1 ارسل العلاء بن الحضرمي بعد وفاة النبي(ص) اموالا الى ابي
بكر، فقال ابو بكر للناس: ليتقدم كل من له حقاو دين على
رسول اللّه(ص)، فقام جابر وقال: وعدني رسول اللّه(ص)
باموال، فاعطاه ابو بكر ثلاث مرات، في كلمرة خمسمئة درهم،
ولم يطالبه بالبينة((472)).
2 ورد بنفس هذا المضمون في قضية اموال البحرين وما
حصل لابي بشير المازني((473)).
ثامنا: انا لو غضضنا النظر عن الاجوبة السابقة، فان حكم
الخليفة هو على خلاف قواعد باب القضاء. ونذكر منها
علىسبيل المثال:
1 عدم مطالبة ذي اليد بالبينة، فاليد امارة الملكية.
2 اذا تصرف شخص في ملك وكان ذا يد فيها، فيجب اقراره
عليها وليس لاحد اعتراضه الا اذا ادعى عليه احد، وفيقضية
فدك لم يدع احد على فاطمة(ع) شيئا.
3 عندما يكون الخليفة هو المدعي فالمفروض ان ترفع
الدعوى الى قاض آخر، لا ان يتصدى هو للقضاء والفصلفيها.
4 ان حكم الخليفة وقضاءه على خلاف المعايير القضائية،
حيث اجتمع المدعي والقاضي في شخص واحد.
5 ان الاصل في المرافعات القضائية كون التنفيذ بعد صدور
الحكم، وفي قضية فدك نفذ الحكم ثم صدر.
6 كفاية شاهد وقسم في النزاعات المالية، الا ان الخليفة
طلب شاهدين او رجل وامراتين في دعوى فدك.
7 ان رد الشهود الذين شهد اللّه ورسوله بصدقهم على خلاف
الموازين!((474))
الاسرار الكامنة وراء غصب فدك:
لا شك ان قضية غصب فدك واصرار الزهراء(ع) على الوصول
الى حقها كان يحمل في نفسه طابعا ومدلولا سياسيااكثر من
كونه اقتصاديا، وهذا ما تشهد له شواهد كثيرة من الروايات
والتاريخ، نذكر منها:
1 ما روي عن الامام الصادق(ع) انه اشير على ابي بكر بعد
مبايعته بمنع علي الخمس والفيء وفدكا
ليتركهالناس((475)).
2 لقد مثلت قضية فدك رمزا ودعامة للامامة، بمعنى ان
النبي(ص) اراد لقضية فدك ان تكون دعامة اقتصاديةلموقع
الامامة، وانما اعطاها لفاطمة دون علي(ع)، لان سلبها منها
باعتبارها امراة اصعب من سلبها منه ومواجهته،هذا اولا. وثانيا:
باعتبار موقعها وحرمتها وانها بنت رسول اللّه(ص).
3 في كتاب اخبار الخلفاء: ان هارون الرشيد كان يقول
لموسى بن جعفر: حدد فدكا حتى اردها اليك، فيابى، حتى
الحعليه فقال(ع): «لا آخذها الا بحدودها». قال: وما حدودها؟
قال: «ان حددتها لم تردها». قال: بحق جدك الا فعلت. قال:
«اماالحد الاول فعدن»، فتغير وجه الرشيد وقال: ايها. قال:
«والحد الثاني سمرقند»، فاربد وجهه. [قال:] «والحد
الثالثافريقية»، فاسود وجهه وقال: هيه. قال: «والرابع سيف
البحر مما يلي الجزر وارمينية». قال الرشيد: فلم يبق لنا
شيء،فتحول الى مجلسي. قال موسى: «قد اعلمتك انني ان
حددتها لم تردها». فعند ذلك عزم على قتله((476)).
4 سال ابن ابي الحديد استاذه علي بن الفارقي من اساتذة
المدرسة النحوية ببغداد : هل ان فاطمة(ع) كانت محقةفي
دعواها فدكا؟ فقال له: نعم. فقال له ابن ابي الحديد: ولم لم
يدفعها اليها ابو بكر؟ قال: لو انه اعطاها فدكا لطالبتبعد ذلك
بخلافة علي، وحينئذ لا يقدر على ردها بعد تصديقها في فدك.
5 يعتبر السيد الشهيد الصدر(قدسسره) فدكا رمزا لتحقيق
هدف كبير، حيث ان الزهراء(ع) سعت من خلال هذاالرمز الى
بلوغ ذلك الهدف الكبير (وهو الخلافة)، وذلك من خلال ست
مراحل:
ا ارسال ممثل عنها للمطالبة بميراثها، اعم من ان يكون فدكا
او غيرها.
ب الدخول المباشر في المحاجة مع ابي بكر.
ج خطبتها التي القتها في اليوم العاشر من وفاة النبي(ص)
في المسجد.
د خطبتها الحماسية في نساء المهاجرين والانصار.
ه كلامها الشديد مع الخليفتين في مرض وفاتها عندما
قصداها للاعتذار.
و وصيتها المشهورة بمنع مشاركة الشيخين في
تشييعها((477)).
6 الشاهد الاخر الذي يؤشر للطابع السياسي لقضية فدك هو
عدم استرجاع الامام علي(ع) لفدك، مما يدل على انالهدف
الاساس من وراء طرح قضية فدك هو الخلافة باعتبارها حقا
شرعيا له(ع) بوصية النبي(ص)، ومع تحقق ذلكالهدف لم يعد
هناك سبب لاسترجاع فدك.
7 ان من جملة الاسرار الكامنة في قضية المطالبة بفدك
وباقي الحقوق الاخرى هو ما يلي:
ا عدم جواز السكوت على سحق حقوق الاخرين ومصادرتها
ولزوم استرجاع الحقوق المهضومة.
ب لزوم الدفاع عن الحق وان كان المدافعون قلة.
ج يجب التحرك لاحقاق الحقوق، وان كنا نحتمل الوصول الى
الهدف احتمالا فقط.
د ان قضية فدك هي رمز ومظهر للامامة، وهذا المظهر
استمر طوال التاريخ، ويجب ان يدافع من خلاله عن
قضيةالامامة الحقة.
ان حصيلة البحث لحد الان كفيلة بالرد على بعض الشبهات
التي تقول: ان عليا وفاطمة(ع) كانا مثالا للزهد، فلماذااجهدا
نفسيهما في المطالبة بهذا الحق المالي الى هذا الحد؟!
لقد اتضح مما سبق بحثه ان الدوافع في مطالبتهما(ع) بفدك
هي دوافع سياسية، هذا اولا. وثانيا: ان المطالبة بفدكترمز في
نفسها الى المطالبة بالخلافة لاعلاء كلمة الحق.
فدك عبر التاريخ:
لقد لف الحزن قصة فدك عبر التاريخ، اذ قلما يتفق لواقعة
تاريخية حصول مثل هذه المتغيرات والمنعطفات. وفيما
يلياشارة خاطفة الى المحطات التيمرت بها فدك من السنة
السابعة للهجرة الى عصر المامون العباسي:
1 كانت فدك قبل السنة السابعة للهجرة (قبل حرب خيبر)
تحت تصرف اليهود، ومركزا للتمر على الاسلام.
2 استولى المسلمون على نصف فدك في السنة السابعة
للهجرة في حرب خيبر.
3 وهبها النبي(ص) قبل وفاته لفاطمة(ع).
4 لقد صادر ابو بكر فدكا بعد وفاة النبي(ص) من فاطمة(ع)
بادلة واهية وحديث غير ثابت يقول: «انا معاشرالانبياء لا نورث
دينارا ولا درهما».
5 بعد ان اشترى عمر نصف فدك الذي كان سهما لليهود ولى
امره عليا والعباس.
6 قام عثمان في خلافته بتسليم فدك الى مروان.
7 قسمها معاوية الى عدة اقسام، فقسم دفعه الى مروان بن
الحكم، والقسم الثاني لعمر بن عثمان، والقسم الثالثليزيد.
8 ارجعها عمر بن عبدالعزيز الى اصحابها الاصليين، وهم
ذرية فاطمة(ع).
9 اخذها عبد الملك من بني هاشم وكانت في يد المروانيين
الى آخر دولتهم.
10 ارجعها ابو العباس المعروف بالسفاح الى عبد اللّه بن
الحسن.
11 اخذها المنصور الدوانيقي انتقاما من بني هاشم وللحد من
تمردهم.
12 ارجعها المهدي العباسي الى بني الحسن.
13 حاول هارون الرشيد معرفة حدود فدك من الامام موسى
بن جعفر(ع) بحجة ارجاعها، وبعد الحاح الاولوامتناع
الامام(ع) حددها بعدن وسمرقند وافريقية وسيف البحر
(ارمينية)، فكان هذا الامر وراء قتل هارون لموسى بنجعفر(ع).
14 ارجعها المامون العباسي الى اولاد فاطمة(ع)((478)).
نتائج البحث:
المتحصل من مجموع ما مر جملة امور، نذكر منها:
1 اهمية فدك جغرافيا وتاريخيا واقتصاديا.
2 اندراج فدك تحت عنوان الانفال والفيء وغنائم دار الحرب
والصفايا واموال الصلح. وعليه، فانه يجوز لرسولاللّه(ص) هبتها
تحت اي عنوان وقعت.
3 لقد ادعت فاطمة(ع) ملكية فدك وان رسول اللّه(ص) قد
نحلها اياها فيما انكر الخليفة ذلك. وقد اقمنا ستة ادلةمن
المصادر المعتبرة لدى الفريقين على صحة ادعائها.
4 لقد تناولنا عدة شبهات مما يثار او يمكن ان يثار على نحلة
فدك لفاطمة(ع)، وتناولنا ستا من هذه الشبهاتواجبنا عليها
من مصادر الفريقين المعتبرة، فمثلا اجبنا على الشبهة القائلة
بان الزهراء(ع) لم تقم بينة على مدعاهابتسعة اجوبة.
5 يرى الكاتب ان الهدف من المطالبة بفدك يتضمن رسائل
واشارات للمطالبة بامر آخر اهم، وقد ذكر لذلك سبعةشواهد
تاريخية وغيرها.
6 لقد مرت قضية فدك بمراحل ومنعطفات تاريخية عديدة،
ذكرنا (14) موردا من ذلك.
الامام شرف الدين (قدسسره)
وعلما الدراية والرجال
السيد محمد صادق الموسوي الخرسان
اننا بين يدي دراسة تتبين من خلال فصولها علاقة سيدنا
الامام شرف الدين(قدسسره) بكل من علميت
الدراية والرجال، تجلية لدوره ومشاركته في تفعيلهما علميا
من خلال آثاره المباركة، وعمليا من خلالممارسته في تاصيل
فاعليتهما الحياتية، حيث كان له شرف ادامة الصلة بين جيلين
من الرواة لاحاديث المعصومين آصلوات اللّه عليهم بعدما
استجاز بل قرا فضلا عن انه سمع الاحاديث الشريفة محققا
في طرقها ومتونها، ثم اجازللمستجيزين منه في الانتظام في
سلك الرواة روايتها عنهم، الامر الذي هيا مناخا حديثيا يعيش
الانسان من خلاله الجوالروحي الذي ينشط خلاياه ليتفاعل مع
تلك الاحكام والحكم، فيتمثل ذلك في دورته اليومية
وينعكس عليهاثرهاالحميد.
كما انه(قدسسره) اصل فاعلية علم الرجال عندما محص
الاسانيد وجرد الصحيح من العليل وميز مقبول الروايةمن
مردودها، حتى استفاد من ذلك في آرائه التي قيم فيها الرجال
مشيرا الى الافات التي جرحت شخصياتهمالسنديةفاوهنت
الاعتماد عليهم، كما انه ايضا افاد الباحثين غناء توثيقيا او
تضعيفيا امكنهم الاستئناس به في عمليةموازنة الاراء المادحة
او القادحة، ولذا فقد عد من الرجاليين((479)) حيث صدر له:
1 مختصر الكلام في مؤلفي الشيعة من صدر الاسلام.
2 تحفة المحدثين فيمن اخرج عنه الستة من المضعفين.
3 بغية الراغبين في سلسلة آل شرف الدين.
وقد كان اختياره دقيقا فيما شارك به في هذين العلمين، حيث
انفتح فكريا على مختلف المجالات التخصصية، فساهمفي
طبقات الرجال وكذلك في الضعفاء والمجروحين وايضا في
الثقات والممدوحين، سوى ما له من نشاط تاتيالاشارة اليه ان
شاء اللّه تعالى.
وان ذلك وسواه لمن دلائل سعة افقه العلمي، اذ قد تلاقت لديه
مفردات هيات منه ان يمتلك ناصية العلم ويختزلعناصر
الانفتاح كما يختزن عوامل النضج، الامر الذي يفضي بنا الى
اعتباره مفكرا عظيما قد اختصرت في طاقتهالعلمية مسافات
واسعة من الجهود والجهاد، حتى انتجت قوة الحجة وسداد
التفكير وشفافية العرض وبراعة الاستهلالوحسن التخلص
والتمكن من الوصول الى المطلوب من دون ان يتنازل عن
ثوابته المذهبية او يزعج المقابل، بل قداهتدى بهدي القرآن
المجيد مجسدا قوله تعالى: (ادع الى سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنةوجاد لهم بالتي هياحسن ان ربك هو اعلم
بمن ضل عن سبيله وهو اعلم بالمهتدين)((480))، حتى
تتكون قناعة لدى المحاور فيستجيبللحوار البناء من خلال
الالتزام بالقاعدة القرآنية: (وانا او اياكم لعلى هدى او في ضلال
مبين)((481))، وعندها فلايتوجس ولا يتمنع او يمتنع، بل
يطمئن ويتفاعل توصلا الى ادراك الحق والاهتداء بهديه بعد
احراز الانسجام القلبيوالوئام النفسي للافادة من القواسم
المشتركة التي ما برحت الامة بحاجة ماسة الى التاكيد عليها
والتغلب من خلالهاعلى مشكلات تعترض السبيل، كما قد افاد
منها سيدنا شرف الدين(قدسسره) فكانت جهوده الحوارية او
التاليفيةتجسيدا للمثل والمبادئ التي يجب الحرص على
ادامتها وعدم الاستغناء عنها بفعل المؤثرات الاخرى، حتى انه
اضحى آبفضل هذه الروحية المستوعبة شخصية انه علمية
يستشرف المسلمين اينما كانوا ومتى، ويسعى الى توجيههم
الوجهةالصحيحة وبالخطاب الميسر عليهم فهمه، حتى انشد
اليه اغلب من عرفوه فكرا حيا متدفقا بالعطاء جاهدا في
سبيلاعلاء كلمة التوحيد وجادا من اجل توحيد الكلمة حتى
عاش في القلوب رمزا، لانه عاش القضية بحجمها وتجاوب
بمستوىالحدث، حتى غدا من الواجب على الاجيال تسليط
الاضواء على معطيات شخصيته المباركة حيث الاصالة
والحداثة معالعمق والتواضع ليبرز دوره المشرق في التوجيه
والتهذيب وتكتسب الامة من عطائه الزاخر بالمكارم.
وان هذه الدراسة المتواضعة سوف تنتظم في محاور ثلاثة:
المحور الاول: ملامح عن ابعاد الشخصية التخصصية للامام
شرف الدين(قدسسره).
المحور الثاني: نماذج درايتية من فكر الامام شرف الدين.
المحور الثالث: نماذج رجالية من عطاء الامام شرف الدين.
مع خاتمة لنودع القارئ على امل ان تلقى قبولا من اللّه
سبحانهوتعالى.
المحور الاول
ملامح عن ابعاد الشخصية التخصصية
للامام شرف الدين(قدسسره)
لا يبالغ الواصف لسيدنا شرف الدين(قدسسره) بانه كان اماما
في اللغة وعلوم العربية وآدابها والمنطق والتاريخوالحديث
والتفسير والرجال والدراية والانساب والفقه والاصول والكلام
وما يتصل بهذه العلوم من روافد، لانه عندمايخوض الغمار او
يشارك باي مستوى كان يلمح المتلقي لديه تخصصا ينبئ عن
استيعاب ومعرفة، ويؤثر في مختلففئات ومستويات
ومعتقدات المتلقين، بل ياسرهم باسلوبه المشوق وطريقة
عرضه المقبولة وادلته المقنعة، اذ لا يكتفيبتسجيل ملحوظة
ما لم تكن دقيقة ولا بعرض اشكال ما لم يكن محكما، وهذا من
عناصر الانشداد اليه، لامانته فيالنقل واصالته في التحليل
ومتانته في النقد، مضافا الى بلاغة الاسلوب وسلاسة التعبير
والارتكاز على قواعد علميةرصينة، لتتكامل تلك الصفات مع
التراكم المعرفي من خزين علمي الدراية والرجال، فتؤثر في
بلورة شخصيته وصقلهابما يتناسب مع حجم ثقافته وسعة
اطلاعه.
وقد اثراه جمعه بين ثلاثة امور، فيسر له سبيلي هذين العلمين
الدراية والرجال واعانه على الارتقاء الى اقتناصفرص علمية
قل ان تتاح لكل احد، كما انها ساعدت في تنظيم جدولة
الطاقات والامكانات المتوفرة عن هذه المصادرالثلاثة، والتي
هي:
1 تتلمذه على خاتمة المحدثين واخذه عن خريت الصناعة
الذي نوه عنه هو في كتابه بغية الراغبين بقوله:
«ووقفت فيما يرجع الى السنن واسانيدها من العلوم على
شيخنا المقدس الشيخ حسين النوري»((482)).
2 اخذه باسباب ثلاثة من اسباب رواية الحديث الشريف
الثمانية، حيث قرا وسمع واستجاز.
وان هذا بمفرده يكفي لانتظامه مع الطلائع القلائل الذين
احتفوا بالحديث ورعوه بل ووعوه.
اذ ان لهذه الاسباب القراءة، السماع، الاجازة اثرا غير عادي
في العناية بالتراث الشريف الذي قد اريد الالتفاف عليهوالاجهاز
على المحفوظ منه فكان قاب قوسين او ادنى من الضياع
والاندثار لولا عناية اللّه تعالى به وتقييضه للحملةالامناء الذين
تعاهدوا امر الاعتناء به بمختلف السبل والوسائل واوصلوه جيلا
فجيلا والحمد للّه بالقراءة على المشايخلضبطه من التحريف
وبالسماع من الاساتيذ لحفظه واستيعاب معانيه لئلا تتاثر
بعوامل طبيعية او سواها مما يحورالمعاني ويهدم المباني.
3 تواصله في ادامة اتصال سلسلة اسناد الحديث، حيث حافظ
على هذا الربط بين من سبق ومن يلحق حرصا علىابقاء الصلة
وابقاء على الاجازة، فاستجاز الامامي وسواه من اتباع المذاهب
الاخرى، كما اجاز لهما ولبعض العلويينممن يقطن في جبلهم
المعروف في ضواحي الشام.
وان من العجب فيه سعيه للقراءة او السماع او الاستجازة في
مختلف البلدان، فلم يكتف بالعراق او ايران بل سافر الىالشام
ومصر، وسعى الى استجازة علماء من اليمن والمغرب وبيروت
ليتم له بذلك الاتصال باعلام الشيعة الاماميةوالزيدية وباعلام
سائر المذاهب الاسلامية الاخرى من اصحاب الكتب
والمصنفات في جميع العلوم.
وقد ادى هذا التنوع الحديثي لديه الى ان امه او طلب منه
جماعة من الاعلام والافاضل الاجازة في رواية
الاحاديثالمباركة تبركا بطريقه وتشرفا بوساطته.
وقد تمخضت المصادر الثلاثة عن قدرات عديدة اثرته علميا
وخولته التميز والامتياز عن كثير ممن سواه، وكان منهذه
القدرات براعته في مصنفاته لهذين العلمين، حيث كان له
كما احصاه وعده فيما ترجم به نفسه من كتابه «بغيةالراغبين»
:
1 تحفة المحدثين فيمن اخرج عنه الستة من المضعفين، وقد
وصفه بقوله:
«هو الاول في بابه رتبناه ترتيب الحروف لسائر معاجم الرجال».
2 مختصر الكلام في مؤلفي الشيعة من صدر الاسلام، وهو
مرتب على الطبقات كما وصفه.
3 تعليقة على صحيح البخاري.
4 تعليقة على صحيح مسلم.
وقد وصفهما بقوله:
«وهاتان التعليقتان من انفس ما اخرجه قلمي بحثا فيهما عن
اسانيد الكتابين ومتنيهما».
5 طبقات الرواة او مشايخ الاجازات، وقد بين انها:
«رسالة فصلنا فيها طرقنا في اسانيدها المتصلة بالنبي(ص)
وباوصيائه وبالمؤلفين في الاسلام ومؤلفاتهم فيالعلوم العقلية
والنقلية».
6 ثبت الاثبات في سلسلة الرواة، وهي اجازة مبسوطة كتبها
بعنوان «الثبت الموسوي في اجازة النقوي» عانيا بهالسيد علي
نقي النقوي (ت : 1408 ه)، ثم استعين بها بعد طبعها لتكون
صيغة اجازة تحريرية يجيز بها من شاء بعد انيدرج اسمه
ووصفه، كما انها تمثل مختصرا للرسالة السابقة «طبقات
الرواة».
7 بغية الراغبين في سلسلة آل شرف الدين، الذي ترجم فيه
لرجال اسرته مستطردا لغيرهم ممن يتصل ويرتبط،فاحتوى
تراجم الرجال الرواة واشتمل على كثير من الذكريات، ولم يخل
من اشارة الى تاريخ اجيال ومدنوحوزات.
ولعل من الطريف المفيد الاستطراد الى ذكر بعض المقاطع
المعبر عن صادق احاسيسه وكامن عواطفه وعميق
تعلقهوتولهه، كل ذلك بدقيق وصفه، حيث يقول طاب ثراه :
«النجف، وهي اكرم مدينة علي، ولا غرو من ذلك، فان النجف
عاصمة العلم والدين، شمخت بهما على هامة المجدشموخا،
وانحنت له المدارس والمدن والعواصم باخعة مذعنة، وحملت
طوال الفترة مشاعل النهضة، فكانت وحدهاالصلة التي
تسلسلت بها حلقات الدين من جهة وحلقات العلم والاداب من
جهة اخرى، فكان لها الفضل فيما نجدهاليوم من ازدهار الاداب
وحياة العلوم الاسلامية التي حفظت ذماء اي رمق الفكر
على نحو لو لم تكن النجفالاشرف لتغلبت هذه الرطانة
الغاشية فطمست على العقول والالسنة وقطعت تلك
السلسلةالمباركة»((483)).
ويقول ايضا:
«وهي على كل حال اكرم مدينة علي، لانها المدينة التي نموت
فيها جسما ونحيا فيها فكرا، فتكونت فيها شخصيتيوروحي
منطبعتين بمائها وهوائها وثقافتها يوم كان يقبل عليها المقبل
فيقبل على هدير كهدير البحر يعلو فيها منكل جزء من
اقطارها المرتفعة بالبحث والمدارسة والمناظرة، نضر اللّه ذلك
العهد المخضر»((484)).
وقد افادنا(قدسسره) من خلال هاتين المقطوعتين ان تلاقي
العلوم والمعارف في رحابه واجوائه قد كان معلولالتوفيق اللّه
تعالى وحسن رعايته، حيث وفقه للانتهال من نبع الساقي على
الحوض علي امير المؤمنين(ع) ليكون قددخل مدينة علم
النبي(ص) من بابها مما اثر ذلك فيه وعليه حتى رشح منه
وفاض ما اهتدى به كثير، وذلك فضل اللّهيؤتيه من يشاء.
اذا، فلا غرابة في البين لو وصف بانه:
«قرا الاحاديث المروية عن النبي واهل بيته [(ع)] باجمعها مما
رواه الفريقان قراءة ضبط واتقان حتى كاد انيستظهرها كلها،
ولقد ابان امورا وكشف حقائق لم يكن ليعرفها الكثير من العلماء
لو لم يبعثها قلمه الحرالنزيه»((485)).
وان من اللافت للنظر في سيدنا شرف الدين(قدسسره) في
هذا المجال هو توظيفه لطاقاته وخزينه الدرايتيوالرجالي
لصالح القضية المركزية الا وهي احقاق الحق، فنجده يعضد
قوله ببطلان المدعى بعرضه المثبتات ذاتالابعاد العلمية
التخصصية، الامر الذي يضاعف من قوة التاثير ويسهل سرعة
التاثر، حتى غدا مصيبا للهدف وناجحافي تحصيل المطلب بلغة
قويمة تلتئم معقناعات مختلف المفكرين الباحثين، لقيامها
على اسس متينة، ولاستنادها علىدعائم سليمة.
المحور الثاني
نماذج درايتية من فكر الامام شرف الدين(قدسسره)
ان علم الدراية فيما عرفه به الشهيد الثاني زين الدين بن علي
العاملي(قدسسره) (ت : 965 ه) وهو من اقدم ماوصلنا من
تعريفاته :
«هو علم يبحث فيه عن متن الحديث وطرقه من صحيحها
وسقيمها وعليلها وما يحتاج اليه ليعرف المقبول
منهوالمردود»((486)).
فهو دراسة تعنى بنقد الحديث متنا وسندا من اجل تقييمه
بلحاظ تمامية المقدمات المؤدية الى احراز الصدور
عنالمعصوم(ع) باعتبار نقل العدل او الثقة او الممدوح او
الضعيف مما يكون الحكم به على مجموع السند ليوصفبعدئذ
بكونه صحيحا او موثقا او موثوقا به من خلال الانس بمجموع
القرائن التي لها دخل في تحصيل القناعةباهليته في الاستناد
اليه او حسنا او مرسلا او مضمرا او معلقا او منقطعا او غريبا او
عزيزا او عالي الاسناد،وغيرها مما يوصف به السند بلحاظ تعدد
الاعتبارات المنتجة لتعدد الاوصاف، كما قد يوصف بالمصحح
او المعتبررمزا لامكان اعتماده على بعض المسالك المبنائية،
هذا من الحيثية السندية. واما من الحيثية المتنية فيقيم بانه
نص اوظاهر او مبين او مجمل او محكم او متشابه او مضطرب،
وغيرها مما يطرا على المتن فيوصف به، وان هذا كلهيفضي
بالباحث في هذا العلم الى اختيار طريق السلامة بفحص
الحديث لمعرفة مستوى اعتباره والتاكد من درجةصحته او
سقمه، استيضاحا للسند واستشفافا للمتن، حيث قد
تكتنفالصدور قضايا مرحلية تلقي بظلالها الثقيلة عليهليولد
الحديث وهو يعاني ضيقا من عدة نواح، حيث التقية وعدم ارادة
البيان لاهمية في الاجمال او الاهمال، فضلا عنمشكلات
الوضع وما يعكر به صفو الحديث.
ومما لا ينكره باحث هو شحوب الاضواء المسلطة على متن
الحديث في المصنفات الدرايتية كما هي كثافة التسليطعلى
السند وما يرتبط به حتى ليظن تمحض هذا العلم بالبحث عن
السند، ولا نعدو الحقيقة في القول بنشاة ذلك منواقع عدم
الاهتمام التعليمي بالمواد العلمية التي تبحث في اطار متن
الحديث ولو من قبيل ضبط المؤتلف والمختلف منالاسماء او
الكنى او الالقاب، او تحديد انتساب الرواة الى المدن او المهن او
الاشخاص او القبائل ونحو ذلك مما يفيد ولوكقرينة لتحديد
المراد او تقريبه.
نعم، يستثنى من ذلك البحث الاصولي حول التعارض
ومرجحاته، وهو غير داخل في مباحث علم الدراية.
وان من القضايا التي تعاني ازمة في طريقة عرضها كمفردة من
مفردات علم الدراية هي طرق تلقي الحديث وآدابتحمله مع
ما لها من شان يعين على سداد النقل، فينعكس على اعتبار
السند وسلامة المتن، مضافا الى ان اهمال هذهالمفردة يصيب
الكثير بفة اللحن فضلا عن الجهل بكثير من المسائل في هذا
المجال، بينما اتقان الحديث تلقيا وفهمايساعد على البلوغ به
الى مستوى الحجية بعد ان يكون بحال اخرى، ومما يجسد هذا
الملحظ هو ان البعض قد اعتادعدم الاتقان، فسكن الى
المراسيل واعتمد المرافيع واحتج بالمقاطيع واستدل
بالموضوعات وانس بالمتشابهات وهو غيرملتفت الى خطورة
ذلك على موقفه العلمي في عملية الاستدلال، لان النتيجة
تتبع اخس المقدمتين، كما هو معلوم.
الا ان سيدنا شرف الدين(قدسسره) قد اعتمد الضبط واعتاد
الاتقان، ولذا فقد افاد من الدور الاستراتيجي لهذا العلمباعتباره
يمثل رابطا من روابط عرض القضية المركزية من خلال الالية
العلمية بما ينسجم مع الثوابت المسلمة.
ولذا فهو لا يستند الى شيء ما لم يستدل على موضوعيته
الدليلية لينال المراد من الوصول الى النتائج بامتن
الادلةواسدها.
وحيث ان علم الدراية يغني بوفرة ما يقدمه في هذا الصدد مما
يقوي ويدعم جوهر مادة الاستدلال، فنجده طاب ثراه:
اولا قد انتهج منهجا تحليليا يؤصل لدراسة نقدية لبعض
الاحاديث التي صحت عن ابي هريرة مثلا اذ حاكماربعين
منها مبينا ما في متونها ودلالاتها من خلل، وكانت الحصيلة ان
كشف عن:
ا تهافتات وقع فيها ابو هريرة، حيث قال(قدسسره):
«ان ابا هريرة كان كثيرا ما يقول: ان ابا هريرة لا يكتم ولا يكتب،
فكيف يجتمع هذا القول منه مع قوله: حفظتعن رسول
اللّه(ص) وعاءين: فاما احدهما فبثثته، واما الاخر فلو بثثته قطع
هذا البلعوم؟! الى آخر اقواله في هذاالمعنى الصريحة بانه كان
يكتم»((487)).
وقد عقب(قدسسره) على ما رواه ابو هريرة من عروض
الشيطان له(ص) بقوله:
«فليسمح لي الشيخان وغيرهما ممن يعتبرون حديث ابي
هريرة لاسالهم: هل للشيطان جسم يشد وثاقه ويربطبالسارية
حتى يصبح وتراه الناس باعينها اسيرا مكبلا...؟! ولعل الذي جرا
ابا هريرة على هذا الحديث قصورمداركه عن معاني الذكر
الحكيم والفرقان العظيم، فظن ان بعض آياته تثبت وقوع مثل
ذلك... فظن الرجل انهم كانواكسائر المقرنين بالاصفاد من
البشر... فالتعليل الذي ذكره ابو هريرة عليل، وحديثه من
الاباطيل، وحاشا رسول اللّهان يحير الحواس ويدهش مشاعر
الناس وهو(ص) الذي نص على اختصاص العقل بالخطاب
وحاكم اليه الخطاوالصواب!»((488)).
ب ومبالغات احيطت باحاديثه حتى يكاد العقل لا يصدقها،
فقال:
«وقد نظرنا في مجموع ما روي من الحديث عن الخلفاء الاربعة
فوجدناه بالنسبة الى حديث ابي هريرة وحده اقلمن السبعة
والعشرين في المئة... فلينظر ناظر بعقله في ابي هريرة وتاخره
في اسلامه وخموله في حسبه واميتهوما الى ذلك مما يوجب
اقلاله، ثم لينظر الى الخلفاء الاربعة وسبقهم واختصاصهم
وحضورهم تشريع الاحكاموحسن بلائهم في اثنتين وخمسين
سنة، ثلاث وعشرون كانت بخدمة رسول اللّه(ص)، وتسعة
وعشرون من بعدهساسوا فيها الامة وسادوا الامم... فكيف يمكن
والحال هذه ان يكون الماثور عن ابي هريرة وحده اضعاف
الماثورعنهم جميعا؟! افتونا يا اولي الالباب!!»((489)).
كما قال ايضا:
«ولا يمكن ان يكون ما نقله في هذا الحديث عن داود
معجزةله(ع)، لان معجزات الانبياء خوارق للعادة، وهذاخارق
للعقل كما لا يخفى»((490)).
ج وتجاوزات صدرت منه في حق الانبياء(ع)، ولذا فقد قال
سيدنا(قدسسره):
«ان انبياء اللّه وخيرته من خلقه صلوات اللّه وسلامه عليهم
يجب ان يكونوا في نجوة من هذا وفي منتزح عنه،فانه ينافي
عصمتهم ويضع من قدرهم»((491)).
د ومحاولات للوضع والتزوير ولو كان ذلك على حساب
نسبة العظائم والفضائع له(ص) وقد عزا ذلك الى
تدنيمستوى التقوى او المستوى المعاشي لمن يقدم على
ذلك، فقال:
«انما وضع هذا الحديث على عهد معاوية تزلفا اليه وتقربا الى آل
ابي العاص وسائر بني امية»((492)).
وقال:
«كان وضع الحديث على عهد معاوية حرفة منمقة يتجر بها كل
متزلف الى تلك الدولة وعمالها، وكان لاولئكالمتزلفين
المتجرين لباقة في تزويق تجارتهم وترويجها»((493)).
ثانيا قد شخص اسباب خلل بعض الروايات من جهة المتن،
فيقول عن بعض الروايات:
«ولركة متونها ومناقضتها للصحيح الثابت عمن اسندت
اليه»((494)).
ملمحا الى اهمية مقايسة المتن بالثوابت المسلمة واخضاعه
للمحاكمة، حتى لا يعتمد الركيك المناقض ولا يعول
علىالشاذ عن اسلوب الاداء المتميزبالرصانة والفصاحة والبلاغة
والمتانة، والا لاستند الى كل مركب كلامي ولو كانمتهلهل
المفردات ضعيف الاداء.
ويقول ايضا حول بعض الاحاديث:
«هذا الحديث باطل، لاشتماله على النسخ قبل حضور وقت
العمل، وذلك محال على اللّه تعالى وعلى رسوله(ص)،كما هو
مقرر في محله، فان رسول اللّه حين قال: «احرقوا فلانا وفلانا»
فانما قال ذلك عن اللّه عزوجل (وما ينطق عنالهوى ان هو الا
وحي يوحى)((495))، فكيف يمكن نسخ هذا القول قبل حضور
وقت العمل به؟! اليس نسخه والحالهذه مستلزما للجهل؟!
تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا»((496)).
ثالثا قد تتبع الاسانيد واوعز الى تخريجها من قبل اصحاب
الصحاح والسنن والمسانيد، معززا بذلك موقع الحديثالمخرج،
داعما سلامة صدوره، مثبتا لوروده، كما هو الوارد في كتابه «ابو
هريرة»((497)) وفي كتابه«المراجعات»((498))وسواهما، مما
يوضح تتبعه لذلك رصدا منه لمؤشرات التواتر الذي يرقى
بالمروي عن درجة خبرالواحد المطعون فيه حتى يتخذه
البعض ذريعة لعدم الاذعان للحق، الا ان متابعة التخريج
للاحاديث وتقصيها يفوتالفرصة امام التفلت من ذلك.
رابعا قد داب على الالتزام بعدد الاربعين مما يستدل او
يستانس به لما له من دلالات، لاضفائه وقار الدليل علىمادة
البحث ولاختزاله عوامل التاثير النفسي والعددي والاجتماعي،
الامر الذي يحرج من يتابى القبول، ولكونه ادباحديثيا
يستحسن التنسيق من خلاله مع مفردات طريقة العرض لما
يمثله من زخم ثقافي يصلح كوسيلة اعلاميةلموضوع يراد
التنويه عنه، لتتشكل بدورها سلسلة ذات حلقات مترابطة
تدعم القضية وتسلط الاضواء حولها، وبذايكون هذا الادب
الحديثي اسلوبا حضاريا يرتفع الى مستوى بياني يثقف
الجماهير بمختلف فوارقهم الزمانية والمكانيةوالفكرية،
ويبصرهم بجدوى القضية التي تغطيها هذه الحملة الاعلامية
ذات الاداء المريح الهادئ. واحسب قويا اننا لوفعلنا حضور هذه
الاربعين لامتلكنا وسيلة ثقافية قد لا توازيها وسائل التوثيق
والارشفة او النشر والاعلان لتحدد هذهكلها في اطار
المطلعين عليها وبحسب كفاءة اساليب الاطلاع، بينما تنتشر
تلك وتؤثر مادام هناك اثنان مهما تدنتالمستويات او ارتقت،
حيث ان محور الاربعين في مفهوم المعصومين(ع) يتسع
لعناوين شاملة مثل «ينتفعون بها» او«من السنة» او انها «في امر
دينه» او «مما يحتاجون اليه من امر دينهم» او كونها «في
الحلال والحرام»((499)).
ويزيدنا طاب ثراه ايضاحا حوله بقوله:
«انما آثرنا هذا العدد لما رويناه عن كل من امير المؤمنين علي
بن ابي طالب وعبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بنمسعود وعبد اللّه
بن عمر وابي سعيد الخدري وابي الدرداء وابي هريرة وانس بن
مالك ومعاذ بن جبل من طرقكثيرة متنوعة ان رسول
اللّه(ص) قال: «من حفظ على امتي اربعين حديثا من امر دينها
بعثه اللّه يوم القيامة فيزمر الفقهاء والعلماء»، وفي رواية: «بعثه
اللّه فقيها عالما»، وفي رواية ابي الدرداء: «كنت له يوم القيامة
شافعاوشهيدا»، وفي رواية ابن مسعود: «قيل ادخل من اي ابواب
الجنة شئت»، وفي رواية ابن عمر: «كتب في زمرةالعلماء، وحشر
في زمرة الشهداء». وحسبنا في حفظ هذه الاربعين((500))
وغيرها مما اشتملت عليهمراجعاتنا كلهاقوله(ص): «نضر اللّه
امرا سمع مقالتي فوعاها فاداها كما سمعها»، وقوله(ص): «يبلغ
الشاهد منكمالغائب»»((501)).
ونراه قد فعل دور الاربعين في المراجعة الثامنة والاربعين
واصفا لها بقوله:
«هذه السنن المتضافرة المتناصرة باجتماعها كلها على الدلالة
على معنى واحد، هو ان عليا ثاني رسول اللّه(ص)في هذه الامة،
وان له عليها من الزعامة بعد النبي ما كان له(ص)، فهي من
السنن المتواترة في معناها وان لميتواتر لفظها»((502)).
خامسا قد حل التعارض بين حديثين بتقديمه الاقوى سندا
حيث يقول:
«اما دعوى ام المؤمنين بان رسول اللّه(ص) لحق بربه تعالى
وهو في صدرها، فمعارضة بما ثبت منلحوقه(ص) بالرفيق
الاعلى وهو في صدر اخيه ووليه علي بن ابي طالب، بحكم
الصحاح المتواترة عن ائمةالعترة الطاهرة وحكم غيرها من
صحاح اهل السنة كما يعلمه المتتبعون»((503)).
سادسا قد تعقب موارد تصحيف واشتباه، كما فيما اشار اليه
فيما حضره من نسخة صحيح البخاري في اسم مالكبن
الدخشن حيث قال: «والظاهر انه ابن الدخشم،
بالميم»((504)).
كما نبه في مورد ثان على ضبط اسم يشتبه رسمه فيوهم ان
النسبة صفة((505)). وفي ثالث نص على ان محمد بنخازم
«بالخاء المعجمة من فوق، وغلط من قال «ابن حازم» بالحاء
المهملة»((506)).
سابعا قد استعان ببعض المصطلحات الدرايتية، حيث نجده
يصف منفردات ابي هريرة بالغريب((507))، والذيعرفوه بانه
الحديث الذيينفرد بروايته شخص واحد في اي موضع وقع
التفرد به منالسند((508)).
ثامنا قد اولى اجازة الحديث عناية فائقة من حيث التلقي
والمنح، فحركها في الاجواء العلمية كظاهرة من ظواهرانتعاش
الحديث الشريف من جهة المحافظة على ذلك التاريخ المجيد
للاجازة، اذ قد يقال: بصدور اول اجازة شفهيةلابان بن عثمان
(ت 141ه) عن الامام الصادق(ع)، حيث روى النجاشي بسنده
عن ابان بن عثمان عن ابي عبداللّه(ع): «ان ابان بن تغلب روى
عني ثلاثين الف حديث، فاروها عنه»((509))، بناء على ان قوله:
«فاروها عنه» اجازةحديثية.
كما يقال: بصدور اول اجازة تحريرية فيما رواه النجاشي في
ترجمة احمد بن عبد اللّه بن احمد بن جلين بقوله:
«دفع الي شيخ الادب ابو احمد عبد السلام بن الحسين
البصري، كتابا بخطه قد اجاز له فيه جميعروايته»((510)).
وقد توفي البصري هذا سنة (405 ه)، وكان شيخ النجاشي في
الاجازة، مما يؤيد صدورها في حدود القرن الخامس انلم يكن
آخر الرابع.
فكان حريا بها ذلك الاهتمام والعمل على تنشيطها بين
المسلمين باعتبارها احد عوامل التنمية الفكرية التي تحوز
علىمرتبة سامية تميزها عن لداتها من طرق تحمل رواية
الحديث الاخرى، لتبقى طرية مهما طرات عوامل التقادم
والركود،ولتقاوم جميع الظروف المؤثرة في تلاشيها
وانحسارها، فيدوم بهابعض ما يوثق للمصدر الثاني بعد القرآن
المجيد،فيتسنى الاطلاع على السنة الشريفة بطريق متصل
متسلسل معنعن:
ا قد يقصر، كما هو الحال في بعض طرق الامام شرف
الدين(قدسسره)، فانه قال في كتابه «ثبت الاثبات»:
«وبناء على ذلك، يكون بيني وبين البخاري احدى عشرة
واسطة»((511)).
فضلا عما ذكره فيه ايضا بقوله:
«فيكون بيني وبين رسول اللّه(ص) بناء على هذا خمس
عشرة واسطة»((512)).
تعقيبا منه على ما قاله شيخه الشيخ محمد عبد الحي ابن
الشيخ عبد الكبير الكتاني الفاسي الادريسي (وهذا السند
اعلىما يوجد الان في الدنيا شرقا وغربا). والسبب في قصر
الطريق هو اشتماله على المعمرين، فيقل العدد ويطولالزمن.
ب وقد يتوسط، كما لو ازدادت الوسائط بحسب الترتيب
الاعلائي السابق الى سبع عشرة واسطة، كما هو فيمانرويه
بحسب الطريق المشار اليه الى رسول اللّه(ص).
ج وقد يطول، كما هو الحال فيما لو ارتفعت الوسائط الى تسع
وثلاثين واسطة، وذلك بحسب الطبقات التي يبتدئاولها
باصحابه(ص) لتكون طبقة شيخ الطائفة الطوسي(قدسسره)
الثانية عشرة وصولا الى الطبقة التي نتشرفبالانتظام فيها.
وايضا تشكل الاجازة دائرة لتلتقي في بعض النقاط مع كل من:
المشيخة: باعتبارها عملية سرد لاسماء المشايخ.
والفهرست: باعتباره جامعا للكتب والمؤلفات ولطرق روايتها.
والمعجم: باعتباره حاويا لذكر المشايخ بحسب الترتيب
المعجمي.
والثبت: باعتباره قناة للتثبت من مسموعات الراوي.
والبرنامج: كما يصطلح عليه اهل المغرب الاسلامي باعتباره
محتويا على اسماء المشايخ وطرقهم.
فهي على هذا الاساس تحقق كثيرا من المنجزات، حيث يتوقى
بها من طرو الخمول على هذا التراث الضخم لكثرة مايعتريه
من امثال التحريف والاشتباه والمنع من التدوين، فضلا عن
النسيان والاغلاط والاخطاء، كما يؤمل من خلالهاالتعرف على
طبقات الرجال او الجهود العلمية او الاستذة او التلمذة او
المشيخة لعلمائنا الاعلام، فضلا عن اعانتها علىمعرفة تواريخ
الولادة والوفاة، فهي حالة تكاملية تواصلية تعزز من موقع الامة
باعتبارها متحضرة تسعى الى توثيقالاعمال والمنجزات عبر
التواصل من خلال الاجازةوامثالها.
ويبدو انه لهذه المميزات او غيرها حرص المسلمون عليها
بمختلف مذاهبهم وطوائفهم، وبشتى لغاتهم
وطرائقهم،وبعديد مواقعهم ومديد ازمانهم وتداولوها. وقد
احصي لسيدنا(قدسسره) اكثر من عشرة طرق حديثية، كما
فاقعدد من اجازهم الخمسين. وقد رايت اجازته لسماحة
السيد الوالد دام ظله مؤرخة بتاريخ (22 / ربيع الثاني /
1374ه)، وقد سعدت بالرواية عبرها عن سيدنا طاب ثراه
حيث اجاز لي آية اللّه السيد الوالد بتاريخ (ليلة الجمعة 29/صفر/
1415 ه) بعد ان قرات عليه بعض كتب الحديث.
المحور الثالث
نماذج رجالية من عطاء
الامام شرف الدين(قدسسره)
ان علم الرجال هو: «علم يبحث فيه عن احوال رواة الحديث
واوصافهم التي لها دخل في جواز قبول
قولهموعدمه»((513)).
او هو «علم يعرف به رواة الحديث من حيث انهم رواة
للحديث»((514)).
فهو دراسة نقدية لاحاد سند الحديث من خلال التعرف على
احوال الرواة، لغرض الاطلاع على مشخصات الذواتومميزات
الصفات للراوي حتى يتاهل للاعتماد عليه والركون الى روايته.
وتتجلى لنا اهميته كعلم له تاثيره الفاعل في تحسين مستوى
النشاط العلمي، اذا ما علمنا ان السنة الشريفة قد حيلبيننا
والكثير من قنواتها المباشرة، للبعد الزمني، والتعتيم الاعلامي،
والتدخل السياسي، وحتى لاتساع الرقعةالجغرافية، بما يجعلها
منحسرة في بعض البلدان الاسلامية، هذا فضلا عن ظروف
طبيعية تؤثر في الذاكرة فتتلفالمحفوظات وتبهت لونها، فلا
يستطاع اعادتها للمتلقين.
لذا، كان لزاما في ظل هذه الظروف التعويض بما يديم عملية
الافادة من هذه الثروة الضخمة، ولم يكن سوى الاعتمادعلى
اخبار الاحاد الموثوق بهم، لكنه يتطلب تهيئته عدة لوازم،
كالوعي الثقافي لظروف مرحلة صدور الحديث، ومعرفةاسلوب
البيان والحوار وطريقة الجواب المتعارفة آنذاك، مع الانتباه
الى ما تخلفه الظروف الصعبة من تعقيدات آليةتضبب
الرؤيةوتشوشها، ومعرفة تفصيلية ان امكن باحوال الرواة من
حيث العدالة او الوثاقة او حسن الحالواضدادها بما ييسر للبت
بكفاءة الراوي او عدمها.
وهذا ما تظهر ملامح الاحتياج اليه شديدا، فقهيا وتفسيريا
وعقيديا بل وتاريخيا احيانا، مما يسجل لعلم الرجالحضورا
باعتبار علاقته الوطيدة بعلم الدراية المتمحور حول الحديث
الشريف.
وقد لاحظنا ان سيدنا شرف الدين(قدسسره) مضطلع بدور
كبير في عملية تفعيل هذا العلم في خطابه العلميالجماهيري
الذي يفيض من خلاله علما نافعا في سبيل تكميل الانسان
وتوجيهه الوجهة السليمة، وكان حضور علمالرجال لديه من
خلال عدة مواقع:
اولا عندما يعمد الى محاكمة من يعترف بوثاقة رواة حديث
لكنه بعد ذلك يشكك في صحة الحديث
نفسه،قال(قدسسره):
«اما الذهبي في التلخيص فقد اعترف بوثاقة الرواة لهذا
الحديث((515)) عامة، ونص على وثاقة ابي الازهربالخصوص،
وشكك مع ذلك في صحة الحديث، الا انه لم يات بشيء
قادح سوى التحكم الفاضح»((516)).
وقد حذر بهذا من ضياع المقاييس العلمية وخطورة انهيار
القيم الفكرية، وذلك عندما يتاثر الباحث الناقد بعواملنفسية
فلا يتجرد لبيان الحقيقة.
ثانيا وعندما يشهد بان تعدد الطرق بما يؤيد بعضها بعضا
يصحح الحديث، اذ قال(قدسسره):
«لولا اعتباري صحته من طريق اهل السنة ما اوردته هنا. على
ان ابن جرير والامام ابا جعفر الاسكافي ارسلاصحته ارسال
المسلمات، وقد صححه غير واحد من اعلام المحققين،
وحسبك في تصحيحه ثبوته من طريق الثقاتالاثبات
الذيناحتج بهم اصحاب الصحاح... فلا مندوحة عن القول
بصحة الحديث. على ان لهم فيه طرقا كثيرة يؤيدبعضها
بعضا»((517)).
ثالثا وعندما يدلل على ان الاحتكام الى علم الرجال فيما لم
يكن الحديث متواترا كخبر الواحد لينظر في وثاقةرجاله او
عدمها، ولكن لو كان متواترا فلا يحسن ذلك، فقال(قدسسره):
«ان تواتر حديث الغدير مما تقضي به النواميس التي فطر اللّه
الطبيعة عليها، شان كل واقعة عظيمة يقوم بهاعظيم الامة،
فيوقعها بمنظر ومسمع من الالوف المجتمعة من امته من
اماكن شتى، ليحملوا نباها عنه الى منوراءهم من الناس، ولا
سيما اذا كانت من بعده محل العناية من اسرته واوليائهم في
كل خلف، حتى بلغوا بنشرهاواذاعتها كل مبلغ، فهل يمكن ان
يكون نبؤها والحال هذه من اخبار الاحاد؟! كلا ، بل لابد ان
ينتشر انتشارالصبح، فينظم حاشيتي البر والبحر (ولن تجد
لسنة اللّه تحويلا)»((518)).
مدللا بهذا على ان الانصاف يقضي بالا يناقش في الثابت مما
كثرت رواته وتعددت وعاته بحد يستبعد معه ان يتفقواجميعا
على الكذب، بل يستحيل ان يتواطؤوا على التزوير.
رابعا وعندما يسوق قرائن تشهد لصحة حديث ردا منه على
الطاعن في اسناده وبيانا لامكان استشفاف الصحة منلوامع
تقتنص، فقال حول حديث المنزلة:
«لم يختلج في صحة سنده ريب، ولا سنح في خواطر احد ان
يناقش في ثبوته ببنت شفة، حتى ان الذهبي آعلى تعنتهصرح
في تلخيص المستدرك بصحته، وابن حجر الهيثمي على
محاربته بصواعقه ذكر الحديث...فنقل القول بصحته عن ائمة
الحديث الذين لا معول فيه الا عليهم»((519)).
خامسا وعندما يكشف عن تدليس في تركيب اسانيد لا واقع
لها فيقول(قدسسره):
«... وحفظت اباطيل، وكان هذا الباطل اعني حديث حميد
عن ابي هريرة اوفرها حظا من كل عدو لاهل البيت،اختلقوا
في سبيل تاييده احاديث ترادفه في معناه، فركبوها على اسانيد
رفعوا احدها الى علي نفسه، ورفعواالثاني الى ابن عمه وخريج
حوزته عبد اللّه بن العباس، والثالث الى وليه وخصيصه جابر بن
عبد اللّه الانصاري،والرابع الى حفيده ووارث علمه الامام ابي
جعفر الباقر. وهذه مكيدة اعتادها خصوم علي، فاستمرت عليها
سيرتهمفي مكابرة اهل البيت(ع) ونكاية اوليائهم من حيث لا
تشعر عامة الناس، وجاء بعدهم قوم ممن جمعوا الاخبار علىعلا
تها فاغتروا بهم، فاثبتوها فيما جمعوه وهم غافلون»((520)).
فقد اشار الى ان لحفائظ النفوس دورا في حصول ذلك وعدم
صيانة القواعد لاقتحام الطارئين وتورطهم في التعامل
معاحاديث عليلة لم تظهر لهم آفتها، لعدم الخبرة ونقصان
العدة، فانطلت عليهم علتها.
سادسا وعندما ينبه على ضعف بعض رجال الاسانيد بقوله:
«والافة فيما اسندوه من هذا الباطل الى علي: ابو زرعة وهب
بن راشد، وكان مفرطا في النصب، اخذ عداوة بنيهاشموبغض
علي بالخصوص عن شيخه ابي يزيد يونس بن يزيد بن النجاد
الابلي مولى معاوية بن ابي سفيان.وآفة ما اسندوه الى ابن
عباس: ابو القاسم مقسم بن مجزاة، كان لا يكتم عداوة امير
المؤمنين... مع ان مقسما احدالضعفاء الذين نص البخاري على
ضعفهم في كتابه الذي افرده لهم... ولضعفه اعرض عنه
الشيخان فلم يرويا لهشيئا... وآفة ما رفعوه الى جابر بن عبد اللّه
الانصاري: ابو صالح اسحاق بن نجيح الملطي، فانه رجل
سوء،خبيث، مفرط في الكذب، جريء في وضع الحديث، ساقط
باجماع اهل الجرح والتعديل... وآفة ما اسندوه من هذاالباطل
الى الامام ابي جعفر الباقر(ع): محمد بن اسحاق، اذ اورده في
سيرته التي شحنها باباطيل ما انزل اللّه بهامن
سلطان»((521)).
مردفا ذلك بالتصريح عن كون تلك الاسانيد ضعيفة:
«لانحطاطها بانحطاط طرقها عن درجة الاعتبار»((522))،
معلنا انالمعيار للعمل بالاحاديث هو اجتيازها بنجاح لعملية
الاختبار من حيث السند والمتن، لئلا يجترا على القانون
العلمي الذييحظر اعتماد العليل، ويمنع عن الاستناد الى
الضعيف.
سابعا وعندما يمحص حالات الرجال ممن يوثق بهم او يطعن
عليهم، كما في قوله(قدسسره):
«ان في حديث ابي هريرة مراسيل كثيرة لا يمكن الاحتجاج بها،
وقد اشتبهت بمسانيده، اذ لم يفرق بينهما فيشيء، وهذا ما
اوجب سقوط الجميع، عملا بالقاعدة المقررة في الشبهات
المحصورة»((523)).
الامر الذي يحثنا لنتعقب طريقته البحثية في تعامله مع رجال
السند، فنطلع على:
ا ان: «عدالة الراوي شرط في صحة حديثه، فلابد من احرازها،
ولا يمكن ذلك في الواسطةالمجهولة»((524)).
حيث ان الغموض اذا اكتنف السند ظلل عليه حتى يخرجه عن
الحجية المنشودة، وعندها فلا يعتبر، للتلازم بين
اعتبارالطريق والتعبد بالحديث كحجة شرعية، مع ان للغموض
مستويات، فقد يكون بمستوى بعض عناصر السند من
اولهكالمعلق، او من وسطه كالمنقطع، او من آخره كالمقطوع
على كلام لهم في التمييز بينهما بعد الاتفاق على ان
ذلكناشئ من خلو السند من بعض العناصر وقد يكون
بمستوى تفاوت الطبقة بين عنصرين من عناصر السند، كما
قديكون بمستوى الجهالة، وغير ذلك مما يضر بصحة السند
ويعرضه للرد والاعراض عنه.
ب انه(قدسسره) لا يرضى بدون ان يكون الراوي: ثقة حافظا
ضابطا متقنا حجة((525)).
ج ان المدار على «الصدق والامانة، بدون فرق بين السني
والشيعي»((526)).
|
|---|