الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ثم ان المختصين بالحقوق المدنية يعتقدون كالفقهاء بان المنافع المستوفاة وغير المستوفاة مضمونة، وقدصرح بذلك في مواد عديدة، منها ما ورد في المادة (1303) : «كل من اخذ مالا بغير حق يكون ضامنا له عينا ومنفعة سواء اكان عالما بعدم استحقاقه او جاهلا» ((304)) وجاء في المادة (320) : «بالنسبة لمنافع المال المغصوب، كل واحد من الغاصبين يكون ضامنا للمنافع بمقدارزمان تصرفه ومن يليه ولو لم يستوف المنفعة» ((305)) .

3 - ضمان منافع الانسان:

من البحوث التي تطرق اليها فقهاء الشريعة والقانون ضمان عمل الحر وغير الحر . ويعتبر هذا البحث من البحوث المهمة جدا، ولذا ينبغي بحثه بشكل مفصل .

قد يدعى شمول الاطلاقات اللفظية لادلة قاعدة الاتلاف لمنافع الحر؛وذلك لعدم الفرق بين عمل الحر ومنافع الاعيان، لصدق عنوان «الافساد» و «التضييع»، كما انه لا فرق من حيث سيرة العقلاء بين منافع الحر وعمله وبين منافع الاعيان، ومما يشهد لذلك تشريع القوانين الجزائية .

وعليه، فان من حبس انسانا عن عمله كان ضامنا لاجرة عمله .

ومن هنا فقد افتى كثير من الفقهاء بضمان منافع الكسوب، قال السيد اليزدي : «ان منافع الحر لا تضمن الا بالاستيفاء لا وجه له؛لان منافعه بعد العقدعليها صارت مالا للمستحق» ((306))، ولم يرد في شروح العروة ردا عليه مما يظهر الموافقة على مضمون المتن .

وقال الامام الخميني - بعد اعتباره عمل الحر مالا وذهابه الى عدم الفرق في ذلك بين الكسوب وغير الكسوب -في مقام ضمان عمل الكسوب : «نعم، فرق بينهما في تحقق الضمان بحبسه، فان الظاهر ان حبس الحرالكسوب موجب للضمان لدى العقلاء، بخلاف غيره» ((307)) .

وذكر المراغي بعد بيان حدود القاعدة ان منافع الحر داخلة في قاعدة الاتلاف والضمان، كما لو حبسه عن العمل ((308)) .

الاشكالات :

وقد وجهت عدة اشكالات على هذا الكلام :

الاشكال الاول : ان عمل الحر لا يعتبر مالا، وموضوع قاعدة الاتلاف هو خصوص المال لا غير .

قال السيد الحكيم : «ان مقتضى الجمود على قاعدة الاتلاف - التي هي دليل الضمان - الاختصاص بما كان مالاللغير» ((309)) .

وذهب السيد الخوئي (قدس سره) الى عدم شمول ادلة الضمان لعمل الحر؛لان مجرى «على اليد» وقاعدة الاتلاف، ما يصدق عليه المال ((310)) .

المناقشة : ويمكن الاجابة بما يلي :

اولا : ان اطلاقات ادلة القاعدة خصوصا عنوان الاضرار وغيره من العناوين الاخرى شاملة للمقام حتى لوسلمنا عدم انطباقها على عمل الحر؛اذ لا شك في صدق الاضرار على حبس الانسان عن عمله عرفا، فيعتبرالعقلاء الحابس ضامنا؛ لانه اضر به، لا انه منعه من منفعة ما . وكما تقدم فان الكثير من الروايات الدال ة على القاعدة معللة بمثل الاضرار ونحوه.

ثانيا : ان من ادلة الضمان من وجهة نظر شرعية هو العرف والسيرة العقلائية، وهما لا يفرقان بين المنافع غير المستوفاة للحر الكسوب والحرالاجير والعبد، فكما يجب الضمان في هذين الموردين فكذلك في الموردالاول .

ثالثا : انه وقع خلط بين عنوان «المال» و «الملك»، فعمل الانسان قبل الاستيفاء او قبل عقد الاجارة مال وليس ملكا، وفرق بين المال والملك .

اذ المال ما يرغب فيه العقلاء ويبذلون بازائه الثمن، سواء كان له مالك او لم يكن كالمباحات الاولية قبل الحيازة وان لم يكن ملكا .

واما الملك فهو عبارة عن اضافة اختصاص او اضافة سلطنة اعتبارية بين شخص حقيقي او حقوقي او طرف من الاطراف مع المال . فالنسبة بين المال والملك هي العموم والخصوص من وجه .

وهذا المطلب مورد قبول الكثير من الفقهاء منهم المستشكل نفسه (قدس سره) حيث قال : «ان مالية الاشياءمتقومة برغبة الناس، ولا يعتبر في ذلك صدق الملك عليها؛لان النسبة بينهما هي العموم من وجه، اذ قديوجد المال ولا يتحقق الملك كالمباحات الاصلية قبل حيازتها، فانها مال وليست بمملوكة لاحد، وقد يوجد الملك ولا يصدق عليه مفهوم المال، كحبة من الحنطة، فانها ملك لصاحبه وليست بمال؛اذ لا يبذل بازائها شيء ،وقد يجتمعان، وهو كثير . ومن المعلوم ان عمل الحر - قبل وقوع المعاوضة عليه - من مهمات الاموال العرفية وان لم يكن مملوكا لاحد بالملكية الاعتبارية، بل هو مملوك لصاحبه بالملكية الذاتية الاولية» ((311)) .

وقد ذهب الامام الخميني الى اعتبار عمل الحر الكسوب وغير الكسوب مالا، وقد تقدم نقل عبارته ،فلاحظ ((312)).

رابعا : لابد من ملاحظة ما هو موضوع الضمان ؟ هل هو المال المملوك ملكا اعتباريا ؟ فان كان الموضوع هوذلك فانه يرد عليه ان عمل الانسان اذا لم يقع عليه عقد الاجارة فلا يعد ملكا ويخرج عن موضوع الضمان.

او ان موضوع الضمان هو المال وان لم يكن ملكا اعتباريا ؟ فان كان كذلك فان عمل الانسان الكسوب يعد مالاوقابل للضمان.

والصحيح هو الثاني؛لان هذا العمل حق لصاحبه، وملاك الضمان هو ما كان مستحقا للغير فيتلف، هذا من جهة . ومن جهة اخرى فان مثل هذا العمل وان لم تكن له ملكية اعتبارية ولكنه يتصف بالملكية التكوينية .

فاتضح ان عمل الانسان الكسوب - على اقل تقدير - مال يستوجب الضمان عند التفويت والتضييع، ولا دورلايقاع عقد الاجارة - مثلا - في تحقق مالية عمل الانسان، بل للعقد اثر في صيرورة هذا الملك الاعتباري ملك اللغير. وعليه فالاستشكال بان عمل الحر ليس مالا غير تام.

