مجلة فقه اهل البيت (ع) تعتبر العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين فترة ازدهار
بالنسبة للنشرات والدوريات الاسلامية حيث نشطت فيها حركة
الانتاج الفكري والثقافي.. وكان اتجاه هذه الحركة في
بعدين:
احدهما - البعد الكمي: فقد تكثرت تلك الاصدارات وازدادت
عددا وتنوعت في عناوينها وطروحاتها وكذلك تباينت
في مستوى مخاطبيها وفي خطابها.. وهذا ما اثار حفيظة ثلة
من الخصوم..
والاخر - البعد التخصصي: حيث برزت في العقد الاخير ظاهرة
ايجابية اتجهت بهذه الاصدارات والدوريات
صوب الاختصاص..
اذ ان الاستغراق التام والانهماك الكامل في الخطاب الثقافي
العام وان كان يحقق لنا الاهداف الارشادية والدعوية على صعيد
السطح الاسلامي الواسع وعلى المستوى الجماهيري بعرضه
العريض..
بيد ان تحقيق حالة التواصل والتبادل العلمي بين اهل
الخبرة وذوي الاختصاص انفسهم من جهة كما ان
عرض منتوجات علومنا الاسلامية في الافاق العلمية العالمية
من جهة اخرى يعدان ضرورتين ملحتين لتسريع
تطاول الباطن الاسلامي وامتداده..
وقد انطلق مشروع «فقه اهل البيت(ع)» في ظل هذا السياق
الرسالي استجابة لتلك الضرورة العامة.. ومضافا الى ذلك ثمة
ضرورات خاصة نابعة من الطبيعة الحساسة للموضوع المتبنى -
في هذه الدورية المتخصصة - وماتقتضيه من استحقاقات وما
تستتبعه من لوازم.. مما ولد قناعة اكيدة بهذا المشروع
المبارك:
اولا - انه على الرغم من العمق والثراء اللذين يتوفر عليهما علم
الفقه الاسلامي بشكل عام الا انه لكونه لم يخض قبل ذاك اية
تجربة اعلامية بهذا المستوى.. وغاية ما كان ينعكس منه
اعلاميا هو مجرد فتاوى وبيانات مقتضبة مبثوثة في ثنايا
اصدارات ثقافية عامة.. ومن هنا تكمن الصعوبة في كيفية
تطويع المادة الفقهية الصلبة في اطارقالب اعلامي متزن..
بسبب ما هو المرتكز في بعض الاذهان من محدودية المجالات
الفقهية وقلة الخيارات الفنية فيهامما يدعو الى الاحجام عن
التصدي وعدم الاقدام.. فكان من اللازم البدار لاقتحام السكون
وابراز الفكر الفقهي على منبر خاص ليمارس دوره في رفد
المسار الثقافي وفي تاصيل الرؤى الاسلامية..
ثانيا - ان غيبوبة او التغييب المتعمد للفقه الاسلامي الخاص -
فقه اهل البيت(ع) - وابعاده عن كثير من الاروقة الفكرية
والثقافية ضاعفت من الشعور بالمسؤولية بحتمية السعي
لعرض الفقه الاسلامي وطرحه بحسب رؤية اهل البيت(ع) لما
يمتلك من تراث علمي كبير ولما يتسم به من اصالة واستحكام
في مبانيه واسسه ولما يتمتع به من قدرة ومرونة في مواكبة
العصر ومتطلباته..
ثالثا - ان عدم امتلاك صورة واضحة عن فقه اهل البيت(ع) لدى
كثيرين ادى لخلق تصورات خاطئة وبائسة عن هذا الفقه
وربماالتحفظ تجاهه والابتعاد عن مصادره.. وما اسهمت به
مجلتنا في هذا المضمار من التعريف الموضوعي والعلمي وبيان
تفاصيل من فقه اهل البيت(ع) قد رفع التوهمات واوجد ارضية
التفاهم والتواصل بين المذاهب الفقهية وانهاء حالة القطيعة
غير المنطقية..
رابعا - وفي هذا المقطع التاريخي بالذات تعرض الفقه الى هزات
متعددة بعضها انطلق من لدن المؤسسة الفقهية ومن داخلها
وآخر تطفل من خارجها على اختلاف في المنطلقات والاهداف
والنتائج:
فثمة من دعا من المفكرين الى ضرورة النهوض بالفقه ونبذ
المنطق التكراري وترك اخلاقية الاجترار.. وهؤلاء بين منتفض
على المباني والاسس التقليدية للاستنباط ومنهجية الافناء
ومبشر بتاسيس مبان جديدة.. كالدعوة الى تشييدالفقه
المقاصدي للشريعة الاسلامية.. وبين مصر على تفعيل تلك
المباني وتحريكها في مجالات ارحب والافادة من المنهج ذاته
والدعوة للمصالحة بينها وبين المعاصرة..
كما ان هناك حملات التشكيك بصلاحية الفقه علميا ونظريا
والتردد في كفاءته على توجيه السلوك البشري وقيادة القافلة
الحضارية.. بل تجاوز الامر ذلك برمي الفقه بالتاخر ومنافاته مع
تطلعات البشر اليوم ونكوصه امام قفزات المعسكر الغربي
وحضارته المادية..
وراينا بعض اصحاب القلم من ذوي الشهرة والصيت قد ملا
الدنيا عويلا وذرف الدموع اشفاقا على الفقه مبتدعاخرافة
القراءة الجديدة للنص الديني متاثرا بالموظة الفكرية الحديثة
التي اجتاحت اوربا مؤخرا.. فراح ينقض ما بناه الاولون حجرا
حجرا ولبنة لبنة..
وفي مقابل هذه الامواج المتلاطمة يقف الاستصحابيون
واضعين اصابعهم في آذانهم غاضين عن تلك الطروحات
غيرآبهين بهاطرا.. ولا يفرقون في رفضهم بين هذه الدعوات
حقها وباطلها..
وفي خضم هذه الظروف المتشابكة وفي غضون هذه التجاذبات
المعقدة طفقت مجلة فقه اهل البيت(ع) تشق طريقهالاستلال
المقترحات البناءة من بين هذا وذاك وتفنيد التصورات الباهتة
وتنضيج الافكار الغضة واراءة المعالجات المتينة واحياء
المخزون التراثي الفقهي والتعريف برجالات الفقه واساطينه..
وما زالت تواصل مسيرتها بتوفيق اللّهوعنايته متحملة عبء
المسؤولية في خدمة الشريعة الغراء متحلية بالوفاء للتراث
المقدس ومساهمة في التنمية العلمية والثقافية لامتنا الكريمة
كاشفة عن متانة المضمون وغزارة المادة وتنوع الافاق وامتداد
الطموحات.. وها هي مجلتكم على اعتاب العقد الثاني من
عمرها تستبشر بمستقبل واعد وتتطلع الى غد زاهر.. (ربنا
تقبل منا انك انت السميع العليم)..
.. ولا حول ولا قوة الا باللّه..
رئيس التحرير
بحوث اجتهادية
ميراث الزوجة من العقار
واختلفوا بعد ذلك في اختصاص هذا الحكم بالزوجة التي ليس
لها ولد من الزوج او عمومه لكل زوجة:فذهب مشهور القدماء
الى الاختصاص، كما في المسالك والكفاية((1))، بينما ذهب
ابن ادريس وجملة من المتاخرين الى العموم، كما الحق بعض
الفقهاء من متاخري المتاخرين العيون والابار بالاراضي،
فحكموابعدم ارث الزوجة الا من الماء الخارج منها عند الوفاة، لا
نفسها ولا ما يخرج منها بعد ذلك.
وخالف في اصل الحكم من القدماء ابن الجنيد، فحكم بارثها من
اعيان جميع التركة، والسيد المرتضى فحكم بارثها من قيمة
الرباع كالبناء. فالاقوال في المسالة خمسة او ستة:
الاول: ما ذهب اليه ابن الجنيد على ما حكاه العلا مة عنه في
المختلف، قال: «وقال ابن الجنيد: (واذا دخل الزوج او الزوجة
على الولد والابوين كان للزوج الربع وللزوجة الثمن من جميع
التركة عقارا او اثاثاوصامتا ورقيقا وغير ذلك. وكذا ان كن اربع
زوجات. ولمن حضر من الابوين السدس، وان حضرا
جميعاالسدسان، وما بقي للولد). ولم يخصص الولد بانه من
الزوجة»((2)).
الثاني: عدم توريثها من ارض الرباع - وهو الدور والمساكن - لا
عينا ولا قيمة، وتوريثها من قيمة ابنيتها ومن اعيان الاموال
الاخرى حتى القرى والضياع، وهذا ما ذهب اليه الشيخ المفيد،
قال: «ولا ترث الزوجة شيئا مما يخلفه الزوج من الرباع، وتعط ى
قيمة الخشب والطوب والبناء والالات فيه، وهذا هومنصوص
عليه عن نبي الهدى عليه وآله السلام وعن الائمة من
عترته(ع). والرباع هي الدور والمساكن دون البساتين
والضياع» ((3)).
وعبارته ساكتة عن التفصيل بين ما اذا كان للزوجة ولد منه
وعدمه. ومن هنا استفيد منها القول بعموم حرمان الزوجة من
الرباع سواء كانت ذات ولد ام لا.
الثالث: توريثها من قيمة الرباع والابنية فيها جميعا ومن اعيان
الاموال الاخرى حتى الضياع والقرى، وهذاما ذهب اليه السيد
المرتضى في الانتصار قال: «مسالة: ومما انفردت به الامامية ان
الزوجة لا ترث من رباع المتوفى شيئا، بل تعط ى بقيمته حقها
من البناء والالات دون قيمة العراص. وخالف باقي الفقهاء
في ذلك ولم يفرقوا بين الرباع وغيرها في تعلق حق
الزوجات. والذي يقوى في نفسي ان هذه المسالة جارية مجرى
المتقدمة في تخصيص الاكبر من الذكور بالمصحف والسيف،
وان الرباع وان لم تسلم الى الزوجات فقيمتها محسوبة لها.
والطريقة في نصرة ما قويناه هي الطريقة في نصرة المسالة
الاولى، وقدتقدم بيان ذلك. ويمكن ان يكون الوجه في صد
الزوجة عن الرباع انها ربما تزوجت واسكنت هذه الرباع من كان
ينافس المتوفى او يغبطه او يحسده فيثقل ذلك على اهله
وعشيرته فعدل بها عن ذلك على اجمل الوجوه» ((4)). وعبارته
كعبارة المفيد ساكتة عن التفصيل بين الزوجة ذات الولد
وغيرها.
وقد ذكر في نصرة ما قواه في المسالة السابقة - وهي الحبوة - ما
يلي: «وانما قوينا ما بيناه وان لم يصرح به اصحابنا؛ لان اللّه
تعالى يقول: (يوصيكم اللّه في اولادكم للذكر مثل حظ
الانثيين)((5))، وهذاالظاهر يقتضي مشاركة الانثى للذكر في
جميع ما يخلفه الميت من سيف ومصحف وغيرهما.
وكذلك ظاهر آيات ميراث الابوين والزوجين يقتضي ان لهم السهام المذكورة في جميع تركة
الميت، فاذا خصصناالذكر الاكبر بشيء من ذلك من غير احتساب قيمته عليه تركنا هذه
الظواهر. واصحابنا لم يجمعوا على ان الذكر الاكبر مفضل بهذه
الاشياء من غير احتساب بالقيمة، وانما عولوا على اخبار رووها
تتضمن تخصيص الاكبر بما ذكرناه من غير تصريح باحتساب
عليه او بقيمة. واذا خصصناه بذلك اتباعا لهذه الاخبارواحتسبنا
بالقيمة عليه فقد سلمت ظواهر الكتاب مع العمل بما اجمعت
عليه الطائفة من التخصيص له بهذه الاشياء فذلك اولى. ووجه
تخصيصه بذلك مع الاحتساب بقيمته عليه انه القائم مقام ابيه
والساد مسده، فهواحق بهذه الامور من النسوان والاصاغر
للرتبة والجاه»((6)).
الرابع: عدم توريثها من الارض مطلقا لا عينا ولا قيمة، ولكن
تورث من قيمة البناء والالات والشجروالقصب عليها اذا لم يكن
لها ولد منه، والا ورثت من الاعيان جميعا، وهو صريح الشيخ
واتباعه، بل هوالمشهور بعد الشيخ.
قال الشيخ في النهاية: «والمراة لا ترث من زوجها من الارضين
والقرى والرباع من الدور والمنازل، بل يقوم الطوب والخشب
وغير ذلك من الالات وتعط ى حصتها منه، ولا تعط ى من نفس
الارض شيئا. وقال بعض اصحابنا: ان هذا الحكم مخصوص
بالدور والمنازل دون الارضين والبساتين، والاول اكثر
في الروايات واظهر في المذهب، وهذا الحكم الذي ذكرناه انما
يكون اذا لم يكن للمراة ولد من الميت، فان كان لها منه ولد
اعطيت حقها من جميع ما ذكرناه من الضياع والعقار والدور
والمساكن»((7)).
وقال في المبسوط: «والمراة لا ترث من زوجها من الارضين
والقرى والرباع من الدور والمنازل، بل يقوم الطوب والخشب
وغير ذلك من الالات وتعط ى حصتها منه، ولا تعط ى من نفس
الارض شيئا. وقال بعض اصحابنا: ان هذا مخصوص بالدور
والمنازل دون الارضين والبساتين، والاول اظهر، هذا اذا لم
يكن لهامنه ولد، فاما اذا كان لها ولد فانها تعط ى حقها من
جميع ذلك»((8)).
وذكر مثل ذلك ابن البراج في المهذب((9)).
وفي الوسيلة لابن حمزة: «فان كانت الزوجة ذات ولد من
زوجها المتوفى عنها لزم ميراثها من جميع التركة، وان لم تكن
ذات ولد منه لم يكن لها حق في الارضين والقرى والمنازل
والدور والرباع، وروي روايات مختلفات بخلاف ذلك»((10)).
وقال المحقق الحلي في الشرائع: «اذا كان للزوجة من الميت
ولد ورثت من جميع ما ترك، ولو لم يكن لم ترث من الارض
شيئا، واعطيت حصتهامن قيمة الالات والابنية، وقيل: لا تمنع
الا من الدور والمساكن،وخرج المرتضى(رحمه اللّه) قولا ثالثا:
وهو تقويم الارض وتسليم حصتها من القيمة. والقول
الاول اظهر»((11)).
ولكنه في مختصره النافع لم يفصل بين ذات الولد وغيرها، كما
انه خصص فتواه بخصوص العقار، قال:«ويرث الزوج من جميع
ما تركته المراة وكذا المراة عدا العقار، وترث من قيمة الالات
والابنية، ومنهم من طرد الحكم في ارض المزارع والقرى،
وعلم الهدى يمنعها العين دون القيمة»((12)).
وقال العلا مة في القواعد: «والزوج يرث من جميع ما تخلفه
المراة سواء دخل او لا اذا كان العقد في غيرمرض الموت، اما
الزوجة فان كان لها ولد من الميت فكذلك، وان لم يكن لها ولد
فالمشهور انها لا ترث من رقبة الارض شيئا، وتعط ى حصتها من
قيمة الالات والابنية والنخل والشجر. وقيل: انما تمنع
من الدور والمساكن. وقيل: ترث من قيمة الارض ايضا»((13)).
وقال في الارشاد: «وذات الولد من زوجها ترث منه من جميع
تركته، فان لم يكن لها منه ولد لم ترث من رقبة الارض شيئا،
واعطيت حصتها من قيمة الالات والابنية والنخل والشجر على
راي»((14)). وعباراته تشعر بان ارثها اذا كانت ذات ولد كانه
مسلم، وانما الاختلاف والشهرة في عدم ارث غير ذات الولد.
ثم ان الشيخ الصدوق في الفقيه ايضا فصل بين ذات الولد
وغيرها، فحكم بارث الاولى من عين العقاركالشيخ واتباعه، الا
ان المستفاد من ظاهر عبارته انه في غير ذات الولد ايضا يقول
بارثها من القيمة كالسيد المرتضى(قدس سره)، كما انه خصص
الحرمان بالرباع وعقار الدور لا مطلق الاراضي، فيكون قولا
سادسا اخص من جميع الاقوال؛ فانه بعد ان نقل حديث ابن
ابي يعفور القادم في ارث الزوجة من الدار وتربته وارضه كالزوج
علق عليه بقوله: «قال مصنف هذا الكتاب: هذا اذا كان لها منه
ولد، فاذا لم يكن لها منه ولد فلا ترث من الاصول الا قيمتها.
وتصديق ذلك: ما رواه محمد بن ابي عمير عن ابن اذينة: في
النساء اذا كان لهن ولد اعطين من الرباع»((15)).
وظاهر ذيل العبارة انها ترث قيمة تمام الاصول بما فيها الارض،
كما ان حديث ابن اذينة المستند لديه للتفصيل خاص بالرباع،
بل والتعبير ب«الاصول» ايضا يناسب ما فيه اصل وفرع وهو الدور
والرباع، لاالاراضي الجرداء.
الخامس: نفس القول الرابع ولكن من غير تفصيل بين ذات
الولد وغيرها، فيحكم بحرمانها من الارضين مطلقا، وهو الاشهر
بين متاخري المتاخرين.
واول من ذهب الى عدم التفصيل من القدماء ابن ادريس في
السرائر الا انه وافق الشيخ المفيد في اختصاص الحرمان بالرباع
والمنازل دون مطلق الارضين، قال: «فاما اذا كان لها منه ولد
اعطيت سهمهامن نفس جميع ذلك على قول بعض اصحابنا،
وهو اختيار محمد بن علي بن الحسين بن بابويه تمسكامنه
برواية شاذة وخبر واحد لا يوجب علما ولا عملا، والى هذا القول
ذهب شيخنا ابو جعفر في نهايته الا انه رجع عنه في استبصاره،
وهو الذي يقوى عندي - اعني ما اختاره في استبصاره -
لان التخصيص يحتاج الى ادلة قوية واحكام شرعية، والاجماع
على انها لا ترث من نفس تربة الرباع والمنازل شيئا سواء كان لها
من الزوج ولد او لم يكن، وهو ظاهر قول شيخنا المفيد في
مقنعته والسيد المرتضى في انتصاره»((16)).
الا ان ما ذكره من رجوع الشيخ في الاستبصار عما ذكره في
النهاية والمبسوط غير تام؛ فان عبارته في الاستبصار لا دلالة
فيها على ذلك، وانما ذكر الرواية الدالة على ان الزوجة ترث
كالزوج من كل ما ترك وتركت، وعقب على ذلك بقوله: «فلا
تنافي الاخبار الاولة من وجهين: احدهما: ان نحمله على
التقية؛ لان جميع من خالفنا يخالف في هذه المسالة، وليس
يوافقنا عليهااحد من العامة، وما يجري هذا المجرى يجوز التقية فيه. والوجه الاخر:
ان لهن ميراثهن من كل شيء ترك ما عدا
تربة الارض من القراياوالارضين والرباع والمنازل، فنخصص
الخبر بالاخبار المتقدمة. وكان ابو جعفر محمد ابن علي
بن الحسين بن بابويه(رحمه اللّه) يتاول هذا الخبر ويقول: ليس لهن شيء مع عدم
الاولاد من هذه الاشياءالمذكورة، فاذا كان هناك ولد فانها ترث من كل شيء. واستدل على ذلك بما رواه
محمد بن احمد بن يحيى عن يعقوب بن يزيد عن ابن ابي عمير
عن ابن اذينة: «في النساء اذا كان لهن ولد اعطين
من الرباع»((17)).
وهذا لا يدل على عدم قبوله ارث الزوجة اذا كانت ذات ولد، بل
تعبيره بان الصدوق كان يتاول الخبرالدال على ارث الزوجة من
كل ما تركه الزوج بحمله على ذات ولد قد يشعر بانه بهذا
التاويل يرتفع التعارض والتنافي مع الاخبار الدالة على الحرمان
من ارث الارض.
ومما قد يشهد على ذلك ان الشيخ(قدس سره) بنفسه ذكر هذا التاويل، واختاره في
التهذيب؛ فانه - بعدان نقل خبر ابن ابي يعفور الدال على ارث الزوجة من كل ما ترك
الزوج - قال: «قال محمد بن الحسن:هذا الخبر محمول على انه اذا كان للمراة ولد فانها
ترث كل شيء تركه الميت عقارا كان او غيره،
والذي يدل على ذلك: ما رواه محمد بن احمد بن
يحيى...»((18)) وذكر خبر ابن اذينة.
ومنه يظهر ان ما فعله بعض الفقهاء - تاثرا بكلام السرائر من عد
الشيخ(قدس سره) ضمن القائلين بعدم التفصيل لما في
استبصاره، بل ومن المدعين للاجماع على ذلك في خلافه لانه
قال فيها: «مسالة 131: لاترث المراة من الرباع والدور والارضين
شيئا، بل يقوم الطوب والخشب فتعط ى حقها منه، وخالف
جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: لها الميراث من ذلك جميعه.
دليلنا: اجماع الفرقة واخبارهم»((19)) - غريب جدا؛فان المدار
والمعيار لاقتناص فتاوى الشيخ الاعظم انما هو بكتابيه النهاية
والمبسوط، كما ان تهذيبه الذي هو شرح لمقنعة المفيد هو
الكتاب الحديثي الاهم والمعتمد لديه، فكيف لا ينظر الى ما
افتى به في هذه الكتب المعتمدة والتي قد صرح فيها بالتفصيل
بين ذات الولد وغير ذات الولد، ثم يتشبث بعبارة الاستبصار
والذي الفه للجمع بين الاخبار ورفع التعارض بينها لا للافتاء.
على انه لا دلالة فيها على انكارالتفصيل اصلا، كما ان نقله
للاجماع في الخلاف من الواضح انه ناظر الى الاجماع على
اصل المسالة في قبال العامة كما هو شان اجماعات الخلاف، لا
عدم التفصيل المذكور.
بل التحقيق يقتضي ان لا يستفاد الاطلاق ونفي هذا التفصيل
من عبارات مثل الشيخ المفيد في المقنعة والسيد المرتضى في
الانتصار، حيث لم يفصلوا بين الشقين ايضا؛ لقوة احتمال انهم
غير ناظرين فيهاالا الى اصل المسالة، وليس نظرهم الى
تفاصيل المسالة المختلف فيها، فهي ساكتة عن
التفصيل،وليست دالة على عدم ارتضائهم له، وهذا نظير جملة
من كتب القدماء التي لم تذكر اصل المسالة في ارث الزوجة
كالهداية والمقنع للصدوق والمراسم لسلا ر وفقه القرآن
للراوندي وغيرها؛ فان سكوتها عن ذلك قدلا يدل على نفيهم
لاصل حرمان الزوجة كما هو واضح.
فما عن جملة من المتاخرين، كصاحب الرياض وغيره((20))
من جعل مسالة حرمان الزوجة من الارضين باطلاقها من
الناحيتين - اي شموله لمطلق الاراضي ولذات الولد - اجماعية
لدى القدماء ولم يخالف فيها الا الصدوق، غير سديد.
قال في الرياض: «واعلم ان مقتضى اطلاق العبارة وغيرها من
عبائر الجماعة مما اطلق فيه الزوجة عدم الفرق فيها بين كونها
ذات ولد من زوجهاام لا، وهو الاقوى وفاقا لكثير من اصحابنا،
كالكليني والمفيدوالمرتضى والشيخ في الاستبصار والحلبي
وابن زهرة ظاهرا، والحلي وجماعة من المتاخرين صريحا،وفي
السرائر وعن الخلاف الاجماع عليه، وهو الحجة، مضافا الى
اطلاق الاخبار السابقة، بل عمومها الثابت من صيغة الجمع في
جملة منها، وترك الاستفصال في اخرى، وعموم التعليل، ووجه
الحكمة في ثالثة،خلافا للصدوق واكثر المتاخرين فخصوا
الحكم بغير ذات الولد»((21)).
والذي يتحصل لنا من مراجعة كلمات الاصحاب قدس اللّه
اسرارهم: ان المقدار الممكن دعوى الاجماع فيه انما هو اصل
حرمان الزوجة غير ذات الولد من اعيان الرباع لا من قيمتها؛
فان المسالة لو كانت اجماعية فكيف يحمل مثل السيد
المرتضى(قدس سره) الروايات على ان المراد منها حرمان
الزوجة من عين الرباع لامن قيمتها؟! فان المسالة اذا كانت
اجماعية وقطعية لم يكن وجه لمثل هذا الحمل ولا لغيره
من المحامل.
على انا اذا قبلنا الاجماع في هذه المسالة فهو مسبوق بالروايات
العديدة التي سوف نوردها، ومن الواضح ان مثل هذه
الاجماعات ان لم يدع القطع بمدركيتها فلا اقل من احتمال
ذلك.
ومما يشهد عليه ما فعله السيد المرتضى من محاولة الجمع
بينها وبين ظاهر القرآن الكريم بما اختاره من حرمانها من
العين لا القيمة، كما تشهد كلمات الشيخ في الاستبصار
والتهذيب والصدوق في الفقيه من وجوه الجمع بين الروايات
المتعارضة، على ان المسالة مبناها الروايات. نعم، لا يبعد
دعوى ان صدورهذه الروايات في الجملة عن الباقر
والصادق(ع) مسلمة؛ لكثرتها وتظافر نقلها في كتبنا.
وصاحب الجواهر(قدس سره) - بعد ان نقل عن غاية المراد اجماع
اهل البيت(ع) على حرمان الزوجة، وانه لم يخالف فيه الا ابن
الجنيد، وقد سبقه الاجماع وتاخر عنه - قال: «لكن ومع ذلك قد
يقال: ان خلو جملة من كتب الاصحاب على ما قيل، كالمقنع
والمراسم والايجاز والتبيان ومجمع البيان وجوامع
الجامع والفرائض النصيرية عن هذه المسالة، مع وقوع التصريح
في جميعها بكون ارث الزوجة ربع التركة اوثمنها الظاهر في
العموم ربما يؤذن بموافقة الاسكافي، بل لعل الظاهر عدم
تعرض علي بن بابويه وابن ابي عقيل لذلك ايضا، والا لنقل، بل
لعل خلو الفقه الرضوي - الذي هو اصل الاول منهما ومعتمده -
مما يؤيدموافقته ايضا.
بل لعل جميع رواة الصحيح - الذي هو مستند ابن الجنيد بعد
عموم الكتاب والسنة - عن ابي عبداللّه(ع) مذهبهم ذلك؛ لان
مذاهب الرواة تعرف برواياتهم، وقد رواه ابن ابي يعفور وابان
والفضل بن عبدالملك، قال: «سالته عن الرجل هل يرث من دار
امراته شيئا او ارضها من التربة شيئا او يكون هو بمنزلة المراة فلا يرث من ذلك
شيئا؟ قال: «يرثها وترثه من كل شيء ترك
وتركت».
فدعوى سبقه بالاجماع ولحوقه به لا تخلو من نظر، بل عن
دعائم الاسلام ان اجماع الامة والائمة على قول ابن الجنيد،
قال: (عن اهل البيت(ع) مسائل جاءت عنهم في المواريث
مجملة ولم نر احدا فسرها،فدخلت على كثير من الناس الشبهة
من اجلها، فراينا ايضاح معانيها ليعلم المراد فيها، وباللّه
التوفيق، وان كنا لم نبن هذا الكتاب على فتح المقفل وايضاح
المشكل وبيان المختلف فيه، وانما قصدنا فيه
الاختصاروالاقتصار على الثابت من المسائل والاخبار، ولكن لما
كان ظاهر هذه المسائل يخالف الكتاب والسنة واجماع الائمة
والامة ودخلت على كثير من اصحابنا من اجلها الشبهة
ولمزهم بها كثير من العامة فرايناايضاحها - الى ان ذكر من ذلك
-ما روي عن ابي جعفر(ع) وابي عبد اللّه(ع) انهما قالا: «اذا هلك
الرجل فترك بنين فللاكبرمنهم السيف والدرع والخاتم
والمصحف»، وذكر عن بعض الاصحاب احتساب ذلك
من القيمة ورده بمنافاته للشركة المقتضية للتسوية ثم اوله بان
ذلك خاص للائمة والاوصياء(ع) وفيما هو منقول عن امام الى امام من خاتم الامام ومصحف
القرآن الثابت وكتب العلم والسلاح الذي ليس شيء من ذلك لاحد منهم تجري فيه
المواريث، وانما يدفعه الاول للاخر والفارط للغابر، وقد ذكرنا
في باب الوصايا ان رسول اللّه(ص) دفع الى امير المؤمنين(ع)
كتبه وسلاحه وامره ان يدفع ذلك الى ابنه الحسن(ع)، وامر
الحسن ان يدفعه الى الحسين(ع)، وامر الحسين(ع) ان يدفعه
الى ابنه علي(ع)، وامر علي بن الحسين(ع) ان يدفعه الى ابنه
محمد بن علي(ع)، وان يقرئه منه السلام، فهذا وجه ما جاء في
الرواية التي لا تحتمل غيره. فاما ان يكون جاء مفسرا فحذف
الرواة تفسيره، او جاء مجملا كما ذكرنا اكتفاء بعلم المخاطبين
او رمزا من ولي اللّه ثم ذكر ما روي عنهما(ع) ايضا من ان
النساء لا يرثن من الارض شيئا انما تعط ى قيمة النقض،
قال:وهذاايضا لو حمل على ظاهره وعلى العموم لكان يخالف
كتاب اللّه والسنة واجماع الائمة والامة، ثم اوله
بالارض المفتوحة عنوة؛ لكونها ردا للجهاد وتقوية لرجال
المسلمين على الكفار والمشركين، او بالاوقاف التي
ليس للنساء فيها حظ ولا يشاركن الرجال فيها الا في قيمة
النقض، فاما ما كان من الارض مملوكا للموروث فللنساء منه
نصيب، كما قال اللّه تعالى، هذا الذي لا يجوز غيره)».
ثم علق عليه صاحب الجواهر(قدس سره) بقوله: «وهو كما ترى
من غرائب الكلام، بل هو كلام غريب عن الفقه والفقهاء والرواة
والروايات، وانما نقلناه ليقضي العجب منه، والا فهو لا يقدح في
دعوى سبق الاجماع ابن الجنيد ولحوقه المستفاد ذلك من
تسالم النصوص عليه التي هي فوق مرتبة التواتر، والفتاوى التي
لا ينافيها عدم تعرض بعض الكتب للمسالة، ولعله لوضوحه
وظهوره، بل العامة تعرف ذلك من الامامية. ومن هنا اتجه
حمل الصحيح المزبور على التقية، كما يتجه تخصيص
العمومات بالمتواتر من النصوص والاجماع المحكي بل
وبالاجماع المحصل، فلا ينبغي الاطناب في ذلك»((22)).
وقد عرفت ان تحصيل الاجماع على الحرمان المطلق في مثل
هذه المسالة مشكل مع ذهاب مثل السيدالمرتضى الى الخلاف،
بل وذهاب معظم القدماء الى عدم الحرمان من ذات الولد كما
عرفت، واكثرالزوجات ذات ولد.
كما انه لو فرض تحصيله فهو اجماع مدركي مسبوق بالروايات
التي سوف ياتي الحديث عنها. هذا حال الاجماع والاقوال في
المسالة.
النصوص الواردة في المسالة:
واما ما تقتضيه الادلة اللفظية فلا شبهة في ان ظاهر القرآن
الكريم عدم حرمان الزوجة من العقار،وانها ترث الربع او الثمن
من تمام تركة الزوج.
ا - المجموعة الاولى من الروايات:
الا انه ورد في قبال ذلك مجموعة من الروايات - وفيها الصحاح -
تدل على حرمانها من ذلك على اختلاف في السنتها كما
سياتي، كما ان جملة منها دلت على حرمانها من ارث البناء ايضا
عينا وانماترث من قيمتها. وقد جمعها صاحب الوسائل ضمن
سبعة عشر رواية((23)) باختلاف الطرق الى بعض من رووا هذه
الاحاديث عن المعصومين(ع)، والا فالمروي عنهم(ع) مباشرة
ليس بهذا المقدار.
وهي بحسب اختلاف دلالتها يمكن تقسيمها الى طوائف:
1 - ما ظاهره حرمان الزوجة من ارث العقار والاراضي مطلقا من
دون تعرض لكيفية ارثها من البناء،وهي عدة روايات:
احداها - ما ينقله الكليني عن علي بن ابراهيم عن ابيه، عن
محمد بن عيسى، عن يونس، عن محمد بن حمران، عن زرارة،
عن محمد بن مسلم (وفي نسخة مخطوطة ومحمد بن مسلم)
عن ابي جعفر(ع)، قال:«النساء لا يرثن من الارض ولا من العقار
شيئا»((24)).
الثانية - ما نقله الكليني ايضا عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن
ابن ابي عمير، عن جميل، عن زرارة،عن ابي جعفر(ع) ومحمد
بن مسلم، عن ابي جعفر(ع)، قال: «لا ترث النساء من عقار
الارض شيئا» ((25)).
والظاهر انها نفس الحديث المنقول عن زرارة ومحمد بن
مسلم، نقله الرواة عنهما بطريقين، بل المظنون انه نفس ما
سياتي من الاحاديث المفصلة بين الارض والبناء، وانما تعددت
في كتب الاحاديث من جهة التقطيع.
الثالثة - ما ينقله الكليني ايضا عن حميد بن زياد، عن الحسن بن
محمد ابن سماعة، عن عمه جعفر بن سماعة، عن مثنى، عن عبد الملك بن اعين، عن
احدهما(ع) قال: «ليس للنساء من الدور والعقارشيء»((26)).
الرابعة - ما ينقله صاحب الوسائل بسنده من كتاب بصائر
الدرجات عن محمد بن الحسين، عن جعفربن بشير، عن
الحسين بن ابي مخلد (وفي نسخة البصائر عن الحسين عن
ابي مخلد) عن عبد الملك قال:دعا ابو جعفر(ع) بكتاب
علي(ع) فجاء به جعفر(ع) مثل فخذ الرجل مطويا، فاذا فيه: «ان
النساء ليس لهن من عقار الرجل اذا توفي عنهم شيء، فقال ابو
جعفر(ع): هذا واللّه خط علي بيده واملاء
رسول اللّه(ص)»((27)).
2 - ما ظاهره حرمان الزوجة من ارث العقار والضياع وارثها من
نفس البناء. وهو يتمثل في خبرين:
احدهما - ما ينقله الشيخ في التهذيب والاستبصار باسناده عن
الحسن بن محمد بن سماعة، عن محمدبن زياد، عن محمد بن
حمران، عن محمد بن مسلم وزرارة عن ابي جعفر(ع): «ان
النساء لا يرثن من الدور ولا من الضياع شيئا، الا ان يكون احدث
بناء فيرثن ذلك البناء» ((28))، وظاهره الاولي الارث من نفس
البناء عينا، لا قيمة فحسب.
الثاني - ما ينقله الكليني باسناده عن سهل - واضاف في الوسائل
وعن محمد عن احمد - عن علي بن الحكم، عن علاء، عن محمد
بن مسلم، قال: قال ابو عبد اللّه(ع): «ترث المراة الطوب (وفي
نسخ الكافي من الطوب)، ولا ترث من الرباع شيئا، قال: قلت:
كيف ترث من الفرع ولا ترث من الرباع (وفي نسخ الكافي
من الاصل) شيئا؟! فقال: (وفي نسخ الكافي فقال لي:) ليس لها
منه (وفي الكافي منهم) نسب ترث به، وانما هي دخيل عليهم،
فترث من الفرع ولا ترث من الاصل، ولا يدخل عليهم داخل
بسببها»((29)).
والرواية نفسها ينقلها ايضا الحميري في قرب الاسناد عن
السندي بن محمد عن علاء بن رزين عن الصادق(ع)((30))
مباشرة، لا بتوسط محمد بن مسلم.
3 - ما دل على التفصيل في ارث الزوجة، فلا ترث من الدور
والعقار والاراضي، ولكن ترث من قيمة البناء والالات - وهي اكثر
الروايات الواردة في الباب - والسنة هذه الطائفة مختلفة ايضا،
فبعضهاخصت الحكم بالرباع - وهي المنازل - وارض الدور،
وبعضها اطلقت العقار بناء على شموله لكل ارض او الارض،
وبعضها صرحت بالقرى ايضا، كما انه تقدم في خبر زرارة
ومحمد بن مسلم في الطائفة السابقة التصريح بالضياع ايضا وان
المراة لا ترث منها، وفي بعضها صرح بحرمان الزوجة من
السلاح والدواب ايضا وهو غير محتمل فقهيا، كما انه ورد في
ذيل بعضها تعليل هذا الحكم بان ذلك «لئلا يتزوجن فيفسدن
على اهل المواريث مواريثهم»((31)).
كما ان هذا التفصيل بين الارض وقيمة البناء والالات قد ورد
في جملة من روايات هذه الطائفة بلسان الاستثناء والاستدراك،
وانه تعط ى حقها - اي حق الزوجة - من الثمن والربع من قيمة
البناء، مما جعلهابعض الفقهاء ظاهرة في اعطاء كامل حقها حتى
من الارض من القيمة، واليك هذه الروايات:
1 - ما ينقله الكليني عن العدة، عن سهل بن زياد، وعن محمد
بن يحيى عن احمد بن محمد، وعن حميد بن زياد عن ابن
سماعة (جميعا)، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن
زرارة، عن ابي جعفر(ع): «ان المراة لا ترث مما ترك زوجها من
القرى والدور والسلاح والدواب شيئا، وترث من المال والفرش
والثياب ومتاع البيت مما ترك، وتقوم النقض والابواب والجذوع
والقصب فتعط ى حقهامنه»((32)).
ورواه الشيخ باسناده عن احمد بن محمد، عن الحسن بن
محبوب، عن علي بن رئاب، عن زرارة،وخطاب بن ابي محمد
الهمداني، عن طربال بن رجاء، عن ابي عبد اللّه(ع)((33)).
2 - ما ينقله ايضا عنهم، عن سهل، عن علي بن الحكم، عن ابان
الاحمر، قال: لا اعلمه الا عن ميسر بياع الزط ي عن ابي عبد
اللّه(ع) قال: سالته عن النساء ما لهن من الميراث؟ قال: «لهن
قيمة الطوب والبناءوالخشب والقصب، فاما الارض والعقارات
فلا ميراث لهن فيه، قال: قلت: فالبنات (وفي
نسخة الكافي فالثياب)؟ قال: البنات (الثياب) لهن نصيبهن منه.
قال: قلت: كيف صار ذا ولهذه الثمن ولهذه الربع مسمى؟ قال:
لان المراة ليس لها نسب ترث به، وانما هي دخيل عليهم، انما
صار هذا كذا لئلا تتزوج المراة فيجيء زوجها او ولدها من قوم
آخرين فيزاحم قوما آخرين في عقارهم»((34)).
ورواه الشيخ ايضا باسناده الى سهل((35)). ورواه الصدوق في
الفقيه((36))والعلل((37)) باسناده عن علي بن الحكم عن
ابان الاحمر عن ميسر.
3 - ما ينقله الكليني، عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن ابن ابي
عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة وبكير وفضيل وبريد ومحمد
بن مسلم، عن ابي جعفر(ع) وابي عبد اللّه(ع) (ومنهم من رواه
عن ابي جعفر،ومنهم من رواه عن ابي عبد اللّه، ومنهم من رواه
عن احدهما): «ان المراة لا ترث من تركة زوجها من تربة دار او
ارض الا ان يقوم الطوب والخشب قيمة فتعط ى ربعها او
ثمنها»((38)).
ورواه الشيخ ايضا باسناده عن علي بن الحكم الا انه قال:
«فتعط ى ربعها او ثمنها ان كانت من قيمة الطوب والجذوع
والخشب»((39)). وقد جعل بعضهم (او ارض) عطفا على التربة
اي لا ترث من تربة دار اوارض دار، لا عطفا على الدار.
4 - ما ينقله الكليني ايضا عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن ابن
ابي عمير، عن حماد بن عثمان، عن زرارة ومحمد بن مسلم،
عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «لا ترث النساء من عقار الدور شيئا،
ولكن يقوم البناءوالطوب وتعط ى ثمنها او ربعها، قال: وانما
ذلك لئلا يتزوجن فيفسدن على اهل
المواريث مواريثهم»((40)).
وظاهرها الاختصاص بارض الدور والا كان القيد لغوا وزائدا،
ولعله الى هذا استند المفيد وغيره في تخصيص الحكم بالدور
دون البساتين والضياع، فهذا ليس من باب مفهوم الوصف او
اللقب كما قيل في رده.
5 - ما ينقله الكليني عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن محمد
بن عيسى (وفي نسخ الكافي عن يونس)عن يحيى الحلبي، عن
شعيب، عن يزيد الصائغ، عن ابي عبد اللّه(ع) قال: سالته عن
النساء هل يرثن من الارض (وفي نسخ الكافي يرثن الارض)؟
فقال: «لا، ولكن يرثن قيمة البناء. قال: قلت: ان الناس لا
يرضون بذا. قال: اذا ولينا فلم يرضوا ضربناهم بالسوط، فان لم
يستقيموا ضربناهم بالسيف»((41)).
وقد نقل مثله ايضا بطريق آخر عن يزيد الصائغ، وفيه: «النساء لا
يرثن من رباع الارض شيئا، ولكن لهن قيمة الطوب والخشب.
قال فقلت له: ان الناس لا ياخذون بهذا...»((42))، وهي ايضا
كرواية زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمة ظاهرة في الاختصاص
برباع الارض، لا مطلق الارض.
6 - ما ينقله الكليني عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن الحسين
بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي، عن
حماد، عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «انما جعل للمراة قيمة الخشب
والطوب لئلا يتزوجن فيدخل عليهم - يعني اهل المواريث - من
يفسد مواريثهم»((43)).
ورواه الشيخ ايضا باسناده عن الحسين بن محمد عن سماعة
عن معلى ابن محمد.
كما رواه الصدوق باسناده عن محمد بن الوليد عن حماد بن
عثمان. واضاف: «الطوب الطوابيق المطبوخة من
الاجر» ((44)).
7 - ما ينقله الشيخ في التهذيب والاستبصار باسناده عن علي بن
الحسن بن فضال، عن احمد بن الحسن، عن ابيه، عن عبد اللّه
بن المغيرة، عن موسى بن بكر الواسط ي قال: قلت لزرارة: ان
بكيرا حدثني عن ابي جعفر(ع): «ان النساء لا ترث امراة مما ترك
زوجها من تربة دار ولا ارض، الا ان يقوم البناءوالجذوع
والخشب فتعط ى نصيبها من قيمة البناء، فاما التربة فلا تعط ى
شيئا من الارض ولا تربة دار. قال زرارة: هذا لا شك
فيه»((45)).
8 - ما ينقله الصدوق في الفقيه باسناده عن الحسن بن محبوب،
عن الاحول، عن ابي عبد اللّه(ع) قال:سمعته يقول: «لا يرثن
النساء من العقار شيئا، ولهن قيمة البناء والشجر والنخل. يعني
بالبناء الدور،وانما عنى من النساء الزوجة»((46)).
9 - ما ينقله الشيخ والصدوق معا باسنادهما عن محمد بن سنان:
ان الرضا(ع) كتب اليه فيما كتب من جواب مسائله: «علة المراة
انها لا ترث من العقار شيئا الا قيمة الطوب والنقض؛ لان العقار
لا يمكن تغييره وقلبه. والمراة قد يجوز ان ينقطع ما بينها وبينه من العصمة ويجوز
تغييرها وتبديلها. وليس الولدوالوالد كذلك؛ لانه لا يمكن النقص منهما، والمراة يمكن
الاستبدال بها، فما يجوز ان يجيء ويذهب كان ميراثه فيما يجوز تبديله
وتغييره اذا اشبهه، وكان الثابت المقيم على حاله كمن كان
مثله في الثبات والقيام»((47)).
هذه مجموعة الروايات الدالة على حرمان الزوجة من العقار
ومن اعيان البناء وآلاتها، وانما تعط ى حقهامن قيمتها.
المجموعة الثانية من الروايات:
وفي قبال ذلك توجد طائفتان من الروايات معارضة معها ودالة
على عدم الحرمان:
احداهما - الروايات الكثيرة، وفيها الصحيحة الدالة باطلاقها او
عمومها على ارث الزوجة الثمن او الربع من تمام التركة من
دون استفصال بين العقار وغيره.
الا ان هذه الروايات حيث ان دلالتها بالاطلاق او العموم بخلاف
الروايات الدالة على الحرمان؛ فانهامفصلة وواردة في خصوص
ارث العقار والدور، فقد جمع الاصحاب بينهما بالتخصيص، كما
هومقتضى الصناعة والجمع العرفي في اشباه ذلك.
الثانية - ما دل على عدم حرمان الزوجة مطلقا، او في خصوص
ذات الولد من الزوج في خصوص العقار، وانها ترث منه وهو
يتمثل في خبرين:
احدهما: صحيحة ابن ابي يعفور عن ابي عبد اللّه(ع) قال: سالته
عن الرجل هل يرث من دار امراته اوارضها من التربة شيئا، او
يكون في ذلك بمنزلة المراة فلا يرث من ذلك شيئا؟ فقال:
«يرثها وترثه من كل شيء ترك وتركت»((48)).
وقد نقلها الشيخ في كتابيه باسناده عن الحسين بن سعيد، عن
فضالة، عن ابان، عن الفضل بن عبدالملك وابن ابي
يعفور((49)) (وفي التهذيب او ابن ابي يعفور)((50)).
واسناده الى الحسين بن سعيد فيه احمد بن محمد بن الحسن
بن الوليد، والاقرب وثاقته.
كما انه نقلها الصدوق((51)) باسناده الى ابان، وهو طريق
صحيح، وابان هو ابان بن عثمان الاحمر.
وهي واردة في مورد ارث الزوجة؛ لان السؤال فيها وان كان
ابتداء عن ارث الزوج لعقار زوجته الا انه حيث كان من المركوز
في ذهن السائل حرمان الزوجة من ارث العقار صاغ سؤاله عن
ارث الزوج للعقاربلسان القياس على عدم ارث الزوجة للعقار،
فقال: هل يرث الزوج من التربة شيئا او لا يرث كما لا
ترث الزوجة؛ لكونهما بمنزلة واحدة، فجاء الجواب مصرحا بانهما
بمنزلة واحدة، يرثها وترثه في كل ما ترك وتركت، فتكون
صريحة في ارث الزوجة ايضا للعقار، وليست دلالتها على ذلك
بالعموم او الاطلاق لكي يمكن تقييدها بالروايات الدالة على
الحرمان، بل هي واردة في نفس ما وردت فيه تلك الروايات،
فتكون معارضة.
نعم، ظهورها في انها ترث من عين ذلك لا قيمته ليس بنحو
الصراحة، فاذا استفيد من بعض روايات الحرمان مدعى السيد
المرتضى امكن الجمع بينه وبينها بذلك.
الثاني: ما ينقله الشيخ والصدوق عن ابن ابي عمير، عن ابن
اذينة «في النساء اذا كان لهن ولد اعطين من الرباع»((52)).
وقد نقله الشيخ باسناده - الصحيح - الى محمد بن احمد بن
يحيى، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن ابي عمير، عن ابن اذينة.
ونقله الصدوق باسناده الى ابن ابي عمير عن ابن اذينة،
وطريقه اليه صحيح ايضا.
وهي صريحة ايضا في ارث الزوجة اذا كانت ذات ولد من الرباع،
كما انها لو تمت دلت بمفهومها على عدم اعطائهن من الرباع اذا
لم تكن ذات ولد. ومن هنا قد يجعل هذا الحديث ايضا من ادلة
الحرمان في الجملة، وحيث انها مفصلة في ارث الزوجة من
الرباع بين ذات الولد وغيرها فتكون اخص من
مطلقات الحرمان.
الا ان هذا المفهوم ليس بازيد من انه لا يعطين من اعيان الرباع
وتربتها؛ لان مفاد المنطوق استحقاقهامن نفس الرباع كما هو
في سائر التركة، فلا دلالة في المفهوم الا على انتفاء ذلك لا
نفي مطلق حقها ولوفي قيمة الرباع يعطين مع قيمة البناء
مثلا.
وقد نوقش في هذه الرواية بانها مقطوعة ابن اذينة، ولم يشهد
بانه ينقلها عن المعصوم، فلعله نقل فتواه ونظره فلم يحرز
كونها رواية اصلا، ولهذا لا تكون بمثابة المرسل عن
المعصوم(ع) ايضا، فلا يمكن تصحيحها سندا حتى بعمل
المشهور بناء على القول بانجبار الخبر الضعيف او الخبر المرسل
بعمل الاصحاب به.
الا انه من المستبعد جدا بل لعله غير معهود على اصحاب
الائمة(ع) خصوصا الاجلاء منهم كابن ابي عمير وابن اذينة ان
يفتوا اصحابهم ورواة الاحاديث عنهم برائهم وفتاواهم، كما
يستبعد جدا عن مثل ابن ابي عمير ومن بعده من اجلاء وعيون
رواة الاحاديث عن المعصومين ان لا يميزوا بين
فتاوى الاصحاب ورواياتهم فينقلوا ما هو فتوى لاحدهم مكان
الحديث عن المعصوم ثم تتناقله طبقات الرواة جيلابعد جيل
وتسجله كتب الحديث والاصول الى زمان الصدوق والشيخ،
فان هذا في قباله اطمئنان بالخلاف.
والمظنون قويا ان كثرة التقطيع الواقع من قبل اصحاب الكتب
والمجاميع الحديثية في روايات المعصومين(ع) هي منشا
صيرورة بعض الاحاديث مقطوعة غير مصرح باسم الامام
المبارك فيها، ومن هنا اعتمد مشهور القدماء من الفقهاء
خصوصا علماء الحديث والرجال ممن كانوا خبراء هذا
الفن كالصدوق والشيخ واتباعه ومشهور الفقهاء بعده على هذا
الخبر بعنوان حديث المعصوم، ولم يتفوه احدمنهم بالتشكيك
في ذلك، حتى ان ابن ادريس الذي كان اول مخالف صريح
للفتوى بالتفصيل لم يرم الحديث بانه غير صادر عن المعصوم،
وانما قال انه خبر واحد، وهو على مبناه ومختاره لا يفيد
علماولا عملا، وهذه التشكيكات انما صدرت عن متاخر
المتاخرين. آية اللّه السيد كاظم الحسيني الحائري
الحمد للّه رب العالمين، وصلى اللّه على محمد وآله الطيبين
الطاهرين
هل يجوز التعزير بمصادرة المال او بالحبس او غير ذلك من
الامور غير الضرب او انه خاص بالضرب؟
وهل التعزير بالضرب يجب ان لا يزداد عن نصف الحد او ان
يكون اقل من الحد ام ماذا؟ وما هومقداره؟
وما هو حكم تعزير الاولاد غير البالغين((53))؟
الجواب على هذه الاسئلة قد يترتب على الالتفات الى مجموعة
امور:
الامر الاول - مبدا ولاية الفقيه:
الامر الثاني - الروايات الواردة في الحبس، وهي كما يلي:
1 - محمد بن الحسن باسناده عن محمد بن علي بن محبوب
عن يعقوب ابن يزيد عن ابن ابي عمير عن حماد عن ابي عبد
اللّه(ع) في المرتدة عن الاسلام قال: «لا تقتل، وتستخدم خدمة
شديدة، وتمنع الطعام والشراب الا ما يمسك نفسها، وتلبس
خشن الثياب، وتضرب على الصلوات»، ورواه الصدوق باسناده
عن حماد عن الحلبي مثله الا انه قال: «اخشن الثياب» ((54)).
والحديث تام سندا.
2 - محمد بن الحسن باسناده عن محمد بن الحسين عن محمد
بن يحيى عن غياث بن ابراهيم عن جعفر عن ابيه عن علي(ع)
قال: «اذا ارتدت المراة عن الاسلام لم تقتل ولكن تحبس ابدا»،
ورواه الصدوق باسناده عن غياث بن ابراهيم مثله((55)).
والحديث تام سندا.
3 - الشيخ باسناده الى الحسين بن سعيد عن حماد عن حريز
عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «لا يخلد في السجن الا ثلاثة: الذي
يمسك على الموت، والمراة ترتد عن الاسلام، والسارق بعد
قطع اليدوالرجل»((56)). والسند تام. ورواه الكليني بسند غير
تام الا انه ذكر بدلا عن «الذي يمسك على الموت»: «الذي
يمثل»((57)).
4 - الشيخ باسناده الى الحسين بن سعيد عن الحسن بن
محبوب عن عباد ابن صهيب عن ابي عبداللّه(ع) قال: «المرتد
يستتاب، فان تاب والا قتل والمراة تستتاب، فان تابت والا
حبست في السجن واضربها»((58)). وسند الحديث تام.
5 - الشيخ باسناده الى الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد
عن عاصم ابن حميد عن محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع)
قال: «قضى امير المؤمنين(ع) في وليدة كانت نصرانية
فاسلمت وولدت لسيدها، ثم ان سيدها مات واوصى بها عتاقة
السرية على عهد عمر فنكحت نصرانيا ديرانيا وتنصرت فولدت
منه ولدين وحبلت بالثالث، فقضى فيها: ان يعرض عليها
الاسلام، فعرض عليها الاسلام فابت، فقال: ما ولدت من ولد
نصرانيا فهم عبيد لاخيهم الذي ولدت لسيدها الاول، وانا
احبسها حتى تضع ولدها، فاذا ولدت قتلتها»((59)). وسند
الحديث تام الا ان مضمونه خلاف الاخبار التي عرفت وتعرف.
6 - الكليني عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن محبوب عن
غير واحد من اصحابنا عن ابي جعفروابي عبد اللّه(ع): «في
المرتد يستتاب فان تاب والا قتل، والمراة اذا ارتدت عن
الاسلام استتيبت، فان تابت والا خلدت في السجن وضيق عليها
في حبسها». ورواه الشيخ باسناده عن الحسن بن
محبوب((60)). ولوقيل بان كلمة (غير واحد) تعط ي معنى
عدد يوجب الوثوق تم الحديث سندا، والا فلا. 7 - مرفوعة عبد الرحمن بن الحجاج: «ان امير المؤمنين(ع) كان لا يرى الحبس الا في ثلاث: رجل اكل مال اليتيم او غصبه او رجل اؤتمن على امانة فذهب بها»((61)).
|
|---|