الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

5 و 6 - ومنها:ما دل على تحديد الوقت بوقت اعتراض الفجر واضاءته حسنا كما في صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال:«كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يصلي ركعتي الصبح وهي الفجر اذا اعترض الفجر واضاء حسنا» . ((240)) ومثلها ما ورد فيما رواه موسى بن بكر عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) من انه:اذا طلع الفجر واضاءصلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) الغداة ((241)) .

وعند غلبة ضوء القمر - كما في الليالي البيض - لا يصدق ان الفجر قد اضاء الا مع التاخير .

ولكن الظاهر ان تاخير النبي (صلى اللّه عليه و آله) صلاة الفجر حتى اضاء الفجر حسنا لا يدل على وجوب التاخير وعدم جواز الاتيان بها قبل ذلك، واما استمراره على الاتيان بها بعد اعتراض الفجر واضاءته على مايستفاد من كلمة «كان» فمن الممكن ان يكون مستندا الى جهة اخرى غير عدم جواز الاتيان بها قبل ذلك الوقت .

وام ا من حيث السند فالرواية الاولى صحيحة بلا اشكال، واما الثانية فمن هو محل للنقاش هو موسى بن بكرحيث لم يشهد بوثاقته في كتب الرجال ولكن هناك امور ذكروها لتوثيقه :

احدها - وروده في تفسير علي بن ابراهيم، وقد اعتمد على ذلك السيد الخوئي ((242)) .

والثاني - رواية بعض الثلاثة كصفوان عنه، وهو مما اعتمد عليه السيد الشهيد الصدر ((243)) وتبعه بعض ((244)) .

والثالث - دلالة ما ورد في الكافي حيث روى الكليني (رحمه اللّه) عن حميد بن زياد عن الحسن بن محمد بن سماعة قال:دفع الي صفوان كتابا لموسى بن بكر فقال:هذا سماعي من موسى بن بكر وقراته عليه فاذا فيه موسى بن بكر عن علي بن سعيد عن زرارة قال:هذا مما ليس فيه اختلاف عند اصحابنا عن ابي عبداللّه وابي جعفر (عليهاالسلام) انهما سئلا عن امراة تركت زوجها وامها وابنتيها فقال:«للزوج الربع وللام السدس واللابنتين ما بقي؛لانهما لو كانا رجلين لم يكن لهما شيء الا ما بقي، ولا تزاد المراة ابدا عن نصيب الرجل لو كان مكانها» ((245)) .

فقد فهم بعض من قوله:هذا مما ليس فيه اختلاف عند اصحابنا ان صفوان قال هذا الكتاب - اي كتاب موسى بن بكر - مم ا ليس فيه اختلاف عند اصحابنا وهو يدل على وثاقته ((246)).

ويرد عليه:انه لا ظهور لهذه العبارة في هذا المعنى، بل يمكن ان يقال ان ظاهرها ان صفوان يقول ان الحكم المذكور في الرواية مما ليس فيه اختلاف عند اصحابنا . وبكلمة اخرى:انه يقول ان صدور الرواية بهذاالمضمون عن الامام مما ليس فيه اختلاف عند اصحابنا، وعليه فلا يكون كتاب موسى بن بكر مشارا اليه بهذا، ولا اقل من الاحتمال، وعليه فليس الخبر دليلا على وثاقته .

والرابع - اعتماد جعفر بن سماعة واحتجاجه برواية موسى بن بكر فان الكليني قد روى عن حميد بن زياد عن الحسن بن محمد بن سماعة عن جعفر بن سماعة ان جميلا شهدبعض اصحابنا وقد اراد ان يخلع ابنته من بعض اصحابنا فقال جميل للرجل:ما تقول رضيت بهذا الذي اخذت وتركتها ؟ فقال:نعم، فقال لهم جميل:قوموا فقالوا:يا ابا علي ليس تريد يتبعها الطلاق ؟ قال:لا ،قال:ولو كان جعفر بن سماعة يقول:يتبعها الطلاق في العدة ويحتج برواية موسى بن بكر عن العبدالصالح (عليه السلام) قال:قال علي (عليه السلام):المختلعة يتبعها الطلاق ما دامت في العدة ((247)) .

والمناقشة فيه ما ذكره السيد المحقق الخوئي (قدس سره) من ان العمل من احد كابن الوليد وغيره وكذا الصدوق حيث يقول :

لا اذكر الا ما كان حجة بيني وبين ربي لا يدل على حجية الرواية في نفسها ولا يكشف عن وثاقة الراوي بوجه؛اذ لا ندري لعل العامل كان معتمدا على اصالة العدالة كما هو غير بعيد في كثير من القدماء حيث كانوا يكتفون بكون الراوي اثني عشريا لم يظهر منه فسق، فاعتماد جعفر بن سماعة او غيره على رواية مع عدم العلم بما يعتبرونه في حجية الرواية لا يكون حجة لنا. ((248)) وهناك روايات اخرى وردت لتحديد مبدا صلاة الفجر، فمنها ما دل على ان او ل وقت صلاة الفجر يكون من حين الانشقاق كما في صحيحة ابن سنان من قوله (عليه السلام):«وقت صلاة الفجر حين ينشق الفجر الى ان يتجلل الصبح السماء». ((249)) ومن الواضح انه لا يستفاد من ذلك اعتبار الرؤية والتبين الحسي؛ فانه يصدق انشقاق الفجر منذ اخذ الافق في البياض ولو لم يكن مرئيا.

ومثل ذلك ما ورد في جملة من الروايات من تحديد اول الوقت بطلوع الفجر كما في موثقة عمار من قوله (عليه السلام):«الفجر ما بين ان يطلع الفجر الى ان تطلع الشمس» ((250))؛فان عنوان الطلوع لا يدل الا على اصل تكون الفجر وتحققه سواء كان مرئيا او غير مرئي . ومثله عنوان البدو الذي ورد في رواية يزيد بن خليفة عن ابي عبداللّه (عليه السلام) قال:«وقت الفجر حين يبدو حتى يضيء» ((251))؛فان الظاهر انه لا يستفاد منها الا ان موضوع الحكم هو تحقق الفجر وتكونه وان لم يكن مرئيا لمانع من الموانع كالغيم وغلبة ضوء القمر.

واما سند الرواية الاخيرة فضعيف بيزيد بن خليفة؛فانه لم يشهد بوثاقته في كتب الرجال الا ان بعض الاعلام قد وثقه لرواية بعض الثلاثة عنه كصفوان ((252)).

هذا، لو فرضنا ان ظاهر بعض الادلة اعتبار الرؤية والتبين الحسي في موضوع الحكم لامكن ان يقال ان الرؤية تكون اعم من الرؤية بالعين المتعارفة؛ فان اطلاقها يشمل الرؤية بالعين القوية او المسلحة، فعند غلبة ضوء القمر وان لم يكن الفجر قابلا للرؤية بالعين المتعارفة، الا انه قابل للرؤية بالعين القوية او المسلحة ،وهو كاف لفعلية موضوع الحكم .

الاصل العملي في المسالة :

لو فرضنا عدم تمامية الاستدلال بالادلة اللفظية كتابا وسنة فتصل النوبة الى التمسك بالاصل العملي الجاري في المقام، فنقول:  ان الشك الحاصل لنا في المقام يكون منشاه هو الشك في انه هل تعتبر في ترتب الاثررؤية الفجر وتبينه حسا، او يكفي مجرد احراز طلوع الفجر ولو لم يتبين حسا ؟

وبكلمة اخرى:ان منشا الشك هنا هو الشك في ان موضوع الاثر هل هو واقع الفجر او تبينه ؟ فالشك في المسالة انما يكون في جعل الشارع، وتكون الشبهة حينئذ حكمية لا موضوعية، ومقتضى القاعدة الاولية هناهو لزوم الاحتياط، فيجب الصبر في اداء صلاة الفجر حتى يظهر بياض الفجر ويغلب على ضوء القمر، كمايجب الامساك عن المفطرات في الصوم عند تكون الفجر وقبل غلبة ضوئه على ضوء القمر .

وقد يقال:ان مقتضى الاصل الحاكم في المسالة جواز ترك الامساك ووجوب تاخير صلاة الفجر حتى يظهربياض الفجر ويغلب على ضوء القمر ((253)) .

والتحقيق في المقام:هو ان الشك في المقام ان كان راجعا الى الشك في معنى الفجر الذي هو موضوع الحكم وانه عبارة عن الفجر الواقعي او انه نفس تبين الخيط الابيض من الخيط الاسود وتميز احدهما عن الاخر فلايجري الاستصحاب الموضوعي وهو استصحاب الليل او عدم الفجر، ولا الاستصحاب الحكمي وهو استصحاب جواز الاكل والشرب وعدم جواز الدخول في صلاة الفجر .

اما عدم جريان الاستصحاب الموضوعي فلان المراد به اما الاستصحاب في ذات الموضوع او فيه بوصف كونه موضوعا للحكم .

فان كان المراد الاول فوجه عدم جريانه هو ان الشك في المقام لم يتعلق بالموجود الخارجي اصلا؛اذالمفروض انه يعلم ان الفجر الواقعي قد تحقق وانه لم يتبين بعد، وانما الشك والترديد في صدق مفهوم الليل على هذه القطعة من الزمان، فان كان الليل الى طلوع الفجر الواقعي فلم يصدق عليها الليل، واما ان كان الليل الى تبين الفجر فيصدق عليه الليل .

والحاصل:ان عدم جريان استصحاب ذات الليل انما هو لفقد احد اركانه، وهو الشك اللاحق.

والامر كذلك بالنسبة الى استصحاب عدم الفجر فوجه عدم جريانه هو ان الشك حينئذ لم يتعلق بالموضوع الخارجي؛اذ المفروض العلم بتحقق الفجر وعدم تبينه في تلك القطعة من الزمان، وانما الشك والترديد في صدق مفهوم الفجر هنا، فانه لا يعلم انه اذا تكون الفجر واقعا ولكن لم يتبين هل يصدق ان الفجر قد تحقق ام لا ؟ فان كان الفجر هو الفجر الواقعي فيصدق ان ه تحقق حينئذ، وان كان الفجر هو التبين فلا يصدق انه تحقق .

واما ان كان المراد الثاني - اي استصحاب وصف الموضوعية - فوجه عدم جريانه هو انه يرجع الى استصحاب الحكم؛لان الموضوعية وترتب الحكم امران متضايفان؛اذ لا معنى للموضوعية الا ترتب الحكم واستصحاب الحكم، غير جار ايضا، لانه يشترط في جريان استصحاب الحكم احراز بقاء الموضوع، وهذاالشرط مفقود هنا؛لان الليل ان كان صادقا على هذه القطعة من الزمان التي تكون فيها الفجر واقعا ولكن لم يتبين فالموضوع باق جزما، واما ان كان لم يصدق الا اذا تبين فهو غير باق جزما، وعلى هذا فلا يكون بقاء الموضوع محرزا .

وبكلمة اخرى:ان دخل الليل في ترتب الحكم حيث انه يكون بنحو الحيثية التقييدية لا التعليلة فلا يكون بقاءالموضوع محرزا، فالشرط غير حاصل .

واما لو قلنا انه لا شك لنا في ان الفجر معناه هو الفجر الواقعي وان معناه امر آخر غير التبين، فالشك حينئذيرجع الى الشك في ان موضوع الحكم هل هو الفجر الواقعي مطلقا او اعتبر فيه امر زائد عليه وهو تبينه وتميزه حسا .

وبكلمة اخرى:ان الامر دائر بين كون الموضوع هو الفجر الواقعي وان لم يتبين وبين كونه مقيدا بانه مرئي ومتبين تبينا حسيا، فعند الشك يجري اصل البراءة عن التقييد، وعليه فيجوز الاتيان بصلاة الفجر قبل غلبة ضوء الفجر على ضوء القمر، كما يجب حينئذ الامساك عن المفطرات في الصوم .

قاعدة الاتلاف عند الامام الخميني (قدس سره)

الشيخ محمد الرحماني

تمهيد :

من البحوث المهمة - لا سيما في عصرنا الحاضر لضمان الحقوق الفردية والاجتماعية وتحقيق العدالة الاجتماعية - قاعدة الاتلاف في باب الضمانات ولزوم تدارك الخسارة «الضمان القهري» .

وقبل الدخول في البحث ننبه على ثلاثة امور :

الاول:ان مدار البحث وان كان على راي الامام الخميني (قدس سره) الا اننا توسعنا في المطالب لمزيدالفائدة .

الثاني:ان البحوث المتعلقة بقاعدة الاتلاف كثيرة ومتشعبة، ولكننا اخترنا المهم منها، فيما حذفنا الكثير الاخركالبحث عن السبب والمباشر وغيرها واجملنا البحث في البعض الثالث .

الثالث:لم نتعرض لاراء الجمهور ولا لمباحث القانون الوضعي في هذا البحث؛وذلك رعاية للاختصار .

محاور البحث :

اولا - نص القاعدة .

ثانيا - موقعية القاعدة .

ثالثا - اقسام الضمان .

رابعا - اهمية قاعدة الاتلاف .

خامسا - ادلة قاعدة الاتلاف .

سادسا - رؤية القانون المدني .

سابعا - حدود قاعدة الاتلاف .

1 - ضمان المجنون والصبي والغافل .

2 - ضمان منافع الاعيان .

3 - ضمان عمل الحر .

4 - ضمان عمل الاجير والعبد .

ثامنا - كيفية الضمان .

تاسعا - الفرق بين قاعدة الاتلاف وقاعدة اليد .

عاشرا - الفرق بين قاعدة الاتلاف والغصب .

اولا - نص القاعدة :

ان النص المعروف للقاعدة هو:( من اتلف مال غيره فهو له ضامن )، بل ظن بعض ان ذلك متن رواية .

ثانيا - موقعية القاعدة :

قسم المصنفون في القواعد الفقهية هذه القواعد الى عدة اقسام، ومن اجل الالمام بمكانة ودور قاعدة الاتلاف بين سائر القواعد الفقهية الاخرى وما يترتب عليها من ثمرات نشير بشكل اجمالي الى هذه الاقسام والتقسيمات :

ا - التقسيم الاول:بلحاظ الابواب الفقهية . وتقسم الى ستة اقسام :

1 - القواعد الفقهية الجارية في جميع الابواب الفقهية كقاعدة «لا ضرر» وقاعدة «لا حرج»، وتسمى عندهم بالقواعد العامة .

2 - القواعد الفقهية الجارية في بعض الابواب الفقهية كقاعدة «الفراغ» وقاعدة «لا تعاد» وقاعدة «من ادرك» .

3 - القواعد الجارية في باب المعاملات بالمعنى الخاص كقاعدة «تلف المبيع في زمن الخيار» وقاعدة «مايضمن بصحيحه يضمن بفاسده» .

4 - القواعد الجارية في المعاملات بالمعنى العام كقاعدة «العقود تابعة للقصود» وقاعدة «اللزوم» وقاعدة «السلطنة» .

5 - القواعد الجارية في باب القضاء كقاعدة «البينة على المدعي واليمين على من انكر» .

6 - القواعد المتعلقة بالاحكام الجزائية كقاعدة «الحدود تدرا بالشبهات» .

ب - التقسيم الثاني:بلحاظ الشبهات الحكمية والموضوعية .

تقسم القواعد الفقهية بهذا الاعتبار الى قسمين :

1 - قواعد تجري في الشبهات الحكمية والموضوعية معا كقاعدة «الميسور» و«العسر» و«الحرج» .

2 - قواعد تختص بالشبهات الموضوعية كقاعدة «الفراغ» و«التجاوز» و«الحلية» .

ج - التقسيم الثالث:بلحاظ الدليل . وتقسم بهذا اللحاظ الى قسمين :

1 - القواعد التي تستمد تسميتها مضافا الى مضمونها من الايات والروايات كقاعدة «لا ضرر» وقاعدة «اليد» .

2 - القواعد المتصيدة من شتات المباحث الفقهية كقاعدة «تقديم الاهم على المهم» .

وتعتبر قاعدة الاتلاف بلحاظ التقسيم الاول من قواعد باب المعاملات بالمعنى العام .

وبلحاظ التقسيم الثاني من سنخ القواعد الخاصة بالشبهات الموضوعية، فلا تجري في الشبهات الحكمية .

وتدخل بلحاظ التقسيم الثالث في القسم الثاني منه مع فارق انها لم تؤخذ تسميتها من نص الايات والروايات ،وان كان البعض قد توهم ان تسميتها ماخوذة من الحديث النبوي .

وسوف نشير في بحث الادلة الى عدم صحة ذلك . نعم، وردت بعض الفاظ هذه القاعدة في بعض الروايات، واما مضمونها فهو وارد في كثير من الايات والروايات في ابواب عديدة، وسنتعرض لمناقشة ذلك عند البحث عن ادلة القاعدة .

اما ثمرة البحث هنا هي ان هذه القاعدة على تقدير كونها نص آية او رواية - كما في قاعدة «لا ضرر» -فانه يمكن التمسك باطلاقها اللفظ ي في موارد الشك، واما اذا كانت متصيدة فلا يمكن التمسك باطلاق ( من اتلف مال الغير فهو له ضامن ) بل يتمسك باطلاق الادلة الدالة عليها .

ثالثا - اقسام الضمان :

لما كانت قاعدة الاتلاف متعلقة بالضمان فان من المناسب التعرض لاقسام الضمان . وقد بحث الفقهاء مباحث الضمان في ثلاثة مواضع واقسام، وهي:كتاب عقد الضمان، الضمان المعاوضي العقدي، والضمان القهري .

وقد بحث فقهاء القانون عن الضمان في هذه الاقسام الثلاثة مع اضافة بعض العناوين والمباحث الاخرى . ومن الواضح دخول قاعدة الاتلاف في القسم الاخير التي يصطلح عليها في القانون بالمسؤولية المدنية .

رابعا - اهمية قاعدة الاتلاف :

تعتبر قاعدة الاتلاف من القواعد القريبة واللصيقة ببحث الضمان القهري . وهي من اهم القواعد في هذا المجال لو لم نقل انها الاهم على الاطلاق . ومن اجل الوقوف على اهمية هذه القاعدة نشير الى مساحة هذه القاعدة والموارد والاشكالات التي يمكن ان يستفاد من القاعدة في علاجها :

1 - هل تنحصر دائرة القاعدة بحدود الاتلاف الواقع عن عمد واختيار، او انها تعم الواقع منه عن خطاواكراه ؟

2 - هل ان موضوع القاعدة خصوص المال التالف، او يشمل العين غير التالفة التي انخفضت ماليتها ؟

3 - هل يشترط في الضمان بهذه القاعدة شروط التكليف من البلوغ والعقل او لا ؟

4 - هل يستفاد من القاعدة اضافة الى اصل الضمان كيفية الضمان من كونه مثليا او قيميا ؟

5 - هل ينحصر الضمان بالمباشرة، او يشمل التسبيب ايضا ؟

6 - هل تشمل القاعدة مضافا الى اتلاف الاعيان اتلاف المنافع او لا ؟ واذا كانت شاملة لذلك فهل هناك فرق بين المنافع المستوفاة والمنافع غير المستوفاة ؟

7 - هل تجري القاعدة في الحقوق التالفة او لا ؟

8 - هل تشمل القاعدة ضمان اتلاف عمل الانسان او لا ؟ واذا كان كذلك فهل يفرق بين عمل الحر الكسوب وغيره والاجير وغيره ؟

9 - ما الفرق بين هذه القاعدة والقواعد المشابهة لها كقاعدة «التغرير» و«التسبيب» ؟

10 - هل يشمل موضوع القاعدة الامانة او لا ؟

11 - هل تشمل القاعدة - مضافا الى ضمان دية العضو ونحوه - مصارف العلاج والمحاكمة او لا ؟

هذه الاسئلة وغيرها الكثير نحاول الاجابة عليها في هذا البحث، وان كان بعضها بحاجة الى بحث مستقل بنفسه كالتساؤل السادس والثامن .

فتنشا اهمية البحث هنا من التركيز على مسالة الضمان القهري في هذه القاعدة، في حين بحثها الفقهاء في ابواب متفرقة كالاجارة والبيع والغصب والعارية والوديعة، هذا من جهة، ومن جهة اخرى بلغت اهمية بحث الضمان الى حد بحيث حاول بعض القانونيين اختزال او افراغ الكثير من قواعد القوانين المدنية في اطار قواعدالضمان القهري .

وتتجلى حقيقة الامر اكثر اذا ما لاحظنا نمو الاستثمارات الراسمالية والتطور الصناعي المذهل الذي ينعكس على تطور الحياة، مما يستدعي وضع الاطر التشريعية لضمان الخسارات الواردة في سياق عجلة التقدم .

خامسا - ادلة القاعدة :

ا - الايات :

وقد استدل بقوله تعالى:( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) ((254)) بتقريب ان اتلاف مال الغير او منافعه او حقوقه بغير اذنه من مصاديق التعدي، وحينئذ يجوز بناء على دلالة الاية تضمين المتعدي، والضمان يشكل المدلول الالتزامي للاية لو لم نقل انه مدلولها المطابقي الصريح .

وقد تمسك بعض الفقهاء كالشيخ الطوسي وابن ادريس بالاية مضافا الى اثبات اصل قاعدة الاتلاف لاثبات نوعية الضمان من المثلي والقيمي .

قال الشيخ الطوسي:«الاموال على ضربين:حيوان وغير حيوان، فاما غير الحيوان فعلى ضربين:ما له مثل وما لا مثل له . . . فاذا غصب غاصب من هذا شيئا، فان كان قائما رده، وان كان تالفا فعليه مثله؛لقوله تعالى:( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم )» ((255)) .

المناقشة:ويمكن المناقشة في هذا الاستدلال بما يلي :

المناقشة الاولى:ان الاية المباركة نازلة في جواز التعدي على العدو في الحرب اذا تعدى، ولا ربط له بباب الضمان .

يقول الامام الخميني مستشكلا على الاستدلال بالاية لاثبات الضمان:«لكن يرد عليه انه لا شبهة في دخول الاعتداء بالحرب في الاية لو لم نقل باختصاصها به، لاجل كونها في خلال آيات الجهاد كقوله تعالى : ( ولاتق اتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فان قاتلوكم فاقتلوهم ) . . . فقوله تعالى ( فمن اعتدى عليكم ) تفريع على ذلك، فهو اما مختص بالحرب فلا دلالة فيه على الضمان المطلوب، او كبرى كلية، فلامحالة يكون الاعتداء بالحرب داخلا فيها، ولا يمكن اخراج المورد عنها وتخصيصها بموردالماليات» ((256)) .

المناقشة الثانية:ان المدعى في مفاد القاعدة هو ضمان المتلف سواء كان الاتلاف عن عمد واختيار او كان عن غفلة واكراه، في حين ان الماخوذ في الاية عنوان ( العدوان )، وهو صادق في حال العمد والاختيار دون ما كان عن غفلة او اكراه، وعليه فالدليل اخص من المدعى .

المناقشة الثالثة:ان صحة الاستدلال بالاية تتوقف على اعتبار ( ما ) في قوله تعالى ( ما اعتدى ) موصولة ،واما اذا كانت مصدرية فلا تدل على اكثر من جواز التعدي على المعتدي، ولا تدل على الحكم الوضعي وهوالضمان، ومع تطرق هذا الاحتمال فلا يمكن الاستدلال بالاية على المدعى لاجمال الاية حينئذ .

المناقشة الرابعة:انه حتى لو فرضنا ان ما في قوله تعالى ( ما اعتدى عليكم ) موصولة لا مصدرية فانهاانما تدل على الضمان اذا كان المراد بها الاشياء والاموال ( اي المعتدى به ) هي المعتدى عليها لا نفس عمل التعدي؛لانه لو كان المصداق في ( ما ) هو فعل التعدي لكان معنى الاية الجواز التكليفي للتعدي في قبال فعل التعدي الذي تعرض له المعتدى عليه، فلو تصرف المعتدي مثلا بمال الغير جاز لذلك الغير التصرف في ماله بمثل ما هو تصرف في ماله، واما ضمان المتلف وملك المتلف عليه ماله للضمان فلا يستفاد من الاية؛اذ لاملازمة بين جواز التصرف في مال وبين تملكه، وعليه فيجوز له التصرف في اموال المعتدي وانفاقها من دون ان يكون مالكا لها . فالمتحصل هو عدم تمامية دلالة الاية على القاعدة .

ب - الروايات :

بالرغم من عدم ورود «من اتلف مال الغير فهو ضامن» في اية رواية او خبر، الا ان الروايات تعتبر اهم الادلة على القاعدة، حيث وردت روايات كثيرة في عدة ابواب بهذا المضمون .

والروايات الواردة في ذلك يمكن تقسيمها من حيث المضمون الى عدة اقسام، الا ان المجال لا يسع لاستعراض دراسة الجميع، ولذا نكتفي بنقل قسم منها وان كان الامام (قدس سره) لم يتعرض لبعضها :

1 - روايات باب العتق :

روى صاحب الوسائل في الباب الثامن عشر من ابواب العتق ( 24 ) رواية على ضمان الشريك المعتق لشقصه من العبد المعتق، منها صحيحة سليمان بن خالد - التي استدل بها الامام الخميني - عن ابي عبداللّه (عليه السلام)، قال:سالته عن المملوك بين الشركاء فيعتق احدهم نصيبه فقال:«ان ذلك فساد على اصحابه فلا يستطيعون بيعه ولامؤاجرته . فقال :

يقوم قيمة فيجعل على الذي اعتقه عقوبة، وانما جعل ذلك عليه عقوبة كماافسده» ((257)) .

والرواية تامة سندا ودلالة، وحيث ان الحكم فيها بالضمان يدور مدار الافساد، فكلما وجدت هذه العلة فان الضمان يترتب عليها من باب القاعدة المشهورة ان العلة تعمم وتخصص، فان تعليل الحكم يوجب توسعته وتضييقه تبعا للعلة . وهناك روايات اخرى كصحيحة الحلبي ((258)) مطابقة في الفاظها للصحيحة المتقدمة .

يقول الامام الخميني في ذلك:«فيظهر منهما ومن غيرهما ان الافساد على المالك موجب للضمان، سواء كان في نفسه فسادا ام لا، فالعلة للضمان هو الفساد على المالك بنحو لا يمكن له الانتفاع المتوقع من ملكه ،فالحيلولة بين المالك وملكه كالقائه في البحر او اخراج طيره من القفص ونحو ذلك افساد على المالك وموجب للضمان» ((259)) .

2 - روايات اقامة الحد على مجامعة الامة المشتركة :

وهي تدل على ضمان الشريك لحصة الشريك اذا جامع الامة المشتركة بينهما مضافا الى تعزيره لافسادهاعلى الشريك الاخر . ويمكن تسرية الحكم من هذه الرواية لكل مال يفسد على صاحبه؛لان الحكم يدور مدارالعلة .

ومن الروايات التي تمسك بها الامام الخميني في هذا الباب رواية عبد اللّه بن سنان:قال:قلت لابي عبداللّه (عليه السلام) :

قوم اشتركوا في شراء جارية فاءتمنوا بعضهم وجعلوا الجارية عنده فوطاها قال:«يجلدالحد . . . وتقوم الجارية ويغرم ثمنها للشركاء» ((260)) .

هذا، وقد افاد (قدس سره) انه يستفاد منها - ومن روايات الباب - قاعدة الاتلاف اوسع منها ((261)) .

وهي تامة الدلالة على المدعى كما قال (قدس سره)، وحيث ان ذيلها قد علل الحكم بالافساد فالحكم بالضمان ثابت في كل مورد ثبت فيه الافساد في مال المالك .

واما من حيث السند فان صالح بن سعيد وان كان مشتركا بين الثقة وغير الثقة، الا ان المقصود به هو صالح بن سعيد القماط وهو موثق؛لانه من رجال تفسير القمي . واما يونس فهو مشترك بين الثقة وغيره، وعليه فهي ساقطة . ولكن يوجد في هذا الباب تسع روايات اكثرها تامة سندا ودلالة منها الرواية الاولى ((262)) .

3 - روايات باب الاجير :

عقد صاحب الوسائل بابا تحت عنوان «ان الصانع اذا افسد متاعا ضمنه كالغسال والصباغ والقصار والصائغ والبيطار والدلا ل ونحوهم . . .» ضمنه ( 23 ) رواية تدل اكثرها على قاعدة الاتلاف .

ومن جملة الروايات التي استدل بها الامام الخميني صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:سئل عن القصار يفسد فقال:«كل اجير يعط ى الاجرة على ان يصلح فيفسد فهو ضامن» ((263)) . والرواية واضحة الدلالة وصحيحة الاسناد، يقول الامام الخميني:«ومعلوم ان الضمان لاجل الافساد من غير دخالة للاجير فيه ،نعم لا يبعد ان يستفاد من نحوها ان المصلح من غير اخذ الاجر اذا افسد من غير تقصير فهو غير ضامن لقاعدة الاحسان» ((264)) . وقد نقل الامام (قدس سره) ايضا رواية اخرى هي رواية اسماعيل بن ابي الصباح ((265)) .

4 - روايات نكاح البهائم :

وهي نصوص كثيرة دالة على تعزير من يطا بهيمة وضمانه قيمتها لافسادها .

ومن جملة ما استدل به الامام الخميني على ذلك رواية سدير عن ابي جعفر (عليه السلام) في الرجل ياتي البهيمة، قال:«يجلد دون الحد، ويغرم قيمة البهيمة لصاحبها؛لانه افسدها عليه . . .» ((266)) .

ودلالة الرواية واضحة، والحكم الوارد في ذيلها يدور مدار العلة، وهي الاتلاف . واما سندها فقد عبر عنهاالامام (قدس سره) بالحسنة . وقد رواها اضافة الى الشيخ الطوسي الكليني والصدوق .

قال الامام الخميني في تقريب الاستدلال بها:«الظاهر ان المناط في الضمان هو الافساد على صاحب المال، لاافساد نفس المال، وافساد المال ايضا لاجل الافساد على صاحبه موجب للضمان» ((267)) .

5 - روايات باب الرهن :

دلت هذه الطائفة على ضمان المرتهن لمال الرهن اذا افسده .

ومن جملة هذه الروايات ما استدل به الامام من خبر اسحاق بن عمار:سالت ابا ابراهيم (عليه السلام) عن الرجل يرهن الرهن بمئة درهم وهو يساوي ثلاثمئة درهم فيهلك، اعلى الرجل ان يرد على صاحبه مئتي درهم ؟ قال:«نعم، لانه اخذ رهنا فيه فضل وضيعه . . .» ((268)) .

وهي تامة الدلالة، وقد اعتبرها الامام موثقة، قال (قدس سره):«ويفهم من التعليل ان كل من ضيع مال الغيرواهلكه فهو ضامن . واحتمال ان يكون الضمان لليد - فانه اذا هم على الاهلاك تتبدل يده الامانية بالضمان، فلوهلك ايضا يكون ضامنا - بعيد جدا؛لظهورها في ان التضييع والاهلاك موجب للضمان» ((269)) .

6 - روايات شهادة الزور :

ما تقدم ذكره من النصوص قد ورد في بحوث الامام (قدس سره)، ولكن ثمة روايات اخرى لم ترد في كلماته ،منها ما ورد في شهادة الزور اذا ادت الى تلف مال كصحيحة جميل عن ابي عبد اللّه (عليه السلام):«في شهادة اذا كان الشيء قائما بعينه رد على صاحبه، والا ضمن بقدر ما اتلف من مال الرجل» . ((270)) ودلالتها على اصل الضمان - مع قطع النظر عن حدود ذلك - تامة، وسندها صحيح .

7 - روايات ابواب موجبات الضمان :

وردت روايات كثيرة في كتاب الديات في موجبات الضمان واسبابه، وقد قسمها صاحب الوسائل الى اربعة واربعين عنوانا وبابا، وضمن كل باب جملة منها، ويشمل الكثير منها اضافة الى تلف المال ضمان تلف العضو والنفس، كما انها تشمل ضمان المباشر وغير المباشر اذا نسب اليه التلف، واشمل الروايات دلالة واكثرها تمسكا لدى الفقهاء صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال:سالته عن الشيء يوضع على الطريق فتمر الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره، فقال:«كل شيء يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لمايصيبه» . ((271)) وهي تامة سندا ودلالة، بل تدل على اوسع من مضمون القاعدة وهو تلف المال، كما سنتعرض لذلك لاحقا .

الحصيلة :

ما تقدم هو بعض النصوص التي يتصيد منها مفاد القاعدة، وهناك ابواب اخرى يستفاد منها ايضا كما في باب الوصية والرهن ((273))والعارية ((274)) والزكاة ((275)) ((272)) والاجارة ((276)) وحديث لا ضرر ((277)) . واكثرهاتام السند والدلالة، وانما اعرضنا عن نقلها خوف الاطالة . وعلى هذا الاساس فلا داعي للتمسك بمن اتلف مال الغير فهو له ضامن ليقال انه ليس من لسان الاخبار ليتمسك باطلاقه .

والعجب من بعض الفقهاء ((278)) ممن اهمل هذه النصوص وتمسك بلفظ من اتلف مال الغير فهو له ضامن لاثبات ضمان المنافع، مع انه ليس لسان الاخبار كما سمعت .

واما الروايات التي يستفاد منها حكم القاعدة فهي غير متفقة في كيفية الدلالة على المطلوب، ففي بعضها وردعنوان «الضمان» او عنوان «الاتلاف» كما في روايات باب الشهادات، وفي بعضها عنوان «الافساد» كما في روايات باب الحدود والاجارة والعتق والزكاة، وفي بعضها عنوان «لا ضرر» كما في رواية طريق المسلمين وحديث لا ضرر، وفي بعضها عنوان «الضياع» كما في نصوص باب الرهن . والقدر المشترك بينها وان كان هو الاتلاف بالمباشرة، الا ان النسبة بين بعضها هي العموم والخصوص المطلق كما في عنواني «الاتلاف والاضرار»، فالاضرار صادق كلما تحقق الاتلاف ولا عكس، كما لو غصب شخص مال غيره ورده عليه بعدعشر سنوات، فلا شك انه ليس اتلافا ولكنه اضرار قطعا؛وذلك لانخفاض قيمته .

وعليه فان حدود القاعدة سعة وضيقا منوط بادلة القاعدة، وهذا ما سوف نبحثه لاحقا . ولكن دلالة الادلة على اصل القاعدة قطعية وان كان ثمة كلام في حدودها .

ح - السيرة العقلائية :

من جملة ما استدل به الفقهاء على هذه القاعدة السيرة العقلائية، حيث ان العقلاء يعتبرون من اتلف مال غيره ضامنا، ولم يكتف الشارع بعدم الردع عن تلك السيرة، بل ان هناك ما يدل على امضائه لها في النصوص .

وممن استدل بالسيرة من الفقهاء الامام الخميني (قدس سره)، قال:«فالظاهر ان قاعدة الاتلاف بنطاق اوسع من مفهوم الاتلاف امر عقلائي، فلو اتلف مال الغير او افسده او اكله او عيبه او افسده على صاحب المال ولو لم يفسده في نفسه - كمن سلم مال الغيرالى غاصب لا يمكن اخذه منه، او اخراج الطير من قفصه الى غير ذلك من التضييع والافساد - فهو ضامن عند العقلاء يرجع بعضهم الى بعض في الضمان» ((279)) .

فاذا، السيرة العقلائية تدل على الضمان الا انها غير قابلة للتمسك بها على حدوده؛وذلك لكونها دليلا لبيا لااطلاق له حتى يتمسك به .

د - الاجماع :

تمسك بعض الفقهاء بالاجماع لاثبات القاعدة، بل عدها البعض من الضروريات، قال العلا مة المراغي:«الدليل على قاعدة الاتلاف الضرورة والاجماع» ((280)) .

ه - الضرورة :

قال صاحب القواعد الفقهية في مقام الاستدلال على القاعدة :

«ان هذه القاعدة مما اتفق عليها الكل ولا خلاف فيها، بل يمكن ان يقال انها مسلمة بين جميع فرق المسلمين، وربما يقال انها من ضروريات الدين» ((281)) .

المناقشة :

ان دعوى الاجماع على المقام مع وجود الروايات الكثيرة محل منع؛اذ لو لم نقطع بمدركية مثل هذا الاجماع فلااقل من احتماله، فلا يكون كاشفا عن راي المعصوم . هذا اولا .

وثانيا:ان القاعدة ليست من ضروريات الدين بدليل ان منكرها لا يعدمرتد ا، والضروري يحكم بارتداد منكره كما هو معلوم .

وان كان المقصود من الضروري الضرورة الفقهية فهو وان كان يثبت اصل القاعدة ولكنه لايدل على حدودها؛لكونه دليلا لب يا لا اطلاق له حتى يتمسك به .

سادسا - رؤية القانون المدني :

من الواضح انه لا يوجد بحث في القانون المدني تحت عنوان «من اتلف مال الغير فهو ضامن» الا ان كل من كتب في القانون المدني قد اقر بمضمون القاعدة؛فانهم في بحث موجبات الضمان القهري قد عدوا الاتلاف واحدا منها . مضافا الى انه قد استند الى قاعدة الاتلاف في موارد كثيرة من القانون المدني، منها ما جاء في المادة ( 307 ):  «الفصل الثاني - في الضمان القهري الموجب للضمان القهري الامور التالية :

1 - الغصب وما في حكمه .

 2 - الاتلاف» ((282)) .

توضيح ذلك:يوجد في القانون المدني بالنسبة الى مبنى الضمان القهري وجهتا نظر:فبعض اعتبر ان المبنى هو صدق عنوان (التقصير)، وبعض آخر اعتبر المبنى هو صدق عنوان (الاضرار) . وقد اختار قسم من الحقوقيين وجهة النظر الثانية، فقد كتب الدكتور امامي :

«توجد نظريتان بالنسبة الى المسؤولية الناشئة من الجريمة :

 1 -نظرية التقصير . . .

 2 - نظرية المسؤولية . . .

فان هذه النظرية لا تعتبر التقصير شرطا في مسؤولية الفاعل، فكل من اوقع خسارة بالغير يكون مسؤولا عن جبرانها . فبناءا على هذه النظرية يكفي للمطالبة بالخسارة ان يثبت المتضرر كون الخسارة ناشئة من فعل الغير» ((283)) .

فان اعتبار وحجية قاعدة الاتلاف الفقهية على اساس النظرية الثانية يكون في منتهى الوضوح؛لانه يصدق في جميع موارد جريان القاعدة فانه تصدق الخسارة والنقص قطعا .

سابعا - حدود قاعدة الاتلاف :

من جملة البحوث الاساسية في قاعدة الاتلاف البحث عن حدود القاعدة . وقد اهمل بعض الباحثين في القواعدالفقهية الخوض في ذلك فيما اجمل البعض الاخر البحث فيه . ونحن نبحثه تحت العناوين التالية :

1 - ضمان المجنون والصبي والغافل :

هل ضمان المتلف مشروط بالبلوغ والعقل او انه يشمل المجنون والصبي ايضا ؟

لو كان الدليل الدال على القاعدة هو الاجماع او الضرورة او السيرة العقلائية فلا يمكن التمسك بها في حالات الشك؛اذ ينبغي الوقوف على القدر المتيقن منه وهو البالغ العاقل، ولكن حيث ان عمدة الدليل هو الروايات فانه يمكن التمسك باطلاقها ليشمل ضمان المجنون والصغير، وهذا ما فعله الفقهاء في المقام، حيث لم يشترطوا في الاحكام الوضعية شرط البلوغ والعقل والعلم . وقد اجاب السيد الخوئي (قدس سره) عن سؤال في ضمان ما اتلفه الصبي والمجنون انه عليهما او على الولي ؟ فقال بانه عليهما ((284)) .

ولما كان الضمان من الاحكام الوضعية ولا يشترط فيها ما يشترط في الاحكام التكليفية فلا حاجة لاطالة البحث في ذلك بعد وضوحه .

وكذلك الحال في القانون المدني حيث لم يعتبروا في الضمان شرائط التكليف من بلوغ وعقل . وهذا الامرواضح جدا بالنسبة لاولئك الذين لم يشترطوا في المسؤولية المدنية التقصير، بل اقتصروا على اشتراط الاضرار بالغير؛فانه قد مر فيما سبق وجود نظريتان في الحقوق المدنية، فمن الحقوقيين من اعتبر التقصيرهو منشا المسؤولية المدنية، وبناء على ذلك يمكن القول :

لكون المجنون لا عقل له، فلا يمكن نسبة التقصير اليه، فلا يتحقق الضمان القهري بالنسبة اليه . ولكن في السنوات الاخيرة تركت هذه النظرية، فشاع القول بان منشا المسؤولية والضمان القهري هو ايراد الضررفحسب سواء اكان عن تقصير او غير تقصير، فقد كتب الدكتور امامي بهذا الشان:«انه في الاتلاف، كل من تلف مالا - عن عمد او لا - يكون مسؤولا وان لم يكن الفاعل مقصرا وكان مراعيا للاحتياطات اللازمة» ((285)) .

وقد اشير الى ذلك ايضا في كثير من القوانين المدنية، من جملتها ما جاء في المادة ( 1216 ) :

«كل ضرر يوقعه الصغير او المجنون او غير الرشيد يكون ضامنا له» ((286)) .

2 - ضمان منافع الاعيان :

من البحوث التي تعرض لها الفقهاء البحث عن ضمان منافع الاعيان بقاعدة الاتلاف . وهو يشمل المنافع المستوفاة وغيرها .

وهذه المسالة من المسائل الاجتماعية المبتلى بها كثيرا، حيث نجد في كل يوم اتساع الهوة بين المالك وملكه مما يفقده القدرة على الانتفاع بملكه، فهل المنافع غير المستوفاة اضافة الى المستوفاة -مضمونة او لا ؟ ينبغي التفصيل في الجواب .

قسم الفقهاء المنافع الى قسمين:المنافع المستوفاة، والمنافغ غير المستوفاة . وينبغي البحث في كل قسم بشكل مستقل لاحتمال ان يكون لكل منهما حكمه الخاص به :

1 - المنافع المستوفاة:وهي المنافع التي استوفاها المتلف كسكنى الدار او ركوب الدابة . والمشهور هو ضمان هذه المنافع عدا قليل ذهب الى عدم الضمان منهم ابن حمزة ((287)) .

وقد ذكر الشيخ الانصاري انه لو باع متاعا بالعقد الفاسد وكان للمبيع منفعة استفادها المشتري منه فالمشهوردفع عوضه الى البائع ((288)) .

وممن حكم بضمانها الامام الخميني حيث قال:«لو كان للعين المبتاعة منفعة استوفاها المشتري قبل الرد كان عليه عوضها؛لقاعدة اليد كما تقدم الكلام فيها، ولقاعدة الاتلاف التي هي قاعدة عقلائية لم يردع عنهاالشارع، بل امضاها في موارد كثيرة» ((289)) . واختاره ايضا صاحب الجواهر ((290)) .

ولا نطيل في بيان ذلك؛لكونه مورد اتفاق بينهم، مضافا الى انه لو كان الضمان ثابتا في المنافع غيرالمستوفاة فان ثبوته في المنافع المستوفاة من باب اولى .

2 - المنافع غير المستوفاة:وهي منافع المال التالف التي لم يستوفها المتلف ولا المالك، كالسيارة المعطلة -مثلا - التي لم ينتفع بها صاحبها ولا غيره . وقد اختلف الفقهاء في حكم هذه المنافع . ولكن لا يبعد القول بضمانها؛وذلك :

اولا:لشمول اطلاقات ادلة ضمان الاعيان للمنافع، ولا فرق بين المنافع المستوفاة وغير المستوفاة؛باعتبارشمول الاطلاقات للمنافع غير المستوفاة من جهة صدق عنوان الضياع والافساد والاضرار عليها . وقد تقدم ان هذه العناوين هي مفاد طوائف من الروايات .

ثانيا:انه يمكن التمسك بالسيرة العقلائية - والتي هي احد ادلة قاعدة الاتلاف - حيث ان العقلاء في علاقاتهم الاقتصادية يبنون على ضمان كل من يكون سببا لاتلاف منافع اموال الاخرين، ويضاف الى هذين الدليلين الشهرة المدعاة في كلام الشيخ الانصاري، حيث ذكر في المنافع غير المستوفاة ان المشهور بين الفقهاءضمانها ((291)) . وقال الامام الخميني:«اذا حصلت منفعة للشيء المغصوب بيده كما اذا انتجت الشاة شاة فهي للمالك، وكذا لو غصب دارا دفع قيمة اجرتها حتى لو لم يسكنها» ((292)) .

وقال الامام الخميني في ضمان هذه المنافع التي اعتبرها كالمستوفاة : «واما [ المنافع ] الفائتة تحت يده فهي ايضا مضمونة عليه؛لقاعدة اليد، لما تقدم من ان للمنافع نحووجود تدريجي يقع تحت اليد تبعا للعين، وتتلف تدريجا وتصير مضمونة تدريجا، وقد تقدم ان تلك المنافع قد يستوفيها المشتري، وقد لا يستوفيها وتصير تالفة، وليس الاستيفاء دخيلا في تحقق النفع كما توهم .ولقاعدة احترام المسلم . . .

مع انه موافق للقاعدة العقلائية في المقام» ((293)) .

وذكر السيد الخوئي (قدس سره) في بحث الاجارة مع انه من المستشكلين في المنافع غير المستوفاة انه اذا منع المستاجر ظالم من الانتفاع بمال الاجارة من دون ان يتسلط الظالم على العين كان ضامنا للمنافع غيرالمستوفاة ((294)) .

المناقشات:والمهم في المقام ملاحظة الاشكالات التي يمكن توجيهها الى هذا الراي، وهي عبارة عن الاشكالات التالية :

الاشكال الاول:ان مورد القاعدة وموضوعها هو الضمان المالي، والمنافع غير المستوفاة ليست مالا .

المناقشة :

والظاهر عدم توجه هذا الاشكال؛لان المال لغة يصدق على الاعيان ومنافعها، ولا يختص بالاعيان فقط . وقدصرح بذلك كثير من اهل اللغة:«المال ما ملكته في جميع الاشياء» . ((295)) كما انه صادق عليها عرفا ايضا، قال السيد الخوئي (قدس سره):«في العرف ان المالية انما تنتزع من الشيءبملاحظة كونه في حد ذاته مما يميل اليه النوع، ويدخرونه للانتفاع به في وقت الحاجة ويتنافسون عليه ،ويبذلون بازائه شيئا مما يرغب فيه من النقود وغيرها» ((296)) .

وقد قبل الفقهاء هذا التعريف للمال، فقد قال الشيخ الفاضل اللنكراني:«المال عبارة عن كل ما يطلب ويرغب فيه الناس لرفع حوائجهم وله دور في حياتهم» ((297)) .

وذكر الامام الخميني ان عمل الحر مال سواء كان كسوبا او لا، فقال:«عمل الحر مال، سواء كان كسوبا ام لا؛ضرورة ان خياطة الثوب او حفر النهر مال يبذل بازائه الثمن، وليس المال الا ما يكون موردا لرغبة العقلاء ومعه يبذلون بازائه الثمن» ((298)) .

اذا، المنافع غير المستوفاة مال؛وذلك لرغبة العقلاء فيه وبذلهم المال ازاءه .

ويشهد لذلك ان الكثير من الفقهاء - ومنهم الامام الخميني - قد اعتبروا عمل الحر كسوبا كان او غير كسوب مالا قبل الاستيفاء، فمنافع الاعيان بطريق اولى .

الاشكال الثاني:قد يدعى عدم صدق عنوان التفويت على المنافع غير المستوفاة الا اذا تصرف المتلف في المال، فتتلف المنافع غير المستوفاة من غير تصرف فيها، يقول السيد الخوئي (قدس سره):«انا نمنع صدق التفويت على المنافع الفائتة بغير استيفاء الا اذا استند الى القابض» ((299)) .

المناقشة :

وهذا الاشكال غير وارد ايضا؛اذ بعد التسليم بكون المنافع - كعمل الحرالكسوب وغير الكسوب - من مصاديق المال، فكما يصدق الاتلاف على تضييع الاعيان يصدق على تضييع المنافع ايضا .

ومم ا يشهد على ذلك قضاء العرف بالضمان على من اتلف منافع مال الغير؛لان الملاك في السيرة العقلائية بالنسبة للضمان هو عدم اذن المالك وعدم تبرعه بماله .

وعلى كل حال، فان المرجع في صدق عنوان الاتلاف ونحوه هو العرف، ولا شك انه يصدق عرفا على من يحول بين المالك وبين جني ثمره انه قد اتلف عليه ثمره اذا تلف ويعتبره ضامنا، وكذا لو ان شخصا منع سائقا من العمل بسيارته فياترى هل ان عنوان الاتلاف لا يصدق في هذه الحالة ؟ ! الاشكال الثالث:انه بناء على تمامية اطلاقات قاعدة الاتلاف لضمان المنافع فان الاطلاق المقامي المستفاد من الروايات الواردة في الامة المسروقة مقيد للاطلاق اللفظ ي المذكور؛لانها واردة في مقام بيان مورد الضمان ،مع ان الامام (عليه السلام) ذكر حكم المنافع المستوفاة فقط، ولم يذكر المنافع غير المستوفاة، مم ا يستفاد من سكوته (عليه السلام) الاطلاق المقامي الدال على عدم ضمان المنافع غير المستوفاة .

قال السيد الخوئي:«ويؤيد ما ذكرناه من عدم الضمان هنا ما ورد من الروايات في ضمان المنافع المستوفاة من الجارية المسروقة المبيعة؛فان هذه الاخبار مع ورودها في مقام البيان غير متعرضة لضمان منافعها غيرالمستوفاة» ((300)) .

وقد ورد بهذا المضمون خمس روايات، منها رواية زرارة قال :

قلت لابي جعفر (عليه السلام):الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثم يجيء الرجل فيقيم البينة على انها جاريته لم تبع ولم تهب . فقال:«يرد اليه جاريته ويعوضه بما انتفع»، قال:كان معناه قيمة الولد ((301)) .

المناقشة:ويمكن الاجابة بعدة اجابات :

الجواب الاول:ان الامام في مقام الجواب على السؤال لا اكثر، وهو عن الجارية وولدها لا غير، لان السائل كان يجهل حكم وليدها وهل انه يلحق بمالكها الاصلي او بصاحب الفراش ؟

وعليه، فانه لا وجود للاطلاق المقامي ليقيد الاطلاقات اللفظية .

والشاهد على ذلك تكرر السؤال عن الولد في جميع الروايات الواردة في ذلك .

الجواب الثاني:لو كان الامام (عليه السلام) في مقام بيان جميع ما يضمن فلماذا سكت عن بيان حكم بعض المنافع المستوفاة المقطوع بثبوت ضمانها حتى لدى المستشكل كالاستمتاع وخدمة الجارية في تلك المدة، حيث اكتفى (عليه السلام) ببيان حكم الولد فقط ؟ مما يعلم منه عدم كون الامام في مقام بيان جميع المنافع .

الجواب الثالث:لو تنزلنا وفرضنا وجود الاطلاق المقامي المدعى في هذه الروايات فانه لا يمكن ان يمنع اطلاق الروايات الكثيرة الواردة في ابواب عديدة من الفقه الدالة على ثبوت ضمان في الاموال التالفة والمنافع المستوفاة وغير المستوفاة؛وذلك لعدم امكان تقييد مثل هذا الاطلاق بالاطلاق المقامي .

ونظير المقام ما ذكره الاعلام في مسالة حجية خبر الواحد اذا كان الدليل عليها السيرة العقلائية، حيث منعوا من التمسك باطلاق ادلة حرمة العمل بالظن لمنع العمل بالسيرة . وفي مقامنا مضافا الى وجود السيرة العقلائية الدالة على ضمان المنافع غيرالمستوفاة يستدل ايضا بالاطلاقات اللفظية من ادلة القاعدة .

الجواب الرابع:لو تنزلنا وسلمنا منع الاطلاق المقامي للسيرة العقلائية فان الاطلاقات اللفظية لادل ة القاعدة تعارض مثل هذا الاطلاق وهي المرجحة، لكثرتها اولا، ولقوة دلالتها ثانيا؛باعتبار ان الاطلاق اللفظ ي مدلول لكلام الامام (عليه السلام) والاطلاق المقامي مدلول لسكوته (عليه السلام)، ولقوة سندها ثالثا .

الجواب الخامس:ان اسانيد اكثر الروايات المستفاد منها الاطلاق المقامي غير تامة حتى لدى المستشكل ايضا ((302)) .

ولذا افتى اكثر الفقهاء بالضمان في مورد المنافع غير المستوفاة في الجارية خلافا لمقتضى الاطلاق المقامي ،ومنهم السيد الطباطبائي صاحب العروة حيث اجاب على سؤال في الاضرار بمملوك الغير ضررا لم يبلغ حدالجناية عليه بل عاقه عن الخدمة، هل في ذلك ضمان ؟ فقال:«الضمان ثابت في مورد المملوك» ((303)) .

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية