وذهب آخرون - كما سياتي - الى التفريق بينهما؛ فالمباينة
عندهم صورة مستقلة يراد بها ما سوى حال الهدنة، فهي اعم من الحرب، لا مساوية لها، ومفاد الروايتين شيئان، لا شيءواحد . الا انه - كما في الحاشية للسيد اليزدي (رحمه اللّه)
-
لا تعارض بينهما؛ لان الاولى تدل على الحرمة حال الحرب،
والثانية تدل على الحرمة، فهي اعم منها، ولا تعارض بين
المثبتين اذا كان احدهما اعم والاخراخص، فناخذ بهما معا .
وعلى فرض ظهور الاولى في التخصيص . . .الا ان الثانية اظهر،
مع انها اصح سندا
((60)).
ثالثا - في الحكم التكليفي:
يمكن بحث المسالة على مستويين :
الاول : بحسب القواعد العامة .
الثاني : بحسب النصوص الخاصة .
اما البحث على مستوى القواعد : فان هناك عدة قواعد وجملة
عمومات يمكن التمسك بها :
1 - قاعدة حرمة الاعانة على الاثم : والمستند فيها
((61)) :
ا - قوله تعالى : ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الا
ثم والعدوان )
((62)) .
ب - الدليل العقلي على قبح ذلك .
ج - ادلة وجوب النهي عن المنكر .
ومن الواضح : ان البيع اذا تحقق - سواء اخذ القصد فيه، ام
اكتفي بالصدق العرفي على راي بعض الفقهاء
((63))
- حرم .
2 - قاعدة مراعاة المصلحة او الاصلح : والمستند فيها هو العقل .
ولهذه القاعدة عدة تطبيقات فقهية، كالجهاد الابتدائي، وعقد
الهدنة مع المشركين، وغيرهما من المسائل التي يعتبر فيها
وجود المصلحة وعدم وجود المفسدة والضرر، والمرجع في
تشخيص ذلك الامام او الحاكم . وبحثنا من هذا القبيل، فلابد
من ملاحظة المصلحة العامة في هذا البيع،فالمدار في الحكم
عليها .
وقد اختص بهذا الراي من الفقهاء الامام الخميني (رحمه اللّه)
((64)) وبعض من تابعه
((65))، حيث بنى الحكم في المسالة
على القاعدة المذكورة . وسياتي توضيحه والبحث فيه مفصلا
عند التعرض للاقوال .
3 - قاعدة حرمة التقوية على الكفر :
وقد تمسك بها الشهيد الاول
((66))، والمحقق الخوئي
(قدس سرهما)
((67)) لمنع البيع من الكفار خاصة .
4 - قاعدة حرمة التقوية على الباطل :
والمستند فيها هو الادلة الاربعة
((68)) :
فمن الكتاب آية المعاونة المتقدمة .
ومن السنة : المروي عن ابي عبداللّه (عليه السلام) : «لولا ان بني امية وجدوا لهم
من يكتب ويجبي لهم الفيءويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سلبونا حقنا»
((69)) .
ورواية التحف : «وكل منهي عنه مما يتقرب به لغير اللّه تعالى،
او يقوى به الكفر والشرك من جميع وجوه المعاصي . . . فهو حرام محرم بيعه وشراؤه»
((70)) . وهو المستند ايضا في
القاعدة المتقدمة .
وقد تمسك بهذه القاعدة السيد السبزواري (قدس سره) .
5 . قاعدة «دفع المنكر واجب، كرفعه» .
والمدار في جميع هذه القواعد هو احراز النكتة والملاك الثابت
فيها، فمتى ما وجد وفي اية صورة من صور المسالة - وهي :
الحرب، او التهيؤ لها، او الهدنة، او المباينة - ثبت الحكم، وليس
المدار على النصوص والصور الواردة فيها .
وظاهر المتمسكين بهذه القواعد - بل صريح بعضهم، كالسيد
الامام (رحمه اللّه) على ما تقدم النقل عنه في المقدمة - هو
تنزيل وتفسير الاخبار بمقتضى القاعدة ومفادها؛ بمعنى انهم
لم يستظهروا من نصوص المسالة شيئا مغايرا لمضمون القاعدة، فمفاد النصوص عندهم هو من تطبيقات القاعدة الكلية؛ ومن هنا فقدعلق السيد اليزدي (قدس سره) على صورة قصد
الاعانة بقوله : «ولعل من خص الحرمة بهذه الصورة لم
يفهم من اخبار المقام ازيد من حرمة المعاونة على الاثم، وهو
ممن يعتبر القصد في صدقها، فتكون الاخبار مبينة للقاعدة، ومنزلة عليها»
((71)) .
واما البحث على مستوى النصوص : فان الحكم في المسالة
اجماعي في الجملة؛ وهو الحرمة حال قيام الحرب، انما
الخلاف في التخصيص والتعميم، والاقوال في ذلك ثمانية وان
كان مفاد بعضها انما هو على ضوء العمومات والقواعد المتقدمة
لا النصوص، ولكن ادرجناه هنا ضمن الاقوال؛ لكونه واحدا
منها .
وقبل بيان الاقوال نشير الى ان السلاح ينقسم الى قسمين :
دفاعي وهجومي . والكلام يقع اولا في القسم الاول منه، والذي
هو عمدة البحث، وفيه الاقوال التالية :
القول الاول : اختصاص الحرمة بالحرب، وجوازه في الهدنة
لمطلق العدو .
القول الثاني : الحرمة مطلقا .
القول الثالث : الحرمة مطلقا بالنسبة للكفار، والتفصيل بين
الصلح والحرب بالنسبة للمسلمين .
القول الرابع : اختصاص الحرمة بالحرب مع قصد المساعدة .
القول الخامس : الحرمة في حال الحرب، او مع قصد المساعدة
.
القول السادس : الحرمة في حال المباينة، او مع قصد
المساعدة .
القول السابع : ان المدار في الحكم على صدق «التقوية» .
القول الثامن : ان المدار في الحكم على مراعاة المصالح العامة
ومقتضيات الزمان .
وفيما يلي تفصيل هذه الاقوال :
القول الاول :
اختصاص الحرمة بحال قيام الحرب فقط لمطلق العدو؛ الكافر
والمسلم، ومقتضاه التفصيل بين حال الحرب والهدنة،
فالحرمة في حال الحرب، والجواز في حال الصلح والهدنة .
واضاف الشهيد الثاني الى حالة الحرب :التهيؤ لها
((72)) .
وقد نسب المحدث البحراني والسيد اليزدي هذا القول الى
المشهور
((73)) . واختاره الشيخ في ظاهرالاستبصار
((74))،
وهو صريح السرائر و التحرير والتذكرة وحاشية الارشاد والشيخ
في المكاسب والمحقق الكركي، الا انه خص الحكم بحال عدم
الهدنة المساوي للمباينة، ومثله من فقهائنا المعاصرين
السيدالگلپايگاني (قدس سره)
((75)) . وهو ظاهر الاخبار، كما
في الدروس و مجمع البرهان وحاشية الارشاد
((76))،ودلالتها عليه اقوى كما في المختلف
((77))، واوضح كما في
المهذب البارع
((78)) . وعليه نزلت عبارة المحقق في الشرائع
والعلا مة في التذكرة والارشاد والقواعد
((79)) .
وقد استدلوا على ذلك بامور :
الامر الاول : الاخبار، كما اشرنا لذلك، بل قد سمعت : «ان
دلالتها عليه اقوى واوضح»، بل قد خص في السرائر موردها
بحال الحرب
((80))، واما الروايات التي استدل بها على ذلك
فهي :
1 - رواية الحضرمي المعبر عنها ب «الحسنة» او «الصحيحة»
حيث قال (عليه السلام) في سؤال من ساله عن بيع السروج
واداتها : «لا باس؛ انتم اليوم بمنزلة اصحاب رسول اللّه
(صلى اللّه عليه و آله) انكم في هدنة،فاذا كانت المباينة حرم عليكم ان تحملوا
اليهم السروج والسلاح»
((81)) .
2 - رواية هند السراج التي سال فيها ابا جعفر (عليه السلام) عن
حمل السلاح الى اهل الشام،فقال (عليه السلام) : «احمل اليهم؛ فان اللّه يدفع بهم عدونا وعدوكم - يعني الروم - وبعهم، فاذا
كانت الحرب بيننا فلا تحملوا . . .»
((82)) .
وبهما تقيد المطلقات جوازا ومنعا، فتكون دالة على التفصيل
.
((83))
وقد نوقش في الاستدلال بمناقشتين :
المناقشة الاولى : ما افاده السيد الامام (رحمه اللّه) من قصور
الروايتين عن افادة التفصيل المذكور؛ اذ ان للهدنة معنيين،
والواقع موردا للجواز في الروايتين هو احدهما، وعليه فلا
يمكن تعدية الحكم الى المعنى الاخر .
بيان ذلك : ان الهدنة تارة : تتصور بين كيانين سياسيين
مستقلين، لكل منهما مركزه ودولته الخاص ة به .
وتارة : تكون بين كيان ودولة مستقلة مع طائفة وجماعة ممن
يعيشون تحت نفوذها وسلطانها مع اختلافهماوتباينهما في
المذهب والاعتقاد، ولم يكن بينهما حرب او قطيعة كاملة، بل
سكون وهدنة، بحيث يعيشون وكانهم جماعة واحدة، تديرهم
حكومة واحدة .
والنصوص المتقدمة واردة في المعنى الثاني للهدنة؛ حيث ان
تاريخ صدورهما كان في زمن الامامين الصادقين
(عليهاالسلام)، ولم تكن آنذاك للشيعة دولة وكيان مستقل،
بل كان المسلمون جميعا تحت حكومة خلفاء الجور، ولم يكن
في تقوية سلطانهم تقوية لهم قبال الشيعة وحكومتهم؛ لعدم
تشكيلها بعد، بل فيه تقوية للمسلمين في مقابل الكفار .
وقد شبه الامام (عليه السلام) هذا النوع من الهدنة بالهدنة التي
كانت بين اصحاب النبي (صلى اللّه عليه و آله)حيث كانوا
يعيشون كالجماعة الواحدة مع ان فيهم المؤمن والمنافق .
وعليه فلا يجوز التعدي عن مثل هذاالسنخ من الهدنة الى
الهدنة بمعناها الاول؛ وهو فيما لو كان للشيعة دولة وسلطان،
بل لابد من النظر حينئذالى مقتضيات الزمان وصلاح
المسلمين .
بل وحتى الحكم بجواز المعنى الثاني للهدنة الذي هو مورد
الروايتين، انما هو من باب مراعاة المصلحة العامة؛ حيث كانت
تقتضي عضد الحكومة الاسلامية وتقويتها في قبال الدول
الكافرة .
وعليه فالمدار في كلا الهدنتين هو ملاحظة المصلحة
ومقتضيات الزمان، ولا يستفاد من الروايتين امر زائدعما هو
مقتضى حكم العقل، بل هما من باب التطبيق له .
المناقشة الثانية
((84)) : وتبتني على انكار التفصيل المذكور،
ولكن لا مطلقا، بل في خصوص الكفار والمشركين؛ بدعوى
ان مورد الروايتين هو بيع السلاح من حكومة المسلمين
الجائرة، وعليه فبيع السلاح من الكفار اجنبي عن مورد
الروايتين، فيبقى مشمولا للمطلقات المانعة .
الا انه يمكن ان يقال في جوابه - مضافا الى المناقشة السندية
الاتية في المطلقات المانعة - : ان النكتة المستفادة من الروايات
المفصلة هي نكتة واحدة؛ وهي عدم جواز البيع لاعداء الدين
في حال المباينة اوالحرب؛ لانهم يستعينون به علينا . وهذه
النكتة لا تختص بعدو دون عدو، كما هو واضح .
على ان عنوان «العدو» في الكفار اوضح واجلى، بل قد نصت
عليه نفس رواية هند، حيث قال (عليه السلام)فيها : «احمل
اليهم وبعهم؛ فان اللّه يدفع بهم عدونا وعدوكم» يعني الروم . .
. ومن هنا لم يفهم القائلون بهذاالقول خصوصية لمورد
الروايتين، فعمموا الحكم الى الكافر ايضا؛ لان الوصف ظاهر
في التعميم، ولان نكتة التحريم - وهي الاستعانة - واحدة في
الموردين معا .
3 - عموم الرضوي المانع عن التكسب بكل ما فيه وجه من وجوه
الفساد
((85)) .
وقد استدل به صاحب الرياض
((86)) .
4 - خبر السراد او مرسله المنجبر بعمل الاصحاب ووجود ابن
محبوب المجمع على تصحيح ما يصح عنه في سنده، قال:
سالت ابا عبداللّه (عليه السلام) عن بيع السلاح، فقال «لا تبعه في فتنة»
((87)) .
الامر الثاني : اصالة الاباحة، فان الاصل هو جواز البيع، خرج
منه بالدليل بيع السلاح حال الحرب، فيبقى الباقي مدلولا
لاصالة الاباحة
((88)) .
الامر الثالث : استلزام البيع الاعانة على الاثم المحرمة بالكتاب
والسنة
((89)) .
تنبيهات :
التنبيه الاول : يجد الملاحظ لهذا الراي قلة القائل به، مع انه
منسوب الى المشهور، والسر في ذلك يرجع الى ان المسالة قد
طرحت - اساسا - في كتب بعض الفقهاء
((90)) على انها ذات
قولين : قول بالتفصيل بين الحرب والهدنة، وقول بالمنع
مطلقا، وقد عرف ابن ادريس من المتقدمين بالقول الاول،
وذهب الاخرون منهم -كالشيخين واتباعهما، كما سياتي قريبا -
الى الثاني .
نعم، القائلون بالتفصيل اختلفوا في اضافة بعض القيود، كقصد
الاعانة مطلقا، او في غير حال الحرب، اوجعلوا التفصيل بين
الحرب والمباينة، كما انهم اختلفوا في مورده بين مطلق اعداء
الدين، او بين المسلمين خاصة، وهكذا حتى تعددت الاقوال
في المسالة .
وعليه فان اصل المسالة ذات قولين، ودعوى الشهرة المزبورة
انما هي على اصل التفصيل الذى يندرج تحته اكثر من قول،
مع الاغماض عن اختلافها في التخصيص والتعميم وتعيين
المورد .
التنبيه الثاني : اضاف الشهيد الثاني الى صورة الحرب حالة
التهيؤ لها . وهو في محله، وسياتي وجهه في القول السادس .
التنبيه الثالث : انه قد يستفاد من خبر هند السراج البيع مع
قصد المعونة؛ حيث انه (عليه السلام) اعتبر من يحمل السلاح
الى عدوهم ليستعين به عليهم مشركا، مما قد يشعر انه مع
القصد المذكور، وربما يكون ايضامحمولا على المبالغة، او
اعتقاد اباحتها
((91)) .
القول الثاني :
الحرمة مطلقا في الحرب والصلح، وللكفار والمخالفين . وهو
المنسوب الى القدماء
((92))، كالشيخين،وسلا ر
((93))،
وابي الصلاح
((94))، والقاضي، من اتباع الشيخ، والشهيد في
اللمعة
((95)) .
ونسب الى الشرائع
((96))، وفي النسبة نظر، بل منع .
قال الشيخ المفيد في المقنعة : «بيع السلاح لاعداء الدين حرام
((97))»
((98)) .
، وعمله لمعونتهم على قتال المسلمين حرام
والجملة الثانية منفصلة عن الاولى .
وقال الشيخ في النهاية : «وبيع السلاح لسائر الكفار واعداء
الدين حرام، وكذلك عمله لهم والتكسب بذلك»
((99)) .
وقال القاضي ابن البراج فيما يحرم التكسب به : «وعمل السلاح
مساعدة ومعونة لاعداء الدين، وبيعه لهم»
((100)) .
وقال سلا ر في عداد ما يحرم التكسب به : «وبيع السلاح لاعداء اللّه تعالى وعمله»
((101)) .
وقد نزلت عباراتهم على فرض قصد المساعدة، كما هو صريح
الفاضل الابي
((102))، حيث حملها وعبارة شيخه المحقق في
الشرائع على ذلك . وبهذا التنزيل - كما في مفتاح الكرامة - تشعر
عبارة النافع والدروس
((103)) .
كما انه فهم من عباراتهم ارادة الكفار فقط، لا مطلق اعداء
الدين
((104)) .
لكن التامل في عباراتهم السالفة لا يساعد على ذلك؛ بل
يستفاد من ظاهرها الاطلاق؛ سواء قصد المساعدة ام لم يقصد،
وفي مطلق اعداء الدين، فلتلحظ ويدقق فيها .
ثم ان سائر القدماء - عدا من ذكرنا - كالسيدين والقديمين وابن
حمزة، لم يتعرضوا لحكم المسالة، كما لم يتعرض لها الشيخ
في الخلاف و المبسوط .
وعلى كل حال : فقد استدل لهم
((105)) على ذلك
بالاطلاقات المانعة، وهي :
اولا : ما رواه في «الفقيه» من وصية النبي (صلى اللّه عليه و
آله) لعلي (عليه السلام) : «يا علي، كفر باللّه العظيم من هذه
الامة عشرة القتات . . .»، ثم عد منها «بائع السلاح من اهل الحرب»
((106)) .
ثانيا : ما رواه علي بن جعفر الحميري، عن علي بن جعفر، عن
اخيه قال : سالته عن حمل المسلمين الى المشركين التجارة ؟
قال : «اذا لم يحملوا سلاحا فلا باس»
((107)) .
وقد نوقش في الاول منهما :
اولا : بقصور السند؛ لاشتماله على مجاهيل
((108)) .
وثانيا : بما افاده السيد الامام (رحمه اللّه) وهو عبارة عن
مناقشتين دلاليتين :
ا - قصور الدلالة؛ من حيث منع الاطلاق فيها لما اذا لم يكن
خوف منهم ولا في تقويتهم احتمال ضرر على المسلمين، كما
لو كانوا تحت سلطة الاسلام؛ اي ان هذا الاطلاق مقيد بحكم
العقل القطعي بجواز البيع لو لم يكن فيه ضرر على الاسلام،
كما ان الروايات المطلقة في الجواز مقيدة بعكس ذلك،
فلاحظ .
ب - ان الظاهر من «اهل الحرب» هو الجماعة المستعدون
للحرب، او المحاربون فعلا؛ اذ الوصف ظاهر في الفعلية .
ويؤيده ويشهد له التشديد الوارد فيها؛ ووصف ذلك بالكفر باللّه
العظيم الذي لا يقال الا اذا كانت المعصية عظيمة
((109))،
وعليه فالرواية لا اطلاق لها ايضا من هذه الناحية للحرب
والصلح، بل هي مختصة بحالة الحرب فقط .
ويمكن اضافة مناقشة ثالثة للاطلاق المدعى، وحاصلها : ان
هذه الرواية واردة في اهل الحرب، وهم الكفار،فلا اطلاق لها
من هذه الجهة - لاعداء الدين من نفس المسلمين .
وقد صرح بهذه المناقشة النراقي في المستند مستظهرا ذلك
من المهذب وغيره، مستدلا عليه باطلاق الفقهاء«الحربي»
على غير الذمي من الكفار، ولذا يقال لبلاد المشركين : «دار الحرب»
((110)) .
ويناقش في الثاني : بجملة امور ذكرها السيد الامام (رحمه اللّه)
ايضا، وهي :
اولا : ان هذا الخبر وارد بصدد بيان جواز حمل مال التجارة غير
السلاح، لا بيان عدم جواز بيع السلاح، فلااطلاق حتى يؤخذ به
.
((111))
وبعبارة اخرى : ان دلالتها على المنع بالمفهوم، واطلاقه غير
واضح؛ لكونها في مقام بيان حكم المنطوق،ويكفي في صحة
التقييد وثبوت المفهوم تحقق المنع في بعض الصور، كصورة
المباينة او الحرب مثلا .
وان شئت قلت : ان مفهوم القضية بمنزلة النقيض لها، ونقيض
الموجبة الكلية سالبة جزئية، ونقيض السالبة الكلية موجبة
جزئية
((112)) .
ثانيا : انه على فرض التنزل والتسليم بكون الرواية بصدد بيان
حكم بيع السلاح ايضا، لا مال التجارة فحسب، فانه مع ذلك
يمنع اطلاقها لصورة ما اذا لم يكن خوف منهم ولا في تقويتهم
ضرر على الاسلام .
ثالثا : ان موردها هو حمل السلاح الى البلاد المجاورة لبلاد
الاسلام آنذاك؛ وهي بلاد المشركين المعادية للاسلام، وعليه
فالرواية ليس فيها اطلاق لمطلق اعداء الدين
((113)) .
لكن يمكن ان يقال : انه بضميمة باقي الاخبار التي شركت بين
الكفار واعداء الدين من المسلمين بوصف العداوة وبوحدة
التعليل - وهو الاستعانة بالسلاح على المسلمين - يمكن الغاء
الخصوصية عن المشركين في هذه الرواية، فتشمل باقي
الاعداء .
وجميع هذه المناقشات في هاتين الروايتين هي مما اختص به
الامام الخميني (رحمه اللّه) في بحوثه في المكاسب، وتابعه
عليها بعض تلامذته
((114))، ولم اظفر بها لغيره .
وفي الرياض والمستند والمفتاح
((115)) المناقشة في اعمية «الباس» - الثابت بمفهوم صحيحة علي بن جعفر
-للحرمة .
وثمة مناقشة مشتركة فيهما، وحاصلها
((116)) : ان هاتين
الروايتين مطلقتان، يجب تقييدهما بالاخبار الاخرالمفصلة
والمقيدة بحال الحرب . هذا اولا .
وثانيا : انهما معارضتان باطلاق الجواز في خبر ابي القاسم
الصيقل، الذي سال عن جواز بيعه السيوف من السلطان،
فكتب (عليه السلام) : «لا باس به»
((117)) .
اقول : هذه المناقشة مبنية على تسليم الاطلاق فيهما، وقد
عرفنا ان لا اطلاق فيهما بحسب ما افاده الامام (رحمه اللّه) .
ومع ذلك فانه يمكن دفعها - بعد المناقشة فيها بجهالة الصيقل، وعدم معروفية من يروي عنه - بما يلي من كلام الامام
(رحمه اللّه) ايضا، حيث افاد
((118)) : ان الظاهر من «السلطان» في رواية الصيقل ما كان من خلفاءالجور الذي لم يكن في
قباله الا دول الكفر، فيصرفها في دفعهم، وعليه فوزان الرواية
وزان رواية الحضرمي الواردة في الهدنة التي كانت من نحو
هدنة اصحاب رسول اللّه؛ والتي جوزت بيع السلاح في مثل
هذه الهدنة،فتكون رواية الصيقل دالة على جواز البيع
للسلطان حال الهدنة معه بهذا المعنى من الهدنة؛ ليدفع
بذلك السلاح «عدوه وعدونا» على حد تعبير الامام
(عليه السلام) في رواية الحضرمي . وهذا هو مقتضى الجمع
بين الروايات المفصلة بين حال الحرب والهدنة - بهذا المعنى
من الهدنة - وبين الروايات المجوزة مطلقا، كرواية الصيقل .
تساؤل ورد :
هذا تمام الكلام في الاستدلال برواية الحضرمي والمناقشات
المتعلقة بذلك .
وقد يتوجه هنا سؤال او اشكال على مبنى الامام (رحمه اللّه)
حيث انه بنى الحكم على مراعاة المصلحة العامة للاسلام
وحكومته، وعليه فبتنقيح المناط والغاء الخصوصية عن
خصوص المورد، لابد من الالتزام بحرمة كل ما يوجب قوة
الكفار وشوكتهم؛ بحيث يخاف منهم ولو آجلا، ومن اظهر
ذلك ايجاد العلاقات التجارية، مع ان الرواية قد نفت الباس عنه
.
وقد اجيب على ذلك بما حاصله
((119)) : ان ثمة فرقا بين
انواع التجارات والعلاقات التجارية، فرب علاقة جزئية لا
تستوجب قوة العدو، وهذا النوع من التجارة هو الملحوظ في
الصحيحة المذكورة؛ حيث كانت التجارات في تلك الاعصار
من هذا القبيل بما يتناسب مع الامكانات المحدودة آنذاك .
ولكن المجيب دفع ما ذكره فقال : انه يمكن ان يقال : ان
الحكم بالجواز لتلك التجارات الجزئية مبني على فرض الصلح
و عدم قيام الحرب بين الفريقين؛ اذ لا يجوز معاونتهم في
حال الحرب باي نحو كان، وعليه فموردالرواية هو التجارة في
صورة الهدنة لا محالة .
اقول : انه بناء على النكتة التي ارتكز عليها الامام (رحمه اللّه) -
من اناطة الامر بمراعاة المصلحة ومقتضيات الزمان - فان حق
الجواب عن التوهم المذكور في مورد التجارة مع الكفار ينبغي
ان يكون على ضوء النكتة المذكورة، وليس على اساس
التفصيل بين حال الحرب والصلح؛ لان ذلك لا يؤمن لنا
النكتة التي ارتكز عليهاراي الامام، اذ قد تكون هذه التجارة
مضرة بالاسلام حتى في حال الهدنة، فليست الهدنة مطلقا
موردا للحلية والجواز، بل اذا خلت التجارة فيها من الضرر
والمفسدة .
هذا، ومن اجل ضعف الاستدلالات التي استدل بها لهذا القول
وامكان الخدشة فيها، فقد صرح السيد العاملي في مفتاحه : «بان المتقدمين اجل من ان يستدلوا بهذه الاستدلالات الواهية»، ومن هنا فقد احتمل تنزيل عباراتهم على صورة قصد
المساعدة، كما نقلناه عن بعضهم في صدر المسالة .
ثم قال : «واول من فتح باب الوهم للمتاخرين العلا مة في
المختلف فانه لم ينقح المسالة . وعلى هذا تلتئم الكلمة ويرتفع
الخلاف في المسالة الا في اشياء سهلة» .
ثم ايد كلامه هذا ببعض الشواهد فقال : «والا فما كان الشيخان، وسلا ر، وابو الصلاح، والمحقق في الشرائع و كاشف الرموز
والعلا مة، والشهيد في اللمعة وغيرهم، ليحرموا بيع السلاح
لاعداء الدين مع عقد الهدنة معهم عشر سنين - لمكان ضعف في
المسلمين ومخالطتهم؛ لانها منتهى المدة حينئذ - من دون
قصد اعانة ومساعدة، ان ذلك لبعيد؛ لا باعث على ارتكابه مع
امكان التنزيل القريب وشهادة جملة من العبارات بان
هذامرادهم . مع ما في ذلك من اعراضهم عن اصول مذهبهم
والاعراض عن قواعد الجمع بين الاخبار»
((120)) .
ويمكن الاستئناس له بما هو ظاهر الشيخ في الاستبصار من
جواز البيع للكافر اذا علم انه يحارب به باقي الكفار
((121)) .
الا انه مع ذلك كله يصعب مخالفة الظاهر من كلماتهم السابقة
. هذا مع امكان دفع بعض ما ذكره، كاستشهاده بعقد الهدنة في
اقصى مدته الملازم بطبيعة الحال - لجواز البيع فيه؛ اذ قد يقال
بتحقق عقد الهدنة، ومع ذلك يحرم بيع السلاح . بل ان هذا
التفصيل بين الحرب والهدنة في كلامهم هو اول الكلام، وهو
المراد اثباته او نفيه .وصرف الاستبعاد - بان تكون هناك هدنة،
ومع ذلك لا يجيزوا البيع فيها - لا يجدي شيئا؛ اذ قد يكون
دليلهم في ذلك المطلقات الناهية التي تقدم الحديث عنها .
والقدح فيها لا يضر بجلالة شانهم؛ اذ كم له من نظير
في مناقشات المتاخرين لادلة المتقدمين، بل سوف ياتي في
القول الثالث في المسالة ان المنع من بيعه من الكفارمطلقا -
حتى في حال الهدنة - هو راي الشهيد والنراقي والمحقق
الخوئي، مع انهم يلتزمون بجواز الهدنة واقصى المدة مع الكفار، وعليه فلا مجال للاستبعاد المذكور في كلامه بوجه؛ لعدم
الملازمة بين الامرين .
وايضا فان استشهاده بجملة من العبارات - كعبارة كشف الرموز
و الدروس و النافع - لايجدي شيئا؛ لان حجية الظهور في كلام
القدماء اقوى من حجية استظهار الاعلام المذكورين بلا ادنى
شك، خصوصا مع الجهل بالداعي لمثل هذا التنزيل .
كما ان الاستئناس الذي ذكرناه لكلامه من عبارة الشيخ في
الاستبصار ايضا لايقاوم الظهور المنعقد في عبارة النهاية . هذا
مضافا الى ان راي الشيخ في مسالة، قد لايتفق في كتاب واحد،
فضلا عن كتابين .
القول الثالث :
اطلاق المنع بالنسبة للكفار، والتفصيل بين الصلح والحرب
بالنسبة للمسلمين .
ذهب الى هذا القول الشهيد الاول في حواشيه على القواعد
حيث قال : «المنقول ان بيع السلاح حرام مطلقا في حال
الحرب والصلح والهدنة؛ لان فيه تقوية الكافر على المسلم، فلا يجوز على كل حال»
((122)) .
وظاهر التعليل اختصاصه باهل الحرب، لا مطلق اعداء اللّه، كما
نسب له ذلك جماعة
((123)) . وقواه واستظهره النراقي في
((124)) الا انه جعل التفصيل في بيعه للمسلمين بين
مستنده
الصلح والمباينة . واختاره من محققي المعاصرين السيد الخوئي
(قدس سره)
((125))؛ مستدلا عليه بامور :
الامر الاول : بالمطلقات الناهية عن بيعه للكفار، وهي رواية
قرب الاسناد عن علي بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر
(عليه السلام)، ووصية النبي (صلى اللّه عليه و آله) لعلي
(عليه السلام) المروية في الفقيه .
واما الروايات المفصلة بين حال الحرب والصلح - وهي رواية
الحضرمي والسراج - فقد اجاب - وكذا المحقق الايرواني - عنها
بعدم صلاحيتها للتقييد؛ لان موردها سلاطين الجور، وعليه
فلا يكون كلام الشهيدكالاجتهاد في مقابل النص، بل هو
مستند الى النص في المنع
((126)) .
اقول : يمكن الجواب بوجوه :
1 - قد تقدمت المناقشة مفصلا في الروايات المانعة عند الحديث
عن القول الثاني، والذي يرد منها على هذاالقول المناقشات
الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة .
2 - ان تخصيص التفصيل الوارد في روايتي الحضرمي والسراج
بخصوص السلطان الجائر والمخالفين،تخصيص للوارد في
خصوص المورد، ولا داعي له .
بيان ذلك : ان هذه النصوص وان لم يرد فيها السؤال عن قاعدة
كلية وذلك لورودها في مناسبات عديدة بحسب محل ابتلاء
السائل؛ وهو بيع السلاح من سلطان الجور - الا ان جواب الامام
(عليه السلام) وتعليله يمكن استفادة العموم منه؛ اذ الاستعانة
بالسلاح لمحاربة الدين لا تختص بالجائر فقط، بل هي شاملة
للكافر ايضا . كماان الوصف - العداوة - ظاهر في التعميم كذلك،
حيث ورد فيها : «احمل اليهم؛ فان اللّه يدفع بهم
عدوناوعدوكم»؛ يعني الروم . . . بل العداوة فيهم اجلى واوضح، كما تقدم . وعليه فلا داعي لحصر التفصيل بخصوص من ذكر،
فتحمل المطلقات المانعة - على فرض تماميتها - على الروايات
المفصلة .
الامر الثاني
((127)) : قوله تعالى : ( واعدوا لهم ما استطعتم
من قوة ومن رباط ال خيل ترهبون به عدو اللّهوعدوكم و آخرين
من دونهم لا تعلمونهم اللّهيعلم هم )
((128)) .
وتقريب الاستدلال : ان الاية امرت المؤمنين باعداد القوة
والسلاح لارهاب العدو وارعابه، وهو غرض مطلوب في الاية،
وعليه فلا يجوز مخالفته ونقضه بالبيع؛ اذ البيع والنقل نقض
لغرض الاية .
ويمكن الملاحظة عليه نقضا وحلا :
اما نقضا، فلان قوله تعالى في ذيل الاية : ( وآخرين من دونهم
لا تعلمونهم اللّه يعلمهم ) قد فسرت بالمنافقين الذين تخفى
عداوتهم على المؤمنين؛ لتلبسهم بالصلاة والصيام وسائر
شعائر الاسلام الاخرى،وهؤلاء ممن تشملهم الغاية المترتبة
على اعداد القوة؛ وهي الارهاب والارعاب، فالاية تريد تحقق
الارهاب بالنسبة اليهم؛ وذلك باعداد القوة وتخويفهم بها .
هذا، مضافا الى ان وصف العداوة الوارد في الاية : ( ترهبون به
عدواللّهوعدو كم وآخر ين من دونهم ) منطبق عليهم بلا ادنى
شك، وعليه فاللازم ان لا يلتزم صاحب هذا القول بالتفصيل
وجواز بيعه من ائمة الخلاف والنفاق وسلاطين الجور ممن هو
منافق قطعا او اسوا حالا منه؛ وذلك للزوم حفظ السلاح
واعداده في الاية،وعدم جواز نقله بالبيع .
وحينئذ فلازمه سقوط الروايات المفصلة - بين حال الحرب
والصلح في غير الكفار بالمعارضة مع الاية؛ وذلك للامر فيها
بالاعداد لمطلق العدو؛ كافرا، او منافقا .
واما الملاحظة عليه بالحل، فحاصلها : انا نسلم الامر الوارد في
الاية بالاعداد والتهيؤ لكل ما تستلزمه الحرب والمواجهة - من
السلاح والخيل والرجال - الا ان ذلك قد ينتفي عند اكتمال
العدة وبلوغها القدر المتعارف من حصول القوة والمنعة لدى
المسلمين، فيمكن حينئذ القول بجواز بيع صفقة صغيرة من
السلاح - مثلا - بما لايؤثر سلبا على تحقق حالة الارهاب والخوف
لدى العدو، او ان يعلم البائع بان السلاح يستعمل في
حرب الكفار مع مثلهم بحيث لا يبقى عاملا لقوتهم يهدد قوة
المسلمين وقدرتهم .
لا يقال : ان هذا البيان لا يثبت حينئذ جواز البيع استنادا الى
الاية عند اكتمال العدة وحصول القدرة المرجوة .
لانا نقول : ان الامر كذلك، فالاية ليست في هذا المقام؛ اذ
ثمة نصوص خاصة تتكفل حكم المسالة جوازا اومنعا، الا ان
الاية ايضا لا تمنع عن البيع مطلقا حتى في صورة تحقق
القدرة المطلوبة والاعداد الكامل للعدو،كما يدعيه المستدل
بها .
الامر الثالث : قاعدة حرمة تقوية الكفار على المسلمين، ولا
شك ان مثل هذا البيع تقوية لهم في جهة الكفر،وفرق بينه
وبين سقي الكافر مثلا؛ فانه تقوية لشخص الكافر . بل ربما
يستقل العقل بقبح النوع الاول؛ لان تقويتهم تؤدي الى قتل
النفوس المحترمة .
وهذا الوجه قد تمسك به الشهيد ايضا، كما تقدم عنه وتقدم
تقرير السيد الخوئي (قدس سره) له بالشكل المتقدم .
ويمكن الملاحظة عليه نقضا وحلا :
اما النقض، فانه كما يقبح تقوية الكافر في كفره شرعا وعقلا
حال الصلح والحرب، فكذلك يقبح تقوية الظالم والجائر في
ظلمه وجوره في الحالين معا؛ لان تقوية الباطل قبيحة على
كل حال، مع انه التزم بالجواز في حال الصلح مع الحكومات
الجائرة وسلاطين الجور .
واما الحل، فلانا نسلم ان البيع لو استلزم تقوية الكافر في كفره
فهو حرام، ولكن هذا ليس مطلقا؛ اذ قد لايتحقق الاستلزام
المذكور في بعض الصور، كما لو كان الكفار في حرب مع
مثلهم، او كان الغرض من شرائهم للسلاح بيعه او اعطاءه ولو
مجانا لطرف آخر، دون حفظه او استعماله ضدالمسلمين، او
كان قداشترط عليهم التسليم بعد انتهاء الحرب
((129)) .
القول الرابع :
الحرمة حال الحرب مع قصد المساعدة؛ سواء اكان البيع
للكفار ام للمسلمين، وهو الظاهر من عبارة المحقق الحلي في
((130))، والفاضل المقداد
((131)) والشهيد في
المختصر
الدروس
((132)) .
ونسب ذلك الى ابن ادريس ايضا . ولكن عبارته لا تساعد عليه،
قال في السرائر في عداد ما يحرم التكسب به : «وعمل السلاح
مساعدة ومعونة لاعداءالدين، وبيعه لهم اذا كانت الحرب قائمة
بيننا وبينهم، فاذا لم يكن وكان زمان هدنة فلا باس بحمله
اليهم وبيعه عليهم»
((133)) .
الا انه داخل في القول الاول، كما ذكرنا ذلك .
وقد استدل لهذا القول بالاجماع
((134)) .
ولا شك في تحققه في مثل المفروض، وهو قصد المساعدة
وقيام الحرب؛ فانه محل اتفاق عندهم، وهي القدر المتيقن
من جميع هذه الاقوال .
القول الخامس :
الحرمة اذا توفر احد امرين : قصد المساعدة او قيام الحرب .
ذهب اليه المحقق السبزواري، وكاشف الغطاء،وهو الظاهر من
مجموع كلام صاحب الرياض . واضاف صاحب كشف الغطاء الى
صورة القصد صورة الاشتراط ايضا . واختاره صاحب الجواهر
(رحمه اللّه)
((135)) .
وهو قريب من القول بالتفصيل؛ اي القول الاول، لانه ايضا يرى
الحرمة في حال الحرب، والجواز حال الهدنة، ولكن لا مطلقا،
بل اذا لم يقترن بقصد المساعدة .
وثمة فرق آخر : هو انه شامل لحال المباينة وان لم تكن حرب،
فتلك صورة ثالثة مشمولة لهذا القول دون القول الاول، فاذا
اقترنت هذه الصورة بالقصد حرمت، والا فلا .
واستدل للامر الاول - قصد المساعدة - بالنهي عن الاعانة،
وللثاني - قيام الحرب - باخبار الباب، حيث حمل المطلقات
الناهية على صورة الحرب، هذا فضلا عن المفصلات التي هي
نص في هذه الصورة .
وهو كلام فني متين؛ اذ الحرب متفق على حرمتها نصا وفتوى، كما ان المباينة قد وردت في رواية الحضرمي، واما ما عداها -
الهدنة - فليس الحكم بالجواز فيها على اطلاقه، كما ورد ذلك
في بعض الاقوال السابقة، كقول المشهور مثلا، بل لابد من
تقييده بعدم قصد الاعانة ليكون على طبق القاعدة او الاكتفاء
بالصدق ولو لم يقصد، كما عليه بعض .
والظاهر من صاحب الجواهر انه يبني رايه في المسالة على
قاعدة الاعانة، فمتى وجد قصد الاعانة حرم البيع،والا فلا،
خرج من ذلك البيع في صورة الحرب لو خلا من القصد، فانه
حرام ايضا للنصوص .قال (رحمه اللّه) : «ان الحرمة في المقام مع
عدم القصد، ان ما هي من النصوص، فالواجب حينئذالاقتصار
على خصوص المستفاد منها . . . ولا يجوز التعدي الى غيره، كما وقع من بعضهم»
((136)) .
ولعله يقصد بذلك القدماء .
نعم، قد يقال : انه لم يظهر الوجه في حمله المطلقات الناهية -
وهي صحيحة علي بن جعفر ووصية النبي (صلى اللّه عليه و آله)
لعلي على خصوص حال الحرب فقط مع انها مطلقة تشمل
حال الصلح ايضا .
لا يقال في الجواب : انها حتى لو كانت مطلقة وشاملة لحال
الهدنة، فانه يجب تقييدها بقصد المساعدة والمعونة حتى
تكون موضوعا للحرمة .
لان ذلك ليس جوابا عن الاشكال، بل هو تسليم به؛ لان
السؤال عن الوجه في حمل هذه النصوص على حالة الحرب
فقط مع انها قد تبدو مطلقة .
وقد يجاب على ذلك - دفاعا عن صاحب الجواهر - بان الرواية
الاولى لا اطلاق فيها؛ اذ الحكم مفادبالمفهوم، ولا اطلاق له
كما تقدم، والقدر المتيقن مما ثبت فيه الباس هو حال الحرب .
والرواية الثانية ظاهرالوصف فيها «- اهل الحرب» - الفعلية . ثم
انه حتى لو سلمنا الاطلاق فيهما فانه يجب تقييده
بالروايات المفصلة .
وايا كان : فان هذا الراي - مع وجاهته - ينبغي تقييد الجواز فيه
بما ذكره السيد الامام (رحمه اللّه) من عدم اشتمال المعاملة
على الاضرار والاجحاف بالمصلحة العامة للمسلمين .
تنبيه : اضاف صاحبا الرياض و الكفاية الى صورة الحرب حالة
التهيؤ لها، وهو في محله، وتقدم ذلك ايضاعن الشهيد الثاني .
والوجه فيه هو انها من صور المباينة الواردة في رواية هند .
القول السادس :
الحرمة اذا توفر احد امرين : المباينة او قصد المساعدة . وقد
ذهب الى هذا السيد اليزدي (قدس سره)
((137))،وحاصله :
ان الحرمة ثابتة مع قصد الاعانة في خصوص حال الهدنة، لا
مطلق عدم الحرب، كما كان يذهب اليه الراي السابق، وايضا
ثابتة في حال مطلق المباينة الاعم من الحرب والتهيؤ لها
والمقاطعة حتى مع عدم القصد .
وقد استدل (قدس سره) له بوجهين :
الوجه الاول : انه يدخل تحت قاعدة المعاونة في بعض الصور
حتى لو لم يقصد، كما في حال الحرب والتهيؤلها، فانه يصدق
الاعانة عرفا وان لم يقصد - بل ولم يعلم - ترتب المحرم على هذا
البيع الشخصي .
الوجه الثاني : انه مقتضى الجمع بين الاخبار المفصلة
والمطلقة منعا وجوازا .
وهذا الراي اعمق وادق من سابقه؛ لان حالة التهيؤ للحرب او
المقاطعة، هي في حكم الحرب، بل قد صرح بالمباينة في
صحيحة الحضرمي، فلا يتوقف ثبوت الحرمة فيهما على القصد؛ لانها ثابتة بالنصوص . الا انه كسابقه - يجب تقييد الجواز فيه
في حال الهدنة وعدم القصد بما اذا لم يكن على خلاف
المصلحة العامة .
القول السابع : ان المدار في الحكم على صدق التقوية للباطل .
ذهب الى هذا الراي السيد السبزواري (قدس سره)، قال ما نصه
: «يحرم كل ما يوجب تقوية الباطل على الحق باي نحو كان؛ ولو ببيع المعدات الحربية منهم، وهي تختلف باختلاف
الاعصار والامصار، بلا فرق بين حال قيام الحرب والهدنة؛ اذا
كان الاشتراءوالجمع للتهيئة والعدة، ولا يعتبر في حرمة البيع
القصد الى الاعانة والتقوية، بل المناط الصدق العرفي»
.
((138))
وقد تقدم نقل استدلاله بالادلة الاربعة عند البحث عن الحكم
على مستوى القواعد العامة .
وهذا الراي هو اقرب الاراء الى راي الامام الراحل - الذي المحنا
اليه سابقا، وسياتي تفصيله - لان عنوان «التقوية» وعدمها مما
ينطبق عليه عنوان «المصلحة والمفسدة» الواردان في كلام
الامام الخميني (رحمه اللّه)،فمتى ما كان في البيع تقوية
للباطل فلا شك انه على خلاف المصلحة العامة .
نعم، بين العنوانين عموم من وجه؛ فقد تحرم المعاملة لا من
باب محذور التقوية على الباطل، بل لوجودمحذور آخر سياسي
او اقتصادي او غير ذلك .
والفرق الثاني بين الرايين : هو ان الراي المذكور يستند الى
الادلة الاربعة؛ اذ عنوان «التقوية على الباطل»مشمول للادلة
اللبية واللفظية عامها وخاصها، كما تقدم ذلك كله .
القول الثامن :
وهو مما انفرد به الامام الخميني (قدس سره)، وحاصله : اناطة
الحكم بمراعاة المصلحة العامة .
وبيانه انه لا شك في ان مسالة بيع السلاح لاعداء الدين،
تختلف عن نظيراتها من المسائل التي يقصد بهاالحرام، كبيع
الخمر ليعمل خمرا، والخشب يصنع صليبا او صنما، وغيرها
من المسائل؛ سواء اكان المشتري فيها مسلما ام كافرا، عدوا ام
غير عدو، فردا ام دولة، فليس لهذه الخصوصيات اي تاثير في
بيع الامور المذكورة . كما انها لا تشتمل على اية جنبة سياسية
ترتبط بمصلحة الاسلام ومقتضيات الحكم والزمان .
بيد ان بيع السلاح لا يمكن ان يكون من هذا القبيل؛ اذ
الخصوصيات المذكورة واضحة التاثير فيه،فالمشتري هو دولة
العدو، وهي بلا شك تخطط وتكيد بالمسلمين ودولتهم،
فليس من العقل ان لا تلحظ الدولة مصالحها وما يترتب على
تلك المبادلة من آثار على وضع المسلمين؛ حتى لو كان ذلك
في زمان الصلح ووجود العلاقات المتبادلة، فضلا عن حالة
العكس؛ لان المفسدة المترتبة على بيعه حال الحرب اذاكانت
في حال الهدنة ايضا، فلا شك حينئذفي احراز ملاك المفسدة، وبتبعه الحكم .
وقد نظر الامام الراحل (رحمه اللّه) الى موضوع المسالة بنظره
الثاقب وذوقه الفقهي الرفيع، المبتني على تفسير حقيقة الفقه
وفلسفته بقيام الحكومة الاسلامية، فقيامها هو الترجمة
العملية والفلسفة الواقعية له، وتمكن من ان يصور لها تكييفا
فنيا معقولا، وان ينهج فيها نهجا علميا سديدا .
وبيان رايه الشريف : هو ان موضوع المسالة ليس عبارة عن
صورة الحرب والصلح، كما يلوح ذلك من النصوص وذهب اليه
المشهور، بل هو عبارة عن المصلحة والمفسدة، فمتى ما
احرزت المصلحة جاز بيع السلاح؛ حتى لو كان ذلك في حال
الحرب، كما لو كان في تقوية الكفار - ممن يعيش في كنف
الاسلام ودولته - مصلحة الدفاع عن الاسلام، فانه يجب دفعه
اليهم ولو مجانا . وقد اشارت الى نحو ذلك رواية هند السراج،حيث سوغت البيع الى السلطان الجائر واعداء الدين من
المسلمين عندما كانت المصلحة تقتضي ذلك؛ وهومدافعتهم
للعدو المشترك المتمثل آنذاك بالروم . ومتى ما اقتضت
المصلحة منعه عنهم حرم حتى لو كان ذلك اثناء الصلح، ولا
سيما اذا كان منعه ترقبا للخطر ولو آجلا؛ فان صرف الاحتمال
في الامور المهمة منجزعقلا، فالمدرك في الحكم اذن هو
حكم العقل القاضي بلزوم مراعاة المصلحة وملاحظتها في مثل
المقام ونظائره .
قال (قدس سره) - بعد ان بنى المسالة على النظر في المصالح
العامة - : «ربما تقتضي مصالح المسلمين بيع السلاح - بل اعطاءه
مجانا - لطائفة من الكفار، وذلك مثل ما اذا هجم على حوزة
الاسلام عدو قوي لا يمكن دفعه الا بتسليح هذه الطائفة، وكان
المسلمون في امن منهم، فيجب دفع الاسلحة اليهم للدفاع
عن حوزة الاسلام، وعلى والي المسلمين ان يؤيد هذه الطائفة
المشركة المدافعة عن حوزة الاسلام باية وسيلة ممكنة .
بل لو كان المهاجم على دولة الشيعة دولة المخالفين مريدين
قتلهم واسرهم وهدم مذهبهم، يجب عليهم دفعهم ولو بوسيلة
تلك الطائفة المامونة . وكذا لو كانت الكفار من تبعة حكومة
الاسلام ومستملكاتها، واراد الوالي دفع اعدائه بهم . . . الى غير
ذلك مما تقتضي المصالح .
وربما تقتضي المصالح ترك بيع السلاح وغيره مما يتقوى به
الكفار مطلقا؛ سواء كان موقع قيام الحرب، ام التهيؤ له، ام زمان الهدنة والصلح
والمعاقدة»
((139)) .
واما الروايات والنصوص الخاصة في المسالة حسب رايه، فهي
تطبيق لحكم العقل وفي طوله، وليس لها -بعد النظر في
مجموعها، وضم بعضها الى بعض - مفاد مستقل عن حكم العقل، فصورتا الحرب او المباينة اللتان حرمت النصوص البيع فيهما،
انما هي لاشتمالهما على المفسدة، كما يساعد عليه النظر
والاعتبار . كما ان صورة الهدنة انما جوزت النصوص البيع
الواقع فيها؛ لان الغالب فيها هو انتفاء المفسدة، والا فالجواز
مقيدبحكم العقل . ولذا يقول (قدس سره) : «والظاهر عدم استفادة شيء زائد مما ذكرناه من الاخبار . بل لو فرض اطلاق
لبعضها يقتضي خلاف ذلك . . . لا مناص عن تقييده او طرحه»
.
((140))
ومما يدل على مراعاة الحكم بالمصلحة في نفس النصوص، ما
اشرنا اليه قريبا من رواية هند، حيث اجازت البيع لاعداء الدين
من المسلمين لاحراز المصلحة فيه؛ وهي تقوية مركز
الحكومة الاسلامية في الشام لمقاتلة الروم، فلو ابدلت هذه
المصلحة بالمفسدة وكانت الحرب او المباينة بين حكومة الشام
واهل الحق، لم يجزالبيع، كما نصت عليه الرواية ذاتها .
قال الامام الخميني (رحمه اللّه) : «يجوز البيع . . . فيما اذا كان
الطرف مدافعا عن حوزة الاسلام او التشيع، مع الامن منه، كما هو مفاد رواية السراج، وموافق لحكم العقل»
((141)) .
وفي قبال ذلك راي سائر الفقهاء الذي قصر النظر في المسالة
على الاخبار خاصة، فالموضوع لديه هو الحرب والصلح، كما
وردت به الاخبار؛ فكلما كان صلح جاز البيع، وكلما كانت
حرب او مباينة حرم؛ من دون نظرالى مصلحة او مفسدة؛ لان
النصوص تعبدتنا بذلك، فالشارع هو الذي شخص الموضوع،
كما انه شخص الحكم، فالموضوع والحكم عندهم بيد الشارع
معا .
نعم، من يرى ثبوت الولاية للفقيه قد ينيط المسالة بالمصلحة
والمفسدة حينئذ من باب العنوان الثانوي والحكم الولائي؛ باعتبار ان مجاري الامور بيد الفقيه المبسوط اليد، فتتحد
النتيجة عملا على كلا الرايين . نعم الخلاف في التخريج
الفقهي للمسالة؛ فان الامام (رحمه اللّه) يرى ان الحكم مراعى
بالمصلحة من راس، لا من باب الحكم الثانوي .
ثم ان المسالة لما كانت ذات هوية سياسية والحكم فيها راجعا
الى الحكومات، فان تشخيص المصلحة و العمل على مقتضاها
يكون بيد والي المسلمين، كما صرح به امام الامة - طاب ثراه -
في تحرير الوسيلة حيث قال :«والامر فيه موكول الى نظر والي المسلمين، وليس لغيره
الاستبداد بذلك»
((142)) .
وقال في بحوث المكاسب : «ان هذا الامر من شؤون الحكومة
والدولة، وليس امرا مضبوطا، بل تابع لمصلحة اليوم ومقتضيات الوقت، فلا الهدنة
مطلقا موضوع حكم لدى العقل، ولا المشرك والكافركذلك»
((143)) .
وظاهره عدم انحصار الامر بحال قيام الحكم الاسلامي ووجود
الولي الشرعي، بل هو من وظائف الحكومات الاسلامية عامة .
ومما يدل عليه - مضافا للنصين السابقين - قوله (قدس سره) في
بحوثه : «فلو كانت للشيعة الامامية حكومة مستقلة و مملكة
كذلك، كما في هذه الاعصار
((144))، بحمد اللّه تعالى،
وكانت للمخالف ايضا حكومة مستقلة،وكان زمان هدنة
ومعاقدة بين الدولتين، لكن خيف على المذهب ودولته منهم
ولو آجلا، لا يجوز تقويتهم ببيع السلاح ونحوه»
((145)) .
قد يقال : «انه لا وجه لحمل الدليل على الارشاد مع عدم اقامة
القرينة عليه؛ اذ الاصل في الاحكام هوالمولوية، ولا ترفع اليد
عنها بدون القرينة الواضحة، وموارد التزاحم لا تختص بالمقام؛ لان الخوف على الاسلام والمسلمين مقدم على سائر الاحكام، ولكن ذلك لا يكون دليلا على عدم الاطلاق، او عدم كون
الحكم مولويا، ولعل الشارع الحكيم حكم بالاطلاق حتى فيما لم يحكم العقل به، كما
اذا لم يكن خوف من الكفاروالمشركين؛ تحكيما لحفظ الاسلام والمسلمين، وتعلية لهم
بالنسبة الى الكفار في السلاح»
((146)) .
ويمكن الذب عن راي الامام (رحمه اللّه) بان ما استفاده من
النصوص هو حكم مولوي ايضا، وليس من باب الارشاد، فهو
حكم مولوي منصوص عليه في الاخبار، وقد دل عليه العقل،
وعليه فالمسالة ليست من التزاحم؛ لان رعاية المصلحة مدلولة
للاخبار ايضا، كما يد عيه الامام (رحمه اللّه)، فليلحظ كلامه .
كما ان ما ذكر من «ان حكم الشارع الحكيم بالاطلاق - كما اذا لم يكن خوف من الكفار
والمشركين تحكيمالحفظ الاسلام وتعلية له على الكفر - قد يكون من الموارد التي لا
يحكم العقل فيها بشيء» ايضا غير وارد على كلامه (قدس سره)؛ لان
المورد المذكور هو ايضا مما ينطبق عليه عنوان «المصلحة»؛
فان عنوانها اعم من عنوان «الخوف من الاعداء وتقويتهم»، كما
سبق ذكره .
نتائج البحث على ضوء راي الامام الخميني (رحمه اللّه) :
ما تقدم البحث فيه كان من حيث التكييف والتخريج الفقهي
للمسالة، واما ما يتفرع عليه وينتج فهو جملة امور :
1 - ان مقتضى التخريج الذي سلكه الامام (رحمه اللّه) عدم
انحصار الموضوع بالبيع، بل يشمل غيره من اسباب النقل من
المعاملات، او الايقاعات، كالهبة وما شابه، فانه يجب ايضا
ملاحظة المصلحة في ذلك .
|
|---|