هذا، مضافا الى ان جواز الشرط معللا بكون العقد جائزا لا
ينسجم مع كلمات الاصحاب في امثال الشروط المذكورةفي
العقود الجائزة مثل الشركة والعارية وغيرهما لبنائهم على
صحة الشروط ولزومها في بعض مواردها.
فلو كان وجه المسالة هو عدم لزوم الوفاء بالشرط باعتبار جواز
العقد فلامجال لتصحيح بعض الشروط ونفوذه في بعض
الموارد معللا بلزوم الوفاء بالشروط.
ربما يقال: انه لو لزم الالتزام بالشرط مع عدم الالتزام بالعقد
فاللازم منه هو الالتزام بالشرط ولو مع فسخ العقد، ولاقائل به.
اجيب عليه: بان دليل لزوم الشرط يختص بما كان في العقد،
فاذا فسخ العقد ارتفع الشرط الذي هو موضوع اللزوم.
فالاقوى((59)) انه لو شرط الاجل بمعنى عدم الفسخ او شرط
عدم الفسخ الى زمان خاص كان الشرط صحيحا ولايجوز
فسخها قبله، لوجوب الوفاء بالشرط لما عرفت من عدم منافاته
مع دليل الجواز بل لا ينافي مقتضى العقد الذيعرفت انه
معاوضة عرفا، وانما يرفع اليد عن لزومه من جهة قيام الاجماع.
قال في جامع المدارك: «اذا اشترط فيه الاجل لم يلزم... ويمكن
القول بالصحة واللزوم، لانه بعد ما لم يكن الشرطمنافيا
لمقتضى العقد ولم يعلم مخالفته للكتاب والسنة فهو محكوم
بالصحة.
اما عدم المنافاة مع مقتضى العقد فمعلوم، بل لولا الاجماع كان
مقتضى القاعدة اللزوم.
واما الحكم بالصحة مع عدم احراز المخالفة فللتقريب المذكور
في امثال المقام حيث ان الباقي تحت العام ليس هوالشرط
الغير المخالف حتى يستشكل من جهة عدم جريان الاصل، بل
الباقي شرط ولم تكن مخالفة بنحو التركيبكاعتبار عدم زيادة
الركوع في الركعة حيث ان الشاك في زيادة الركوع يجري في
حقه اصالة عدم الركوع الزائد، فانكان المعتبر الركوع بقيد
الوحدة لزم البطلان لعدم اثبات الاصل، الا ان يدعى الانصراف
في دليلالاستصحاب عن امثال المقام.
ولا يتوجه الاشكال بانه بعدما كان الشرط تابعا للعفد فمع عدم
لزوم العقد كيف يلزم الشرط من جهة ان المعروفعدم وجوب
الوفاء بالشرط اذا لم يكن في ضمن عقد، بل هو وعد لا يجب
الوفاء به وان التزم بعضالاعاظم(قدسسره) بلزوم الوفاء به
ايضا، بل قد ينكر صدق الشرط على مثله.
واما اذا كان الشرط في ضمن عقد سواء كان العقد لازما او جائزا
يكون مشمولا لعموم (المؤمنون او المسلمون عندشروطهم)
فيجب الوفاء به، غاية الامر وجوب الوفاء ما دام الشرط باقيا، فمع
انفساخ العقد وارتفاعه لا شرط حتىيجب الوفاء به»((60)).
واما اذا كان الشرط المذكور في عقد المضاربة هو لزوم هذا
العقد الذي كان الشرط في ضمنه قال في جامع
المدارك:«فمع صحته لزم العقد، ومع لزوم العقد لا مجال
لارتفاع الشرط»((61)).
وظاهره هو عدم الجزم بصحته حيث قال: فمع صحته لزم
العقد... الخ.
وكيف كان فوجه عدم صحة الشرط المذكور، اي شرط اللزوم:
ان شرط اللزوم # كان يقال قارضتك سنة على الا املك منعك
فيها او لا املك الفسخ فيها او يكون العقد لازما # ينافي مقتضى
عقد المضاربة، فلا يكون مع المنافاةنافذا.
يمكن ان يقال: ان الجواز واللزوم من احكام العقود، فكما يجوز
اشتراط الخيار في العقود اللازمة، فكذلك يجوزاشتراط اللزوم
في العقود الجائزة، ولم يحرز مخالفة الشرط المذكور مع عقد
المضاربة الذي عرفت ان مقتضى القاعدةهو لزوم المضاربة،
وانما يرفع اليد عن ذلك لقيام الاجماع، وهو غير واضح الشمول
لصورة الشرط، ولم يحرز ايضامخالفة الشرط مع دليلاللزوم او
الجواز بعد احتمال كون الحكم بالجواز او اللزوم غير ناظر الى
صورة الشرط، خصوصا في مثل المقامالذي عرفت ان دليل
الجواز لبي وهو الاجماع وله القدر المتيقن.
واليه اشار في الجواهر # في ضمن بعض المناقشات في المسالة #
حيث قال: «ولا ريب في عدم منافاة اللزوم لعقدالمضاربة، اذ هو
كالجواز في العقد اللازم الذي لا اشكال في صحة اشتراطه.
ومن هنا كان له شرطه اي اللزوم في العقد الجائز بعقد لازم
آخر ولو انه من المنافي لمقتضاه لم يصح ذلك، اذ هوكاشتراطه
عدم الملك في البيع، ونظيره هنا عدم ملك العامل الحصة من
الربح، لا اشتراط اللزوم في المضاربة».
ولا يخفى ع((62))ليك ان ظاهر شرط اللزوم هو شرط الحكم
الوضعي لا التكليفي، لان موضوع الحكم التكليفي هو
الفعلكعدم الفسخ لا اللزوم.
ومما ذكر يظهر ما في كلام السيد المحقق الخوئي(قدسسره)
حيث قال: «فان كان الشرط هو عدم الفسخ خارجا
تمماافاده(قدسسره) نظرا لكون فعله سائغا فيجب العمل
بالشرط، لقوله(ص): «المؤمنون عند شروطهم» لكن يبقى
هذاالوجوب تكليفيا محضا، ولذا لو عصى وفسخ لكان فسخه
نافذا وان ثبت بذلك للشارط الخيار في العقد اللازم الاخرلتخل
ف الشرط.
وان كان الشرط هو لزوم المضاربة وعدم مالكيته للفسخ فهو
باطل، لكونه مخالفا للسنة حيث ان عقد المضاربةجائز، فلا
ينقلب بالشرط الى اللزوم فان الحكم الشرعي لا يتغير به،
وحينئذ فهل يسري فساده الى العقد ام لا؟ فيهخلاف.
والصحيح عندنا هو الثاني، فيبقى العقد ويبطل الشرط»((63)).
وذلك لما عرفت من ان القدر المتيقن ان الجواز والمالكية
للفسخ مماتقتضيه السنة فيما اذا لم يكن شرط في البين،
وعليه فلا ينافي اللزوم وعدم المالكية بالشرط، فكما ان لزوم
العقد ممايقتضيه السنة في مثل البيع ومع ذلك يجوز اشتراط
الخيار فيه فكذلك في مثل المقام حرفا بحرف، فتدبر
جيدا،خصوصا في المقام حيث ان مقتضى القاعدة في المضاربة
هو الحكم باللزوم والقدر المتيقن من الحكم بالجوازبالاجماع
هو صورة عدم الاشتراط. واما مع الاشتراط فمقتضى القاعدة
لزومها، لعدم ثبوت دليل على رفع اليد عنمقتضى القاعدة.
نعم، لو ثبت اطلاق الاجماع على الجواز بالنسبة الى حال
الشرط فلا اشكال حينئذ في كون الشرط مخالفا للسنة، ولكنلا
دليل عليه، نعم، المستفاد من مفتاح الكرامة ان المشهور ذهبوا
الى بطلان العقد فيما اذا اشترط لزوم المضاربة الىاجل او
مطلقا حيث قال: «قد صرح ببطلان العقد... في المبسوط
وجامع الشرائع والشرائع والتذكرة والايضاح وجامعالمقاصد
والمسالك. وفي الروضة انه المشهور... الى ان قال: وفي التحرير
واللمعة انه لا يصح اشتراط اللزوم، ولعلهماارادا انه لا يجب
الوفاء بالشرط. وحاصله انه يفسد الشرط ويصح العقد، وعبارة
اللمعة كادت تكون صريحة في ذلك،وقد يكونان موافقين
للجماعة كما احتمله في الروضة من عبارة اللمعة... الى ان
قال: ولولا اتفاق الكلمة هنا على بطلانالشرط لامكن القول
بصحته، ولا نسلم منافاته لمقتضى العقد، فليتامل»((64)).
ولا يخفى ان دعوى شهرة القدماء على بطلان العقد او الشرط
مع خلو اكثر عبارات القدماء لا توجب رفع اليد عما ذكرمن
صحة الشرط والعقد. ولكن مع ذلك لا يترك الاحتياط في
شرط اللزوم.
المسالة الخامسة:
ذهب المشهور الى ان العامل يملك حصته من الربح بمجرد
ظهوره منغير توقف على الانضاض او القسمة لا نقلا ولا كشفا.
واستدل له بوجوه منها: ان مقتضى اشتراط كون الربح بينهما
ان يكون ملكا لهما بدعوى ان زيادة القيمة السوقية فيالاموال
التي تعد للتجارة تعتبر ربحا لدى العقلاء سواء بيع المتاع او لم
يبع، ولذا ذهب جماعة من الاصحاب الى وجوبخمسها ولو
قبل الانضاض((65)).
واورد عليه في الجواهر بان «الربح حقيقة ما زاد على عين
الاصل الذي هو راس المال، وقيمة الشيء امر وهمي لاوجود له
ذمة ولا خارجا، وانما هو من فروض الذهن، وبذلك افترقت عن
الدين الذي هو وان كان كليا الا انه مال شرعاوعرفا موجود في
الذم، بخلاف قيمة الشيء وعدم انحصار المال في النقد، بل هو
والعرض مال لا يقتضي تحقق الربححقيقة بعدما عرفت انه
حقيقة الزائد على عين راس المال المتوقف على تحقق راس
المال في الخارج. ولا يكفي فيه كونالشيء يساوي مقدار راس
المال، ضرورة عدم صيرورته بذلك عين راس المال.
نعم، قد يطلق على مثل ذلك انه ربح تسامحا بناء على اصل
السلامة. وامكان الانضاض في سائر الاوقات ونحو ذلكمما
يخرجه من القوة الى الفعل وحيث كانت قريبة اليه اطلق عليه
اسم الربح... الى ان قال: نعم، لا باس ان يقال: انهبالظهور ملك
العامل ان يملك بمعنى ان له الانضاض ولو قدر راس المال،
فيتحقق الربح حينئذ ويتبعه تحقق الملك وبهيورث ويضمن
التالف له وغير ذلك»((66)).
ولازم ما ذهب اليه صاحب الجواهر من ان صدق الربح مسامحي
انه لا وجه لوجوب الخمس ايضا مع ارتفاع القيمةالسوقية، قبل
البيع، لعدم صدق الفائدة وعدم صدق التكسب حقيقة قبل
الانضاض.
ولذلك قال في جامع المدارك: «فمع منع صدق الفائدة هناك
كيف يسلم في المقام صدق الربح وشركة العامل في
العينالموجودة، ولازم الشركة في المقام شركة صاحب
الخمس هناك ان قلنا في باب الخمس بالشركة او بنحو الكلي
فيالمعين، كما انه لم يظهر الفرق في باب الخمس بين اشتراء
الشيء بقصد التجارة وارتفاع القيمة وبين الاشتراء بقصدالاقتناء
وارتفاع قيمته في صدق الفائدة... الى ان قال: فيمكن المناقشة
بمنع صدق الربح قبل الانضاض كما منع في
بابالخمس»((67)).
وجعل في المستمسك عدم صدق الربح قبل الانضاض مما
يقتضيه العرف واللغة في الجملة، وقال: «ولذلك كانالمعروف
بينهم عدم وجوب الخمس في ارتفاع القيمة»((68)).
ولكن يمكن ان يقال: ان الربح بمعنى ازدياد المالية عند ارتفاع
القيمة في الاموال المعدة للتجارات صادق عند العقلاءومعتبر
وان لم يصدق الربح بالمعنى الذي ذكره في الجواهر، ومقتضى
صدق الربح هو شركة العامل فيه الا ان شركتهليست في نفس
العين، بل تكون في مالية العين.
ولعل اليه يؤول ما في المستمسك حيث قال: «ان المراد من
الربح في باب المضاربة الذي يشترك فيه المالك
والعاملالحصة من العين الزائدة على مقدار راس المال مالية،
لا الربح بالمعنى اللغوي والعرفي كما يقوله في الجواهر
كييتوجه عليه ما ذكره من الاشكال...
والشاهد على ذلك انه لا يجوز للمالك عندهم ان يفسخ
المضاربة عند ظهور الربح، ويستقل بالعين ويطرد
العاملمحتجا بعدم حصول الربح، بل يرون ان العامل شريك في
العين على حسب حصته من المالية، وظني ان
ذلكواضح»((69)).
وكيف كان فتوضيح ذلك ان الصفات الذاتية للشيء توجب
رغبة الناس نحوها، فاذا كان الشيء كثيرا بحيث يمكن
تناولهلكل احد فلا يحتاج النيل اليه الى بذل مال بازائه. واما اذا
كان الشيء قليلا او كثرت رغبة الناس اليه بحيث لا
يمكنتناوله لكل احد اعتبر له عند العقلاء المالية بمعنى انه
يبذل بازائه مال، وهذه المالية اعتبارية فعلية عند العقلاء
وناشئةعن الامور الذاتية ورغبة الناس، وتختلف باختلاف مقدار
التنافس والرغبات وهي فعلية لا بالقوة.
وعليه، فالربح بمعنى ازدياد مالية راس المال حاصل بالفعل
وان لم يكن الربح بالمعنى اللغوي والعرفي بمعنى ازديادعين
راس المال حاصلا الا بالانضاض وعليه فان كان مقصود
المشهور هو الاشتراك في المالية لا الاشتراك في العينفهو
صحيح ويمكن الاستدلال له مضافا الى اطلاقات «والربح
بينهما» في صحيحة بن ابي عمير عن محمد بن ميسر(قيس)
قال: قلت لابي عبداللّه(ع): رجل دفع الى رجل الف درهم
للمضاربة فاشترى اباه وهو لا يعلم فقال: «يقوم فان زاددرهما
واحدا انعتق واستسعى في مال الرجل»((70)) لحكمه بالعتق
قبل الانضاض بمجرد تقويم المالية مع انه لا عتق الا في ملك
فعلم منه ان الاشتراك حاصل بازدياد المالية قبل الانضاض،
وهو يكفي في صحة الانعتاق، ولا حاجة فيالاشتراك الى
الانضاض كما لا يخفى.
لا يقال: الاشتراك في المالية من دون الاشتراك في العين لا
يكفي في صحة الانعتاق، لعدم ملكية العين.
لانا نقول: اكتفى الشارع بملكية المالية ترجيحا لجانب العتق.
ويؤيد ما ذكرناه: الحكم بضمان القيمة في القيميات عند
الاتلاف مع تعذر اداء الشيء التالف بعينه ومثله، فانه شاهدعلى
كون القيمة ليست امرا وهميا، والا فلا وجه للحكم بضمانها مع
كونها امرا وهميا، بل اللازم هو اشتغال ذمتهبالعين حتى يتمكن
من ادائها.
وايضا يؤيد ما ذكره حكمهم بعدم جواز ان يفسخ المالك
المضاربة عند ظهور الربح وازدياد المالية ويستقل
بالعينويطرد العامل محتجا بعدم حصولالربح، بل يرون العامل
شريكا في المالية على حسب حصته كشركة الزوجة في مالية
الاعيان غير المنقولة.
ثم ان مقتضى ما ذكر هو وجوب الخمس ايضا بارتفاع القيمة
وازدياد المالية عند حلول حول الخمس ولو قبل البيعوحصول
ازدياد عين راس المال، لصدق زيادة مالية العين عند العقلاء
وان لم تزد عين راس المال، ولذا حكم العرفبصيرورة الفقير
غنيا بازدياد مالية العين من دون انتظار الانضاض، وهذا امر
عليه بناء العقلاء في كل عصر وزمن،وحيث انه في مراى ومنظر
الشارع كان سكوت الشارع عن ردعه تقريرا لذلك، فتدبر جيدا.
ومما ذكر يظهر امكان ان يقال: لو لم يكن الاجماع على الخلاف
بضمان ارتفاع القيمة في الاعيان المغصوبة كما اذاارتفعت
قيمة المغصوب في حال الغصب ثم انخفضت فرده الغاصب
بدعوى ان القيمة الزائدة هو مال اتلفه الغاصب،فيشمله
قوله(ع): «من اتلف مال الغير فهو ضامن». ولا يكفي مجرد رد
العين.
ولكن الظاهر من كلمات الاصحاب انه لا يكون ضامنا، وربما
يعلل ذلك بان المال هو العين، ولا يشمل ارتفاع القيمة،ولكنه
كما ترى في مثل مال التجارة، لان المال صادق على ارتفاع
القيمة الذي اعتبر امرا حاصلا بالفعل، كما يشهد لهتعلق
الخمس.
ودعوى: ان المال في قوله: من اتلف مال الغير فهو ضامن
عنوان مشير الى ذات المال، ولا نظر له الى المالية.
مندفعة: بان الحمل على العنوان المشير خلاف الظاهر، ولو
سلم ذلك فلا خصوصية للذات، ويمكن التعدي عنه،
ولكنالمسالة محل تامل، وبقية الكلام في باب الغصب.
ثم انه لا يذهب عليك ان قولنا بان العامل يصير بظهور الربح
شريكا في المالية لا عين راس المال يرفع الاشكال الذيورد
على القول بشركة العامل في العين بظهور الربح وهو ان
مقتضى الشركة في العين هو ان يكون العامل سهيما فيالربح
الاتي بنسبة سهمه من راس المال زائدا على سهمه من الربح
من جهة المضاربة في سهم صاحب راس المال معانهم لا
يلتزمون به.
وهكذا للزم الشركة في العين بظهور الربح هو ان تكون الخسارة
الواردة على العين مشتركة بين المالك والعامل،لانالعامل
حينئذ يكون شريكا في عين المال مع انهم لا يلتزمون به،
فالشركة في العين بظهور الربح امر خلافالقاعدة.
مع ان المضاربة من المعاملات العقلائية الرائجة، وحيث انهم
لم يجعلوا العامل سهما في الربح الاتي بنسبة سهمه منارتفاع
قيمة راس المال بعد حصول الربح ولم تقسم خسارة العين
بينه وبين المالك فانكشف ان الشركة ليست الا فيالمالية
بحسب ارتفاع القيمة.
ثم ان مقتضى الشركة في ارتفاع القيمة وان كان هو الملكية
بالنسبة الى سهمه من الارتفاع، ولكن هذه الملكية
تكونمتزلزلة، لكون الربح بالمعنى المذكور وقاية لراس المال.
ومقتضى ذلك: انه لو عرض بعد ذلك خسران او تلف يجبر به
الى ان تستقر ملكيته، والاستقرار لا يحصل الا بالانضاض
والفسخ والقسمة، ولعل وجه عدم الاستقرار قبل هذه الامور #
كما في مباني العروة الوثقى # «انالمجعول في عقد المضاربة
للعامل ليس هي الحصة من الربح في كل معاملة بعينها، وانما
هي الحصة من الربح منحيث مجموع التجارات. وعليه، فما
دامت التجارة باقية ومستمرة يكون الخسران باجمعه واردا
على الربح السابق عليهومنجبرا بالذي يحصل بعده، نظرا لعدم
صدق ربح مجموع التجارة منحيث انه مجموع على الزائد قبل
ذلك، كما هو واضح.
ومن هنا فلا حاجة في الحكم الى الدليل الخاص، اذ يكفي فيه
كونه مقتضى عقد المضاربة بحد ذاته»((71)).
ثم لا تنافي الملكية المتزلزلة مع صحة تصرفات العامل في
سهمه من الربح اي ارتفاع القيمة كالبيع او الصلح اونحوهما
وتعلق الارث وتعلق الخمس وحصول الاستطاعة للحج وتعلق
حق الغرماء به ووجوب صرفه في الدين معالمطالبة الى غير
ذلك، اذ لا يشترط في صحة هذه التصرفات الاستقرار، بل
يجوز للعامل ان يطالب بالقسمة وان كانتموقوفة على رضا
المالك، كما لا يخفى.
تنبيه:
قال الشهيد الصدر(قدسسره): «المضاربة التي تتم بواسطة
البنك تارة تقوم على اساس صفقة تجارية خاصة واخرىتقوم
على اساس انشاء مشروع كامل. فعلى الحالة الاولى يكون المال
موظفا في عملية محدودة وعادة تكون قصيرة، ايتظهر
نتائجها في فترة قصيرة، واذا لم تظهر نتائجها في بداية تاريخ
تسديد البنك لحساباته فيكفي ان تظهر خلالالفترة التي تمر
بين تسديد الحسابات وظهور الميزانية واكمالها.
واذا افترضنا ان بعض المضاربات التي تمت قبيل اختتام السنة
المالية لم تظهر نتائجها حتى في هذه الفترة فيمكنللبنك
التحديد التقديري للربح، لانه يعرف كما تقدم نوع العملية
ويملك فكرة عن سيره الى ذلك الحين، فيستطيع ان
يقدرنتائجها ويتصرف على اساس هذا التقدير.
واما الحالة الثانية فيمكن للبنك ان يفرض على المشروع القائم
على اساس المضاربة التي تمت على طريقة ان تتوافقسنته
المالية مع السنة المالية للبنك.
وهناك حالات لا يمكن للبنك فيها الزام المؤسسة الطالبة
للتمويل بالالتزام بسنته المالية كما اذا كان المشروع قائما
ولهسنة مالية تختلف عن سنة البنك ويصعب عليه تغييرها او
حين يكون المشروع موسميا ومتخصصا بصنع وبيع
مادةشديدة الموسمية وكان اختتام السنة المالية للبنك يتفق
مع الذروة في اعمال المشروع.
والعلاج في هاتين الحالتين هو ان الارباح التي ستظهر في
ميزانيات هذه المشاريع ستحسب ضمن ارباح السنة
التيظهرت فيها الميزانيات. وهذا لن يسبب سوء في التوزيع الا
في السنة الاولى، واما بقية السنين فانه ستتعادل
بصورةتقريبية الارباح التي ستحسب خلال السنة القادمة وهي
تعود لهذه السنة مع الارباح التي احتسبت ضمن ارباح
هذهالسنة وهي تعود للسنة الماضية، واما العميل المودع
(المضارب) اما ينتظر الى السنة القادمة او يتصالح المودع
معالبنك على مبلغ معين كمقابل للربح المحتمل ظهوره في
السنة القادمة من هذه المشاريع»((72)).
الملحق رقم «1»
صرح الشهيد الصدر(قدسسره) بان البنك في عقد المضاربة
ليس هو صاحب المال ولا صاحب العمل # ايالمستثمر # وانما
يتمركز دوره في الوساطة بين الطرفين، فبدلا من ان يذهب
رجال الاعمال الى المودعين يفتشونعنهم واحدا بعد آخر
ويحاولون الاتفاق معهم يقوم البنك بتجميع اموال هؤلاء
المودعين ويتيح لرجال الاعمال ان يراجعوهويتفقوا معه
مباشرة على استثمار اي مبلغ تتوفر القرائن على امكان
استثماره بشكل ناجح.
وهذه الوساطة التي يمارسها البنك تعتبر خدمة محترمة
يقدمها البنك لرجال الاعمال ومن حقه ان يطلب مكافاة
عليهاعلى اساس الجعالة، والجعالة التي يتقاضاها البنك
كمكافاة على عمله ووساطته تتمثل في امرين:
الاول: اجر ثابت على العمل يمكن ان يفرض مساويا لمقدار
التفاوت بين سعر الفائدة التي يعطيها البنك الربوي
وسعرالفائدة التي يتقاضاها مطروحا منها زيادة حصة المودع
من الربح على سعر فائدة الوديعة.
وهذا المقدار بقطع النظر عن الطرح منه هو الذي يمثل الايراد
الاجمالي الربوي للبنوك، فان ايرادها الربوي يتمثل فيالفارق
بين الفائدة التي تدفعها للمودع والفائدة التي يتقاضاها لدى
تسليف الودائع.
غير ان البنك اللاربوي الذي نبحث عن صيغته الاسلامية لا
يكفي ان يحصل على هذا القدر، لان هذا البنك يختلف
عنالبنوك الربوية في نقطة جوهرية هي ان ضمان راس المال
المتكون من الودائع يقع على عهدته هو، بينما لا
تتحملالبنوك الربوية شيئا من الخسارة في نهاية الشوط. وانما
الذي يتحملها رجل الاعمال المقترض من البنك، ولهذا يجب
انيزيد الجعل الذي يتقاضاه البنك لقاء عمله على المقدار
الذي يحصل عليه البنك الربوي من التفاوت بين سعر
الفائدتين،كما سنرى.
الثاني: (اي العنصر الثاني من الجعالة المفروضة للبنك) ان
يكون للبنك زائدا على ذلك الاجر الثابت جعالة مرنة
علىالعامل المستثمر (او على المالك المضارب بتعبير فقهي
اصح، لان المالك المضارب (المودع) هو المالك في
الاصلللربح، فيمكن للبنك ان يلزمه بشرط شرعي مثلا بان
يتنازل عن نسبة معينة من ارباحه عند ظهورها، وعدم
كونمقدار النسبة محددا لا يضر بصحة الشرط، وكما يمكن هذا
يمكن ايضا من الناحية النظرية فقهيا ان يفرض كونحصة
العامل من الربح مشتملة على تلك النسبة التي يتوقعها البنك
ويلزم البنك حينئذ العامل بملزم شرعي بالتنازلعن تلك
النسبة من حصته عند ظهور الارباح) تتمثل في اعطاء البنك
الحق في نسبة معينة من حصة العامل في الربح،ويمكن ان
تقدر هذه النسبة بطريقة تقريبية تجعلها مساوية للفرق الذي
ينعكس في السوقين النقدي الربوي والتجاريبين اجرة راس
المال المضمون واجرة راس المال المخاطر به، فان راس المال
المضمون تتمثل اجرته في الاسواقالربوية في مقدار الفائدة
التي يتقاضاها البنك الربوي من مؤسسات الاعمال التي
تقترض منه وراس المال المخاطر بهتتمثل اجرته في الاسواق
التجارية في النسبة المئوية التي تعطى عادة لراس المال اذا
اتفق صاحبه مع عامل يستثمرهعلى اساس المضاربة.
وفي العادة تكون النسبة المئوية التي تعطى لراس المال في
حالة المخاطرة بدرجة يتوقع لها ان تكون اكبر من الفائدةالتي
يتقاضاها راس المال المضمون عن طريق القرض، وهذا الفارق
بين الاجرتين يجعل للبنك كجعالة على عملهووساطته
«البنك اللاربوي في الاسلام: 41 # 43».
القسامة
بحث في ادلتها وشروطها
آية اللّه الشيخ محمد اليزدي
الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد
وآله الطاهرين.
وبعد، فاننا حين وجدنا ان القسم في موارد القسامة قد يقع من
افراد قلائل لا نطمئن بهم، سيما في بعض القرىوالمناطق
التي تحكمها العصبية والحمية القبلية من دون معرفة كافية
باليمين ولوازمها وعذاب اللّه تعالى لردعه عنالكذب او
العصبية، لذا ارتاينا ان نتناول دراسة هذه المسالة:
القسامة لغة:
القسامة كما في القاموس: «الهدنة بين العدو والمسلمين،
جمعها قسامات، والجماعة يقسمون على الشيء وياخذونه
اويشهدون... وهي ايضا الوجه، او ما اقبل منه، او ما خرج عليه
من شعر، او الانف، او ناحيتاه،او ما فوق الحاجب، او ظاهر
الخدين، او ما بين العينين، او اعلى الوجه»((73)).
وفي الصحاح: «هي الايمان تقسم على جماعة
يحلفونها»((74)).
وفي المعجم الوسيط: «القسامة: الجمال، والحسن، والهدنة،
والجماعةيقسمون على حقهم وياخذونه، واليمين، وهي ان
يقسم خمسون من اولياء الدم على استحقاقهم دم صاحبهم
اذاوجدوه قتيلا بين قوم ولم يعرف قاتله، فان لم يكونوا
خمسين اقسم الموجودون خمسين يمينا، ولا يكون
فيهمصبيولا امراة ولا مجنون ولا عبد، او يقسم بها المت
همون على نفي القتل عنهم، فان حلف المدعون استحقوا
الدية،وان حلف المتهمون لم تلزمهم الدية، ويقال: حكم
القاضي بالقسامة اي باليمين»((75)).
ومن المعلوم ان هذا المعنى متخذ من الفقه، وليس المعنى
اللغوي الا الاول، واستعمل في مصطلح الفقه بالمناسبة
معالهدنة وترك المخاصمة، كما ذكره صاحب الجواهر عن غير
واحد((76)) من انها اسم للاولياء الذين يحلفون على
دعوىالدم، ثم انا لم نجد من اللغويين من يعده مصداقا من
مصاديق معنى الجماعة، لانه معنى مستقل.
والمتامل في كلمات اللغويين ينتهي الى ان القسامة الماخوذة
من «قسم يقسم»، و«اقسم يقسم» هي التي معناها اليمين#
وجمعها الايمان # لغة، واما الماخوذة من «قسم» و«قسم» # بمعنى
جزاه وجعله اقساما # فهي التي فسرتبالوجه او ما اقبل منه او ما
خرج عليه الشعر، لانها اجزاء، ثم استعمل في الحسن وغيره. وما
يفرده المقسم لنفسهيقال له القسامة # بضم القاف # كما لا
يخفى.
القسامة اصطلاحا:
القسامة في لسان روايات الباب: هي حق((77)) خاص لاولياء
الدم اذا ادعوه وكان المتهم في قوم وقبيلة.
وفي لسان الفقهاء: اسم للايمان((78)). وكيف كان، فالقسامة
اسم اقيم مقام المصدر، يقال: اقسم اقساما وقسامة، كمايقال:
اكرم اكراما وكرامة.
تبويب البحث:
ولابد من البحث هنا في فصول:
الاول: مبدا تشريعها وحكمتها.
الثاني: موضوعها وموردها، وانها مختصة بما اذا وجد قتيل في
قليب قبيلة وادعي عليهم انهم قتلوه، لا في كل قتيلظن به
احد انه قاتل.
الثالث: اشتراط وجود اللوث والتهمة باحتمال عقلائي لوجود
شواهد في المقام، كالمخاصمة بين القبيلتين،
دونكلمخاصمة بين المت هم والمقتول.
الرابع: المعدود بالعدد المذكور، وهل هو خمسون رجلا في
العمد وخمسة وعشرون رجلا في الخطا، او يكفي
العددخمسون يمينا ولو من رجال معدودين كرجل ورجلين؟
الاصل في المقام:
وقبل ذلك كله، لابد من بيان الاصل في المقام ليكون هو
المرجع عند الشك، ومن المعلوم انه العدم، اي عدم
جوازالاستناد الى القسامة في كل ما اذا ادعى الاولياء ان فلانا
هو القاتل مع ان القتيل وجد في سكة او سوق او محلة اومزرعة
يخالط اهلها غيرهم ولم تكن هناك قبيلة او عشيرة ذات
مخاصمة مع عشيرة المقتول ولو فرض وجود التخاصمبين
القتيل والمتهم.
وكذلك عدم جواز الاستناد اليها ما لم يوجد خمسون رجلا
حالفا او خمسة وعشرون وان تحقق خمسون يمينا اوخمسة
وعشرون ما لم يدل عليه دليل، فان القاعدة الثابتة في محلها
ان «البينة على المدعي واليمين على منانكر»، والاستناد الى
يمين المدعي خلافها، ويقتصر فيها به على متيقن مفاد
الدليل.
الفصل الاول
مبدا تشريع القسامة وحكمتها
ابتدا تشريع القسامة من زمن رسول اللّه(ص). والحكمة منها
هي الاحتياط، وحقن دماء المسلمين، وانها نجاة للناس،كما هو
مصرح به في روايات الباب، وفيما يلي نتعرض لبعضها:
الاول # مبدا التشريع:
1 # عن ابي بصير قال: سالت ابا عبداللّه(ع) عن القسامة اين كان
بدؤها؟ فقال: «كان من قبل (بكسر القاف وفتح الباء)رسول
اللّه(ص)، لما كان بعد فتح خيبر تخلف رجل من الانصار عن
اصحابه، فرجعوا في طلبه فوجدوه متشحطا فيدمه قتيلا...»
الحديث((79)).
وقراءة «قبل» بفتح القاف وسكون الباء خلاف ظاهر التعليل
بقوله: «لما كان بعد فتح خيبر...» الخ.
كما ان ظاهر قوله(ع): «انما حقن دماء المسلمين بالقسامة» ان
ذلك لم يكن قبل الاسلام، وانما شرعه رسولاللّه(ص).
الثاني # الحكمة:
1 # فعن زرارة قال: سالت ابا عبداللّه(ع) عن القسامة، فقال: «هي
حق #... الى قوله: # انما جعلت القسامة احتياطالدماء الناس، كيما
اذا اراد الفاسق ان يقتل رجلا او يغتال رجلا حيث لا يراه احد
خاف ذلك، فامتنع من القتل»((80)).
2 # وفي ذيل رواية بريد بن معاوية قال: «انما حقن دماء
المسلمين بالقسامة، لكي اذا راى الفاجر الفاسق فرصة
منعدوه حجزه مخافة القسامة ان يقتل به، فكف عن قتله...»
الحديث((81)).
3 # عن الحلبي عن ابي عبداللّه(ع) قال، سالت عن القسامة كيف
كانت؟ فقال: «هي حق، وهي مكتوبة عندنا، ولولا ذلكلقتل
الناس بعضهم بعضا ثم لم يكن شيء، وانما القسامة نجاة
للناس»((82)).
4 # عن عبداللّه بن سنان عن ابي عبداللّه(ع)، قال: سالته عن
القسامة، فقال: «هي حق، ولولا ذلك لقتل الناس بعضهمبعضا
ولم يكن شيء، وانما القسامة حوط يحاط به الناس»((83)).
الفصل الثاني
موضوع القسامة وموردها
وهو عمدة البحث هنا، فان الظاهر من روايات الباب انه القتيل
الذي وجد في حي قوم او قليب عشيرة وظن انه قتلبايديهم
لعداوة او حرب بينهم وبين قبيلة القتيل، لا كل قتيل ظن
بقاتل له كما توهم((84)). ويدل على ذلك روايات الباب،وهي:
الرواية الاولى: عن بريد بن معاوية عن ابي عبداللّه(ع)، قال:
سالته عن القسامة، فقال: «الحقوق كلها البينة على
المدعيواليمين على المدعى عليه، الا في الدم خاصة، فان
رسول اللّه(ص) بينما هو بخيبر اذ فقدت الانصار رجلا
منهمفوجدوه قتيلا، فقالت الانصار: ان فلان اليهودي قتل
صاحبنا، فقال رسول اللّه(ص) للطالبين: «اقيموا رجلين عدلين
منغيركم اقيده برمته، فان لم تجدوا شاهدين فاقيموا قسامة
خمسين رجلا اقيده برمته». فقالوا: يا رسول اللّه، ما
عندناشاهدان من غيرنا، وانا لنكره ان نقسم على ما لم نره.
فوداه رسول اللّه(ص) وقال: «انما حقن دماء
المسلمينبالقسامة، لكي اذا راى الفاجر الفاسق فرصة من
عدوه حجزه مخافة القسامة ان يقتل به، فكفعن قتله، والا
حلف المدعى عليه قسامة خمسين رجلا ما قتلناه ولا علمنا
قاتلا، والا اغرموا الدية اذا وجدوا قتيلا بيناظهرهم اذا لم يقسم
المدعون»((85)).
ووجه الدلالة ظاهر، فان الامام الصادق(ع) استشهد على الامر
بعمل رسول اللّه(ص) # حين وجد القتيل في محلةخيبر وكانت
بينهم حرب، مع ان في ذيله تصريحا بانه لو لم يوجد خمسون
قسامة حلف المدعى عليه قسامة خمسينرجلا ما قتلناه ولا
علمنا قاتلا # الظاهر في كون المدعى عليه من قوم وجمع
وعليهم القسامة بذلك.
ولا يتم الاستناد الى اطلاق قوله(ع): «الا في الدم خاصة»، فان
الاستشهاد بعمل رسول اللّه(ص) بمنزلة التعليل الذييعمم
ويخصص، كما لا يتم الاستناد بالاطلاق في صحيحة ابي بصير
في قوله: «... وحكم في دمائكم ان البينة علىالمدعى عليه
واليمين على من ادعى...»((86))، للجمع بحمل المطلق على
المقيد، فان العمل بالقسامة في مطلق القتيل اذاظنبقاتل له
خلاف الاصل والقاعدة مع ان ه لا تعارض بين المثبتين.
الرواية الثانية: عن علي بن الفضيل عن ابي عبداللّه(ع) قال: «اذا
وجد رجل مقتول في قبيلة قوم حلفوا جميعا ما قتلوهولا
يعلمون له قاتلا، فان ابوا ان يحلفوا اغرموا الدية فيما بينهم في
اموالهم سواء سواء بين جميع القبيلة من
الرجالالمدركين»((87)).
فان الرواية صريحة في ان الموضوع هو القتيل اذا وجد في
قبيلة قوم لا كل مقتول ظن بقاتل له، وان كان المورد
فيقسامة المتهمين، ولكن دلالتها على المطلوب في قسامة
المدعين ظاهر ايضا سيما مع عبارة «اغرموا الدية فيما بينهم
فياموالهم سواء سواء بين جميع القبيلة من الرجال المدركين»،
وان كان لابد من تفسير المدركين.
الرواية الثالثة: قول الصادق(ع) في ذيل حديث مسعدة بن زياد:
«ذلك اذا قتل في حي واحد، فاما اذا قتل في عسكر اوسوق
مدينة فديته تدفع الى اوليائه من بيت المال»((88)).
فان المقصود من الحي المحلة الخاصة التي تختص بقوم
وتعرف بانها مسكن قبيلة، ولا يقاس بما يطلق عليه في
المدناليوم عند تقسيم المدينة تسهيلا لارادة امورها.
الرواية الرابعة: صحيحة زرارة قال: سالت ابا عبداللّه(ع) عن
القسامة، فقال: «هي حق، ان رجلا من الانصار وجد قتيلافي
قليب من قلب اليهود، فاتوا رسول اللّه(ص)...»((89)) الحديث.
القليب: البئر، او العادية القديمة كما في القاموس. ويعود ذلك
الى المزرعة او المحل الخاص المتعلق بقوم يكون فيه
البئرالذي يشربون منه. وكيف كان، فالرواية بصراحتها تدل
على ان المورد المتيقن هو القتيل الذي وجد في قليب قوم او
محلعشيرة، لا كل قتيل ظن بقاتل له.
الفصل الثالث
اشتراط اللوث والاتهام
فعلى ما عليه بناؤنا في ترتيب الرجوع الى منابع الاستنباط من
الادلة والاصول من تقدم الكتاب على السنة، والسنةعلى
الاجماع وفتاوى الفقهاء العظام وكلماتهم التي يمكن ان
يستنبط منها وجود رواية في الباب، وان كان لابد منمراجعة
ذلك كله حتى يتعاضد المستنبط بها ويستند اليها، وبعد ذلك
كله تصل النوبة الى الاصول العملية، ولما لميكن في الكتاب ما
يدل على اللوث فلابد من ملاحظة روايات الباب اولا، ولم نجد
فيها عنوان اللوث، ولكنالمستفاد من ظواهرها لزوم وجود
التهمة وتلطخ كرامة المتهم بانه القاتل حسب امارات يشير
اليها المدعي او يراهاالحاكم وتورث ظنه به عادة وان لم يكن
لذلك الظن دخل في اعتبار القسامة وجواز العمل بها.
فان فلان اليهودي في رواية بريد بن معاوية((90)) كان متهما
لدى الانصار، حينما وجد رجل منهم متشحطا في دمهقتيلا
في خيبر((91))، ومن المعلوم ما كان بينهم وبين يهود خيبر
من العداوة والخصومة، وقرائن التهمة وامارات الاتهامموجودة.
وكذلك ما في رواية زرارة من قوله(ع): «هي حق (اي
القسامة)، ان رجلا من الانصار وجد قتيلا في قليب من
قلباليهود...» الحديث، فان وجدان القتيل في القليب يورث
الظن بكونه مقتولا بايدي صاحب القليب او الوارد عليه.
وكذا ما في ذيل حديث مسعدة بن زياد من قوله: «ذلك كله اذا
قتل في حي واحد، فاما اذا قتل في عسكر او سوقمدينة تدفع
الى اوليائه من بيت المال».
وغيرها من الروايات الدالة على تشريع القسامة الظاهر منها
مشروعيتها مع التهمة واماراتها على المتهم،
بحيثتطمئنالنفس بان المشروع لا يكون الا مع وجود التهمة
والتلطخ واللوث به مثل الامارات، سيما مع ان القسامة
خلافالقاعدة من جهات عديدة اشار اليها صاحب
الجواهر(رحمهاللّه)((92)).
واما الروايات الدالة على ما اذا وجد المقتول في محلة منفردة
مطروقة او في عسكر او زحام او وجد بين القريتين اومتقطعا
بين القبائل، فراجعة الى احكام خاصة لفروع مخصوصة لا
ترتبط بتشريع القسامة، وبيان هذا الحكم الشرعيالثابت على
خلاف القاعدة.
ومحصل الكلام: انه لا اشكال في اعتبار اللوث في القسامة، وهو
وان لميذكر منه شيء في روايات الباب لوجوده في جميع
الموارد المذكورة في تلك الروايات مصداقا، الا ان الكلام
فيحدوده ومعناه اولا.
وقد عرفت منا ان المتيقن هو ان التهمة واللطخ من ناحية
المدعي وولي الدم وتلويث المتهم بانه القاتل وان كان
يتحققبنفس الاتهام وادعائه ان فلانا هو القاتل او هؤلاء هم
القتلة، الا ان صرف ذلك الاتهام ونفس التهمة لا يكتفى بهما،
بللابد من قرائن وشواهد اخرى، مثل اقامة المتهم في محل
تواجد القتيل وعداوته معه، او اقامتهم في تلك
المحلةوعداوتهم # كما في اصل الامر، وهي قصة عبداللّه بن
سهل وخيبر # او وجدان القتيل في قليب القوم او ساقيتهم
اوقرب دارهم مع انفراد المحل، كما في موارد الروايات.
انما الكلام في انه هل يشترط حصول ظن الحاكم بصدق
المدعي من تلك القرائن او لا وان كان الولي جازماوقاطعا؟
قيل: يلزمه ذلك، وانه لابد من تحقق ظن الحاكم بصدق
المدعي من تلك القرائن بحيث يدور الامر مداره سعة
وضيقا،ومن ذلك فسروا اللوث بامارات تورث الظن بصدق
المدعي، ففي المبسوط: «ان كان معه ما يدل على دعواه
ويشهد القلببصدق ما يدعيه فهذا يسمى لوثا، مثل ان يشهد
معه شاهد واحد # ... الى قوله في ذيل البحث: # فاما صورة
اللوثفالاصل فيه قصة الانصار #... الى قوله: # فمتى كان مع
المدعي ما يغلب على الظن صدق ما يدعيه من تهمة ظاهرة
اوغيرها فهو لوث»((93)).
وفي الشرائع: «واللوث امارة يغلب معها الظن بصدق المدعي،
كالشاهد ولو واحدا...»((94)). وكذلك قال في
المختصرالنافع((95)).
وبعدهما العلا مة في القواعد حيث قال: «وانما تثبت مع اللوث
لا مع عدمه.. والمراد باللوث: امارة يغلب معها الظنبصدق
المدعي، كالشاهد الواحد، ووجدان ذي السلاح الملطخ بالدم
عند المقتول...»((96)).
وبعدهم الشهيد في اللمعة حيث قال: «واللوث امارة يظن بها
صدق المدعي، كوجود ذي سلاح ملطخ بالدم عند قتيل
فيدمه...»((97)).
وبعدهم استاذنا الراحل الامام الخميني(رحمهاللّه) حيث قال:
«وبالجملة، كل امارة ظنية عند الحاكم توجب اللوث منغير
فرق بين الاسباب المفيدة للظن، فيحصل اللوث باخبار الصبي
المميز المعتمد عليه...»((98)).
وقيل: لا يلزم حصول الظن القاضي بصدق المدعي، ولا دخل
له في اعتبار القسامة، فانها طريق ثالث مثل الاقراروالبينة.
كما نرى الفقيه السيد الخونساري صاحب «جامع المدارك»
يقول في معنى اللوث # حسب المستفاد من روايات الباب# ان
اصله غير ثابت، بل تسالم عليه الفقهاء، وفسره بغير ما فسره
الفقهاء حيث قال: «اما عدم الاثبات بالقسامة الا معاللوث فهو
المتسالم عليه بين الفقهاء، واعتبار اللوث بحسب الاخبار
مشكل، وقد يقال باستفادته من عدة روايات #ثمبعد نقل روايات
الباب قال: # فان التعليل المذكور فيها يدلنا على ان جعل
القسامة لا يعم كل مورد، بل لابد ان يكونالمدعى عليه رجلا
فاسقا متهما بالشر، وهذا هو معنى اللوث #... الى قوله: # ومع كون
اعتباره (اي اللوث) من جهةالاخبار المذكورة لابد من
الاقتصار بما في الاخبار، ومع اعتباره من جهة الاجماع لابد
من الاقتصار على القدرالمتيقن»((99)).
والاقرب الى الحق ما ذكره، فانه لم يذكر في روايات الباب
شيء، بل هو مستفاد من المقام، فلابد من الاقتصار
علىالمتيقن بالسماع ان القسامة خلاف الاصل والقاعدة، وهي
طريق ثالث شرعي لاثبات دعوى القتل مثل الاقرار
والبينة،وحيث لا يعتبر ظن الحاكم والقاضي في جواز حكمه
بالقود بهما كذلك لا يعتبر في القسامة اشتراطا.
ويؤيد ما ذكرناه ما عن دعائم الاسلام في المسالة: «قيل: انه
عبداللّه بن سهيل خرج هو ومحيصة بن مسعود، وهو ابنعمه،
الى خيبر في حاجة # ويقال من جهد اصابهما # فتفرقا في حوائط
خيبر ليصيبا من الثمار، وكان افتراقهما بعدالعصر، ووجد
عبداللّه قتيلا قبل الليل، وكانت خيبر دار يهود محضة لا
يخالطهم فيها غيرهم، وكانت العداوة بينالانصار وبينهم
ظاهرة، فاذا كانت هذه الاسباب وما اشبهها فهي لطخ تجب
معه القسامة».((100)).
هذا كله حسب ما قلنا من المبنى ولزوم شروع البحث من
الادلة الاولية: الكتاب، والسنة، ثم الاجماع، وفتاوىالاصحاب،
حتى تصل النوبة الى الاصول العملية.
واما على ما هو بناء اكثر الاصحاب في ترتيب الرجوع الى
مدارك الاستنباط وكيفية الدخول في البحث والخروج
منه،فالامر كما ترى من صاحب الجواهر(رحمهاللّه) من دعوى
اتفاق الاصحاب بل المسلمين على اشتراط اللوث، معالتصريح
بانا لم نجده فيما وصل الينا من روايات الباب، استنادا الى
كلمات الاصحاب مما حكي عن الشيخ(رحمهاللّه)في المبسوط
وابن ادريس في السرائر وابن زهرة في الغنية # الى ان قال: # «ولم
نجد مخالفا في ذلك من العامةوالخاصة الا عن الكوفي منهم،
فانه قال: لا اعتبر اللوث، ولا ارى بحثه، ولا ارى جعل اليمين
في جانب المدعي # ثم قال:# وكم له من نحو ذلك، والا فهي من
الضروريات بين علماء المسلمين # ثم قال: # والنصوص فيها من
الطرفينمتواترة او قطعية المضمون». ثم ذكر الروايات التي
استندنا اليها وقلنا بانها تدل على اشتراط اللوث الى قوله: «الى
غيرذلك من النصوص التي قد يتوهم من ظاهرها عدم اعتبار
اللوث فيها وان كان المورد في بعضها وجدان القتيل في
قلباليهود او القرية او نحوهما مما فيه لوث او كاللوث. لكن
ذلك لا يدل على الاشتراط على وجهيخص به عموم الروايات
التيسمعتها، ومن هنا اشكل الحال على الاردبيلي حتى قال:
«كان لهم على ذلك اجماعا او نصا ما اطلعت عليه»».
ثم قال صاحب الجواهر: «قلت: قد عرفت فيما تقدم ما يقوم
بذلك، مضافا الى معلومية مخالفة القسامة للقواعد
المعلومةبكون اليمين على المدعي، وتعدد الايمان فيها، وجواز
حلف الانسان لاثبات حق غيره، وعدم سقوط الدعوى بنكول
منتوجهت عليه اليمين اجماعا على ما في المسالك، بل ترد
اليمين على غيره، وغير ذلك، بل عنه(ص) «لو يعطى
الناسباقوالهم لاستباح قوم دماء قوم واموالهم»((101)).
فالمتجه الاقتصار فيها على المتيقن، خصوصا بعدما سمعت،
مضافا الى ما في الرياض من ان النصوص اكثرها فيقضية
عبداللّه بن سهل المشهورة وفيها اللوث بلا شبهة، وغيرها بين
ما مورد الاسئلة فيها وجدان القتيل فيمحلالتهمة، وهي كالاو
لة، وبين مطلقة ولكن اطلاقها لبيان اصل المشروعية لا لبيان
ثبوتها على الاطلاق، فهو حينئذمن قبيل المجملات بلا شبهة.
هذا، مع ان عدم اعتبار اللوث يستلزم عدم الفرق بين قتيل
يوجد في قرية او محلة او نحو ذلك من الامثلة الاتية،
وقتيليوجد في سوق او فلاة او جهة مع ان الفتاوى والنصوص
مطبقة بالفرق بينهما بثبوت القسامة في الاول دون الثاني.
ومن جملة تلك النصوص صحيح مسعدة عن الصادق(ع): «كان
ابي(رضىاللّه عنه) اذا لم يقم المدعون البينة على منقتل
قتيلهم ولم يقسموا بان المتهمين قتلوا، حلف المتهمين
بالقتل خمسين يمينا باللّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، ثمتؤدى
الدية الى اولياء القتيل، ذلك اذا قتل في حي واحد، فاما اذا قتل
في عسكر او سوق مدينة تدفع الدية الى اوليائه من
بيتالمال»((102)). وفيه دلالة من وجهين كما لا يخفى على
من تدبر سياقه. قلت: واظهر منه قول الصادق(ع) في خبر
زرارة:«انما جعلت القسامة ليغلظ بها في الرجل المعروف بالشر
المتهم، فان شهدوا عليه جازت ش((103))هادتهم».
ولكن العمدة ما عرفته من الاجماع السابق، ضرورة منع
الاجمال في الاطلاقات المزبورة الفارقة بين الدماء
والاموال.وصحيح مسعدة لا ظهور فيه في الاشتراط على وجه
ان لم تحصل امارة للحاكم لم تشرع القسامة، ولا الخبر
الاخر،والفرق المزبور بين قتيل الزحام وغيره انما هو بالنسبة
الى اداء الدية لا في اللوث، كما ستعرفه في نصوصه،
فتاملجيدا»((104)).
وقد عرفت المستفاد من روايات الباب وان المشروع هو
الاستناد الى القسامة في مثل تلك الموارد الموجودة
فيهاالتهمة وظن صحة الاتهام من ناحية وجود المخاصمة
ووجدان القتيل في القليب او الحي الخاص، وما تصوره
صاحبالجواهر(رحمهاللّه) في معنى الروايات خلاف الظاهر،
كما ان الاستناد الى الاجماع غير تام، ويكفي الاستناد الى
رواياتالباب، ولا يراد من اللوث ظن القاضي بصحة الاتهام، بل
ليس على القاضي في المحكمة الا العمل بطرق الشرع،
منالاقرار او البينة او خمسين حالفا، سواء حصل له الظن او لا.
الا ان مورد القسامة وموضوعها ما ذكرنا من انه لابد ان تكون
هناك قرائن مشابهة لما في قصة الانصاري، لا كلقتيل ظن
بقاتل له كما عرفت، وليس المراد من اللوث في كلمات
الاصحاب سوى هذا.
فان القتيل الذي يعثر عليه في حي قوم او قليب قبيلة لا ينفك
عن احتمال كونه مقتولا بايديهم، سيما مع وجود خصومةاو
عداوة بينهم وبين قبيلة المقتول، واما اذا لم يكن هناك اتهام
بل كان معلوما ان القاتل منهم او من غيرهم فلا كلام.
بمن يبتدا في القسامة؟
ثم انه هل يبتدا في القسامة مع توفر شرائطها بمدعي الدم
وتختص به، او تشمل المدعى عليه؟ صريح ما سمعت
منروايات الباب انه يبتدا فيها بالمدعي للدم واحدا كان او
متعددا، فان اقامها بشرائطها ثبت بها القتل، والا فعلى
المدعىعليه خمسون يمينا.
ولكنك ترى في كلام الفقيه الخونساري(رحمهاللّه) في جامع
المدارك((105)) انه لا اشكال في امكان اثبات القتل
بالبينة،وانه لا تختص القاعدة المعروفة «البينة على المدعي
واليمين على من انكر» بالدعاوى الحقوقية، بل تشمل
الدعاوىالجزائية ودعوى النفس والدم، الا انه اذا لم تكن بينة
للمدعي طولب المتهم المدعى عليه بالبينة على البراءة فان
كانتوالا فعلى المدعي القسامة، فان اقامها والا فعلى المدعى
عليه القسامة خسمين يمينا، فان اقامها والا اغرم بالدية.
وكيف كان، فالمستند هو روايات الباب، وظاهرها # كما قلنا # انه
عند عدم البينة فللمدعي القسامة خمسين رجلاابتداء، فان
اقامها ثبت بها القود، والا فعلى المتهم قسامة خمسين يمينا
على انه ما قتل ولا يعلم بالقاتل، فان اقامهابرئ والا اغرم بالدية.
القسامة في الاعضاء:
ثم الكلام يقع في قسامة الاعضاء، وانها هل تجري فيها او لا؟
وهل تكون مثل قسامة النفس في اللوث واشتراطه وعدد
خمسين رجلا # بعدما عرفت انها خلاف الاصل
والقاعدةولابدمن الاقتصار على المتيق ن # او لا؟
ومحصل الكلام ان المستند في الباب هو:
1 # رواية يونس عن الرضا(ع) ((106)).
2 # ورواية ظريف ((107)).
3 # ورواية عرض الكتاب او فتاوى امير المؤمنين(ع) على ابي
عبد اللّه(ع)((108))، وفيه: «وعلى ان ما بلغت ديته منالجروح
الف دينار (دية النفس) ستة نفر، وما كان دون ذلك فحسابه
من ستة نفر»((109)). سيما بعدملاحظة الجواب، فانه(ع) قال:
«نعم، هو حق، قد كان امير المؤمنين(ع) يامر عماله بذلك # الى
ان قال : # هوصحيح، او: اروه فانه صحيح»((110)).
|
|---|