الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وبهذا يتبين ان اسباب نزول النص الديني هي دلالات وامارات معينات ومساعدات على حسن فهم النص وادراك مراميه وابعاده؛ لان النص الديني (الوحي) هادف الى تغيير احوال المخاطبين وتغيير عاداتهم واحوالهم، وحينئذ ستكون الحادثة الذي نزلت فيها الاية القرآنية او الظرف الذي نزل به النص الديني عبارة عن امارة على الوضع العام الذي يراد اصلاحه وتغييره نحو الاحسن والافضل، فحينئذ لا يجوزان تكون تلك الاسباب وتلك الازمنة حاكمة على النص ومحددة صلاحيته واستمراريته، فالنص الديني حاكم عليها - وليس العكس - فالنص الشرعي يمثل خطاب اللّه الموجه الى العالم ايام النزول وايام المستقبل الى يوم القيامة فكيف يكون التاريخ حاكما عليه؟!!

ومقتضى الطبيعة الثالثة للنص الديني التي هي استكشاف المعاني من النص الديني وفق ما تقتضيه قواعد اللغة التي نزل بها النص الديني ان يكون النص الديني هو المرجع لاستكشاف عقيدة هذا الدين ونظامه، فقد اشار النص الديني الى جعل العقل هو المرجع في الوصول الى العقيدة الاسلامية، فلولا العقل لما اثبتنا الخالق ولا تثبت رسالة الرسول(ص)، فبالعقل وحده يصل الانسان الى العقيدة الاسلامية، وبعدذلك يفصل القرآن والسنة للانسان مسيرة حياته التشريعية، ولكن تفصيل مسيرة الحياة التشريعية كان على نوعين:

النوع الاول: نصوص تمثل الاصول والمبادئ التي لا تقبل التغيير والتبديل، قد جاءت بصيغة قطعية، ولايقبل هذا النوع من النص الشرعي التطور والتغيير بتغير الزمان والمكان وبتغير الحياة الثقافية اوالاجتماعية او السياسية او غيرها.

النوع الثاني: نصوص واحكام ومبادئ تؤثر في فهمها عوامل البيئة والعادات والثقافات والظروف الاجتماعية والسياسية مما يجعل الفهم من هذه النصوص متجددا ومتبدلا بتبدل الزمان والمكان والاحوال،كما سياتي مثال ذلك فيما بعد.

على ان النص الديني بنوعيه قد اهتم بالمبادئ والاهداف وجعل الوسيلة للوصول الى هذه المبادئ والاهداف (في اكثر الموارد) خاضعة لاختيار المسلم وعقله كي يختار الوسيلة المناسبة والملائمة لحاله وزمنه.

والخلاصة: ان النص الديني انما جاء ليكون بقيمه واحكامه الثابتة على مر الزمن مقياسا ومعيارا للواقع الانساني، فالنص الديني لابد ان يصلح به الواقع كلما انحرف عن الحق، فهو الموجه والقيم على الواقع،خلافا لما يقوله اصحاب القراءة الجديدة من ان تغير الازمان التي تتغير به الاوضاع والاحوال والثقافات يوجب تغير الاحكام؛ اذ لا مبرر لبقائها وينبغي ان تستبدل بما يستجيب للاوضاع الجديدة.

المناقشة الثالثة: ولو قبلنا ان الواقع الانساني دائم التغير الا انه ليس من الضروري ان يكون تغيره نحوما هو حق وخير للانسان؛ اذ قد تكون حركة الانسان ارتكاسا نحو الباطل والشر والشقاء، وحينئذيتساءل عن ضرورة تغير حكم اللّه الذي اراد به اصلاح البشرية وتقدمها نحو الخير والعطاء؟!

واذا كان النص يجب ان يقرا قراءة جديدة تنسجم مع ما هو واقع في الخارج من اوضاع واحوال الناس فان افترضنا ان الواقع الخارجي كان باطلاوشرا وظلما فمعنى ذلك ان النص الديني اجاز الباطل والشروالظلم، وهذا مما لا يمكن تصوره في النص الديني الذي جاء به الوحي لاصلاح البشرية.

واذا نظرت الى الواقع الخارجي للعالم الغربي فانه يعترف بالاسرة التي تتم خارج نطاق الزواج ويعترف العالم الغربي بل العالم الاسلامي غير الملتزم بالاسلام بحلية الربا وبجواز التبرج للمراة فتخرج الى الاسواق والشوارع بلا حجاب، فاذا ما اردنا ان نحكم الواقع على النص ونجعل النص قابلا للاعتراف بالاسرة خارج نطاق الزواج وبحلية الربا وجواز التبرج للمراة المسلمة فمعنى ذلك انا خالفنا ضرورات الدين الاسلامي وكذبنا القرآن القائل بحرمة الزنا وعدم الاعتراف بالاسرة القائمة عليها وحللنا الربا الذي نطق القرآن بحرمته بصورة واضحة وقاطعة وجعله حربا للّه وللرسول كما في الاية القرآنية (يا ايهاالذين آمنوا اتقوا اللّه وذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين - فان لم تفعلوا فاذنوا بحرب من اللّهورسول ه وان تبتم فلكم رؤوس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون)((317))، وبهذا نكون قد خرجنا عن الدين بهذه القراءة الجديدة، فلاحظ.

والخلاصة: ان النص الديني الذي جاء به الاسلام هو المعيار في اصلاح الواقع الخارجي كلما انحرف عن الحق فالدين هو القيم وهو الموجه للانسانية نحو الصلاح والخير، ولو كان الواقع الخارجي هو القيم على النص الديني وهو الذي يوجهه الوجهة التي يريدها لما كان فائدة من النصوص الدينية الا في حدودالتوجيه الروحي، وحينئذ نتساءل عن الاحكام الكثيرة الواردة في القرآن والسنة فما هي فائدتها اذا كان الواقع هو الحاكم عليها؟!!

نعم، ان الذين يدعون الى القراءة الجديدة في تحكيم الواقع على النص قد ابهرتهم ثقافة وتقدم الغرب(اذا احسنا الظن بهم)، فكان لها التاثير الكامل على نفوس هؤلاء فانهزمت ازاء واقع الغرب الخلا ب في التقدم العلمي والتكنولوجي فظنوا ان الواقع الغربي هو الذي يخلصهم من التخلف والجهل،فجعلوا الواقع الخارجي هو المقياس في الحياة، وغفلوا عن ان هذا التقدم العلمي والتكنولوجي ليس من مختصات الغرب، بل هو ناتج من التقدم في العلوم الطبيعية التي يحث الاسلام اتباعه على انتهاجها، وهي لا تتقاطع مع النصوص الدينية التي تامر الانسان باتباع عقله في الوصول الى خلافة اللّه على الارض، وفي الوقت نفسه تجعل للانسان احكاما في حياته البشرية يجب عليه اتباعها للوصول الى العدالة والخيروالسعادة.

والى كل ما تقدم اشار الصدوق رضوان اللّه عليه فيما رواه مسندا عن الامام الرضا(ع) عن ابيه (الامام الكاظم(ع)): «ان رجلا سال الامام الصادق(ع) فقال له: ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس الا غضاضة؟ فقال(ع): لان اللّه تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد وعند كل قوم غض الى يوم القيامة»((318)).

نعم، قد يقال: ان القرآن نزل في فترة من الزمان السابق وهو يخاطب جماعة خاصة، فقد يكون قد اعتمدعلى وجود قرينة متصلة لم يلتفت اليها من باب الغفلة، فينفى هذاالاحتمال باصالة عدم الغفلة من المخاطب فيتنقح موضوع حجية الظهور، اما من لم يقصد افهامه فيحتمل وجود قرينة متصلة بين المتخاطبين لم يلتفت اليها هو رغم عدم الغفلة، فلا تجري بشانه اصالة عدم القرينة كي يحرز موضوع حجية الظهور.

وقد اجاب الاصوليون عن هذا الاشكال بقولهم: ان اصالة عدم القرينة هو اصل عقلائي في قبال اصالة عدم الغفلة، فيجري غير المقصود بالافهام اصل عدم القرينة كما يجريه من قصد بالافهام على حدسواء.

ولو لم نرتض هذا الجواب، فنقول: ان احتمال اخلال المتكلم بذكر القرينة (متصلة او منفصلة) هو خلاف ظهور حال المتكلم في انه في مقام ابراز مراده بكلامه، وهذا الظهور السياقي نسبته الى المخاطب وغيرالمخاطب على حد سواء.

كما ان احتمال الغفلة عن القرينة ينفى باصالة عدم الغفلة في السامع وغير السامع (في المخاطب وغيره) (في من قصد افهامه وغيره) على حد سواء؛ لان الغفلة على خلاف الطبع.

وعلى كل حال فان المتكلم حينما يتكلم بلغة مجتمعة فهو يتكلم باصطلاحات اللغة التي تكون موضوعة للجميع (من قصد افهامه ومن لم يقصد افهامه) على حد سواء.

نعم، قد يعتمد المتكلم وجود قرينة حالية بين المتكلم والمخاطب - تظهر من قسمات وجه المتخاطبين اوحركات اليد او استحضارهما لكلام سابق او نحو ذلك - لا يفهمها من لم يكن حاضرا مجلس التخاطب او مجلس الكلام السابق، وهذا الاحتمال ان وجد فليس له دافع.

وهذا يمكن ان يجعل ملاكا للتفصيل بين حاضر مجلس الكلام وغيره، لا بين من قصد افهامه ومن لم يقصد افهامه، ولكن مع هذا فان الغالب عدم وجود هذه القرينة الحالية، ولكنها لو احتملت فلا دافع لها.

ومع هذا نقول: ان هذا الاحتمال لا يضر بحجية القرآن والروايات الواصلة لنا من المعصوم(ع) وان لم نكن حاضرين مجلس المعصوم؛ وذلك لان الراوي الثقة يحكي لنا القصة الواقعة في مجلس الكلام فهويشهد لنا ضمنا بانه ينقل كل ما له دخل في القضية الواقعة؛ لانه امين وثقة فينقل لناتمام ما له دخل في تحصيل المعنى، فان كانت هناك قرينة حالية اشار اليها، وبما انه لم ينقل لنا اية قرينة حالية، فمعنى ذلك عدم وجود قرينة حالية في المجلس الذي وقع فيه الكلام، والا لكان مخلا بامانته.

وبعبارة اخرى: ان المخاطب للمعصوم يكون قد خاطب شخصا آخر، فكلامه يكون حجة له؛ لان غيرالحاضر في المجلس يحتمل وجود قرينة حالية، وهذا الغير الثقة قد خاطب آخر فيكون كلامه حجة له،وهكذا الى ان تصل القضية الينا فنكون نحن مخاطبين او بحكم المخاطبين فتكون الظواهر حجة لنا، ولوكانت هناك قرائن حالية لكان على كل ناقل لغيره من بيانها والا لم يكن ثقة او لم يكن عارفا بالقرائن،وهذا ايضا باطل؛ لان الناقل للحادثة عارف باساليب الكلام فيعرف القرائن كلها الحالية وغيرها.

اذن اصل اشكال اختصاص حجية الظواهر بالمشافهين او بمن قصد افهامه او بالحاضرين في مجلس الكلام ليس له اثر مهم في الشريعة؛ لان كل من وصل اليه كلام اللّه او كلام المعصوم هو مشافه ومقصود بالافهام. على ان الكتاب الكريم يقصد الافهام لكل فرد في هذا العالم؛ لانه لم يعتمد على القرائن الحالية عند عصر النزول، فظواهره حجة.

اشكال: قد يقال ان الظهور للقرآن والسنة اذا كان حجة (لمن حضر مجلس الخطاب ومن لم يحضر)فمعنى ذلك اننا نتمكن ان ناخذ بظاهر الخطاب لنا وان كان على خلاف مقصود المتكلم، وبهذا يتم قصدمن رفع شعار القراءات بانه ياخذ بما يفهمه هو من ظهور الكلام وان كان يخالف مقصود المتكلم.

اما كيف يكون الظهور لنا مخالفا للظهور في عصر صدور النص؟ فتوضيحه: ان اللغة رغم كونها ثابتة نسبيا هي في تطور دائم وبمضي الدهور يشتد التغيير، ولا نقصد بالتغيير انتقال اللسان من لغة الى اخرى كما في الفصحى والعامية، بل نقصد التغير الواقع في داخل لغة معينة، حيث ان اللغة هي اداة لافادة المقصود، فاذا كان المقصود متطورا فمن الطبيعي ان تتطور اللغة تبعا لتطور المقصود، فان كانت هناك عوامل مؤثرة في الافكار والحاجات والتعايش، فنرى التطور في اللغة عادة في وضع كلمة جديدة وتارة نرى التطور في سياق جديد، وتارة في معنى الكلمة السابقة او السياق القديم، مثلا كلمة الاشتراكية تعط ي في زماننا معنى مخالفا للمعنى السابق، فان كان الظهور حجة فمعناه ناخذ بما نفهمه نحن وان لم يكن مقصوداللمشرع، وان لم يكن الظهور حجة فهو معناه عدم الالتزام بما يظهر من النصوص الشرعية، وكل يعمل بما يحلو له.

والجواب: ان الظهور الذي جعل حجة هو ظهور عصر النص (عصر الصدور) لا عصر الوصول، وبهذانكون - نحن المتاخرين - مسؤولين عن ظهور عصر صدور النص، ولا يجوز العمل بالظهور المتاخر.والدليل على ذلك هو ان العلماء يتمسكون (في صورة احتمال التغيير في اللغة) باصالة عدم التغيير في اللغة (عدم نقل معنى الكلمة او السياق من معنى الى معنى آخر) فلو كان الظهور الحجة عندهم هو ظهورعصر الوصول لم تكن حاجة الى اصالة عدم التغير في اللغة. والسر في كون موضوع حجية الظهور هوظهور عصر النص هو ان حجية الظهور اصل عقلائي وسيرة عقلائية ارتكازية تكشف كشفا نوعيا عن مرادالمتكلم.

وحينئذ لو احتملنا تغير الظهور في زماننا عن الزمان الذي صدر فيه النص، فياتي اصل عقلائي آخروهو اصالة عدم التغير في اللغة، فيتنقح به موضوع اصالة الظهور، فيكون الظهور حجة.

هل هناك اصل عقلائي يقول باصالة عدم التغير في اللغة عند احتمال التغير؟ نعم، يوجد هذا الاصل العقلائي الارتكازي؛ لان التغيير حالة استثنائية لا يعتنى باحتمالها، فكل فرد راى بحسب تجربته في فترة حياته عدم تغير اللغة، وان تغير اللغة حالة استثنائية، فتصوروا ان هذا هومقتضى طبيعة اللغة بحسب الفترات الطويلة ايضا، وهذا التعميم عرفي من العقلاء طبقوه على ارادة الواقف والموصي الذي فصل بيننا وبينه مدة طويلة، فعملوا بما استظهروه من صيغة الوقف او الوصية الباقية من ذاك الواقف او الموصي.

وهذا البناء العقلائي يشكل خطرا على اغراض الشارع ولو على نحو الاحتمال فيما ياتي من الزمان،فيكون عدم ردعه عنه دليلا على امضائه.

على ان المتشرعة كانوا يعملون بظواهر النصوص الماثورة عن المعصومين الاوائل(ع) مع ان الفاصل الزمني بين النبي(ص) والامام الهادي والعسكري(ع) فاصل طويل، وتلك الفترة الزمنية فترة متطورة من النواحي الاجتماعية والفكرية والمادية وعامرة بالعلوم المختلفة، ومع هذا فان المتشرعة كانوا يعملون بظواهر الكتاب والسنة الواصلة اليهم بنهج واحد بلا رادع ولا مانع، وعدم الردع دليل الامضاء.

ونكتة هذه السيرة هو ان التطور في اللغة قليل جدا بالنسبة للظهورات غير المتبدلة، فتبقى اصالة الثبات في اللغة كاشفة نوعا عن مراد المتكلم، ولهذا فنحن حينما نرجع الى نصوص القرآن الكريم والسنة نرى اننا نفهم منها معاني متناسقة مقبولة في حين انه لو وقع التبدل والتطور في اللغة كثيرا لفهمنا منهامعاني غير متناسقة وغير مقبولة.

نعم، لا تجري اصالة عدم النقل في موردين:

الاول: اذا علمنا بالنقل وشك في تقدم النقل او تاخره، فان اصالة الثبات او عدم التغير القائمة عليهاالسيرة انما تجري لاستبعاد التغير في اللغة، اما اذا فرض وقوع التغير فحينئذ لا يفرق بين وقوعه في الماضي او في هذا الشهر مثلا.

الثاني: اذا توفر مقتضى النقل، كما اذا كان الشك في مؤثرية الموجود في النقل، كما اذا شاع استعمال لفظ الصلاة في المعنى الشرعي كثيرا لكثرة ابتلاء المتشرعة بذلك، فاحتمل ان هذا الشيوع قد بلغ مرتبة نقل اللفظ عن معناه اللغوي وتعين المعنى الشرعي، فهنا ايضا لا تجري اصالة عدم النقل لقصوره السيرة عن الشمول؛ لان السيرة العقلائية على عدم النقل قائمة على استبعاد النقل، واما اذا توفر مقتض للنقل بالنحو المذكور فلا استبعاد، فلا تجري اصالة عدم النقل.

والى هنا اتضح عدم تمامية اختصاص الخطاب الديني بالمشافهين.

واما الدعوة الثانية: وهي الدعوة الى منهج فلسفة اللغة في تفسير النص:

فخلاصته كما يصورونه بان دلالة الالفاظ على المعاني هي مدلولات تتولد بالاساس في ذهن المتلقي لتتحدد بعد ذلك برموز اللغة، وقد اعتمدت هذه الفلسفة على ما نسب الى الفيلسوف اللغوي النمساوي(مزناند دي سويسير) ومؤداها: ان اللغة لا تحمل معنى موضوعيا خارج الذهن المتلقي لها، اذ هي لاتعبر عن العالم الخارجي الموضوعي القائم بحيث يمكن ان يحصله كل قارئ او مستمع لها على نفس النحو مهما تغيرت الاوضاع وتبدلت الاجيال، وانما مدلول اللغة هو ما تثيرة في ذهن المتلقي من معنى بحسب ما يعمر ذلك الذهن من مفاهيم ثقافية بحيث يكون مدلول اللغة في آخر التحليل هو ما يستكن في الاذهان المتلقية بحسب تكونها الثقافي، وليس ما تحمله اللغة من حمولة مدلولية موضوعية خارج الذهن المتلقي لها.

وبما ان الوعي الثقافي يختلف باختلاف الازمان والاجيال، بل قد يختلف باختلاف الافراد في الزمن الواحد وفي الجيل الواحد، لذلك فان المدلول اللغوي للنص الواحد قد يكون مختلفا بين جيل وآخر، بل بين شخص وآخر من نفس الجيل من المتلقين لذلك النص، وذلك تبعا لاختلاف الوعي الثقافي بينهما،بحيث يكون ما يحصل في فهم جيل او فرد من معاني النص قد يكون مخالفا لما يفهمه جيل آخر اوفرد آخر منه، اذ هو لا يحمل في ذاته معنى موضوعيا يلتقى الجميع في فهمه، وانما يتحدد معناه بالوعاء الثقافي الذي يتنزل فيه بالمتلقي((319)).

وقد طبق هذه الادعاء على النص القرآني، فكان معنى النص القرآني هو ذلك المعنى الذي ينطبع في اذهان المتلقين بحكم ما تنتجه ثقافتهم من عملية التلقي للنص القرآني، فلا يكون للنص القرآني معنى ثابت.

المناقشة:

لا يمكن الاخذ بالفكرة الفلسفية في اللغة: القائلة بان مدلول اللغة هو عبارة عما تثيره اللغة في ذهن المتلقي من معنى بحسب ما يعمر ذلك الذهن من مفاهيم ثقافية من دون ان تكون اللغة حاملة في ذاتهالاي معنى خارجي موضوعي؛ وذلك لان هذه القراءة حتى بالنسبة للكلام البشري غير مقبولة فضلا عن النص الالهي، اذ الالتزام بهذه الفكرة الفلسفية في اللغة معناه:

اولا: انهدام الحياة الاجتماعية. ثانيا: وانهدام الحياة الانسانية.

لان الحياة قائمة على ما تواضع عليه الناس من دلالات لغوية على المعاني او حصلت من القرن بين اللفظ والمعنى بصورة مكررة بحيث اصبح الكلام المستعمل بين الناس حاملا معنى موضوعيا يشترك الناس في فهمه من اللغة الملفوظة او المكتوبة، فيتم التفاهم بين الناس وتحصل الحياة الاجتماعية والانسانية بذلك، وهذا هو ما يسمى بالسيرة العقلائية من الاخذ بظواهر الالفاظ فهي حجة لهم وعليهم.

واما اذا لم يكن هناك معنى مشترك من الفاظ اللغة، وكان كل واحد من المتلقين للغة يفهم معاني الالفاظ حسب تكونه الثقافي، فلا يكون اي احد يدرك معنى ما يتلفظ به هو، ولا يكون كل احد يدرك معنى مايكتبه هو، ولا يكون احد يدرك معنى ما يكتبه الاخرون لغيرهم من البشر، فلا يحصل تواصل في الحياة.

ثم كيف يفهم الناس القانون واحكامه؟ اذ كل واحد منهم يفهم الاحكام حسب ثقافته ووضعه، وهذا يبررعدم امكان تطبيق القانون على احد وعدم امكان محاكمة احد اذا خالف القانون حيث يدعي انه لا يفهم من حرمة الفعل الا رجحان الترك بحيث اذا فعله لم يكن معاقبا.

ثم كيف يتلقى الاوامر والنواهي من يشتغل في شركة او عمل معين؟!وكيف سيتعلم الطلا ب في المدرسة والجامعات وهم يفهمون حسب تلقيهم وان كان خلاف قصد المعلم او الكاتب، او خلاف الظهور؟!

ثم هل يعقل احد ان كلمة واجب او حرام او مستحب او راجح يختلف معناها بحسب اختلاف ثقافات المتلقين للغة، فيفهم من الواجب الحرمة او من الحرمة الوجوب؟! اليس هذا الكلام يؤدي الى الفوضى ويكون صاحبه متهما في عقله؟!

نعم، ان اللغة العربية التي نزل بها القرآن وجاءت بها السنة الشريفة هي لغة لها ضوابطها وقواعدها في تفهيم المعاني من الالفاظ المفردة او المركبة، وهذا واضح لكل احد يعرف اللغة العربية، فعلم النحووالصرف والبلاغة وعلم الحروف وغيرها من علوم اللغة كلها تسهم في فهم المراد من الالفاظ.

نعم، قد يكون اللفظ بمفرده او بسياقه لايتلقاه المتلقي حسب قصد المتكلم رغم مراعاة كل منهما القواعدالعربية في الكلام، وما ذاك الا لان اللغة رمز، وهذا الرمز قد يكون صريحا (كما في اكثر الاستعمالات اللغوية)، وقد يكون غير صريح كما في ظواهر الالفاظ، وقد يكون محتملا لاكثر من معنى كما في المشتركات حيث لا يكون واضحا الا اذا كان مصحوبا بقرينة تدل على احد المعنيين الا ان المحتملات المتعددة من اللفظ قليلة، وعادة ما يصحبها المتكلم بقرينة تدل على احد المحتملات او بلفظ آخر يحصرالمعنى في احد المعنيين.

ولهذا فعدم معرفة علم النحو او عدم تطبيقه في الكلام يؤدي الى اضطراب معاني المتكلم، فالقارئ الذي كان بالبصرة يقرا الاية «ان اللّه بريء من المشركين ورسوله» بكسر «رسوله» يكون معناها: ان اللّه بريءمن رسول اللّه، وهذا خطا فظيع، بل ان اللّه والرسول قد برئا من المشركين، ف(رسوله) مرفوعة عطفا على محل كلمة (اللّه).

ولهذا فان امير المؤمنين علي(ع) قام بوضع علم النحو للناس، فقد روى ابو الاسود الدؤلي فقال: دخلت يوما على علي بن ابي طالب، فرايته مطرقا يفكر، فقلت: ما لي اراك يا اميرالمؤمنين مفكرا؟ فقال: قدسمعت من بعض من معي لحنا، وقد هممت ان اصنع كتابا اجمع فيه كلام العرب. فقلت: ان فعلت ذلك احييت قوما وابقيت العربية في الناس. فالقى الي صحيفة فيها: الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم مادل على المسمى، والفعل ما دل على الحركة، والحرف ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل، فاستاذنته في ان اضع في نحو ما صنع شيئا اعرضه عليه، فاذن لي، فالفت كلاما واتيته به فزاد فيه ونقص، وكان هذا اصل النحو((320)).

ولهذا فان اهم شيء عندنا ان نكشف عن قصد المتكلم من الكلام الذي يتوقف على الاخذ بظواهر الكلام،وهذا الظاهر له قواعده المستفاد من علم النحو والصرف والبلاغة وعلم الحروف، ولهذا لو قرا احد الكلام على غير قواعد اللغة فلابد ان يختل المعنى، فلو قرا الفاعل المرفوع منصوبا او قرا المنصوب مرفوعالاختل المعنى، فالقواعد العربية لابد من تطبيقها لمعرفة ظواهر الكلام وقصد المتكلم.

اما الدعوة الثالثة: وهي الدعوة لمراعاة مقاصد الشريعة: فقد جاءت نصوص بعض اصحاب القراءات الجديدة للنص الديني تؤكد على ضرورة مراعاة مقاصد الشريعة عند قراءة النص الديني، فيقول نصرابوزيد: «ان البحث عن المقصد من خلال العرضي والمتغير هو الكفيل بتقديم قراءة مشروعة للنصوص الدينية، قراءة موضوعية بالمعنى النسبي التاريخي، ذلك انه مع تغير الظروف والملابسات والاحوال...نحتاج الى قراءة جديدة تنطلق من اساس ثابت هو المقصد الجوهري للشريعة»((321)).

وكما يقول محمد الطالبي: «ان القراءة المقاصدية للنص ليست وليدة الساعة، بل كان لها انصارها قديماوهي اليوم في حاجة الى دفع ونفس جديدين»((322)).

ويلاحظ محمد اركون ان التفسير الاسلامي القديم «ياخذ كلمات القرآن على حرفيتها وحسب المعنى القاموسي، ولا ياخذ بعين الاعتبار الدلالات الحافة او المحيطة (اي ظلال المعاني) عند ما يفسرالقرآن»((323)).

وممن اكد على ان مراعاة مقاصد الشريعة هو الاساس في فهم النص الديني محمد سلمان غانم، فقد اكدانه منهج «مرتكز على الحكمة والغاية والمقصد عند النظر الى القرآن وكيفية تطبيقه»((324)).

ويقول عبدالمجيد الشرفي عن مقاصد الشريعة: «من ابرز خصائصها البحث عن معان متجددة للنص،ملائمة لظروف الحياة المتجددة هي كذلك، على اساس ان الكتاب عند ظهوره قد اندرج ضمن استمرارية ثقافية وانه احدث... قطيعة مع ثقافة العصر، فتكون هذه الخاصية الديناميكية للنص ذاته دعوة الى قراءة جديدة لم يثرها النص في الماضي، بدون ان يعني ذلك انه لا يسمح بها، وهكذا يصبح الخطاب التاسيسي والاول زمنيا منطلقا لخطاب آخر منتظرا وغير مؤمل في آن واحد؛ لانه لم يكتشف بعد، وفي هذاالمستوى يمكن ان تكتسب الالفاظ ابعادا جديدة، ويمكن ان يتعلق بروح النص او بمقاصده اكثر من التقيدبحرفيته، وهناك في كل الحالات محاولة لكشف غائية النص عبر آثاره التاريخية وبواسطة قراءة خاصة للتاريخ»((325)).

وقال ايضا: «وفي كل الحالات فينبغي ان تقرا الاحكام في الالزام بها او عدم الالزام قراءة تحقق مقاصدهادون الالتفات اليها في ذاتها، ولذلك فانه على سبيل المثال فيما يتعلق بحد السرقة «لا حرج البتة في التخلي عنه واستبداله بعقوبات اخرى تتماشى والاوضاع التي تعيشها المجتمعات الاسلامية الحديثة طالما يمكن تحقيق الغرض منه بوسائل اخرى»((326)).

اقول: اولا: ان مراعاة مقاصد الشريعة هو امر ضروري عند الفقهاء والمجتهدين، ولكن هذه المقاصد انماتعرف بالعقل المهتدي بنور الشرع، ولا تسبر بالعقل المحض الذي يراعى فيه التاريخ وتجربة البشر.

ثانيا: من الذي يدلنا على ان الغرض من حد السرقة يتحقق بغيره؟! اليس الذي يدلنا على ذلك هوالمشرع نفسه، فهل اصحاب القراءات هم مشرعون؟! هل هم مطلعون على الامور الحالية والمستقبلية حتى يجزموا ان مقصد الحكم قد تحقق بغير الحكم الذي ذكرته الشريعة؟!!

ثالثا: ينبغي ان يلتفت الى ان الشارع قد اوجد احكاما تفضي الى المقاصد، ولنفترض ان مقاصد الحكم واضحة لنا فهو يريد منا المقصد الذي يحصل من حكمه الشرعي، فهو لم يرد منا المقاصد باية صورة حصلت، وحينئذ باي مبرر نلغي الحكم اذا حصل مقصده لنا بغير الحكم الذي شرعه النص؟! مثلا ان المقصد للشارع المقدس هو استمرار الينبوع البشري، ولكن اراده من طريق الزواج الشرعي فلا يمكن الحصول عليه من الزنا. ولو كان الشارع يريد منا مقاصد احكامه فقط للفت نظرنا الى ذلك، وبما انه لم يلفت نظرنا الى ذلك فمعنى ذلك ان الشارع يريد الحكم الذي يفضي الى مقصد معين، ولا يجيز لناالوصول الى المقصد بدون الحكم الشرعي، فلاحظ.

الاخطاء العلمية فقد وقع اصحاب القراءات بخطا علمي يتمثل في ثلاثة اتجاهات:

الاتجاه الاول: هو تشكيكهم في موثوقية النص الديني (قرآن وسنة).

الاتجاه الثاني: هو نزع صفة الموضوعية عن الدين.

الاتجاه الثالث: هو الاستياء من التراث والماضي.

اما الاتجاه الاول: وهو التشكيك في موثوقية النص الديني:

فيتفرع عليه اقصاء آيات الاحكام من المنظومة التشريعية، وكذا اقصاءالسنة عن كونها تشريعا.

اما بالنسبة للتشكيك في موثوقية النص القرآني: فان اصحاب القراءات بعد ان يقولوا بان القرآن هوالمصدر المشروع للدين وينبغي الاقتصار عليه يعودون لاحاطته بجملة من الشكوك التي من شانها ان تسقط موثوقيته من حيث التطابق بين ما هو بيد المسلمين اليوم وبين ما جاء به النبي(ص)، فيشككون من حيث جمعه وتدوينه وترتيبه، وهذه الشكوك دعت البعض الى القول بان القرآن هو من صنع النبي(ص) نقله النبي(ص) الى من بعده شفويا، ثم كتب بعد ذلك، فالنقل في اصله غير موثوق به ان يكون المنقول مطابقة صورته عند المنقول منه لصورته عند المنقول اليه؛ اذ لابد ان يحدث اختلاف بين الصورتين مهما كان عليه الناقل من درجة في الصدق والتحري((327)).

ثم ان تحول المنقول من صورته الشفوية الى صفة المكتوبة يعرضه لا محالة الى تفاوت بين الصورتين بالزيادة او النقص او بالتغيير باقدار كبيرة او صغيرة((328)). وكل هذا من شانه ان يضع القرآن كماوصل الينا في دائرة الشك بالنسبة لصورته التي صدر بها عن النبي الكريم.

اذن هذه التشكيكات تقول:

اولا: ان القرآن لم يكتب ولم يدون زمن النبي(ص)، بل الاصحاب هم الذين دونوه بعد ذلك وان كان بعض القرآن قد كتب في زمن النبي(ص) كما يدعي ذلك البعض.

ثانيا: صورة القرآن الشفوي تغاير صورة القرآن المدون (المصحف).

ثالثا: راي بعض هؤلاء ان السلطة السياسية لها دور في هذه التغيير بين القرآن والمصحف، فقداستعملت نفوذها لاقرار صورة من صور القرآن اثبتتها مصحفا ومنعت صورا اخرى واتلفتها كما فعل عثمان((329)).

قد ذكر البعض ان الترتيب الذي عليه القرآن الان يخالف الترتيب التاريخي الذي كان عليه القرآن، فهوترتيب لا يخضع لاي معيار عقلي او منطقي((330))، كما ادعوا ان الذكر الذي وعد اللّه بحفظه هو المحتوى للقرآن، وليس الالفاظ والتعابير التي صيغت فيها تلك الدعوة الاسلامية((331))، او كما يقول البعض: ان الذي نزل على النبي(ص) هي المعاني، اما اللغة فهي من تعبير النبي(ص)((332)).

القرآن ظني الدلالة: فقد قال البعض: «بغض النظر عن احتماله (القرآن) مثل كل النصوص المكتوبة والدينية التاسيسية منها على وجه الخصوص لعدد يكاد يكون غير محدود من التاويلات حتى في الايات التي تبدو في الظاهر صريحة، فان الاصوليين لم يراعوا فيه لا الغايات المرصودة من الحلول الظرفية التي احتوى عليها، ولا السياقات المخصوصة التي وردت فيها الايات التي كانت محل عنايتهم»((333)).

وقال آخر: «فالقرآن نص مفتوح على جميع المعاني، ولا يمكن لاي تفسير او تاويل ان يغلقه او يستنفده بشكل نهائي»((334))، فكل الاحكام الشرعية والاحكام العقائدية هي احتمالية.

والنتيجة التي ينتهي اليها هؤلاء هو: ان النص الديني مادام يحمل تاويلات متعددة اذن لابد ان يحكم الواقع على النص الديني، فالنص القابل لاحتملات غير متناهية ينبغي ان يطابق الاوضاع الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها التي وصلت اليها الحضارة الحديثة في مختلف اوجه الحياة، وبما ان الواقع الانساني غير مستقر فالمدلول النصي لا يكون مستقرا بحال.

فقد قال اركون: «اما المسار الثاني،فيتمثل في ترك مفهومي الاسلام والتراث مفتوحين اي غير محددين بشكل نهائي ومغلق؛ لانهماخاصعان للتغير المستر الذي يفرضه التاريخ»((335)) وهو يريد بما يفرضه التاريخ الواقع الانساني من احوال.

وقد راى البعض ان آيات القرآن قد اشتملت على اصول التشريعات المنظمة للمجتمع، وجاءت هذه الاصول في نص مجمل؛ لان فترة الوحي قصيرة «ولا يمكن باي حال من الاحوال ان تستوعب فترة قصيرة جميع الهواجس التشريعية للمجتمعات اللاحقة... فلم يتحدث النص عن معان تنظم سيرة الفرد في المجتمع حتى تضحى قيودا اجتماعية مؤثرة في طبيعة المجتمع الديني بقدر ما كان هذا النص حاويالمعان في العلاقات عامة اتفقت عليها جموع اليهود والنصارى والصابئة والمجوس والمشركين»((336)).

وبالنسبة للاحاديث النبوية (السنة الشريفة) فقد شككوا في وصولها الينا، وشككوا في اهيمتها في تشريع الاحكام، واتهموا منهج المحدثين القدامى بالخلل حيث تركز نقدهم على السند دون المتن((337)).

ويقول الشرفي في احكام الحديث النبوي: «اننا مازلنا ننتظر البحوث المجراة على قواعد علمية صارمة انطلاقا من كون الحديث في الصورة التي دون فيها ليس تسجيلا امينا لاقوال النبي وافعاله او اقراراته،وما كان يمكن له ان يكون كذلك، وانما هو تمثل موجه بالضرورة وغير بريء البتة لعدد محدود من تلك الاقوال والافعال»((338)).

وراى سليمان حريتاني ان جهود المحدثين لم تكن كافية لغربلة الحديث ومعرفة الصحيح من غيره فقال ان: «الطرق اللامنهجية التي اعتمد عليها في عملية الفرز والغربلة ليست في حد ذاتها كافية او دقيقة، ولاتقوم على مبادئ عقلية انسانية واسس علمية او تعتمد على منهج عقلي، ويؤكد هذه الحقيقة الساطعة التعارض والاختلاف والتباين في بعض محتويات المدونات النصية الرسمية المعتمدة للسنة القولية التي سميت بالصحاح»((339)).

وهناك من يرى انه لا داعي للجوء الى السنة، فالايات القرآنية يفسربعضها بعضا بحيث يمكن الاستغناءعن الحديث، فقد قال مصطفى كمال المهدوي في كتابه «البيان بالقرآن»: الاية من كتاب ربك تقراهافتغنيك عمن يفسرها اذا قراتها بفهم وتدبر وايمان، فاذا فاتك من حكمها شيء قامت آية اخرى لتفسيرهاوآية اخرى لاستظهار حكمتها وآية اخرى للاستثناء منها... كل ذلك في عقد لا ينفرط، ولا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد في كتاب جمع فاوعى، لكل آية هدفها تصيبه، ولا تفرط منه شيئا»((340)).

ومن التشكيكات في السنة: ان عبدالمجيد الشرفي عندما يشكك في صحة الحديث النبوي جملة يدعي ان سبب تشكيكه هو «هذا التزايد الفاحش للحديث الصحيح من النصف الاول من القرن الثاني الى النصف الاول من القرن الثالث للهجرة من 17 (صحت عند ابي حنيفة) الى 000/30، 000/40 (صحت عند غيره)،الا تكفي هذه الارقام وحدها للشك في صحة ما ينسب الى النبي، وكلها روايات آحاد؟ فلقد تفاقم الوضع الى حد لا ينفع فيه مجرد التحري الذي قام به البخاري ومسلم وغيرهما من اصحاب المجاميع في القرن الثالث الهجري»((341))، ثم ذكر في الهامش: «ان الحديث حتى وان كان متواترا فان ذلك لا يفيد الصحة، اذالتواتر لا يفيد اليقين، ولذلك فان القوانين الوضعية الحديثة لم تجعل منه حجة اثبات»((342)).

ثم يرتقي الى القول: بان «الرسول هو الذي نهى عن تدوينه وامر ان لا يكتب عنه سوى القرآن، فالنبي اراد ان يكون القرآن وحده هو النبراس الذي يهدي المسلمين في حياته وبعد مماته»((343)).

اذن هذه المقولة تجعل السنة من اقوال وافعال غير ملزمة للمسلمين في العصور التالية.

ومن الطريف بعد سرد ادلتهم على عدم موثوقية النص الديني ارتاوا ان يقرا النص الديني القراءة الجديدة التي عبر عنها عبدالمجيد الشرفي في كتابه بين الرسالة والتاريخ ص 87:

بالوجه الثاني للرسالة وقال:يتعين الرجوع الى وجه الرسالة الثانية.

اقول: ولا ادري كيف يتعين الرجوع الى الوجه الثاني للرسالة مع قولهم بان مصدر الدين غير موثوق به حسب ادعائهم!!((344)).

المناقشة لعدم موثوقية النص الديني: ان عدم موثوقية النص الديني شبهة استشراقية طرحت قبل قرنين من الزمان ورد علماء المسلمين عليها الردود الكافية، وقد طرحت الان من قبل من ينتمي الى الاسلام بالادعاء اللفظ ي دون الالتزام العملي. وسنفرد النص القرآني والحديث النبوي بالبحث كلا على حدة:

1 - موثوقية النص القرآني:

وقبل ذلك لابد من الايمان بان النص القرآني هو الوحي الالهي والا فقد خرجنا من دائرة الاسلام؛ لان المسلم لابد له ان يعتقد بالوحي الذي جاء به النبي(ص) عن اللّه تعالى وان معجزة النبي هي القرآن الذي هو كلام اللّه بلفظه، والا فلم يعد للرسول دلالة على انه ينطق عن اللّه وانه رسول اللّه.

ثم ان القرآن نفسه هو الذي يقول ان لغته الهية ولا يجوز تجاوزه باي حال من الاحوال فقد قال تعالى:(انا انزلناه قرآنا عربيا)((345))، فالمعاني اذا كانت لوحدها هي النازلة من اللّه فلا يصدق عليها انهاعربية؛ لان العربية تصدق على الالفاظ، فالالفاظ هي التي انزلها الباري تعالى، وهي عربية لا محالة،وعلى هذا ستكون الالفاظ ومعانيها كلها وحي الهي نزل باللغة العربية.

وقال تعالى: (نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين)((346))، وقال تعالى:(وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا)((347)).

ثم ان تحمل المسلمين للقرآن كان الاصل فيه هو الحفظ في الصدور بعد الاداء الشفهي، ولهذا فلو تصوراحد اختفاء كل القرائين المكتوبة في الجيل الاول للمسلمين على وجه الارض فالقران يبقى قائما؛ لانه محفوظ في الصدور، لان شريحة واسعة من الامة عرفت بالحفظ لما يسمع مرة واحدة من مطولات القصائد الشعرية، تصدت لحفظ القرآن في الصدور اذا سمع مرة واحدة، وعلى راس هذه المجموعة النبي الاكرم الذي تصدى بنفسه لحفظ القرآن الكريم كلما نزل منه شيء، وما التدوين الذي حصل في زمن الرسول الا زيادة في الضبط، وليست هي الاصل في صورة القرآن.

وقد وردت الادلة المتواترة القاطعة على جمع القرآن بالكتابة بالاضافة الى حفظه في الصدور في زمن النبي حيث كان لبعض الصحابة نسخة من القرآن الكريم، فالقرآن كله بياته الكثيرة قد وصلت اليناحفظا وكتابة بصورة متواترة، وكانت الكتابة مطابقة للمحفوظ في الصدور بدون اي شك او ريب،وليس اهل القراءات معذورين في كلامهم مع جهالتهم في هذه الموثوقية.

وقد كان النبي(ص) عندما ينزل الوحي عليه يقول: ضعوا هذه الاية في المكان المعين وضعوا هذه الاية في المكان المعين، فالقرآن الذي جمعه عثمان هو على النسق الذي رتبه النبي(ص) حين النزول، وهذا هوالذي امضاه الائمة سلام اللّه عليهم، والا لاعترضوا على ما نقله عثمان من تغيير في الترتيب النبوي الذي يكون له حصة من فهم القرآن، بينما لم يرد اي اعتراض على ما فعله عثمان سوى حرقه لبقية المصاحف الذي يعتبر اهانة للفظ القرآني.

فالصورة القرآنية المكتوبة مطابقة للصورة القرآنية المحفوظة دون اي تغيير، ويتفرع على هذا عدم تمكن السياسة وسلطتها بعد رحيل النبي(ص) من التغيير لما هو متواتر في الحفظ والكتابة، والا لاصبحت ضجة كبرى على من غير ولنقل الينا ذلك خصوصا مع وجود ائمة اهل البيت: المعارضين للسطلة السياسية آنذاك.

2 - موثوقية الحديث النبوي:

اما موثوقية الحديث النبوي فيمكن ايضاحها بعدة نقاط:

1 - ان الحديث النبوي هو الاصل الثاني للاسلام كما قال عنه القرآن الكريم حيث قال تعالى: (ما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)((348))، وامر النبي ونهيه هو الحديث النبوي.

2 - واما ما روي من نهي النبي(ص) لكتابة الحديث النبوي، فهي روايات لا تقاوم ما روي عن النبي(ص)من امر المسلمين بكتابة كل ما يخرج من شفتيه وانه حق.

3 - واما الوضع الذي حصل على النبي(ص) كما اشار هو(ص) الى ذلك في حياته حتى اضطر الى القول:من كذب علي متعمدا فليتبوا مقعده من النار، فهو لا يبرر عدم التمييز بين صحيح الحديث والحديث الموضوع؛ لان نص الحديث قد حظ ي من العلوم التي يتمكن المختصون بها ان يميزوا بين صحيح الحديث وسقيمه، فعلم الحديث وعلم الرجال الذي يتصدى لمعرفة الرواة وبيان احوالهم في الوثاقة والضبط اكبر شاهد على الدقة الكبيرة التي بذلها علماء الاسلام في تنقية الحديث من الوضع، ومن راجع هذه الكتب المعنية بضبط القواعد التي يصح فيها الحديث لا يمكنه الا ان يقف مدهوشا لما اولي الحديث الشريف بما لم يول غيره من النصوص البشرية الى يومنا هذا.

والظريف من علماء قم: انهم كانوا يطردون الثقات من رواة الاحاديث اذا رووا عن الضعفاء، ولان صح ان ابا حنيفة لم يصح عنده من حديث رسول اللّه الا سبعة عشر حديثا فهو ان دل على شيء يكون دالا على الاهتمام البالغ في تنقية الحديث النبوي من وضع الوضاعين، فهو يوجب الوثوق بعمل العلماء في ذلك الزمان لتمييز الصحيح من غيره، فالمسلمون اذن في زمان ابي حنيفة وقبله امسكوا عن الاحتجاج بما لم يصح عن الرسول(ص) ثم اخذوا في تمحيص الروايات المروية عن الرسول(ص) تمحيصا صارما فادخلوافي دائرة الاحتجاج كل ماثبت عندهم صحته، فتنامى عدد الحديث الصحيح بتنامى الجهود التمحيصية واساليبها حتى وصل الينا عدد لا باس به من الاحاديث النبوية الصحيحة.

4 - على ان وجود الائمة المعصومين من اهل البيت: قد اشاروا الى كذب بعض الاحاديث المروية عن رسول اللّه(ص) وجعلوا لنا ميزانا لمعرفة ما صح عن الرسول بكونه موافقا لكتاب اللّه غير معارض له،وهذا كله مسطور في كتب المسلمين، ولا يعذر من لم يطلع عليها ويدعي عدم موثوقية الحديث النبوي.

5 - ان الحديث النبوي يشمل القولي والفعلي والتقريري، واذا كان الوضع قد دخل الحديث القولي، فان فعل رسول اللّه(ص) قد نقل اكثره بالتواتر، وكذا تقريره(ص)، وهذا يفيد القطع بثبوت السنة النبوية الفعلية والتقريرية. ومثال على ذلك العبادات كالصلاة والصوم والحج قد نقلت الينا بالتواتر من جيل عهد النبوة الى يومنا هذا.

6 - على ان بعض اصحاب القراءات الذي ينكر وثاقة الحديث النبوي يؤسس كثيرا من آرائه على ما جاءفي الحديث الضعيف، وبهذا سيكون الحديث مرفوضا لان يكون مصدرا للاحكام الشرعية، ولكن الحديث الضعيف يكون معتمدا لبناء قراءة جديدة مخالفة لظواهر السنة الشريفة المعتمدة!!!

7 - واخيرا اذا كنا نشكك في كل حديث نبوي لمجرد انه قد داخله الوضع من بعض الزنادقة او غيرهم في ذلك الوقت، ولا نلتفت الى القواعد المميزة للحديث الصحيح من غيره كما بينها رسول اللّه(ص) والائمة من بعده، فمعنى ذلك اننا لا نثق في كل نص موجود في التاريخ البشري من اول البشرية الى يومنا هذا،وبذلك سنكون في شك من كل التاريخ الانساني علوما وآدابا وفنونا واحداثا، وبذلك لا يجوز الاستناد الى اية وثيقة موجودة في التاريخ البشري من باب الشك في موثوقيتها واحتمال عدم مطابقة المكتوب للحدث،وهذا يحدث لنا ارباكا في الثقافة والحضارة الانسانية كلها، فلاحظ.

8 - واما ما ذكره من ان الحديث المتواتر فهو لا يفيد الصحة؛ لان التواتر لا يفيد اليقين؛ فهو امر غريب،ولا منشا له الا عدم المعرفة بمعنى التواتر، فنقول:

ان التواتر عبارة عن امتناع التواطؤ على الكذب في نقل الحادثة، وهذا الامتناع على الكذب يحصل من ضرب احتمال كذب الناقل الاول في احتمال كذب الناقل الثاني في احتمال كذب الناقل الثالث، وهكذا حتى يصبح احتمال الكذب احتمالا ضعيفا جدا لا يعتني به العقلاء، ويحصل القطع واليقين بصدق النقل((349)).

ثم لا مبرر للاحتجاج بان القوانين الوضعية الحديثة لم تجعل من التواتر حجة اثبات الا الضعف امام القوانين الوضعية الحديثة، على اننا نقطع بعدم صدق هذه المقولة عن القوانين الوضعية، فلاحظ.

اما الاتجاه الثاني هو نزع صفة الموضوعية عن الدين:

فقد ادعوا عدم الموضوعية للنص الديني بمعنى ان النصوص الدينية لا تحمل في ذاتها معنى ثابتا يمكن ان تلتقي عليه افهام الناس قاطبة، وانما هو نص حمال لوجوه من الاحتمالات غير المتناهية يمكن ان يؤلف منها كل جيل بل كل انسان بمفرده فهما خاصا قد يخالف افهام الاخرين، فهو:

اما يشطب على الفهم السائد بين البشر للدين الاسلامي الحنيف.

واما ان يقول بتاريخية النص الديني، وهذا ما يسمى بالمنهج التاريخي لمعرفة النص، فهو منهج يهدف الى ربط كل معاني النص واحكامه وغاياته بالتاريخ وتاثير التاريخ في تشكلها وتكوينها اما سلبا اوايجابا.

واما ان يقول بالفكرة الفلسفية في اللغة القائلة ان مدلول اللغة هو ما نثيره في ذهن المتلقي من معنى بحسب ما يعمر ذلك الذهن من مفاهيم ثقافية، وهذا ما يسمى بمنهج تحليل المحتوى، حيث يفترض جملة من التساؤلات حول النص من قائله وظروفه واحواله والمؤثرات على تفكيره وتصوراته وآرائه وهكذا، فمايفهمه المخاطب من النص نتيجة هذا التحليل هو المعنى الصحيح للنص.

ولهذا فسوف نتعرض لرد هذه الاسس لعدم موضوعية النص الديني، وعندها يتبين موضوعية النص الديني، فنقول:

لا يمكن الشطب على الفهم السائد بين البشر للدين الاسلامي الحنيف، وذلك لان الفهم السائد للدين على مر العصور هو دليل موضوعية النص الديني؛ لان هذا الفهم السائد للدين من قراءة نصوصه (القرآن والسنة) هو فهم واحد لجميع فرق المسلمين على مدى اجيالها المتلاحقة من يوم نزول النص الى يومناهذا، وسيبقى هذا الفهم للدين سائدا الى يوم القيامة (رغم اختلاف فرق المسلمين في بعض الفروع والتفاصيل)، فاصول العقائد واصول العبادات والمعاملات والاخلاق التي تشكل عنوان الدين الاسلامي هي محل اتفاق عند الجميع، وقد اطلق على هذا المتفق عليه عنوان المعلوم من الدين ضرورة بحيث يكون المنكر له مع علمه بلازم قوله من تكذيب النبي او تكذيب القرآن كافرا؛ لان المسقط لبعض من المتفق عليه عند الجميع يكون متدينا بدين غير المعروف بالدين الاسلامي، ولهذا يوصف بالكفر.

وهذا خير شاهد على موضوعية النصوص الدينية، حصلها كل من نظر فيها مع تغير احوال الناظرين وثقافتهم واوضاعهم وازمانهم، فكيف ندعي ان رسالة نبي الاسلام التي بلغها للناس ليست هي التي تلقتها الامة بالقبول واستقرت على النحو التي وصلتنا به اليوم ويتدين بها المسلمون؟! فهل تغير النص الاصلي للدين تغيرا جذريا من قبل الجيل الاول؟!! وهل النص الديني هو رموز واشكال لم يحلهاالمسلمون؟!! وهل اهمل النص الديني او ترك فهمه لشخص واحد او اشخاص معينين اخطاوا في فهم تلك النصوص؟!!

والجواب: كل هذه الاحتمالات لم يحتملها من يدعو الى قراءة النص الديني قراءة جديدة تخرج النص عن ظهوره وصراحته الى تاويلات غريبة، بل يقرون ان النص لم يتغير تغييرا جذريا، وهو نص عربي مبين قد تناولته الامة بالفهم والتدبر، وتناوله العلماء الفقهاء واللغويون والفلاسفة والاطباء والفلكيون وغيرهم وقرروا: وجوب الصلاة والصوم والحج وحرمة الزنا والربا والكذب والغش والنميمة واقروا وحدة الخالق وعدالته وآمنوا بيوم المعاد وبرسالة الرسول وهكذا بقية الامور المجمع عليها بين المسلمين، فما هي الموضوعية للنص الديني التي تجعل كل الناس قد فهمت من النص الديني صورة الاسلام، غير هذا الذي تقدم؟! ولماذا ينكر الواضح الواقع خارجا مع وضوحه لكل احد؟!!

فهل يدعي اصحاب القراءات ان الدين الذي جاء به النبي(ص) بمصدرية القرآن والسنة ووصلت اليناصورته المتقدمة هو عملية خداع كبرى تواطا عليها كل الناس؛ لانها توافق شهواتهم؟!!

وليس الدين عبارة عن رموز واشارات لا يمكن فهمها، ولم يكن مهملا ولا ترك فهمه لشخص واحد اوجماعة معينة اخطات في فههما.

اذن، فلماذا يرفع شعار الشطب على الفهم السائد للدين مع حصوله عند كافة المسلمين؟ الا يكون هذاالكلام في الشطب على الدين لغوا صادرا ممن يغمز في عقله وفكره وانه الى الهزل اقرب منه الى الجد؟ واما القول بتاريخية النص الديني فقد تقدم مناقشتها، وكذا تقدمت مناقشة الاعتماد على الفكرة الفلسفية حول اللغة.

اما الاتجاه الثالث: وهو الاستياء من التراث والماضي:

فان كثيرا من اصحاب القراءات يعلن استياءه من النموذج الماضوي وهو النموذج الذي «يوجب ان يكون النظر متجها نحو الماضي... لان في الماضي الموعظة المثلى للناظر، وهذه هي منطقية او مشروعية التمام والاكتمام، فتكون الصلة بين النموذج واصحابه صلة وحيدة وحتمية هي صلة النقل، فانصار النموذج الماضوي هم في آن واحد اصحاب النقل، وهذا صحيح مهما كان الميدان المعرفي الذي نظرت اليه» ((350)).

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية