الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

2 - ان مقتضى المسلك المذكور عدم اختصاص الامر بمتعلق خاص، كالسلاح مثلا، بل هو شامل لمطلق المبادلات التجارية والاقتصادية، فهي ايضا منوطة حكما بالملاك المذكور، قال (قدس سره): «وربما تقتضي المصالح ترك بيع السلاح وغيره مما يتقوى به الكفار» ((147)) .

وقال ايضا: «لا يبعد التعدي من بيع السلاح الى بيع غيره لهم مما يكون سببا لتقويتهم على اهل الحق، كالزادوالراحلة والحمولة ونحوها» ((148)) .

وهكذا الامر عند من يرى ان حرمة البيع هو من جهة تقوية الكفر او الباطل كالشهيد الاول والسيدين الخوئي والسبزواري؛ فانه لا يجوز عندهم حينئذ بيع غير السلاح لهم؛لصدق عنوان التقوية على الكفر او الباطل .

3 - انه بعد تعميم موضوع المسالة لما يشمل غير السلاح من التجارات، يتضح حينئذ حكم وسائل الدفاع - كالدرع والمغفر مثلا - التي اختلف الفقهاء في حكمها، بين مستثن لها من حكم السلاح فجوزه مطلقاكالشيخ ((149))ومن وافقه اخذا بصحيحة محمد بن قيس ((150))، وبين مانع مطلقا كصاحب الرياض ((151)) .وبين مفصل بين الهدنة والحرب كالشهيد، وبين متوقف ومستشكل كالمحقق الاردبيلي والخراساني . ((152)) اذن يدور الحكم في بيع وسائل الدفاع - بناء على مسلك السيد الامام (قدس سره) - مدار المصلحة وجوداوعدما، فهو على وفق القاعدة، خلافا للشيخ الاعظم؛حيث اعتبر التحريم فيها على خلاف الاصول؛وهي مادلت على حلية كل عمل تكليفا الا ما ثبتت حرمته، فيقتصر في الحكم على مورد الدليل؛وهو السلاح، دون ما لايصدق عليه ذلك، كالمجن والدرع والمغفر . ((153))

 4 - انه بناء على المسلك المذكور فانه لا موضوعية لحال الصلح او الحرب وكذا الكفر والاسلام - بالنسبة الى المشتري . كما انه لا فرق بين اعداء الدين وقطاع الطريق و غيرهم
((154))، خلافا للشيخ الاعظم ايضا، حيث اقتصر على مورد الدليل الدال على اعداء الدين، فلا يتعدى الى غيرهم ((155)) .

الراي الصحيح: وبعد هذه الجولة المفصلة في اقوال الاعلام ونصوص المسالة، فان الراجح من بين تلك الاقوال هو راي السيد الامام (رحمه اللّه)؛لابتنائه على تلك الضابطة الدقيقة المشار اليها الموافقة لحكم العقل؛سواء قلنا: بان ذلك هو مفاد الاخبار مباشرة، كما يراه الامام (رحمه اللّه) او قلنا: ان مفادها حكم تعبدي، وليس فيها نظر لحكم العقل، ولا هي من باب التطبيق له، فانه ايضا لابد من تقييدها بحكم العقل، كماانه يجب تقييد الحكم بحكم عقلي آخر ؛وهو عدم تحقق الاعانة بالبيع، قصدا او صدقا؛على الخلاف الموجود في تحديد مفهوم الاعانة، وحينئذ فلواقترن البيع بها حرم وان كان موافقا لمقتضى المصلحة، وخاليا من المفسدة الخارجية .

رابعا - الحكم الوضعي:

قد ظهر مما مر الاتفاق على حرمة بيع السلاح تكليفا في الجملة؛تمسكا بظواهر الاخبار السابقة . واما الحكم الوضعي فقد اختلفوا في استفادته منها على قولين:

القول الاول: بطلان المعاملة؛استنادا الى ان الظاهر من النهي هنا هو عدم التملك؛وعدم صلاحية المبيع لكونه مبيعا، لا مجرد الاثم، فالنهي راجع الى نفس المعاملة، كالبيع الغرري ((156)) . وقد ذهب الى ذلك الشهيدان، والمحقق الثاني، والمولى الاردبيلي (قدس سرهم) ((157)) .

وممن اختاره ايضا الامام الخميني (رحمه اللّه) حيث رجح البطلان في المسالة، وفرع البحث فيها على بحثه المتقدم في بيع العنب للتخمير، او ممن يعلم انه يجعله خمرا ((158)) .

وقد فصل القول هناك ((159)) بين انشاءالمعاملة معاطاة، او بصيغة البيع:

فعلى الاول: قوى الحكم بصحة المعاملة؛لان المبغوض ليس هو نفس المعاملة، بل عنوان آخر منطبق عليها، كعنوان «الاعانة على الاثم» او «كونه منكرا» او «من اسباب المحرم»، وبينهما - عنوان «المعاملة»والعنوان الاخر المنطبق عليها - عموم من وجه، والمبادلة الخارجية هي مجمع لهما، ولكل حكمه الخاص . ثم اضاف (قدس سره): «و من ذلك يدفع استبعاد تنفيذ الشارع سببا يؤدي الى مبغوضه؛لان التنفيذ لم يقع الا على عنوان «البيع» ونحوه، وهو ليس بمبغوض» . ((160)) وعلى الثاني: اختار اولا القول بالصحة ايضا؛لوقوع المزاحمة بين دليل حرمة التعاون على الاثم، ودليل وجوب تسليم المثمن، قال: «فان قلنا بترجيح الثاني يجب عليه التسليم، ويعاقب على الاعانة على الاثم؛لانه بناء على ما رجحناه في ((161)) - من بقاء الحكم في المتزاحمين على ما هو عليه محله من الفعلية - فواضح، واما على القول بسقوط النهي فلارتكابه المبغوض بلا عذر .

و ان قلنا بترجيح الاول فلا يجوز له التسليم، فحينئذ ربما يقال: ان المعاوضة لدى العقلاء متقو مة بامكان التسليم والتسلم، ومع تعذره شرعا او عقلا لا تقع المعاوضة صحيحة» .

واجاب عنه: «ان ما يضر بصحة المعاوضة هو العجز عن التسليم تكوينا او نهي الشارع . . . والمقام ليس من قبيلهما؛اذ النهي عن الاعانة على الاثم صار موجبا لعدم التسليم، لا عن تسليم المبيع بعنوانه، وعليه فالمعاملة صحيحة» .

الا انه انتهى في آخر كلامه الى البطلان؛استنادا الى نكتة عرفية؛حيث ان العرف يرى التنافي في المعاملات المبغوضة ذاتا - كالقمار مثلا - بين تحريم المعاملة و مبغوضيتها و بين تنفيذها و ايجاب الوفاء بها، و اما في بيع العنب و التمر ممن يشتريه للتخمير، فالظاهر من الروايات المستفيضة - الحاكية للعن رسول اللّه (صلى اللّهعليه و آله) الطوائف الدخيلة في شرب الخمر - مبغوضية اشتراء العنب للتخمير ولو بالغاء الخصوصية عرفا،لولم نقل بفهم العرف منها مبغوضية البيع ممن يعلم انه يجعله خمرا، و مع مبغوضية الاشتراء او هو مع البيع بعنوانهما، يستبعد تنفيذ المبايعة، بل يكون الجمع بينهما من قبيل الجمع بين المتنافيين عرفا .

ثم قال: «والفرق بينه و بين ما تقدم من تصحيح البيع المنطبق عليه عنوان محرم، واضح» ((162)) .

اقول: ان الظاهر من تشريكه (قدس سره) بين المسالتين - مسالة بيع السلاح، و بيع العنب للتخمير - هو اجراءنفس البيان المتقدم في مسالة العنب، فيقال حينئذ في بيع السلاح: بان المعاملة مبغوضة للنهي الوارد فيهاايضا؛حيث ورد انه «على حد الشرك» ومع النهي والمبغوضية لا يمكن تنفيذ المعاملة؛اذ مع مبغوضيته لامحالة يتصدى الشارع لدفعه في عالم التشريع، وهو ملازم لردعه، ولا سيما وان الردع موجب لتقليل مادة الفساد، والتنفيذ موجب لتكثيرها ((163)) .

واورد عليه في الدراسات - بعد نقل كلامه مقتصرا على صدره الذي فرق فيه بين البيع بالمعاطاة والبيع بالصيغة، وحكم من خلاله بالصحة - بامرين:

اولا: بان كون انشاء البيع بالتعاط ي او بالصيغة لا يكون فارقا في المقام؛اذ بعد انشائه باحدهما؛ان حكم بوجوب الوفاء لزم منه نقض الغرض، وهو المبغوضية لوجوده، وان لم يحكم به وقع باطلا؛اذ معنى صحة المعاملة: هو امضاء الشارع وتنفيذه لها .

وثانيا: بعدم ظهور الوجه في قوله في البيع المعاطاتي: «وبذلك يدفع استبعاد تنفيذ الشارع . . .»؛اذ العقدبلحاظ وجوده الخارجي يقع موردا للتنفيذ والحكم بوجوب الوفاء، والمفروض انه بوجوده الخارجي مبغوض للمولى، فكيف ينفذه ويوجب الوفاء به ؟ ! ((164)) .

ولا يجدي الايراد عليه: بان المعاطاة لا يجب التنفيذ فيها؛اذ هي تسالم وتعاط خارجي غير متصف بالعقدية،فلا يشملها ( اوفوا بالعقود ) ((165))الدال على وجوب التنفيذ وتسليم المبيع .

وذلك انه قد صرح السيد الامام (رحمه اللّه) في بحوث البيع بجواز التمسك بية ( اوفوا بالعقود ) لاثبات صحة المعاطاة، وعليه فيجب التنفيذ . ((166)) نعم، يمكن الملاحظة على اول الاشكالين في كلامه:

اولا: بان المبغوض في المعاطاة - كما تقدم - هو العنوان المنطبق على المعاملة، وهو عنوان «الاعانة» لا ذات المعاملة، والمبغوض في البيع بالصيغة - كما هو المستفاد من النهي عن بيع السلاح - هو ذات المبيع، وكفى بذلك فارقا .

وثانيا: بان المقدار المنقول من كلام الامام (رحمه اللّه) في عبارة المستشكل، لا يقتضي التفريق بين انشاءالبيع بالتعاط ي او بالصيغة؛اذ الحكم فيهما - بمقتضى الكلام المنقول عنه - هو الصحة كما تقدم، وعليه فلاوجه للاشكال اساسا؛اذ لا فرق بين الصورتين ليقال عنه: «انه غير فارق» .

نعم، ذيل كلامه دال على البطلان، كما نقلناه سابقا، لكن مع ذلك لا يرد عليه الايراد المذكور بملاحظة ماذكرناه في الجواب الاول .

ويلاحظ على الاشكال الثاني: انه قد ظهر من الجواب الاول على الاشكال السابق، ان المبغوض الخارجي انماهو في الانشاء بالصيغة؛للنهي عنه في الاخبار، واما صورة التعاط ي فالمبغوض فيها هو العنوان الخارجي المتحد مع المعاملة المنطبق عليها .

القول الثاني: صحة المعاملة؛ذهب اليه من المتقدمين الفاضل المقداد، ومن المعاصرين السيدالخوئي (قدس سرهما) قال الاول في التنقيح الرائع: «الاصح صحة العقد وتملك الثمن، وثبوت الاثم» ((167))،وظاهره بقاء فعلية كلا الحكمين .

ويرد عليه - بناء على كلام الامام (رحمه اللّه) - ان المبغوض في البيع هو ذات البيع، لا العنوان الخارجي .

وقال في المصباح: «ان النهي عن بيع السلاح من اعداء الدين ليس الا لاجل مبغوضية ذات البيع في نظرالشارع، فيحرم تكليفا فقط، ولا يكون دالا على الفساد . ويتضح ذلك جليا لو كان النهي عنه لاجل حرمة تقوية الكفر؛لعدم تعلق النهي به، بل بامر خارج يتحد معه» ((168)) .

ويلاحظ عليه - على ضوء كلام الامام (رحمه اللّه) ايضا - بالنكتة العرفية المتقدمة؛حيث ان العرف يرى التنافي بين وجوب التنفيذ لشيء، وبين مبغوضيته .

فالصحيح هو القول الاول بالبيان الذي تقدم نقله عن الامام الخميني (رحمه اللّه) .

والحمد للّه اولا وآخرا .

البراءة من المشركين

 تنظير في فقه الامام الخميني (قدس سره)

 الشيخ قاسم معدل الابراهيمي

تمهيد:

«البراءة من المشركين» شعار الزم الامام الخميني (رضى اللّه عنه) حجاج بيت اللّه الحرام برفعه وترديده في مواسم الحج في محال اجتماع الحجيج .

وقد اثار رفع الشعار المذكور حساسية السلطات السعودية واعتبرته امرا منافيا للمظهر العبادي لفريضة الحج، فمنعت منه، مما ادى في بعض السنين الى حدوث مصادمات شديدة بين سلطات الامن السعودي وجموع المتظاهرين المرددين لذلك الشعار تسببت في استشهاد عدد كبير منهم، وتعطل نتيجة ذلك الحج من ايران مدة ثلاث سنين .

لكن القيادات الدينية والسياسية في ايران لم تتراجع عن موقفها، واصرت على احياء هذا الشعار وترديده في مواسم الحج المختلفة الى وقتنا الحاضر .

واثار موقف القيادات الدينية، وعلى راسها موقف الامام الخميني (رضى اللّه عنه) المتمثل في رفع الشعارالمذكور، والاصرار على ترديده في مواسم الحج مع ما اكتنف ذلك من تصريحات توحي بانه واجب عبادي وسياسي، وتعطيل الحج بسبب ذلك تساؤلات في الاوساط العلمية حول حكم ( البراءة من المشركين ) ونوعه سواء في ذلك التكليفي والوضعي .

معنى البراءة:

البراءة في اللغة: الانقطاع وخلوص الشيء من الشيء، ومفارقته، والتباعد عنه ابتداء او بعد اتصافه به، وكينونته فيه ((169))، يقال: برئ وبرا الرجل من المرض، يبرا برءا وبرءا: سلم وعوفي ((170)) . ومنه البراءة من العيب والنقص بمعنى السلامة منهما . ((171)) والبراءة من الدين والضمان بمعنى خلو الذمة والعهدة منهما ((172))، والاستبراء من البول والمني والحمل وغيرها بمعنى طلب الخلو والخلاص منها ((173)) .

ومن ذلك ايضا مباراة الزوجة والشريك بمعنى مفارقتهما ((174))، ومنه ايضا البراءة من الرجل بمعنى التباعدمنه، وانقطاع ما بينهما من العلاقة والعصمة ((175)) . ولازم ذلك عدم الاعتراف بحق له عليه .

واما البراءة عند الفقهاء فلا تخرج عن المعاني والاستعمالات اللغوية المذكورة .

وعلى اية حال فالمراد من ( البراءة من المشركين ) يجب ان يحمل على الاستعمال اللغوي الاخير، اي بمعنى التباعد منهم وانقطاع ما بينهم وبين المسلمين من العلاقة والعصمة، وعدم الاعتراف بحق لهم على المسلمين ((176)) او على التباعد عن عقائدهم وتعاليمهم المنحرفة الفاسدة وعدم الاعتراف بشيء،منها ((177)) .

راي الفقهاء في حكم البراءة من المشركين:

لم يعهد من الفقهاء بشكل عام الى زمان الامام الخميني (رضى اللّه عنه) التعرض لبيان حكم البراءة من المشركين، لا بما هي فعل مستقل غير مقيد بزمان ومكان وافعال مخصوصة، ولا بما هي فعل خاص مقترن بفريضة الحج بالنحو الذي تناوله الامام الخميني (رضى اللّه عنه) بخطاباته، وطبقه الحجاج المسلمون في مواسم الحج المختلفة؛اذ ان كتب الفقهاء الفتوائية ( الرسائل العملية ) والاستدلالية ( كتب البحوث والدراسات ) - سواء المختصة بالمذهب ام المقارنة له بسائر المذاهب خالية من التعرض لشيء من ذلك وان ربما تضمنت نقل قصة نزول سورة براءة، ونحو تبليغها المشركين بمناسبة بيان حكم الهدنة مع الكفاروالمشركين او غيره .

لكن المقطوع به ان البراءة من المشركين بصورتها المطلقة - وان لم يتناول الفقهاء حكمها بالذكر - لا شك في وجوبها عند عموم الفقهاء، بل لابد ان تكون مسلمة عندهم؛لوضوح عدم جواز اقرار المسلمين شيئا من عقائدالمشركين وتعاليمهم المنحرفة خصوصا بعد اكتمال الدين وتمام النعمة، وخاتمية الرسالة، وانسداد باب تشريع الاحكام، وعدم المقتضي لثبوت علاقة ايمانية بين المسلمين والمشركين او حق مترتب عليها، بعد عدم ما يجمعهم عقائديا بالمسلمين، واختلافهم في جميع الاصول العقائدية بما فيها الايمان باللّه وتوحيده .

وانما تركوا التعرض لذلك في كتبهم لوضوحه وعدم مناسبة تقتضي التعرض .

واما الامام الخميني (رضى اللّه عنه) فكتبه الفقهية - فتوائية كانت او استدلالية - ومنها كتب المناسك ايضاخالية من بيان حكم البراءة من المشركين، فلم يرد لها في شيء منها ذكر . وما ورد ففي الخطابات والبيانات السياسية والتوجيهية التي لم يجر التعامل معها على انها بيان للحكم الشرعي، ولو الحكم الشرعي السياسي؛اذلبيان الحكم الشرعي قنواته الخاصة المعروفة .

ومن هنا فقد يشكك في استفادة حكم من ذلك، لكنا ايمانا منا بان الفقيه حين يصدر امرا معينا، ويلزم الناس بالعمل بموجبه فانه وان خرج عن دائرة نطاق بيان الاحكام الشرعية، ودخل في اطار الخطابات السياسية والتوجيهية لابد ان يكون مستندا الى اساس ودليل شرعي اعتمده في استفادة ذلك الامر، فنحن - في بحثنا هذ- نحاول من خلال مراجعة كلمات السيد الامام الخميني (رضى اللّه عنه) الواردة في موضوع البراءة من المشركين التعرف الى ما يمكن ان يستفاد منها، ثم نسعى لاحقا صب ما نستفيده من كلماته في القوالب الفقهية،لنخطو في المرحلة الاخيرة نحو العثور في مجموع الادلة على ما يصلح ان يكون دليلا لصدور ذلك الامر .

نظرة في خطابات الامام الخميني (رضى اللّه عنه) وبياناته:

تعرض الامام الخميني (رضى اللّه عنه) في بياناته وخطبه السياسية للبراءة من المشركين، ولزوم اعلانهاوالاجهار بها في موسم الحج مرات وكرات، لكن ما يمكن ان يكون له كشف عن الحكم الشرعي ونوعه منهامحدود، نورده فيما يلي:

1 - قال الامام الخميني (رضى اللّه عنه) في بيان له الى حجاج بيت اللّه الحرام في العام ( 1403 ) الهجري المصادف للعام ( 1983 ) الميلادي ما نصه: «نتلو في سورة التوبة التي امر بتلاوتها في الاجتماع العام بمكة قوله تعالى: ( واذان من اللّه ورسوله الى الناس يوم الحج الا كبر ان اللّه بريء من المشركين و رسوله ) ((178))،ان اعلان البراءة من المشركين في موسم الحج هذا اعلان سياسي عبادي امر به رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) ((179))» .

2 - وقال في بيان آخر له الى الحجاج في العام ( 1405 ) الهجري المصادف لسنة ( 1985 ) الميلادية: «لقد وجد- بحمد اللّه والمنة - شعب ايران وسائر الشعوب الاسلامية طريقهم، واحاطت جموع حجاج بيت اللّه الحرام من ايران وسائر الدول الاسلامية بالمسجد الحرام مركز ثقل الاسلام ومهبط ملائكة اللّه عزوجل، ومحل هبوط الوحي بغية احياء مراسم الحج العبادية السياسية،والعمل بواجبهم الالهي والقرآني في اعلان البراءة من المشركين الذي نفذه الرسول الخاتم (صلى اللّه عليه وآله) في الحج الاكبر بواسطة سيدنا علي بن ابي طالب سلام اللّه عليه» ((180)) .

3 - وفي العام التالي كان للامام الخميني (رضى اللّه عنه) الى الحجاج بيان آخر قال فيه مشيرا الى كتاب اللّهسبحانه وتعالى:

«علينا ان نعلم ان حكمة هذا الكتاب الابدي الخالد الذي نزل لارشاد البشر من كل قوم ولون،وفي كل قطب وقطر والى قيام الساعة هي ابقاؤه المسائل الحياتية المهمة - سواء ببعديها المعنوي او المادي -حى ة، وافهامه [ مخاطبيه] ان مسائل هذا الكتاب ابدية لا تختص بزمان او مكان، وان قصد ابراهيم وموسى ومحمد عليهم وعلى آلهم السلام ليس مختصا بزمان خاص، ونداء البراءة من المشركين ليس مختصا بوقت خاص، بل هو امر خالد . . . يلزم حجاج بيت اللّه الحرام في هذا التجمع الجماهيري العام والسيل البشري العارم الجهر باعلى اصواتهم بنداء البراءة من الظالمين» ((181)) .

4 - وجاء في بيان آخر له اليهم في العام الذي تلاه، وهو العام الذي حدثت فيه فاجعة الحرم المكي، وقتل بهاالعديد من الحجاج المتظاهرين باعلان البراءة على يد قوات الامن السعودي: «اعلان البراءة من المشركين -الذي يعد من اركان فريضة الحج التوحيدية وواجباتها السياسية - يجب ان يقام بابهى صورة، واعظم جلال على شكل تظاهرات ومسيرات . . . .

وعلى الحجاج المحترمين من الايرانيين وغيرهم المشاركة - وبتنسيق تام مع المسؤولين في بعثة الحج - في جميع المراسم المقامة، واطلاق نداء البراءة من المشركين، وملاحدة الاستكبار العالمي، وعلى راسهم امريكا،قرب بيت التوحيد . . .

حاشا لخلوص وله الموحدين ان يحصل بغير ابداء كامل التنفر والانزجار للمشركين والمنافقين، واي مكان اليق من الكعبة، بيت الامن والطهارة الذي وضع للناس، لينبذ فيه - عملا وقولا - كل تعد وظلم واستغلال واستعباد ورذيلة وسوء فعل، وتحطم فيه اصنام ( اارباب متفرقون ) ((182)) في تجديد ميثاق ( الست بربكم ) ((183)) واحياء ذكرى اعظم حركة سياسية قام بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في العمل ب( واذان من اللّه ورسوله الى الناس يوم الحج الا كبر ) ((184)) فان سنة الرسول (صلى اللّه عليه و آله)، واعلان البراءة[من المشركين] لا يبليان بمرور الايام» ((185)) .

5 - وفي خطاب له في مسؤولي الحج والزيارة قال: «اساسا البراءة من المشركين هي من واجبات الحج السياسية التي بدونها لا يكون حجنا حجا» ((186)) .

6 - وفي بيان له بمناسبة الذكرى السنوية الاولى لفاجعة مكة وهو بيانه الاخير في الحج حيث توفي بعدهاقال: «مسلم ان الحج الذي لا روح ولا حركة ولا قيام فيه . . . الحج الفاقد للبراءة . . الحج الذي تنعدم فيه الوحدة ولا يعبر عن هدم [صروح] الكفر والشرك ليس حجا . . .

على جميع المسلمين ان يبذلوا قصارى جهدهم لتجديد حياة الحج والقرآن الكريم، وردهما الى عرصة حياتهم . .

نحمد اللّه عزوجل على ثباتنا في عهدنا وميثاقنا الذي عاهدنا به رب الكعبة، وبنائنا اسس البراءة من المشركين بدم آلاف آلاف الشهداء من اعزائنا ((187)) . .» .

والمتحصل من مجموع كلماته وضم بعضها الى البعض الاخر ان اعلان البراءة من المشركين عند الامام الخميني (رضى اللّه عنه) واجب عبادي سياسي مستفاد من القرآن والسنة، ولا اختصاص له بزمان معين، وانه من اركان فريضة الحج التوحيدية وواجباتها السياسية التي بدونه لا يكون الحج حجا .

لكن تطبيق حصيلة كلمات الامام الخميني (رضى اللّه عنه) على القواعد والضوابط التخصصية الفقهية، وصبها في قالب فني فقهي يستدعي تبيين الوجوه المحتملة لامره باعلان البراءة من المشركين، ثم ترجيح بعض هذه الوجوه على اساس ما توحي به كلماته وبياناته وما تدل عليه الادلة الشرعية منها .

والوجوه المحتملة لامر الامام الخميني (رضى اللّه عنه) عبارة عن:

الاول: ان يكون امره (رضى اللّه عنه) معبرا عن حكم شرعي مستفاد من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة .

الثاني: ان يكون امره (رضى اللّه عنه) تطبيقا ومصداقا لحكم شرعي كلي ثابت بدليله .

الثالث: ان يكون امره (رضى اللّه عنه) معبرا عن حكم حكومي اوجبته المصلحة العامة للمسلمين .

الوجه الاول: الامر باعلان البراءة من المشركين حكم شرعي:

يمكن ان يكون امر الامام (رضى اللّه عنه) باعلان البراءة من المشركين في موسم الحج وعند اجتماع الحجيج كاشفا عن حكم شرعي ثابت بدليله . وهذا الحكم يمكن تصويره على نحوين على الاقل:

اولهما: ان يكون الحكم المذكور حكما تكليفيا بوجوب البراءة من المشركين مستقلا عن مناسك الحج وان اقترن زمانا بها، فهو لا يقتضي عده ضمن المناسك الواجبة للحج ولا يقتضي تركه بطلانها وان عدمعصية .

ثانيهما: ان لا يكون الحكم المذكور حكما تكليفيا مستقلا عن المناسك، بل ضمنيا، يجب بوجوبها، ويسقط بسقوطها، ويكون الامر به ارشادا الى ذلك .

ومقتضى هذا النحو من الحكم بطلان الحج بتركه سواء في ذلك فرض شرطا في فريضة الحج او جزءا وشطرالها .

وسواء كان الحكم المذكور بالنحو الاول او الثاني فان الدليل وكيفية الاستدلال عليه لا يختلفان الا في استظهاركون طلب الشارع البراءة من المشركين دالا على الوجوب في النحو الاول وكونه ارشادا الى الجزئية اوالشرطية في النحو الثاني .

لكن لما كان احتمال ارادة النحو الثاني في الادلة وكلمات الامام الخميني (رضى اللّه عنه) ضعيفا جدا فسنحاول صب اهتمامنا في صياغة الادلة ومناقشتها على الاول .

وكيف كان فيمكن ان يستدل على وجوب اعلان البراءة من المشركين في موسم الحج بالكتاب الكريم؛وهوقوله تعالى في سورة التوبة ( براءة ): ( براءة من اللّه ورسوله الى الذين عاهدتم من المشركين - فسيحوا في الا رض اربعة اشهر واعلموا انكم غير معج زي اللّه وان اللّه مخزي الكافرين - واذان من اللّه و رسوله الى الناس يوم الحج الا كبر ان اللّه بريء من المشركين ورسوله فان تبتم فهو خير لكم وان توليتم فاعلموا انكم غير معجزي اللّه وبشرالذ ين ك فروا بعذاب اليم - الا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا على كم احدافاتموا اليهم عهدهم الى مدتهم ان اللّه يحب المتقين - فاذا انسلخ الا شهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فان تابوا واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ان اللّهغفور رحيم ) ((188)) .

وتقريب الاستدلال ان يقال: ان الاذان كما صرح به اهل اللغة في كتبهم ومعاجمهم اللغوية هو رفع الصوت والنداء للاعلان والاعلام، والمنادى على ما نصت عليه الاية هو عموم الناس، والمنادى به هو ان اللّه بريء من المشركين ورسوله، وزمان النداء هو يوم الحج الاكبر . وقد وقع النداء المذكور بالصيغة المشار اليها في الزمن المعين موردا لطلب الشارع، فيجب .

ويشهد لهذا الوجه بكلا نحويه الاستقلالي والضمني استناد الامام الخميني (رضى اللّه عنه) في امره اعلان البراءة من المشركين الى آيات البراءة من الكتاب وامر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) الامام عليا (عليه السلام) بتنفيذه مضافا الى وصفه الاعلان المذكور بانه واجب عبادي وانه من اركان الحج . وان الحج الفاقد للبراءة ليس حج ا وانه لا اختصاص له بزمان معين .

لكن وجوب اعلان البراءة من المشركين لا ينحصر توقف اثباته على هذه المقدمات المعدودة، بل لابد من اضافة جملة من المقدمات الاخرى اليها، منها:

المقدمة الاولى: اثبات كون النداء المذكور وقع موردا لطلب الشارع، فلو امكن ان يقال بان الاية بصدد الاخبارلا انشاء الطلب لم يثبت الوجوب المطلوب .

المقدمة الثانية: ان الطلب المذكور طلب وجوبي لا طلب دال على مجرد الرجحان .

المقدمة الثالثة: ان المكلف باداء الفعل المذكور جماعة المكلفين لا شخص بخصوصه .

المقدمة الرابعة: ان التكليف المذكور متكرر حيث يجب الاتيان به في موسم الحج كل عام .

وجميع هذه المقدمات بحاجة الى تنقيح .

المقدمة الاولى: مطلوبية اعلان البراءة اما بالنسبة الى المقدمة الاولى وهي كون اعلان البراءة من المشركين فعلامطلوبا ايقاعه في الخارج من قبل الشارع المقدس فيمكن الاستدلال عليه بعدة ادلة منها:

الدليل الاول: ان الطلب وان لم يرد بلفظ صريح في الايات المذكورة، لكن لابد من كونه مقصودا للشارع،لكون الامر دائر في صدور لفظ بامر او شيءمن لافظ عاقل ارادة اما الاخبار عنه او طلبه ولا ثالث، والاول منتف لانتفاء موضوعه لعدم وقوع هذا الاعلان في الخارج قبل نزول الاية كي يكون اخبارا عنه، فيتعين كونه مطلوبا .

لكن الاستدلال المذكور غير تام لاحتمال كون الشارع بصدد الاخبار لكن لا عن وقوع البراءة والاعلان عنهاخارجا، بل عن كون الايات النازلة بشخصها براءة واعلان كما في كل ما يكون شخص الشيء محكوما بحكم معين نحو العناوين المعر فة مثل ( كتاب الصلاة ) و ( مسجد المصطفى (صلى اللّه عليه و آله) ) و( مدرسة العترة (عليه السلام) ) و( المعاهدة الفلانية ) و ( المكتب الكذائي ) وغير ذلك مما تعورف على جعله معرفا عن الشيء، فان جميع هذا يكون خبرا لمبتدا محذوف تقديره هذا، ويكون المشار اليه في جميع هذه الموارد هوالمحكوم بتلك العناوين والتسميات، واسم الاشارة ليس الا اداة لتعيين المشار اليه وتنبيه المخاطب اليه لا اكثر،فالمقصود ان هذه الايات التي هي قيد التلاوة بالفعل براءة من المشركين واعلان من اللّه ورسوله عنهااليهم .

الدليل الثاني: ان الذي يفهمه العرف من صدور لفظ شيء من احد هو طلب تحصيله، فلو قال احد ( ماء ) فان الذي يفهمه العرف من ذلك طلبه احضار الماء لديه .

لكن هذا الاستدلال يمكن ان يناقش بعدم اطراد ذلك في جميع الموارد، بل هو تابع لظهور حال المتكلم والقرائن الحالية والمقالية المحتفة بكلامه، فلو شرب المريض دواءه ثم قال: ( علقم ) لم يفهم انه يطلب احضار العلقم عنده، بل المراد اخبار الحضور بان طعم الدواء مر كالعلقم، رغم ان هذا الاستعمال مجاز وتشبيه وحمل للفظ على غير معناه الحقيقي، وان الاقرب في الاستعمال ارادة معناه الحقيقي لا المجازي، لكن وجود القرينة الحالية وهي شربه الدواء صرفت كلامه الى ارادة المعنى المذكور .

الدليل الثالث: تتميم الاستدلال المتقدم بالقول بان ظاهر حال المولى العرفي عند تكلمه مع العبد انه في مقام المولوية والسيادة، وهو يقتضي طلب الشيء لا الاخبار . فكذلك المولى الشرعي .

وهذا الاستدلال ايضا غير تام؛لعدم ثبوت ظهور من هذا القبيل في كل كلام المولى بحيث يحمل على الطلب عند الشك بين كون المقصود له الطلب او الاخبار .

نعم، لو احرز الطلب وشك في كونه في مقام المولوية او غيره، امكن التمسك بظهور حال المولى في كونه في مقام المولوية لا الارشادية مثلا .

الدليل الرابع: ان يستفاد من شان نزول الايات ان اللّه سبحانه وتعالى في مقام الطلب فيها، اذ ورد انها حين نزلت امر النبي (صلى اللّه عليه و آله) ابا بكر اولا بابلاغها الناس ثم ارسل عليا (عليه السلام) خلفه لياخذها منه معللا بنزول جبرئيل (عليه السلام) عليه بانه «لا يبلغها عنك الا رجل منك» فان كل ذلك شاهد على انها واردة في مقام الطلب، اذ لو كانت في مقام الاخبار لم يكن ثمة ما يدعو الى الامر بابلاغها اصلا .

لكن ما ذكر قابل للمناقشة ايضا بان ما ورد بشان نزولها وان كشف عن طلب وتكليف بابلاغها، لكن الطلب المذكور لم يعلم استفادته من الايات ذاتها، بل قد يكون ببلاغ من خارجها، فلا تلازم بين الامرين، بل الظاهران ذلك هو المتعين؛لما ورد في كلام المفسرين من كون ( براءة ) خبرا لمبتدا محذوف تقديره هذه، و( اذان )عطف عليها .

قال الشيخ الطوسي: «ويحتمل رفع براءة وجهين:

احدهما: ان يكون خبرا لمبتدا محذوف وتقديره هذه الايات براءة .

والثاني: ان يكون مبتدا وخبره الظرف في قوله ( الى الذين ) .

والاول اجود؛لانه يدل على حصول المدرك كما تقول لما تراه حاضرا: حسن واللّه، اي هذاحسن» ((189)) .

وبهذا المضمون قال كثير من المفسرين ((190)) .

الدليل الخامس: ذكره بعض المفسرين للايات من ان لها دلالة على الامر والطلب، قال الشيخ الطوسي: «وقوله( عاهدتم ) انما جاء بلفظ الخطاب؛لان فيه دلالة على الامر بالنبذ الى المشركين برفع الامان، ولولا ذلك لجازعاقدنا؛لان معاقدة النبي (صلى اللّه عليه و آله) انما هي عن اللّه عزوجل» ((191)) .

وقال في بيان معنى الاذان واعرابه: «وقال الفراء والزجاج: انما ارتفع؛لانه عطف على قوله: ( براءة ) .وقيل: معناه عليكم اذان؛لان فيه معنى الامر» ((192)) .

وقال الطبرسي في الاية ( واذان من اللّه): «الوجه في رفعه ما ذكرناه في براءة بعينه، ثم الجملة معطوفة على مثلها . . .

والجملة الاولى اخبار بثبوت البراءة، والجملة الثانية اخبار بوجوب الاعلام بما ثبت من البراءة الواصلة من اللّه ورسوله الى المعاهدين والناكثين لجميع الناس» ((193)) وبمضمونها عبارات بعض المفسرين ((194)) .

لكن يعارض ما ذكروه هنا ما تقدم في مناقشة الوجه الرابع من وجوه الاستدلال من ان «براءة» و«اذان»خبران لمبتداين محذوفين تقديرهما: هذه الايات، ومع وجود مثل هذا التفسير للاية كيف يمكن القول بانهامتضمنة لمعنى الامر والطلب ؟ ! نعم، يمكن ان يتجه القول بدلالتها على الطلب ان قيل بما اشار اليه الشيخ الطبرسي (رحمه اللّه) في عبارته المتقدمة من تضمن الايات المذكورة تقديرا مفاده «عليكم» او «لزمكم» لتكون «براءة» او «اذان» مبتدامؤخرا لعليكم لا الى الذين عاهدتم من المشركين، كما تقدم احتماله وجها لتفسير الاية، او فاعلاللزمكم، وتكون ( من اللّهورسوله ) متعلقة بالوجوب لا بالبراءة، لكنه خلاف الظاهر .

المقدمة الثانية: وجوبية الطلب بعد تسليم دلالة الايات على الطلب فيمكن ان يستدل على كون طلب الاذان واعلان البراءة من المشركين هوطلب وجوبي - بمعنى انه لازم لمن ثبت في حقه فلا يجوز له التخلف والتفصي عنه - باحد بيانين:

البيان الاول: ما تقدم في كلام الشيخ الطبرسي من وجود تقدير في الاية هو «عليكم» او «لزمكم» اذان من اللّهورسوله بالبراءة، وظاهرهما الوجوب بلحاظ دلالتهما اللفظية .

البيان الثاني: ما يمكن ان يقال: من ان الطلب مع عدم الترخيص فيه يقتضي الوجوب اما بحكم العقل كمايذهب اليه الميرزا النائيني او لان شدة الشيء من سنخه بخلاف ضعفه كما يذهب اليه المحقق العراقي، اولانه مساوق لسد جميع ابواب العدم بخلاف الاستحباب كما يظهر من كلمات الشهيد الصدر (رضى اللّه عنه) اولغير ذلك على ما هو المقرر في كلماتهم في بحث دلالة الامر على الوجوب .

والمناقشة في ذلك - بانه مرتبط بصيغة الامر واطلاقها مما لا علاقة له فيما نحن فيه؛لعدم ورود دال لفظ ي على الطلب في الاية ليتمسك باطلاقه في استفادة الوجوب - غير صحيحة؛لان الظاهر ان النكتة في استفادة الوجوب من الطلب ثبوتية وراجعة الى المعنى لا اثباتية لترتبط باللفظ وان الاطلاق المتصور هنا هو عدم المقيد للطلب المرخص في تركه وان كان لبيا .

المقدمة الثالثة: المكلف بالوجوب واضح ان الايات - على فرض كونها بصدد طلب اعلان البراءة من المشركين - لم تصرح بالمكلف بهذاالتكليف فيمكن ان يكون شخصا معينا كالنبي (صلى اللّه عليه و آله) كما يمكن ان يكون عموم افراد المجتمع،فهي فاقدة للدلالة اللفظية على ذلك .

ومن هنا يمكن ان يستدل على كون وجوب اعلان البراءة من المشركين متعلقا بعموم الناس . بالقول بان توجه الخطاب في الايات ابتداء الى عموم افراد المجتمع الديني كما يظهر جليا من ضمير الخطاب الوارد بصيغة الجمع في الايات في كلمات مثل ( عاهدتم ) و( ينقصوكم ) و( يظاهروا عليكم ) و( فاتموا ) و( فاقتلوا ) وغيرها، فان المستفاد في مثل ذلك منه العموم المجموعي، لا الاستغراقي او البدلي .

ومقتضى وحدة السياق في البراءة والاذان تعلق هذين التكليفين بعموم الافراد ايضا لا بفرد خاص او جماعة معينة .

غير انه يمكن ان يناقش في الاستدلال المذكور بمناقشات:

المناقشة الاولى: ان ضمير خطاب الجمع الوارد في الايات الكريمة وان كان ينفي توجه التكليف الى شخص بخصوصه كالنبي (صلى اللّه عليه و آله) لكنه لا ينفي توجهه الى جماعة خاصة هي الجماعة المشكلة لافرادمجتمع ذلك الزمان، لانهم المقصودون بضمير الخطاب .

وقد يرد على هذه المناقشة:

اولا: بالقاعدة الاصولية المعروفة من ان الخطاب لا يختص بالمشافهين بل يعمهم وغيرهم لوجوه ذكروها في محلها اهمها: ان الخطاب انما يختص بهم اذا لوحظ المخاطبون بما هم افراد خارجيون، واما اذا لوحظوا بمايحملون من صفة اخرى ككونهم مسلمين او مؤمنين او غير ذلك كما في قوله تعالى: ( يا ايها الناس . . . ) و( ياايها الذين آمنوا . . . ) فالخطاب لا يختص بهم، بل يعم كل من كان على تلك الصفة في الحال او الاستقبال كماهو مقرر في علم الاصول ((195))، ومعه تكون شاملة للموجودين في زماننا هذا .

ت لكن يلاحظ على الرد المذكور ان الايات اشارت الى عهود كانت معقودة بين المسلمين والمشركين، وانهاانما نزلت لنبذها وتحليل المسلمين منها، وقد خاطبت هذه الايات المسلمين على انهم هم المعاهدون فيها، ومن الواضح ان تلك العهود عهود خارجية ذات مشخصات فردية، وكذلك الاطراف الداخلة فيها من المسلمين والمشركين وغيرهم، وما كان كذلك يستحيل ان يكون كليا، او ان يتمثل بغيره او ينطبق عليه . واذا تعلق الحكم بالاطراف مورد الخطاب لم يكن لشموله لغيرهم من سبيل، فيختص بهم وحدهم، ولا يعم غير مسلمي ذلك الزمان .

وبعبارة اخرى: ان العبارة تضمنت تقييد البراءة بقيد خارجي يجعلها غير قابلة للانطباق الا على الاطراف الداخلة فيه زمان النزول .

وقد يجاب عن ذلك بان المقصود من عدم الاختصاص المذكور القول بان البراءة من قبل اللّه ورسوله جاءت عامة لنفي مشروعية اي عهد بين المسلمين والمشركين سواء ما ثبت بينهم في الماضي او يثبته في الحال اوالاستقبال . والتعبير بصيغة الفعل الماضي جاء بلحاظ انعقاده وابرامه؛فان العهد والميثاق لا يكونا عهدا وميثاقاكذلك الا بعد التمامية والانعقاد، وما قبلهما ليس كذلك، بل من مقدماتهما، ولا معنى للتبرؤ من مقدمات العهدوالميثاق، وسلب المشروعية عنها؛فلذلك فرض العهد والميثاق تامين، ولوحظا منعقدين، فرغ من تماميتهماوانعقادهما، ليصدق عنوانا العهد والميثاق، ويصح التبرؤ منهما وسلب المشروعية عنهما .

وضمير الخطاب الوارد في الايات ناظر الى جماعة المسلمين من وجد ومن هو موجود او سيوجد، فكان اللّهسبحانه وتعالى قال: يا ايها المسلمون المتواجدون على طول التاريخ في الماضي والحاضر والمستقبل كل عهد عاهدتم به المشركين او ميثاق ابرمتموه معهم فليس بمشروع في الاسلام، وانا ورسولي منه برآء .

ت لكن الجواب المذكور غير تام، اذ قد فرض للعهود المذكورة اجلا معينا امده اربعة اشهر من حين الاعلان للبراءة مما يعني ارادة عهود خارجية محددة، وانما فرض الاجل المذكور لانهاء العمل بموجبها من الطرفين،وبدء تنفيذ قرار البراءة، فلو كان المراد من العهود اي عهد وان كان مفروض الوقوع في المستقبل لم يكن ثمة معنى لتاجيل سلب المشروعية عنه بالاجل المفروض، مع فرض تقدم حكم البراءة على انعقاده بما يزيد على تلك المدة وذلك الاجل بزمان طويل، بل المفروض ان يقع مسلوب المشروعية من حين انعقاده، فلابد ان يكون المراد من البراءة من العهود في قوله تعالى: ( الى الذين عاهدتم ) العهود المنعقدة قبل نزول النص المذكور، وبه تتحول القضية والحكم الوارد فيها الى قضية خارجية .

ثانيا: بان ظاهر الايات وان كان دالا بالمطابقة على ورودها بخصوص معاهدات خاصة ومعاهدين معينين،لكنها تدل بالالتزام على براءة اللّه ورسوله من كل عهد وميثاق للمسلمين مع المشركين سبق زمان النص اوضارعه او لحقه؛لما سلف منا بيانه من ان المقصود ازالة ما بين المسلمين والمشركين من علائق وتعهدات تحول دون جهادهم، وتمنع من مقاتلتهم، وتفرض لهم عصمة وحصنا في الدم او العرض او المال، وهذا ماتدل عليه الايات بوضوح حيث رتبت على ذلك جواز اخذهم وقتلهم والترصد لهم بقوله تعالى: ( فاذا انسلخ الا شهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ) ((196)) .

وليس من المعقول ان تنهي الايات المذكورة العهود والمواثيق السابقة على نزول النص ويتبرا اللّه ورسوله منهاومن التزام المسلمين بها، ثم يسمح بوقوع عهود ومواثيق اخرى بين المسلمين والمشركين بعد ذلك ولا يتبرامنها، فالنص دال بالمطابقة على نبذ العهود والمواثيق السابقة على النص، وابطال تاثيرها، وايقاف العمل بهاخلال مدة اقصاها اربعة اشهر، وبالالتزام على ابطال كل عقد وعهد بين المسلمين والمشركين وسلب المشروعية عنه سواء تقدم على النص او ضارعه او تاخر عنه، فالسابق على النص يصير باطلا بعد انتهاء اجل الاربعة اشهر من اعلان البراءة او الاجل المفروض في متن العقد ان كان مؤجلا، والمضارع له او المتاخر عنه يقع باطلا وغير مشروع من حين انعقاده .

ت وهذا الرد ايضا يمكن ان يناقش فيه:

اولا - بان فرض وجود ملازمة بين تبرؤ اللّه ورسوله من عهود المشركين ومواثيقهم في زمان وتبرؤهما منهافي الازمنة اللاحقة على ذلك غير ثابت، اذ ما من موجب لهذه الملازمة؛ولا دليل عليها الا ما يحكم به العقل من ان دفع الشيء اولى من رفعه، وهو مع كونه مشكوك الثبوت اصلا انما يصدق بالنسبة الى الشيء الواحد،لا مثل الاتفاقيات والمعاهدات الواقعة بين طرفين والتي تتغير بتغير الظروف والاحوال؛اذ يمكن ان يقال: بان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ابرم معاهدات في ظرف اقرها اللّه عليه لكونها تصب في مصلحة الاسلام والمسلمين، فلما وجدها بعد امد قد تحولت الى حجر عثرة في طريق انتشار الاسلام وقوة المسلمين نقضهاوتبرا من الالتزام بها . ثم ان تغيرت الظروف والاحوال فاقتضت المصلحة عقد عقود ومعاهدات مماثلة للاولى في زمان لاحق فعل، ثم ان تحولت كالاولى لغيت وهكذا، خصوصا واننا لا نقر البداء والنسخ من اللّه سبحانه لما سبق الا بمعنى الدفع لا الرفع، اي زوال المصلحة المقتضية للحكم الاول وعروض مصلحة جديدة عليه، والا فانه لوفرض بقاءالحكم الاول على المصلحة السابقة لما كان موجبا لارتفاعه، وليس يقدح ذلك في طريقة الشارع بعد فرض ان المراد من نقض العهد هنا هو انهاء العمل بالعهود والعقود والاتفاقيات غير المحددة باجل او زمان، فان التابيد في مثلها غير مقصود لا للمتعاقدين ولا متبان عليه من قبل العقلاء، فتكون جائزة يلتزم به كل طرف ما دام الطرف الاخر بها ملتزما، فان اراد انهاء العمل بها انذر الاخر وامده امدا حتى يتخذ الترتيبات اللازمة لذلك، وليس المراد نقض العهود المحددة باجل وزمان والطرف الاخر ملتزم بها، فانه مما لا يتماشى وقوله تعالى: ( اوفوا بالعقود ) .

ت لكن المناقشة المذكورة غير صحيحة بلحاظ ان الظاهر من آيات البراءة هو جعل حكم شرعي بحق المسلمين يلزمهم بانهاء العقود والعهود المبرمة مع المشركين غير المحددة بزمان معين . والحكم الشرعي وان امكن نسخه بحكم آخر تقتضيه المصلحة زمانا ما، لكنه ان لم يدل دليل على نسخه وابطاله يبقى ثابتا ساري المفعول وينطبق عليه ما نقل عنه (صلى اللّه عليه و آله) من القول بان حلال محمد (صلى اللّه عليه و آله) حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة ((197)) .

والمفروض في حكم البراءة انه لم يات ما يدل على نسخه وابطال العمل به مع انتهاء عصر التشريع، فيجب ان يبقى نافذا الى يوم القيامة كذلك .

نعم، لو استفيد من آيات البراءة ان الحكم الوارد فيها والمستفاد منها حكم حكومي لا شرعي لم يكن ما يوجب التقيد والتعبد به في كل حال وزمان، بل يكون ذلك راجعا للحاكم وللولي ليبت فيه بحسب ما يؤدي اليه تشخيصه للمصالح والظروف الحاصلة في زمانه .

والمفروض ان الاستدلال منعقد لاثبات انه حكم شرعي يجب العمل به ولا يجوز التخلف عنه، لا انه حكم حكومي تابع لتشخيص الحاكم، فالمناقشة غير تامة .

وثانيا: ان الجوامع الحديثية والمصادر التاريخية وكتب التفسير اتفقت على ان المكلف باعلان البراءة هذا كان النبي (صلى اللّه عليه و آله) وانه كلف ابا بكر به اولا بعد ان ولا ه امارة الحجيج، وان جبرئيل هبط بعد مسيرابي بكر على النبي (صلى اللّه عليه و آله) فابلغه انه لا يؤدي عنك الا انت او رجل منك، فبعث بعلي خلفه لياخذمنه سورة براءة ويؤذن في الناس في محال اجتماعهم .

وقد احصى العلامة الاميني في كتابه الغدير من نقل الواقعة من اهل السنة في كتبه ومصنفاته فبلغوا 73رجلا، وذكر عددا كبيرا من الروايات في ذلك ((198)) .

فان التعبير الذي نزل به الروح الامين (عليه السلام) على النبي (صلى اللّه عليه و آله) يدل بوضوح على ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان هو المكلف باعلان البراءة وما من احد مكلف به غيره .

نعم، روي عن ابي هريرة انه كان اذا صوت علي (عليه السلام) نادى هو مكانه، كما روي بمناداة غيره ايضالكنه مناف لما نزل به جبرئيل ولما فعله النبي (صلى اللّه عليه و آله) من اخذ براءة من ابي بكر، الا ان يراد ان يكون الاعلان والاذان بامرته، فلا ينافي مناداة غيره به، لكن الروايات المذكورة لم تثبت من غير طرق اهل السنة ((199)) المقدمة الرابعة: تكرارية التكليف يمكن الاستدلال للمقدمة الرابعة بتقريبين:

التقريب الاول: ان المستفاد من الايات الكريمة وجود تكليفين احدهما البراءة من المشركين بنبذ عهودهم ومواثيقهم التي قطعوها للمسلمين استنادا الى قوله تعالى: ( براءة من اللّه ورسوله الى الذين عاهدتم من المشركين ) .

والاخر: اعلان البراءة المذكورة كل عام في موسم الحج استنادا الى قوله الاخر: ( واذان من اللّه ورسوله الى الناس يوم الحج الا كبر ان اللّه بريء من المشركين ورسوله ) .

وظاهر عطف الاو ل على الثاني تغايرهما ومطلوبية كل منهما بنفسه بنحولا يكون امتثال احدهما مغنيا عن امتثال الاخر او متعلقا به وتابعا اليه .

واذ جعل اعلان البراءة من المشركين مقيدا بيوم الحج الاكبر، والحج فريضة ثابتة على المسلمين في كل عام،فيلزم من تكرر ظرفه تحقق موضوعه كل عام، وبتحققه تثبت فعلية الوجوب لان نسبة الموضوع اليها نسبة العلة الى المعلول الذي لا يجوز عقلا تخلفه مع حضورها .

لكن الاية المذكورة على فرض دلالتها على الوجوب يرد عليها:

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية