدسسره) على هذا
الكلام في البحار، وذكر عدة احتمالات في ذلك، منها:
1 اقتضاء المصلحة عدم استرجاعها، بحيث كانت مصلحة
ابقائها اكثر من مصلحة استرجاعها.
2 ان عدم استرجاعها غير ثابت، اذ قد يكون قد استرجعها
ولكنه كان يصرف خراجها على بني هاشم.
3 ان المقصود من المطالبة بفدك هو الخلافة، ومع الوصول
اليها فلا موضوعية لفدك آنذاك.
4 الجواب الاخر هو ما اشير اليه في الروايات من ان عليا قد
اقتدى برسول اللّه(ص)، حيث ورد فيها انه سئل: هلسترجع
الى دارك، فقال: «وهل ابقى لنا عقيل دارا؟! انا اهل بيت لا
نسترجع شيئا يؤخذ منا ظلما»، فلذلك لم يسترجعفدكا لما
ولي((462)).
الشبهة السادسة:
ان دعوى فاطمة(ع) ملكية فدك بحاجة الى بينة، ولم
تستطع(ع) كمدع من اقامة البينة، مع ان «البينة على
المدعي»كما يقرر ذلك الفقه الاسلامي سيما الامامي منه. وقد
طرحت هذه الشبهة على طوال الحقب التاريخية الماضية
باشكالمختلفة، وممن طرحها قاضي القضاة((463)).
وقد اجيب عليها باجوبة عديدة، وقد اجاد السيد الشهيد
الصدر(قدسسره) في دفعها باجوبة كثيرة فاقت
الردودالاخرى، فلذا ننقل ما اجاب به(قدسسره) على وجه
الاختصار، حيث ذكر في مقام مناقشة موقف الخليفة
الامورالتالية ما محصله:
اولا: ان الخليفة الاول قد تعامل مع قضية فدك من موقع
الخلافة، وخلافته لم تكتسب لونا شرعيا الى ذلك الحين
علىاقل تقدير((464))، وهذا المطلب يبتني اثباته على بحث
مفصل في محله لا نريد الولوج فيه.
ثانيا: ان القرائن والشواهد التاريخية والروائية((465)) تدل
على تملك فاطمة(ع) لفدك وكون يدها عليها قبل
مطالبتهابالبينة من قبل الخليفة، واليد امارة الملك كما هو
معروف في الفقه، والا فلو انكرنا ذلك لما استقر حجر على
حجر.
ثم اضاف(قدسسره): ان خصوصيات فدك كملك وعقار امر
قد يساعد على خفاء ملكيتها لفاطمة(ع) لدى عامةالناس عدا
وكيلها المتولي لرعايتها، وذلك لوسعتها اولا، ولبعدها عن
المدينة المنورة ثانيا، ولكونها قرية يهوديةثالثا.
هذا، مضافا الى سهولة منع وكيل فاطمة(ع) من الادلاء
بشهادته.
ثالثا: ان عصمة الزهراء(ع) امر ثابت بالادلة القطعية الثابتة لدى
الفريقين، حيث روى جماعة منهم عائشة نزول آيةالتطهير
فيها((466)). وقد نقلت مصادرالفريقين المعتبرة ان
النبي(ص) كان يقف على باب فاطمة(ع) مدة ستةاشهر
متواصلة ينادي: الصلاة يا اهل البيت، انما يريد اللّه ليذهب
عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا((467)).
وعليه، فمع عصمة فاطمة(ع) وعلم الخليفة بذلك لا حاجة
الى طلب البينة، سيما مع ان مصدر علمه هو الكتاب،بحيث لا
يمكن تطرق الخطا الى هذا العلم، وهذا بخلاف العلم الذي
يكون منشؤه البينة.
وبعبارة اخرى: ان القرآن لو كان قد نص على ملكية فاطمة(ع)
لفدك فانه يجب الاخذ به وتصديقه، فكذلك يجب الاخذبه
وتصديقه عند نصه على عصمتها، بحث لا يدع مجالا لاحد
للشك والترديد او الترافع والخصومة، فاذا، تنصيصالقرآن على
عصمة الزهراء هو بمثابة النص على ملكيتها(ع) لفدك.
رابعا: لا يشك مسلم حتى الخليفة نفسه في صدق
فاطمة(ع) في ادعائها فدكا، فان هذا امر لا يمكن الشك فيه،
انمايقع الشك والكلام في العلم بصدق المدعي الحاصل عن
طريق غير البينة هل هو حجة يمكن ان يستند اليه الفقيه او
انهلابد من البينة؟ وهنا يمكن القول بامكانية الاستناد الى ذلك
القول تطبيقا لقوله تعالى: (واذا حكمتم بين الناس انتحكموا
بالعدل)((468)) الدال على ان الملاك في الحكم والقضاء هو
ان يكون بالعدل، ومع وجود العلم المذكور يصدقالحكم
بالعدل، فاذا حكم الحاكم بعلمه كان من الحكم بالعدل.
خامسا: لو تنزلنا عن اعتبار علم الحاكم حجة وافترضنا الحاجة
الى البينة، فهي متوفرة، وذلك من خلال شهادةعلي(ع) اولا
وعلم الحاكم وشهادته بصدق المدعي، فان شهادته يمكن
الاخذ بها في الحكم، فتتم البينة.
وان قلت: انا لا ننزل علم الحاكم منزلة شهادته، فلنا طريق
آخر، وهو انه لو لم يكن علم الحاكم حجة يستند اليها فيحكمه
ولم يكن شهادة ايضا، فمع ذلك كان المفروض بالخليفة ان
يحكم بملك فاطمة(ع) لفدك، لانه لو علمالانسانبملكية
شخص لشيء ما، فحتى لو لم يثبت قضائيا ملكيته لذلك الشيء
فانه يجب على العالم بذلك ان يتصرف علىاساس علمه ويرتب
آثار الملكية((469)).
سادسا: ما روي عن علي(ع) في كلامه مع ابي بكر قال: «... فان
كان في يد المسلمين شيء يملكونه ثم ادعيت انافيه، من تسال
البينة؟» قال: اياك كنت اسال البينة. قال: «فما بال فاطمة
سالتها البينة على ما في يدها((470)) وقد ملكتهفي حياة
رسول اللّه(ص) وبعده؟!»((471)).
سابعا: الجواب النقضي، حيث حكم ابو بكر في موارد عديدة
مماثلة بعلمه ولم يطالب بالبينة. نذكر من هذه الموارد مايلي:
|
|---|