الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

لا شك في ان حلية صيد البحر منوطة بالتذكية، ويدل على ذلك مضافا الى اتفاق الفقهاء، الروايات الكثيرة. فقد ورد #مثلا # في رواية الحلبي وابي بصير: «انما صيد الحيتان اخذها»((187))، وعليه، فلا اشكال ولا ترديد في حلية ما يؤخذمن الماء من السمك حيا ثم يموت خارج الماء. فذكاة السمك اذا باخراجه من الماء حيا كما دلت على ذلك الروايات‏الكثيرة.

ولا يوجد شرط آخر لذكاة السمك كما هو في حيوان البر حيث يشترط فيه اسلام المذكي وان يكون الى القبلة‏ومقارنا للتسمية، لما ورد التصريح به في اخبار كثيرة من عدم لزوم التسمية في صيد البحر. كما ان ثمة روايات‏اخرى نفت شرطية اسلام الصائد وان غير المسلم لو اخرج الصيد من البحر حيا كان كافيا في حليته وذكاته، لان‏ذكاته‏تتحق ق بمجرد اخراجه من الماء حيا. وقد دل على ذلك # مضافا الى الاخبار # اتفاق الفقهاء عليه ايضا.

وعليه فاذا خرج السمك باشباك حيا ثم مات فقد حل اكله، سواء كان ذلك على يد المسلم او الكافر، وسواء كان مع‏التسمية او بدونها.

نعم، يشترط في جواز الاكل # لو كان ذلك الاخراج بيد الكافر # ان يكون المسلم قد شاهده والا لم يجز له الاكل‏منه، لما ورد في صحيحة الحلبي عن الصادق(ع) في صيد المجوس قال: «ما كنت لاكله حتى انظر اليه‏»((188)).

وقد ورد مثل هذا التعبير في صحيحة محمد بن مسلم، ولذا افتى فقهاؤنا على ضوء هاتين الروايتين بان الحلية في‏صيد الكافر منوطة بالمشاهدة او بان يؤخذ من يده حيا. وواضح ان مثل هذا الشرط انما هو على نحو الطريقية بمعنى‏ان ذكاة السمك # كما اسلفنا # يكون باخراجه من الماء حيا، وحيث نحتمل في الكافر ان يكون قد اخرجه ميتا، فلايمكن حينئذ احراز التذكية‏للسمك الذي بيده، ولا يحل لمسلم اكل صيده الا مع احراز التذكية، ولا يتم ذلك الا بمشاهدة المسلم الكافر قد اخرج‏الصيد من الماء وهو حي، او يقطع من طريق آخر باخراجه من الماء حيا.

فلو اطمان شخص بان ما ياخذه الكافر من الماء يتم بنفس الطريقة المتداولة لدى المسلمين # اي يخرجه مع الحياة #جاز للمسلم التناول منه، اذ لا موضوعية للمشاهدة في مثل المقام.

فاتضح من مجموع ما تقدم ان ذكاة صيد البحر باخراجه من الماء حيا، سواء كان ذلك بيد المسلم او الكافر، وسواءكان الاخراج الى القبلة او لا، وسواء اقترن مع التسمية او بدونها.

ولما كان اخذ الانسان من الماء شرطا في التذكية، فان اخراجه من الماء ميتا، او خروجه بنفسه من الماء، اوبالمدوالجزر وامثاله، لا يعتبر ذكاة له. وعليه فلو القي في الماء مادة سام ة ادت الى موت ما في الماء ثم اخرج ميتا لم‏يحل اكله، كما انه لو خرج بطغيان الماء او حالة المد والجزر ميتا، لم يجز تناوله كذلك، وان لم يكن نجسا. الا ان يكون‏قد اخذها قبل ان تموت، حيث يصدق عليه التذكية، كما دلت على ذلك بعض الاخبار، كصحيحة علي بن جعفر عن اخيه‏موسى بن جعفر(ع) قال:

سالته عن سمكة وثبت من نهر فوقعت على الجد من النهر فماتت، هل يصلح اكلها؟ قال: «ان‏اخذتها قبل ان تموت ثم ماتت فكلها، وان ماتت قبل ان تاخذها فلا تاكلها»((189)). وهي صريحة في عدم حصول التذكية اذاوثب السمك من الماء الى الخارج الا اذا اخذ قبل موته. ولكن يوجد في قبال ذلك روايتان في نفس الباب تدلا ن على حصول‏التذكية بمجرد الخروج.

فقد ورد في احداهما قول زرارة: قلت: السمك يثب من الماء فيقع على الشطفيضطرب حتى‏يموت؟ فقال: «كلها»((190)).

وورد في الثانية قول زرارة ايضا: قلت سمكة ارتفعت فوقعت على الجدد، فاضطربت حتى‏ماتت، آكلها؟ فقال: «نعم‏»((191)) .

وهو وسابقه في معنى واحد، حيث يدلا ن على ان السمك اذا وثب بنفسه او خرج بطغيان الماء وما شاكل جاز اكله،وعليه فيمكن حمل الروايات المانعة على الكراهة.

الا ان سند هاتين الروايتين ضعيف، فلا يمكن ان تعارضا الروايات المانعة، فان الاولى عن عبد اللّه بن بحر عن رجل‏عن زرارة، وعبد اللّه مشترك بين الضعيف والمجهول، كما لا يعلم من يروي عنه ذلك، فالرواية ضعيفة ومرسلة،مضافا الى اضمارها حيث لم يعلم القائل في قوله: «قال‏».

واما الثانية فهي ضعيفة # مضافا الى الاضمار فيها والمضمرة غير معتبرة # باشتراك ابان الذي روى عنه الشيخ‏الصدوق هذه الرواية بسنده اليه عنه عن زرارة بين ابان بن تغلب وابان بن عثمان الاحمر،والرجلان وان كانامعتبرين، فالاول موثق، والثاني من اصحاب الاجماع، الا ان طريق الشيخ الصدوق الى ابان بن تغلب ضعيف بوقوع ابي‏علي صاحب الكلل فيه، فتسقط الرواية عن الاعتبار، لاحتمال ان يكون الراوي لها ابان بن تغلب # وان كان كلاهمايروي عن زرارة # وطريق الصدوق اليه ضعيف بمن ذكرنا، فتسقط الرواية عن الاعتبار، كما لا يخفى. وعليه فلايحل‏اكل ما وثب من الماء من السمك لو لم ياخذه الانسان بيده.

ثانيا # هل يشترط في حل ية السمك ان يكون له فلس؟ مشهور الفقهاء سابقا وحاضرا ان ما يحل من السمك هو خصوص ما كان له فلس، فيحرم اكل ما ليس له فلس.

وقد دل على ذلك بعض الروايات التي فيها الصحيح والمعتبر، وان كان اكثرها ضعيفا. وعليه فلا ينبغي التردد في‏ذلك. فقد ورد في رواية عبداللّه بن‏سنان مثلا ان امير المؤمنين(ع) كان يركب بالكوفة بغلة رسول اللّه(ص) ثم يمر بسوق الحيتان فيقول: «لا تاكلوا ولاتبيعوا ما لم يكن له قشر من السمك‏»((192)) .

ودلالة مثل هذه الروايات على حرمة السمك الذي لا فلس له واضحة. وعليه فاذا انحصر الامر بمثل هذه الاخبار فلاترديد اذا في حرمة ما لا فلس عليه. الا ان الامر لا ينحصر بها، فقد دلت بعض الروايات على خلاف ذلك:

1 # صحيحة زرارة قال سالت ابا عبداللّه(ع) عن الجريث؟ فقال:

وما الجريث؟ فنعته له، فقال: (قل لا اءجد في مااوحي الي محرما على طاعم يطعمه)((193)) الى آخر الاية، ثم قال: لم يحرم اللّه شيئا من الحيوان في القرآن الا الخنزيربعينه، ويكره كل شي‏ء من البحر ليس له قشر مثل الورق، وليس بحرام، انما هو مكروه‏»((194)) .

وكما هو واضح في هذه الرواية، فان الامام(ع) قد بين # مضافا الى الاستدلال بالاية # قاعدة عامة فيما يرتبط‏بصيد البحر ومفادها: ان كل ما ليس له فلس فهو مكروه، وليس بمحرم.

2 # صحيحة محمد بن مسلم قال: سالت ابا عبداللّه(ع) عن الجري والمارماهي والزمير وما ليس له قشر من السمك‏احرام هو؟ فقال لي: «يا محمد اقرا هذه الاية التي في الانعام: (قل لا اءجد في ما اوحي الي محرما)» فقراتها حتى‏فرغت منها، فقال:

«انما الحرام ما حرم اللّه ورسوله في كتابه، ولكنهم قد كانوا يعافون اشياء، فنحن نعافها».

وقد دل ((195))ذيلها: «ولكنهم قد كانوا يعافون اشياء فنحن نعافها» على انتفاء الكراهة الشرعية فيما ليس له قشر،وانما كرهها الائمة(ع) لكراهة الناس لها، لا لكراهة شرعية فيها، واقصى ما تدل عليه هذه الروايات هو الكراهة‏الشرعية لا غير.

3 # رواية الحلبي وهي معتبرة الاسناد عن الصادق(ع) قال: «لا يكره شي‏ء من الحيتان الا الجري‏»((196)). وبناء على‏هذا الحديث فان كل ما يسمى ب«الحوت‏» او «السمك‏» حلال بل وغير مكروه، فالمكروه هو «الجري‏» فقط، لان هذه‏الصحيحة تخصص الروايات الدالة على كراهة ما ليس له فلس.

4 # ما رواه ايضا بهذا المضمون حريز عن الحكم عن الامام الصادق(ع): «لا يكره شي‏ء من الحيتان الا الجريث‏»((197))وهي متحدة المفاد مع سابقتها الا في التعبير عن الجري بالجريث، والظاهر اتحادهما في المعنى. الا ان‏سندها ضعيف، لاشتراك الحكم فيها بين المجهول والضعيف والثقة.

5 # رواية حريز عن الباقر والصادق(ع): «ان امير المؤمنين(ع) كان يكره الجريث ويقول: لا تاكل من السمك الا شيئاعليه فلوس، وكره المارماهي‏»((198))، ويمكن القبول بها وان لم يذكر الذي بين حريز وبينهما(ع)، وهي واضحة الدلالة‏على حلية بعض ما ليس له فلس من السمك. كما انها صريحة في كراهة الجريث والمارماهي، وهذا النهي عن اكل مثل‏هذا النوع من السمك قرينة على ان المراد بالنهي هنا هو النهي التنزيهي.

روايات تحريم ما ليس له فلس:

اشرنا الى ان ثمة روايات تدل على حرمة ما ليس له فلس من الاسماك الا ان اكثر هذه الروايات ضعيفة الاسناد، فلايمكن الاستناد اليها والافتاء على طبقها، وهذه الروايات هي:

1 # مرسلة الصدوق(رحمه‏اللّه) قال: قال الصادق(ع): «كل من السمك ما كان له فلوس، ولا تاكل منه ما ليس له‏فلس‏»((199)). ومن الواضح ان هذه الرواية مرسلة، فلا يمكن التعويل عليها.

2 # رواية مسعدة بن صدقة: «ان امير المؤمنين(ع) كان يركب بغلة‏رسول اللّه(ص) ثم يمر بسوق الحيتان فيقول: الا لا تاكلوا ولا تبيعوا ما لم يكن له قشر»((200)). وسندها واضح‏الضعف، لعدم توثيق مسعدة بن صدقة، بل ان البعض ضعفه.

3 # رواية حنان بن سدير عن الصادق(ع) قال: «ما لم يكن له قشر من السمك فلا تقربه‏»((201)) .

وهي ضعيفة الاسناد، اذ مضافا الى ورود ابراهيم بن هاشم فيها، فان في اولها سدير بن حنان، وهو مختلف فيه،فقد وصفه النجاشي بانه غير ثبت، وعده العلا مة وابن داود وغيرهما من الرجاليين في الضعاف، كما ضعفه صاحب‏التنقيح صريحا، وان وثقه الشيخ في الفهرست.

4 # رواية حماد بن عثمان قال: قلت لابي عبداللّه(ع): جعلت فداك، الحيتان ما يؤكل منها؟ قال: «ما كان له قشر».

((202))رويت هذه الرواية بسندين غير معتبرين، فان في وقد نقل الكليني (المعلى بن محمد)، وهو ضعيف، وفي طريق‏الشيخ (محمد بن يحيى)، وهو مشترك بين الضعيف والمجهول.

5 # رواية محمد بن مسلم عن الباقر والصادق(ع) قال: قلت له:

رحمك اللّه انا نؤتى بسمك ليس له قشر؟ فقال: «كل ماله قشر من السمك، وما ليس له قشر فلا تاكله‏»((203)).

وفي طريق الشيخ والكليني (العلاء)، وهو مشترك بين كثيرين اكثرهم مجهول.

6 # رواية حنان بن سدير، قال: سال العلاء بن كامل ابا عبداللّه(ع) وانا حاضر عن الجري؟ فقال: «وجدنا في كتاب‏علي(ع) اشياء من السمك محرمة فلا تقربه...»((204)).

وهي نفس الرواية الثالثة، وقد نقلها صاحب الوسائل في موضع بشكل مفصل، وفي موضع آخر بشكل مختصر.ولكنها ضعيفة الاسناد في الموضعين.

7 # رواية عبداللّه بن سنان عن ابي عبداللّه(ع) قال: «كان علي(ع) بالكوفة يركب بغلة رسول اللّه(ص) ثم يمر بسوق‏الحيتان فيقول: لا تاكلوا ولا تبيعوا ما لم يكن له قشر من السمك‏»((205)). ولعل هذه الرواية هي افضل النصوص‏الواردة في هذا الباب، لوضوح دلالتها وسلامة سندها سوى اشتمالها على ابراهيم بن هاشم الذي لم يرد فيه توثيق،ولكن يمكن قبول روايته.

الروايات المتعرضة لنوع خاص من السمك:

نهت بعض الاخبار عن تناول نوع خاص من الاسماك، وهو الجري والجريث والزمير والمارماهي، مثل:

1 # رواية سماعة: «لا تاكل الجريث ولا المارماهي‏»((206))، الا ان في سندها عثمان بن عيسى، وقد ضعفه علماءالرجال.

2 # رواية حبابة الوالبية قالت: رايت اميرالمؤمنين(ع) في شرطة الخميس ومعه درة لها سبابتان يضرب بها بياعي‏الجري والمارماهي والزمار ويقول لهم: «يا بياعي مسوخ بني اسرائيل وجند بني مروان...»((207))، وهي ضعيفة‏الاسناد كما هو واضح، لاشتمالها على عدة مجاهيل مثل محمد بن خد((208))اهي وغيره. فالرواية اذا ساقطة.

3 # رواية الكلبي النسابة قال: سالت ابا عبداللّه(ع) عن الجري فقال: «ان اللّه مسخ طائفة من بني اسرائيل، فما اخذمنهم بحرا فهو الجري والزمير والمارماهي وما سوى ذلك، وما اخذ منهم برا فالقردة والخنازير...»((209)) .

لكنها ضعيفة الاسناد بمعلى بن محمد وغيره من الضعفاء، فهي ساقطة.

4 # مرسلة الصدوق(رحمه‏اللّه) قال: قال الصادق(ع): «لا تاكل الجري، ولا المارماهي، ولا الزمير، ولا الطافي، وهوالذي يموت في الماء فيطفو على راس الماء»((210)) .

5 # رواية محمد بن مسلم عن الباقر(ع): «لا تاكل الجري ولا الطحال‏»((211)) .

وقد رواها الشيخ الصدوق بسنده عن ابان، لكن سنده الى ابان بن تغلب ضعيف، وسنده الى ابان بن عثمان وان كان‏صحيحا، ولكن ابان نفسه لم يرد فيه توثيق.

6 # روايات اخرى بهذا المضمون، الا انها غير صحيحة الاسناد، فلا يمكن التعويل عليها في الافتاء بالحرمة. الا ان‏يحصل الاطمئنان من كثرتها بصدورها عنهم(ع).

والذي يجب الالتفات اليه في هذه الروايات انها تفيد مفاد روايات القسم الثاني، فقد ورد فيها تعليل المنع من تناول‏الجري بانه لا فلس له، وعليه فلابد من جعلها في روايات القسم الثاني.

ما هو الموقف من هذه الروايات؟ اتضح من مجموع ما تقدم بشكل جلي:

اولا: ان الروايات الدالة على حرمة ما لا فلس فيه ضعيفة سندا، وان كانت بحسب الظاهر معتبرة. كما ان القسم‏الثالث من هذه الروايات الدالة على حرمة الجري والمارماهي والزمير غير معتبرة الاسناد. فتبقى بناء على ذلك روايات‏القسم الاول الدالة على حلية جميع اصناف السمك من غير معارض، لعدم صحة اسناد القسم الثاني والثالث من‏الروايات، فدقق.

ثانيا: انه حتى لو فرض صحة اسناد الطائفة الاولى والثانية، فانها لاتعارض ايضا روايات الطائفة الاولى، لانه قد ورد في صحيحة زرارة التصريح بحلية ما ليس فيه فلس الا انه مكروه،ولا يمكن # كما هو ظاهر # توجيه النص الدال على الكراهة ونفي الحرمة عما لا فلس فيه، فلابد حينئذ من حمل‏النهي الظاهر في الحرمة # الوارد في الطائفة الثانية والثالثة # على هذا النص، وهذا لا محالة جمع عرفي بينهما، وهوجمع ياخذ به الفقهاء في جميع الفقه، ولا ندري لماذا لم يطبق ولم يؤخذ به هنا في مقامنا؟! وبعبارة اخرى: ان الروايات المعتبرة الدالة على كراهة ما ليس له فلس((212)) تشكل قرينة على ان المراد بقوله(ع) في‏الروايات المانعة من اكل ذلك مثل: «لا تاكلوا ولا تبيعوا ما لم يكن له قشر» هو كراهة تناول وبيع ما لا قشر له، وذلك‏باعتبار ان الرواية الاولى نص في الكراهة، فاذا ورد نهي في رواية اخرى عن مورد هذه الرواية فلابد من حمله على‏النهي التنزيهي،فان مقتضى الفهم العرفي هو حمل الظاهر على الاظهر والنص، بمعنى ان النص قرينة على ان المراد من الظاهرمعنى آخر غير الذي يظهر منه بالنظر الاولي.

ثالثا: انه على فرض استقرار التعارض بين ما دل على حرمة ما له قشر وبين ما دل على حليته، فانه يجب مع ذلك‏تقديم ما دل على الحلية والالتزام بمفادها، وذلك لان استدلال الامام الصادق(ع) بالاية الكريمة في صحيحة زرارة‏ومحمد بن مسلم يدل على ان الالتزام بالحلية موافق للكتاب، لان الذي يحرم من الحيوانات طبقا للاية (145) من‏سورة الانعام هو لحم الخنزير خاصة، ولازم ذلك عدم حرمة ما لا قشر له من السمك.

وعليه فالروايات الدالة على‏الحلية تكون موافقة للقرآن، فلابد من تقديمها بمقتضى الاخبار العلاجية على ما لم يوافق القرآن.

فاذا حتى على فرض‏التعارض فان روايات الحلية تقدم على الروايات المانعة، وذلك لموافقتها للكتاب.

ان قيل: ان الروايات الدالة على حرمة ما لا قشر له مخالفة لراي الجمهور، والروايات المجوزة موافقة لهم، ومن‏الواضح فان الذي يتقدم هو المخالف لهم، وهو الروايات الدالة على الحرمة، الامر الذي صنعه مشهور الفقهاء وافتواعلى اساسه، وحملوا الروايات المجوزة على التقية كما ورد ذلك في الجواهر ومجمع الفائدة. ويعتبر هذا التوجيه‏للروايات المجوزة هو اهم ما قيل في المقام، وهو ان تحمل الروايات المجوزة على التقية، لا بيان الحكم الواقعي.

ولكن يرد على هذا التوجيه ما يلي:

اولا: ان الحمل على التقية انما يتحقق فيما لو كان هناك تعارض بين الطائفتين، بحيث يكون احدهما موافقا للجمهوروالاخر مخالفا لهم، فيحمل المخالف على التقية.

الا انه قد تقدم عدم وجود مثل هذا التعارض، لامكان الجمع العرفي بينهما، فلا مجال حينئذ لحمل الروايات المخالفة‏على التقية.

ثانيا: انه على فرض وجود التعارض فانه قد تقدم لزوم تقديم الموافق للكتاب وهو الروايات المحللة، لما تقرر من‏تقديم الموافق للكتاب على المخالف له.

الا ان يقال: صحيح ان الروايات المحللة موافقة للكتاب فيجب تقديمها، ولكن الروايات المحرمة مخالفة لراي الجمهور،فيتعارض هذان المرجحان. الا ان هذا الكلام ليس بشي‏ء، وذلك لانه على فرض ان تكون الروايات المحللة موافقة لجميع‏اقوال الجمهور وآرائهم فمع ذلك يجب تقديمها لموافقتها مع الكتاب، ومخالفة الجمهور لا يكون مرجحا في قبال موافقة‏القرآن، وذلك لما ورد في صحيحة القطب الراوندي عن الامام الصادق(ع): «اذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهماعلى كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فردوه، فان لم تجدوهما في كتاب اللّه فاعرضوهما على‏اخبار العامة، فما وافق اخبارهم فذروه، وما خالف اخبارهم فخذوه‏»((213)). وهي صريحة في الاخذ بما وافق الكتاب‏وتقديمه على ما خالف العامة، لانها تقضي في المرحلة الاولى عند التعارض بتقديم الموافق للكتاب سواء كان الاخرموافقا للعامة او مخالفا لهم، فالمدار في التقديم هنا هو على موافقة الكتاب. فاذا لم يكن هذا المرجح موجودا كانت النوبة‏للمرجح الثاني وهو المخالفة للعامة. وبناء على ذلك فلابد من تقديم الروايات الدالة على الحلية، وطرح الروايات المانعة‏سواء كانت موافقة للمشهور او لم تكن موافقة، لما تقدم في محله من ان الشهرة لا تعد من المرجحات لتكون مرجحالهذه الروايات او تكون مزاحما لمرجحية الموافقة مع الكتاب.

وثالثا: انه على فرض التعارض بين هاتين الطائفتين وتساقطهما لعدم رجحان احدهما وذلك لوجود المرجح مع‏كل‏واحد منهما، فان ه مع ذلك لابد من الحكم بحلية ما لا قشر له تمسكا بالعام الفوقاني في مثل هذه الحال، وليس هوالا الاية في سورة الانعام، ومقتضاها الحلية، وذلك لحصر الحرمة في الاية بخصوص الوارد فيها، والاية وان كانت‏قابلة للتخصيص، ولكن المفروض عدم وجود مخصص غير هذه الروايات، كما ان المفروض ابتلاء المخصص بالمعارض‏وتساقطه بالمعارضة، فالنتيجة هي الرجوع لهذا العموم.

فالمتحصل من جميع ما مر هو: ان المستفاد من الروايات والقواعد المسلمة هو القول بحلية جميع السمك بكافة انواعه،ولما كان القول بحرمة ما لا قشر فيه ليس اجماعيا، فلابد ان يلتزم الفقهاء حينئذ بالجواز فيه تسليما بالادلة المتقدمة. الا ان يحصل للانسان اطمئنان او يقين بظهور المنع في الروايات المانعة بضميمة الشهرة. الا ان هذا لا يعدو ان يكون‏دليلا شخصيا، لا يمكن ان يفيدنا شيئا، كما لا نظن بحصول مثل هذا اليقين لاحد الا انه يمكن حصول الشك والترديدلكثيرين في ذلك، فلا يمكنهم حينئذ الافتاء بحلية اكل ما لا قشر له، فيفتون بحرمته احتياطا، ولكن اغلب الفقهاء يفتون‏بالحرمة، فيجب على كل مقلد الرجوع الى من يرجع اليه في التقليد، فان غرضنا في هذا البحث هو تحقيق المسالة من جهة‏علمية لاهل البحث والنظر لا للمقلدين.

ثالثا # كيفية الصيد:

نبحث فيما يلي كيفية الصيد الموجبة لذكاة السمك. وقد تقدم انه يشترط في حلية السمك اخراجه من الماء حيا وموته‏بيده او خارج الماء. ولا يوجد شرط آخر وراء ذلك.

وهذا ما لا نزاع فيه. كما انه لو مات السمك في الماء واخرجه كان ميتة لا يجوز اكلها، وهذا ايضا مما لا نزاع ولاخلاف فيه، وقد وردت روايات كثيرة في كلا الامرين.

وبحثنا ليس في هاتين الجهتين. بل في جهة اخرى، وهي ما لو نصب الصيادون # كما كان عليه الامر في الازمنة‏السابقة وكذا الحاضرة # شباكهم في الماء مدة مديدة يوما او نصف يوم ثم اخرجوها بعد ذلك فوجدوا فيها سمكاميتا فهل يحل اكله ام لا؟ وقد سئل عن ذلك الامام الباقر والصادق والكاظم(ع)، وقد احل الائمة(ع) ذلك في عدة‏روايات نوردها فيما يلي:

1 # رواية محمد بن مسلم في رجل نصب شبكة في الماء ثم رجع الى بيته وتركها منصوبة فاتاها بعد ذلك وقد وقع‏فيها سمك فيموتن، فقال(ع): «ما عملت يده فلا باس باكل ما وقع فيها»((214)). وسندها صحيح، حيث رواها الشيخ‏الطوسي عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن القاسم بن بريد عن محمد بن مسلم عن الباقر(ع)، وطريق الشيخ الى‏الحسين بن سعيد معتبر، كما ان رجال السند من الثقات، فالرواية خالية من الاشكال. كما ان دلالتها صريحة في‏الجواز.

2 # رواية الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه بسنده عن عبداللّه بن سنان عن ابي عبداللّه(ع)، قال: سالته عن‏الحظيرة من قصب تجعل للحيتان في الماء فيدخلها الحيتان فيموت بعضها فيها؟ قال: «لا باس‏»((215)) .

ولا اشكال فيها من حيث السند، لان سند الشيخ الصدوق الى عبداللّه بن سنان صحيح، كما ان دلالتها اوضح من ان‏يستشكل فيها.

3 # رواية الحلبي قال: سالته عن الحظيرة من القصب تجعل في الماء للحيتان فيدخل فيها الحيتان فيموت بعضهافيها؟ فقال:

«لا باس به ان تلك الحظيرة انما جعلت ليصاد بها»((216)).

وهي لا اشكال فيها من حيث الاسناد، كما لايضرها الاضمار حيث عبر فيها الحلبي ب(سالته) لانه قد رواها الكليني في الكافي عن الحلبي عن الامام الصادق(ع)،فالرواية تامة سندا ودلالة، وذلك لاطلاق جواب الامام(ع)، والا فان سؤال السائل ليس هو عن السمك الذي وجده حيا، اذلا شك في حكمه ولا يشتبه على احد، كما انه ليس عن حكم مجموع الحي والميت ليستفاد منها حكم المجموع حسب.

4 # رواية مسعدة بن صدقة عن ابي عبداللّه(ع) قال: «سمعت ابي(ع) يقول: اذا ضرب صاحب الشبكة بالشبكة فمااصاب فيها من حي او ميت فهو حلال‏»((217)) .

ودلالتها على المطلوب واضحة لا يمكن انكارها، وان كان قد ورد التعبير فيها ب«ضرب صاحب الشبكة‏» بشكل مطلق،ولكن القرائن الموجودة فيها لاتدل على مطلق الشبكة، بل على نوع خاص منها. وحتى بغض النظر عن ذلك فان الظاهر من (الشبكة) اساسا هو نوع‏خاص منها للصيد لا مطلق الشبكة، وان كان لا يستبعد استعمالها احيانا في الصحاري لصيد بعض الحيوانات‏خصوصا الجراد، لكن الغالب فيها هو لصيد الاسماك، وعلى فرض ارادة المطلق منها فانه يمكن استفادة المطلوب‏منها ايضا لاثبات حلية السمك او الجراد الميت فيها.

الا ان المشكلة في هذه الرواية هو ضعف سندها، حيث انه لم‏يوثق راويها مسعدة بن صدقة.

5 # رواية علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر(ع) قال:

سالته عن الصيد نحبسه فيموت في مصيدته ايحل‏اكله؟ قال:

«اذا كان محبوسا فكله فلا باس‏»((218)) .

والسؤال والجواب وقعا فيها عن الصيد والمصيدة. ومن الواضح ان حبس الصيد البري في المصيدة وموته فيه لايمكن ان يفيد الحلية في غير الجراد، الا ان خروج هذه بدليل خاص لا يمكنه ان يؤثر على الجراد والسمك، وعليه‏فيمكن ان تكون هذه الرواية ناظرة الى لحم الميت من السمك في الشبكة وانه يجوز اكله. الا ان في سندها ضعفا،فيمكن ان تصلح للتاييد حينئذ، فدقق.

6 # رواية اخرى لعلي بن جعفر، ويمكن ان تكون نفس الرواية السابقة التي رواها عبداللّه بن جعفر الحميري عن‏عبداللّه بن الحسن عن جده علي بن جعفر، ولذا ذكرنا ان سندها ضعيف، ولكن هذا النقل يرويه المحدث النوري عن‏كتاب علي بن جعفر برواية المجلسي في البحار، وقد ورد فيها: سالته عن صيد البحر يحبسه فيموت في مصيدته؟قال: «اذا كان محبوسا فكل، فلا باس‏»((219)).

ودلالتها على المطلوب غير قابلة للانكار حيث لم يرد فيها السؤال او الجواب عن الصيد والمصيدة، كما انه لم يرد في‏سندها قرب الاسناد وعبداللّه ابن الحسن، ولذا فانها افضل حالا من جهة السند من سابقتها.

فالمستفاد من مجموع هذه الروايات هو حلية السمك الذي يوجد في الشبكة ميتا، وذلك لاعتبار السند في بعضهاوتمامية الدلالة فيها. الا ان جملة من الفقهاء ذهبوا الى عدم الحلية، فما هو السر في ذلك؟ قال المحقق الحلي في الشرائع: «ولو نصب شبكة فمات بعض ما حصل فيها واشتبه الحي بالميت قيل: حل الجميع‏حتى يعلم الميت بعينه، وقيل: يحرم الجميع تغليبا للحرمة. والاول حسن‏»((220)) .

وقد نسب صاحب الجواهر الراي الاول الى الشيخ الطوسي والقاضي ابن البراج، ونسب الراي الثاني الى الاكثر بل الى‏المشهور، واختار هو راي المشهور، وقد استدل عليه:

اولا: ان مقتضى قاعدة المقدمية اجتناب الجميع.

ثانيا: خبر عبدالمؤمن الانصاري الدال على ذلك، ولذا فان القاعدة المذكورة تتايد بهذا الخبر ايضا.

ثالثا: المعتبرة المستفيضة الوارد فيها: «ما اجتمع الحلال والحرام الا غلب الحرام الحلال‏»((221)) .

هذا تمام الاستدلال الذي ذكره صاحب الجواهر للراي الثاني.

ولكن من العجيب جدا صدور مثل هذا الاستدلال من مثله،وذلك لان قاعدة المقدمية انما يرجع اليها في الموارد التي لا يوجد فيها نص، الا ان مسالتنا ليست من صغريات هذه‏القاعدة، وذلك لان السمك الذي وجد في الشبك ميتا هو مذكى بناء على الروايات السابقة، لا انه حرام اشتبه بالحلال‏لتجري قاعدة المقدمية فيقال بلزوم ترك الجميع مقدمة لترك الحرام. فاذا هذه الروايات تحكم بحلية ما وجد ميتا في‏الشبك سواء كان مختلطا مع الحي او كان معينا، او كان‏الجميع ميتا. وعلى فرض القبول بان تلك الروايات ناظرة للصورة الاولى # كما تصور ذلك بعض الفقهاء # فمع ذلك‏يكون المراد بها هو ان الامام(ع) اثبت الحلية لجميع السمك، ولم يطبق قاعدة المقدمية واقعا او تعبدا. وعليه فلا يمكن‏القول مع وجود هذه النصوص ان اجتناب السمك الميت واجب من باب المقدمة.

واما رواية عبدالمؤمن، فيرد عليها:

اولا: انها ضعيفة السند، لاشتراك عبدالمؤمن فيها بين اربعة اشخاص كلهم من اصحاب الامام الصادق(ع)، ولم يوثق‏منهم الا شخص واحد وثقه النجاشي، والثلاثة الاخرون مجهولون، كما ان علي بن النعمان وابن مسكان الواقعين فيهامشتركان ايضا، فان علي بن النعمان فيها مشترك بين اثنين، احدهما موثق والاخر مجهول، وابن مسكان مشترك بين‏جماعة فيهم الضعيف وفيهم الثقة وفيهم المجهول، ولا طريق الى تعيين الثقة منهم، فتسقط الرواية عن الاعتبار.

ثانيا: عدم دلالتها على المطلوب، حيث انه قد ورد فيها: عن عبد المؤمن قال: امرت رجلا ان يسال ابا عبداللّه(ع) عن‏رجل صاد سمكا وهن احياء ثم اخرجهن بعدما مات بعضهن فقال: «ما مات فلا تاكله، فانه مات فيما كان فيه‏حياته‏».

((222))ولم يعلم القائل في «فقال‏» في الجواب هل هو الامام الصادق(ع) او الرجل الذي امره عبدالمؤمن بالسؤال، كما ان ذلك‏الشخص مجهول، وعليه فاذا كان القائل هو # كما هو ظاهر او محتمل # فان الرواية تسقط عن الاعتبار، سواء كان‏ما نقله يمثل فتوى ذلك الشخص او قول الامام الصادق(ع)، اما الاول فلانه لا قيمة لرايه وفتواه، واما الثاني فلكونه‏مجهولا.

هذا مضافا الى ان قوله: «ما مات فلا تاكله، فانه مات فيما كان فيه حياته‏» مطلق وشامل لما اذا كان قد مات في الماءاو في الشبك الذي في الماء، والروايات السابقة تفيد حلية خصوص السمك الذي يموت في‏الشبك الذي ينصب للصيد، وعليه فهذه النصوص تكون مقيدة للاطلاق المذكور.

بل يمكن ان يقال بان قوله: «فانه مات فيما كان فيه حياته‏» قرينة على ان المقصود في قوله «ما مات فلا تاكله‏» هوخصوص ما مات في الماء خارج الشبك، لان داخل الشبكة وان كانت في داخل الماء لا تعتبر محلا لحياة السمك‏وتواجده، فلا يقال مثلا:

ان السجن هو مكان حياة الانسان.

هذا مضافا الى انه لا يمكن الاعتماد على خصوص هذه الرواية في الافتاء بالحرمة وعدم النظر الى باقي الروايات‏الصحيحة التي هي نص في الحلية، فيجب معها حمل رواية عبدالمؤمن الظاهرة في الحرمة على الكراهة. وعلى فرض‏التعارض بينها فمع ذلك يجب الاخذ بالروايات المحللة لموافقتها للكتاب حيث حددت الاية الكريمة ما يحرم اكله، وليس‏مقامنا منه.

الا ان هذا الكلام ليس بتام، وذلك لانهما لو تعارضا وتساقطا رجع الى العام الفوقاني وهو حرمة اكل الميتة، ولا اقل‏من اصالة عدم التذكية، لان المورد ليس من باب الشك في حلية او حرمة الحيوان ليثبت بالكتاب حليته ويكون مرجحالها. وعليه فلا يمكن الاعتماد على رواية عبدالمؤمن للافتاء بالحرمة على ضوئها، ولذا فان صاحب الجواهر لم‏يعتمدها، بل جعلها مؤيدة للقاعدة.

واما الرواية الاخرى التي استدل بها وعبر عنها بالمعتبرة المستفيضة كدليل آخر على مطلوبه فانها رواية مرسلة‏انفرد بروايتها في عوالي اللئالي، وهي ليست بمعتبرة، ولا حجية لها.

وان كان الوارد في عدة روايات ان الميتة لو اختلطت بالمذكى بيع ذلك ممن يستحله((223)).

الا ان هذا ليس له ربط بمحل الكلام، لان محل كلامنا ليس هو في الميتة حيث دلت النصوص السابقة على ان الميت‏في الشبكة ليس بميتة بل مذكى، وعلى فرض كونه ميتة فهو ميتة خاصة اعتبرتها النصوص حلالا. فاذا على فرض‏وجوب اجتناب المختلط من الميتة والمذكى والتسليم بان موردنا من ذلك، ومع الغض ايضا عن «كل شي‏ء فيه حلال‏وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه‏»((224)) فان المعنى المذكور معنى عام تخصصه الروايات‏الدالة على حلية السمك الميت الذي في الشبكة، بل انها دلت على حلية السمك الميت المتميز وان كان جماعة منهم‏الشيخ الطوسي قد حكموا بالحلية فيما لو كان السمك الميت مختلطا بالحي وغير متميز الا ان الروايات الدالة على الحلية‏اعم من الصورة المذكورة، فلا دليل على حصر الحلية بالصورة المذكورة كما لا يخفى.

رابعا: حكم حيوانات البحر غير السمك:

بحثنا في حكم الاسماك. واما حكم غيرها من حيوان البحر، فقد نقل في الجواهر دعوى اجماع الخلاف والغنية‏والسرائر والمعتبر والذكرى وفوائد الشرائع على عدم حلية غير السمك من حيوان البحر، وذكر انه يدل على ذلك #مضافا الى دلالة الاجماع # العمومات الدالة على حرمة الميتة الشاملة باطلاقها للمقام بناء على صدق الميتة على‏كل‏حيوان زهقت روحه، هذا مضافا الى ما في موث قة عمار الساباط‏ي عن ابي عبداللّه(ع) قال: سالته عن الربيثا، فقال:«لا تاكلها، فانا لا نعرفها في السمك يا عمار»((225))، والعجب من مثله ان يستند الى مثل هذه الادلة لاثبات المدعى‏المذكور، وذلك لان الاجماع الذي ادعاه البعض غير قابل للاثبات حيث لم يعلم انعقاد مثل هكذا اجماع، ولذا ذكر في‏الجواهر ان البعض قد شكك في وجود هذا الاجماع، هذا اولا.

وثانيا: ان الاجماع الذي يكون حجة هو الاجماع غير المدركي او غير محتمل المدركية، ولا شك انه هنا اما مدركي، اولا اقل محتمل المدركية. فلا حجية لمثل هذا الاجماع.

ومن الواضح ان التمسك بعمومات حرمة الميتة لاثبات حرمة حيوان البحر غير السمك، هو من التمسك بالعام في‏الشبهة المصداقية، فان احراز انطباق عنوان الميتة على الحيوان الذي اخذ من الماء بامر الشارع امر مشكوك، وعليه‏فلا يمكن التمسك بالعمومات لاثبات حرمة حيوان البحر. الا ان يقال: ان حليتها منوطة بكونها قابلة للتذكية، وبما انانشك في قابليتها للتذكية، فان امكان تذكيتها حينئذ لا يكون قابلا للاثبات، فيحرم اكلها. ولكن يرد على هذا الكلام: اولا:ان (السمك) اسم جنس لحيوان البحر كله، ولذا ورد اطلاق الحوت على السمك الذي ابتلع يونس(ع)، وهو نوع من انواع‏السمك، وان كان لكل واحد من هذه الانواع اسم يختص به، وقد ورد في الروايات الكثيرة ان ذكاة السمك والحوت باخذه‏حيا.

والذي يشهد لذلك هو ان المجوس يرون حلية جميع انواع حيوان البحر، وقد ورد السؤال عن صيدهم في الروايات‏فاجاب الائمة(ع) بنفي الباس عنه، وذلك لان صيد السمك باخذه حيا من الماء، وقد ورد في بعضها: ان صيد الحوت‏باخذه حيا من الماء، وبناء على ذلك فان اسم السمك او الحوت يطلق على سائر ما في البحر، لا خصوص السمك‏المتعارف، وذلك لان صيد المجوس # الذي ورد السؤال عنه # لا ينحصر بالسمك خاصة.

ويشهد لذلك ايضا قول يونس بن عبدالرحمن عن ابي الحسن(ع)،قال: قلت له: جعلت فداك ما تقول في اكل الاربيان؟قال: فقال لي: «لا باس، والاربيان‏ضرب من السمك‏»((226)) فقد حكم الامام(ع) بالحلية في الاربيان (:

الروبيان) الذي هو لا يشبه السمك اصلا، بل هومن قسم السرطان النهري، وهذه قرينة على ان السمك جنس لجميع حيوانات البحر، وانها يحل تناولها، الا ان يقوم دليل‏خاص على حرمة بعض الموارد كالضفادع والسرطان النهري والسلاحف حيث ورد في رواية علي بن جعفر تحريم‏اكلها، وان كان الكليني قد نقلها عن محمد بن يحيى، وهو مشترك بين جماعة، الا انه لا يبعد ان يراد به الثقة.

واما رواية عمار الساباط‏ي التي تمسك بها صاحب الجواهر فانها لا تفيده شيئا، وذلك:

اولا: لضعف سندها لوجود احمد بن الحسن فيها، وهو مشترك بين جماعة كثيرين اكثرهم مجهول، وقد رواها احمد بن‏الحسن عن عمرو بن سعيد، وهو مختلف فيه، وقد ضعفه ابن داود صريحا.

وثانيا: انه قد ورد في هذه الرواية قوله(ع): «لا نعرفها في السمك يا عمار». ومن الواضح ان معنى هذه الجملة ليس هوان (الربيثا) ليس من جنس السمك، والا لقال: (انها ليست من السمك) او (انا لا نعرف انها من السمك).

وثالثا: انه قد ورد في بعض الروايات المعتبرة تحليل الربيثا.

فاذا هذه الرواية دليل على ما ندعيه من ان حلية حيوان البحر لا تتوقف على انطباق عنوان السمك عليه، كما ان حلية‏الاربيان (: الروبيان) دليل آخر على هذا المدعى، وذلك باعتبار ان الاربيان هو من جنس السرطان النهري، لا من السمك‏كما هو واضح وثابت في علم البيئة.

ويدل على حلية حيوان البحر الا ما قام الدليل على حرمته # مضافا الى اصالة الحلية # صحيحة زرارة وصحيحة‏محمد بن مسلم، حيث ورد في الاولى # كما تقدم ذلك #: «ويكره كل شي‏ء من البحر ليس له قشر مثل الورق وليس‏بحرام، انما هو مكروه‏»، كما انه قد وردت الاشارة في هذه الرواية وفي صحيحة محمد بن مسلم الى ان الحرام‏ينحصر بما حرمه اللّه ورسوله، ومن الواضح عدم تحريم شي‏ء من حيوان البحر في القرآن الا خنزيره بناء على‏احتمال ان لا يكون لفظ الخنزير مشتركا لفظيا. وعليه فاذا لم يورث الاجماع القطعي اطمئنانا بحرمة ما عدا السمك من‏حيوان البحر، فلا اقل من الالتزام بحلية كثير من حيوانات البحر، وان كان الاحتياط في اجتناب ذلك وفي اجتناب ما لاقشر فيه من السمك.

السيرة بين التاسيس الاصولي والممارسة الفقهية السيد علي عباس الموسوي السيرة هي من المفردات التي استخدمها الفقهاء في مواطن كثيرة، وتمسكوا بها كدليل لاثبات القضايا الشرعية، ولكن‏هل اسس الاصوليون في ابحاثهم لهذه السيرة؟ لعل هذا السؤال يبدو غريبا، وذلك بملاحظة استدلال الاصوليين بالسيرة‏لاثبات حجية العديد من الحجج والقواعد الاصولية، اي انها امر استخدم في التاسيس الاصولي، ولكن هذه الغرابة تزول‏بملاحظة عدم افراد الاصوليين بحثا مستقلا لها كما التزموا به بالنسبة لسائر الحجج التي توصل الى الحكم الشرعية، اويقع البحث في كونها دليلا موصلا للحكم الشرعي، وهذه الملاحظة لا ترتبط بالناحية الفنية او الاشكال الترتيبي بل ان‏عدم افراد البحث عن حجية السيرة ادى الى عدم اثراء البحث عن السيرة بابداعات العقل الاصولي المشهودة في‏الابحاث الاخرى.

التاسيس الاصولي لم يفرد # وكما ذكرنا # الاصوليون البحث عن السيرة في كتبهم، ولعل اول من بادر الى ذلك الشيخ المظفر في كتابه‏الذي وضعه للتدريس في الحوزات العلمية الموسوم ب «اصول الفقه‏»، وهو لم يشر الى مبادرته لهذاالامر في كتابه الا ان الشهيد الصدر(قدس‏سره) هو ثاني من جعل للسيرة بحثا مستقلا ضمن ابحاث الاصول، وقدم‏لهذا الامر بان الحاجة هي التي دعته الى ان يفرد السيرة ببحث مستقل فقال: «يبدا عادة بالظواهر بوصفها اول‏الامارات الظنية والظنون المعتبرة شرعا بلا خلاف، ولكن بما ان مهم الدليل الذي يجري الاستدلال به على حجية اهم‏الامارات كالظواهر وخبر الثقة # وهما اهم امارتين في الفقه # انما هو السيرة العقلائية.

من هنا كنا بحاجة الى بحث مستقل عن السيرة ودليليتها ونكات هذه الدليلية وشروطها لنكون على رؤية واضحة فيماياتي من مواضع الاستناد اليها من المباحث الاصولية‏»((227)).

اذا يقدم الشهيد الصدر في كلامه هذا بيانا للدافع لافراد السيرة بالبحث مضافا الى بيان منهجية البحث الاصولي والتي‏تفترض تقديم البحث عن السيرة على البحث عن الحجج، لانها تشكل عمدة الدليل على الحجج الاخرى لا سيما حجية‏الخبر والظواهر، وهو امر لم يلحظه منهجيا الشيخ المظفر بل جعل البحث عن السيرة متاخرا عن البحث عن سائرالحجج. نعم يبقى ان الملاحظ هنا هو ان السيرة لم تشكل دليلا على حجية مباحث الحجج فقط بل شكلت دليلا وحجة‏لدى الاصوليين في مباحث سابقة هي مباحث الالفاظ كتاسيسهم لاصالة عدم القرينة او استدلالهم للسيرة في البحث‏عن مسالة لزوم الفحص عن المخصص للتمسك بالعام، او للتمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وهذا كله يدلنا على‏ان‏السيرة شك لت دليلا اصوليا وحجة حتى في مباحث الالفاظ التي هي سابقة على مباحث الحجج .

يتنوع البحث الاصولي حول السيرة، ولابد لنا من الاطلال على ما بحثه الاصوليون حول السيرة دون تعميق البحث‏لئلا نخرج عن حدود ما تفرضه ضرورات المقالة.

وهذه الابحاث هي:

1# تقسيمات السيرة اولا: السيرة العقلائية والسيرة المتشرعية تنقسم السيرة بداية الى نوعين: سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة، والتسمية توضح سر التقسيم.

وقد ذكرت العديد من التعاريف للقسمين، والذي نستخلصه من هذه التعاريف هو ان السيرة قد تصدر من الناس دون‏ملاحظة ارتباطهم بملة او نحلة او شريعة بل تسير عليها سجية العقلاء وفطرتهم فتعم المسلمين وغيرهم، وهنا حيث‏ينتفي عنصر الدين او الملة تصبح السيرة امرا مشتركا بين الناس جميعا، وتصبح الفطرة التي تشترك فيها الانسانية‏كلها هي العامل في نشوء هذه السيرة، وارجاع السيرة الى امر فطري عند العقلاء هو الذي يبرر اشتراكها بين افرادالبشر كافة، لانها الامر المشترك بينهم.

وقد ذكر الميرزا النائيني(رحمه‏اللّه) ان السيرة او طريقة العقلاء او بناء العرف العام لا تخلو من شقوق ثلاثة، ومايصح منها انما هو ارجاعها الى الفطرة، قال: «ان مبدا الطريقة العقلائية لا يخلو:

اما ان يكون لقهر قاهر وجبر سلطان‏جائر قهر جميع عقلاء عصره على تلك الطريقة واتخذها العقلاء في الزمان المتاخر طريقة لهم واستمرت الى ان صارت‏من مرتكزاتهم، واما ان يكون مبداها امر نبي من الانبياء بها في عصر حتى استمرت، واما ان تكون ناشئة عن فطرتهم‏المرتكزة في اذهانهم حسب ما اودعها اللّه تعالى في طباعهم بمقتضى الحكمة البالغة حفظا للنظام. ولا يخفى بعد الوجه‏الاول بل استحالته عادة، وكذا الوجه الثاني، فالمتعين هو الوجه الثالث‏»((228)).

واما سيرة المتشرعة فهي السيرة التي تصدر من المسلمين بما هم مسلمون، او فقل انها السيرة التي تصدر من اهل‏ملة خاصة كالامامية بما هم اهل هذه الملة، اذا هنا ايضا يوجد عنصر مشترك يكون هو المنشا لهذه السيرة، واذا كان‏في سيرة العقلاء المنشا هو الفطرة الانسانية، فان المنشا هنا هو الدين او المذهب الذي يلتزم به هؤلاء المتشرعة، ولذااكد الاصوليون على ان سيرة المتشرعة هذه التي يراد الاستدلال بها لابد وان تصدر من الملتزمين بالشريعة اوالمتدينين، فلا عبرة بسيرة العوام الذين لا يبالون بمخالفة آداب الشريعة، وذلك لان كاشفية مثل هذه السيرة انما تكون‏فيما اذا كان المنشا فيها هو هذا العنصر المشترك والذي هو الدين، ولا يكفي وجوده التكويني، بل لابد من وجوده‏الفاعلي المؤثر.

ولكن اشتراط عنصر التدين او الالتزام الديني لا يعني اشتراط العدالة بمعناها الفقهي، بل تتمحور المسالة في احراز ان‏العنصر المولد لمثل هذه السيرة هو الدين او المذهب لدى طائفة المتشرعة، لان امرا ما قد ينشا حتى لدى العوام الذين‏لا يبالون بمخالفة آداب الشريعة ويعلم ان السبب فيه هو هذا الانتماء الى المذهب او الدين الذي لولاه لما نشا هذا الامربينهم ولما اصبح سيرة لديهم. اذا احراز هذا الاستناد الى الشريعة هو الاساس في هذه السيرة.

نعم، يبقى ان العنصر الغالب في السيرة لدى عوام الناس الذين لا يبالون هو ان تكون سيرتهم ناشئة من هذا التسامح‏في امر الشريعة كما سياتي ذكر موارد له بحثت فقهيا.

اذا كان هذا التعريف للسيرة تاما فهل يعني هذا وضع حد لتداخل السيرتين؟ والجواب هو بالنفي، لان السيرة ان علم‏المنشا فيها وانه احد الامرين المتقدمين فهو، ولكن من اقسام السيرة التي تنشا لدى المتشرعة ما لا يعلم المنشا فيه،وذلك لان من السير والبناءات ما يصدر من المتشرعة ولا يعلم المنشا في صدوره، فهل صدر منهم بمقتضى طبعهم‏العقلائي اوبمقتضى التزامهم الشرعي والديني، وهذا القسم وان كان لا يخل باعتبار السيرة من سيرة المتشرعة الناشئة من‏منشا شرعي محض من جهة دليليتها، ولكن الفارق يظهر في قوة هذا الدليل، لان السيرة التي تنشا من عامل شرعي‏محض هي اقوى دلالة على الحكم من تلك التي يتردد المنشا فيها بين امرين((229)).

وليس هذا التقسيم للسيرة الى قسمين الا لاجل فائدة تترتب على هذا التقسيم تظهر في الفوارق التي ذكرت لهذاالتقسيم:

ا# احتمالية الردع: السيرة المتشرعية لا احتمال فيها للردع من قبل الشارع، لانها اذا كانت قد صدرت من منشاشرعي فاحتمال الردع فيها ينتفي. وهذا بخلاف سيرة العقلاء، لان المنشا فيها ليس شرعيا، فاحتمال الردع يبقى فيهاواردا((230)). والعراقي يعبر عن هذا الفارق بان هناك تلازما وجوديا بين سيرة المتشرعة وعدم الردع عنها من قبل‏الشارع، وهذه الملازمة الوجودية مفقودة في السيرة ((231))العقلائية.

ومن هذه الجهة ينفى رادعية اي امر قد يتوهم كونه رادعا عن السيرة، ومثاله: ما وقع من البحث حول رادعية الايات‏الناهية عن العمل بالظن عن العمل بالسيرة على حجية خبر الواحد، حيث ذكر العراقي هناك ان السيرة المتشرعية لايتاتى فيها هذا البحث، لان هاهنا مضادة وجودية بين انعقاد السيرة وصدور الردع، فمن المستحيل تحقق السيرة‏المتشرعية على العمل بالخبر مع ثبوت الردع((232)).

ب # ضرورة العمل وعدمه: ثمة فارق آخر بين السيرتين يتمثل في ان سيرة العقلاء لا يشترط فيها اثبات قيام عمل‏من العقلاء عليها، بل يكفي فيها اثبات ان الطباع العقلائية لو خليت ونفسها ومن دون ردع كانت تعمل بذلك. واما في‏سيرة المتشرعة فلابد من اثبات عمل اصحاب الائمة والاجيال المعاصرة لهم على ذلك الامر((233)).

وهذا الفارق يعود في حقيقته الى ان العنصر المولد للسيرة المتشرعية حيث كانت هي الشريعة، فاذا لابد من اثبات‏عمل كاشف عن هذا العنصر، وهذا ما لا نحتاج اليه في السيرة العقلائية، لان العنصر المولد لها هو العقلائية اوالانسانية، وهي امر موجود ومشهود لا نحتاج معه الى اثبات، وهذا هو التحليل الصحيح لهذا الفارق، ولاجل ذلك اعتبرالسيد الخوئي عند بحثه حول قيام السيرة على الاستصحاب بان السيرة لو قامت على العمل على طبق الحالة السابقة‏لفهمناها، فانا من العقلاء((234))، وهذا لا يتاتى في سيرة المتشرعة.

ثانيا: السيرة المثبتة للحكم والسيرة المثبتة للموضوع لم يتحدث الاصوليون سوى الشهيد الصدر عن هذا التقسيم وان كان ممارسا من قبلهم فقهيا. وهذا التقسيم له اهمية‏من ناحية نوعية السيرة التي يرجع اليها فانها ليست واحدة في كلا القسمين، ولذا كانت السيرة المتبعة في اثبات الحكم‏الشرعي هي السيرة المعاصرة للمعصوم، فيما كانت السيرة المتبعة لاثبات الموضوع هي السيرة المعاصرة، لان‏الموضوع تابع في ثبوته للسيرة الفعلية، ولذا لو فرض تحول السيرة كان المتبع السيرة المستحدثة. ومثال ذلك تحديدنفقة الزوجة، فان السيرة لو اقتضت ان تكون نفقة الزوجة في هذا الوقت بنحو اتم واكمل مما كانت عليه لتبدل الاعراف‏الاجتماعية والاقتصادية فلابد من مراعاة هذه المرتبة((235)).

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية