الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

 ان التفاوت بين هذين النظرين في الواقع ينشا من التفاوت بين منهجين اصوليين: المنهج الذي يتبنى النظرالعرفي، والمنهج الذي يتبنى النظر العقلي، فالذين آمنوا بنظرية ( تنزيل المؤدى منزلة الواقع ) فانهم نظروا الى عمل العرف هذا بمنظار عقلي؛ اي اخذوا بنظر الاعتبار التحليل العقلي الذي يفرق بين القطع والظن وايضا اخذواالتفات العرف لذلك امرا مسلما، ثم تصدوا للجواب عن هذا السؤال؛لماذا اعتبر العرف الظن كالقطع رغم التفاته الى التفكيك العقلي بينهما ؟ وانتهوا الى هذه النتيجة، وهي : ان العرف يتنزل نوعا ما عن حكم العقل، فينزل الظن منزلة القطع .

وبناء على هذا التحليل، فالتنزيل العرفي مسبوق بالتفات العرف الى التفكيك العقلي بين القطع والظن .

اذن، فتحليل هذه المجموعة ينشا من نظرهم العقلي الى عمل العرف ( جعله الامارة حجة ومعتبرة ) .

وفي مقابل ذلك الامام الخميني؛فان تحليله لعمل العرف في اعتباره الامارة لم يبدا من التفكيك العقلي بين القطع والظن، ولم يكن بحاجة الى الحكم العقلي، بل حلل عمل العرف بتحليل عرفي؛اي ان الامام وكبقية المحللين، يفترض نفسه من العرف ويقوم بتحليل عمل العرف بالنسبة الى الامارة من مقام عرفي، فيحصل على هذه النتيجة، وهي : ان العرف يرى ان الامارة طريق، لا انه يعتبرها حجة من باب التنزيل .

وفرق بين ( ما يراه العرف معتبرا ) وبين ( جعل الاعتبار )، قال الامام : «اما بناء العقلاء بالعمل بالامارات ،فليس وجهه تنزيل المؤدى منزلة الواقع . . . بل لهم طرق معتبرة يعملون بها في معاملاتهم وسياساتهم، من غير تنزيل واحد منها مقام الاخر، ولا الالتفات الى تلك المعاني الاختراعية والتخيلية» ((346)) .

وهكذا يكون الامام في صنعه للنظرية الاصولية عرفيا في تعامله وعرفيا في تحليله .

2 - المرجع في تشخيص المصداق : يعتقد الكثيرون ان المرجع في تشخيص وتعيين مصداق الموضوع هوالدقة العقلية، ففي نفس الوقت الذي يعتقد فيه اصحاب هذا الراي انه لابد من الرجوع الى العرف في ( مفهوم الموضوع )؛وبهذا فهم عرفيون الا انهم يعتمدون على العقل في ( تشخيص المصداق ) .

يقول المحقق الخراساني صاحب الكفاية وهو من اصحاب هذا الراي : «والعرف انما يكون مرجعا في تعيين المفاهيم، لا في تطبيقها على مصاديقها» ((347)) .

ويقول المحقق النائيني - وهو ايضا من اصحاب هذا الراي : «ان نظر العرف انما يكون متبعا في المفاهيم، لافي تطبيقها على المصاديق» ((348)) .

ودليل هذا الراي هو : انه لا يمكن الاعتماد على العرف في تشخيص المصداق؛لان العرف يتسامح في تشخيصه، والحال ان المطلوب هو المصداق الواقعي، لا المصداق الوهمي والمسامحي .

يقول المحقق النائيني بهذا الصدد : «اما تطبيق المفهوم على المصداق فليس بيد العرف، بل هو يدور مدارالواقع» .

والامام الخميني (قدس سره) ايضا يوافق اولئك المحققين في انه لا بد من البحث عن المصداق الحقيقي لاالوهمي، الا انه يخالفهم في تعريف المصداق الحقيقي وطريقة الوصول اليه .

فهو يعتقد بان ملاك الحقيقة عرفي وليس عقلي؛فان المعيار ما يراه العرف مصداقا حقيقيا وواقعيا؛اذن فلا بد من الرجوع الى العرف والاخذ بنظرهم في تشخيص المصداق، قال : «فكما ان العرف محك م في تشخيص المفاهيم محكم في صدقهاعلى المصاديق، وتشخيص مصاديقها، فما ليس بمصداق عرفا، ليس بمصداق للموضوع المحكوم بالحكم الشرعي» .

نعم، اذا ترك العرف الدقة الخاصة به وتسامح في تشخيص المصداق، فان الامام (قدس سره) يرى عدم صحة الرجوع اليه حينئذ لا في تشخيص المصداق فحسب، بل في تعيين المفاهيم ايضا .

قال : «ليس التسامح العرفي في شيء من الموارد ميزانا لا في تعيين المفاهيم ولا في تشخيص المصاديق، بل المراد من الاخذ من العرف : هو العرف مع دقته في تشخيص المفاهيم والمصاديق، وان تشخيصه هو الميزان مقابل تشخيص العقل الدقيق البرهاني» .

وبهذا يتبين ان الامام الخميني (رحمه اللّه) يشترك مع بعض العلماء - من قبيل صاحب الكفاية والمحقق النائيني - في نقطتين، ويختلف معهم في نقطتين ايضا : فيشترك معهم في ان المعيار هو المصداق الواقعي والحقيقي، وفي المسامحة في تشخيص العرف، ويختلف معهم في ان الملاك في تشخيص المصداق الحقيقي هو الدقة العرفية لا العقلية، ويرى ان التسامح العرفي الذي هو بمعنى عدم الدقة العرفية، ليس مرجعا لا في تشخيص المصاديق ولا المفاهيم .

والذي ادى الى هذا الاختلاف في الراي هو الاختلاف في النظرين العقلي والعرفي؛وقد عرف صاحب الكفاية والمحقق النائيني واقعية المصداق بانها نظر العقل الى الواقع والحقيقة، وبعبارة اخرى : جعلوا الملاك هوالحقيقة التي تنشا من الدقة العقلية . وذلك لانهم يعتقدون ان العرف عاجز عن ادراك الحقيقة بهذا المعنى؛فلايمكن ان يكون هوالمرجع في تشخيص المصاديق .

والحال ان الامام الخميني يرى ان المعيار هو الحقيقة التي تقوم على اساس النظر العرفي، واضاف هذه النقطة، وهي : انه لابد من الرجوع الى العرف الدقيق في تشخيص المصداق الحقيقي، لا العرف المتسامح .

3 - الترتب : ومن نتائج النهج العرفي للمدرسة الاصولية للامام الخميني (رحمه اللّه) هو رايه في ( مبحث الضدوالامر الترتبي ) . وهذا الراي هو نظرية جديدة لم يسبق لها احد من قبل .

ويعتقد السيد مصطفى الخميني ان هذا الراي هو بارقة ملكوتية يمكن ان تحل كثير من المعضلات والمشاكل الفقهية والاصولية .

وتوضيح ذلك : هو ان الاصوليين يعتقدون ومن خلال النظر العقلي للاحكام الشرعية : ان الخطابات الشرعية هي خطابات كلية ينحل كل واحد منها الى خطابات متعددة بعدد المكلفين المخاطبين به؛اي انهم نظروا الى الخطاب الكلي بمنظار عقلي ثم انهم لم يستطيعوا - في مبحث الضد - الجمع بين الخطاب الاهم والخطاب المهم وانحلال كل واحد منهما في زمان واحد، وحينئذلجاوا الى مسالة الترتب، وقالوا : كلما دار الامر بين الاهم والمهم؛فابتداء يتعلق الامر بالاهم ويصبح فعليا، وفي حالة عصيانه وتركه يصبح الامر بالمهم فعلياومنجزا .

واما الامام الخميني فكان يعتقد - ومن خلال نظرة جديدة ناشئة مما كان يمتاز به من نظر عرفي : ان توجيه خطابين فعليين وفي عرض واحد وفي زمان واحد الى المكلف امر ممكن، وان الخطاب الكلي لا ينحل بالنظرالعرفي الى خطابات متعددة بعدد المكلفين وبناء على هذا، اذا وجه خطابين - في آن واحد - الى المكلف، فان كلا الخطابين يصير فعليا، فاذا عصى احدهما او لم يقدر على امتثاله، فان ذلك لا يوجب سقوطه عن الفعلية ؛لانه بناء على هذه النظرية لم يوجه خطاب خاص الى المكلف بل يبقى الخطاب كليا .

العنصر الثاني - الاستفادة من الاساليب المختلفة في كلام العرف لفهم القرآن الكريم :

ان من المحاور الاخرى التي اعتمدها الامام (قدس سره) في الاستنباط من الايات الكريمة، هو الاستفادة من الاساليب الكلامية المختلفة للعرف والعقلاء .

فانه اذا امكن اثبات ان اللّه سبحانه وتعالى استعمل نفس هذه الاساليب الكلامية المتعارفة، فانه يمكن حينئذاستنباط معارف كثيرة من القرآن الكريم .

فمثلا : من المتعارف عند العرف استعمال الكناية، بل قيل : ( الكناية ابلغ من التصريح )، فالمتكلم يستعمل الكناية في كلامه من اجل بيان مقصوده .

فنتساءل : هل ان اللّه سبحانه استعمل هذا الاسلوب في القرآن ؟

يعتقد الامام (قدس سره) بذلك وانه سبحانه استعمل الكناية في القرآن؛ولذا لابد ان يكون الحكم المستنبط مناسبا لمعناه الكنائي .

ومثال ذلك ان الامام - وبناء على دقته ومعرفته بالعرف - يرى ان اللّه سبحانه لم ينه عن قول ( اف ) للاب والام، بل في مقام الكناية نهى عن ايذائهما . قال الامام - بعد ان نبه على استفادة العرف من الكناية : «ولايبعد ان يكون قوله تعالى : ( فلا تقل لهما اف ) ((349)) من هذا القبيل، وعليه فنفس الاف ليس منهيا عنها، بل هو كناية عن النهي عن ضربهما وايذائهما» . ((350)) مع ان البعض استفاد من ذلك انه يحرم ان يقال للاب والام ( اف )، وبطريق الاولوية يستفاد منها ايضا حرمة ضربهم .

والكناية رائجة في عرفنا، من قبيل ان يقول شخص لاخر : ( انك لا تقدر ان تنظر الى ظل فلان ) ((351)) .

فيرى الامام عدم امكان اثبات النهي عن قول (اف)، لهما بهذه الاية الكريمة، بل نهى اللّه سبحانه بالكناية عن ايذائهما .

وعليه فاذا لم يكن في قول (اف) ايذاء لهما فلا يحرم، واذا كان هناك فعل آخر فيه ايذاء لهما فهو حرام ومنهي عنه .

وعندما يقول الامام بان الاية الكريمة في مقام الكناية، فهذا لا يعنى انه رفع يده عن ظهورها، بل بناء على ظاهر الاية فان اللّه سبحانه في مقام الكناية، لا ان الكناية في مقابل الظهور.

والنقطة الرائعة التي يمكن استفادتها من هذا البحث، هي : انه يمكن تفسير كلام اللّه سبحانه بلسان العرف ومسلك العقلاء بنحوين : النحو الاول : هو ان ننظر الى الجانب السلبي - الحد الادنى - منه، ونقول : ان اللّهسبحانه لا يستخدم الكلمات التي هي خارج نطاق العرف، وغير المعروفة عنده، النحو الثاني :

بالاضافة الى الجانب السلبي، فان اللّه سبحانه استخدم افضل الفنون والاساليب الكلامية الرائجة عند العرف لايصال مراده .

وكان الامام يرى صحة هذا النحو الثاني؛ولذا فانه فهم من آية : ( فلا تقل لهما اف ) المعنى الكنائي؛لان الكناية عند العرف :

ابلغ من التصريح، ووجود الامثال في القرآن هو دليل آخر على هذا المدعى .

العنصر الثالث - الاستفادة من السياق في فهم القرآن الكريم :

ومن المحاور التي اعتمدها الامام في استنباط الافكار الاصولية من القرآن الكريم هو التمسك بالسياق .

فانا اذا التفتنا الى جهة سوق الكلام فاننا نستفيد نقاط لا يمكن ان نستفيدها من كلمات وعبائر ذلك الكلام ،وانما نستفيدها من نظم وترتيب الجمل فيه، وهذا ما يسمى ب ( سياق الكلام ) .

وكلما كان المتكلم اكثر علماواحاطة بموضوع كلامه، يكون كلامه بنحو يمكن الاستفادة من سياقه بشكل افضل واكثر .

فاذا كان المتكلم هو اللّه العليم الحكيم، فنحن امام احد امرين :

الاول : ان ندعي ان اللّه سبحانه بالرغم من انه هو العالم المطلق الا انه اعرض عن جعل مطالب ونقاط مهمة في طيات كلامه، وساقه كما يسوق العوام كلامهم؛خاليا من الدقة والظرافة والنقاط العلمية .

الا ان هذه النسبة والتفسير لكلام اللّه سبحانه واضح البطلان؛فانه كيف يمكن ان يكون - على سبيل المثال -هناك شاعر من قبيل حافظ الشيرازي يودع اشعاره انواع العلوم والدقة والظرافة، ويكون كلام اللّه سبحانه خالياعن هذه الميزة المهمة ! والثاني : ان اللّه سبحانه وان خاطب الناس بلغتهم، الا انه اودع كلامه من العلم والحكمة على قدر فهمهم، ومن ذلك ما اودعه في سياق كلامه من النقاط والظرائف . فيتضح بهذه المقدمة ان المعارف المستفادة من سياق القرآن الكريم هي بحر عظيم وفرصة مهمة بين يدي اهل الاستنباط الا انه ومع الاسف لم تستغل هذه الفرصة في مقام الاستنباط في الفقه والاصول .

وبالرغم من ان الاستنباط من السياق فرصة مهمة الا انها تضاعف احتمال الوقوع في الخطا، فلابد من تعلم القواعد المختصة بكيفية التعامل مع السياق والاستنباط منه .

ومن القواعد التي يمكن ان تفيد في ذلك :

1 - ان لا يكون هذا السياق خلاف ظاهر بقية الايات .

2 - من المهم جدا الاهتمام بالضمائر، والاشارات و . . . لمعرفة السياق .

3 - هناك آيات الى جنب آيات اخرى، الا انها لا تعد من السياق .

اذن فلابد من الدقة والتامل في معرفة السياق؛فانه من الممكن لاي احدان يفسره طبقا لفهمه الموهوم؛من هنا فان تاسيس قواعد خاصة اخرى بمعرفة السياق، للوصول الى فهم سياقي وموضع توافق العرف امر ضروري جدا .

وقد استفاد الامام الخميني من السياق في مجالات مختلفة؛في كل منها بما يناسبه، وحصل على نتائج ومطالب اصولية بواسطة ذلك، وهذه بعض الامثلة لذلك :

المثال الاول : ان احدى الايات التي استدل بها في بحث البراءة في الشبهات الحكمية هي؛قوله تعالى : ( وماكنا معذبين حتى نبعث رسولا ) ((352)) : فلكي نستطيع ان نستدل بها على البراءة، لابد ان نفسر العذاب الواردفيها بالعذاب الاخروي .

ولاثبات هذه المقدمة تمسك الامام (قدس سره) بسياق الاية؛فكتب : «منها : قوله تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا )، لا اشكال في دلالة الاية على البراءة بابلغ وجه؛وذلك لان الظاهر ان الاية راجعة الى يوم القيامة، وان المراد بالعذاب فيها هو العذاب الاخروي؛لورودها في سياق الايات المربوطة بيوم القيامة، وهي قوله تعالى ( وكل انسان الزمناه طائره في عنقه ونخر ج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا - اقرا كتابك كفى بنفسك اليوم عليك ح سيبا - من اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها ولا تزروازرة وزر ا خرى وما كنا معذبين ) ((353))» ((354)) .

فالامام يدعي ان العذاب في الاية ظاهر في العذاب الاخروي، وهذا الظهور يستفاد من سياق الاية .

المثال الثاني : وهو ما يتربط بادلة اثبات عدم حجية الظن؛فان احد الادلة على ذلك هو قوله تعالى : ( ولاتقف ما ليس لك به علم ) ((355)) .

قال البعض : لا يمكن اثبات عدم حجية الظن في الامور الفرعية بهذه الاية ؛لانها ناظرة الى الاصول العقائدية، الا ان الامام اثبت بالتمسك بسياق الاية انها ناظرة الى الاحكام الفرعية غيرالاعتقادية، او على الاقل ناظرة لهما معا .

قال : «فانه في سياق الايات الناهية عن الامور الفرعية، فلا يختص بالاصول، لولا اختصاصه بالفروع» ((356)) .

المحور الثالث - الامام الخميني ومصادر علم الاصول ان قسما مهما من هوية كل علم ترجع الى مصادره، فمعرفة مصادر علوم من قبيل الفقه والاصول، تثمر في تعميق المعرفة بهذه العلوم من ناحية، وتوسعتها من ناحية اخرى . هذا وفي الوقت الذي توفرت فيه -لاسباب مختلفة دراسة جيدة الى حد ما لمصادر علم الفقه الا انه لم يبذل جهدا مهما لدراسة مصادر علم الاصول .

ويمكن ذكر فائدتين لبحث ودراسة مصادر علم الاصول، وهما :

الفائدة الاولى - الاستفادة الواسعة والمنتظمة من مصادره :

ان اهمية البحث والتحقيق عن مصادر علم الاصول تكمن في انه يمكننا من الاستفادة منها، واستعمالها بشكل واسع ومنتظم .

وفي غير هذه الحالة ستكون الاستفادة سطحية وليست بالمستوى المطلوب، وكذلك المسيرة العلمية المتواصلة لهذا العلم يكون ارتباطها بهذه المصادر غير مرتب وضعيفا وخاليا من التنظيم .

ثم ان الاعتماد على الفهم والاستنتاج الارتكازي يبتلى دائما بالنواقص والاشكالات؛فمن ناحية لا انسجام فيه ،ومن ناحية اخرى لم تكن هذه الاستفادة بشكل واسع ومهم .

والابحاث العلمية الدقيقة التي تعتمد على دراسة المصادر هي وحدها التي تستطيع ان تبلغ بالاستنتاجات الارتكازية حد الرشد والبلوغ العلمي، مع الاطلاع والمعرفة المنتظمة حسب الاولوية في تلك الابحاث والاستنتاجات .

الفائدة الثانية - معرفة مصادر الابحاث الجديدة التي اقترح ادخالها في علم الاصول :

هناك بعض الابحاث التي يمكن مشاهدتها في فلسفة تحليل اللغة، ولها القابلية على تحقيق الهدف الذي من اجله اسس علم الاصول؛لذا فان اقتراح البعض اليوم في ادخال هذه الابحاث في علم الاصول انما ينشا من ذلك .

وبالالتفات الى هذه النقطة تتضح ضرورة البحث العلمي عن مصدر او مصادر هذا النوع من المباحث، والبحث عن النسبة بينها وبين مصادر علم الاصول التي يستقى منها الى الان .

ولا شك في ان السعي والجهد العلمي في هذا السبيل يعتبر من اسس البحث عن مصادر علم الاصول .

والبحث حول هذا الموضوع وان كان يحتاج الى جهد كبير ومجال واسع الا انه يمكن رسم الخطوات الاولى في هذا الطريق الحساس .

ولا شك في ان البحث عن مصادر علم الاصول من وجهة نظر الامام الخميني له نتائج مفيدة وقيمة في هذاالمجال :

مصادر علم الاصول عند الامام الخميني :

لا شك في انه للفقه مصادر، وهي عبارة عن : القرآن والسنة والاجماع والعقل فهل لعلم الاصول مصادرايضا ؟ وهل انها من وجهة نظر الامام هي نفس مصادر علم الفقه ؟

والجواب عن السؤال الاول واضح؛فانه ليس هناك علم بلا مصادر، ولا يمكن ان نتصور علم لا يستقي من مصدر .

واما الجواب عن السؤال الثاني : فان المستفاد من كلمات الامام هو ان مصادر علم الاصول وان اشترك بعضهامع مصادر علم الفقه كالكتاب والسن ة والعقل الا انها تختلف معها في المرتكزات الفطرية والعرفية والعقلائية ،يقول الامام : «ان اكثر مدارك هذه المسائل موجود في الذكر الحكيم والروايات الماثورة والمرتكزات الفطرية الفكرية العقلائية، كما ان بعض مسائلها مما يستدل عليه عن طريق العقل واستماع الامروالنهي» ((357)) .

وببيان اوضح : ان مصادر علم الاصول تختلف عن مصادر علم الفقه من عدة نواح، وهي :

اولا - ان مصادر علم الاصول - كما تقدم - ليست بالدقة مساوية لنوع مصادر علم الفقه، فان سيرة العقلاءوايضا كثير من المرتكزات العقلائية ((358))، هي من جملة مصادر علم الاصول، الا انها ليست من مصادر علم الفقه .

واذا كان يستدل في الفقه بسيرة العقلاء والمرتكزات العقلائية، فانما هو لامضاء الشارع لها .

وانما يكون امضاء الشارع - ولو على نحو عدم الردع - لازما؛لان السيرة العقلائية في الفقه تتضمن حكماشرعيا ويمكن اثبات ذلك بالقياس التالي :

1 - حق التشريع مخصوص باللّه سبحانه؛( ان الحكم الا للّه ) . ((359))

2 - ليس من حق العقلاء التشريع؛وذلك لانحصاره باللّه سبحانه .

والنتيجة : هي اذا اصدر العقلاء حكما في مجال التشريع، فلا اعتبار له الا اذا امضاه الشارع، ففي هذه الحالة يصبح من الاحكام الشرعية .

واما في علم الاصول فالامر ليس كذلك؛فان العلاقات الاجتماعية للناس تبتني على اسس وقوانين خاصة، والخطابات وايصال المعاني فيما بينهم ايضا يبتني على تلك الاسس والقوانين الخاصة .

وقد اعترف بها الشارع؛ولذا فقد اعتمد عليها في خطاباته، الا ان ذلك لا يعني امضاءه لها، لانها لا تحتاج الى امضاء بل هو علامة على اعتبارها الذاتي؛وعلى هذا فالمرتكزات العقلائية حجة .

وقد اشار العلا مة الطباطبائي الى هذه النقطة في - الحاشية على الكفاية : وهي ان القواعد الاصولية هي نفس السلوك والعادات والمقاييس الموجودة بين العقلاء، وعلم الاصول يعني تقنين هذه العادات والسلوك واخضاعه للبحث العلمي .

ثانيا - ان اكثر القواعد الاصولية تنشا من السيرة والمرتكزات العقلائية، واما العقل فانه وان كانت هناك مسائل كثيرة تستنتج منه الا انها لا تصل في الكثرة الى حد المسائل المستنتجة من السيرة العقلائية، والحال انه في الفقه ليس كذلك .

واذا اردنا ان نصنف المصادر الاصولية على حسب الاستفادة منها في القواعد الاصولية فان المرتكزات العقلائية تاتي بالدرجة الاولى ثم القرآن والروايات والعقل .

ثالثا : ان كثيرا مما هو في القرآن والروايات، ومنه تستنبط القواعد الاصولية فهو في الحقيقة انعكاس للمرتكزات والسيرة العقلائية .

نعم، هناك بعض القواعد الاصولية تستنبط من القرآن والسنة؛فالقياس مثلا - هو امر عرفي، يعتقد به الكثير الا ان الشارع نهى عن ذلك، او ان الظن - مثلا - له مكانه عند العقلاء الا انه مرفوض عند الشارع ؛وذلك لان الظن بالحكم الشرعي : معناه الظن بامر واقعي بعيد عن متناول افهامنا، وان دين اللّه لا يصاب بالعقول ((360)) .

اذن منشا بعض القواعد الاصولية هو القرآن الكريم والروايات، ولا علاقة لها بالمرتكزات الفطرية العقلائية ،بل هناك قواعد اصولية على خلاف المرتكزات الا انها ليست كثيرة .

رابعا : ان نوع الاستفادة من العقل في الفقه تختلف عنه في الاصول، وهذا الاختلاف ينشا من الاختلاف في عمل العقل والحاجة اليه في كل واحد من العلمين .

ففي الفقه؛لابد من وجود حكمين عقليين يكمل احدهما الاخر؛لكي نستطيع ان نستنبط من العقل حكما .

الحكم الاول : هو حكم العقل بوجود مصلحة او مفسدة .

الحكم الثاني : هو حكم العقل بالتلازم بين مقتضى حكمه وحكم الشارع .

فاذا توصل العقل الى هذه النقطة، وهي : اولا - ان هناك مصلحة موجودة . وثانيا : ان اقتضاء هذه المصلحة واضح جدا الى حد لا يكون هناك اي مانع عن تاثيره، فهنا نستطيع القول بان حكم العقل الذي نشا من هذه المصلحة هو نفس حكم الشارع، فبين هذين الحكمين ملازمة .

ولابد من الالتفات الى انه في الموارد التي يحكم فيها العقل بالملازمة، لم يصل الينا حكم شرعي الا ان العقل لانه مطمئن جدا بحكمه؛لذا فانه يحكم بوجود الملازمة، فعلى اساس «كل ما حكم به العقل حكم به الشرع»نستنبط الحكم الشرعي .

فلكي نجعل العقل مصدرا للحكم، نحتاج الى حكم العقل نفسه، ليجيب عن هذا السؤال وهو : هل يوجد هناك مانع او موانع امام ما حكم به ؟ فان اجاب بالامكان فحينئذ لا اعتبار لحكمه ؟

وان اجاب بعدم وجود المانع اوالموانع فمعناه حكم بالملازمة، فيكون حكمه في هذه الحالة حجة .

وهناك اختلاف في مجال الاستفادة من العقل في الفقه، لا نريد الدخول فيه .

والمقصود من الملازمة هنا هي العقلية لا العرفية ((361)) .

وحيث ان الاخباريين لم يلتفتوا الى هذه النقطة؛لذا فقد انكروا قاعدة : ( كل ما حكم به العقل حكم به الشرع ) ،وقالوا بان العقل ليس من مصادر التشريع .

وخلافا لهذا المجال الضيق للعقل في الفقه، هو مجاله في الاصول، فان له مجالا واسعا واستعمالات كثيرة وفاعلة فيها، وان كان ذلك لا يصل الى سعة الاستفادة من الاحكام العقلائية .

وهناك على الاقل نوعان مهمان من فوائد استخدام العقل في الاصول :

ا - ان العقل الذي هو من مصادر الفقه، يكتسب حجيته واعتباره من العقل الاصولي فالعقل الذي نتمسك به لاستنباط الحكم الشرعي هو عقل فقهي، قد حصلنا عليه من القاعدة الاصولية .

ب - ولا ينحصر دور العقل في اضفاء الحجية والاعتبار على العقل الذي هو مصدر الاستنباط في الفقه فقط ،بل سائر مصادر الاستنباط في الفقه - ايضاتبتني حجيتها على قواعد العقل الاصولي .

فمثلا : حجية الكتاب هي من العقل الاصولي .

فان قيل : ان الكتاب الكريم حجة، ولا يحتاج في اثبات حجيته الى العقل الاصولي .

فالجواب : ليس البحث عن ان القرآن الكريم الذي هو كلام اللّه سبحانه هل هو حجة ام لا ؟ بل البحث عن ان هذاالكتاب الذي بين ايدينا، هل هو كلام اللّه سبحانه ليكون حجة، ام لا ؟

فعندما نثبت بانه كلام اللّه سبحانه تثبت حجيته  حينئذ .

وهكذا البحث في السنة والاجماع .

وهناك مسائل اصولية اخرى - بالاضافة الى مصادر الفقه - يثبت اعتبارها وحجيتها بوساطة العقل .

قال الامام الخميني : «كما ان بعض مسائلها مما يستدل عليه من طريق العقل، كاجماع الامروالنهي» ((362)) .

فاننا نستنبط قاعدة اجتماع الامر والنهي من العقل، سواء قلنا بامكان الاجتماع او بامتناعه . .

وانما ذكر الامام (قدس سره) هذه القاعدة كنموذج لذلك، والا فان هناك قواعد كثيرة اخرى يمكن استنباط حكمهامن العقل، منها :

1 - قاعدة ( دلالة الامر الاضطراري او الامر الظاهري على الاجزاء) .

2 - قاعدة ( اقتضاء النهي للبطلان او الفساد ) .

3 - قاعدة : ( وجوب المقدمة ) .

4 - قاعدة ( التخيير العقلي ) .

اذن فالعقل - بالاضافة الى انه مصدر الاستدلال والبرهان في علم الاصول هو مصدر لتاسيس بعض القواعدالاصولية .

فالعقل الاصولي له استعمالات واسعة، فهو يثبت حجية مصادر الاستنباط؛منها : حجية العقل، قواعد التعامل مع النص، قاعدة استفادة بعض الاحكام من النص و . . .

لذا فنحن نعتقد انه لو حذف العقل الاصولي، لاصبح علم الاصول بلا معنى ولا فائدة .

المحور الرابع - الامام والمباني الكلامية في الاصول نقاط عامة :

النقطة الاولى : ان للعقائد الكلامية اقتضاءات وتاثير في مجالات اخرى من قبيل مجال الفقه، ومجال اصول الفقه ومنهج استنباط الحكم . ومن الشواهد الواضحة على ذلك تاثير الايمان بعصمة الائمة (عليهم السلام) على مسار الاستنباط .

فضرورة الاستنباط في نطاق سنة الائمة - والتي هي مسالة اصولية - هي نتيجة منطقية للقاعدة الكلامية المذكورة؛الى حد انه لو لم تثبت هذه القاعدة الكلامية - عصمة الائمة - لما استطعنا اعتبار سنة الائمة مصدرا للاستنباط في علم الاصول، وعلى هذا فالعلاقة بين علم الكلام وعلم الاصول هي من قبيل العلاقة بين المبنى والبناء . وهكذا الكثير من المسائل الكلامية؛بمعنى انه يمكن تاسيس القواعد الاصولية بناء على هذه العقائد .

اضف الى ذلك ان احد الطرق للخروج من بعض المشاكل الحالية في علم الاصول - التي لابد من اثباتها في محلها - هو معرفة العلاقة بين المباني الكلامية وعلم الاصول وتقويتها .

النقطة الثانية : ان تاريخ استنباط القواعد الاصولية من المباني الكلامية يرجع الى القرن الثاني، فقد توصل كثير من متكلمي ذلك القرن الى القواعد الاصولية عن طريق العقائد الكلامية؛من قبيل تمسك احد تلامذة الامام الصادق (عليه السلام) بمبنى ( شمولية الدين والقرآن ) لاثبات عدم حجية الراي والقياس .

ولابد من القول بانه وان نشا علم الاصول مرتبطا ومتعلقا بعلم الكلام الا انه سرعان ما وصل هذا الارتباط الى ادنى حد له، وآلت الاستفادة من الامكانيات الكلامية لاستنباط القواعد الاصولية الى الضعف والانحسار، وان عادت هذه العلاقة بين العلمين في بعض المقاطع التاريخية فتركت آثارا وفوائد .

واجمالا؛فبالرغم من اهمية دور المباني الكلامية في علم الاصول، الا انها من جملة المباحث التي لم تبحث بشكل تام، وما وقع من البحث عنها الى الان فهو قليل وغير مجد .

وما حصل من تطور في السنوات الاخيرة كان سببا لالتفات المحققين الى ضرورة البحث عن المباني الكلامية ،الا ان هذا المجال لا زال في بداية الطريق، ويحتاج الى عمل اكثر وجدية .

ولا شك في ان تصنيف هذه المباني وتبويبها يفتح الطريق لتنقيحها وتكثيرها .

النقطة الثالثة : يمكن ذكر عدة انواع من المباني الكلامية المرتبطة بالفقه، وهي : المباني الكلامية للفقه .

المباني الكلامية لاصول الفقه .

المباني الكلامية لعلم الرجال .

المباني الكلامية للقواعد الفقهية .

المباني الكلامية لمنهج الاستنباط .

ومعرفة كل هذه الانواع والبحث عنها والاستفادة منها، ينبا عن تطور الفقه تطورا منطقيا منظما، وليس فيه افراط او تفريط .

النقطة الرابعة : ان المباني الكلامية للاصول والفقه وغيرهما هي غير العقائد الكلامية؛فما دامت لم تستعمل كمبنى للفقه والاصول - حتى وان كان بالامكان ان يستنبط منها ذلك - فهي عقائد كلامية صرفة، فاذا استنبط منها مسائل اصولية او فقهية، فانها تعتبر حينئذ مباني كلامية فقهية او اصولية .

النقطة الخامسة : اذا اردنا استنباط قاعدة اصولية من مبنى كلامي، فلابدمن الالتفات الى ثلاثة نقاط رئيسية، وهي :

الف - ان يكون المبنى الكلامي صحيحا .

ب - صحة الاستنتاج منه .

ج - ان يكون الاستدلال متينا ومعقولا، في استنباط القاعدة الاصولية من المبنى الكلامي .

وعلى هذا، فدور المبنى الكلامي مهم جدا، وفي بعض الاحيان يكون مصيريا .

فاذا كان المبنى الكلامي لبعض علماء الاصول غير صحيح - وان كانت طريقة الاستفادة منه صحيحة - فانه يؤدي الى الانحراف في فكره الاصولي، والى نتائج سلبية في الفقه والاصول والاجتهاد، كما انه اذا اعرض عن المباني الكلامية في الاستنباط، او لم تكن له معرفة فيها يكون خطر الانحراف حينئذاكثر .

وفي واقع الامر؛لقد خسرنا في اربعة نقاط في التعامل مع المباني الكلامية .

1 - لم تحصل الاستفادة الكاملة منها .

2 - فوات الكثير من الفوائد .

3 - عدم صحة طريقة الاستفادة من المباني الكلامية لاستنباط القواعد الاصولية .

4 - كثير من القواعد الكلامية لها القابلية الذاتية على ان تكون مبنى للقواعد الاصولية الا انها اهملت .

فلم يبقى امامنا الا طريق واحد، وهو المعرفة الصحيحة بالمباني الكلامية من ناحية، والاستفادة الصحيحة والشاملة منها في استنباط المسائل الاصولية والفقهية، من ناحية اخرى .

وعلى هذا، فلابد للاصولي والفقيه من الاهتمام بامرين؛الاول : الاعتماد على المباني الكلامية الصحيحة ،والثاني : الاستنباط منها بصورة صحيحة .

مجالات البحث في المباني الكلامية للامام الخميني في علم الاصول :

وهناك نقطتان لابد من توضيحها قبل الدخول في البحث، وهما :

1 - بحث المباني والمناهج الكلامية للامام مع توضيح اكثر .

2 - التعرض لاراء الامام الخاصة في علم الاصول؛فان هناك آراء اصولية للامام لم يشاركه فيها احد من علماء الاصول، وذكر هذه الاراء وبيان اهميتها وكيفية الاستفادة منها في الفقه سيكون بحث مفيد للمهتمين بعلم الاصول والفقه .

لقد كان هناك تقارب كثير بين المباحث الاصولية والكلامية في القرن الثاني، وغالبا ما يكون علماء الكلام هم علماء الاصول ايضا؛ولان الابحاث الكلامية كانت اكثر من الابحاث الاصولية، كانوا يطلقون عليهم عنوان( المتكلم ) .

وحيث ان ماهية هذين العلمين عقلية؛فالذين يميلون الى المنهج العقلي والاستدلالي يميلون اليهما؛ولذا ترى ان متكلما مشهورا كهشام بن الحكم رغم اهتمامه بالمناظرات والمكاتبات الكلامية كان ايضا يهتم بالمباحث الاصولية، فنقل روايات عليها صبغة اصولية من قبيل ( عرض الروايات على الكتاب )، والف ( كتاب الالفاظ ) ،وكذلك ابو سهل النوبختي كان يعرف عنه بانه ( متكلم ماهر، حتى لقب بشيخ المتكلمين ) ومع هذا، فالظاهرانه الف كتابا في علم الاصول؛فهو قد اهتم بالابحاث الاصولية كاهتمامه بالمباحث الكلامية، وهذا شاهد على التقارب الكبير بين علم الكلام وعلم الاصول .

ومن الواضح انهما ليسا علما واحدا، بل الكلام علم والاصول علم آخر، اما لماذا كان هناك مجموعة واحدة من العلماء تتكفل بدراستهما معا، او ان الذين يكون لهم باع في الابحاث الكلامية، يكون لهم ايضا باع طويل في المباحث الاصولية ؟ ومن اين نشات وحدة الاهتمام بين هذين العلمين ؟

وللجواب على ذلك لابد من الاشارة الى نقطتين :

النقطة الاولى : انه لم يكن حجم الابحاث الاصولية في ذلك الزمان كبيرا؛ولذا لم ينظر اليها بعنوان انها علم مستقل؛ومع ذلك لابد من وجود جماعة تتبنى هذا العلم، فاما المحدثون فلم يكن عندهم تلك الارضية المناسبة للاهتمام بالاصول؛لان نقل الحديث بحاجة الى حافظة، لا الى تعقل ودقة وتطبيق، وعلماء النحوايضا لا علاقة لهم بهذه الابحاث، واما الكلام والاصول فهما تحت غطاء العقل والمباحث العقلية؛ولذا فان اقرب المناهج الفكرية للابحاث الاصولية هي الابحاث الكلامية .

النقطة الثانية؛هي ان هناك ارتباطا بين علم الكلام وعلم الاصول من جوانب اخرى منها :

ا - تمتع المحقق في هذين العلمين بامعان النظر والدقة، وبالنتيجة فمن كان يتمتع بنوع من الاستدلال الكلامي فانه يستفيد منه في بعض ما يتوقف عليه الاستدلال الاصولي .

ب - ان علماء ذلك الزمان بالاضافة الى اهتمامهم بعلم الكلام كانوا ايضا يهتمون بالابحاث الفقهية، ويخططون لادخال المنهج العقلي في الفقه؛ولذا فان المتكلمين من امثال هشام وزرارة عندما كانوا يحضرون عند الامام الصادق (عليه السلام)، فانهم تلقائيا كانوا ينجرون الى التورط في الابحاث الاصولية ،وبعبارة اخرى : ان من كان فكره يتحرك ضمن اطار الابحاث العقلية، فان فكره ايضا في الفقه يتحرك ضمن ذلك الاطار، ومن هنا نشا علم الاصول .

بالاضافة الى ذلك، فان الائمة (عليهم السلام) ايضا كانوا يرغبون في تعليم طريقة الاستنباط، وكان هناك تلاميذ عندهم رغبة الاستدلال والبحث والدقة؛من قبيل رواية الاستصحاب التي جاءت بصورة الحوار .

ان من خصائص الامام الخميني في ابحاثه الفقهية والاصولية هو اهتمامه بالمباني الكلامية بحيث يصل هذاالاهتمام في بعض الاحيان الى حد يكون فيه واضح جدا في ساحة البحث الاصولي .

وامامنا ثلاثة مجالات للبحث عن المباني الكلامية في علم الاصول من وجهة نظر الامام (قدس سره) :

المجال الاول - الاعتماد على العقائد الكلامية :

ويمكن تقسيمه ايضا الى عدة مباحث :

1 - المباني المرتبطة بمعرفة الشارع .

2 - المباني المرتبطة بالوحي .

3 - المباني المرتبطة بالامامة .

4 - المباني المرتبطة بمعرفة الاخرة .

1 - مباحث معرفة الشارع :

لعل مباحث معرفة الشارع هي من اوسع المجالات التي تضم كثيرا من المباني الكلامية، وهي على محاور :

ا - صفات اللّه سبحانه : ان احد الاجزاء المهمة في مجال ( معرفة الشارع ) هو (معرفة الصفات)؛ بمعنى انه كيف تؤثر صفات الشارع في مباحث الفقه والاصول؛فان هناك صفات للّه سبحانه الاعتقاد بها يؤثر في مباحث الاصول او الفقه ((363)) .

فمثلا يمكن ان يكون الاعتقاد بحكمة اللّه سبحانه وهدايته ورحمته من المصادر لاستنباط القواعد الاصولية .

ان من المسائل المهمة جدا هو تعيين حدود صلاحيات الشارع، فذهب البعض الى ان صلاحيات الشارع واسعة جدا بحيث لابد من الرجوع معه في كل مسالة الى الشارع وامتثال امره فيها .

وذهب آخرون الى عكس ذلك، فجعلوا صلاحيات الشارع محدودة جدا لا تشمل الا تشريع الصوم والصلاة ،وامثال ذلك .

ولا شك في انه لابد من الرجوع الى المباني الكلامية؛ليتبين في ضوئها حكم هذه المسالة الخطيرة والمهمة والتي هي معرفة حدود صلاحيات الشارع .

وقد ذكر الامام الخميني بعض المسائل وحكم بانها خارجة عن حدود صلاحيات الشارع، بناء على احد المباني الكلامية، قال :

«اعلم ان الامارات المتداولة على السنة اصحابنا المحققين، كلها من الامارات العقلائية التي يعمل بها العقلاء في معاملاتهم وسياساتهم وجميع امورهم؛بحيث لو ردع الشارع عن العمل بها لاختل نظام المجتمع ووقفت رحى الحياة الاجتماعية، وما هذا حاله لا معنى لجعل الحجية له وجعله كاشفا محرزا للواقع بعد كونه كذلك عند كافة العقلاء، وها هي الطرق العقلائية - مثل الظواهر وقول اللغوي وخبر الثقة واليد واصالة الصحة في فعل الغير - ترى ان العقلاء كافة يعملون بها من غير انتظار جعل وتنفيذ من الشارع، بل لا دليل على حجيتها بحيث يمكن الركون اليه الا بناء العقلاء، وانما الشارع عمل بها كانه احد العقلاء» ((364)) .

والمبنى الكلامي للامام في هذه المسالة هو : ان الشارع هو سيد الحكماء ،فلا يمكن ان نتصور انه يعمل عملا او يصدر امرا يؤدي الى اختلال نظام المجتمع، وتوقف رحى الحياة الاجتماعية؛لان العقل يحكم بان هكذا عمل يؤدي الى الفوضى .

فبناء على هذا المبنى الكلامي استنبط الامام هذه المسالة الاصولية، وهي ان العلاقات الاجتماعية في المجالات السياسية والاقتصادية و . . . تبتني على الامارات العقلائية، من قبيل : الظواهر، قول اللغوي، خبر الثقة ،قاعدة اليد، اصالة الصحة و . . .

فبناء على هذا، لا معنى لان يجعل الشارع الحجية لهذه الامارات؛لان جعل الحجية في مورد، يتوقف على ان يكون ذلك المورد فاقدا لها قبل هذا او ان ه قابلا للردع، والحال ان الامارات المذكورة ليست كذلك .

وبتعبير اوضح : لو سلمنا بامكان جعل الحجية لهذه الامارات من قبل الشارع، فنكون قد سلمنا بانها لم تكن حجة في نظر الشارع او انه بامكان الشارع ان يردع عنها، والحال ان هذا - عمليا - غير صحيح؛لان القول بعدم حجية امارات من هذا القبيل او الردع عنها ليس له ثمرة الا الفوضى الاجتماعية، والشارع لا يرضى بهذه الثمرة ابدا .

وعلى هذا، فليس للشرع جعل الحجية لهكذا امارات، ولا الردع عنها .

ب - انحصار حق التشريع باللّه سبحانه : يعتقد الامام الخميني بان زمان التشريع قد انتهى بانقطاع الوحي ؛فلا تشريع بعد ذلك واما ما صدر من الروايات عن اهل البيت (عليهم السلام) بعد انقطاع الوحي، فليست هي تشريع بل نقل للتشريع .

وبناء على هذا المبنى الكلامي يقول الامام بان ورود النهي في حديث «كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي» ((365)) ليس المراد به الورود الاولي من قبل الشارع؛فانه لا تشريع بعد انقطاع الوحي ليكون ورود النهي ورودا تشريعيا، بل المراد به وصول النهي الى المكلف .

وواضح اننا اذا فسرنا ( الورود ) ب ( الوصول ) فان الحكم بالاطلاق والبراءة قبل الوصول يكون حكما ظاهريا ؛قال الامام :

«ليس المراد من الورود هو الورود من جانب الشارع؛لانقطاع الوحي في زمان صدور الرواية . . .ان كل ما يرد من العترة الطاهرة كل ها حاكيات عن التشريع والورود الاولي، وعلى ذلك ينحصر المراد من قوله: (يرد) على الورود على المكلف؛اي الوصول اليه حتى يرتفع بذلك الحكم المجعول للشاك، وهذا عين الحكم الظاهري» ((366)) .

وبهذه الطريقة يكون الامام الخميني قد استنبط قاعدة اصولية من مبنى كلامي؛ وعلى اساس هذه القاعدة يكون الحكم بالبراءة حكما ظاهريا .

2 - المباني المتعلقة بالوحي :

يشتمل هذا البحث على مباني كلامية كثيرة، احدها كيفية تمثل الوحي ونزوله الذي تعرض له الامام (قدس سره) في المباحث الاصولية .

كيفية تمثل الوحي ونزوله : قسم من ابحاث الوحي يتكون من عقائد كلامية، اخلاقية وفقهية، وقسم آخريتكون من احكام فقهية .

ونبحث هنا - مع غض النظر عن محتوى الوحي - عن كيفية تمثل الوحي والذي هو بحث عقائدي يتعلق بعلم الكلام .

يعتقد الامام الخميني ان معرفة كيفية تمثل الوحي من المطالب الصعبة جدا؛الى حد قل من يصل معه الى مغزاها ومحتواها، فهي من المسائل التي يعجز - فهمنا عن ادراكها، ولا طريق لنا الى فهم حقيقتها .

وقد حصلت اخيرا ابحاث حول تمثل الوحي بين المتكلمين المسيحيين والغربيين، وقد وصل مقدار منها الى بلادنا، وصار يعد من المباحث العصرية .

والسؤال - هنا - هو هل ان جميع ابعاد الوحي لا يمكن الاطلاع عليها ؟ والجواب هو انه مع الاعتراف بغموض وصعوبة مسالة الوحي الا ان بعض ابعادها قابل للبحث والاطلاع عليه .

والامام الخميني ايضا يرى ذلك، قال: «ان مشكلة الوحي، وان كانت عويصة عقيمة، قل ما يتفق لبشر ان يكشف مغزاه . . .». ((367)) ومهما كان هناك ابهام وشك في مسالة الوحي الا اننا لا نشك في انه وان كان الرسول (صلى اللّه عليه و آله) يبين الوحي ويبلغه بالالفاظ، الا ان الوحي ليس من مقولة اللفظ ((368))، وجبرائيل لا يتكلم مع النبي بالفاظ يسمعها باذنه المادية - كما في الكلام الاعتيادي - كما ان انة الشيطان حين الوحي لا يسمعها بالاذن المادية .

لقد كان الانبياء صلوت اللّه عليهم يتمتعون بقابليات خاصة، ويدركون اشياء، على حسب تلك القابليات، ويعبرون عن ذلك الادراك ب ( السماع )، وما بيناه هو في الواقع معرفة لزاوية من زوايا الوحي، وهذا بحد ذاته هو مبنى كلامي يمكن ان يستنبط منه قاعدة اصولية، قال الامام (قدس سره) : «لكنا مهما شككنا في شيء لانشك في ان خطابات اللّه تعالى النازلة الى رسوله لم تكن متوجهة الى العباد لا الى الحاضرين في مجلس الوحي، ولا الغائبين عنه، ولا غيرهم كمخاطبة بعضنا بعضا؛ضرورة ان الوحي بنص الذكر الحكيم، اعني قوله سبحانه : ( نزل به الروح الا مين - على قلبك لتكون من المنذرين ) انما نزل على شخص رسول (صلى اللّه عليه و آله)، وكلام اللّه وخطاباته لم تكن مسموعة لاحد من الامة، بل يمكن ان يقال بعدم وصول خطاب لفظ ي منه تعالى بلا واسطة الى رسوله غالبا» ((369)) .

يشير الامام في هذا المقطع الى نقطتين؛الاولى : ان الناس عاجزون عن سماع الوحي والخطابات النازلة على النبي (صلى اللّه عليه و آله) .

الثانية : ان الوحي ليس من سنخ الخطابات اللفظية، حيث قال : «خطابات اللّه تعالى لم تكن متوجهة الى العباد ؛لا الى الحاضرين في مجلس الوحي، ولا الغائبين عنه ولا غيرهم كمخاطبة بعضنا بعضا» .

وقد بحثت هذه المسالة في الاصول؛وهي : هل ان الخطابات تختص بالحاضرين ام تشمل الغائبين ايضا ؟

ثم ياتي هذا السؤال، وهو : هل ان الوحي من سنخ الخطابات البشرية ؟ وجواب الامام الخميني عنه، هو ان الوحي ليس من سنخ الخطابات اللفظية حتى النازلة منه على النبي، وهل ان هذا الجواب هو نفس ما يعتقده الاخباريون؛( انما يفهم القرآن من خوطب به ) ؟

يعتقد الامام بان عقيدة الاخباريين هذه نشات من مبنى كلامي آخر لهم، وهو ان المخاطب الواقعي بالقرآن و( من خوطب به ) هم اهل البيت (عليهم السلام) فقط . وقد نتج هذا المبنى من عدم التامل والدقة، فانهم لوتاملوا لاتفتوا الى قوله تعالى : ( يا ايها الناس ) الذي جاء مكررا، وقد خوطب به الناس عامة، وبناء على هذا ؛فراي الاخباريين هذا يساوي عدم العمل بظواهر القرآن، وعدم العمل بظواهر القرآن قاعدة اصولية استنبطت من مبنى كلامي .

والراي الاخر؛هو ان الخطاب من المقولات القابلة للتشكيك ويكون ذا مراتب، فمثلا اذا وجه الخطاب الى المشاركين في اجتماع، وكان فيهم علماء ومحققون، وقيل بان الخطاب موجه بالدرجة الاولى الى العلماءوالمحققين، فهذا يراد به ان غيرهم ليس مخاطبا، بل يصير الخطاب ذا مراتب، واعلى مراتبه موجه للمحققين .

وحينئذ فالمراد ب ( من خوطب به ) هو ان اعلى مراتب الخطاب في القرآن موجه للائمة (عليهم السلام)، فهم يعرفون جميع زواياه؛ولذا لابد من الرجوع اليهم في فهم القرآن .

وعلى كل حال فالامام يعتقد بان خطاب القرآن من حيث الماهية ليس خطابا مسموعا لنبحث عن انه يختص بالموجودين او يشمل المعدومين ايضا ؟ واذا كان يختص بالحاضرين، فهل يختص بالحاضرين في مجلس الخطاب او يشمل الغائبين ايضا ؟

وقد استنبط الامام هذه القاعدة الاصولية المهمة؛ويمكن بيانها ضمن النقاط التالية :

النقطة الاولى : ان الشارع يسلك مسلك العقلاء في حواراته مع الناس .

النقطة الثانية : ان هذه الخطابات هي من مقولة الحوارات؛اذن فهي تنطوي تحت مجموعة المسلك العقلائي .

النقطة الثالثة : يستفيد العقلاء في مجال وضع القانون من الخطابات القانونية، واما الطريقة المتعارفة في الخطابات العادية فيضعونها جانبا .

والمراد من ( الخطابات القانونية ) هو ان العقلاء في عرف تدوين ووضع القانون لا يوجهون الخطاب للافراد ،بل يوجهونه للجميع .

ويرى الامام بان الخطابات الالهية ايضا هي من سنخ الخطابات القانونية .

وبهذا ننهي البحث عن التشريع رغم اهميته الكبيرة تاركين التفصيل لمجال آخر .

3 - المباني المتعلقة بالامامة :

ان احد هذه المباني هو علم الامام، وقد استفاد الامام الخميني من هذا المبنى فائدة مهمة؛ وتوضيح ذلك : هوانه اتفق العلماء على ان الاحكام الشرعية على قسمين؛احدهما : تاسيسي؛اخترعه الشارع واسسه، والاخر :امضائي؛وهي الاحكام التي كانت موجودة عند العقلاء ومتداولة بينهم قبل زمان التشريع او في زمانه وقدامضاها الشارع .

ولا تعارض بين امضائية بعض الاحكام والمبنى الكلامي القائل باختصاص حق التشريع باللّه سبحانه؛لان الاحكام الامضائية لا اعتبار لها الا بعد امضاء الشارع لها .

ولا خلاف في تقسيم الاحكام الى تاسيسية وامضائية، ولا في المبنى الكلامي المتقدم - والذي على اساسه يثبت اعتبار الاحكام الامضائية - وانما وقع الخلاف في انه كيف نحرز امضاء الشارع للاحكام العرفية ؟

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية