لكننا في سياق بحثنا وجدناه ياخذ بالموثق في العديد من
المواضع، ويذره في العديد ايضا، وتبرير ذلك اما القرائن اوانه
ياخذ الموثق حيث لا يعارضه الصحيح كما هو محتمل
جدا((394)).
4 # تربية جيل هام من علماء الرجال
العامل الرابع: تربية الاردبيلي جيلا مميزا من العلماء كان له
دور هام في منهاج التعامل مع اسانيد الاخبارومساهمات
حديثية ورجالية اساسية وابرز هذه الشخصيات:
1 # زكي الدين عناية اللّه القهبائي (ق11ه)، كانت له مساهمات
رجالية هامة جدا ابرزها «مجمع الرجال» الذي حوىالاصول
الرجالية القديمة مع رجال ابن الغضائري، والحاشية على نقد
الرجال للتفرشي، وله حاشية ايضا على منهجالمقال
للاسترآبادي، وهذا كله في الرجال.
2 # المولى عبداللّه التستري (1021ه)، وقد كانت له حاشية على
رجال ابن داوود.
3 # الشيخ حسن صاحب المعالم (1011ه)، وسياتي الحديث عنه،
وقد كان له في الحديث والرجال كل من «التحريرالطاووسي» و
«منتقى الجمان» و..
4 # السيد محمد بن علي العاملي (1009ه)، الذي سياتي
الحديث عنه ان شاء اللّه تعالى.
5 # الميرزا محمد الاسترآبادي (1028ه) الباحث الرجالي
المعروف، صاحب الرجال الكبير المسمى ب«منهج المقال
فيعلم الرجال»، والرجال المتوسط المعروف ب# «تلخيص
الاقوال في معرفة الرجال»، والرجال الصغير المعروف«بالوجيز»
او «توضيح المقال»((395)).
6 # مير فيض اللّه التفرشي (1025ه)، وقد كان له كتاب في
رجال الشيعة.
ونلاحظ من خلال طبيعة التلامذة ومصنفاتهم ايضا ان علم
الرجال قد تنامى مع تلامذة الاردبيلي بشكل ملفت جدا،مما
يشي بدور افكار الاردبيلي في تنامي التركيز على رجالات
السند كما نؤكده دوما.
ان هذه الشخصيات # لا سيما منها صاحبي المعالم والمدارك #
لعبت دورا كبيرا في الوصول بمدرسة العلا مةالحلي الى اعلى
مستوى ممكن، حيث شكلت الجيل الاخير لهذه المدرسة قبل
انفجار قنبلة الاخبارية في الحياةالشيعية.
الشيخ حسن (1011ه) والتركيز المضاعف على مقولتي الايمان
والعدالة
ساهم الشيخ حسن بن الشهيد الثاني (1011ه) في معركة
تعريف الانواع الاربعة للحديث، وسجل هناك تاكيدا
علىشرطين اساسيين في الراوي هما الايمان والعدالة، فلم
يكتف الشيخ حسن بوصف الاسلام في الراوي كما فعلهالعلا مة
الحلي من قبل، بل اضاف وصف الايمان، معتبرا ان المشهور
بين الاصحاب هو اشتراطه((396))، ومعنى ذلكان اخبار غير
الشيعة ستكون محل علامة استفهام كبيرة الا اذا جاء ما يسعفها
من مثل عمل الاصحاب او ما شابه.
وهكذا اضاف الشيخ حسن شرط العدالة، ناسبا اياه الى المشهور
ايضا((397))، ومن هنا اخذ بنفي الواسطة بين الفسقوالعدالة
مما جعله يرفض روايات مجهول الحال((398))، ويرى الشيخ
حسن ان وصف العدالة يكفي عن وصفي الاسلاموالايمان، لان
الكافر وغير الامامي كلاهما عنده غير عادلين، فالعدالة لا ربط
لها باعتقاد الفاعل حتى يقال: انه اذا اقدمعلى ذنب معتقدا
كونه معصية سقط عنه وصف العدالة، اما لو ارتكبه مع عدم
اعتقاد المعصية فلا يكون بذلك هابطاالى رتبة الفسق الموجبة
لعدم قبول خبره بنص آية النبا((399)).
وهكذا تقدم الشيخ حسن خطوة على والده الذي استغرب # اي
الشيخ حسن # من ادعائه ربط العدالة بالاعتقادبالمعنى الذي
اسلفناه((400))، وبذلك فتح صاحب المنتقى الباب على
مصراعيه لعملية تطهير واسع في الاحاديث ان صحالتعبير،
وذلك لان آية النبا تنص على عدم الاخذ بخبر الفاسق، وعندما
يرى الشيخ حسن عدم الواسطة بين العدالةوالفسق، فمعنى
ذلك لزوم احراز العدالة للاخذ بالخبر، وحيث كانت العدالة
عنده شاملة لمفهومي الاسلام والايمان كانمعنى ذلك عدم
جواز الاخذ بالخبر الموثق بل الحسن الا مع اعتضاده بقرينة،
ولا يراها الشيخ حسن قليلة((401)).
صاحب المدارك (1009ه) وقمة التشدد السندي((402))
السيد شمس الدين محمد بن السيد علي بن ابي الحسن بن
الحسن العاملي الجبعي الموسوي (1009ه) احد اسباطالشهيد
الثاني، صاحب الكتاب الشهير «مدارك الاحكام في شرح شرائع
الاسلام»، يعد العاملي من فروع مدرسة العلا مةالاردبيلي
(993ه) هو والشيخ حسن، وقد كان دقيقا في امر الاحاديث
حتى قيل: ان من ميزاته نقله الرواية بكاملها معالدقة في نقلها،
ولاجل ذلك اعتبر كتابه «المدارك» من الكتب المعتمد عليها
في نقل الروايات((403)).
برز تشدد صاحب المدارك في امر الاسانيد جليا حينما دافع
حتى النهاية عن عدم حجية الخبر الموثق، اي ذاك الذييرويه
غير الامامي الاثني عشري، حتى لو كان شيعيا، فقد طبق
العاملي ذلك في كتابيه «المدارك» و «نهاية المرام»وكانت لهذا
التطبيق مضاعفات كبيرة، انطلاقا من كثرة الروايات المروية
عن الواقفية والفطحية والغلاة واهل السنة.
وامثلة ذلك من كتابيه هذين كثيرة جدا، ففي بحثه حول
مقدار الكر، يواجه السيد العاملي رواية عن ابي بصير، الا
انهسرعان ما يقول: «وهي ضعيفة السند باحمد بن محمد بن
يحيى فانه مجهول، وعثمان بن عيسى فانهواقفي..»((404))،
كما يرد رواية في باب نزح البئر معتقدا بضعفها بعلي بن ابي
حمزة لانه واقفي((405))، كما يطرحرواية في مباحث الاسئار
لضعف سندها «باشتماله على جما((406))عة من الفطحية».
وهكذا اكثر صاحب المدارك من رد الروايات التي في سندها
رجال من الواقفية((407))، والفطحية((408))،
واهلالسنة((409))، والغلاة((410))، والزيدية((411))، او اشار
الى وجود حزازة فيها في ذاتها...
ولكي نضع القارئ الكريم في حجم الصورة التي ستتركها
تطبيقات صاحب المدارك، بوصفها عصارة ما وصلتهمدرسة
العلا مة والشهيدين، والتي كانت سببا في قلق الاخباريين فيما
بعد، نقدم هذه الامثلة، فسهل بن زياد الذييصفه صاحب
المدارك بانه «عامي»((412)) جاءت له في الكتب الاربعة فقط
2304 روايات((413))، واما علي بن ابيحمزة البطائني الذي
اسلفنا ان صاحبالمدارك يراه واقفيا فله في الكتب الاربعة
545 رواية((414))، وهكذا كانت للحسن بن فضال في هذه
الكتب 321رواية((415))، اما زرعة فكان((416))ت له 318
رواية، ومحمد بن الحسن بن شمون 140 رواية((417))،
ولداوود الرقيالمغا((418))لي 66 رواية، واما المفضل بن عمر
الذي اعتبره الكثيرون غير امامي فله فيها 106 ر((419))وايات،
وهكذاالحال في سماعة حيث كانت له 2((420))22 رواية، واما
محمد بن سنان فكانت له 797 رواية((421))، ولاسحاق بن
عمارالفطحي 989 ر((422))واية، ولعلي بن الحسن بن فضال
الفطحي 510 ((423))روايات، ولعبد اللّه بن بكير الفطحي
334رواية((424))، ولزياد بن المنذر ابي الجارود الزيدي
92 رواية، وللسكوني العامي 1067 رواية((426))، الى ((425))
ما شاء اللّهمن التقديرات الاولية التي جعلناها في خصوص
الكتب الاربعة، فما ظنك بمجموع المصادر الحديثية؟!! مما
يدلل على ان منهجصاحب المدارك سوف يؤدي # بالتاكيد # الى
طرح الالاف الكثيرة من النصوص نظرا لكثرة الرواة غير
الاماميين، هذافضلا عن رد الكثير من الروايات بالارسال او
عدم توثيق بعض الرجال وجهالة حالهم وغير ذلك مما هو كثير.
هذا، وقد انتقد المحدث البحراني (1186ه) صاحب المدارك
بانه اضطرب في منهجه، فتارة يرد الرواية لوجود رجالغير
اماميين في سندها، واخرى ياخذ بروايات رغم ان فيها رواة غير
اماميين((427)).
والذي يبدو ان هذه الملاحظة، لم تركز على الاسباب التي
كانت تدعو صاحب المدارك للاخذ ببعض الروايات رغموجود
رجال غير اماميين في سندها، ومنها وجود عمل المشهور بها او
عدم وجود مخالف لها من القواعد الشرعية اوما شابه ذلك من
القرائن الموجبة لقبول الرواية حتى عند صاحب المدارك
نفسه((428))، لكن مع ذلك واجهنا نحنمشكلة الاضطراب
في مصادر هذا الفريق من الشهيد الثاني بل والعلا مة الحلي
كما تقدم وحتى صاحب المدارك، وربمايمكن ايجاد حل له،
لكنه يستدعي ملاحقة الموارد برمتها وهي كثيرة جدا، يخرج
استعراضها عن طاقة هذه الدراسةواطارها العام، وان كان
اعتقادنا بان بعضها ربما يستعصي عن الحل كما هو الحال في
بعض النماذج التي ذكرناهاسابقا عن العلا مة الحلي، واللّه
العالم.
نعم، يبدو ان هذا الجيل وان ركز # كما شرحنا سابقا # على
الاسانيد بشكل بالغ، غير انه لم يلغ عناصر اخرى منالحساب،
وان ارتفعت نسبة تشدده تارة كما مع صاحب المدارك او
انخفضت اخرى في عالم التطبيق كما مع الشهيدالاول والعلا
مة الحلي نفسه، ومن هذه العناصر # حسب ما ظهر لنا من
مجموع ما ذكرناه في الهوامش # ما يلي:
1 # الشهرة المؤيدة.
2 # وجود اجماع على الاخذ برواية شخص مع عدم وجود
الخلاف.
3 # عمل الاصحاب برواية مع عدم خلاف.
5 # وجود قرائن حالية توجب الوثوق بالرواية.
6 # ورود الرواية في غير موارد الالزام.
الى غير ذلك من موارد وجدناها حاضرة بصورة متفرقة هنا او
هناك في كلمات هذا الجيل العلمائي، وهذا ما تحدثناعنه في
دراسة اخرى عالجت بعض مقولات التيار الاخباري في هذا
المجال.
وهكذا ظهر هذا الخط السندي في الساحة الشيعية منهاجا قويا،
احتاج الى قرابة قرون ثلاثة منذ زمن العلا مة (726ه)وشيخه
ابن طاووس (673ه) وحتى زمن الشيخ حسن (1011ه)
وصاحب المدارك (1009ه)، ليشيد معاول النقد فيالاسانيد
ويفتح طريقا للتعامل مع السنة المحكية، سرعان ما وجدنا
ردات الفعل العنيفة عليه مع التيار الاخباري نهاياتالقرن
العاشر ومطلع القرن الحادي عشر الهجري.
نافذة المصطلحات الفقهية آداب((429))
اولا # التعريف:
شلغ#ة:
آداب # وزان افعال # جمع مفرده ادب، مثل سبب
واسباب((430)).
والفعل: ادب # كحسن # يادب ادبا: ظرف. فهو اديب
وادب((431)).
واما ادب يادب # كضرب # ادبا فمعناه: صنع صنيعا «: طعاما»،
وادب#ه يادبه: دعاه الى طعامه، فهو آدب # علىفاعل # اي صاحب
المادبة((432)) والداعي اليها، وجمع المادبة((433)):
المادب((434)).
وذكر الفيومي ان ادبته: علمته رياضة النفس ومحاسن
الاخلاق((435)).
وادبه تاديبا # للمبالغة والتكثير#: راضه على محاسن الاخلاق،
ولقنه فنون الادب، وجازاه على اساءته.
والمؤدب: لقب كان يلقب به من يختار لتربية الناشئ وتعليمه.
وقد افادوا بان اصل الادب: الدعاء، وقال الازهري # في بيان
المناسبة بين الادب والدعاء #: «سمي ادبا لانهيادب«الناس الذين
يتعلمونه» الى المحامد وينهاهم عن المقابح، يادب هم: اي
يدعوهم»((436)).
وقال ابن فارس: «واشتقاق الادب من ذلك، كانه امر قد اجمع
عليه وعلى استحسانه»((437)).
ويمكن القول بان الادب اصل بنفسه، ولا ضرورة الى التكلف
في ارجاعه الى الادب.
واما معنى الادب فقد ذكروه بعدة بيانات، منها:
1 # الظرف وحسن التناول، وقد ذكره الفيروزآبادي((438)).
2 # ملكة تعصم من قامت به عما يشينه، حكاه في تاج العروس
عن شيخه.
3 # انه يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الانسان في
فضيلة من الفضائل، قاله ابو زيد.
4 # استعمال ما يحمد قولا وفعلا او الاخذ او الوقوف مع
المستحسنات او تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك،
حكيعن التوشيح.
5 # حسن الاخلاق وفعل المكارم، حكي عن الجواليقي.
6 # ادب النفس والدرس، ذكرهالبطليوسي((439)).
وادق هذه التعابير اولها، بل اشملها، كما نبه عليه في تاج
العروس((440))). فحقيقة الادب هي الظرافة في الاداء
وحسنالتناول، واما سائر التعابير فهي اما بيان للاثر او بيان
لموارد الاستعمال وليست معاني في مقابل ما ذكر، من قبيل
اطلاقالاداب على علوم العربية وان كان هذا الاطلاق مولدا
حدث بعد الاسلام((441))، لذا قيل في تعريف الادب: انه
علميحترز به عن الخلل في كلام العرب لفظا او
كتابة). ((442))
وعلوم الادب عند المتقدمين اصولها: اللغة والصرف والاشتقاق
والنحو والمعاني والبيان والعروض والقافية، وفروعها:الخط
والانشاء والمحاضرات والبديع((443)).
وقد يراد بالاداب مطلق علوم اللغة حتى غير العربية، بل قد
تطلق على سائر العلوم او على خصوصالمستظرف منها، ولعل
المناسبة في هذا الاطلاق والحيثية الملحوظة فيه هي ظرافة
الكلام وحسن ادائه. لذا قيل فيتعريفه: بانه عبارة عن معرفة ما
يحترز به عن جميع انواع الخطا((444)).
قال في المعجم الوسيط: «وتطلق الاداب حديثا على الادب
بالمعنى الخاص، والتاريخ والجغرافية وعلوم اللسانوالفلسفة.
والاداب العامة: العرف المقرر المرضي»((445)).
كما ان اطلاق التاديب على تعليم الاداب # باطلاقاتها المختلفة
سعة وضيقا # وعلى التهذيب وعلى العقوبة والمجازاةعلى
الاساءة، يتناسب مع الظرافة ايضا، لما يترتب على ذلك من
الظرافة، وان امكن ارجاعه الى الدعاء.
شاصطلاح#ا:
لا يوجد اصطلاح خاص لدى الفقهاء للادب والاداب بل
يطلقونهمابنفس المعاني اللغوية، ففي باب العقوبات يطلقون
الادب على العقوبة بمعنى الضرب والتعزير، كما ورد في
تعابيربعضهم سيما المتقدمين عندما عنونوا باب العقوبات
بباب الحدود والاداب((446))، وغير ذلك من
الموارد((447)).
وفي سائر الابواب قد يطلقان بمعنى الاخلاق الحسنة والافعال
الحميدة عرفا او عقلا او شرعا، نظير اعتبارهم ادبالمراة احد
الملاكات في تحديد مهر المثل((448))، واعتبارهم تغير آداب
الزوجة مع زوجها علامة لنشوزها((449)).
كما قد يطلقان على علوم اللغة وغيرها من العلوم، كما في
تعبيرهم: بيع كتب الادب((450)) او تعليم الاداب
الحكميةوالعلوم الادبية واخذ الاج((451))رة عليها).
الا ان الاطلاق الشائع في الفقه للاداب انما يكون بمعنى
الهيئاتوالصفات المطلوبة في الافعال المتعلقة للاحكام
الشرعية والموجبة لكمالها وحسنها شرعا عبادة كانت او معاملة
اوغيرهما، وهذا انما يكون في موارد اضافته الى عنوان من تلك
العناوين والافعال المتعلقة للاحكام، فيقال: آدابالصلاة او
الصيام او الزيارة او الجهاد او التخلي او غير ذلك من عناوين
الابواب الفقهية او الافعال المتعلقة لاحكامالعباد.
وهذا جري مع المعنى اللغوي ايضا وهو الفعل الحسن
والمحمود الا انه من المنظار الشرعي، فان الاستحسانات
تختلفباختلاف الانظار، ومن هنا صح تقسيم الاداب الى
شرعية وعرفية وعقلية او عقلائية((452)). ولا شك في ان
المهم عندالفقهاء من هذه الانظار انما هو النظر الشرعي وما
يحسنه او يقبحه الشارع.
لذا يهتم الفقهاء باثبات مشروعية الاداب واقامة دليل على
قبولالشارع لها، وهذا الدليل قد يكون تاسيسيا وقد يكون
امضائيا لما عليه العرف والعقلاء او عقليا يقبله الشارع ايضا.
ومن هنا تقع الاداب العرفية او العقلائية او العقلية في طريق
اثبات الادب الشرعي، كما انه قد يتسامح ويتوسع فياثبات
بعض الاداب الشرعية في الفقه على اساس قاعدة التسامح في
ادلة السنن والمستحبات والاداب الشرعية.
قال في الجواهر # في آداب القاضي #: «وهي قسمان: مستحبة
ومكروهة الا ان كثيرا منها لا دليل عليهابالخصوص، ولكن
ذكرها الاصحاب وغيرهم من غير اشعار بتوقف في شيء منها،
ولعله لعدم احتياج الاستحبابالادبي الى دليل بالخصوص.
ويكفي فيه مشروعية اصل الادب، فالتسامح فيه زائد على
التسامح فيالسنن»((453)).
وقال ايضا # في بيان رجحانوضع الاناء على اليمين عند الوضوء #:
«... ولعله لذا جعله بعضهم ادبا ان قلنا بالفرق بينهما «:السنة
والادب» بان يرادبالثاني ما يستفاد مطلوبيته ورجحانه من
ممارسة مذاق الشرع وان لم يرد به دليل بالخصوص،
فتامل»((454)).
ثم ان الاداب قد تكون افعالا، وقد تكون تروكا فتشمل المناهي
ايضا.
كما انها قد تكون بنفسها افعالا مستقلة كتنظيف الجسد وقص
الاظافر، وقد تكون هيئة وصفة في فعل كادابالمائدة.
كما انها قد تكون عبادية يشترط فيها القربة كغسل الاحرام،
وقد لا تكون كذلك فتكون توصلية كاداب التجارة.
كما انها قد تكون مطلوبة بطلب استقلالي وتاسيسي
كاستحباب الاكتحال، وقد تكون مطلوبة بطلب ضمني
وتاكيدي# اي تكون موجبةلاشتداد المطلوبية والثواب # كتكرار
غسل الوجه واليمنى في الوضوء، او اشتداد المكروهية والعقاب.
قال الشيخ جعفر الكبير # في حرمة الاستقبال للمتخلي #:
«والظاهر ان التحريم والكراهة يشتدان ويضعفان
بكثرةالمستقبل من العورة وغيرها وبكشفها
وخفائها...»((455)).
وقد يتصور اختصاص الاداب في مصطلح الفقهاء بالمستحبات
والمكروهات فلا تشمل الاحكام الالزامية من واجباتاو
محرمات، الا ان المتتبع في كلماتهم يجد انهم يطلقونها على
الاحكام الالزامية ايضا، كما في آداب التخلي حيثتطلق على ما
يحرم فيه كاستقبال القبلة، او يجب كستر العورة عن الناظر
المحترم، او ما يستحب او ما يكره، وكمافي آداب الولادة حيث
تطلق على ما يجب كاستبداد النساء بالمراة دون الرجال، او ما
يستحب او ما يكره. فالاداباوسع واعممن المستحب والمكروه،
حيث تشمل كل ما يكون مطلوبا وملحوظا شرعا في كمال
العنوان المتعلق للحكم الشرعيمن عبادة او معاملة او غيرهما
سواء كان الزاميا او غير الزامي.
نعم، اصل ذلك الحكم الشرعي كوجوب صلاة الظهر او وجوب
الصوم في شهر رمضان لا يسمى ادبا، لما ذكرناه منان الادب
في هذا الاطلاق الفقهي الشائع اضافي، اي ما يكون كمالا
وجمالا وصفة مطلوبة في عمل متعلق للحكمالشرعي، عباديا
كان ذلك العمل او معاملة او غيرهما.
وقد يطلق الادب في الفقه على صفات الذوات لا الافعال،
فيقال: آداب القاضي، بمعنى الصفات المطلوبة في القاضي.الا
انه من الممكن ان يحمل على ادب القضاء للقاضي فيكون من
صفات فعل القضاء نفسه او ما يرتبط به ويعدشانا من شؤونه وان
كان من مقدماته # كما يقال: آداب الحمام او آداب المائدة #
فيرجع الى الاطلاق المتقدمبالدقة.
ويتلخص من مجموع ما تقدم: ان الاطلاق الشائع في الفقه
للاداب يراد به # خصوصا عند اضافتها الى عنوان منالعناوين
الواقعة متعلقا لحكم شرعي # ما يكون به كمال ذلك العنوان
وحسنه ومطلوبيته شرعا، وهذا يعني اخذحيثيتين في
مفهومه:
1 # ان يكون الادب بهذا المعنى اضافيا، اي صفة وهيئة لفعل او
موضوع شرعي.
2 # ان يكون دخيلا في كمال ذلك العنوان وحسنه ومطلوبيته
شرعا، سواء كان الزاميا او غير الزامي.
ثانيا # الالفاظ ذات الصلة:
1 # الاخلاق: وهي قد تطلقبمعنى الافعال والاداب الحسنة،
وبهذا فهي قد ترادف الاداب بالمعنى اللغوي او تكون قسما
منها. وقد تطلق بمعنىالملكات النفسانية الراسخة في النفس،
فتكون هي منشا الاداب ومقتضيها.
2 # السنن: ولها اطلاقات عديدة، فقد تطلق بمعنى ما صدر
وثبت من الاحكام عن المعصوم في قبال ما ثبت
بالكتابالكريم، وقد تطلق في مقابل الفرض بمعنى الواجب
فتكون بمعنى المستحب او الراجح، فاذا جعل الرجحان اعم
منرجحان الفعل او الترك شملت السنن المكروهات ايضا،
فتكون النسبة بينها وبين الاداب # بالمصطلح المتقدم شرحه
#العموم من وجه، كما يظهر بالتامل.
كما قد تطلق السنن احيانا في مقابل الاداب، قال الشيخ جعفر
الكبير # عند بيان سنن التخلي بقوله: «وهي: ما اشترطفيها
القربة، او لم تقض بها العادة، او ما اجتمع فيها الامران او آدابه
مما لم يكن كذلك»، اي ان الاداب ما لم يشترط فيهالقربة
وقضت به العادة #: «وقد يجعلان كالفقير والمسكين»((456))،
اي اذا افترقا اتحد معناهما، واذا اجتمعا اختلفمعناهما.
وقال # في بيان ما يتعلق بالسفر #: «ثالث عشرها: ان ما ذكر من
الاداب لا من السنن الداخلة في العبادات، فانمن الخطابات ما
توجهت بالاصالة # في غير معاملة وحكم # لترتب المنافع الدنيوية
دون الاخروية فتعد منالاداب، وقد تترتب عليها الامور
الاخروية بسبب القصد والنية، وهذه منها»((457)).
3 # الحكم والعلل: ويراد بها ما يكون علة او غاية # ولو غير تامة #
للاحكام، والادب قد يكون من علل بعضالاحكام الشرعية، كما
ان للاداب الشرعية نفسها عللاوملاكات على ما ستاتي الاشارة
اليه.
ثالثا # مساحة الاداب في الشريعة وملاكاتها:
ان اهتمام الشريعة بالاداب بلغ حدا كبيرا، حيث نجد ان ما ورد
في الشريعة من الاداب يبلغ اضعاف ما ورد منالاحكام الاخرى.
فالاداب من ناحية تغطي كل افعال الانسان ونشاطاته في
الحياة.
ومن ناحية اخرى تغطي مختلف علاقات الانسان، كعلاقته
باللّه، وعلاقته بالناس، وعلاقته مع اهله، وعلاقته مع
نفسه،وعلاقته مع من فوقه، وعلاقته مع من دونه... وهكذا.
كما ان الحكمة والعلل في الاداب الشرعية تختلف من مورد
لاخر:
ا # فقد يكون الملاك هو التشريف والاحترام اما لشرافةالمحضر،
كما في آداب الحضور بين يدي اللّه في الصلاة، او الحضور عند
النبي(ص) او الامام المعصوم(ع) حيا كان اوميتا((458))، او
الحضور بين يدي الملائكة كما ورد في تعليل استحباب تغطية
الراس حال التخلي بانه استحياء منالملكين((459)).
او لشرافة الفعل، كما ورد في استحباب الصلاة الى سترة وانها
من آداب الصلاة وتوقيرها((460))).
او لشرافة الفاعل، كما ورد في ابواب متعددة التاكيد على ما
يتناسب مع شان الشخص واجتناب ما يتنافى
معالمروءة((461)).
او لشرافة المكان، كالمساجد والحرم المكي وبيت اللّه الحرام
وغيرها((462)).
او لشرافة الزمان، كشهر رمضان والاشهر الحرم
وغيرهما((463)).
او لشرافة الاشياء، كالحجر الاسود((464)) والمصحف وغير
ذلك.
ب # وقد يكون الملاك الارشاد الى جلب نفع او دفع مضرة،
كالنهي عن امور تورث البرص، والنهي عن الطهارةبالماء
المسخن بالشمس في الانية((465)).
ج # وقد يكون الملاك العبرة والتذكير، كالامر بالاعتبار عند
دخول الخلاء((466)).
د # وقد يكون الملاك منسجما او مؤثرا في الاهداف والغايات لما
جعل فيه ذلك الادب الشرعي، من عبادة اومعاملة او معاشرة او
سياسة او ولاية او قضاء او غير ذلك.
قال في جامع المدارك # في آداب القضاء #: «... فمثل اشعار
الرعية بوصوله «:القاضي» الظاهر انه لا دليل علىاستحبابه، بل
مع الورود يشكل استفادة الرجحان المولوي الشرعي، كالامر
والنهي في كثير من الموارد للتنبيه والالتفاتالى الخواص
المترتبة»((467)).
ه # وقد يكون للاداب دور مؤثر جدا في تطبيق الشريعة، ففي
بعض الحالات لو يجرد الحكم الشرعي عن آدابهالحافة به فقد
يعطي نتائج غير منطبقة تمام الانطباق مع مقاصد الشريعة
واغراضها، فمثلا: لو جرد القضاء عما ورد فيهمن الاداب واكتفي
بالاحكام الالزامية فقط فلا يمكن تحقيق المستوى الراقي في
تطبيق عدالة الاسلام. بل يمكنالاستفادة من مجموعة الاداب
الواردة في تحديد رؤية شرعية حول كيفية اجراء الاحكام
الولائية وفي تعيين طريقةملء منطقة الفراغ.
ومن هنا ورد في كتب الفقه عناوين كثيرة تفصيلية للاداب
حسب تفصيل الابواب والعناوين الفقهية، فهناك
آدابللعبادات من صلاة او صوم وحج وجهاد واعتكاف ودعاء
وغيرها، وآداب للقضاء، وآداب للتجارة، وآدابللتزويج والنكاح،
وآداب للعشرة، وآداب للنوم، وآداب للتخلي وآداب للسفر
وآداب للزيارة وآداب للاحتضاروالتكفين والدفن... الى غير
ذلك من الابواب او العناوين الفقهية المتعلقة بافعال
المكلفين.
وعلى هذا الاساس سوف يقع التعرض لكل صنف من هذه
الاداب الشرعية في المصطلح الفقهي المرتبط به.
في رحاب المكتبة الفقهية رسالة اجابة السؤول
تاليف: العلا مة عبداللّه المامقاني (قدسسره)
تحقيق: الشيخ خالد الغفوري
المحقق المامقاني في سطور:
هو الشيخ عبداللّه بن الشيخ الاجل محمد حسن بن عبداللّه بن
محمد باقر بن علي اكبر بن رضا المامقاني النجفي، مناسرة
معروفة بالعلم والفضيلة اصلها من مامقان، وهي قصبة معروفة
في الطرف الجنوبي مما يلي تبريز بفاصلةخمسة فراسخ، نزحت
الى كربلاء. وكان الشيخ عبداللّه الكبير # جد المترجم له # من
تلاميذ السيد علي الطباطبائيصاحب الرياض. وهاجر ولده
الشيخ محمد حسن الى النجف.
ولد في النجف الاشرف في النصف من ربيع الاول سنة
(1290ه)، ودرس العلوم الدينية عند والده(قدسسره)
والشيخهاشم الارونقي الكافي الملكي والشيخ مولى غلام
حسين الدربندي والشيخ حسن الخراساني المعروف بالميرزا،
فنشامثابرا ومجدا في تحصيل العلوم بحيث لم يعطل في السنة
الا يوم عاشوراء.
وكان من العلماء الاجلا ء والفقهاء الافاضل ورجال الصلاح
والتقوى، جمع الى غزارة الفضل والمعرفة ورعا موصوفاوزهدا
معروفا، والى سمو المكانة تواضعا جما وحسن اخلاق.
وقد ولع بالتاليف منذ شبابه، وسبح قلمه في بحر معظم الفنون
وانواع العلوم، والف مجموعة من الكتب في مختلفالمواضيع
مما يدل على جامعيته وبراعته، وترك تراثا ضخما،
قال(قدسسره): «ولو جمع جميع ما حررته لعدلالجواهر ثلاث
مرات»((468)).
من مؤلفاته: منتهى مقاصد الانام في نكت شرائع الاسلام،
مطارح الافهام في مباني الاحكام، مناهج المتقين في فقهائمة
الحق واليقين، مقباس الهداية في علم الدراية، تنقيح المقال
في علم الرجال، مخزن المعاني في ترجمة المحققالمامقاني،
ورسائل اخرى كثيرة، منها: هداية الانام في اموال الامام، تحفة
الصفوة في الحبوة، نهاية المقال في تكملةغاية الامال، الاثنا
عشرية، ارشاد المتبصرين، وسيلة التقى في حواشي العروة
الوثقى، السيف البتار في دفع شبهاتالكفار، تحفة الخيرة في
احكام الحج والعمرة، منهج الرشاد (فارسي)، وغير ذلك.
توفي(قدسسره) في النجف الاشرف في التاسع عشر من شوال
سنة (1351ه)، وشيع تشييعا مهيبا، ودفن في مقبرةوالده،
ورثاه الشعراء والادباء.
«اجابة السؤول»
الحمد للّه البارئ المعين، والصلاة والسلام على نبيه الامين،
وآله الغر الميامين، سيما ابن عمه امير المؤمنين.
وبعد، فيقول الاقل الجاني عبداللّه المامقاني ابن الشيخ مد ظله
العالي على الاعالي والاداني: انه سالني جمع من الاخوانان
احرر رسالة في مسالة انتصاف المهر بموت احد الزوجين قبل
الدخول، وحيث ان المسالة كانت معروفة بخلاف ماتقتضيه
قواعد الفقاهة، وكنت قد حررتها في فصل المهور من كتاب
النكاح اجبتهم الى ذلك واستخرجتها من كتابناالكبير((469))
حتى يشيع الحق ويبين، وسميتها ب«اجابة السؤول في انتصاف
المهر بموت احد الزوجين قبل الدخول»مستمدا ممن عليه
التكلان، وهو المامول في جميع الاحوال والامور، سائلا ان
ينفعني بها وسائر الاخوان، انه الكريمالمنان.
«مقدمة:»
وقبل الاخذ في تحرير المسالة لابد من تقديم مقدمة هي: ان
الاصل في الفرقة بين الزوجين بشيء من اسبابها هل هوانتصاف
المهر او عدم الانتصاف؟
فنقول: ان ذلك يبتني على ان الثابت بالعقد هل هو تمام المهر
او نصفه؟ فعلى الاول فالاصل عدم الانتصاف الا فيمورد
الدليل، وعلى الثاني فالانتصاف هو الموافق للقاعدة، بل التعبير
بالانتصاف حينئذ ناش من المسامحة، اذ لم يثبتالا النصف.
«ملكية جميع المهر او نصفه بالعقد؟»
وقد وقع الخلاف في المبنى على قولين:
احدهما: ان الزوجة تملك جميع الصداق بالعقد وان توقف
استقراره على الدخول، وهو خيرة جماعة، بل فيالرياضانه
الا((470))شهر، وفي المهذب البارع((471)) ان عليه الاكثر،
بل في المختلف((472)) وغاية المراد((473))
والمهذبالبارع((474))في غير موضع والمسالك((475))
وكشف اللثام((476)) والجواهر((477)) وغيرها انه المشهور،
وفيالكفاية((478)) انه المعروف من مذهب الاصحاب، بل في
السرائر((479)) انه مما لا خلاف فيه، وادعى في
الخلاف((480))الاجماع عليه.
ثانيهما: انها تملك نصف المهر خاصة بالعقد، ويتوقف ملكها
النصف الاخر على الدخول، وهو الذي حكاه في المختلفوغيره
عن ابي علي بن الجنيد الاسكافي الكاتب حيث قال # بعد نقل
القول المشهور # ما نصه: «وقال ابن الجنيد:الذي يوجبه العقد
من المهر المسمى النصف، والذي يوجب النصف الثاني من
المهر بعد الذي وجب بالعقد منه هوالوقاع، او ما قام مقامه من
تسليم المراة نفسها»((481)) انتهى. وهذه العبارة كما ترى
صريحة في المخالفة، فلا وقع لما فيكشف اللثام من انه
«يمكن ان يكون اراد الاستقرار، فلا ((482))خلاف» انتهى.
حجة القول الاول امور:
احدها: ما استدل به جماعة منهم الشيخ(رحمهاللّه) في الخلاف
من قوله تعالى وتبارك: (وآتوا النساء صدقاتهننحلة)((483))
قال: «فيه دلالة من وجهين: احدهما: انه اضاف الصدقات
اليهن، والظاهر انه لهن، ولم يفرق بين قبلالدخول وبعده.
والثاني: انه امر بايتائهن ذلك كله ،فثبت ان الكل
لهن»((484)).
وانت خبير بانه لا دلالة في الاية على المطلوب بوجه، بل هي
وردت مورد بيان حكم آخر، وهو لزوم اعطاء النساءصدقاتهن،
ولا تعرض فيه لوقت الاعطاء بوجه، فتامل.
الثاني: ما تمسك به جماعة ايضا من ان الصداق عوض البضع
بالعقد وجب ان تملك المراة عوضه به، لان ذلكمقتضى
المعاوضة كالبيع وغيره.
وفيه: انه مبني على كون النكاح معاوضة ليجري عليه احكام
المعاوضات، وقد اوضحنا في محله ممنوعية الصغرى،وكفاك
في الكشف عن عدم كونه من عقود المعاوضات صحته من غير
عوض، وعدم كون المهر ركنا فيه.
الثالث: ما تمسك به جماعة منهم الشهيد(رحمهاللّه) في غاية
المراد((485)) من انها ان ملكت نماء كل الصداق بنفسالعقد
وجب ان تملك الصداق به، والمقدم حق فالتالي مثله،
والملازمة ظاهرة، لان ملك النماء يتبع ملك الاصل،
فملكيتهيستلزم ملكية الاصل.
ويدل على حقية المقدم: الموثق بابن بكير # كالصحيح، لاجماع
العصابة عليه وعلى ابن ابي عمير # الذي رواهالكليني(رحمهاللّه)
عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي عمير عن ابن بكير
عن عبيد بن زرارة قال: قلت لابيعبداللّه(ع): رجل تزوج امراة
على مئة شاة، ثم ساق اليها الغنم، ثم طلقها قبل ان يدخل بها
وقد ولدت الغنم؟ قال: «انكان الغنم حملت عنده رجعت
بنصفها ونصف اولادها، وان لم يكن الحمل عنده رجع بنصفها
ولم يرجع من الاولادبشيء»((486))، ورواه هو(رحمهاللّه) ايضا
عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن ابن فضال عن
ابن بكير مثله الا انه قال: «ساق اليها غنما ورقيقا فولدت
الغن((487))م والرقيق».
وكذا يدل على حقية المقدم: ما رواه الشيخ(رحمهاللّه) باسناده
عن محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن احمدالعلوي عن
العمركي عن علي بن جعفر عناخيه موسى بن جعفر(ع) عن
ابيه: «ان عليا(ع) قال في الرجل يتزوج المراة على وصيف
فيكبر عندها ويريد انيطلقها قبل ان يدخل بها قال: «عليها
نصف قيمته يوم دفعه اليها، ولا ينظر في زيادة ولا
نقصان»((488))، ورواهالكليني((489))عن علي بن ابراهيم
عن ابيه عن النوفلي عن السكوني عن ابي عبداللّه(ع) ان امير
المؤمنين(ع) قال #وذكر نحوه الا انه قال #: «فيكبر عندها فيزيد
او ينقص»((490)).
حجة القول الثاني امور:
الاول: النصوص الناطقة بعدم وجوب المهر الا بالوقاع مثل
الموثق كالصحيح الذي رواه ثقة الاسلام عن محمد بنيحيى
عن احمد بن محمد عن ابن فضال عن يونس بن يعقوب قال:
سالت ابا عبداللّه(ع) عن رجل تزوج امراة فاغلقبابا، وارخى
سترا، ولمس، وقبل، ثم يطلقها((491)) ايوجب((492))
عليهما((493)) الصداق؟ قال: «لا يوجب الصداق الا الوقاع».
وفيه ما((494)) لا يخفى من عدم التزام الخصم ايضا بمفاده ان
اريد ظاهره، ضرورة تسالم الكل على ثبوت النصفبنفس العقد،
وظاهر هذه الاخبار النفي مطلقا، فالاولى ارادة الاستقرار من
الايجاب الذي هو بمعنى الاثبات، او طرحهالمخالفتها الاخبار
المتواترة على استحقاقها النصف بنفس العقد.
الثاني: المصحح الذي رواه الصدوق باسناده عن الحسن بن
محبوب عن حماد الناب عن ابي بصير عن ابي عبداللّه(ع)قال:
سالته عن رجل تزوج امراة على بستان له معروف، وله غلة
كثيرة، ثم مكث سنين لم يدخل بها، ثم طلقها؟ قال:«ينظر الى
ما صار اليه من غلة البستان من يوم تزوجها فيعطيها نصفه
ويعطيها نصف البستان الا ان تعفو فيتقبل منه،ويصطلحا على
شيء ترضى به منه، فانه اقرب للتقوى»((495)).
وقد تصدى للجواب عن ذلك كاشف اللثام حيث قال: «ويجوز
ان يكونالغلة من زرع يزرعه الرجل، وان يكون الصداق هو
البستان دون شجاره، وعلى التقديرين فليست الغلة من
نماءالمهر فيختص بالرجل، فالامر بدفع النصف منها محمول
على الاستحباب، كما يرشد اليه قوله(ع): «فانه اقربللتقوى»،
ولعله عوض عن اجرة الارض»((496)).
قلت: يشهد بذلك قوله(ع) «ينظر الى ما صار اليه من غلة
البستان من يوم تزوجها» اذ لولا كون المهر نفس البستانللزم
عود نصف الغلة اليها اقلا، ضرورة عدم الخلاف في استحقاقها
النصف، فلا يكون لصيرورة تمام الغلة اليه وجه،فتامل.
وعلى فرض تسليم الدلالة نقول: انه يقع التعارض بينه وبين
اخبار القول الاول، والراجح انما هو تلك لا هذا، لموافقةتلك
لظاهر الكتاب، والشهرة العظيمة، والاشهرية رواية كما ادعاها
الماتن(رحمهاللّه)، فيتعين العمل بها وطرح هذا.
الثالث: انها لو ملكته لاستقر عملا بالاصل، ولم يزل ملكها الا
بسبب ناقل كالبيع وشبهه، ولم يوجد، بل انما انتقلالنصف
بنفس الطلاق، فلا يكون الملك مستحقا.
وفيه:
اولا: منع الملازمة بين الملك والاستقرار، بل يجوز
«كون»((497)) الملك متزلزلا.
وثانيا: ان للخصم ان يقول: ان الملك وان كان لا يزول الا
بسبب ناقل لكن الشارع جعل الطلاق ناقلا للنصف.
فظهر من جميع ما قلناه: ان الحق المنصور انما هو القول
المشهور من تملكها للجميع ملكا متزلزلا، واللّه العالم.
«الثمرة بين القولين:»
وتظهر الثمرة في مواضع:
فمنها: النماء المتجدد بين العقد والطلاق، فعلى المشهور
يكون للمراة، وعلى القول الاخر يكون بينهما نصفين.
ومنها: ما لو خلعها على مهرها، او طلقها عليه، او وهبته اياه، او
ابراته منه، فانه يرجع عليها بالنصف على الاول، ولايرجع عليها
بشيء على الثاني، لكون تصرفها في النصف الاخر لغوا فيبقى
في ملكه الى حال الطلاق فياخذه بذلك.
ومنها: ما لو كان المهر نصابا واقبضها اياه ثم طلقها بعد مضي
الحول، فعلى الاول تجب عليها الزكاة، وعلى الثاني لاتجب،
لانها لم تملك نصابا تاما.
ومنها: ما لو كان المهر معينا، فانه يجوز لها التصرف فيه بغير
اذنه على الاول، ولا يجوز الا باذنه على الثاني،لتحقق الشركة
الموجبة لحرمة التصرف الا باذن الشريك.
ومنها: ما لو كان عينا وباعتها من غير اذنه، فانه يصح على
الاول، ويقف على اجازته في النصف الاخر على الثاني.
ومنها: ما لو كان المهر معينا وحجر على الزوج لفلس، فانه على
الاول لا يتعلق به الحجر، بخلافه على الثاني... الىغير ذلك من
ثمرات الملك حيث تترتب على جميعه على الاول وعلى نصفه
على الثاني كما لا يخفى.
«الاقوال في انتصاف المهر بالموت قبل الدخول:»
واذ قد عرفت ذلك فلنرجع الى ما نحن بصدده ونقول: انهم
اختلفوا في انتصاف المهر بالموت قبل الدخول علىاقوال:
احدها: عدم الانتصاف لا بموت الزوج ولا بموت الزوجة بل
يستقر ملكها للجميع بذلك، وهو مذهب جماعة كثيرة،
وقدحكى في الجواهر((498)) الاستقرار بموت الزوج قبل
الدخول عن الشيخين والمرتضى والقاضي وابني حمزة
وادريسوكا((499))فة المتاخرين، والاستقرار بموت الزوجة
عن المفيد في احكام النساء وابن حمزة والقاضي والمهذب
والكاملوابن ادريس والمصنف في النكت والفاضل وولده وابي
العباس والمقدا((500))د والكركي.
قلت: بل في جامع المقاصد ان لزوم الجميع بموت الزوج قبل
الدخول مذهب اكثر الاصحاب((501)) ولزومه بموتالزوجة
مذهب عامة الاصحاب((502))، وفي الروضة والرياض في كلا
المقامين ان لزوم الجميع هو الاشهر((503))، وفيالكفاية انه
مذهب الاكثر((504))، وفي غاية المراد انه المشهور في
الم((505))وضعين، وفي السرائر ان الموت عند
محصلياصحابنا يجري مجرى الدخول في استقرار
المهر((506)) جميعه، وفي المهذب البارع في موت الزوج ان
عليهالاكثر((507))، وفي موت الزوجة هو المشهور((508))،
بل في الغنية في موت الزوج نفي الخلاف فيه حيث قال: «فان
دخلبها او مات عنها استقركل ه بلا خلاف» ا((509))نتهى، بل
في الناصريات الاجماع عليه حيث قال: «الذي يذهب اليه
اصحابناان من سمى لامراة مهرا ومات عنها قبل الدخول فلها
جميع المهر، لان الموت يجري مجرى الدخول في ايجابه
كمال المهر.وعلى ذلك اجماع جميع الفقهاء بلا خلاف بينهم.
ومن خالف في ذلك فالحجة عليه كما تقدم الاجماع
بخلافه»((510))،انتهى.
ثانيها: الانتصاف بموت كل من الزوج والزوجة، وهو ظاهر
الصدوق في المقنع حيث قال: «وسئل الصادق(ع) عناختين
اهديتا لاخوين في ليلة واحدة ودخلت امراة هذا على هذا
وامراة هذا على هذا؟ قال: «فلكل منهما الصداقبالغشيان، فان
كان وليهما تعمد في ذلك اغرم الصداق، ولا يغرم احد منهما
امراته حتى تنقضي العدة، فاذا انقضتالعدة صارت كل واحدة
منهما الىزوجها الاول بالنكاح الاول». قيل له: فان ماتتا قبل
انقضاء العدة؟ قال: «يرجع الزوجان بنصف الصداق على
ورثتهماويرثانهما الرجلان»، «قيل له:»((511)) فان مات
الزوجان وهما في العدة؟ قال: «يرثانهما ولهما نصف المهر
المسمىوعليهما العدة»...((512)) الى آخر ما ذكره»، حيث ان
دابه في المقنع ذكر فتواه بالرواية، والرواية كما ترى اثبتت
النصففي موت كل منهما قبل الدخول، ومن المعلوم انه لا
خصوصية للمورد، فيكون الصدوق قائلا بالانتصاف بموت
كلمنهما.
وما حكي عنه من القول بالانتصاف بموت الزوج ساكتا عن
موت الزوجة لم افهم وجهه، اذ لم اعثر على غير هذهالعبارة
مما تكفل لبيان المسالة.
وربما اختار والدي المحقق العلا مة دام ظلاله هذا القول في
بعض اجوبة المسائل وحكى دام ظلاله عن الشيخ
صاحبالفصول(قدسسره) الفتوى بانتصاف المهر بموت الزوج
قبل الدخول ساكتا عن حكم موت الزوجة.
ثالثها: ما اختاره الشيخ(رحمهاللّه) في النهاية من التفصيل
بقوله: «ومتى مات الرجل عن زوجته قبل الدخول بها
وجبعلى ورثته ان يعطوا المراة المهر كاملا، ويستحب لها ان
تترك نصف المهر، فان لم تفعل كان لها المهر كله، وانماتت
المراة قبل الدخول بها كان لاوليائها نصف المهر»((513))
انتهى. ومثله حكي عن التهذيب((514)).
وحكى في المختلف بعد نقله عن القاضي ابن البراج في الكامل
وقطب الدين الكيدري متابعته((515)).
ومن هنا ظهر ما في نسبة صاحب الجواهر فيما سمعت منه الى
الكامل القول باستقرار الجميع بموتها.
وربما حكى في جامع المقاصد عن السيد عميد
الدين(رحمهاللّه) احتمال ان يكونمراد الشيخ(رحمهاللّه)
بقوله: «لاوليائها النصف من جهة سقوط النصف الاخر عن
الزوج بالميراث، لكونها غير ذاتولد» بقرينة قوله: «لكان
لاوليائها النصف». ثم قال: «وحينئذ لا يبقى بين القولين
منافاة»((516)) انتهى.
قلت: قد اخذ السيد ذلك من المحقق في نكت النهاية حيث
قال في جواب السائل عن كيفية صحة ما في النهاية مانصه:
«هذا اذا لم يكن لها ولد، لان المستقر في المذهب واصح
الروايتين ان المهر تملكه المراة بنفس العقد، ولو ماتاحدهما
كان المهر ثابتا باجمعه، فاذا ماتت ورث الزوج نصفه وكان
الباقي لباقي ورثتها. لكن الافضل ان لا ياخذوا الا نصفه وحصة
الزوج في النصف معهم»((517)) انتهى.
رابعها: ما حكاه في المختلف((518)) وغيره عن
الصدوق(رحمهاللّه) في المقنع وفي غيره عن الفقيه من
الانتصاف بموتالزوج ساكتا عن حكم موت الزوجة.
واقول: لا يحضرني الفقيه لالاحظه، واما المقنع فخال عما
عزوه اليه، وانما الموجود فيه ما اسبقنا نقله عنه.
وربما حكى في الرياض هذا القول عن ظاهر الكافي للكليني
والغنية((519)) قال: «بل حكى بعض المتاخرين الشهرة
بينالقدماء، واختاره من المتاخرين جماعة»((520))، انتهى.
قلت: لعل وجه استظهاره من الكافي ذلك هو اقتصاره على
ايراد نصوص التنصيف، ووجه استظهاره من الغنيةاقتصاره
على ذكر حكم موت الزوج.
وانت خبير بما في الاستظهار المذكور، ضرورة ان
الكليني(رحمهاللّه) انما اورد اخبار الانتصاف بموت كل
منالزوجين، ولازم ذلك اختيار القول الثاني لا الرابع.
واما ابن زهرة فسكوته عن حكم موت الزوجة لا يدل على ذهابه
الى الانتصاف به بوجه ان لم يدل على عدمه منحيث كون
عدم الانتصاف موافقا للاصل.
واما البعض الذي حكى عنه وصف القول بالانتصاف بموت
الزوج قبل الدخول بالشهرة بين القدماء فالمظنون انهصاحب
الكفاية فانه قال في مقام الترجيح ان: «اخبار التنصيف اكثر
واشهر بين القدماء، لاشتمال كل من الكتب الاربعةعلى بعضها،
بخلاف الاخبار المعارضة فانه لم يروها الا الشيخ(رحمهاللّه)،
فلا يبعد ترجيح اخبار
التنصيف»انتهى.فادعى(قد((521))سسره) شهرة الرواية لا
الفتوى كما هو ظاهر عبارة الرياض الا ان يكون مراده بالبعض
غير هذاالفاضل.
وقد استغرب شيخ الجواهر دعوى الشهرة بين القدماء ثم قال:
«الا ان يكون قد اخذ ذلك من الروايات بناء على انهمذهب من
رواه كابي عبيدة وزرارة وعبيد بن زرارة والحسن الصيقل
والفضيل ابي العباس وجميل بن صالح وابن ابييعفور»((522))
انتهى.
واقول: كلمات الاصحاب في هذه المسالة في غاية الاضطراب
بحيث لا يسع احدا دعوى الشهرة على شيء منالاقوال.
«ادلة الاقوال:»
وحينئذ فلنرجع الى ادلة الاقوال فنقول:
حجة القول الاول امور:
احدها: ما تمسك به جماعة من الاصل، والمراد به اصالة عدم
السقوط، واليه يرجع ما ذكر في السرائر بطوله حيثقال: «ومتى
مات احد الزوجين قبل الدخول استقر المهر جميعه، لان
الموت عند محصلي اصحابنا يجري مجرى الدخولفي استقرار
المهر جميعه، وهو اختيار شيخنا المفيد في احكامالنساء، وهو
الصحيح، لانا قد بينا بغير خلاف بنينا ان بالعقد تستحق المراة
جميع المهر المسمى، ويسقط الطلاققبل الدخول نصفه،
فالطلاق غير حاصل اذا مات، فبقينا على ما كنا عليه من
استحقاقه، فمن ادعى سقوط شيء منهيحتاج الى دليل، ولا
دليل على ذلك من اجماع، لان اصحابنا مختلفون في ذلك،
ولا من كتاب اللّه تعالى، ولا تواتراخبار، ولا دليل عقل، بل
الكتاب قاض بما قلناه، والعقل حاكم بما اخترناه»((523))
انتهى.
ولا يخفى عليك ان التمسك بالاصل انما يتم بناء على القول
المشهور من استحقاقها لجميع المهر بالعقد. واما علىقول
الاسكافي فلا مجرى له، بل السقوط موافق للقاعدة. والمحتاج
الى الدليل انما هو الثبوت، مضافا الى ان الاصل لامجرى له في
امثال المقام من موارد وجود الدليل، وما في صدر كلامه من
نسبة عدم الانتصاف الى المحصلين منالاصحاب قد سقط عن
الاعتبار بالتزامه بوجود الخلاف فيه.
«الامر» الثاني: ما تمسك به جماعة منهم المحقق الثاني في
جامع المقاصد حيث قال: «لنا ان الموت لا يبطل النكاح،لانهما
يتوارثان، واذا لم يبطل بالموت ولم يبق كان الموت نهاية له،
وانتهاء العقد كاستيفاء المعقود عليه، فيجب العوضبكماله
بدليل الاجارة»((524)) انتهى.
ولعله الى ذلك اشار الحلي(رحمهاللّه) في ذيل كلامه بقوله:
«والعقل حاكم بما اخترناه»، لكنك خبير بانه اجتهاد
صرفوقياس محض لا اعتماد على امثاله في الاحكام التعبدية
التوقيفية، مع انه فاسد من اصله.
اولا: من حيث عدم دلالة التوارث على عدم بطلان النكاح
بالموت به بوجه.
وثانيا: من حيث المنافاة بين قوله: «واذا لم يبطل بالموت»
وقوله: «لم يبق»، ضرورة ان لازم عدم البطلان بالموتبقاؤه، لا
عدم بقائه.
وثالثا: من حيث منع كون انتهاء العقد كاستيفاء المعقود عليه
والا لانتقض بالطلاق والفسخ. ولو سلم فنمنع قياسهعلى
الاجارة.
«الامر» الثالث: ما تمسك به بعضهم من عموم قوله تعالى: (وآتوا
النساء صدقاتهن نحلة)((525))، ولعله بتقريب انهدلعلى لزوم
اعطائهن المهر، وهو تعالى كما لم يفصل بين ما قبل الدخول
وبعده فكذا لم يفصل بين الموت وعدمه.
وبعبارة اخرى: دلت الاية على ملكهن لجميع المهر بالعقد كما
عرفت بيانه في المقدمة، خرج عنه الطلاق للدليلالدالعلى
الانتصاف، وبقي الباقي على عمومه.
وفيه: مضافا الى ما عرفت هناك ان ما دل على الانتصاف
بالطلاق ليس بامتن من ادلة الانتصاف بالموت، فكماخصصت
الاية بتلك الادلة فكذا خصصها بهذه.
«الامر الرابع:» ثم لا يخفى عليك انه قد استدل بعضهم على هذا
القول بالاخبار.
وفيه: اختصاصها بصورة موت الزوج، فلا دلالة فيها على تمام
المدعى. حجة القول الثاني:
|
|---|