ومن هنا فان المستشكل يعترف بضمان عمل الحر الكسوب، قال (قدس سره) : «اذا كان الحر كسوبا وله عمل خاص يشتغل به كل يوم كالبناية والتجارة والخياطة وغيرها، فان منعه عن ذلك موجب للضمان؛ للسيرة القطعية العقلائية» ((313)).

الاشكال الثاني: لو كان عمل الانسان الكسوب مالا للزم ان يكون الانسان القادر على العمل في طريق الحج مستطيعا، الامر الذي لم يلتزم به احد من الفقهاء.

المناقشة : ويمكن الجواب على ذلك :

اولا : ان بعض الفقهاء قد التزموا بذلك كالمحقق النراقي . ((314)) ثانيا : قد يدعى ان ملاك الاستطاعة هو الملكية، لا وجود المال تحت يده . فقد صرح السيد الخوئي بان الملكية الفعلية شرط في الاستطاعة ((315)) .

ثالثا : انه على فرض التسليم بان لوجود المال دورا في تحقق الاستطاعة لكن بشرط الوجود الفعلي له لاالتدريجي، يقول الامام الخميني : «واما حصول الاستطاعة بمجرد كون الحر كسوبا فممنوع؛لان الاستطاعة عبارة عن واجدية الزاد والراحلة فعلا، وعمل الحر ولو كان كسوبا يوجد بالتدريج، فتحصيل الزاد في طريق الحج من قبيل تحصيل الاستطاعة، وليست حاصلة بالفعل» ((316)) .

فالحاصل هو عدم امكان المناقشة في مالية عمل الانسان ونفيها بهذا الاشكال .

الاشكال الثالث : ان موضوع الضمان هو المال الموجود بالفعل، وعمل الانسان الكسوب وان كان مالا ولكنه ليس بالفعل، بل مال بالتدريج، وهو خارج عن موضوع الضمان .

المناقشة : ويمكن الاجابة على ذلك باجوبة، منها :

اولا : ان الادلة اللفظية لقاعدة الاتلاف مطلقة لكل ما يصدق عليه المال عرفا، وعمل كل حر كسوب مال عرفا .

ثانيا : ان عمل الحر الكسوب وان كان لا يصدق عليه عنوان المال قبل استيفائه، ولكن يمكن القول ان تبدل هذه القوة الى الفعل يعتبر بنظر العرف والعقلاء نوعا من المالية، واتلاف هذه القوة موجب للضمان .

ثالثا : لو كان موضوع الضمان هو المال الفعلي خاصة للزم عدم ضمان عمل الاجير قبل الاستيفاء وكذا عمل العبد؛وذلك لعدم فعلية ماليتهما، مع ان المشهور بين الفقهاء هو الضمان فيهما ومنهم المستشكل، كماسنلاحظ ذلك لاحقا .

4 - ضمان عمل الاجير والعبد :

اتضح من البحث في ضمان عمل الحر الكسوب ضمان عمل الاجير والعبد؛وذلك لان كثيرا من الفقهاء افتوابالضمان في هذين الموردين ولكنهم انكروا ضمان عمل الحر الكسوب؛ولذا لا حاجة لمناقشة ذلك، ونكتفي بنقل كلام الامام الخميني في مقام دفع اشكال ضمان اعمال الحر، قال : «الاعمال الواقعة تحت الاجارة مال عرفا، بل الظاهر ان اعمال الحر الكسوب مال ولو لم تقع تحت الاجارة» ((317)) .

وذهب المحقق اليزدي صاحب العروة الى ضمان الاعمال، وقد تقدمت عبارته فلا نعيد ((318)) .

الخلاصة :

اتضح مما سبق ان حدود قاعدة الاتلاف واسعة، وانه لا يشترط في ثبوت الضمان بها شرائط التكليف من العقل والبلوغ والعلم، بل لو اتلف المجنون او الصبي او الجاهل او الغافل ضمنوا . وهذا هو الراي الذي ذهب اليه الامام الخميني .

كما اتضح ايضا ثبوت الضمان في المنافع اضافة الى الاعيان التالفة، حتى لو كانت غير مستوفاة، وقدتعرضنا للاشكالات على ذلك ودفعها وقلنا : ان الضمان اقرب الى الواقع .

وام ا اعمال الانسان على اقسام :

1 - عمل الانسان الحر غير الكسوب .

2 - عمل الانسان الحر الكسوب .

3 - عمل الاجير .

4 - عمل العبد .

والمشهور بين الفقهاء - ومنهم الامام الخميني - في القسمين الاخيرين القول بثبوت الضمان .

واما القسم الاول فقد ذهب الامام (قدس سره) الى عدم ثبوت الضمان فيه رغم اعترافه بماليته .

والقسم الثالث فيه اقوال مختلفة، والمستفاد من بحوث الامام في المكاسب القول بالضمان فيه .

سابعا - كيفية اداء الضمان الثابت بقاعدة الاتلاف :

لا شك ان مقتضى ادلة الضمان هو ضمان المثل مع وجوده، ومع عدمه اما لتعذر المثل او لكون التالف ليس مثليا فانه يجب دفع القيمة . ولكن اية قيمة يجب دفعها ؟

قد طرحت في ذلك بحوث كثيرة نعرض عن الخوض فيها رعاية للاختصار مقتصرين على ذكر المحتملات في المسالة نقلا عن كتاب العناوين ((319))، مع شيء من الاختصار في النقل :

ا - ان يكون اختلاف القيمة بحسب اختلاف الحالات بلا تاثير للزمان والمكان في ذلك، كما لو سرقت الشاة ضعيفة وتلفت سمينة او سرقت سمينة وتلفت ضعيفة، فان مقتضى قاعدة الاتلاف دفع اعلى القيم، والا لم يرجع المال الى صاحبه .

ب - ان يكون اختلاف القيمة باختلاف الحالات بحسب الزمان، وهنا توجد عدة احتمالات في هذه الصورة ،ولعل هناك من يفتي ببعضها :

1 - الملاك في القيمة هو زمان الغصب ((320)) .

2 - الملاك في القيمة هو زمان التلف .

3 - الملاك هو اعلى القيم من زمان الغصب الى زمان التلف .

4 - الملاك هو اعلى القيم من زمان الغصب الى زمان الدفع .

5 - الملاك هو زمان المطالبة .

6 - الملاك هو اقل القيم من زمان الغصب الى زمان التلف .

7 - الملاك هو اقل القيم من زمان الغصب الى زمان الدفع .

8 - الملاك هو اقل القيم من زمان التلف الى زمان الدفع .

9 - تخيير الضامن بين قيمة زمان الغصب وزمان التلف، او بين قيمة يوم الغصب وزمان الدفع، او بين زمان التلف والدفع او يخير بين ضمان قيمة زمان الغصب وزمان التلف وزمان الدفع .

قال الامام الخميني بعد تعرضه لهذه المحتملات : «والانصاف ان المراجع الى اخبار ابواب الضمانات وارتكازالعقلاء فيها لا ينبغي له الريب في ان الضمان في القيميات مطلق بقيمة يوم التلف . نعم، رب ما يتوهم من بعض الروايات خلاف ذلك . . .» . ((321))

ج - ان يكون اختلاف القيمة بحسب المكان، وفي هذه الصورة احتمالات ايضا :

1 - ملاك القيمة هو مكان الغصب .

2 - الملاك هو مكان التلف .

3 - الملاك هو اعلى قيمة احد المكانين .

4 - الملاك هو اقلهما .

5 - الملاك هو قيمة مكان المطالبة .

6 - الملاك هو قيمة مكان الدفع .

7 - الملاك هو قيمة المكان الذي يختاره الضامن .

تاسعا - قاعدة الاتلاف وقاعدة اليد :

تشترك هاتان القاعدتان في عدة جهات، منها : ان كلا القاعدتين تدلا ن على الحكم التكليفي للضمان، كما انهما تدلا ن على عدم اشتراط العمد والعلم في الحكم الوضعي للضمان ،فيترتب الضمان حتى في صورة الجهل بالضمان .

ولكن الفقهاء مع ذلك فرقوا بين القاعدتين من جهات ايضا، واهمها : ان الضمان في قاعدة الاتلاف يدور مدارالتلف، وهذا بعكس قاعدة اليد فانه ليس كذلك، بل يدور مدار التصرف وان كان المال باقيا بحاله .

فالنسبة بين القاعدتين هي العموم والخصوص من وجه؛وذلك لان الانسان قد يتلف مال الغير من دون ان يتصر ف فيه كما لو سمم الماء الذي تشرب منه البهائم والدواب فهلكت، وقد يتصرف تصرفا غير متلف كما لوسكن في دار الغير من غير اذنه، وقد يكون التصرف متلفا .

ففي الصورة الاولى تجري قاعدة الاتلاف فقط، وفي الصورة الثانية تجري قاعدة اليد فقط، وفي الصورة الثالثة كلتا القاعدتين .

عاشرا - الفرق بين قاعدة الاتلاف والغصب :

عرف الفقهاء الغصب بانه التصرف العدواني في مال الغير . ((322)) والمستفاد من هذا التعريف عدة فروق بين قاعدة الاتلاف والغصب، منها :

1 - ان موضوع الغصب هو السلطنة على مال الغير عن عمد وعدوان، في حين انه لا دخل للعمد في قاعدة الاتلاف، فاذا اتلف شخص مال الغير من غير عمد كان ضامنا .

2 - ان موضوع الغصب هو المال فقط، واما قاعدة الاتلاف فهي اوسع نطاقا وتشمل اتلاف النفس وحق الغير ،بل وحتى العمل .

3 - ان الضابط في اتلاف المال هو تلفه، وفي الغصب هو صدق عنوانه لا تلف الشيء؛اذ قد يعتدى على مال الغير مع بقاء عينه .

4 - ان الشرط في صدق عنوان الغصب هو السلطنة والتصرف العدواني، بخلاف قاعدة الاتلاف فقد يتم الاتلاف من دون اي تصرف وسلطنة عدوانية .

لمحات حول المدرسة الاصولية للامام الخميني(قدس سره)

الشيخ احمد المبلغي

ترجمة الشيخ مصطفى الربيعي المقدمة :

اولا - تعريف المدرسة الاصولية :

المدرسة الاصولية : هي مجموعة اسس فكرية منتظمة تتكفل ترشيد الفكر الاصولي في مسيرة تكامله ؛لتحقيق الهدف المتوخى من دراسته .

وتتكون هذه المجموعة من ثلاثة اركان : 1 - المباني والقواعد . 2 -الاليات والاساليب . 3 - النتائج والثمار .

ثانيا : اهمية وفائدة التعرف على المدرسة الاصولية :

ان مطالعة المدرسة الاصولية تساعد على تقوية النقد الاصولي، والتصحيح والابداع في الفكرالاصولي .

وتتبين اهمية البحث عن المدرسة الاصولية عند التتبع في كثير من الموارد التي وقعت محلا للبحث والخلاف ؛فان اختلاف الاراء فيها ينشا من الاختلاف في المباني الكلية والافكار الكلامية للمحققين من الاصوليين .

ثم ان معرفة اركان المدرسة الاصولية والبحث عن المذاهب الاصولية ونقدها، مقولة مهمة؛لما يترتب عليهامن النتائج المهمة التالية :

1 - انها تجعل السير الفكري منسجم وذا هدف، وتمنع من ورود الافكار المبعثرة وغير المفيدة، ولا شك في ان حصول هذه النتيجة المهمة يؤدي الى علم الاصول وصيانته .

2 - امكان البحث المقارن على مستوى المباني وبصورة علمية وتحقيقية في الاساليب والافكار الاصولية ،وارتفاع مستوى القدرة على المقايسة بين المباني المختلفة، وازدياد حالة المقارنة يؤدي في النهاية الى ان تخلي حالة القطيعة وعدم التعامل بين الافكار المختلفة للمحققين مكانها الى الارتباط والتعامل البناء .

3 - تحديد الجو المنطقي المناسب لاتساع العلم وتهيئة الارضية لتطويره في هذا المجال .

ثالثا - المدرسة الاصولية للامام الخميني (قدس سره) :

تبرز اهمية مدرسة الامام الخميني الاصولية بلحاظ الحركة باتجاه الابداع الاصولي فانها احدثت افكارا ومسائل جديدة في هذا العلم . ((323)) ومن ناحية اخرى، فانه خطط لاسس فكرية عميقة وجديدة ((324)) في علم الاصول بنهج مدرسي اصولي يستند الى المباني ذات الشمولية ويمتلك اساليب ذات مرونة .

ان منظومة الافكار الاصولية للامام الخميني بلحاظ انها تتمتع بخصائص مدرسة اصولية يمكن عرضهاكنموذج تحقيقي للبحث الاصولي .

ويمكن البحث عن الافكار الاصولية للامام الخميني، بنحوين :

الاول : النحو التقليدي .

والثاني : ان تبحث في قالب مدرسة اصولية .

وفي النحو الاول يتم البحث عن نظريات وآراء الامام حول القواعد الاصولية مع ما ذكره من استدلالات .

ويتم البحث - في النحو الثاني - عن المباني والمناهج الاصولية للامام . وكيفية حصول افكاره الاصولية من تلك المباني والمناهج .

والطريق التقليدي قيم وضروري في محله، الا ان المهم هو ان نعرف المناهج والمقاييس التي اتبعها الامام في الاصول، وما هي النتائج والافكار التي ترتبت عليها .

وجرت العادة في الساحة الاصولية على الاهتمام بالنتائج الاصولية والمقارنة بين النظريات والتعرض للاستدلالات . والى الان هناك بحوث من هذا القبيل قد حازت اهتمام العلماء والمحققين في هذا العلم، ويمكن اعتبار اصول الامام فرصة للخروج من هذا الوضع .

ولمعرفة ابداعات الامام الاصولية لابد من دراسة آرائه الجديدة في باب مراتب الحكم او الامر الترتبي و . . .ومقارنتها مع نظريات المحققين من قبيل السيد الخوئي والسيد الشهيد الصدر و . . .، والاهم من ذلك هو معرفة العناصر الفعالة المؤثرة في ذهن الامام التي انتجت آرائه الاصولية . بالاضافة الى انه يمكن الوصول عن طريق ذلك - بنحو افضل الى الثمرة المترتبة على معرفة مدرسة الامام وتفاصيل وخصوصيات هذه المدرسة الرائجة، من خلال سلوك الطريقة التقليدية .

ولا يمكن انكار ضرورة معرفة المدرسة الاصولية او التشكيك، في ذلك؛فان من اهداف هذا البحث هوالاستفادة من نظريات الامام ذات المحتوى العميق والدقيق والباعثة على التامل والتحقيق، من خلال بيان المسيرة التاريخية الفكرية للامام في ذلك ومقارنتها بغيرها، وتدوينها ومن ثم الوصول الى نتيجة نهائية لهذاالبحث .

ان التعرض للابعاد المختلفة من المدرسة الاصولية للامام يستدعي مجالااوسع مما نحن فيه الا انه يمكن عرض النقاط البارزة في تلك المدرسة على نحو المقدمة وبشكل مضغوط وبنظرة اجمالية .

ولابد من الفات النظر الى هذه النقطة : وهي انه حينما نقول :

انتاج الافكار الاصولية فان مرادنا الاعم من تاسيس القواعد الاصولية؛فان النظرية الاصولية لا ترادف القاعدة الاصولية، بل هي اعم منها : فانه ليس من اللازم ان كل فكرة تظهر في ساحة علم الاصول هي قاعدة اصولية .

رابعا - محاور البحث :

تتالف هذه الدراسة من اربعة محاور :

1 - الامام وتاريخ علم الاصول .

2 - المنهج الاصولي للامام الخميني .

3 - الامام ومصادر علم الاصول .

4 - الامام والمباني الكلامية في الاصول .

ومن الواضح، ان هذه المحاور ناظرة الى مجموع علم الاصول ومسائله العامة، ولا ترتبط بموضوع او مسالة خاصة منه .

المحور الاول - الامام وتاريخ علم الاصول ان قسما من المدارس الاصولية لا تعير اهمية لدراسة تاريخ هذا العلم ومسائله وتكتفي بالاستدلال المحض الذي لا نظر فيه للتاريخ، وهذا بنفسه يعتبر احد المناهج . ثم ان المدارس التي تهتم بدراسة التاريخ تختلف في مقدار مستوى هذا الاهتمام، وطريقة فهم التاريخ والوصول الى حقائقه، وبعدد تلك المدارس ومقدار الاختلاف بينها تتعدد المناهج التاريخية .

ان البحث عن تاريخ علم الاصول هو بحث حساس، ومهم وضروري، وقلما بحث عنه .

وتفيد معرفة تاريخ علم الاصول فائدة مهمة جدا في تصحيح الفكر الاصولي والعثور على نظريات قد اختفت في طيات التاريخ .

وقد التفت الباحثون من اهل السنة لذلك وبحثوا عنه، طبعا مع نقائص واشكالات كثيرة في هذا المجال -ومجالات كثيرة اخرى - .

وقلما بحث الشيعة عن تاريخ علم الاصول، نعم كانت لبعض العلماء - من المتقدمين - المتميزين على اقرانهم نظرات وابحاث في تاريخ هذا العلم .

ويمكن القول : بان الاخباريين هم على راس العلماء الذين اهتموا بتاريخ علم الفقه والاصول والحديث، فان ابحاثهم ممزوجة بالابحاث التاريخية، بل تختص بها في بعض الاحيان، فحتى نتيجة البحث تكتب ببيان تاريخي، والشاهد على ذلك هو كتب الاخباريين انفسهم ((325)) . ورغم احتواء كتب العلماء الاخباريين على اشكالات اساسية الا انها تحتوي - ايضا - على كثير من النقاط البديعة والمفيدة، وبالاخص في بيان مناهج الابحاث الفقهية وتطبيقاتها؛فانهم ذكروا نقاطا مهمة جدا ((326)) الا ان اعتمادهم على الاساليب والقواعد الجافة في تحليلاتهم التاريخية جلبت الاضرار والمشاكل والنتائج المغلوطة .

فلابد من التفكيك بين امرين : البحث التاريخي، والاستفادة من الاعراف والقواعد المناسبة في تحليل التاريخ .والاشكال الوارد على الاخباريين هو بالنسبة للامر الثاني؛فانهم لم يعتمدوا على منهج تحليلي صحيح وشفاف؛ولذا فان منهجهم ولد نتائج غير منطقية ومردودة سببت في بروز مشاكل في الفقه ((327)) .

وعلى كل حال، فان الاطلاع على تاريخ تطور العلم يتيح للمحقق ما يلي :

الف - عدم الغفلة عن الانحرافات الاساسية التي يبتلى بها العلم، وان لا يصرف المحقق همه وتفكيره في المسائل العامة لذلك العلم فحسب .

ب - الاهتمام بالافكار الاصيلة التي برزت اثناء عملية تطور العلم الا انها اهملت .

ولعل المسار العام والعميق للعلم قد يعيقنا عن فهم وتحصيل الافكار الاهم التي نشات في بطون العلم واختفت لظروف خاصة .

ويمكن التعرف على السير التاريخي الذي يتبناه اي عالم اصولي من خلال نظراته الى التاريخ بشرط ان تكون نظراته هذه نظرات متجانسة ومنسجمة، فحينما ترجع الى ابحاث بعض الشخصيات ترى فيها نظرا الى التاريخ الا انه خال من التامل والتدبر المنطقي الدقيق، وفي الحقيقة يستعرض نكات منثورة هنا وهناك فهو نظرمتشتت وغير منسجم؛ولو اردنا ان نبني سيرا تاريخيا على اساس هكذا نظرة فلا نحصل على شيء ذي اهمية .

والامام (عليه السلام) في بعض كتاباته له مثل هذه النظرات، واحيانا تكون في غاية الصراحة في البحث عن تاريخ تطور علم الاصول . وحيث انه كان يتمتع بعقلية اصولية متينة وقوية؛لذا فان نظراته التاريخية تتمتع بالانسجام اللازم؛ومن هنا يمكن معرفة القواعد التي يستند اليها في بحثه هذا، وعلى اساسها يمكن كتابة تاريخ تطور علم الاصول من منظار الامام .

والحاصل : ان الامام الخميني وان لم يبحث سير تاريخ علم الاصول بصورة مستقلة الا انه يمكن استفادة ذلك بالالتفات الى نقطتين ((328)) :

الاولى : اهتمامه الخاص - بخلاف الكثيرين - بتاريخ علم الاصول .

والثانية : ان هذه النظرات التاريخية الى علم الاصول تتمتع بالعقلانية والانسجام .

وهناك نقطة ثالثة - جانبية واستحسانية - لابد من اضافتها الى هاتين النقطتين، وهي شمولية نظرته التاريخية، واهمية هذه النقطة تكمن في انها تجعل من السير التاريخي متكاملا، وتتضح من خلالها ظواهره وخفاياه .

وعلى اساس ما في ايدينا من اقوال ومسائل دقيقة للامام الخميني، يمكن تقسيم تاريخ علم الاصول من وجهة نظره الى المراحل التالية :

المرحلة الاولى - ظهور القواعد الاصولية، واستعمالها؛وهذه المرحلة بدات من زمان الائمة (عليهم السلام) ؛فانهم كانوا - ومن خلال احاديثهم - يرشدون اصحابهم الى القواعد الاصولية .

ويمكن استفادة هذه المرحلة من تقريرات درس الامام ((329))؛فانه يقول : ان مسائل علم الاصول موجودة في الروايات .

وخصائص هذه المرحلة من وجهة نظر الامام، هي :

الف - كانت القواعد الاصولية في هذه المرحلة اكثر ما توجد في مصادر الفقه، وبالاخص في الروايات ((330)) .

ب - انه كان هناك كثير من القواعد موجودة في المصادر والروايات، الا انه لم يكن هناك مجال لاعمالها؛لعدم الحاجة اليها؛فان كثيرا من الاصحاب كان بامكانهم الرجوع الى الائمة (عليهم السلام) واخذ الحكم الشرعي منهم مباشرة ((331)) .

ج - ان وضوح الكثير من القواعد في تلك المرحلة - بحيث ان الاصحاب كانوا يعملونها بانفسهم، ولا يرجعون فيها الى الائمة (عليهم السلام) - صار سببا في عدم انعكاسها في الروايات وعدم البحث عنها، الا انه حصلت بعد ذلك تشكيكات عقلية وشبهات حولها مما دعى الى بحثها وبيانها ((332)) .

وهناك خصائص واضحة ونقاط لطيفة من هذا القبيل في كلمات الامام الخميني، استخرجها بعد الغور في اعماق التاريخ ثم بينها .

2 - المرحلة الثانية؛وهي بداية تدوين علم الاصول، وكان قريبا وشبيها باصول اهل السنة، وتحققت هذه المرحلة على يد الشيخ المفيد، وبدات بالتطور على يد السيد المرتضى والشيخ الطوسي، واستمر هذا التطوروالنمو بعد زمانهما .

وهناك نقطة - في هذه المرحلة - تستحق الالتفات اليها، وهي :

تقارب طريقة الاستدلال والابحاث الاصولية للشيعة مع طريقة استدلال وابحاث واصطلاحات اهل السنة .

كتب الامام بهذا الصدد : «بعض مباحث كتب الاصول مما هي شبيه في كيفية الاستدلال والنقد والابرام بكتب العامة» ((333))، وذكر - ايضا - ما يشبه هذا في ( تهذيب الاصول ) . ((334)) ونقول في توضيح كلام الامام : ان وجه الشبه بين المباحث وطرق الاستدلال في علم الاصول عند الشيعة مع المباحث وطرق الاستدلال عند اهل السنة، هو على نحوين :

الف - الشبه في مباحث لا ربط لها بالمذهب؛فهناك مباحث كثيرة موجودة في اصول اهل السنة وموجودة في اصول الشيعة ايضا، من قبيل بحث الالفاظ؛المشتق والعام والخاص و . . . ولا يمكن - حينئذ - الاشكال على هذا النحو من الشبه؛لانه لا ربط له بالمذهب . وحتى التفاوت في مثل هذه الابحاث - ايضا - لا ربط له بالمذهب؛يعنى اذا كان هناك راي خاص بالشيعة في هذه الابحاث، فليس لانهم شيعة، او اذا كان هناك راي خاص بالسنة فيها، فليس لانهم سنة، بل هناك عوامل خارجية سببت ذلك؛من قبيل ان الشيعة قائلين بعدم انسداد باب الاجتهاد، فاستمرت عندهم عملية الاستدلال والبحث والجدل والنقض والابرام بالنسبة الى بعض المباحث ( كالعام والخاص )، وسائر المباحث الاصولية، مما ادى ذلك الى تطور علم الاصول عندنا ونموه وحدوث قواعد جديدة؛الا ان هذا يرجع الى عوامل تاريخية، وليس لان ( العام والخاص ) في الفكر الشيعي يختلف ذاتا عن ( العام والخاص ) في الفكر السني .

ب - الشبه في مباحث ترتبط بالمذهب؛فهناك مباحث نشات من عقيدة اهل السنة من قبيل : القياس، سنة الصحابة و . . .، وفي مقابل ذلك المباحث التي نشات من عقيدة الشيعة من قبيل سنة اهل البيت (عليهم السلام) .

وعبر الامام عن هذا الشبه، بقوله : «الاستدلال على بعض الفروع ببعض الطرق التي لا يرضى بها الا العامة» ((335))، وجاء هذا المضمون في ( كتاب الاجتهاد والتقليد ) : «ربما يوجد في بعض كتب الاعاظم لبعض الفروع المستنبطة من الاخبار، استدلالات شبيهة باستدلالاتهم» ((336)) .

اما لماذا حصل ذلك من بعض الاعاظم الاعتماد على استدلالات اهل السنة ؟ هل لانه غفل عن استدلالات الشيعة او ان هناك مصلحة وراء ذلك ؟

اختار الامام الثاني، فكتب : «اما الاستدلال على بعض الفروع ببعض الطرق التي لا يرضى بها الا العامة ،فلاجل مصالح لا يكاد يخفى على القارئ عرفانها؛فان تحكيم المسالة من الطرق التي يرضى بها الخصم من فنون البحث والجدل» .

ويستفاد من كلام الامام هذا انه كان هناك في السابق - خلافا لما عليه الان تعامل وارتباط علمي بين الشيعة واهل السنة؛لذا فان علماء الشيعة ومن اجل اقناعهم يتمسكون بطرق تختص باهل السنة، ولا اعتبار لها في فقه الشيعة، وقد اشار الامام الى هذه النقطة في ( كتاب الاجتهاد والتقليد )، فكتب : «ربما يوجد في بعض كتب الاعاظم لبعض الفروع المستنبطة من الاخبار استدلالات شبيهة باستدلالاتهم؛لمصالح منظورة في تلك الازمنة» وحيث ان المصالح المنظورة في تلك الازمنة لاوجود لها اليوم، فلا معنى لمراعاتها .

ام ا ما هي هذه المصلحة ؟ يرى الامام ان هذه المصلحة تكمن في اقناع الطرف المقابل، ويمكن ان تكون المصلحة هي ان علماء الشيعة انما اخذوا بعض الاصطلاحات من علماء اهل السنة عند بيان عقائدهم في علم الاصول؛من اجل اعطاء رونق لهذا العلم وتطويره .

فمثلا : ( الاجتهاد ) ابتداء كان موجودا في كتب اهل السنة، واحد العناوين البارزة في فكرهم الاصولي، وحيث ان الشيعة لهم موقف خاص من ( الاجتهاد )؛لذا فانهم اخذوه بنفس ما له من معنى عند اهل السنة؛يعني :( استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي ) .

فقد ورد هذا التعريف في كلمات المحقق الحلي والعلامة الحلي وصاحب المعالم، الا ان هذا لا يعني ان عقيدتهم في الاجتهاد هي نفس عقيدة اهل السنة .

وكان يعتقد علماؤنا بامكان بحث هذا المصطلح من خلال نظرية جديدة، تختلف عما عليه عند السنة .

وكذا الحال بالنسبة للاجماع، فقد استعملوا الاجماع، بمعنى خاص ( وهو الكاشفية ) ثم اصبح لهذا الاصطلاح في معناه الجديد مكانه المناسب في الاصول .

وقد يقال - في بعض الاحيان : ان تمسك علمائنا بالاجماع انما هو من باب المجاراة لاهل السنة . وفي الواقع ان هذه المصلحة انما هي اعطاء رونق لاصول الشيعة كي لا تقل شيئا في مقام المنافسة عن اصول اهل السنة .

وهذا الدافع كان موجودا عند علمائنا المتقدمين؛لعدم نشوء الاجتهاد التفريعي في ذلك الزمان؛ولهذا فقدسعى علماؤنا في ذلك الزمان لجعل الاصول الشيعية تنافس اصول اهل السنة من خلال التمسك بهذه الامور .

قال الشيخ الطوسي في مقدمة المبسوط : «. . فاني لا ازال اسمع معاشر مخالفينا من المتفقهة والمنتسبين الى علم الفروع . يستحقرون فقه اصحابنا الامامية ويستنزرونه وينسبونهم الى قلة الفروع وقلة المسائل . . .» ((337)) .

وعلى هذا الاساس شرع بتاليف كتاب المبسوط؛ليثبت ان فقه الشيعة فى ابتكارات وتجدد، وله منهج واصول وقواعد .

وهذا شاهد على وجود تلك الدواعي، غاية الامر ان ما نقلناه عن الشيخ الطوسي يتعلق بالاجتهاد التفريعي فقط، بينما محط نظر الامام (قدس سره) كان يتعلق بقسم من المسائل الاصولية .

وخلاصة ما تقدم وجود نحوين من الشبه : احدهما : الشبه في مناهج الاستدلال؛التي كانت مختصة باهل السنة، واتبعها الشيعة لاقناعهم ومجاراتهم، والاخر : الشبه في امور لا ربط لها بالمذهب، وحينئذ لا اشكال في بحث العالم الاصولي لهذه المسائل وانتخاب احدها .

3 - ازدياد المسائل التي لا دخل لها في الاستنباط في علم الاصول؛ويعتقد الامام (قدس سره) ان هذا الازديادكان موجودا في السابق ولا زال مستمرا .

كتب الامام - بهذا الصدد : «ولولا خوف الاطالة لعددت عليك مسائل بحث عنها الاصوليون من قديم وحديث بحثا مستوفى، مع انه لا يتوقف عليه الاستنباط في واحدة من المسائل» . ((338)) وهذه المرحلة اخذت بالنمو والتطور، بحيث ان هذا الازدياد احتل مساحة واسعة من علم الاصول فاكثرالمسائل في كل قسم منه تكون خارجة عن الموضوع، بحيث تحول الى مرض مزمن اصاب هذاالعلم .

ومشاكل وتبعات هذه المباحث الاجنبية كثيرة جدا، بنحو انه لو استمر لسنوات اخرى، فلا يمكن التكهن بمايصاب به هذا العلم - رغم كل ما فيه من جمال وطراوة وابداع واستدلالات قوية ومتينة - من اضرار وعواقب سيئة، ونحن نوكل بيان هذه القصة الماساوية الى مجال آخر .

4 - بروز العقائد المتطرفة بالنسبة الى هذا العلم، وهذه العقائد هي عقائد الاخباريين، وقد ظهروا - اغلب الظن - في القرن الحادي عشر ومن خلال عقائدهم المتطرفة انكروا دور علم الاصول في عملية الاستنباط . وقداستعمل الامام كلمة ( الافراط ) في حقهم ((339)) .

وعلى كل حال، فما هي العوامل والاسباب التي ادت الى بروز هذه العقائد المتطرفة ؟ ولماذا ظهرالاخباريون ؟

اشار الامام (قدس سره) الى ثلاثة عوامل :

العامل الاول : وجود مسائل اضافية في علم الاصول؛فالتصور الذي حصل عن علم الاصول في المرحلة السابقة؛وهو اشتماله على مسائل كثيرة لا اثر ولا دور لها فيه ادى الى هذا التنفر منه، وظهورالاخباريين .

كتب الامام بهذا الصدد : «ويمكن ان يكون هذا التطويل مصدرا لطعن الاخباريين في تدوين مسائل اصول الفقه» ((340)) .

والان هناك ايضا من يتنفر من علم الاصول؛لوجود هذه المسائل الاضافية فيه؛الا ان الصحيح هو انه لابدمن علاج هذا المرض لا التنفر من هذا العلم باجمعه .

فبعض هذه المسائل الزائدة كانت في كتب اهل السنة، وعندما سعى علماؤنا لبحث مسائلهم ونقدها، دخلت تلك المسائل الزائدة في كتبنا ايضا، من قبيل بحث المشتق الذي لا تترتب عليه ثمرة عملية، بل تترتب عليه ثمرة نظرية فحسب .

العامل الثاني : هو عدم وجود حدود معينة لعلم الاصول، وبالتدريج وجدت هذه الحدود، فابتداء كان - علم الاصول - عند اهل السنة مختلطا مع مسائل النحو والكلام، وبالتدريج فصلت عنه مسائل النحو، ثم مسائل علم الكلام .

وعند الشيعة ايضا في البداية لم تكن مباحث علم الاصول مشخصة، فالكثير وبحسب ذوقه اضاف اليه بعض المسائل، وهذه اعتبرها الجيل الثاني من علم الاصول وهكذا استمرت في الاجيال الاخرى .

والعامل الثالث : هو ان بعض المسائل كانت محل حاجة في علم الاصول ثم استغني عنها، فصارت زائدة .

واخيرا، اخذت هذه المسائل الاضافية في التصاعد بسرعة اكثر لعلل نعرض عن ذكرها هنا .

(2) - ان الشبه في مسائل وقوع الاستدلال في علم الاصول عند الشيعة، مع علم الاصول عند اهل السنة :يعتبر - من وجهة نظر الاخباريين - دليلا على اتباع الشيعة لاهل السنة وبدليل : اننا لابد ان نتبع الائمة (عليهم السلام)، وذلك بالرجوع الى رواياتهم، اعلنوا مخالتفهم لعلم الاصول .

وحيث ان الاخباريين كانوا يحذرون من افكار علماء اهل السنة، ويعتقدون ان علم الاصول هو من صنعهم، لذافقد خالفوه .

كتب الامام بهذا الصدد : «كما انه هنا مصدرا آخر لطعنهم؛فانهم لاحظوا بعض ما الفه اصحابنا في اصول الفقه، وراوا ان المسائل المدونة فيها، وطريق الاستدلال عليها، يشبه او يتحد مع طريق العامة، فزعمواان مباني استدلالهم عين ما حر روه في كتب اصولهم» ((341)) .

واشار ايضا الى هذه النقطة في - كتاب الاجتهاد والتقليد :

«وظني ان تشديد نكير بعض اصحابنا الاخباريين على الاصوليين في تدوين الاصول وتفر ع الاحكام عليها، انما نشا من ملاحظة بعض مباحث كتب الاصول مماهي شبيهة في كيفية الاستدلال والنقض والابرام بكتب العامة، فظنوا ان مباني استنباطهم الاحكام الشرعية ايضا شبيهة بهم؛من استعمال القياس والاستحسان والظنون، مع ان المطلع على طريقتهم يرى انهم لم يتعدوا عن الكتاب والسنة والاجماع الراجع الى كشف الدليل المعتبر، لا المصطلح عليه بين العامة» ((342)) .

(3) - توهم الاخباريين من عدم وجود الاصول في زمان الائمة (عليهم السلام)، وهذا عامل ودليل آخر يمكن استفادته من عبارة الامام، وان لم يصرح بذلك ((343)) .

وهذا بمثابة قول الاخباريين : لو كان التمسك بالاصول صحيحا والاجتهاد لازما، اذن فلماذا لم يكن لذلك اثرفي زمان الائمة (عليهم السلام) ؟ فنحن ايضا لابد ان نكون كاصحاب الائمة (عليهم السلام) فانهم رفضوا علم الاصول والاجتهاد وتمسكوا بالروايات .

فبناء على الفهم التاريخي للاخباريين يكون الائمة (عليهم السلام) قد رفضوا الاجتهاد، وعرضوا الروايات وقام الاصحاب بكتابتها وجعلوها مبنى الاستنباط، اذن بناء على فهم الاخباريين هذا، لا يمكن التعويل على الاصول والاجتهاد .

واذا اردنا ان نفهم هذا الاستدلال للاخباريين، فاننا نواجه ثلاثة نقاط :

الف - المصطلحات، مصطلح ( اجتهاد ) فانه كان مرفوضا في زمان الائمة (عليهم السلام)، ومصطلح ( رواة الاحاديث ) الذي كان مقبولا ورائجا .

ب - كتابة الاصحاب للروايات؛فقد كان عملهم - بناء على النقطة الاولى هو نقل الروايات .

ج - تاليف علماء الشيعة للكتب الروائية في القرنين الرابع والخامس؛من قبيل ( من لا يحضره الفقيه ،التهذيب، الاستبصار، و . . . ) .

ويزعم الاخباريون ان من مجموع هذه النقاط الثلاثة يمكن الحصول على هذه النتيجة، وهي : ان طريقة الشيعة كانت تتلخص في كتابة الرواية ونقلها، واما ما حصل بعد ذلك من توجه مجموعة من علماء الشيعة نحو تدوين الاصول وقواعد الاصول في الفقه فهو من مخترعاتهم وابتكاراتهم، او نتيجة لتقليدهم اهل السنة .

والجواب على ذلك : ان النظرة التاريخية التحليلية للماضي ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، وما يعاني منه الفقه والاصول - اليوم - من مشكلات ونواقص انما هو بسب انعدامها، وينبغي ان لا تكون هذه النظرة سطحية ولابد فيها من الاعتماد على القرائن والشواهد المربوطة بذلك الزمان . ومن مجموعها نصل الى النتيجة .

فالاشكال الوارد على الاخباريين هو ان نظرتهم الى التاريخ كانت سطحية، وانهم اخذوا ببعض القرائن ،وتركوا القرائن والشواهد الاخرى .

ومن القرائن التي اهملوها : هي ارجاع الائمة (عليهم السلام) الناس الى بعض الاصحاب، وامرهم بان يتعلمواالحلال والحرام منهم، وهذا شاهد على ان الائمة كانوا قد اجازوا للاصحاب الاستنباط، وارادوا منهم ان يفتواالناس .

وافتراض انه موضوع السؤال لم يبين في الرواية، وان الاصحاب اجابوا عنه بدون الرجوع الى الامام، يستفادمنه : انهم استنبطوا الحكم من الروايات، وبالاخص مع وجود روايات متعارضة عندهم وانهم اختاروا الجواب من بينها .

وهذا ما يشكل قرينة اخرى على ان الائمة (عليهم السلام) قد امروا الاصحاب بالافتاء .

وايضا - من القرائن - كان بعض الاصحاب يقوم بالنقض والابرام امام الامام (عليه السلام) وطرح الاسئلة المكررة عليه وبعد جواب الامام، تثار اشكالات ونقد علمي، ومن ثم نقد جواب الاشكال .

وايضا هناك قرينة اخرى وهي ان هشام بن الحكم كتب ( كتاب الالفاظ ) في قواعد الالفاظ، وكان الغرض منه هو الاستنباط .

فهذه قرائن تدل على اهمية الاستنباط والبحث والمناظرة والجدل، وان الاصحاب كانوا اهل نظر ودقة .

اذن فالاخباريون؛اولا : اهملوا بعض القرائن، وثانيا : لم يلتفتوا الى ان بعض الاصطلاحات قد تغى ر مفهومهابمرور الزمان .

فعلى سبيل المثال . قولهم : حيث ان الاصحاب رفضوا العمل بالاجتهاد، فهو باطل اذن .

وقد غفلوا عن ان الاجتهاد، كان مرادفا - في ذلك الزمان - للراي والقياس؛ولذا كان باطلا، الا ان مفهومه قدتغير بعد ذلك عند اهل السنة، فقد عرفوه باستفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي .

وقد استعمل الاجتهاد بهذا المعنى بعض العلماء الاصوليين المحققين وغير المتعصبين من قبيل المحقق الحلي والعلامة الحلي في القرن السابع والثامن، وقد اصبح بعد ذلك من اكثر الاصطلاحات قداسة في فقه واصول الشيعة .

و - اصطلاح - ( رواة الحديث ) ايضا فانه لم يكن يعني في زمان الائمة (عليهم السلام) مجرد لفظ الرواية ونقلها، بل كان يعني بالاضافة الى ذلك الدراية ومعرفة قواعد التعادل والتراجيح والحلال والحرام، وهذه المعرفة تعني التفقه في الدين والتبحر فيه .

فقد اخطا الاخباريون في امرين بالنسبة الى الاصطلاحات؛الاول : فسروا الاجتهاد في عصرهم بنفس معناه الذي كان في القرن الثاني، والثاني : فسروا ( رواة الحديث ) في القرن الثاني بنفس معناه الان؛فان تفسيرالاصطلاح في العصر الحاضر بالمعنى الذي كان في العصور السابقة وبالعكس، ادى الى الاستنتاج الخاطئ والتحجر في الفكر .

ولذا يعتقد الامام الخميني (قدس سره) : باننا لا يمكن ان نقيس زمان اصحاب الائمة (عليهم السلام) بزمانناهذا؛فلم تكن هناك حاجة في زمن الائمة (عليهم السلام) الى اعمال كثير من القواعد الاصولية، فالامام كان حاضرا بينهم ولا حاجة الى القاعدة، وكانوا كذلك يستعينون بالقرائن الموجودة لفهم كلام الامام (عليه السلام)بخلاف زماننا هذا، فانه حينما تصل الينا رواية بعد قرون فلابد من جمع قرائن وضمها الى الرواية من اجل فهم كلام الامام (عليه السلام) .

قال الامام الخميني (قدس سره) : «وتوهم الاستغناء عنها، بانه لم يكن في اعصار الائمة عين ولا اثر من هذه المسائل المدونة، سخيف جدا؛للفرق الواضح بين اعصارهم واعصارنا، على ان بعض ما عددناه من المسائل كان منقحا عند اهل الاستنباط في تلك الاعصار» ((344)) .

والحاصل :

1 - هناك عدد من المسائل الاصولية قد نقحت في ذلك الزمان، ولابد من بحثها اليوم وتوضيحها لتصبح قاعدة يرجع اليها .

2 - فهم مراد الائمة (عليهم السلام)؛فحيث ان الاصحاب كانوا في زمان الائمة، فمن السهل عليهم فهم مرادهم بلا حاجة الى اعمال القواعد الاصولية، اما الان فلابد من ضمها الى الروايات لفهم مرادالامام (عليه السلام) .

3 - لابد من الالتفات الى تغير وتبدل مفاهيم المصطلحات عبر الزمان .

وهكذا اشكالات هي التي ادت الى خواء الفكر الاخباري من الداخل، وزواله بالتدريج .

ويمكن ذكر اسباب وعلل اخرى - غير ما تقدم - ساعدت في ظهور وبروز الفكر الاخباري، منها : انه حينماجاء عصر الصفوية كان شعارهم احياء مذهب اهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) فادى ذلك الى ظهوروضع سياسي اشتد فيه التعصب بين الشيعة والسنة والقى بظلاله على الفقه والاصول .

فنهض بعض العلماء -وهم الاخباريون - لاحياء الفقه طبقا للروايات، والغاء علم الاصول؛لان فيه شبه لاهل السنة الذين كانوا هم الاساس فيه .

المحور الثاني - في المنهج الاصولي للامام الخميني لقد استفاد الامام الخميني من العناصر الفاعلة، والمنطقية في الوقت نفسه للابداع في الفكر الاصولي، نشيرالى بعضها :

العنصر الاول - الاستناد الى النظر العرفي :

ان تحكيم العرف والفهم العرفي هو عنصر مشترك بين كثير من المدارس الاصولية كمدرسة المحقق النائيني ،ومدرسة المحقق العراقي، ومدرسة المحقق الاصفهاني ومدرسة الامام الخميني ومدرسة الشهيد السيد الصدر ،فهم - جميعا - كانوا عرفيين؛يستندون الى تشخيص العرف في تعيين موضوع الحكم، ويسلمون بالقواعدالعرفية في المحاورات، ويتعاملون مع الروايات على اساس الفهم العرفي .

واذا كان هناك تفاوت بين المدارس الاصولية، فاكثر ما ينشا من التفاوت في عرفية اصحابها، فبعضهم اكثرعرفية من الاخر، فمثلا، المحقق النائيني اكثر عرفية من المحقق العراقي في عرض المباحث وتنقيحها؛لان المحقق العراقي يتعامل مع البحث - في كثير من المباحث - بالدقة العقلية - وان كان فيها ايضا نوع من التعامل العرفي - .

وبتعبير آخر : ان الذهن العرفي لقسم من الاصوليين قد ضعف بسبب انسه بالمباحث العقلية، وصيرورته مدرسيا وحرفيا، والا فان شعار الاخذ بالعرف هو نقطة اشتراك بين جميع او اكثر الاصوليين .

والذي يجعل الامام الخميني متميزا عن كثير من العلماء الاصوليين هو اعماله الفهم العرفي في كل موضع من ابحاثه الاصولية .

وبتعبير آخر : ان الامام الخميني كان عرفيا في نظره بالاضافة الى انه عرفي في تعامله؛يعني بالاضافة الى انه كان يؤمن بالقواعد العرفية نتيجة لتعامله العرفي، كان يعتمد على الفهم العرفي في ابحاثه وتحليلاته خلافالبقية الاصوليين فانهم يعملون الدقة العقلية في البحث والتحليل .

ولنذكر بعض المسائل الاصولية لبيان التفاوت بين هذين النوعين من النظر والتعامل .

1 - النظر العرفي الى الامارات : ان احدى النظريات المعروفة في علم الاصول - ولها اتباع كثيرون - هي «نظرية التنزيل»؛يعني ان العرف ينزل مؤدى الامارات منزلة الواقع .

وبتعبير آخر : في الموارد التي تكون الامارة فيها معتبرة عرفا، فحقيقة ذلك؛هو ان العرف تصرف في كاشفية وطريقية الامارة، واعتبرها تامة .

وعلى هذا، اذا اعتبر العرف الظن حجة كالقطع - الذي تكون كاشفيته تامة فحقيقة ذلك هو انه اعتبر كاشفية الظن ككاشفية القطع تامة، ونزل مؤداه منزلة الواقع .

الا ان الامام الخميني يرفض هذه النظرية ،ويقول : «اما بناء العقلاء بالعمل بالامارات، فليس وجهه تنزيل المؤدى منزلة الواقع، ولا تنزيل الظن منزلة القطع، ولا اعطاء الجهة الكاشفية والطريقية او تتميم الكشف لها . . .» ((345)) .

اذن، فنحن امام رايين: اصوليين : احدهما يذهب الى القول ب ( التنزيل) كالمحقق الخراساني والمحقق النائينى وامثالهما، والثاني : وهو للامام الخميني القائل بان العرف لم يعمل اي تنزيل.

ومعرفة مصدر ومنشا هذين الرايين هو محل بحثنا، فنقول :

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية