نحو صياغة معاصرة للعلاقات الاسرية
اولا # سعة دائرة هذه الاحكام وما تشغله من مساحة تشريعية..
ثانيا # شمولية الاحكام لشتى المجالات الاجتماعية والتربوية
والابعاد الاخلاقية والانسانية التي تمتد اليها خى#وط
تلكالعلاق#ة..
ثالثا # طبيعة الصيغة المرادة جدا والمطلوبة للشارع ومعالم
الص#ورة النموذجية التي يستهدف تحقيقها في
الحياةالاس#رية..
ملاكات العلاقة الاسرية
ثم ان على الباحث في هذا الصعيد ان يخرج من هذا السير في
آفاق هذه الاحكام المتشعبة الى عالم الملاكات والاسس التي
بنيتعليها علاقة الابوة والبنوة وان ينفذ الى العمق لكي يحفظ
توازنه في الاستنتاج واستنباط الصيغة الاسلامية.. وهذه
الملاكاتهي:
1 # الضرورة الفطرية: فما من احد الا ويحس بوجود رابطة
عاطفية تكوينية تربطه بوالديه وتملا وجدانه وتغطي
كلمشاعره..
2 # الضرورة الحياتية والاجتماعية: ان المسار الحياتي يملي
على كل من الاب والابن سلوكا وظيفيا يتمثل بمجموعة
الحقوقوالواجبات المتبادلة تلبية للمتطلبات والحاجات
المادية والتربوية والنفسية..
3 # الضرورة الاخلاقية والانسانية: ان الحياة الانسانية المنشودة
لا يمكن ان تبنى على اسس مادية صرفة وبمعزل عن
القواعدالاخلاقية فان عرفان الجميل ومقابلة الاحسان
بالاحسان واحترام الكبير وتوقيره والرحمة بالصغير والعطف
عليه كل ذلك جديربالعناية والاهتمام لكونه يعد عنص#را مقوم#ا
لا يس#وغ تجاهله..
دواعي البحث
ولم يكن ايراد تلك التقسيمات مجرد استرسال مع الذوق
الرياضي والمنطقي في هندسة المواد الفكرية.. بل هناك اكثر
منداعموضوعي يدعونا الى اعادة النظر او التذكير بما نحمله
من قناعات او بما نعتمده من قواعد عملية في ممارسة العلاقة
بينالاب وابنه وتوجد اقتضاءات واقعية تلح علينا بحتمية
البحث العلمي لاخراجالصيغة الشرعية الكامنة في احشاء الفقه
الى معادلات حياتية سلسة واضحة الارق#ام وس#هلة المنال..
ومن جملة هذهالدواعي:
1 # وجود ابهام وغموض في بعض الصياغات الشرعية التي تقدم
لبيان العلاقة النموذجية بين الاب والابن في الخطاب
الثقافيوالوعظي نظير «صيغة الطاعة» التي تركز عليها ادبياتنا
الاسلامية وتطرح طرح المسلمات الدينية والبديهيات
الشرعية.. فياترى هلهذه هي الترجمة الدقيقة للمضمون
الشرعي ام ان هناك ترجمة اكثر دقة مما هو المتداول الثقافي؟
فربما يقال: ان «صيغةالبروالاحسان» هي الاكثر متانة وانسجاما
مع المداليل الشرعية.. ويترتب على كل من الصياغتين آثار
عملية ولوازم حقوقية.. ولاينتهي الكلام عند هذا الحد.. بل سواء
آمنا بالصياغة الاولى او الثانية لابد من تحديد معالم كل واحدة
من الصيغتين.. حيث عثرناعلى من مال الى الصيغة الثانية على
استحياء وضرب لنا مثلا عمليا باهتا لا يصلح فارقا بين
الصياغتين ولا يعد رقما مهما يعبر عنمعالم الرؤية الشرعية
لطبيعة العلاقة بين الاب وابنه.. وقد افاد بانه لو قام الولد ببعض
الافعال التي لا يرضى بها الاب ولكن من دوناطلاع والده
فهذه الممارسات تعتبر مشروعة وليس فيها اية مخالفة
شرعية.. وبهذه العجالة يغلق ملف هذه العلاقة الهامة #
والتيعلق الشارع عليها آمالا كبيرة # ولم يفتح الا في زوايا
ضيقة ومتناثرة في بحث النذر واليمين ونحوهما وبشكل لا
يتجاوز حدودالبحث في تلك الابواب الفقهية ولا يتخطى
عناوينها التقليدية.. وهكذا تظل الرؤية مبتورة والصورة غامضة
في مقام لا يحسن السكوتعليه من قبل الناطقين باسم
الشريعة.. مما يفسحالمجال امام المواقف المرتجلة والتصورات
غير المسؤولة من غير اهل الخبرة لتهيمن على الساحة الثقافية
والحركة الاجتماعيةوتعبئها بما تشاء من مفاهيم وتسيرها كيف
تشاء.. فيما كانت مسؤولية البحث تقتضي ان تعالج هذه القضية
بشكلمستقلومعنون او تدرج ضمن باب (احكام الاولاد)
ونحوه من الابواب..
والكلام نفسه يطرح بشان «صيغة الولاية» حيث اختصرت كل ها
في بحث «الولاية على النكاح» وان كانت هذه القضية حتى
فيحدود هذا الفرع الفقهي الصغير لا زالت متارجحة وقلقة ولا
تكاد تنسجم الرؤية فيها لدى بعض الفقهاء مع القواعد والاصول
الثابتةوالمعمول بها في مختلف ابواب الفقه كقاعدة «سلطنة
الناس على انفسهم واموالهم».. فكيف اذا امتدت بنا اطراف
البحث الى جميعمجالات الولاية الابوية بالنسبة لولده وحاولنا
تعيين خطوط تلك العلاقة بحسم وصنفنا الحالات العمرية
والجنسية والمورديةواردنا تشخيص موقع الولاية تجاه الولد
الصغير والكبير.. والذكر والانثى.. والنفوس والاموال والحقوق..
واين تقع هذه الولايةالخاصة بالنسبة للولاية العامة وهل
تتداخل معها او لا؟! ثم ما هي شروط هذه الولاية من ناحية
الاهلية ومن ناحية كيفيةاعمالها؟!
لهذا وغيره كان من اللازم على الفقه ان يقدم صيغة واضحة
الحدود تخلو من انواع الغموض كافة وتكون في متناول
جماهيرالمكلفين.. لكي لا نميع الصيغة الشرعية في جو من
الاهمال واللامبالاة وحتى لا نذر صورتها تتمزق ببوارق
المواعظ والتوصياتالتي تتباين الى حد ما مع الصيغة الفقهية
من حيث الهدف واللغة والنموذج وان كان ينبغي الا تتقاطع
معها ولا تناقضها..
2 # ان غياب او تغييب الصيغة الشرعية لعلاقة الابوة والبنوة في
الاسرة له اسقاطاته قطعا على السلوك العملي
والعلاقاتالقائمة فعلا والتي تسير دفة الحياة الاسرية حاضرا
ومستقبلا.. حيث نرى حالات من الحيف والتطرف والتي كثيرا
ما تولد ردودفعل ظاهرة او مستبطنة تحرف مسار الحياة
الاسرية عما اراده اللّه لها من سبيل مستقيم.. ان ما نرى من
ظواهر الاستبداد الابوي اوالتمرد البنوي كلا او جلا ناشئ من
عدم وضوح الرؤية الشرعية بالنسبة للعلاقة بين الطرفين.. اذ
ان الاب ينطلق دائما من كونهصاحب الحق المطلق في الاسرة
ولا يرى حدودا لهذا الاطلاق ومن الطبيعي ان لا يعتقد بثبوت
اي حق لولده.. ولا سبيل امام الولدوالحالة هذه الا ان يرضى
بالقدر المحتوم مودعا احلامه وامانيه او يشذ ويتمرد اجتماعيا
ويتحول الى نموذج منبوذ في الارضملعون في السماء..
3 # ان انحسار التطبيق العملي للصيغة الاسلامية في العلاقة
بين الوالد وولده الناجم عن ابهام في الرؤية قد وضع الاسرة
فيالمجتمع الاسلامي اليوم في مستوى مترد لا يكاد يقوى
على الدفاع عن نفسه امام الصياغات الحديثة في المجتمعات
غير الاسلاميةالمعاصرة.. فان هذه العلاقة في اطار تلك
المجتمعات تتحرك تحت مظلة قانونية تتجلى فيها الزامات
وضوابط حدية تحول دونحدوث حالات التعسف الابوي وتوفر
حماية للطرف الاضعف.. وهذه الصيغة وان بلغت حد الافراط
المميت للحرارة العاطفية فيالعلاقات الاسرية مما يؤول الى
ضعفها واضمحلالها لكنها في الوقت نفسه تعتبر نفسها ذات
امتياز لم تفلح مجتمعاتنا الاسلامية فيتحقيقه.. وهنا لابد من
محاولة اكتشاف الصيغة الحقيقيةواستنباطها من مصادرها
الحنيفة قرآنا وسنة اولا.. ثم صبها في قالب حيوي عملي
معاصر ثانيا.. وعرض ذلك كعملة ثقافيةرائج#ة متداولة في اسرنا
ثالثا.. ورابعا دراسة التجربة المعاصرة لتلك المجتمعات
وتقويمها للافادة من نقاط القوة فيها واجتنابسلبياتها..
اضاءة بحثية
وينبغي الا نقع في بؤرة التطرف في الشدة المدمرة تحت غطاء
الدفاع عن كيان الاسرة وحمايتها من الانحلال والتفكك..
وفيالوقت نفسه علينا ان نحذر من الاسفاف في وضع ضوابط
حدية لا تتناسب مع البعد الاخلاقي والانساني.. بل نبتغي بين
ذلكسبيلا كما اشارت لذلك نصوصنا السماوية قال سبحانه:
(ووصينا الا نسان بوالديه حسنا) وقال ايضا: (يوصيكم
اللّهفياولادك م).. ولنضع نصب اعيننا النموذج النبوي في
التعامل الاس#ري الاص#يل.. ولن#دع التعصب للموروث الدخيل
اوالهزيل..
.. ولا حول ولا قوة الا باللّه..
بحوث اجتهادية
الزواج الدائم من الكتابية
آية اللّه السيد كاظم الحسيني الحائري
الحمد للّه، والصلاة والسلام على رسول اللّه وآله آل اللّه.
هل يجوز الزواج الدائم بالكتابية((1)) او لا؟
لا اشكال في وجود روايات تدل على جواز الزواج بالكتابية من
قبيل صحيحة ابي ولا د قال: سمعت ابا عبد اللّه(ع)يقول:
«المسلم يرث امراته الذمية وهي لا ترثه»((2)).
وبما ان الارث لا يكون الا في الزواج الدائم، فالمقصود بهذه
الصحيحة هو الزواج الدائم.
ولكن لو احتمل اختصاصها بما لو كانا كتابىين ثم اسلم الزوج
لم يكن التمسك بالاطلاق لفرض تزويج المسلم ابتداء الكتابية،
لانها واردة مورد حكم آخر وهو الارث،فلا اطلاق في تحقيق
موضوعها.
وصحيحة عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه(ع) قال: ساله ابي
وانا اسمع عن نكاح اليهودية والنصرانية فقال: «نكاحهمااحب
الي من نكاح الناصبية»((3))، «وما احب للرجل المسلم ان
يتزوج اليهودية ولا النصرانية مخافة ان يتهود ولده
اويتنصر»((4)). واحتمال اختصاصها بالمتعة بعيد، فانالفرد
البارز من النكاح والزواج لدى الاطلاق هو الدائم.
نعم، الصحيحتان مخصوصتان بزواج الكتابية دون زواج
الكتابي، وكذلك الاية الشريفة لو فرض شمولها للنكاح
الدائم،وهي قوله تعالى: (والمحصنات من المؤمنات
والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم اذا آتيتمو
هناجورهن)((5)).
ونحوهما صحيحة معاوية بن وهب (وعطف عليه غيره او غيره
من اصحابنا) عن ابي عبد اللّه(ع) في الرجل المؤمنيتزوج
اليهودية والنصرانية فقال: «اذا اصاب المسلمة فما يصنع
باليهودية والنصرانية»؟! فقلت له: يكون له فيها الهوى،قال: «ان
فعل فليمنعها من شرب الخمر، واكل لحم الخنزير. واعلم ان
عليه في دينه غضاضة»((6)).
ونحوها روايات عدم جواز تزويج اليهودية والنصرانية على
المسلمة وجواز العكس، وجواز تزويج اليهودية
علىالنصرانية((7)).
ولم ار ما يجوز كون المراة المسلمة تحت الكتابي الا في فرض
اسلام الزوجة بعدما كانا كتابيين وبسند غيرتام((8))، وهي
معارضة بغيرها كصحيحة محمد بن ابي نصر((9)) وصحيحة
عبد اللّه بن سنان((10)).
واذا جاز تزويج الكتابية ابتداء ثبت بقاؤها على الزوجية لو اسلم
الزوج بطريق اولى، وثبت ايضا بقاء المسلمة اذا ارتدتالى دين
الكتابي بالتعدي العرفي.
نعم، ورد في خصوص المجوسي ما دل على الحاقه بالمشرك،
فلو اسلم المجوسي وبقيت الزوجة على تمجسها وقفالنكاح
على انقضاء العدة، كما في صحيحة منصور بن حازم قال: سالت
ابا عبداللّه(ع) عن رجل مجوسي كانت تحتهامراة على دينه
فاسلم او اسلمت؟ قال: ينتظر بذلك انقضاء عدتها، فانهو اسلم
او اسلمت قبل ان تنقضي عدتها فهما على نكاحهما الاول، وان
هي لم تسلم حتى تنقضي العدة فقد بانتمنه((11)).
ثم انه يوجد في مقابل ادلة جواز نكاح الكتابية الدائم آية
وروايات:
اما الاية فقوله تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)((12)) فزعم
ان مورد نزولها هو المشركات مع ذلك يقال: ان
مقتضىاطلاقها شمولها للكتابيات.
واما الروايات: فروايات النهي((13)) او عدم الانبغاء((14)) على
نقص في الثاني سندا ودلالة قابلة للحمل على الكراهة
فيمقابل ادلة الجواز.
وانما المهم منها ما صرحت بتفسير الكوافر في آية: (لا تمسكوا
بعصم الكوافر) بما يشمل الكتابيات، وجعلت هذهالاية ناسخة
لاية (والم#حصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم)((15)).
ورغم ان روايات الجواز اكثر الا انه قد يرجح جانب الحرمة
بالرجوع الى الاية الشريفة: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)مرجحة
او مرجعا.
ولكن في دلالة الاية غموض، لان الاطلاق في كلمة الكوافر
للكتابيات اطلاق بحذف المتعلق، اذ لم يذكر انهن
كوافربايشيء، هل باللّه او التوحيد مثلا فتختص الاية
بالملحدات والمشركات؟! او بنبو ة رسول اللّه(ص) فتشمل
الكتابيات؟!وقد نقحنا في محله ان وجود القدر المتيقن في
مقام التخاطب يبطل الاطلاق الذي يستفاد من حذف
المتعلق، والمتيقنفي المقام هو الكفر باللّه او التوحيد، فشمول
الاية للكتابيات غير واضح.
اما اثبات اطلاق الاية للكتابيات بالرواية التي فرضت هذه الاية
ناسخة لاية (والم#حصنات من الذين اوتوا الكتاب)فرجوع الى
السنة، فلم تصبح الاية مرجحة او مرجعا.
على اننا نكاد نطمئن بوجود خلل في هذه الرواية، فاننا لا نكاد
نحتمل امكان جعل هذه الاية ناسخة لتلك الاية:
فالتاريخ ينقل: ان قوله عزوجل (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)
نزلت في قصة صلح الحديبية، ونحن نعلم ان قصة
صلحالحديبية وقعت في اواخر السنة السادسة من الهجرة.
وبحسب النقل التاريخي ان امراة مسلمة من مكة جاءت الى
رسول اللّه(ص)، فارسل الكفار من يردها الى مكة على اثربند
من بنود ورقة الصلح يصرح بارجاع من يهرب من مكة الى
المسلمين في المدينة وعدم ارجاع من يهرب منالمسلمين
الى مكة، فنزلت الاية المباركة((16)).
ومضمون الاية شاهد واضح على صدق هذا التاريخ حيث قال
تعالى: (ياايها الذين آمنوا اذا جاءكم
المؤمناتمهاجراتفامتحنوهن اللّه اعلم بايمانهن فان
علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن الى الكفار لا هن حل لهم ولا
هميحلونلهن وآتوهم ماانفقوا ولا جناح عليكم ان تنكحوهن
اذا آتيتموهن اجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسالوا ما
انفقتم وليسالوا ما انفقواذلكم حكم اللّه يحكم بينكم واللّه عليم
حكيم # وان فاتكم شيء من ازواجكم الى الكفارفعاقبتم فتوا
الذين ذهبتازواجهم مثل ما انفقوا واتقوا اللّه الذي انتم به
مؤمنون)((17)).
واما الاية التي فرضت منسوخة بهذه الاية فقد اختلفت التفاسير
في وقت نزولها:
فهناك بعض روايات تقول: ان سورة المائدة والتي فيها هذه
الاية نزلت في اواخر حياة رسول اللّه(ص)((18)).
وفي بعضها: نسخت ما قبلها، ولم ينسخها شيء((19)).
وفي رواية صحيحة السند عن زرارة عن الباقر(ع) قال: سمعته
يقول: جمع عمر بن الخطاب اصحاب النبي(ص)
وفيهمعلي(ع) وقال: ما تقولون في المسح على الخفين؟ فقام
المغيرة بن شعبة فقال: رايت رسول اللّه(ص)يمسح على
الخفينفقال علي(ع) قبل المائدة او بعدها؟ فقال: لا ادري.
فقال علي(ع) سبق الكتاب الخفين، انما انزلت المائدة قبل ان
يقبضبشهرين او ثلاثة((20)).
وروي عن عبيد عن محمد بن كعب: انها نزلت كلها في حجة
الوداع بين مكة والمدينة((21)).
ومن الطريف ما روي عن ابي حمزة الثمالي قال: سمعت ابا
عبد اللّه(ع) يقول: نزلت المائدة كملا، ونزل معها سبعونالف
ملك((22)).
اقول: ان صح انه نزل معها سبعون الف ملك فهذا باحترام آيتي
الغدير، اعني قوله تعالى: (اليوم يئس الذين كفروامن دينكم فلا
تخشوهم واخشون اليوم اكملت لكم دينكم...)((23))، وقوله
تعالى: (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليكمن ربك...)((24))، ولا
شك في نزول الايتين في ايام الغدير.
وعلى اية حال فهذا احد الاتجاهين في التفسير في تاريخ نزول
هذه السورة، وان صح فمن الواضح ان آية (ولاتمسكوابعص م
الكوافر) لا يمكنها ان تنسخ آية (والم#حصنات من الذين اوتوا
الكتاب من قبلكم).
والاتجاه الثاني في تاريخ نزولها ما قاله الفخر الرازي من ان هذه
السورة باستثناء الاية الثالثة نزلت بعد فتح مكة الذيحدث في
السنة الثامنة من الهجرة((25)). وقال عن الاية الثالثة: انها
نزلت بعرفات في حجة الوداع((26)).
ولعل تعصبه هو الذي دعاه الى هذا الكلام كي يفترض ان آية (يا
ايها الرسول بلغ ما انزل اليك...) لا علاقة لهابالغدير، لانها نزلت
بعد سورة الفتحوان آية (اليوم اكملت لكم دينكم) ايضا لا علاقة
لها بالغدير، لانها نزلت في عرفات.
وعلى اية حال فبناء على هذا الاتجاه يكون من المستبعد جدا
ايضا نسخ آية (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) لاية(والم#حصنات من
الذين اوتوا الكتاب من قبلكم)، لان سورة الفتح نزلت بعد قصة
الحديبية على ما هو المشهور فيالتاريخ، وتدل عليه عدد من
آيات نفس السورة، وقد مضى ان آية (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)
مرتبطة بقصةالحديبية.
واما الذي يستفاد من نفس الاية المباركة اعني الاية الخامسة
من سورة المائدة فواضح لدى الالتفات الى تمام الاية قالاللّه
تعالى: (اليوم احل لكم الطيبات وطعام الذين اوتوا الكتاب حل
لكم وطعامكم حل لهم والم#حصنات منالمؤمناتوالم#حصنات
م ن الذين اوتوا الكتاب من قبلكم اذا آتيتموهن اجورهن
محصنين غير مسافحين ولا متخذياخدان ومن يكفر بالا يمان
فقد حبط عمله وهو في الاخرة من الخاسرين)((27)).
والتدقيق في صدر الاية يعطي ان الاية المباركة بصدد تسهيل
الروابط بين المسلمين واهل الكتاب في الطعام والنكاح،وهذا لا
يحتمل ان يكون في زمن الازمة الشديدة التي كانت بين
المسلمين واهل الكتاب وتعارض الند بالند ومن قبلهيمنة
المسلمين واعني بذلك ما قبل فتح خيبر الذي تم في السنة
السابعة من الهجرة، اي ما بين صلح الحديبية وفتحخيبر.
وانما المحتمل بشان زمان نزول هذه الاية امران:
احدهما: ان يكون بعد فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة
وسيطرة الاسلام على المشركين واهل الكتاب معا، واراد
اللّهتعالى بذلك تمييزا بين اهل الكتاب والمشركين بالا مداهنة
مع المشركين اطلاقا، ولكن اهل الكتاب يمكنالتعاشر معهم
بذاك المقدار لقاسم مشترك معنوي بينهم وبين المسلمين
وهو اصل الايمان بالة الارض والسماءوبمتابعة كتاب سماوي.
والثاني: ان يكون # على الاقل # بعد فتح خيبر وتسلط المسلمين
على اهل الكتاب، وقد اراد اللّه تعالى تخفيف الازمةبين
المسلمين واهل الكتاب بعد الانتصار عليهم كي يكون ذلك
خيطا بينهما قد يؤدي بالتدريج الى هدايتهم.
وبكلمة اخرى: كانه لم يكن من الضروري بعد هيمنة الاسلام
وانتصاره بقاء تلك المحدوديات التي كانت قبل ذلك
فيالمعاشرة بين المسلمين واهل الكتاب((28)).
وعلى كلا التقديرين فهذه الاية (والم#حصنات من الذين اوتوا
الكتاب...) نزلت بعد آية (ولا تمسكوا بعصمالكوافر) والتي
عرفت ارتباطها بقصة الحديبية، ولا يمكن ان تنسخ بها.
فلو لم يبعث كل ما ذكرناه بالاطمئنان بتاخر نزول الاية
الخامسة من المائدة عن آية سورة الممتحنة فلا اقل مما
اشرنااليه من ان اطلاق الكوافر في آية الممتحنة لاهل الكتاب
غير واضح ومورد نزولها هي المشركات، فلم يثبت كون
هذهالاية مرجحة او مرجعا بعد تعارض الروايات في جواز نكاح
الكتابيات دائما وعدمه. وتفسير الكوافر بما يشمل
الكتابياتبالرواية رجوع الى احد طرفي التعارض من السنة،
وليس رجوعا الى الكتاب.
وروايات الجواز لا شك انها اكثر واقوى، لان عمدة الرواية
المانعة هي الصحيحة الناطقة بناسخية آية النهي عنالامساك
بعصم الكوافر، وباقي الروايات قابلة للحمل على الكراهة في
مقابل روايات الجواز. واما روايات الجوازفالصحاح منها ما مضى
منا نقلها، ويضاف اليها ما لم ننقلها من الروايات غير التامة
سندا.
ولا اقل من ان لنا ترجيح روايات الجواز على روايات المنع
بقاعدة التخيير بين الخبرين المتعارضين التي نقحناها فيعلم
الاصول، فالنتيجة هي جواز النكاح الدائم بالكتابيات، اعني
خصوص اليهوديات والمسيحيات دون المجوسيات.
البن#وك
دراسة في اقسامها واحكامها
آية اللّه السيد محسن الخرازي
القسم الرابع
المض#اربة ( 1 )
يقوم البنك عادة بعدة انشطة اقتصادية في سبيل استثمار
رؤوس الاموال التي تكون في حوزته.. وهذا يتطلب اجراءبعض
العقود والمعاملات كالمض#اربة والجعال#ة والش#ركة والحوالة
ونحوه#ا.. وكثيرا ما تواجه هذه المعاملاتاشكالات شرعية
لاصطدامها مع بعض الاحكام الفقهية مما يعيق ويعرقل حركة
العمل المصرفي.. لذا كان من الضروريالبحث في هذه
المعاملات من ناحية الشروط ومن ناحية النتائج المترتبة عليها
وتكييفها فقهيا بما يتناسب مع وظائفالبنك وبما يحقق
اغراضه التي يستهدفها.. وقد عالجت هذه السلسلة من
الدراسات الفقهية ذلك.. وليس الغرض من هذهالدراسات
استيعاب البحث في كل عقد من العقود.. وانما الغرض هو بحث
ما يتعلق منها بالبنك وانشطته ليس الا ..(التحرير)
الحمد للّه رب العالمين، وصلى اللّه على خير خلقه محمد وآله
الطيبين الطاهرين.
اولا # حقيقة المضاربة:
ان المضاربة هي: ان يدفع الانسان او شخصية حقوقية الى الغير
مالا ليتجر به على ان يكون الربح بينهما والوضيعةعلى المال.
ويشترط في المضاربة الايجاب والقبول، لانها عقد من العقود.
ويكفي فيهما كل دال قولا او فعلا، ولا دليلعلى اعتبار
خصوص اللفظ.
وعليه، فالمراد من الدفع هو الاعم من الدفع الانشائي الحاصل
باللفظ والدفع الخارجي، فكما ان الدفع الانشائي مع
قبولالعامل يحقق المضاربة فكذلك الدفع الخارجي وقبوله
بقصد الانشاء يحقق ذلك، كما لا يخفى.
اذ لا فرق عند العقلاء في تحقق المضاربة بين الدفع الانشائي
والدفع الخارجي، لان المعيار هو الاعتبار النفسانيوابرازه
بمبرز في الخارج، وهو حاصل في كليهما. وهذا البناء العقلائي
في معرض رؤية الشارع، ولم يردع عنه.
ومع صحة المضاربة بالدفع الانشائي والدفع الفعلي فلا وجه
للاشكال في الدفع الفعلي بان مقتضى الاصل هو تبعيةالربح
لاصل المال، لان حقيقة المضاربة متقومة بكون الربح بينهما،
والمفروض ان المضاربة صادقة على الدفعالمعاطاتي، فتشمله
الادلة الخاصة الواردة في المضاربة كموثقة اسحاق عمار قال:
سالته عن مال المضاربة؟ قال:«الربح بينهما والوضيعة على
المال»((29)) وغيرها. هذا، مضافا الى العمومات منها قوله
تعالى: (الا ان تكون تجارة عنتراض)((30)) حيث تقع حصة
من الربح في مقابل عمل العامل.
وعليه، فالاقوى هو جواز الاكتفاء في انشاء المضاربة بالدفع
الفعلي المعاطاتي، ولا موجب لاعتبار الانشاء اللفظي.
ثانيا # اهم شروطها واحكامها:
ونتعرض هنا لعدة مسائل:
المسالة الاولى:
هل يجوز تضمين الخسارة في المضاربة والشركة والجعالة او لا
يجوز؟
ذهب السيد المحقق اليزدي(قدسسره) الى الاول في كتاب
المضاربة حيث قال: «اقواهما الاول، لانه ليس شرطا
منافيالمقتضى العقد كما قد يتخيل، بل انما هو مناف لاطلاقه،
اذ مقتضاه كون الخسارة على المالك وعدم ضمان العامل الا
مع التعدي او التفريط»((31)).
ويشكل ذلك بان العامل امين، ومقتضى ما دل على ان الامين
لا يضمن هو عدم الضمان. وعليه، فشرط ضمان العاملهو شرط
ضمان الامين، وهو مخالف لما دل على ان الامين ليس عليه
الا اليمين.
هذا، مضافا الى صحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع) في
حديث: «ان عليا(ع) قال: من ضمن تاجرا فليس له الا راس
ماله، وليس له من الربح شيء»((32)).
فان المستفاد منها ان تضمين العامل يوجب بطلان المضاربة
وصيرورتها قرضا. وعليه، فشرط الضمان عن صاحبراس المال
ينافي قوله(ع): «ليس على الامين الا اليمين»((33))، مضافا
الى منافاته لما ورد في المضاربة بالخصوص منان التضمين
للعامل يوجب صيرورة المضاربة قرضا.
ويمكن الجواب عليه:
اما اولا: فلعدم منافاته مع قوله(ع): «ليس على الامين الا
اليمين»، لانه من باب عدم الاقتضاء، فلا ينافي ما اقتضاهعموم:
«المؤمنون عند شروطهم»((34))، كما في
المستمسك((35)).
والقول بان مقتضى قوله: «ليس على الامين الا اليمين» هو
عدم ضمان الامين سواء اشترط ذلك عليه ام لم يشترطفينافي
عموم «المؤمنون عند شروطهم»، كما في مباني العروة
الوثقى((36)).
غير سديد، لعدم كون قوله(ع) «ليس على الامين الا اليمين»
ناظرا الى صورة الاشتراط، والا فلا مورد لتقديم «المؤمنونعند
شروطهم» على المطلقات الواردة في الموارد المختلفة.
هذا، مضافا الى ان الضامن ربما يكون شخصا ثالثا، فلا يكون
راس المال في يده حتى يكون امينا ومشمولا لقوله(ع):«ليس
على الامين الا اليمين».
ودعوى: ان شرط التدارك ضمان، والضمان لا يصح الا بالنسبة
الى الذمم لا الاعيان.
مندفعة: بانه لا دليل على الاختصاص المذكور في الضمان
العرفي، ومع صدق الضمان تشمله العمومات.
ثم انه لا فرق في الضمان بين ان يضمنه البنك بنفسه او يجعل
راس المال في التامين بقرار وتعهد بينه وبين المؤمنمن دون
اخذ شيء من المدخرين.
واما ثانيا: فلعدم منافاته ايضا مع ما ورد في خصوص تضمين
العامل والتاجر الدال على ان التضمين يوجب انقلابعقد
المضاربة قرضا فيكون جميع الربح للعامل، ولا يكون للمالك الا
راس ماله، وذلك بان يقال: ان الظاهر من صحيحةمحمد بن
قيس هو تضمين نفس المال، بمعنى شرط عروض خسارته
على عهدة العامل. ومن المعلوم ان ذلك مع عدممالكية العامل
غير معقول، والمعقول فيه ان يرجع التضمين المذكور الى
صيرورة راس المال ملكا في ذمة العامل بمثله،وهو لا يكون الا
قرضا، وحيث لا يكون قصده ذلك فالنص الدال على ان الربح
للعامل يدل على الانقلاب المذكور، ولكنهذا النص لا يشمل
فرض بقاء ملكية المالك وشرط التدارك على العامل، فان
الخسارة حينئذعلى المالك، وانما يجب علىالعامل تدارك
الخسارة الواردة على المالك بسبب اشتراط تداركه في العقد.
ولا اقل من الشك في شمول النص المذكورلصورة اشتراط
التدارك وعدمه، فمقتضى القاعدة هو الاخذ بعموم «المؤمنون
عند شروطهم»، لان العام هو المرجع فيالشبهات المفهومية.
واما ما افاده في مباني العروة من ان صحيحة محمد بن قيس
غير واردة في المضاربة، وانما هي واردة في التضمينالفعلي
من اول الامر # المساوق للقرض، فانه جعل المال المعين بعينه
في ذمة الاخر # واين ذلك من اشتراطالضمان عند
التلف؟!((37)).
ففيه ما لا يخفى، فان صدر الصحيحة يشهد على انها واردة في
المضاربة، واليك الصحيحة بتمامها: روى محمد بنيعقوب عن
علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي نجران عن عاصم بن
حميد عن محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع) قال:«قال امير
المؤمنين صلوات اللّه عليه: من اتجر مالا واشترط نصف الربح
فليس عليه ضمان.
وقال: من ضمن تاجرا فليس له الا راس ماله، وليس له من
الربح شيء»((38)).
فان المراد من الصدر هو المضاربة بالحمل الشائع الصناعي
لتنصيف الربح والحكم بعدم الضمان، فانه ليس بقرض،والا
فالربح له بتمامه، ويكونضمان المال بمثله.
وبالجملة قوله: «من ضمن تاجرا... الخ» بعد هذا الصدر ظاهر في
تضمين مال المضاربة، لا في القرض من اول الامر،كما يشهد له
ايضا ما رواه الشيخ بسند صحيح عن محمد بن قيس عن ابي
جعفر(ع) قال: «قضى علي(ع) في تاجراتجر بمال واشترط
نصف الربح، فليس على المضارب ضمان. وقال ايضا: من ضمن
مضاربه فليس له الا راس المال،وليس له من الربح
شيء»((39)).
وعليه، فالرواية تدل على ان اشتراط عروض الخسارة على
العامل يوجب انقلاب المضاربة الى القرض تعبدا. هذابخلاف ما
اذا اشترط تدارك ما عرض على المالك، فانه لا يوجب
الانقلاب، ولا ينافي عقد المضاربة، ولا الرواية.
لا يقال: ان الظاهر من صحيحة الحلبي عن ابي عبداللّه(ع):
«المال الذي يعمل به مضاربة له من الربح، وليس عليه
منالوضيعة شيء الا ان يخالف امر صاحب المال»((40)) هو
اختصاص ضمان العامل للوضيعة بصورة المخالفة مع
امرصاحب المال. وعليه فاشتراط تدراك خسارة راس المال
مخالف للحصر المستفاد من هذه الصحيحة، فلا يكون
نافذا،لكونه مخالفا للسنة.
لانا نقول: ان المنصرف من الصحيحة انها في مقام نفي الضمان
من جهة الجعل الشرعي لا الجعل المالكي، كما هومورد الكلام.
وعليه، فلا يمنع عن نفوذ الاشتراط المذكور بعموم ادلة نفوذ
الشروط. فتحصل: ان الاقوى هو التفصيلبين صورة اشتراط
عروض الخسارة على العامل فيحكم بانقلاب المضاربة قرضا
تعبدا، وبين صورة اشتراط التداركفيحكم بصحة المضاربة
والشرط.
ثم ان صحيحة محمد بن قيس على فرض تمامية دلالتها
تختص بالمضاربة واشتراط العامل للمالك، فلا تشمل
تضمينالشخص الثالث، لانه شرط صحيح من ثالث لا من
عامل، وهو يفيد ضمان الخسارة الواردة على المالك.
وهذا الشرط لا ينافي المضاربة، لانه شرط التدارك، لا شرط
عدم عروض الخسارة، ويصح من البنك، لانه كثيرا مايكون
واسطة بين المقرض والمقترض.
واوضح من ذلك ما اذا لم يكن شرط في البين، بل ضمنه
العامل بنفسه من دون شرط.
هذا، مضافا الى ان الرواية لم تتعرض لشرط عروض الخسارة في
الشركة والجعالة على الشريك وطرف الجعالة«راجع الملحق
رقم (1)».
ومما ذكر يظهر حكم اشتراط هبة الربح عند عدم كون
المعاملات ذات ربح، فانه شرط سائغ ولا اشكال فيه.
ولا مجال لتوهم الربا، لان مال المضاربة ليس بقرض بل
للتجارة.
وهكذا لو شرط المالك مع العامل انه لو اخر في تصفية
الحسابات وتحويل راس المال ادى الى المالك قبال كل
مئةمبلغا معينا فلا اشكال، لان الشرط ليس في مقابل الدين،
بل هو في مقابل تاخير تحويل العين.
هذا كله فيما اذا لم يكن اشتراط التدارك او هبة الربح مخلا
بالنظام الاقتصادي العام والا فهو محل منع، كما لايخفى.
المسالة الثانية:
ان من جملة الشرائط المذكورة في المضاربة هو ان يكون راس
المال عينا، فلا تصح بالمنفعة ولا بالدين. وعليه، فلوكان له
دين على احد لم يجز ان يجعله مضاربة الا بعد قبضه ولو اذن
للعامل في قبضه ما لم يجدد العقد بعدالقبض.
نعم، لو وكله على القبض والايجاب من طرف المالك والقبول
منه بان يكون موجبا قابلا صح.
وكذا لو كان له على العامل دين لم يصح جعله قراضا الا ان
يوكله في تعيينه ثم ايقاع العقد عليه بالايجاب والقبولبتولي
الطرفين.
وقد ادعى في التذكرة عدم الخلاف في عدم جواز القراض على
الديون((41))، وقال الشهيد الثاني: «اشتراط ذلك # ايكونه
عينا # موضع ((42))وفاق».
واستدل له في الرياض((43)) بانه القدر المتيقن في الخروج
عن اصالة عدم ترتب الاثر، بل اصالة كون الربح للمالك.
ولا مجال للتمسك بعموم الوفاء بالعقود في المقام، لمنع
الاصل المذكور، لاختصاصه بالعقود اللازمة. كما لا
مجالللتمسك باطلاقات المضاربة، لعدم ورودها في مقام
البيان من هذه الجهة. فينبغي الاقتصار على المتيقن من
النصوالفتوى.
ولعل وجه اختصاص قوله تعالى: (اوفوا بالعقود)((44)) بالعقود
اللازمة هو منافاة وجوب الوفاء العملي بالعقد معالحكم بجواز
الفسخ، فلا يشمل المضاربة التي تكون من العقود الاذنية.
وكيف كان فيمكن ان يقال: انه يكفي في صحة المضاربة
بالدين والمنفعة اطلاق صحيحة محمد بن قيس عن
ابيجعفر(ع) قال: «قال امير المؤمنين(ع): من اتجر مالا
واشترط نصف الربح فليس عليه ضمان»((45))، لان الديون
والمنافعمن الاموال عند العرف، والرواية في مقام بيان حكم
الاتجار بالمال بعنوان المضاربة، وحيث ان اطلاق الموضوع
يشملالديون والمنافع فلا اشكال، والا لزم تقييده بغيرهما.
وخبر اسحاق بن عمار عن ابي الحسن(ع) قال: سالته عن مال
المضاربة؟ قال: «الربح بينهما، والوضيعة على المال»،اذ
ا((46))طلاق مال المضاربة وترك الاستفصال فيه يوجب
شموله للديون والمنافع بناء على صدق المضاربة بالاتجاربهما،
كما لعله الظاهر.
ودعوى: ان الظاهر من نصوص المضاربة ان موضوعها اعطاء
المالك ماله للعامل كي يعمل به على ان يكون راسالمال
محفوظا والربح بينهما على حسب ما يتفقان عليه، وهو لا
ينطبق على المنافع حيث انها غير قابلة للبقاء، نظرا الىانها
تتلف بنفسها. ومن هنا فكل ما يكون في قبالها يكون باجمعه
ربحا، ولذا قالوا في باب الخمس: ان كل ما يقع بازاءالمنافع سواء
الاعيان وغيرها يكون متعل قا للخمس، وليس ذلك الا لكونه
باجمعه ربحا، لا ان الاصل محفوظ والباقيربح. اذن فما ذكره
المشهور من عدم صحة المضاربة بالمنفعة ان لم يكن اقوى
فهو احوط((47)).
مندفعة: اذ يمكن ان يقال: ان راس المال لا يكون بعينه
محفوظا في الاعيان لتعويضه بالمعاملة بشيء آخر،
فالمقصودمن البقاء هو ان يقوم مقامه شيء مثله في المالية وان
لم يحفظ عينه، وهذا المعنى يتصور بالنسبة الى مالية
المنافعوالديون ايضا، فان ماليتهما محفوظة في المعاوضات،
فاذا تعامل العامل بالمنافع او الديون بعنوان المضاربة
اخذمكانهما الاعيان المالية، وكانت المنافع والديون باقية
بماليتهما ما دامت المضاربة باقية، وصدق الربح على ما يكون
فيقبال المنافع في باب الخمس لا يستلزم عدم صدق راس
المال عليه في باب المضاربة، فتدبر.
وان اراد من عدم قابلية المنافع انها تزول بمضي الوقت، فلو
اخر العامل معاملتها لجهة من الجهات حتى يمضي وقتهافلا
بقاء لها ففيه: ان بعض الاعيان ايضا كذلك لا بقاء لها وتزول
بمضي الاوقات كالجمد والعطورونحوهما، على ان التاخير في
المعاملة بالمنافع يوجب زوالها لا زوال معاملة المضاربة، والا
فمع معاملة المضاربةبقت مالية المنافع كما ذكرناه.
هذا، مضافا الى موثقة ابي بصير قال: سالت ابا عبداللّه(ع) عن
الرجل يقول للرجل: ابتاع لك متاعا والربح بيني وبينك؟قال:
«لا باس»((48))، اذ ان ابتياع المتاع باطلاقه يشمل ما اذا كان
الابتياع بالديون او المنافع بناء على صحة البيع عرفاباعطاء
المنافع.
نعم، يمكن تقييد اطلاق الاخبار بالنسبة الى الديون بمعتبرة
السكوني عن ابي عبداللّه(ع) قال: «قال امير المؤمنين(ع)في
رجل له على رجل مال فيتقاضاه ولا يكون عنده، فيقول: هو
عندك مضاربة؟ قال: لا يصلح حتى تقبضهمنه»((49))، ولكنه
مختص بالدين الذي على العامل، فلا يشمل غيره من الديون.
اللهم الا ان يقال: ان المستفاد من قوله: «حتى تقبضه» ان
المعيار في الممنوعية هو عدم قبض الدين ولو من غيرالعامل،
فلولا الاجماع امكن التفصيل بين الديون والمنافع، ولكن لا
يترك الاحتياط بعد نقل الاجماع.
نعم، يمكن القول بجواز ذلك بعنوان آخر كالجعالة او التجارة
عن تراض، اخذا باطلاق قوله تعالى: (الا ان تكونتج ارةعن
تراض)((50)).
ودعوى: انه لا مجال للتمسك بعموم قوله تعالى: (الا ان تكون
تجارة عن تراض) ونحوه في نفي اعتبار ما يحتملاعتباره
بالنسبة الى العقد، من جهة:
«ان العقد الواقع في الخارج قد يكون من قبيل البيع والاجارة
ونحوهما مما يكون التمليك من كل من الطرفين للاخرتمليكا
لما يملكه.
وفيه: لا مانع من التمسك بعمومات التجارة، وقد تمسكنا بها
لاثبات صحةالمعاملة المعاطاتية.
وقد لا يكون كذلك بالا يكون فيه تمليك من احد الطرفين
ماله للاخر كالمضاربة والمزارعة والمساقاة حيث لا
يملكالمالك العامل الا حصة من الربح وهي غير متحققة
بالفعل، لانه لا يملك الا اصل ماله، فكيف يصح تمليكها لغيره؟!
وفيه : فالقاعدة تقتضي البطلان، ولا عموم يقتضي صحته،
وعليه فيكون تمام الربح للمالك، نظرا لتبعية المنافع
للاصل،وكون بعضه للعامل راسا وابتداء على خلاف القاعدة في
العقود، اذ مقتضاها كون العوض لمن له المعوض، فمن
يبذلالمثمن له الثمن، والعكس بالعكس. فلا وجه لكون بعضه
للعامل.
وانتقاله آنا ما الى ملك المالك، ومن ثم الى العامل وان كان
معقولا الا انه على خلاف قانون المضاربة والمزارعةوالمساقاة.
على انه من تمليك ما لا يملك فعلا، اذ ليس له الان السلطنة
عليه، ولذا لم يستشكل احد في بطلان العقد اذا لم تكنحصة
العامل من ربح ما يتجر به... الى ان قال: ان الصحة في هذه
الموارد التي ليس فيها شيء مملوك للمملك بالفعليملكه
لغيره تحتاج الى دليل خاص، فان كان فهو، والا فالقاعدة
تقتضي البطلان... الى ان قال: فانها غير مشمولة لادلةالتجارة
عن تراض»((51)).
مندفعة: بان المضاربة من سنخ المعاوضات والتمليك فيها في
فرض حصول الربح فعلي، قال في المستمسك:«انالمضاربة لم
ا كانت من سنخ المعاوضة، لان الحصة من الربح في مقابل
العمل، فالمراد من دخول حصة الربح فيملك العامل ان ذلك
بعد ان يدخل في ملك المالك عملا بمقتضى المعاوضة ليكون
ضمان عمل العامل بمال المالك فيظرف انه مال المالك.ولابد
ان يكون ذلك بعد الدخول في ملك المالك»((52)).
وعليه، فتكفي مالكية العين لاعتبار ملكية الربح على تقدير
وجوده ونقله الى العامل بعد دخوله في ملك
المالك،فالمعاوضة متصورة، والمعاوضة التعليقية ايضا معاوضة
فيشملها عموم قوله تعالى: (الا ان تكون تجارة عن تراض)ولو
لم تتم شرائط المضاربة، لصدق التجارة عليه عرفا، والتجارة
ليست تجارة اصلاحية، كما لا يخفى.
المسالة الثالثة:
ان من جملة الشرائط المذكورة في المضاربة هو ان يكون راس
المال من الذهب والفضة المسكوكين بسكة المعاملةبان يكون
درهما او دينارا، فلا تصح بالفلوس ولا بالعروض، وادعي على
ذلك عدم الخلاف بينهم والاجماع بقسميهعليه.
واورد عليه: بان الاجماع قائم على صحة المضاربة بالدراهم
والدنانير، لا على بطلانها في غيرهما((53)).
وعليه فلا موجب لرفع اليد عن الاطلاقات الدال ة على اعتبار
المال في المضاربة حيث لم يثبت تقييدها بكونه منالدراهم او
الدنانير. وعنوان المال كما يصدق عليهما فكذلك يصدق على
غيرهما من الاثمان والعروض، لان جميعها مال،ولذا يصدق
على بيعها مبادلة مال بمال، مع ان احد الطرفين او الطرفين
من العروض او الاثمان.
واما تخصيص عنوان المال في قول السائل: «سالته عن مال
المضاربة» او قوله(ع): «من اتجر مالا... الحديث» بالاثمانوهي
الاموال المتمحضة في المالية بدعوى ان الربح والخسران انما
يلاحظان بالنسبة الى ما هو متمحض في الماليةوهي الاثمان
التي يتحفظ بها اولا ثم يلاحظ ربحها وخسارتها، كمافي مباني
العروة الوثقى((54)).
ففيه: انه لا دليل له بعدما عرفت من صدق المال على العروض
وامكان ملاحظة الربح والخسران بالنسبة اليها ايضاولو بتقدير
الاثمان فيها كما هو المتعارف بين التجار عند محاسبة اموالهم
وملاحظة ربحها وخسارتها مع انها كثيرا ماتكون اعيانا.
هذا، مضافا الى صدق الربح والخسران بالنسبة الى بعض
الاعيان بزيادتها او نقصانها في بعض الاحيان.
نعم، الغالب هو ملاحظتهما بالنسبة الى المتمحض في المالية
من الاثمان.
ولكن الغلبة الخارجية لا توجب الانصراف.
ثم ان دعوى: انه لا مجال للتمسك باطلاقات المضاربة، لعدم
ورودها في مقام البيان من هذه الجهة، فينبغي الاقتصارعلى
المتيقن من النص والفتوى، وهو خصوص النقدين، كما في
المستمسك((55)).
مندفعة: بان الروايات في مقام بيان احكام المضاربة لموضوعها،
وهو مال المضاربة، وعليه فترك الاستفصال فيالسؤال عن مال
المضاربة او ترك التقييد بالنقدين في موضوع المضاربة يكفي
في عدم اعتبار شيء غير عنوان مالالمضاربة.
ودعوى: اختصاص مورد السؤال او موضوع الحكم بالمتعارف
في ذلك الزمان وهو النقدان دون غيرهما كما
فيالمستمسك((56)).
مندفعة: بان القضايا حيث كانت بنحو القضية الحقيقية لا
الخارجية، لعدم اختصاص الاحكام بعصر خاص، ولامقتضي لهذا
التخصيص، فالموضوع هو المال، اي كل ما وجد وصدق عليه
المال سواء كان من النقدين او الاوراقالنقدية او غيرهما من
الاثمان او من العروض او غيرها.
وعدم وجود الاوراق النقدية في هذا الزمان لا يضر اذا كان
الموضوع مفروضا بنحو القضية الحقيقية، كما لا يضرذلكفي
جواز بيع العملة بالعملة.
فتحص ل: ان شرط صحة المضاربة هو ان يكون راس المال مالا
سواء كان من النقدين او الاثمان كالاوراق النقدية اوالعروض او
الحقوق.
فلو قال مالك السلعة للعامل: بع هذه السلعة وخذ ثمنها قراضا
صح ذلك، خلافا لما ذهب اليه السيد
المحققاليزدي(قدسسره) من عدم الصحة حيث قال: «ولو
قال للعامل: بع هذه السلعة وخذ ثمنها قراضا لم يصح الا ان
يوكلهفي تجديد العقد عليه بعد ان نض ثمنه»((57)).
وليس وجهه مع اعترافه بشمول العمومات الا ما اشار اليه في
المضاربة بغير الدراهم والدنانير بقوله من انه لا يبعدتحقق
الاجماع، فلا يترك الاحتياط في غير الدراهم والدنانير.
ولكن عرفت ان الاجماعات في مقام تعيين مورد القدر
المتيقن، لا نفي غير الدراهم والدنانير. هذا مضافا الى انها
بعدتسليم وجودها محتملة المدرك، فلا تصلح للاستدلال وان
كان الاحوط مراعاتها.
ولقد افاد واجاد سيدنا الامام(قدسسره) حيث قال: «لم يثبت
الاجماع في المسالة، لعدم تعرض كثير من القدماء لها.ويظهر
من الخلاف والغنية ان المسالة ليست اجماعية، لتمسكهما
بعدم الدليل على الصحة دون الاجماع، وانما ادعياالاجماع
وعدم الخلاف في الصحة مع الدرهم والدينار، بل يظهر من
العلامة ايضا بعد نسبة القول بالبطلان الى علمائناان الدليل
عليه كونها على خلاف القاعدة، فلابد من الاقتصار على القدر
المتيقن، وانما ادعى الاجماع صاحب جامعالمقاصد وتبعه
بعض آخر، بل حجية الاجماع في تلك المسالة التي ادعى
الاعاظم كون الصحة فيها خلاف القواعدممنوعة او مشكلة. ولو
فرض صحةالاجماع وثبوته فالقدر المتيقن هو عدم الجواز في
غير الاثمان اي العروض منه، واما في مثل الدينار
العراقيوالاسكناس من الاثمان غير الذهب والفضة فغير ثابت.
وعليه فصحتها بمثلها لا يخلو من قوة، للعمومات،
وكونالمعاملة عقلائية، وعدم غرريتها، بل عدم ثبوت البطلان
بمثل ذلك. هذا، مع انه لا يبعد اطلاق بعض ادلة الباب((58)).
فتحصل: ان مقتضى العمومات واطلاق ادلة الباب هو الجواز
في العروض ايضا. ومما ذكر يظهر وجه ضعف قول منتمسك
لعدم الجواز بعدم الدليل على الصحة. والاجماع # كما عرفت # لا
يدل على عدم جواز غير الدراهم والاثمان،بل يدل على صحة
المضاربة فيهما من باب القدر المتيقن.
وعليه فمقتضى الاطلاقات هو الصحة في العروض فضلا عن
الاثمان وان كان الاحوط الترك في غير الدراهم
والدنانيربعنوان المضاربة والاتيان بعنوان الجعالة.
المسالة الرابعة:
ولا يخفى عليك ان المشهور ان المضاربة جائزة من الطرفين،
فيجوز لكل منها فسخها، كما صرح بذلك في النهايةوالغنية
والوسيلة، ومحكي الخلاف والمبسوط والسرائر، وقد حكى في
مفتاح الكرامة عن المسالك والكفاية عدم الخلاففي ان
المضاربة عقد جائز من الطرفين، بل الظاهر عن محكي بداية
المجتهد ان ذلك من الاتفاقيات في الجملة.
وعليه، فالمضاربة وان كانت عندنا من العهود والمعاوضات،
ومقتضى عموم (اوفوا بالعقود) هو لزومها، ولكن معقيام
الاجماع والاتفاق يرفع اليد عن عموم (اوفوا بالعقود) ويحكم
بجواز المضاربة.
ثم ان مقتضى اطلاق كلماتهم انه لا فرق في جواز الفسخ بين
ان يكون قبلالشروع في العمل او بعده وقبل حصول الربح او
بعده وقبل انضاض المال او بعده.
ولو اشترط في عقد المضاربة الاجل وكان معناه تعيين امد
المضاربة لا شرط عدم الفسخ فلا اشكال ايضا في جوازالفسخ
قبل الاجل.
وان شرط عدم الفسخ قبل حلول الاجل فقد يقال بعدم نفوذ
الشرط المذكور بتوهم مخالفته مع دليل جواز عقدالمضاربة.
وفيه منع، لان شرط عدم الفسخ لا ينافي جواز العقد، كما ان
شرط اسقاط الخيار لا ينافي كون البيع خياريا، هذا،مضافا الى
ان دليل جاز عقد المضاربة هو الاجماع المذكور، ولا نظر له
الى صورة اشتراط عدم الفسخ.
وعليه، فليس الاجماع المذكور مانعا عن اشتراط عدم الفسخ،
ولا اقل من الشك، فالقدر المتيقن هو ذلك، فلا مانع مننفوذ
الشرط المذكور من ناحية عموم «المؤمنون عند شروطهم».
لا يقال: ان الشرط في العقد الجائز جائز وليس بلازم.
لانا نقول: ان لزوم الشرط المذكور ليس من ناحية جواز عقد
المضاربة حتى يشكل اجتماع لزوم الشرط مع جوازالعقد، بل
لزوم الشرط من ناحية عموم (المؤمنون عند شروطهم)، ولا
دخل لعقد المضاربة الا في تحقق موضوعالشرط، لان الشرط
هو الالتزام في ضمن الالتزام، والمضاربة التزام ولو كانت
محكومة بالجواز، وهذا يكفي في صدقالشرط.
|
|---|