الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وبعد: فقد سال بعض اهل جيلان منذ ستة اشهر بعض اعاظم الطائفة المحقة مد ظله العالي مسالة،وهي: انه لو اشترى الميت قبل موته اراضي بشرط خيار الفسخ للبائع عند رد الثمن او مثله بعد حلول اجل معين، فمات المشتري قبل الاجل ثم رد البائع عند حلول الاجل بعد موت المشتري مثل الثمن وفسخ البيع فهل ترث المراة من ذلك الثمن ام لا، بل يختص تمام ذلك الثمن بسائر ورثته؟ فاجاب مد ظله العالي بعدم ارثها مما قابل الارض من الثمن المذكور شيئا.

وقد كنت يومئذ مشغولا بتحرير كتاب الارث من كتابنا الكبير الموسوم ب(منتهى المقاصد)((382))، فل الامر بي بعد ايام قلائل الى مسالة حرمان الزوجة من الاراضي فادى نظري الى البحث عن الفرع المذكورفي ذيل تلك المسالة ففعلت، وقلت بعد فرض المسالة ما لفظ ي: «وجهان؛ اقواهما عدم استحقاقها من ذلك الثمن شيئا؛ لان الارض قد انتقلت بموت المورث الى غير الزوجة من الورثة، فاذا فسخ البائع العقدخرجت الارض من ملك غير الزوجة من الورثة ودخلت في ملك البائع، فينبغي ان يخرج الثمن من ملك البائع ويدخل في ملك غير الزوجة من الورثة؛ لان من المقرر المعلوم ان العوض يدخل في ملك من خرج المعوض عن ملكه، من غير فرق في ذلك بين المعاوضة البدوية وبين فسخ المعاوضة، وقد خرجت الارض من ملك غير الزوجة فيدخل الثمن في ملك غيرها.

فان قلت: ان الفسخ عبارة عن حل العقد وفكه ورفعه، فاذا رفع العقد لزم دخول العوض في ملك المشتري والمعوض في ملك البائع؛ لانهما المتعاقدان، ففيما نحن فيه يعود الثمن الى ملك المشتري وينتقل منه الى ملك الورثة ومن البين ان الزوجة ترث من غير الاراضي.

قلت: ان الفسخ فك للعقد من جهة على الاظهر كما قررناه في مبحث الخيار من كتابنا الكبير، وحين فسخ البائع في الفرض لم تكن الاراضي باقية في ملك المشري حتى ينتقل الثمن بانفساخ العقد اليه؛ ضرورة انتقالها الى الورثة بموت المورث.

وتوهم عودها الى ملك المورث عند الفسخ وعودها منه الى البائع فيعود الثمن ايضا الى البائع لغريب ضرورة عدم قابلية الميت للانتقال الجديد.

الا ان يقال: ان جزء سبب الانتقال وهو خيار البائع كان موجودا قبل موته، فيكون نظير ملك الميت لنماءثلثه، فتامل كي يظهر لك ان مجرد بقاء علقة ضعيفة لا ينفع، وملك الميت لنماء ثلثه على خلاف القاعدة.

وبالجملة: فالوارث قائم مقام المورث، فيكون الفسخ من البائع على الورثة، فينتقل المعوض منهم اليه فيلزم انتقال العوض منه اليهم.

ودعوى كون الفسخ حلا للعقد مع من وقع العقد والانعقاد معه، ممنوعة، بل الفسخ حل للعقد مع العاقداو من قام مقامه.

وبعبارة اخرى: تعلق حق الفسخ بالعاقد انما هو باعتبار العين المفسوخ فيها، فاذا فرض خروج العين عن ملك العاقد وانتقالها الى من يقوم مقامه لزم انتقال حق الفسخ الى العين حال كونها بيد القائم مقامه.

ومما ذكرنا ظهر انه لو كان الخيار للمشتري ومات البائع قبل حلول اجل الخيار ورثت زوجة البائع من الثمن حصتها وانتقل اليها بعد الفسخ ما من الارض بازاء حصتها من الثمن ولم تحرم من الارض حينئذ؛لان الزوجة انما لا ترث الارض من بعلها، وهنا لم ترث الارض، بل ورثت الثمن، وانما انتقل اليها الارض بسبب الفسخ.

ثم ان ذلك كله انما هو فيما اذا كان الخيار لغير الميت، واما لو كان للميت المشتري؛ فان قلنا بعدم ارث الزوجة الخيار المتعلق بالاراضي فلا ترث من الثمن لما مر، وان قلنا بارثها الخيار المذكور فالاظهر ارثهامن الثمن بعد الفسخ في مفروض البحث ايضا. وفاقا للعلامة في القواعد((383)) وولده السديد((384))وابن اخته السيد العميد((385)) والمحقق الثاني((386)) وغيرهم.

والفرق بينه وبين سابقه ان الزوجة هنا وان لم ترث من الارض شيئا الا انها ورثت السلطنة على التملك،فملكت ان تملك بالفسخ، فاذا فسخت ملكت من الثمن بقدر نصيبها لارثها للعلقة المشار اليها.

وقد صرح بارثها من الثمن في صورة كون الخيار للميت في المستند ايضا حيث قال - في ذيل الكلام على ارث الخيار بعد اختياره انتقال الخيار في معاملة الارض الى المراة مع عدم انحصار الوارث فيهاوعدم الانتقال مع الانحصار ما نصه : «ثم الورثة في صورة عدم الانحصار، فان كان ذو الخيار المورث بائعا، فان لم تجوز الزوجة الفسخ ترث حصتها من الثمن، وان اختارت الفسخ مع سائر الورثة لم ترث من الارض ولا من ثمنها؛ لان بعد الفسخ يستحق المشتري الثمن من مال البائع، اذ انتقاله اليه كان من جهة البيع وقد انفسخ، وانتقال حصتها من الثمن اليها قبل الفسخ كان انتقالا متزلزلا.

هذا اذا كان الشرط مطلقا، وان كان مقيدا برد الثمن فيتبع الحكم ما قررته الزوجة اولا، فان اختارت الفسخ مع رد الثمن من مال الميت تنقص حصتها من الثمن، وان اختارته مع رده من مال سائر الورثة لم تنقص.

وان كان ذو الخيار مشتريا، فان اختارت الزوجة الاجازة لم ترث من الارض، وان اختارت الفسخ ورثت من الثمن»((387)) انتهى.

فان فيه ما مر.

الى هنا ما حررته في الموضع المشار اليه من كتابنا الكبير.

ثم لما مضى زمان وقعت المسالة في ايدي اجلاء العصر وفضلائه فوقعوا من ذلك في ام حبوكرى((388))، وطال بينهم التشاجر والجدال الى ان حرر بعض الاعلام فيها رسالة مفردة في اثبات ارثها من الثمن المذكور موردا ما حرره بعض الاعاظم في جواب المسالة معترضا عليه فقرة فقرة. ونحن نورد كل فقرة مع ما عقبها به من الاعتراض ونعقبها بما يقتضيه الانصاف ان شاء اللّه تعالى.

فنقول:

قال المستفتي: رجل اشترى املاكا متضمنة لاراض واعيان وجعل الخيار للبائع مدة معينة اذا رد فيهاالثمن او مثله كان له الفسخ، فمات المشتري ثم فسخ البائع، فهل ترث زوجته الدائمة من جميع الثمن المردود او من خصوص ما قابل الاعيان بناء على حرمانها من الارض عينا وقيمة؟ وقال المحقق المجيب((389)) - زاده اللّه في مجده وعلاه((390)) - ما نصه: «الذي يظهر من صاحب الجواهر(رحمه اللّه) والشيخ المحقق الانصاري(قدس سره) وبعض آخر اناطة حرمان الزوجة وعدمه على زمان الفسخ، ففي مفروض السؤال ترث من جميع الثمن عندهم» هذا.

وقال الفاضل المعترض((391)) - ادام الباري بقاه - ما نصه:

«صريح كلام ثلة اخرى من الاساطين كهذين المعظمين ان ارثها من الثمن باجمعه على تقدير الفسخ من الامور المسلمة المفروغ عنها عندهم كحرمانها من ارض الميت المردودة اذا باعها بخيار ثم فسخه الوارث، منهم العلامة(رحمه اللّه) في القواعدوولده فخر المحققين والسيد المحقق عميد الدين والمحقق الثاني(قدس سرهم)، حيث ترى كلهم في باب ارث الخيار متسالمين على هاتين الملازمتين مدعين وضوحها غير مستدلين عليهما ولا مستشكلين فيهما بل مرسلين لهما ارسال الواضحات المسلمات، وانما يتنازعون في ارثها من الخيار وعدمه، بل المحقق الثاني المعلوم تبحره في الفقه واضطلاعه في الفن جعل هذه الملازمة الواضحة منشا لاولوية الاشكال فيما اذا باع ارضا واورد على الشارحين المحققين فخر الاسلام وعميد الدين في تفسيرهما لعبارة القواعد معترضاعليهما بهاتين الملازمتين المسلمتين عنده وعندهما كما يتضح تفصيل هذا الاجمال بالمراجعة الى كلماتهم في هذا المجال، فنسبة الحكم الى ذينك العظيمين وبعض آخر مجهول والسكوت عن تسمية من هؤلاءالعظماء الذين يبخل الزمان بامثالهم في كلامه زيد مجده خالية عن نكتة. اللهم الا ان تكون اظهار قلة الذاهب اليه من الاصحاب ليتسع له مجال الاشكال والارتياب.

وممن صرح به الفاضل النراقي في مستنده((392)) والمحقق القمي فيما حكي من اجوبة مسائله((393))،فهؤلاء ثمانية من اعاظم المحققين تراهم على هذا الحكم متفقين ولوضوحه مدعين مع اختلاف مشاربهم وانظارهم وغور افكارهم وتفاوت اطوارهم واعصارهم، ولا اظن فقيها تكلم في المسالة الا واختار مااختاروه، ومع ذلك فلمتبع الدليل، وستسمع» هذا.

واقول: ان نسبة الحكم بالارث الى العلامة وولده السديد وابن اخته السيد العميد والمحقق الثاني في مفروض البحث ناشئة من عدم امعان النظر في عبائر هؤلاء، فان مفروض كلامهم ما اذا كان الخيارللميت، ومفروض السؤال ما اذا كان الخيار للطرف الاخر الحي، والقول بارثها من الثمن فيما اذا كان الخيار للميت لا يستلزم القول بارثها منه فيما اذا كان الخيار للطرف الاخر؛ لما عرفت في كلامنا الذي نقلناه عن كتابنا الكبير من امكان الفرق بينهما وان الزوجة في صورة كون الخيار للميت ملكت ان تملك.

وان شئت ان تعثر على كلماتهم ليكون اذعانك بما قلناه عن بصيرة نقول: قال في القواعد: «الخيارموروث بالحصص كالمال في اي انواعه كان الا الزوجة غير ذات الولد في الارض على اشكال، اقربه ذلك ان اشترى بخيار لترث من الثمن»((394)) انتهى.

وقال في الايضاح في شرحه: «ينشا الاشكال من عدم ارثها فلا يتعلق بها فلا ترث من خيارها، ومن ان الخيار لا يتوقف على الملك كالاجنبي. ثم فرع المصنف دام ظله: انه لو اشترى المورث بخيار فالاقرب ارثها من الخيار؛ لان لها حقا في الثمن، ويحتمل عدمه؛ لانها لا ترث من الثمن الا بعد الفسخ، فلو علل بارثها دار. والاصح اختيار المصنف؛ لان الشراء يستلزم منعها من شيء ينزله الشارع منزلة جزء من التركة وهو الثمن، فقد تعلق الخيار بما ترث منه»((395)) انتهى.

وقريب من ذلك ما في حاشية السيد عميد الدين((396)).

وقال في جامع المقاصد - في شرح عبارة القواعد المزبورة - ما نصه: «... فيكون التقدير: الخيارموروث لجميع الوارث مقسوم عليهم كالمال، الا الزوجة غير ذات الولد في الارض؛ فانها لا ترث من الخيار المتعلق بها سواء كانت مبيعة او مشتراة، على اشكال ينشا: من انه حق خارج عن الارض فترث منه، ومن انه من حقوق الحقوق المتعلقة بها فارثه تابع لارثها ومع انتفاء التابع ينتفي المتبوع.

والاقرب من هذا الاشكال عدم ارثها ان كان الميت قد اشترى ارضا بخيار فارادت الفسخ لترث من الثمن.

واما اذا باع ارضا بخيار فان الاشكال في هذه الصورة بحاله؛ لانها اذا فسخت [في هذه الصورة] لم ترث شيئا.

وحمل الشارحان العبارة على ان الاقرب ارثها اذا اشترى بخيار؛ لانها حينئذ تفسخ فترث من الثمن،بخلاف ما اذا باع بخيار.

وهو خلاف الظاهر؛ فان المتبادر ان المشار اليه بقوله: (ذلك) هو عدم الارث الذي سيقت لاجله العبارة،[ففهم ارادة الارث منها ارتكاب لما لا يدل عليه دليل]، مع انه من حيث الحكم غير مستقيم ايضا؛ فان الارض حق لباقي الوراث استحقوها بالموت، فكيف تملك الزوجة ابطال استحقاقهم لها واخراجها عن ملكهم؟!

نعم، لو قلنا: ان الملك يحصل بانقضاء [مدة] الخيار استقام ذلك، وايضا فانها اذا ورثت في هذه الصورة وجب ان ترث فيما اذا باع الميت ارضا [بخيار] بطريق اولى؛ لانها ترث حينئذ من الثمن.واقصى ما يلزم من ارثها من الخيار ان يبطل حقها من الثمن، وهو اولى من ارثها حق غيرها من الارض التي اختصوا بملكها».

ثم قال: «والحق: ان ارثها من الخيار في الارض المشتراة مستبعد جدا، وابطال حق قد ثبت لغيرها يحتاج الى دليل، نعم قوله: (لترث من الثمن) [على هذا التقدير] يحتاج الى تكلف زيادة تقدير، بخلاف ما حملاعليه»((397)) انتهى.

انظر ايها الفاضل العريف ايدك اللّه الخبير اللطيف الى هذه الكلمات كيف فرضت المسالة فيما اذا كان الخيار للميت بائعا كان او مشتريا، فلا تدل على ارثها الخيار فيما اذا كان الخيار للطرف الاخر الذي هومفروض البحث.

واعدل شاهد على ما قلناه: انهم انما ذكروا ذلك في ارث الخيار الذي ينحصر فرضه فيما اذا كان الخيارللميت.

وبالجملة: فلم اقف بعد فضل التتبع مصرحا بارثها من الثمن في مفروض البحث، ولا اظن ممارسا للفقه يفتي به.

واما نسبة ذلك الى صاحب الجواهر والشيخ المحقق الانصاري(قدس سرهما) - كما صدر من المجيب دام علاه وقرره المعترض على ذلك - فلا وجه لها، كما لا يخفى على من لاحظ كلماتهم في ارث الخياروكلام المحقق الانصاري(رحمه اللّه) في المسالة الثالثة من مسائل خيار المجلس((398)).

ومما ذكرنا ظهر ما في دعوى المعترض - دام بقاه - ارسالهم لمفروض البحث ارسال المسلمات من النظر، على انه ليس هنا محط بيان ارثها من ثمن الارض، وانما هم هنا بصدد بيان ارثها للخيار.

وليت شعري كيف يعد مثل ما ذكره ارسال المسلم؟! فللمجيب -دام علاه - ان يخاطب المعترض - دام بقاه - ويقول: ما هكذا تورد يا سعد الابل.

وكذا ظهر مما ذكرنا انه لا وجه لاعتراضه - دام بقاه - على المجيب - دام علاه - بخلو تركه نسبة ذلك الى من ذكر من نكتة.

وليته لم يسيء الظن به بكون ذلك لاظهار قلة الذاهب اليه من الاصحاب؛ فان المفتي اذا كان متبحرا في الفن مضطلعا في العلم لا يبالي بقلة الموافق وكثرته.

ثم انه قال المجيب - دام علاه : «الا ان الاظهر عندي انها لا ترث مما قابل الاراضي؛ لانها حيث الموت لم ترث من الاراضي بل انتقلت الى بقية الورثة قطعا، والفسخ وان لم يكن معاوضة جديدة بل حل للعقدلكنه يؤثر من حينه ويوجب انتقال كل من الطرفين الى المالك الفعلي للطرف الاخر، والمفروض ان الاراضي كانت لبقية الورثة دونها، فعوضها الراجع بالفسخ يعود اليهم، ولا وجه للعود الى الميت اوصيرورته في حكم ماله وتجدد الارث» هذا.

وقال المعترض - دام بقاه معلقا على قوله دام علاه: ولكنه يؤثر من حينه - ما نصه دام بقاه: «نعم،يؤثر من حينه على المشهور الا انه يكفي في بطلان العقد من حينه وتبديل عنوان تركة الميت المتضمنة لخصوصية موجبة لحرمان الزوجة الى عنوان آخر غير متضمن لها ، ولا كلام لاحد في عدم ارثها قبل الفسخ بعد البناء على الحرمان في اصل المسالة، كما لا كلام لنا في ان نماء الارض لبقية الورثة دونهاقبل الفسخ» هذا.

ومعلقا على قوله دام علاه : ويوجب انتقال كل من الطرفين...

الخ - ما نصه دام بقاه: «فيه: انه مصادرة محضة لا ينبغي خفاؤها على مثله، وهل النزاع الا في هذه المقدمة؟! واراه لم يات لها ببينة، وما سياتي في كلامه فسياتيك رفعه».

ومعلقا على قوله دام علاه : ولا وجه للعود الى الميت - ما نصه دام بقاه: «فيه: ان وجهه بين، وهوصيرورة العقد من حين الفسخ كان لم يكن ولم يقع من البائع والميت شيء بانحلال ما عقداه وانتقاض ما ابرماه فيقتضي العود الى من له العقد، كما سياتي الاعتراف منه - زيد مجده - به، وما اعتذر عنه سيتضح انه غير مسموع»، هذا.

واقول:

اما ما ذكره دام بقاه اولا ففيه: انه مصادره محضة؛ ضرورة ان قابلية الفسخ لتبديل عنوان التركة وتجديد ملك الميت للثمن عين الدعوى، فهل النزاع الا فيها؟! واراه لم يات لها ببينة، وما ياتي في كلامه فسترى انه كسراب بقيعة؛ لانه استدل على وقوع ذلك في مورد على وقوعه هنا، مع ان من المثل السائر:

ان المخالف للقاعدة يقتصر فيه على مورد الدليل.

واما ما ذكره دام بقاه ثانيا ففيه: انه لا بينة اقوم مما اقامه المجيب، ولا شاهدا اوضح منه، والمناقشة فيها بما ياتي في كلامه دام بقاءه سيتبين لك ما فيها.

واما ما ذكره ثالثا ففيه: ان سببية الفسخ لصيرورة العقد من حين العقد كان لم يكن ولم يقع من البائع والمشتري شيء بانحلال ما عقداه وانتقاض ما ابرماه مسلم، لكنه لا يثبت مطلوبه وهو عود المال الى من له العقد في خصوص الفرض، وانما يقتضي ذلك فيما اذا لم ينتقل العوضان من المتعاملين الى ثالث،واما بعد الانتقال فلا، الاترى انه لو باع المشتري بخيار او اعتق العبد او وقف الارض او تسرى بالمملوكة واولدها لم يوجب الفسخ انحلال البيع الثاني والعتق والوقف والاستيلاد، وانما اوجب استحقاق البائع بدل العين المبيعة، فيكشف ذلك عن عدم ايجاب الفسخ عود المبيع الى البائع والثمن الى المشتري في صورة انتقال المال الى الغير، وفيما نحن فيه قد انتقلت الارض الى غير الزوجة من الورثة وملكوها بالارث ملكاثابتا لازما من طرف المورث، غاية ما هناك ان للمشتري علاقة في العين فبالفسخ يسترد الارض منهم لامن المورث، فيدخل الثمن في ملكهم دون ملك المورث.

لا يقال: ان ما ذكرته من المثال لا ينفعك ان لم يضرك؛ ضرورة ان الفسخ في المثال انما يقع مع البائع ويعود الثمن اليه وهو المطالب ببدل المبيع، فيلزمه مثله في المقام، ولو كان خروج العين عن ملك المفسوخ عليه موجبا لعدم عود العوض اليه للزم في المثال مثله، ولا يلتزم به احد.

لانا نقول: هذا ذهول عن محط نظرنا في الاستشهاد؛ فان حقيقة المراد ان العقد له جهتان: جهة المتعاقدين، وجهة العوضين، فقد يقوم شخص مقام احد المتعاقدين، وقد تقوم عين مقام احد العوضين،فكما انه اذا قامت عين مقام المبيع - مثلا - لم يوجب الفسخ استرداد المبيع بعد خروجه عن ملك المفسوخ عليه، فكذا اذا قام شخص مقام المشتري - مثلا - لم يوجب الفسخ رجوع المال الى ملك المشتري، بل الى ملك من قام مقامه.

وبعبارة اخرى: كما لا يؤثر الفسخ في المبيع الخارج عن ملك المشتري - مثلا - فكذا لا يؤثر في المشتري الخارج عن قيد الحياة، بل يكون الفسخ مع من قام مقامه، وهو هنا غير الزوجة من الورثة،فالفسخ يوجب خروج الارض من ملكهم ويلزمه عود الثمن اليهم؛ لان من خرج المعوض عن ملكه يدخل العوض في ملكه.

وما دام ملك الحي متصورا لم يكن لتصوير ملك الميت وجه؛ ضرورة ان الميت غير قابل لان يملك،وانما التزموا من باب ضيق الخناق في موارد عديدة بالملك الحكمي على خلاف القاعدة، فلا يصار الى مثل ذلك في المقام من غير دليل ظاهر، بل ظهور الدليل على خلافه.

ثم انه قال المجيب دام علاه: «وبعبارة اخرى: حل العقد يوجب تبدل ملك الورثة الى ملك آخر، لابطلان الارث وتجدده».

وقال المعترض دام بقاه: «بل المتعين ان يقال: وبعبارة اخرى:

ان الفسخ الذي هو حل ما عقده الميت يوجب تبدل عوان تركته الى عنوان آخر، فهو قبل الفسخ قد ترك ارضا وبعده قد ترك نقدا، وحرمان الزوجة انما هو لوجود المانع في التركة، فاذا ارتفع المانع ارتفع الممنوع، وملاحظة العود الى حكم مال الميت توطئة لتعيين موروثهم ليس ببطلان الارث ولا بارث مجدد. ولو ابى الا من القول بانه بطلان للارث فلا مضايقة في هذا التعبير لو شاء ان يسمي تبديل وتبدل المورث بطلانا للارث، فانه بطلان من حيثية واستمرار وتبديل من حيثية اخرى»، هذا.

واقول: لعمر الحبيب اللبيب، ان هذا الكلام من هذا الفاضل العماد لغريب؛ ضرورة ان الميت انما يترك ماله بموته، ولا يعقل تركه بعد الموت بزمان شيئا من دون علقة له في ذلك اصلا، فما معنى انه قدترك قبل الفسخ ارضا وبعده قد ترك نقدا.

وليت شعري هل تجوز - فيما اذا ترك الميت دنانير فانتقلت الى الوارث واشترى بها((399)) في اليوم الثاني متاعا، ثم باع المتاع في اليوم الثالث بكتاب، وهكذا الى آخر عمره - ان تقول: ان الميت ترك حين الموت دنانير وفي اليوم الثاني متاعا وفي اليوم الثالث كتابا، وهكذا، حاشا وكلا ، لا يتفوه به اقل الطلبة فضلا عن العالم النبيه.

نعم، لو كان للميت علقة بان كان الخيار له امكن دعوى تركه قبل الفسخ ارضا وبعده نقدا.

واما قوله دام بقاه: «وحرمان الزوجة انما هو لوجود المانع في التركة، فاذا ارتفع المانع ارتفع الممنوع»،ففيه: ان ارتفاع المانع انما يوجب ارتفاع الممنوع مع بقاء المقتضي لا بعد زواله، والمقتضي للارث انما هوالوارثية عند موت المورث لا بعده، ولذا ترى ان زوال كفر الوارث او رقيته بعد موت المورث لا يوجب ارثهم وتراهم يصرحون بكون ارث الذي اسلم قبل القسمة على خلاف القاعدة؛ للنصوص الخاصة التعبدية، فلاحظ مظانه وتدبر.

واما قوله دام بقاه: «ان ملاحظة العود الى حكم مال الميت توطئة لتعيين موروثهم ليس ببطلان للارث ولا بارث مجدد»، ففيه: ان البقاء على حكم مال الميت على خلاف القاعدة، فلا يلتزم به الا لضرورة، ولاضرورة هنا اليه، بل الدليل يسوق الى خلافه، كما عرفت.

ثم انه قال المجيب دام علاه: «والسر في المطلب: ان الوارث بمنزلة الميت، فكانه اشترى لنفسه في حياته ولوارثه بعد مماته، فكان الوارث بقاء نفس الميت، فكما انه لو فسخه في حياته لم يكن الا تبدل ماله،فكذلك وارثه الذي كانه هو يبدل ماله، لا انه يفسخ نيابة عن الميت لو كان الخيار [له او يتبدل مال الميت لو كان الخيار] للبائع ثم يعود اليه.

وهذا هو الوجه في عدم كون الانتقال الى الوارث بمنزلة التلف بحيث يرجع الفاسخ الى مثله او قيمته،كما هو الحال فيما اذا باع غير ذي الخيار؛ فانه يعد تلفا، وبعد الفسخ لا يسترد العين»، هذا.

وقال المعترض دام بقاه: «ما عده سر المطلب فهو وان نادى به قبله المنادي واسمعه الحاضر والبادي واطال - زيد مجده - [في] تقريبه وتوضيحه الا انه بعد تسليمه مما لا ينفعه لو لم يضره، ولا يهدم ماقالوه لو لم يشيده؛ فان تملك الورثة وارثهم وفسخهم اذا لم يكن من حيث انهم هم، بل بلحاظ كونهم نفس الميت لم يوجب ذلك كون العقد عقدهم والفعل فعلهم والمال مالهم حين العقد والاشتراء واقعا لهم، فاين الدليل على مثل هذا التنزيل بهذا التفصيل الطويل؟!

فاذا كان مقتضى الفسخ رجوع المال الى من له العقد، فكيف يحكم برجوعه اليهم ابتداء بهذا البيان المنهدم البنيان؟!

مضافا الى انه اذا كان الارث بلحاظ كونهم نفس الميت كان ذلك مؤكدا للحاظ رجوع المال الى حكم مال الميت وتبدل عنوان تركته، فكما قلنا: انه يصدق قبل الفسخ انه ترك ارضا وبعده انه ترك نقدا، فكذلك يصدق عليه بحسب ما اوضحه انه كان يملك ارضا في زمان كذا ويملك نقدا في زمان كذا.

وحرمان الزوجة التي هي نفس الميت تنزيلا وعدم حرمانها عبارة عن عدم انتفاع الميت ببعض ماله في زمان لخصوصية مانعة فيه وانتفاعه به في زمان آخر، وانتقال المال الى الورثة بالارث وان صح انه لايعد تلفا، لكنه مما يؤيد ان الملحوظ في الاحكام حال نفس الميت وان المال حال كونه عند الورثة كانه عند الميت.

وبالجملة: فكما ان الورثة حال تملكهم الارض انما يلاحظ كونهم درجة نازلة للميت يتلقون الملك عنه،فكذلك حال تبدل ارض الميت بحل ما عقده وانتقاله الى درجاته النازلة المتلقية منه، فالجمع بين لحاظ كونهم نفس الميت تنزيلا ولحاظ عدم تبدل عنوان تركة الميت وعدم العود الى حكم ماله جمع بين لحاظين متناقضين.

وببيان اوضح ينكشف به عدم اجداء ما اتعب نفسه في توضيحه:

ان لنا في هذا المفروض على ماذكرناه ميتا تحقيقا وميتا تنزيلا، والفسخ عبارة عن حل العقد الصادر من الميت التحقيقي، وليس بمعاوضة جديدة كما اعترف به، وبعد الفسخ عود المال الى الميت او صيرورته في حكم ماله ممكن بل واقع عنده كما في بعض الفروض الاتية في آخر كلامه، فاذا انحل العقد باعترافه وامكن عود المال الى الميت تحقيقا باعترافه ايضا وكان مقتضى الفسخ العود الى الحالة الاولى من حين الفسخ، فمجرد كون الميت التنزيلي موجودا كيف يعقل ان يكون مانعا من ذلك العود؟!

وكذا دفعه الارض التي كانت مال الميت التحقيقي وكانت حال كونها عند الوارث كانه عند الميت وحال انتقالها اليه كانه لم ينتقل، فهل مثله يعقل ان يكون مانعا من ملاحظة العود الى نفس الميت؟!

وبالجملة: ما اطال في توضيحه من كون الوارث هو نفس الميت تنزيلا لا يعقل له وجه مزاحمة لتاثيرالفسخ اثره الحقيقي، فكن على بصيرة من الامر» هذا.

واقول: بما اوضحناه آنفا ظهر سقوط ما ذكره من اقتضاء الفسخ رجوع المال الى من له العقد.

كما ظهر كون بنيانه اولى بالانهدام من بيان المجيب، وكان في كلام المجيب، مقدمة - وهي كون دخول المال في مال الميت وكونه بحكم ماله على خلاف القاعدة - طواها لوضوحها.

وظهر ايضا سقوط ما ذكره من ترك الميت الارض مرة والنقد اخرى.

وظهر ايضا سقوط ما ذكره من وقوع البقاء على حكم مال الميت في جملة من الفروض؛ فان النزاع ليس في الامكان حتى يستشهد بالوقوع في عدة موارد على الامكان، وانما الكلام في انه هل هناك دليل يلجئ الى الالتزام بالبقاء على حكم مال الميت المخالف القاعدة، ام لا؟ وقد عرفت عدمه، بل قيام الدليل الواضح السبيل على خلافه.

واما قوله دام بقاه في آخر كلامه المذكور: «وبالجملة ما اطال في توضيحه من كون... الخ»، ففيه: ان وجه المزاحمة ظاهرة، وهي انه بعد قيامه مقام الميت وكونه نفسه يلزم عود المال الى ملكه دون ملك المنوب عنه.

ثم انه قال المجيب دام علاه: «فلكون الوارث بمنزلة نفس الميت لم يكن الانتقال اليه محققا لصدق تلف العين، فكان الميت حي ومالك لم ينتقل عنه، والعقد الذي عقده الميت فهو لوارثه ايضا بحسب الاستمرار، فعقده لنفسه التحقيقي ونفسه التنزيلي، فلا يقال: ان الفسخ يقتضي العود الى من له العقدوهو نفس الميت لا الوارث» هذا.

وقال المعترض دام بقاه: «قد عرفت ان عدم صدق تلف العين مما لا ينافي اعتبار العود الى حكم مال الميت بل يؤكده، وان المال حال الانتقال اليهم كانه لم ينتقل وبعد هو في يد الميت وتصرفه.

وبعبارة اخرى: تنزيل شيء منزلة شيء بعد تسليم قيام الدليل على التنزيل لا يوجب استقلال المنزل في الحكم وسقوط المنزل عليه مع وجوده وامكان اعتباره عن درجة اللحاظ والاعتبار جدا. ولعله مما لايخفى».

واقول: قد بان سقوط ذلك مما مر؛ فان مجرد عدم منافاة صدق تلف العين لاعتبار العود الى حكم مال الميت لا يثبت مطلوبه، بعد عدم الدليل الملجئ الى ذلك كما هو المفروض.

ثم انه علق المعترض دام بقاه على قول المجيب دام علاه - في عبارته المذكورة: اذ قد عرفت ان الوارث ايضا ممن له العقد - بقوله دام بقاه: «صريح كلامه - زيد مجده - انه يسلم هذا المعنى من ان مقتضى الفسخ العود الى من له العقد الا انه يدعي ان الورثة ايضا ممن لهم العقد؛ لانهم بمنزلة نفس الميت، وقد اوضحنا ان هذا التنزيل لو لم يوجب ترتب مقتضى الفسخ عليه تحقيقا فليس بمانع عنه، ولامنافاة بين هذا التنزيل وبين تاثير الفسخ اثره حقيقة قطعا، فما الذي اوجب رفع اليد عن حقيقة مقتضى الفسخ الى ما هو بمنزلته؟!».

واقول: لو كان مراد المجيب ما استفاده من كلامه لم يكن ليتجه ما ذكره علينا؛ لما مر توضيحه، فلانعيد.

ثم انه قال المجيب دام علاه: «ودعوى ان ملكية بقية الورثة متزلزلة لا مستقرة، فعود العوض اليهم غيرلازم، مدفوعة بان التزلزل يقتضي تبدله بالعوض، لا العود الى المالك الاول، وما يستدل به من ايفاءديون الميت وانفاذ وصاياه من هذا المال المردود، فيدل على عوده الى مال الميت او صيرورته بحكم ماله».

[و] فيه: ان ذلك ليس انتقاله الى الميت بسبب الفسخ، بل ذلك لتعلق حق الديان والموصى لهم بالعوض الذي دفعه الوارث للفسخ، ولذا لو لم يخلف مالا يتعلق به الدين والوصية كما لو باع شيئا بخيار الشرط واتلف الثمن ولم يخلف شيئا فرد الورثة مثل الثمن من صلب مالهم وفسخوا لم يصرف المردود في الدين ولم تنفذ وصاياه منه، كما ادعى السيرة عليه الشيخ المحقق الانصاري((400)). ولو اقتضى الفسخ العود الى الميت او صيرورته في حكم ماله لوجب صرفه في الدين في الفرض، هذا.

وقال المعترض دام بقاه: «فيه: اولا: ان عدم الرجوع الى حكم الميت في هذه الصورة ليس امرا مسلمايستشهد به على شيء.

والشيخ المحقق الانصاري الذي نقل عنه دعوى السيرة ذكر في هذه المسالة وجهين، وجعل اولهما الرجوع الى حكم مال الميت وتعلق حق الديان به، وعد ذلك مقتضى الفسخ وان استظهر بعد ذلك غيره على تامل يلوح منه، قائلا آخر الامر:

ان المسالة تحتاج الى تنقيح زائد؛ فكانه كلام منه في بادىء النظر قبل تنقيح البحث.

وثانيا: ان السيرة المدعاة ممنوعة على مدعيها كائنا من كان، ومتى كانت هذه القضية شائعة في الادوار؟! وهذه المسالة واقعة في جميع الاعصار، ومن الذي احرز عمل المسلمين المتدينين وعدم الزامهم والتزامهم باخراج الديون وانفاذ الوصايا من هذا المال المردود؟! ولعمر الحبيب ان دعوى السيرة في مثل هذا المقام من هذا الخريت الحاذق لعجيب!

وثالثا: انه على تقدير التسليم فالفارق ان للورثة في المقام اعتبارين: اعتبار انهم نفس الميت تنزيلا ولهذايفسخون ولهم حق الفسخ، واعتبار انهم ذو مال جديد غير مرتبط بالميت يدفع عوضا عن المبيع، فكان الميت يعاوض ماله السابق بمال غير مرتبط به في اللا حق، لا لكون الفسخ معاوضة جديدة، بل لانه منزل منزلة الميت على حسب تنزيل المال المختص بالورثة منزلة ماله في جواز جعله بدلا عن المبيع وكونه ردا لمثل الثمن، ولهذا لا يجوز لغيرهم دفع المال بدلا عن الثمن ثم الفسخ.

ثم انه يلزمه انه لو دفع بعض الورثة من ماله وفسخ العقد بناء على تقدم الفاسخ، اختص المبيع بالفاسخ، ولا ادري انه يلتزم به او لا؟!».

واقول: ان اعتراضه الثاني في محله، واما اعتراضه الاول فمن لاحظ كلام الشيخ المحقق الانصاري بان له صراحته في دعوى السيرة، وما حكاه عن ذيل كلامه لا يفيد تردده بعد فتواه بقوله:

(الاظهر) كما لايخفى.

وكيف كان فلا يذهب عليك ان التشبث بالسيرة من المجيب - دام علاه - اشبه شيء بدعوى المعترض في صدر كلامه مسلمية ارثها في فرض البحث، كما عرفت.

واما اعتراضه الثالث فيمكن دفعه بان غرض المجيب لعله التفرقة بين ما اذا كان للميت ومن قام مقامه علقة، وبين ما اذا لم يكن، وان الالتزام بالبقاء على حكم مال الميت فيما يوفى منه ديونه ووصاياه انماهو لوجود علقة للميت هناك، وحينئذ فلا يتجه عليه ما ذكره المعترض.

ثم انه قال المجيب دام علاه: «نعم، لو صالح ماله بلا عوض وكان له الخيار [فوارث]((401)) الميت لوفسخ اقتضى العود الى الميت اولا ثم الارث او الصرف في الدين؛ فان الوارث لم يرث شيئا في مقابله حتى يعود عوضه اليه بالفسخ».

وقال المعترض دام بقاه: «هذا الفرع مما يساعدنا، وفيه تصريح بامكان عود المال الى الميت اوصيرورته في حكم ماله ووقوعه، فلا يضرنا حتى نتكلم عليه الا ان الوجه فيه ليس((402)) ما ذكر من عدم ارث الوارث في مقابله شيئا، بل الوجه هو اقتضاء الفسخ ذلك».

واقول: فيه ما عرفت من عدم كون الكلام في الامكان، بل في وجود الداعي الملجئ الى الالتزام به.

ثم انه قال المجيب دام علاه: «وكذا لو صالح ماله بعوض واتلفه، ففي هذه الصورة ايضا يعود بالفسخ الى نفس الميت لو كان الارث حين الفسخ، فلو كان ارضا لم ترث منه الزوجة؛ لانها لم ترث من عوضه».

وقال المعترض دام بقاه: «هذا كلام غريب واستدارك عجيب ومناقضة بينة، حيث انه بعد اصراره البليغ على عدم الرجوع الى حكم مال الميت فيما لو صالح بعوض وفسخ الوارث ودفع العوض من مال الميت كما هو المفروض في اصل المسالة، وبعد جزمه ايضا بعدم الرجوع الى الميت فيما لو باع واتلف الثمن ودفع الورثة العوض من مالهم وحكمه - زيد مجده - بعدم الصرف في الدين، ونقله دعوى السيرة عليه لا يبقى موقع لهذا الفروع جدا.

اذ بعدما اتلف الميت العوض، فاما ان يدفع الوارث العوض من مال آخر من اموال الميت فيرجع المبيع المردود اليهم عنده على ما ذكره واوضحه، واما ان يدفعوا من مالهم فيرجع اليهم ايضا على ما جزم به ونقل عليه دعوى السيرة، فاين الموقع لهذا الفرع الذي حكم فيه بالعود الى نفس الميت؟! وهل هو الا مناقضة واضحة في اسطر قليلة».

واقول: هذا من المعترض في غاية الغرابة؛ لوضوح الفرق بين الفرضين الذي اثبت بينهما المناقضة، فان في صورة الصلح بلا عوض ينتقل الى الورثة الخيار الذي بسببه ملكوا ان يملكوا فبعد الفسخ لا داعي الى عود المال الى الميت، بخلاف ما اذا صالح بعوض بغير خيار واتلف العوض فانه حينئذ لا ينتقل الى الورثة شيء حتى تجري قاعدة دخول العوض في ملك من خرج المعوض عن ملكه، فلا ملجا هنا الا الالتزام بالعود الى الميت، فلا تذهل.

ثم انه قال المجيب دام علاه: «وايضا لو عقد عقدا لازما ثم اقال الوارث - بناء على جوازه في حقه، كمايظهر من صاحب الجواهر(رحمه اللّه) نقلا عن العلامة ايضا - فيبعد القول بالانتقال الى الميت بالاقالة، اي صيرورته في حكم ماله»، هذا.

وقال المعترض دام بقاه: «لا وجه لبعده، على ان الاستبعاد مما لا يصلح حجة لاحد».

واقول: الوجه في بعده ما مر من مخالفة الانتقال الى الميت او صيرورته في حكم ماله للقاعدة،والاستبعاد ان لم يصح دليلا فلا اقل من صلاحيته للتاييد.

فوائد:

الاولى: انه يطلب الكلام في انتقال الخيار الى الوارث والى خصوص الزوجة والمحاكمة بين شراح القواعدوالكلام في كون الفسخ مؤثرا من حينه من خيارات كتابنا الكبير والكلام فيما يحرم منه الزوجة من كتاب الارث منه.

الثانية: اني قد شاهدت جوابا فارسيا لبعض من لم افهم اسمه موافق للمعترض المذكور قد ارعد فيه وابرق وترنم وغرد وشنع على من خالفه وحسب انه اتى بحجة بديعة من انه كسراب بقيعة، وزعم انه اتى بما يغني عن تكلف النظر والثبوت مع انه [اوهى] من بيت العنكبوت، اجرى اللّه تعالى قلم العفو على ما صدر منه ومنا بحق من حقه عليه عظيم.

الثالثة: اني انما لم ابين اسمي في اول الرسالة ولا آخرها لما رايت من ايراثه عدم تامل اعلام العصر في كلماتي لما استقر عليه دابهم وجرت عليه عادتهم من النظر الى القائل دون المقول، وكانه عن لهم عن طريق الاوائل عدول، واللّه خير معول ومامول، واجل من يضر منه الرد وينفع منه القبول.

وقد حررت هذه الرسالة يوم الاربعاء الخامس والعشرين من شهر شوال سنة 1319 مع كمال الاستعجال، وكثرة العوائق والاشتغال، المورثة لتشتت الفكر والخيال، والتمس الناظرين فيها ان يتركواالتعقيب وبيان ما خطر ببالهم في كلماتي من النظر حتى اذكر دفعه على حسب الوسع والطاقة.

والحمد للّه اولا وآخرا، والصلاة على اشرف الرسل وآله خير آل.

منظومة في ارث الزوجة من ثمن العقار بعد الاخذ بالخيار ش السيد محمد باقر الطباطبائي الحائري ان مات من قد اشترى ارضا جعل للبائع الخيار ان رد البدل وموته عن زوجة وعن ولد فاختصت الارض به((403)) ما لم ترد وحيث ردت حكم القوم بان شاركت الزوجة في ملك الثمن والسر ان العقد بالخيار مجرى عروض الفسخ والقرار والفسخ لا يفيد شيئا الا نقضا لما ابرمه وحلا ومقتضى الحل رجوع ما انتقل بمقتضى العقد لمن به((404)) نقل فيملك المالك بعد الحل بالسبب السابق قبل النقل وكونه من حين فسخ العقد لا يقتضي تغيير ما يؤدي وكل عقد معرض الزوال وعرضة الرد والانحلال لم يخل عن شائبة القصور والوهم في التاثير والفتور فانه وان يكن مملكا ومخرجا للملك عمن ملكا ولا قصور فيه في المدلول ولا فتور في اقتضا التبديل لكنه لم يك قاطع الاثر كيف وللمالك في الملك نظر فلم تكن علقته منقطعة بالعقد ما دام له ان يرفعه ولا ينافي نقل ملك الرقبة في جهة الربط بقاء مرتبة الا ترى اجتماع نقل الرقبة سلطان الارتجاع في عقد الهبة فالبيع بالخيار يحوي الاثرا حقا فكالرجوع فسخه جرى ومن هنا كالقول بالحل يفي العقل والنقل بلا تكلف فان كلا منهما في رتبته اذ الجميع مقتضى سلطنته واثر العلقة عود ما خرج عن ملكه بالفسخ من غير حرج فليس يحتاج الى مملك اذ لم يكن يملك ما لم يملك بل انما يملك ما قد كان له بالسبب المحجوب بالمبادلة فالفسخ من قبيل رفع المانع وقاطع لمقتضاه الواقع لا انه مملك جديدا كيف ولم يكن له مفيدا الا ترى الخيار باق في التلف ومشكل تمليك مال قد تلف ولم يفد في عدها معاوضة ربط لسان الحل بالمعاوضة اذ اللسان في المقام الالة للكشف فهو يدفع الدلالة وليس في الفسخ دلالة على شيء سوى حل ارتباط حصلا وهل يؤد العقد حل العقد او ينشىء الملك لسان الرد وان تكن بعد على شك ففي لحاظ فسخ الاجنبي ينتفي وفي حصول الفسخ بالتصرف فعلا ونقلا للفقيه ما يفي فهل يكون نقله نقلين او فعله الفاسخ نقل العين ونبذة الكلام((405)) ان الحلا فسخ ولا تعويض فيه اصلا ومقتضى التبديل والمعاوضة((406)) تسرية الامر لمن لا فسخ له فالطرفان في حديث العلقة سيان والفاسخ يجري حقه كالاجنبي حيث ان الفسخ له وعلقة العود لمن قد نقله وموت اي منهما لا يمنع من ارتباط ما بفسخ يرجع من بعد ما دل الدليل واقتضى تنزيل آخر مقام من قضى منزلة بينة مبينة فيما حواه من حديث السلطنة من حق او من دين او من مال بالفعل او ما كان بالمل كمثل مال عاد بالفسخ ففي مرجعه ادلة الارث تفي اذ جعلت منزلة الوراث منزلة الميت في الميراث فالمرجع الوارث بعد الحل اذ حل في الشرع محل الاصل وزوجة الميت من ورائه((407)) تملك غير الارض من ميراثه فالارض في الفرض تخص بالولد ما بقيت بحالها ولم ترد وان طرى الفسخ وعاد البدل فالزوجة الثمن لها ينتقل فانها تدخل في عنوان من قام مقام الميت في ملك الثمن وليس ما عاد لهم بعائد الا له بلا اعتبار زائد فيملكونه بما به ملك ارثا فبعد الفسخ هذا ما ترك والارض قد كانت له ما لم ترد بالفسخ فالفسخ لملك الارض حد والابن لا ربط له بالبدل قبل وبعد الفسخ بالارث يلي فراع في مقدار ما به انتقل منزلة الابن بنسبة البدل لا الاصل فالزوجة ذات الثمن فانها وارثة كالابن وليس في انفصال ذلك الاثر عن موته منشا وجه للنظر من بعد سبق السبب المؤثر وسوقه من اعتبار المشتري ونحوه تاثير وضع الشبكة للصيد في اعتباره في التركة اقصر فقد بان بوجه بين وجه اختصاصها بثمن الثمن والقول بالحرمان ان كان فلا معنى له اصلا ولا محصلا وانعكس الامر لو الفرض انعكس فتحرم الزوجة من غير مجس وهل ترى المانع منها((408)) يقضي هنا بان تملك ثمن الارض

 موسوعة الفقه الاسلامي

طبقا لمذهب اهل البيت (ع) اعداد : التحرير

المجلد الرابع من (موسوعة الفقه الاسلامي طبقا لمذهب اهل البيت(ع)).

تاليف وتحقيق: مؤسسة دائرة معارف الفقه الاسلامي الناشر: مؤسسة دائرة المعارف 1425 ه / 2004 م يقع الجزء الرابع من موسوعة الفقه الاسلامي طبقا لمذهب اهل البيت(ع) في (469) صفحة من القطع الكبير(: الرحلي).

يمتاز هذا المجلد من الموسوعة عن المجلدات الثلاثة السابقة بانه لم يحتو الا على عنوان واحد وهوعنوان (الاجارة)، فيما كانت المجلدات السابقة تضم عناوين متعددة ومتنوعة.

والسبب في ذلك هو ان عنوان (الاجارة) لكونه يمثل احد العقود المهمة المبحوثة فقهيا؛ فانه ياتي بالدرجة الثانية بعد عقد البيع، وهذا معناه انه يتطلب بحثا موسعا، ومن هنا نجده قد استوعب مجلداباكمله.

كما ان هيكلية البحث في الاجارة اختلفت عما سبقها من عناوين؛ اذ ان بحث تلك العناوين كان يقسم ضمن نقاط ومحاور لم تكن مسماة بالفصول، في حين نلاحظ ان بحث (الاجارة) قسم على فصول ستة،هي:

الفصل الاول: وقد اشتمل على خمسة نقاط:

النقطة الاولى: دارت حول تعريف الاجارة لغة واصطلاحا.

النقطة الثانية: تضمنت الالفاظ ذات الصلة بالاجارة بنحو من الانحاء مما اقتضى بيانها بصورة اجمالية وبيان النسبة بينها وبين الاجارة موضوعة البحث.

النقطة الثالثة: في بيان حقيقة الاجارة، وتشخيص المنشا الاعتباري في موارد عقد الاجارة، وانعقد البحث هنا في جهتين:

الجهة الاولى: في مفاد الاجارة هل هو تمليك المنفعة او لا؟ وقد اعترض على نظرية (تملك المنفعة) بعدة اعتراضات ذكرت مع اجوبتها.

الجهة الثانية: في مفاد عقد الايجار هل هو حق عيني او شخصي؟ وواضح ان الهدف من طرح هذا العنوان وفتح هكذا بحث هو عقد مقارنة بين الرؤية الفقهية في الاسلام وبين الرؤية الحقوقية الوضعية، وهذه الخطوة وان لم تصل في بعض الاحيان الى نتائج قطعية وواضحة الا انها تعتبر في غاية الاهمية، وهي محاولة تستحق التامل والدقة.

النقطة الرابعة: تناولت بعض التطبيقات التي اختلف الموقف تجاهها من ناحية مدى انطباق عنوان الاجارة عليها وعدمه، وهي:

ا - الاستصناع.

ب - اجارة الاعيان ذات المنافع العينية، كاجارة الشجرة لثمرتها والمرضعة للبنها.

ج - الامر بالعمل.

د - عقد الصيانة.

ه - البيع الزماني، وهذا من العقود المستحدثة، وهو تمليك العين لشخص او لعدة اشخاص لا بالحصة المشاعة بل بحسب الاوقات او الفصول، فتنتقل المنافع تبعا لملكية العين الى عدة اشخاص على نحوالتناوب.

و - اجارة الحقوق، كاجارة ترخيص لتاسيس شركة ونحوها، وهذا من البحوث المستحدثة كما هوواضح حيث ذهب بعض الفقهاء الى الصحة وبعض آخر الى العدم.

النقطة الخامسة: بحثت الحكم الشرعي للاجارة تكليفا ووضعا، اي الجواز والصحة، وكذلك حكمها من حيث اللزوم والجواز، وقد ذكرت للزوم عدة ادلة لبية ولفظية خاصة وعامة.

الفصل الثاني: وقد اختص بدراسة اركان الاجارة، وهي ثلاثة:

العقد، والمتعاقدان - اي طرفا العقدومحل الاجارة:

اما الركن الاول - وهو العقد - فقد ذكر فيه اربعة شروط هي:

القصد، والانشاء، والتنجيز، وعدم اشتراط ما ينافي العقد.

وبحث الشرط الثاني بحثا مفصلا حيث انقسم البحث في محورين:

المحور الاول: الانشاء باللفظ (الصيغة)، ووقع البحث في مدى دلالة بعض الالفاظ على الاجارة؛ فان الالفاظ على اقسام: فمنها الصريح ومنها المشترك ومنها الالفاظ المستعملة في العقود الاخرى كالبيع.

كما تعرض الكاتب الى حكم الجمع بين الاجارة وغيرها من سائر العقود، فذكر ثلاث صور.

المحور الثاني: الانشاء بالفعل (المعاطاة)، والنقاط المطروحة هنا:

1 - مدى جريان المعاطاة في الاجارة بشكل عام واجارة الاعمال بصورة خاصة.

2 - بناء على جريان المعاطاة هل انها مفيدة للملكية؟ ثم بحث الشرط الثالث من شروط العقد - التنجيز - ضمن ثلاثة امور حسب المعنى المتصورللتنجيز:

الامر الاول: الاجارة المعلقة.

الامر الثاني: الاجارة المرددة، وبين لها اربع صور.

الامر الثالث: الاجارة المضافة، وفيها عدة صور، ومن الجدير بالذكر الاشارة الى ما اثاره الكاتب هنا من عنوان (المقاولات التجارية) وهو عنوان غير متعارف في فقهنا التقليدي.

وآخر شرط بحث في هذا الركن هو عدم منافاة الشروط المذكورة في العقد لمقتضاه، من قبيل: اشتراط عدم الاجرة مطلقا او في صورة عدم الوفاء بالعقد وشروطه، واشتراط نقص الاجرة، واشترط الضمان.

واما الركن الثاني - وهو المتعاقدان فقد ذكرت في هذا البحث الشروط العامة للمتعاقدين من القصد والاختيار وولاية التصرف.

وقد تعرض الكاتب الى بعض التطبيقات، منها:

اجارة الصبي المميز: وذكرت صورتان: الاولى: فيما اذا تصدى الصبي لعقد الاجارة فجر نفسه او ماله مع اذن الولي او اجازته، الثانية: فيما اذا تصدى الولي لاجارة الصبي او اجارة ماله، وذكر للصورة الثانية فرضان.

واما الركن الثالث - وهو محل الاجارة (المعقود عليه) فمن اللافت للنظر انه تم فصل اجارة الاعيان عن اجارة الاعمال، وهذا ما لم يكن معهودا في الكتب الفقهية التقليدية، فانهم لم يفرزوا بينهما، فهنا ثلاثة بحوث:

البحث الاول: منفعة العين ويبحث فيه عن حقيقة المنفعة وهل هي حيثية قائمة بالمستاجر (المنتفع) او بالعين، بمعنى قابليتهاللانتفاع بها؟ وايضا يبحث عن شروط المنفعة، وهي: شروط عامة وخاصة، ومجموعها ثمانية:

اما العامة فهي ثلاثة:

1 - الوجود ولو تدريجا، فلا تتحق الاجارة مع انعدام المنفعة.

2 - المالية حتى يمكن مقابلتها بالمال كما في سائر المعاوضات.

3 - الملكية وما في حكمها.

واما الخاصة فهي خمسة:

1 - ان لا يلزم من الانتفاع استهلاك العين.

2 - امكان استيفاء المنفعة.

3 - اباحة المنفعة.

4 - القدرة على التسليم.

5 - معلومية المنفعة، واشير الى كيفية تعيين المنفعة، وهذا من الابحاث المهمة.

البحث الثاني: العمل وشروط العمل في الاجارة ستة، وهي:

القدرة، المالية، الاباحة، المعلومية، وجود موضوع العمل كالثوب للخياطة، سلطنة الاجير على عمله.

البحث الثالث: الاجرة ويشترط فيها المملوكية، والمالية، والمعلومية، والقدرة على التسليم.

ويمكن ان تكون الاجرة عينا او منفعة، كما يمكن ان تكون معينة خارجا او كلية في الذمة او في المعين،كما يمكن ان تكون معجلة او مؤجلة.

كما اشير الى الحالات الخاصة من الاجرة والتي تعرض لها الفقهاء، وهي:

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية