الابعاد الفقهية والاصولية

 في شخصية الامام الخميني

ان لشخصية الامام الخميني (قدس سره) ابعادا متعددة وفي كل منها بدا متميزا غير ان ما انعكس عنه على اذهان الملا العام وان انبنى من الواقع لم يعكس الواقع بتمامه وان ما ترجم لجانب واغفلت جوانب اخرى الى حدكادت ان تنسى . . وعلى الرغم من امكانية تبرير ظاهرة التركيز على بعض الابعاد دون غيرها بمب ررات ميدانية الا ان الرؤية الدقيقة والمختبرية تملي على الباحث متابعة تلك الابعاد المترامية الاطراف طرا ليتسنى له عملية اكتشاف تلك الشخصية بحجمها الحقيقي . .

ولا يقع تحت غائلة الاسفاف او الاجحاف . .

ومن الواضح طغيان الابعاد السياسية والاجتماعية في شخصية الامام الخيني (قدس سره) على سائر الابعاد واستحواذهاعليها وتغطيتها لها . . وليس في بروز تجليات لشخصيته الفذة اكثر من غيرها اية منقصة ولا عيب في ذلك اطلاقا ما دام لتلك التجليات حقيقة عينية في الواقع ولم تكن ناشئة من نسج الخيال والتصور الموهوم . .

فنحن لا يمكننا التخفيف من قيمة الاعصار الحضاري والانعطاف التاريخي الكبير الذي حدث على يدي هذا الرجل وما ترك من تداعيات وما ولد من تفاعلات على مختلف الصعد .

. وليس اعظام واكبار مثل هذا الحدث الخطير سببا للاجحاف وعدم الموازنة في كشف شخصية الامام (قدس سره) . . بل الاجحاف ينشا من اضمار الابعاد المعرفية والعلمية الواسعة التي توفرت عليها هذه الشخصية . .

ثم ان استيعاب كافة الابعاد - مضافا الى كونه يجنبنا الوقوع في النظرة المجتزاة وعدم اختزال شخصية الامام الخميني (قدس سره) في المضيق السياسي - يمكننا من تحليل ذات البعدين السياسي والاجتماعي تحليلا دقيقا ورؤية الاساس الماورائي الذي انطلق منه. .

وعملية الاستيعاب لتلك الابعاد تبدا افقية ثم تتجه عموديا . .

فالخطوة الاولى تتمثل بالتعداد البسيط والخطوة الثانية تتمثل بمتابعة التفاصيل والثالثة التحليل والتقييم الموضعي والرابعة استنباط المركب العام الذي يربط بين اطراف معالم هذه الشخصية..

ومن الواضح ان الامتدادات المعرفية للامام الخميني بعرضها العريض يتعذر مسحها من قبل المتخصص في فرع معرفي معين فاقتضى ذلك ان يتصدى المتخصصون كل حسب دائرته لدراسة ما يعنى به . . وقد انطلقت مجلة فقه اهل البيت (عليهم السلام) من افقها التخصصي الخاص بها وهو الفقه وما يتعلق به من علوم الشريعة الدخيلة في العملية الاجتهادية بصورة مباشرة او شبه مباشرة فسعت لتقديم حزمة من الدراسات المتنوعة في اطار علم الفقه واصول الفقه وعلوم الحديث وهي العلوم ذات التماس المباشر بالعملية الاجتهادية .

. والملفت للنظر فيها المقالات التي تجاوزت في مدياتها الخطوة الاولى ووقعت في سياق الخطوتين الثانية والثالثة وربما الخطوة الرابعة من العرض المنهجي الذي نوهناعنه .

.

فثمة دراسات ركزت على معالجات فقهية للامام الخميني لمسائل موضعية ذات النمط التقليدي وان اتسمت المعالجة بالجدة والاجتهاد والابداع نظير : معالجته لمسالة تحديد وقت الفجر في الليالي المقمرة . . وبيان هل ان المدار فى تحديد الوقت على التوقيت الطبيعي والكوني المبتني على اساس الحركة الفلكية اوان المدار على ما يتراءى للناظر الاعتيادي وعلى التبين الفعلي ؟

وقد اضيف الى مجموعة الدراسات هذه انموذجا من البحوث التي عالجت احدى القواعد الفقهية ، وهي قاعدة الاتلاف . .

وقدطرحت في مفاصل البحث مجموعة من الاثارات الاجتهادية مثل مسالة الضمان . .

وهناك دراسات اختصت ببيان معالجات فقهية للامام الخميني عبر فيها عن رؤية راقية وواعية للاغراض الرسالية والمقاصدالشرعية العظمى . . كبحث مسالة تجارة السلاح وبيعه لغير المسلمين . . حيث تتجلى في ذلك ظرافة الرؤية التي انطلق منهافي معالجته (قدس سره) . . فانه يفرق بين دائرتين من التشريعات : احداهما التشريعات المرتبطة بالافراد من حيث هم والتي تكون محكومة عادة بمنطق خاص بها والدائرة الاخرى التشريعات المرتبطة بالنظام العام والتي تكون محكومة لمنطق آخر وهومراعاة المصالح والمفاسد العامة المناط تشخيصها بالجهات العليا وبولي الامر . .

ومن الدراسات ما يعبر عن عملية تنقيب وراء بعض المواقف الشرعية والافتاءات الفقهية للوصول الى الاسس والمنطلقات الفقهية التي انطلقت منها واستندت اليها من قبيل : الحكم باعلان الحاج للبراءة من المشركين . . فان مثل هذا الحكم بحاجة الى بحث تنظيري لاكتشاف المواد والعناصر الاستدلالية التي تكو ن منها . .

كما ان قسما من الدراسات قد انصب على بعض المباني الستراتيجية في المنهج الاستنباط ي والمؤثرة في سير العملية الاجتهادية بصورة عامة وبنحو كلي ، نحو : نظرية الخطابات القانونية حيث استهدفت حل احد الالغاز المستعصية في الربط المنطقي بين الصياغات الكل ية للاحكام وبين تعلقها بعهدة المكلف على انفراده من خلال بيان آلية معينة وميزة خاصة للخطاب القانوني يتوصل عبرها لتحريك المكلف ودفعه صوب الامتثال . . فان مثل هذه النظرية لم تطرح في المعالجات البحثية بشكل متناسب مع اهميتها وخطورتها مما دعت الحاجة الى ضرورة بيانها وعرضها على المستوى التصوري والمستوى التصديقي وتقصي الاثار والنتائج الواسعة المترتبة على هذه النظرية فقهيا واصوليا . .

ومن هذا السنخ ايضا الدراسة التي تصدت لبحث طبيعة النسبة بين الاحكام الاولية وبين الاحكام الثانوية وهل هناك تناف قائم بينهما او تبقى الاحكام الاولية محافظة على مكانتها وموقعيتها ؟

ويطالع القارئ ايضا في هذا العدد الخاص من المجلة بعض الدراسات التي طالت نطاق الخطوة الرابعة وسعت الى الوصول لتحصيل مركب النمط الاصولي الذي يعبر عن الاتجاه العام للذهنية الاصولية للامام الخميني والمدرسة الاصولية التي بناهاببنات افكاره وثمرات اجتهاده . . وذلك عن طريق تقصي نظرياته الاصولية ثم الانتزاع منها منظومة متسقة ومجموعة منسجمة . .

ومثل ذلك نراه ايضا في الدراسة التي حاولت اكتشاف معالم النظريات العامة في الدائرتين الرجالية والحديثية والموقف تجاه تقييم المصادر الحديثية . . وتحديد القواعد العامة في التوثيق وضوابط الجرح والتعديل للرواة وكذلك بعض التوثيقات الخاصة . . وكيفية ممارسة فقه الحديث وسياسة التعامل مع الروايات . .

ان هذه النماذج من الدراسات الاجتهادية ترسم صورة متالقة عن مدى العمق والدقة التي توفر عليهما السيد الامام (قدس سره) . . فلم يكن مجتهدا مستسلما للقناعات العلمية السائدة . . بل راح يقيم تلك القناعات ويحاكم النصوص ويخرج منها بقراءة اجتهادية خاصة . .

ونحن نامل من خلال ذلك فتح الباب على مصراعيه امام ذوي الخبرة والاختصاص الفقهي للغوص اكثر في التراث المعرفي لهذه الشخصية الكبيرة التي جسدت قوله تعالى ايما تجسيد ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون ) حيث نال شرف النفرين : النفر الاول وهو الكفاح والثورة والجهاد السياسي في سبيل اعلاء كلمة اللّه وتثبيت كلمة التوحيد في ارض الجاهلية الجدباء واحياء الدين من جديد وبعث روح الرفض لاصنام العصر والاستكبار العالمي وشياطين العصر . .

واما النفر الثاني وهو توعية الامة وهدايتها نحو اللّه بمنتهى الحنكة والحكمة والموعظة الحسنة . . فكل من النفرين قد شكل عنصرافي النهضة الدينية المعاصرة . . فان المشروع السياسي الجماهيري الاسلامي لا ينهض باعبائه غير الفقيه المتخصص ولايليق بغيره . .

ولا الميدان التخصصي النظري المجرد عن الاهداف الرسالية والاغراض الشرعية بمنتج . . بل يكون عبارة عن دوران في حلقة مفرغة وحركة عقيمة لا تخلق في الواقع رشدا ولا تمنح هدى . .

فلم يكن النفر الاول منفصلا عن النفر الثاني . . وانما انطلق في برنامجه السياسي ونهضته الاجتماعية على اسس معرفية اجتهادية . .

وقد جمع (قدس سره) بين هاتين الحسنيين . . وقد من اللّه عليه بالنصر وتحقيق اهدافه الرسالية . . فجزاه اللّه عن الاسلام والمسلمين خيرا . . . . ونعم اجر العاملين . .

. . ولا حول ولا قوة الا باللّه . .

رئيس التحرير

نظرية الامام الخميني (قدس سره)

في الاحكام الثانوية

آية اللّه الشيخ محمد اليزدي

الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على تمام عدة المرسلين محمد وآله الطاهرين المقدمة :

ليست الاحكام الشرعية فقط هي الاوامر والنواهي الصادرة من اللّه تعالى تكليفا على العباد ايجابا او تحريما اوترجيحا او اباحة على القول بالاباحة الشرعية ، بل المشروعات التي تتضمن الحلية والحرمة او الصحة والفسادمثل قوله تعالى :( احل اللّه البيع وحرم الربا ) ((1)) و ( حرمت على كم الميتة والدم ولحم الخنزير ) ((2)) و( حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم . . . ) ((3)) ، ومثل قوله (عليه السلام) : «لا وقف الا في ملك» ((4)) و «لا رضاع بعد الفطام» ((5)) ، وكذلك الحدود والتعزيرات وما جعل في اختيار الولي والحاكم بل نفس الولاية المطلقة ، كل ذلك احكام شرعية لابد من رعايتها وعدم التعدي عنها ، ولا اقل في هذا المقام وان كان يصدق على بعضها الحق مع انه حكم الهي .

وكذلك ليس الوصف الاولي والثانوي للاحكام من الاوصاف الشرعية وحقائقها المجعولة بيد الشارع حتى نتفحص عن ضوابطها وحدودها في لسان الشرع عند جعل الاحكام .

بل هما مستعملان في كلمات الاصحاب سيما الاصوليون منهم في تقسيماتهم بملاحظة الخصوصيات الراجعة اليها .

تعريف الحكم الاولي والثانوي :

وعندهم ان الاحكام الاولية : هي الاحكام المجعولة على نفس طبائع الموضوعات وعناوينها بما هي عليهاوتكليف العباد بما هم كذلك من غير ملاحظة ظرف خاص او حالة خاصة ، مثل :

الاضطرار والاكراه والحرج والضرر حتى السهو والنسيان ، بل العلم والجهل والشك ، وكذلك الحقوق المجعولة لهم بما هم كذلك .

وعليه فمثل وجوب الصلاة على كل حال ووجوب الحج على المستطيع كذلك وحق القصاص لولي الدم وقطع يدالسارق والسارقة ، وجعل الديات وعدم تاثير الرضاع بعد الفطام في نشر الحرمة وعدم صحة الوقف في غيرالملك ، كل ذلك احكام شرعى ة اولية وان كان الفرق بين الحكم والحق كما فصل في محله ان الاول لا يتغيرباختيار المكلف والحق قد يكون لصاحبه الغمض عنه .

ومن التعريف المذكور يعرف معنى الوصف الذي ذكر ؛ فان المكلف في مقام الامتثال قد يقع في اوضاع وظروف تمنعه عن الاطاعة ، فلا يتمكن من الاتيان بها ، مثل المرض والحرج والضرر والاكراه وما شابه ذلك ،فيترك الواجب او يقترف الحرام مثل اكل الميتة ، فحكمه في هذه الحالات هو الحكم الثانوي .

نعم ، الحالات الطارئة لابد وان تكون لا عن اختيار المكلف وايقاعه نفسه فيها فرارا عن التكليف والا يعاقب على ترك الحكم الاولي ، قال تعالى : ( فمن اضطرفي مخمصة غير متجانف لا ثم فان اللّهغفور رحيم ) ((6)) وقال :( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه ) ((7)) ، فالاضطرار اذا كان عن بغي وعدوان او عن جنف لاثم فلا يكون موضوعا للحكم الثانوي ولا يترتب عليه نفي الاثم وغفران الذنب ، بل الاثم في ترك الحكم الاولي باق ؛ لان الحكم باق ، ولا وجه لنفيه .

وبناء على هذا التعريف للوصف الاولي والثانوي فان طرو الجهل او الشك في الاحكام الاولية حال الامتثال ايضا من الحالات الماخوذة في موضوع الحكم الثانوي ؛ فان قوله (عليه السلام) :

«اذا شككت فابن على الاكثر» ((8)) ، اي في الركعات او «اذا شككت فابن على ما كان» ((9)) في الاستصحاب وسائر الاصول العملية قد اخذ الشك في موضوع الحكم ، وكذلك قوله (عليه السلام) : «كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر» ((10)) قد اخذ الجهل في موضوع الحكم ، وعليه فجميع الاحكام الظاهرية تصلح ان تعد من الاحكام الثانوية الحاكمة ما دام الشك والجهل موجودان .

وقد ظهر مما ذكرنا ان الاحكام الثانوية ايضا احكام شرعية ، وانها محدودة ومقيدة بالحالات الطارئة ، فمادامت تلك الحالات متحققة فتلك الاحكام ايضا متحققة ؛ فان الضرورات تتقدر بقدرها .

وكذلك ظهر ان الاحكام الحكومية الصادرة عن ولي امر المسلمين والفقيه الولي على اساس مصالح الامة ودفع المفاسد والمضار عنهم اذا تعارضت مع الاحكام الاولية مثل جعل الضرائب في اموالهم والتصرف في املاكهم واراضيهم بل بيوتهم ومساكنهم في حالة احداث الشوارع والطرق اللازمة ، بل حتى تخريب المسجد او المعبد اذاكان ضرارا بالمسلمين ، وتعطيل بعض الشعائر مؤقتا مثل الحج ، كل ذلك يكون من الاحكام الثانوية النافذة ما دامت المصلحة باقية ، وتبطل بعد زوال الحالة الطارئة مهما كانت .

والبحث الى هنا لا كلام فيه ولا خلاف . انما الكلام في تحليل الامر وطريق الجمع بين الحكمين الاولي والثانوي في جميع تلك الموارد .

الجمع بين الحكم الاو لي والثانوي:

لا كلام في ان الاحكام الشرعية لا تكون جزافا ، بل تتبع المصالح والمفاسد النفس الامرية حتى في المخترعات الشرعية الاعتبارية مثل الصلاة والصوم والحج واكثر العبادات ، فاذا كان في وجوب الصلاة والصوم مصلحة وفي حرمة الميتة والدم مفسدة واضطر العبد الى ترك الصلاة والصوم او اكل الميتة والدم فكيف الامر بالنسبة الى تلك المصالح والمفاسد ؟

فقد ذهب كل الى قول :

1 - ظاهر كلمات الشيخ الاعظم الانصاري (رحمه اللّه) تاثير الحالة الطارئة والحكم الناشىء منها في نفس الحكم الاولي وتبدل ماهيته بالحكومة ؛ فيصير الواجب جائز الترك او الحرام جائز الفعل ، الا انه (رحمه اللّه) فصل في المقام بما محصله :

ان الحكم الاولي قد يثبت لموضوعه من حيث نفسه ومجردا عن ملاحظة عنوان آخر طارىء عليه ، كما في اغلب المباحات والمستحبات والمكروهات ، فاذا عرض عنوان آخر حيث لا تنافي بين الحكمين يتبدل المباح بالحرمة كما اذا حلف على تركه او امر الوالد بتركه ، او بالوجوب كما اذا صار مقدمة للواجب او نذر فعله .

وقد يثبت له لا مع تجرده عن ملاحظة العنوانات الخارجية الطارئة عليه ، نظير اغلب المحرمات والواجبات ، فان الحكم بالمنع عن الفعل او الترك مطلق لا مقيد بحيثية تجرد الموضوع الا عن بعض العنوانات كالضرر والحرج ،ولازم ذلك التنافي ، فاذا فرض ورود حكم آخر من غير جهة الحرج والضرر فلابد من وقوع التعارض بين دليلي الحكمين ، فيعمل بالراجح بنفسه وبالخارج .

ثم رتب على ذلك وقال ما حاصله : الشرط اذا ورد على ما كان من قبيل الاول لم يكن الالتزام بذلك مخالفاللكتاب والسنة ؛ اذ المفروض انه لا تنافي بين حكم ذلك الشيء في الكتاب والسنة وبين دليل الالتزام بالشرط ووجوب الوفاء به ، واذا ورد على ما كان من قبيل الثاني كان التزامه مخالفا للكتاب والسنة . فاذا شرط على زوجته ترك التزويج والتسري ، الشرط باطل ؛ لكونه خلافا للكتاب والسنة ، ففي رواية اسحاق بن عمار :«المؤمنون عند شروطهم الا شرطا حرم حلالا او احل حراما» ((11)) ، اما اذا نذر الاتيان بصلاة الليل او صوم يوم كذا يتبدل الحكم ويصير الصوم والصلاة واجبا ((12)) .

وقد اجاب الامام الخميني (رحمه اللّه) في كتاب البيع عن كثير من موارد المناقشة في كلامه (رحمه اللّه) ، ولسنابصدد البحث عنها هنا ، فهو (رحمه اللّه) ممن قد حكم بحكومة الاحكام الثانوية على الاحكام الاولية في اكثرالموارد .

2 - وعن صاحب الكفاية (رحمه اللّه) قال : «من هنا يلاحظ النسبة بين ادلة نفيه - الضرر - وادلة الاحكام وتقدم ادلته على ادلتها مع انه عموم من وجه ؛ حيث انه يوفق بينهما بان الثابت للعناوين الاولية اقتضائي يمنع عنه فعلا ما عرض عليها من عنوان الضرر بادلته كما هو الحال في التوفيق بين سائر الادلة المثبتة والنافية لحكم الافعال بعناوينها الثانوية والادلة المتكفلة لحكمها بعناوينها الاولية» ((13)) .

فكانه (رحمه اللّه) - كما ترى - يعتقد بان الشارع في مقام جعل الاحكام الاولية لا يرى الا الموضوع والمصلحة او المفسدة المقتضية للوجوب او الحرمة ، ولا يحكم بشيء ، بل ينتظر حتى يرى المكلف في مقام الامتثال والعمل ان لم يعارضه مانع فيحكم بالوجوب او الحرمة فعلا والا يحكم بما تقتضيه الحالة الطارئة الفعلية من الامتثال . وهذه عبارة اخرى عن الحكم الاقتضائي والفعلي . وفيه ما ترى ، وسياتي الجواب عنه .

3 - وعن المحقق النائيني (رحمه اللّه) ما ظاهره الميل الى مذهب الشيخ (رحمه اللّه) حيث قال في مسالة اخبار من بلغ : «ان تكون اخبار «من بلغ» مسوقة لبيان ان البلوغ يحدث مصلحة في العمل بها يكون مستحبا ، فيكون البلوغ كسائر العناوين الطارئة على الافعال الموجبة لحسنها وقبحها والمقتضية لتغيير احكامها كالضرر والعسروالنذر والاكراه وغير ذلك من العناوين الثانوية» ((14)) .

فانه (رحمه اللّه) وان لم يصرح بالحكومة ولكن معنى قوله «للعناوين الطارئة على الافعال الموجبة لحسنهاوقبحها والمقتضية لتغيير احكامها» ليس الا حكومة الاحكام الثانوية على الاولية .

وقد ذهب اليه كثير من الفقهاء والاصوليين من المعاصرين ، فقد قال : «علاقة ادلة العناوين الثانوية بادلة الاحكام الثابتة لمتعلقاتها بالعنوان الاولي ، هي علاقة الحكومة ؛ فان ادلة العناوين الثانوية مثل دليل نفي الضررونفي العسر والحرج ناظرة الى ادلة الاحكام الثابتة للعناوين الاولية مثل وجوب الصيام والحج والوضوء» ((15)) .

وقال في موضوع آخر وبعبارة اصرح : «. . . فيرتفع بذلك الحكم المتعلق بذلك الفعل ويحل محله حكم آخربموجب الدليل الوارد في حكم هذا الفعل بعنوانه الثانوي» ((16)) .

وقال زميلنا الفاضل الگيلاني - بعد كلام له في المقام : «ومحصل البحث ان قواعد الاحكام الثانوية حاكمة على قواعد الاحكام الاولية» ((17)) .

وقريب مما عرفت ما في كلمات الاخرين مع اختلاف يسير في التعابيروالمناقشات الجارية والقول بالتخصيص او التقييد وان الاحكام الثانوية وادلتها يخصص عموم دليل الحكم الاولي او يقيده ، فيكون الحكم الاولي في غير مورد الضرر والحرج مثلا وموارد الثانوي كانت خارجة عن شمول دليل الاولي ثبوتا كما في الجمع في كثير من موارد ادلة الاحكام .

وهناك ما نقل عن الشهيد الصدر (رحمه اللّه) في اصطلاحه «منطقة الفراغ» وان الامر فيما اذا لم يكن في الموضوع اقتضاء للحكم وتكون الاباحة عقلية فتاثير الحالة الطارئة مثل الاضطرار مثلا لا كلام فيه نفيا او اثباتا ،اما في الاباحة الشرعية واقتضاء الاباحة فيعارض حكم الحالة الطارئة مع اقتضائه وتاثيره في تبديل الاقتضاء الى المصلحة الملزمة مثلا في الاتيان او المفسدة الملزمة للترك .

فيناقش في اختصاصه البحث بذلك ، والكلام جار في مطلق الاحكام الاولية مع الثانوية ((18)) .

اذا عرفت ذلك فالعمدة في المقام والغرض الاصلي في تسطير هذه السطور هو بيان مبنى الاستاذ الاعظم والفقيه الاقوم الاصولي الفلسفي الحكيم النحرير قائد الثورة الاسلامية ومؤسس نظام الجمهورية الاسلامية في ايران الامام الراحل الخميني (قدس سره) .

وهذا المبنى من مبتكراته العلمية في شتات المباحث الاصولية . وملخص ذلك : ان اللّه تعالى لدى تشريعه وجعله الاحكام حيث يكون عالما حكيما ولا تكون افعاله عبثا وجزافا قد جعل الاحكام على موضوعاتها حسب تناسب المصالح والمفاسد الموجودة فيها وبسببها سواء كانت الموضوعات من الاعيان الخارجية او المخترعات الشرعية من غير لحاظ شيء آخر او حالة من حالات المكلفين وكذلك المخاطب ، والمكلف بهذه الاحكام طبيعة الناس اوالمؤمنين بما هي كذلك من غير لحاظ الطوارئ والعوارض ، فاذا حكم بنجاسة الدم وحرمة الميتة ووجوب الصلاة وحرمة الربا وصحة البيع وشرطية الطهارة ومانعية الموانع واستحباب المستحبات وكراهة المكروهات وحتى اباحة المباحات الشرعية ، لم يلاحظ في الجعل والتشريع الا اصل الحكم المتناسب مع الملاكات الموجبة لطلب الفعل او الترك او المقتضية لامور عرضية .

وتلك الامور والملاكات مما لا يتغير في نفس الامر ، وهي ليست بالحالات الطارئة على المكلف مثل الضرروالعسر والحرج او النذر والعهد والقسم ، ولا وجه ولا معنى للتغيير والتاثير فيها سواء ما كانت في الاعيان اوفي المعتبرات والمخترعات التي يكون امرها بيد المعتبر وضعا ورفعا ؛ فانها ايضا حقائق لها وجودات بعداعتبارها في ذلك العالم يشبه الوجود الذهني .

هذا في الاحكام الاولية على العناوين وطبائعها الكلية ، وقريب من ذلك الاحكام المجعولة على العناوين الطارئة مثل الحرج والضرر والاكراه وما ورد في حديث الرفع ؛ فانه تعالى لم يجعل حكما يعارض الاحكام الاولية حتى يخصصها او يقيدها او يصير حاكما عليها او يجمع بينهما بالاقتضاء والفعلية .

بل رفع الاثم وغفر الذنب وقال : ( فلا اثم عليه ان اللّه غفور رحيم ) ((19)) وفي حديث الرفع كذلك رفع المؤاخذة والعقاب على ما فعل من الحرام او ترك من الواجب ، فراجع الابحاث المبسوطة في الحديث الشريف كماهو مطروح في الاصول .

فكان الشارع عندما يرى المكلف في مقام الامتثال والاطاعة مبتلى بحالة من تلك الحالات التي تمنعه عن الامتثال ويراه انه غير عامد في ذلك وغير متجانف لاثم في ذلك الابتلاء ، يراه متعذرا معذورا من غير تغيير في نفس الاحكام وتغير في المصالح والمفاسد فيراه مبتلى بفوات المصلحة او الوقوع في المفسدة لا عن اختيار ، فهذه الحالات اعذار غير ارادية توجب فوات الاحكام ، وليس الكلام في تقابل المصلحتين او المصلحة والمفسدة وتعارضهما وتقدم الاهم والمهم ؛ فانه لم يجعل في مقام الامتثال والابتلاء بالحالات حكما خاصا بملاك خاص .

ويمكن ان يعبر عن ذلك بان المولى العادي يتحمل فوات المصالح والابتلاء بالمفاسد ، ولا طريق له للعقاب ،فيعفو عن العبد في ارتكابه الخلاف او تركه الواجب .

وعليه فلم يتغير الحكم الاولي عما كان عليه من قبل ، وقريب من ذلك الامر في الاحكام الظاهرية ، فانها لاتوجب التغيير في الاحكام الاولية الواقعية وان كان على المكلف العمل بما هو تكليفه في حال الجهل اوالشك .

هذا بتقريب منا ، ونشير الى بعض عبارات الامام الراحل (قدس سره) شاهدا على ذلك :

1 - قال الاستاذ الاكبر الامام الراحل (رحمه اللّه) - عند الكلام في الشرط ضمن العقد : «. . . عدم تغير احكام الموضوعات الثابتة لها بالادلة الاولية بعروض الطوارىء المتعلقة بها الاحكام الثانوية عليها كالشرط والنذروغيرهما» ((20)) .

2 - وقال في مقام آخر : «ان العناوين الثانوية كالشرط والنذر والعهد اذا تعلقت بشيء لا تغير حكمه ، فاذا نذرصلاة الليل او شرط فعلها على غيره لا تصير الصلاة واجبة ، بل هي مستحبة وكما كانت قبل التعلق ، وانماالواجب هو الوفاء بالشرط ، ومعنى وجوبه لزوم الاتيان بها بعنوان الاستحباب ، فالوجوب متعلق بعنوان والاستحباب متعلق بعنوان آخر ، ولا يعقل سراية الحكم من احد العنوانين الى الاخر ، والمصداق المتحقق في الخارج - اي مجمع العناوين - هو مصداق ذاتي للصلاة وعرضي للنذر ، ولا يجعلها النذر متعلقة لحكم آخر ،وكذا الحال في الشرط» . ((21)) 3 - وقال ايضا جوابا عما جمع به صاحب الكفاية (رحمه اللّه) : «القول بان قضى ة الجمع بين ادلة الاحكام الاولية والثانوية حمل الاولي على الحكم الاقتضائي في مورد التنافي ، فيه اشكال ؛ لان الميزان في باب الحكومة والجمع العقلائي هو مساعدة فهم العرف لذلك ، والا فمجرد كون الدليل متكفلا للاحكام الثانوية لا يوجب الحكومة ولا الحمل المذكور» ((22)) .

4 - وقال في موضع آخر : «فكما لصاحب الحق ان يرفعه باسقاطه كذلك له ان يدفعه بالقرار في ضمن العقد ،وكذا الحال في اشباه المقام ، فللزوج ان يشترط في ضمن عقد النكاح على زوجته عدم حق القسم لها ، فيكون الشرط دفعا لحقها لا تصرفا في الحكم الشرعي ، ولا تقييدا لدليل القسم» . ((23)) 5 - وقال عند الكلام في شرط ترك التزويج والتسري جوابا عن توجيه الشيخ (رحمه اللّه) ((24)) : «مع ان التوجيه المذكور فاسد ؛ لما تقدم من عدم تغير احكام الموضوعات الثابتة لها بالادلة الاولية بعروض الطوارئ المتعلقة بها الاحكام الثانوية عليها كالشرط والنذر وغيرهما ، فالتسري والتزويج مباحان بعد الشرط كما كاناقبله» ((25)) .

ولعله يكفيك ما اشرنا اليه شاهدا على مبنى الاستاذ (رحمه اللّه) ، وكان كثيرا ما يناقش المحقق الاصولي الفلسفي محمد حسين الاصفهاني (رحمه اللّه) في مقام بيان المبنى بالاشارة الى الخلط بين التكوين والاعتبار وان ملاكات الاحكام المصالح والمفاسد وان كانت هي العلل الاصلية لجعل الاحكام وتشريعها ، وتاثيرها في ذلك وان كان قهريا خارجا عن اختيار المشرع الا ان ذلك تام في الاعيان والتكوين . واما في المخترعات الشرعية والاعتباريات التي تكون بيد المعتبر اثباتا ونفيا فكما ان بيده وضع العلية والسببية والشرطية وامثال ذلك بيده ايضا رفعها او ايجاد الفاصلة بين السبب والمسبب في عالم الاعتبار واعتبار ما لا يمكن في العين وان كثيرا من اشكالات المحقق الاصفهاني (رحمه اللّه) ناشئة عن الخلط بين التكوين والاعتبار ، وليس هنا مقام تفصيل الكلام .

واما ما يتوهم من ان الاحكام الصادرة من الحكام وولاة الامر الشرعيين ليست احكاما اولية ولا ثانوية ، بل لاتكون احكاما شرعية فظاهر البطلان ؛ فان نفس الولاية من الاحكام الشرعية الاولية مجعولة بادلتها المفصلة كتابا وسنة وعقلا بل اجماعا كما فصلناه في فقه القرآن ((26)) ، والولي الشرعي لا يحكم بحكم حكومي الا على اساس المصلحة للامة ورعاية الغبطة في اطار خاص يكون على عاتقه ، وما ينشا من الحكم الشرعي الاولي هوايضا حكم شرعي اولي ، وان ابيت عن ذلك بلحاظ رعاية المصالح وتغيرها وعدم الدوام والابدية في كثير منهافهو حكم شرعي ثانوي ، كما لا يخفى .

وفي الختام نشير الى بعض ما حكم به الاستاذ الاعظم الامام الخميني (رحمه اللّه) طليعة ولايته الشرعية قبل انتصار الثورة وبعدها على اساس الحكم الولائي الحكومي :

مثل : الحكم بلزوم مشاركة النساء في المظاهرات الثورية واطلاق الشعارات ضد نظام الطاغوت الحاكم ولو من غير رضاء الازواج والاباء ، وبالحكم صارت الاجتماعات اضعافا مضاعفة واثر ذلك في تسريع الثورة وانجاحها .

ومثل : الحكم بخروج الناس من بيوتهم يوم اعلن الطاغوت الحكومة العسكرية وهدد الثوريين ، وقد راينا اطاعة الناس وخروجهم بحيث قد سقط النظام الظالم في ذلك اليوم ، كما هو مذكور في تاريخ الثورة الاسلامية في ايران .

ومثل : احكامه (رحمه اللّه) في سنوات الحرب المفروضة على ايران بالنسبة الى كثير من المسائل والامور التي لم تسمح الظروف بالتصميم والعمل بها عن طرقها المتعارفة العادية سيما الحكم بتشكيل شورى المصلحة التي صارت من الاصول في الدستور بعد عشر سنين بعد اصلاحه وقضيته مشهورة وحكمه مسطور لا نطيل الكلام بذكره .

وتلك الاحكام وما شابهها احكام شرعية يجب اطاعتها ويحرم التخلف عنها ، ولولا ذلك لم يكن لتحقق الولاية معنى ولكان مخالفا لاساس تشريعها ، كما هو ظاهر .

خلاصة البحث :

طرق الجمع بين الاحكام الاولية والثانوية اربعة :

الاول : حكومة الثانوية على الاولية ، ذهب اليه الشيخ الانصاري وتبعه آخرون .

الثاني : التخصيص والتقييد للاولية بالثانوية ، تجده في كلمات بعض الاعلام .

الثالث : الاقتضاء في الاولية والفعلية في الثانوية ، ذهب اليه صاحب الكفاية .

الرابع : بقاء الاولية على حالها في جميع الحالات من غير تغيير وتاثير من ناحية الثانوية والمكلف معذور لا اثم عليه في الحالات الطارئة ، وهذا راي الامام (قدس سره)، وهو الحق .

والحمد للّه اولا وآخرا ظاهرا وباطنا

تجارة السلاح في ضوء الاراء الفقهية للامام الخميني (قدس سره)

الشيخ صفاء الدين الخزرجي

 المقدمة :

يعيش عالمنا المعاصر سباقا تسليحيا مذهلا وواسعا ؛ نظرا لما يتميز به السلاح من دور مهم في حياة الشعوب والدول ، حيث يعد مظهرا بارزا من مظاهر القوة والاقتدار لديها . ومن هنا فقد حرصت البشرية -ومنذ القدم - على حفظ وصيانة هذه القدرة وتطويرها ، بل والاستئثار بها .

لقد كانت - ولا زالت - مسالة الحرب والسلم من المسائل التي تشغل ذهن المجتمع الانساني منذ الفجر الاول وحتى عصرنا الراهن ، فلم تنعم الانسانية بالسلام ولم يهدا لها بال طوال قرون متمادية ، حتى قيل : ان الانسانية لم تنعم بسلام حقيقي خلال عشرات القرون الا فى فترات لا تعدو القرنين او الثلاثة ، وان الوضع الطبيعي هو الحرب ، والاستثناء هو السلام ((27)) .

وهذا امر واضح وجلي اذا ما القينا بنظرة الى تاريخ الشعوب والامم السابقة ؛ فقد كان اليونان يعتبرون انفسهم عنصرا ممتازا وشعبا فوق الشعوب الاخرى ؛ من حقه اخضاع هذه الشعوب والسيطرة عليها ، ومن هناكانت علاقاتهم بهذه الشعوب تحكمية لا ضابط لها ، وكانت في الغالب علاقات عدائية ، وحروبا مشوبة بالقسوة ؛ لا تخضع لاي قواعد ، ولا تراعى فيها اية اعتبارات انسانية ((28)) .

ولم تكن الامبراطورية الرومانية تختلف كثيرا عن العهد اليوناني ، فقد كانت روما العليا تطمح الى السيطرة على العالم وضم اكثر عدد ممكن من الاقاليم اليها من خلال حروبها التي دامت عشرة قرون ، فرضت فيها نفسهاعلى العالم بالسيف والقوة ، وصارت مركزا لاعظم دولة قديمة ظهرت في التاريخ يحميها جيش قوي دائم تحت السلاح .

والخلاصة : لقد عظم الرومان الحرب حتى نصبوا لها الاله : «مارس» ، وعظمها اليونان فنصبوا لها الاله :«زيوس» ، وقدسها المصريون القدماء فصنعوا لها الاله : «حورس» ((29)) .

واما الحرب في الفكر الديني المحرف كاليهودية ، فلم يكن الامر فيها احسن حالا مما سبق ، فالديانة اليهودية تعتبر الحرب فيها حربا ابادة واستئصال لكل معالم العدو ، جاء في الاصحاح الثالث عشر في تثنية الاشتراع في العهد القديم : فضربا تضرب سكان تلك المدينة بحد السيف ، وتحرمها بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف ،تجمع كل امتعتها الى وسط ساحتها ، وتحرق بالنار المدينة وكل امتعتها ((30)) .

واما الديانة المسيحية ، فهي وان عرفت بالدعوة للسلام لدى اتباعها حتى انهم ليرددون : ( ان المسيحية والسلام توامان لا يفترقان ) ، الا ان الواقع العملي يشهد بتاريخ دموي في القتل والدمار ، فبالحرب نشرالمسيحيون عقيدتهم في عشرة قرون كاملة ، ثلاثة منها قبل ظهور الاسلام ، وسبعة اخرى بعد مجيءالاسلام ((31)) .

وفي العصر الجاهلي وقبل ظهور الاسلام كانت الحرب سجالا بين القبائل والاقوام ، ولاتفه الاسباب والدواعي .

موقف الاسلام من الحرب :

ظهرت الدعوة الاسلامية في مجتمع كان يرى الحرب والاعتداء على الاخرين امرا حياتيا وطبيعيا ، بل هي ممارسة يومية مسموح بها لكل فرد ، ويعدون عكس ذلك منقصة . وقد لبثت الدعوة الاسلامية اربعة عشر عاماتدعو قومهاالذين ولدت بين اظهرهم - بالسلم ؛ لان السلم يمثل هدفا راقيا من اهدافها ، وقيمة عليا من قيمها ؛اذ قوة الدعوة الاسلامية لم تكمن يوما في قوة سلاحها وعدتها ، بل هي كامنة في قوة مبادئها ورسالتها .

وبعد انتظار طويل ومشاق كثر تحملها صاحب الرسالة (صلى اللّه عليه و آله) واذى لحقه ومن تبعه من المسلمين ، اذن لهم بالمواجهة والدفاع عن النفس والدين ، فقال عز من قائل : ( اذن للذين يقاتلون بانهم ظلمواوان اللّه على نصرهم لقدير ) ((32)) .

ومن هنا نفهم ان مبدا القتال في الاسلام لم يكن يوما ذا طبيعة عدوانية او تسلطية ، بل هي طبيعة وقائية ودفاعية ، فليس ثمة مجال لما يتقوله مناؤو الاسلام من المستشرقين وغيرهم من ان الاسلام نشا وانتشرتحت ظل السيف والقهر ؛ ذلك لان العقيدة لا تنبت بالسيف ، ولا تروى بالدم ، بل منبتها العقل والقلب ، ورواؤهاالدليل والبرهان .

اجل ، حرص الاسلام على ان يظهر بمظهر القوة والغلبة ؛ ليكون التهديد والارعاب هو الاسلوب الاخر عندما لايرعوي الكفار عن غيهم وتمرهم ضدالدعوة الاسلامية ، وعندما تستنفد جميع الاساليب السلمى ة - بالحكمة والموعظة الحسنة - اغراضها ، فلا يبقى امام الدعوة لشق طريقها الا القوة ، ومن هنا فقد امر عز شانه المؤمنين باعداد العدة واسباب المنعة ؛ لارهاب العدو وصيانة الكيان الاسلامي ، فقال في كتابه العزيز :( واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو اللّه وعدوكم وآخرين من دونهم لا تع لمونهم اللّهيعلم هم ) . ((33)) وعلى ضوء ذلك فقد ورد الردع والتحذير في السنة الشريفة عن التفريط بهذه القوة وتعريضها الى الخطر ؛وذلك ببيع السلاح ونقله الى اعداء الدين ، واعتبرت بعض النصوص الاسلامية ذلك على حد الشرك ، ففي وصية النبي (صلى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام) : «يا على ، كفر باللّه العظيم من هذه الامة عشرة : القتات - الى ان قال : - وبائع السلاح من اهل الحرب» ((34)) .

كما انه قد نهى الائمة المعصومون (عليهم السلام) عن التجارة بالسلاح حال الحرب مع دول الكفر المجاورة لبلاد الاسلام ، كبلاد الروم مثلا ، وكذلك الى الحكومات الجائرة والمنحرفة ، كالدولة الاموية والعباسية آنذاك ،كل ذلك صيانة لهذه القدرة وحرصا على عدم التفريط بها .

اهمية البحث ترتبط هذه المسالة بفقه الدولة المعاصرة سواء كانت الدولة طرفا في المعاملة ، او كانت المعاملة تحت اشرافها ؛ ولذا فقد عد الامام الخميني (رحمه اللّه) المسالة من شؤون الدولة والحكم ، ومن الامور السياسية التابعة للمصالح العامة ومقتضيات الزمان التي لا يجوز لغير والي المسلمين البت فيها ، حتى عد من صلاحياته فسخ المعاملة الواقعة من آحاد المكلفين ، اذا كانت على خلاف المصلحة ((35)) .

ولا يفوتنا التنبيه على ان اعتبار المسالة من فقه الدولة لا يعني بالضرورة اختصاصها بقيام الحكم الاسلامي ؛لان ذلك من وظائف سائر الحكومات الاسلامية ولو لم تكن شرعية على ما يراه الامام الخميني (رحمه اللّه) ((36)) ، نعم تتضاعف اهمية المسالة وموضوعيتها في زمان قيام الحكم الاسلامي ، كما في عصرنا الحاضر .

منهجية البحث :

من المهم جدا تحديد منهجية البحث وتشخيص طبيعته ، ويختلف ذلك باختلاف الكشف عن الملاك والنكتة المؤثرة في استنتاج الحكم ؛ فمن يقصر النظر فيه على خصوص منطوق النصوص الواردة - من دون نظرالى نكتة اخرى - فانه يرى الحكم حينئذ منوطا بالمدلول المطابقي لها ، اقتصارا على مفاد الاخبار خاصة . وامامن يلحظ ذلك منوطا بالمصالح والمفاسد لوضع المسلمين وكيانهم ، ولا يرى للنصوص الواردة مفادا خاصامغايرا لحكم العقل ، بل يراها امتدادا وتطبيقا له ، فان المسالة حينئذ تكتسب طابعا سياسيا في الفقه الاسلامي .

فهنا اذن منهجان او تكييفان فقهيان في المسالة ، وتترتب على ذلك ثمرات سنشير اليها لاحقا .

وحيث ان البحث في هذه المسالة قد لوحظت فيه آراء الامام الخميني (رحمه اللّه) بشكل خاص ، فانا سوف نشير بعد بيان رايه في المسالة الى مميزات وخصائص المنهج المختار الذي بنى عليه رايه والذي يعد من منفرداته الفقهية في المقام التي خالف فيها الراي المشهور وغير المشهور في آن واحد ، وذهب الى راي جديدتبعه عليه بعض تلامذته .

محاور البحث :

يمكن تصنيف البحث في عدة محاور رئيسة :

اولا : تحديد موضوع المسالة .

ثانيا : نصوص المسالة والصور المستفادة منها .

ثالثا : الحكم التكليفي .

رابعا : الحكم الوضعي .

اولا - تحديد موضوع المسالة :

ثمة مفردات اشتمل عليها عنوان المسالة ، ينبغي التوقف عندها وتوضيحها لتحديد الموضوع وتشخيصه قبل بيان الحكم ، وهذه المفردات هي عبارة عن ثلاثة عناوين : السلاح ، الاعداء ، الدين ، ويتم توضيحها ضمن نقاط على ضوء كلام الامام الراحل (رحمه اللّه) ((37)) .

1 - المراد بالسلاح : لا شك ان في كل عصر سلاحا رائجا ومتعارفا عند اهله ، وهو المقصود في موضوع المسالة ، دون السلاح المنقرض الخارج عن الاستعمال ، كالموضوع في المتاحف نحو : السيف والنبل والحجارة والمنجنيق مثلا ، فلو اريد من شراء الاسلحة القديمة اقتناؤها والاحتفاظ بها في المتاحف وما شابه فلا شبهة في الجواز حينئذ ؛ لخروجها عن موضوع المسالة ((38)) .

2 - المراد بالعدو : ان المقصود من العدو - كما يذكره السيد الامام (رحمه اللّه) - ليس هو مطلق العدو الشامل لكل من خالفنا في الدين ، بل هو خصوص الدولة المخالفة للاسلام او الطائفة المعادية للحق واهله ، وعليه فانه يجوز بيعه الى يهودي مثلا يعيش في بلد المسلمين ؛ فانه وان كان مخالفا لنا في الدين ولكنه خارج عن موضوع المسالة ((39)) .

وقال المحقق الكركي : «لا مانع من ان يراد بالمسلمين :

المسلمون حقيقة ، والخوارج والغلاة ونحوهم داخلون في اعداء الدين» ((40)) .

وقد استدل لهذا التعميم بالاشتراك بالوصف ، وهو :

(1) - الاعانة على الحرام المنهي عنه ((41)) .

(2) - العداوة للدين الوارد في اخبار المسالة ((42)) .

ويرى بعض الفقهاء شمول هذا العنوان للبغاة و قطاع الطريق والمحاربين ايضا ، قال الفاضل المقداد : «اعداءالدين اعم من ان يكونوا مشركين او بغاة ، بل اعم من ذلك ، فلو باعه على قطاع الطريق وشبههم حرم ايضا» ((43)) .

بل كل من يعادي اهل الحق من الغلاة والخوارج ؛ لانهم اعداء الدين بلحاظ المخالفة وكونهم حربا ((44)) .

وعلى ضوء ذلك فان عنوان «العدو» لا يختص بالمشركين واهل الحرب من الكفار ، بل هو شامل لجميع من يعادي المذهب الحق ودولته ، كما يستفاد ذلك من بعض نصوص المسالة ، مثل حسن او صحيح ابي بكرالحضرمي ، قال : دخلنا على ابي عبداللّه (عليه السلام) ، فقال له حكم السراج : ما تقول فيمن يحمل الى الشام السروج واداتها ؟ فقال : «لا باس ؛ انتم اليوم بمنزلة اصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) انكم في هدنة ،فاذا كانت المباينة حرم عليكم ان تحملوا اليهم السروج والسلاح» ((45)) .

3 - المقصود من الدين : قد ظهر من خلال النقطة السابقة : ان المراد من لفظ «الدين» الواقع في موضوع المسالة ، هو الاعم من المذهب الحق ، كما يدل عليه ظاهر النص وصريح الفتوى .

ثانيا - نصوص المسالة والصور المستفادة منها :

قبل البحث في حكم المسالة نذكر الاخبار الواردة فيها اولا ؛ لنقف على مفاد تلك الاخبار ومضامينها ، ثم نذكرالصور المستفادة منها :

اما الاخبار فهي على طوائف ((46)) :

الطائفة الاولى : الروايات المانعة من البيع مطلقا ؛ وهي عبارة عن روايتين :

1 - رواية علي بن جعفر - المعبر عنها بالحسنة اوالصحيحة - في كتابه عن اخيه موسى (عليه السلام) قال :سالته عن حمل المسلمين الى المشركين التجارة . قال : «اذا لم يحملوا سلاحا فلا باس» ((47)) .

2 - رواية الفقيه باسناده عن حماد بن عمرو وانس بن محمد ، عن ابيه ، عن جعفر بن محمد ، عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي (صلى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام) قال : «يا علي ، كفر باللّه العظيم من هذه الامة عشرة . . . - الى ان قال : - وبائع السلاح من اهل الحرب» ((48)) .

وهي - كما قيل - مجهولة بحماد بن عمرو ، وانس بن محمد ، وابيه ((49)) .

وثمة رواية ثالثة لم يتعرض لها الفقهاء في المقام ، وقد تعرض لها السيد الامام الخميني (رحمه اللّه) في مسالة بيع العنب ليعمل خمرا ، وهي فقرة من رواية تحف العقول حيث طبق (رحمه اللّه) قوله (عليه السلام) : «او باب يوهن به الدين فهو حرام محرم ، حرام بيعه وشراؤه وامساكه وملكه» على بيع السلاح .

الا ان الرواية ضعيفة ، كما اعترف به ((50)) .

الطائفة الثانية : ما دل على جواز بيعه مطلقا ، وهي عبارة عن رواية واحدة ، فعن ابي القاسم الصيقل قال : كتب اليه : اني رجل صيقل اشتري السيوف وابيعها من السلطان ، اجائز لي بيعها ؟

فكتب (عليه السلام) : «لا باس به» ((51)) .

وهي مجهولة بالصيقل .

الطائفة الثالثة : ما دلت على التفصيل بين الهدنة والمباينة ؛ اي الحرب ، وهي عبارة عن ثلاث روايات :

1 - ما روي في الكافي والتهذيب عن ابي بكر الحضرمي - في الحسن - قال : دخلنا على ابي عبداللّه (عليه السلام) ، فقال له حكم السراج : ما تقول فيمن يحمل الى الشام السروج واداتها ؟

فقال : «لاباس ؛ انتم اليوم بمنزلة اصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) انكم في هدنة ، فاذا كانت المباينة حرم عليكم ان تحملوا اليهم السروج والسلاح» ((52)) .

وقد عبر عنها في الحدائق ب «الحسنة» وفي مجمع الفائدة - بعد ان ذكر ان اشتراك علي بن الحكم فيهالايضر ؛ لان الظاهر ان المراد به الثقة ، كما ان ما نقله ابن داود عن الكشي من توثيق الحضرمي غير ثابت ؛لعدم عادة الكشي بالتوثيق ، مضافا الى تخليط ابن داود ، و من هنا لم يعب ر عنها بالصحيحة ، بل قال : «انهامؤيدة بالقبول والشهرة» ((53)) .

ومعنى قوله (عليه السلام) : «انتم اليوم بمنزلة اصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)» انكم باقون على دينه بعد موته (صلى اللّه عليه و آله) ، كاصحابه الباقين على صحبته جماعة واحدة رغم وجود المؤمن والمنافق فيهم ((54)) .

ثم ان مورد الطائفة الاولى هو البيع من الكفار والمشركين ، ومورد الطائفتين الاخيرتين سلاطين الجوروالمخالفون ، فلاحظ .

2 - ما رواه المشايخ الثلاثة عن هند السراج قال : قلت لابي جعفر (عليه السلام) : اصلحك اللّه ، اني كنت احمل السلاح الى اهل الشام فابيعه منهم ، فلما عرفني اللّه هذا الامر ضقت بذلك وقلت : لا احمل الى اعداء اللّه ، فقال لي : «احمل اليهم وبعهم ؛ فان اللّه يدفع بهم عدونا وعدوكم - يعني الروم فاذا كانت الحرب بيننا فلا تحملوا ،فمن حمل الى عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك» ((55)) .

والرواية مجهولة بابي سارة الواقع في سندها ، كما لم يوثق راويها هند السراج ، ولم يتعرضوا له في كتب الرجال .

3 - ما رواه ابو عبداللّه البرقي ، عن السراد ، عن ابي عبداللّه قال :

قلت له : اني ابيع السلاح ، قال : «لا تبعه في فتنة» ((56)) .

قال في الحدائق : «وفي التهذيب رواه عن السراد ، عن رجل ، عنه ، وهو الظاهر ؛ حيث ان السراد المذكور انمايروي عن ابي عبداللّه (عليه السلام) بالواسطة . هذاان حمل انه الحسن بن محبوب المشهور بهذا اللقب ، والا فلا ، فيكون الرجل مهملا» . ((57)) وعلى كل حال فهي مقيدة بحال الفتنة ، ومفهومها الجواز في غيرها ؛ بناءا على حجية مفهوم الوصف .

واما الصور في المسالة فهي اربع صور :

1 - الحرب .

2 - التهيؤ للحرب .

3 - الهدنة .

4 - المباينة .

وقد اشير الى هذه الصور في الاخبار ، ما عدا الصورة الثانية ؛ فانه قد اضافها بعض الفقهاء ((58)) ملحقة بصورة الحرب ، على ما سياتي بيانه .

والصورة الرابعة عبارة عن حالة اللاصلح ، سواء كانت هناك حرب او لم تكن بان كان صرف المقاطعة ، قال الامام الخميني (رحمه اللّه) : «والظاهر من «المباينة» التي ذكرت في رواية الحضرمي هي المقابلة للهدنة التي كانت بين اصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ، اي عدم الاجتماع تحت راية واحدة ، وتمايز الفريقين في الحكومة والسياسة» ((59)) .

والظاهر من كلمات بعض الفقهاء - بل اكثرهم ، وسياتي التعرض له في القول الاول - عدم التفريق بين هذه الصورة والصورة الاولى ؛ اي الحرب ، ومن هنا جعلوا المدار في الحكم على صورتي الحرب والصلح فقط ؛وكان لفظ «المباينة» في رواية الحضرمي مفسرة بالحرب في رواية هند السراج .

   

الصفحة التالية