والطريقة المعروفة في ذلك هي الفحص عن ردع الشارع او
عدم ردعه؛ فاحراز امضاء الشارع يتم؛اما بكون المكلف في
زمان الشارع موجودا فيطلع على وجود القاعدة العرفية
الكذائية وامضاء الشارع لها، او لا يكون في زمان الشارع، فعلية
حينئذ الفحص عن ان هذه القاعدة العقلائية هل كانت في
زمان الشارع ام لا ؟ واذا كانت موجودة فهل ردع عنها الشارع ام
لا ؟ الا ان الامام الخميني اختار طريقا آخر لاحراز امضاء الشارع، وقداستفاد ذلك الطريق من مبنى كلامي؛ هو ان الائمة
(عليهم السلام) يعلمون - بواسطة علم الامامة بحصول سيرة لها
خصائص معينة بعد زمانهم، فاذا لم يرتضوا تلك السيرة
فالمفروض ان يردعوا عنها، والا فعدم الردع يساوق الامضاء .
فبناء على هذا المبنى لا نحتاج الى احراز وجود السيرة في
زمان الشارع، بل حتى لواحرزنا عدم وجودها في زمان الشارع، وانها كانت بعد زمانه، فلا يضر ذلك في احراز امضاء بشارع
لذلك المورد، طبعا مع توفر الشرائط التي سنشير اليها .
الا ان هذا المبنى الكلامي لا يمكن الاستفادة منه في اية سيرة
تحدث بعد زمان التشريع، بل لابد ان تكون السيرة سيرة
المتشرعة، وان تكون قوية، وفي مورد هو محل ابتلاء في
المجتمع الاسلامي .
وعلى هذا المبنى الكلامي يقول الامام (قدس سره) بحجية
سيرة رجوع الشيعة الى العلماء في عصر الغيبة، قال في بيان
ذلك : «ان الائمة قد علموا بان علماء الشيعة في زمان الغيبة
وحرمانهم عن الوصول الى الامام فلامحيص لهم عن الرجوع
الى كتب الاخبار والاصول والجوامع كما اخبروا بذلك، ولا
محالة يرجع عوام الشيعة الى علمائهم بحسب الارتكاز والبناء
العقلائي المعلوم لكل احد، فلولا ارتضاؤهم بذلك كان عليهم
الردع؛اذ لافرق بين السيرة المتصلة الى زمانهم وغيرها مما
علموا واخبروا وقوع الناس فيه» ((370)) .
4 - مجال معرفة الاخرة :
ما هي مباني الامام الخميني في مجال معرفة الاخرة ؟ وما هي
القواعد التي استنبطها من تلك المباني؟
هناك مطلبان في هذا المجال يستحقان البحث : الخوف من
الاخرة ومعرفة الاخرة .
ا - الخوف من الاخرة : ان الخوف من الاخرة ليس مسالة كلامية، بل هو حالة نفسية تنشا من الايمان بالاخرة؛ لان العقائد
الكلامية على نوعين : فنوع لا ينشا من الايمان به حالات
نفسية، مثل : الوجل، الامل، الشوق، الخوف، من قبيل
الاعتقاد بالوحي .
والنوع الاخر من الاعتقادات الكلامية يتولد من الايمان به تلك
الحالات النفسية من قبيل ما يتعلق بالاخرة، وبالخصوص
الاعتقاد بجهنم وانواع العذاب فيها والجنة وانواع النعم فيها .
ففي بعض الاحيان حينما يريد الفقيه ان يستنبط او يفتي لا
يمكنه استنباط الحكم بصورة صحيحة؛وذلك نتيجة للخوف
من عذاب الاخرة؛حينما يريدون ان يفتوا يخافون .
وهذا النوع من الاعتقادات لا يؤثر بصورة مباشرة، بل يؤثر
بواسطة ما يوجده من حالات نفسية عندالانسان .
ولا يمكن عد هذه الاعتقادات من المباني الكلامية؛لان
الاستنباط لابد ان يحصل في حالة مطمئنة لا ما تولده من
خوف وقلق .
وقد تولدت الافكار الاصولية لكثير من العلماء، وبالاخص
الاخباريين في اجواء الخوف التي تنشا من تلك الاعتقادات؛
ولذا فان هذه الاثار غير صحيحة ومرفوضة : فان ما جاء في
الروايات حول الخوف والامل و . . .ناظر الى العمل ففي مقام
العمل لابد ان يخاف المكلف من العذاب الالهي ولا يعصي، اما
الفتوى والاستنباط فلايصح ان تنشا من الخوف .
وبتعبير آخر : لابد من الخوف في اصل الاقدام على الافتاء؛فان الافتاء بغير علم في قوله (عليه السلام) :
«من افتى بغير
علم . . .» هو نوع من العمل المنهي عنه، اما اذا كان المكلف
اهلا للفتوى فليس من الصحيح ان تكون فتواه متاثرة باجواء
الخوف من الاخرة، فيبني على اصالة الاحتياط في الفتوى؛لان الخوف ليس مبنى كلامي ليفتي على اساسه، فالفتوى فكر، وليس من الصحيح ان يبنى الفكر على الخوف .
وهناك اشكال اهم من هذا يرد على الاخباريين؛فان ه
بالمقدار الذي يحذرون فيه من الافتاء طبق آراءالاصوليين، لابد ان يحذروا من الافتاء طبق آرائهم هم، فلا يفتوا اصلا؛فمثلا يقولون بعدم صحة العمل ب(اصالة البراءة،
بل لابد من العمل ب (اصالة الحظر والاحتياط)؛والحال ان القول باصالة
الحظر، هو فتوى بغيرعلم ومن مصاديق قوله (عليه السلام) : «من افتى بغير علم»، ومن هنا قال البعض ان
«الاحتياط، في
ترك الاحتياط»؛لان الاحتياط الذي في غير محله وعدم الافتاء؛نتيجة الخوف من الاخرة، يضربالدين، فمثل هذه الفتاوى
تؤدي في بعض الاحيان الى العسر والحرج والفوضى في
المجتمع، نعم، اذا كان الاحتياط، يبتني على اساس اصولي، فلا شك في قبوله .
ب - معرفة الاخرة : المراد ب (معرفة الاخرة) : هو معرفة العقائد
التي تتعلق بالاخرة، والتي يستنبط منها قواعداصولية، فمثلا :
استنبط الامام الخميني في بحث (التجري) قاعدة اصولية من
احد الاعتقادات المتعلقة بالاخرة، وان كان هو يذهب الى ان
قبح التجري ليس قاعدة اصولية خلافا لكثير من العلماء
كالشيخ الحائري والمحقق النائيني فلو سلمنا بان قبح التجري
من القواعد الاصولية الدخيلة في استنباط الاحكام، فتكون
هذه قاعدة اصولية استخرجت من مبنى كلامي .
وقد ذكر الامام لاثبات قبح التجري بحثا حول مراتب الجنة، فهو يعتقد بان للجن ة ثلاثة مراتب .
الاولى : مرتبة (جنة الاعمال وجحيمها) : ان اعمال الناس في
الدنيا تظهر في الاخرة على صور الجنة ونعمها اوجهنم وانواع
العذاب فيها، وقد جاء في (نهج البلاغة) ان اللّه جعل الاخرة
على اساس الدنيا .
وهناك تفاسير مختلفة لبيان العلاقة بين الاعمال في الدنيا
وجزائها في الاخرة، والتفسير المعروف هو ان اللّهسبحانه
يدخل الناس الجنة او النار على اساس اعمالهم .
والتفسير الاخر هو ان الاعمال هي مظاهر الاخرة، وان الاخرة
هي باطن الدنيا، ففي الاخرة تزول القشوروتظهر الحقائق : (يع لمون ظاهرا من الحياة
الدنيا) ((371)) فليس الاخرة الا
الوصول الى عمق الدنيا .
وتفسير ثالث يقول بتجسم الاعمال؛وان الاخرة هي يوم
تجسم الاعمال، ويمكن الجمع بنحو من الانحاء بين هذا
التفسير والتفسير الثاني .
الثانية : مرتبة (جنة الصفات وجحيمها) : وهي تجسم الملكات
والاخلاق الحسنة والذميمة فالاخلاق الحسنة تتبدل الى نعمة، والاخلاق الذميمة تتبدل الى عذاب .
الثالثة : مرتبة (جنة الذات ونارها)، وهذه المرتبة لا علاقة لها
بالملكات والاعمال، وانما هي تتعلق بالذات .ويعتقد الامام بان
هذه المرتبة تختص بالاعتقادات. فالاعتقادات الحقة تتجسم
في مرتبة من مراتب الجنة، والاعتقادات الباطلة تتجسم في
مرتبة من مراتب النار .
فمن هذا المبنى الكلامي في معرفة الاخرة، استنتج الامام
(رحمه اللّه) رايا اصوليا خاصا في (باب التجري)، فهو يرى -
خلافا لكثير من الاصوليين ان قبح التجر ي ينشا من جراة
الانسان في داخله، فالمتجري ليس مذنب؛لان عمله ليس
مصداقا للمعصية، الا ان اثر التجري يظهر في جحيم الصفات، ولذا فهو قبيح، قال (رحمه اللّه) : «الجراة على المولى، لها صور
غيبية برزخية واثر ملكوتي في النفس ((372))، يجهر في
عالم الغيب» ((373)) .
وما ذكرناه كان نموذجا والا فهناك عقائد كلامية كثيرة حول
الاخرة لو استفيد منها لامكن الحصول على نتائج اصولية .
المجال الثاني - نقد القواعد الاصولية على اساس
المباني الكلامية الخاصة :
ويعتبر هذا المجال مهما للحصول على آراء الامام في المباني
الكلامية، وفي هذه الموارد تارة نقد الامام يؤدي تلقائيا الى
تنقيح مبناه الكلامي، ويتضح المبنى الكلامي الذي اختاره، والنتيجة التي تترتب عليه .
وتارة اخرى يكون مجرد نقد للمبنى الكلامي، دون ان يترتب
عليه مبنى كلامي آخر .
اولا - مناهج النقد الاصولي في المبنى الكلامي :
تارة يوجه النقد الاصولي الى اصل المبنى الكلامي للشخص، وتارة اخرى الى فهمه غير الصحيح لذلك المبنى الكلامي، وثالثة الى طريقة استعماله لذلك المبنى لاستنباط القاعدة
الاصولية .
ففي الحالة الاولى يمكن ان يكون النقد بهذا النحو، وهو هل ان
هذا المبنى مبنى منقح ومتين او مبنى للعوام او مبنى غير
منقح ؟
وفي الصورة الثانية يكون اصل المبنى مقبولا الا ان النقد يوجه
الى ما فهم منه - حال كونه غير صحيحا، وعلى اساسه
واستنبطت قاعدة اصولية .
وفي الصورة الثالثة يوجه النقد الى طريقة الاستنباط من ذلك
المبنى الكلامي؛
بمعنى ان الناقد للمبنى الكلامي يعتقد بانه لا
ينتج قاعدة اصولية؛سواء كان اصل المبنى فيه اشكال او ان
طريقة الاستفادة منه غيرصحيحة .
وتحتل كل واحدة من هذه الصور الثلاثة مكانة رئيسية من
حيث الاهتمام والبحث في المباني الكلامية للامام .
ا - نقد اصل المبنى الكلامي :
يعتقد الاخباريون - خلافا للاصوليين - بان (الاصل في الاشياء الحظر)، وليس البراءة، وقد ذكروا عدة ادلة لاثبات هذا
المدعى؛واحد هذه الادلة يبتني على مبنى كلامي . وهو كما
ذكره الامام : «كون الاصل في الاشياءالحظر، وان العالم كل ه
من سمائه وارضه مملوك للّه، كما ان المكلف عبد له تعالى» .
ثم ان الامام اشار الى النتيجة التي استفادها الاخباريون من هذا
المبنى، فقال : «فلابد وان يكون عامة افعاله ؛من حركة
وسكون، برضا منه و [ امر ] ((374)) صادر عنه، وليس لاحد
ان يتصرف في العالم بغير اذنه ؛لكون المتصرف والمتصرف [
به ] مملوكين للّه» ويرى الامام ان هذا الاستنتاج غير صحيح، قال في نقده : «انه ان اريد من كون المكلف والعالم مملوكين
للّه، بالملكية الاعتبارية الدائرة في سوق العقلاء فلا نسلمه، بل
لاوجه لاعتبار ملكية اعتبارية للّه عزوجل؛فان اعتبارها لابد
وان يكون لاغراض حتى يقوم به المعيشة الاجتماعية، وهو
سبحانه اعز واعلى منه . وان اريد منه المالكية التكوينية، فلابد للعبد ان لا
يتصرف في شيءالا باذنه» ((375)) وبتعبير آخر : ما
المراد من كون الانسان مملوكا ؟ ان كان المراد هي (المالكية
الاعتبارية) يعني ما هو المتعارف عند العرف والسوق، فهذا لا
يعقل في حق اللّه سبحانه؛لان هذا النوع من الملكية، مسبوق بالحاجة ومبتن عليها، واللّه غني مطلق، وان كان
المراد هو (الملكية التكوينية) فهذا المبنى وان كان صحيحا
ولاغبار عليه، الا انه لا يمكن استفادة لزوم الاذن التشريعية في
الامور من المالكية التكوينية للّه سبحانه، بل يستنبط منها
مبنى كلامي آخر؛وهو ان تحقق كل الامور منوط بالاذن
التكوينية للّه سبحانه، وواضح ان هذا لا ربط له بالبراءة والحظر .
وخلاصة راي الامام هو ان هذا المبنى ناظر الى الاذن التكوينية، والحال ان الحظر والبراءة متعل ق بالتشريع لاالتكوين .
ب - نقد قراءة المبنى الكلامي والاستنتاج منه :
هناك اختلاف حول محل النزاع في بحث الخطابات . فبعض -
ومنهم جماعة من الحنابلة - قالوا في توضيح محل النزاع :
(هل يجوز خطاب المعدوم والغائب، ام لا ؟)، ولاثبات
مدعاهم - وهو الحكم بالجواز - تمسكوا بمبنى كلامي ؛وهو ان
اللّه سبحانه خاطب الناس جميعا في عالم الذر، واستنتجوا من
هذا المبنى الكلامي انه (يجوز خطاب المعدوم والغائب) .
وقال الامام في نقد هذا الاستنتاج : «هذا ضروري البطلان»
((376))؛فان بطلان خطاب المعدوم والغائب، امرضروري
وواضح ((377)) .
فنتساءل ان نقد الامام هذا، من اي الانواع الثلاثة في نقد
المبنى الكلامي ؟ فهل انه لا يعتقد بعالم الذر ؟ او هل ان النقد
موجه لفهم عالم الذر او للاستدلال به ؟ فمن الممكن ان يكون
نقد الامام موجه ل (من كان لهم حظ من الحياة) او ان نوعية
الخطاب لم تكن واضحة عنده .
والظاهر ان نقد الامام موجه الى فهمهم؛وذلك لان هذا الفهم
يبتني على فرضيتين :
1 - ان الافراد كانوا معدومين حال الخطاب .
2 - ان خطاب اللّه سبحانه لهم كان من قبيل خطاباتنا .
والحال ان في مسالة غامضة جدا كمسالة عالم الذر، لا يمكن
الوصول الى نتيجة صحيحة بناء على مثل هذه الفرضيات، فكل
هذه التصورات، هي دعوى لابد من اثباتها .
ونقد القراءة طبعا يكون على قسمين : فتارة يعط ي الناقد قراءة
اخرى، وتارة يرى بان هذا المورد غير قابل للقراءة او ان هذه
القراءة غير صحيحة .
ونحن هنا لا ندري ماذا كانت قراءة الامام لعالم الذر، ونحتمل
بان الامام يعتقد ان قراءة ذلك البعض صورية وسطحية . وعلى
كل حال فحينما ابطل الامام هذا المبنى فيكون قد ابطل
القاعدة الاصولية المستفادة منه .
المجال الثالث - دقة الامام في الاستفادة من المباني الكلامية :
ان من خصائص الامام هي دقته في الاستفادة من المباني
الكلامية؛على سبيل المثال كيفية تعامله مع المبنى الكلامي
(انحصار حق التشريع باللّه) .
ففي الجواب عن هذا السؤال؛وهو ان حق التشريع لمن ؟ اتفق
العلماء على ان اللّه تعالى هو المشرع والمقنن الوحيد، وان حق
التشريع منحصر به تعالى، وقد صرح بذلك القرآن ايضا وبناء
على هذا؛فبالاضافة الى استفادة هذا المبنى الكلامي (اختصاص حق التشريع باللّه سبحانه) من صريح القرآن الكريم، فهو يستند ايضا الى اتفاق واجماع العلماء .
ومن هنا، فلا مجال للشك والترديد في صحة هذا المبنى، وانما الذي يحتاج الى البحث والتامل هو الاستنتاج من هذا
المبنى في علم الاصول .
ونلاحظ في بعض الموارد استنتاجات خاطئة من هذا المبنى
الكلامي مما ادى في محله الى استنباط قواعداصولية غير
صحيحة من قبل بعض الاصوليين؛ومن تلك الاستنتاجات، هو : ما اعتقده البعض من انه بناءعلى اختصاص حق التشريع
باللّه فلا يحق للانسان التشريع، ولا كل ما يرتبط بمجال
التشريع، وبهذا سلب هذاالبعض حق تفسير التشريع وتحليله؛لاعتقاده بان هذا الحق مختص به تعالى .
ونتيجة ذلك هو ان اعطاء اية فرصة للانسان لابداء رايه فيما
يرتبط بالحكم الالهي، ينافي المبنى الكلامي المذكور .
وقد صار الاستنتاج الخاط ىء من هذا المبنى الكلامي (اختصاص حق التشريع باللّه
سبحانه)، سببا في انحراف علم
الاصول عن مجراه الصحيح او بط ء حركته في انتاج الافكار
الاصولية، وايضا انتهى في الفقه الى نتائج سلبية، ومنها عجز
الفقه عن الجواب حول المسائل الحياتية المختلفة .
وكان الامام من جملة المحققين الذين لم يقعوا في مثل هذا
الاشتباه في الاستنتاج من هذا المبنى الكلامي، بل اثبت
استنتاجه الصحيح من المبنى المذكور في ابحاث مختلفة، نشير اليها :
1 - موضوع الحكم : ان لكل قضية شرعية حكم وموضوع . ويعتقد
الامام بان التشريع هو تغيير الحكم مع بقاءالموضوع، واما
البحث عن الموضوع فلا يمكن عده من التشريع .
والذي مكن الامام من عرض نظرية (تبدل الموضوع) المهمة
جدا، هوالتنفس في فضاء فكري من هذا القبيل .
ان نظرة الامام الى المسائل الرئيسية للاصول مع هذا النوع من
الدقة، ساهم في تعميق افكاره الاصولية .
وبتعبير آخر : يوجد ارتباط واسع بين ظهور نظرية تبدل
الموضوع، في فكر الامام مع نظره الدقيق الى مقولة التشريع، فبناء على هذا النظر الدقيق، اذا افتى المجتهد بتغيير الحكم
لتغيير الموضوع فليس هذا من التشريع؛وبعبارة اخرى : لم
يعد مشرعا بسبب الاقدام على هذا العمل، خلافا لبعض العلماء الذين لم يجرؤواعلى
البحث عن الموضوع لايمانهم بهذا المبنى الكلامي (اختصاص التشريع باللّه سبحانه)؛ولذا فقد
حرمواانفسهم من الدقة اللازم اعمالها، واكتفوا بالنظرة
السطحية لانتاج افكارهم الاصولية .
في حال ان الامام اقدم وبكل جراة ودقة وعناية على البحث عن (الموضوع)، وحصل على نتائج، واستطاع في ظل ذلك
عرض نظرية (تبدل الموضوع الى موضوع آخر) .
ومن الضروري الاشارة الى هذه النكتة؛وهي : بما ان مجال (دراسة الموضوع) واسع وقابل للتامل والدقة
؛لذا فهو يتطلب
نظريات اكثر، ومن الممكن ان يتوصل البعض الى نظريات
اخرى . وعلى هذا، فنحن لسنابصدد حصر البحث في نظرية (تبدل الموضوع) بل نريد الاشارة الى حقيقة، وهي ان
البحث عن الموضوع، ناشىء من الاستفادة الصحيحة من المبنى
الكلامي المذكور والنظر الدقيق ((378)) .
2 - حق تفسير وتحليل التشريع : ان من العلامات الاخرى على
صحة استنتاج الامام من هذا المبنى الكلامي(اختصاص حق
التقنين والتشريع باللّه سبحانه) هو القول بحق التفسير
والتحليل للانسان في مجال التشريع الالهي .
خلافا للبعض الذين اتخذوا من هذا المبنى وسيلة لابطال اي
تفسير وتحليل حول التشريع؛والحال ان التشريع شيء وتحليل التشريع شيء آخر، فلابدمن التفريق بينهما .
وببيان آخر : ان مبنانا الكلامي هو عدم جواز التشريع، لا عدم
جواز تفسير التشريع .
بل ان طبيعة الانسان بما انه صاحب عقل وتفكير يمكنه من
تحليل وتفسير الشريعة وتقييمها، فمن حقه ان يبحث عن ان
الشريعة الحالية كاملة ام لا ؟ وان الشريعة التي هي الان على
شكل فتاوى فقهية من قبل الفقهاء، هل تستطيع حل كل
مشكلات الحياة ؟ فان هكذا بحث وتحليل من قبل الانسان لا
يكون ابدا تشريعامحرما .
ومما تجدر الاشارة اليه؛هو ان الشريعة الواقعية كاملة، وهذا
في الواقع مبنى كلامي لا يمكن الاشكال والتشكيل فيه، وانما
كلامنا في الشريعة التي تمر من خلال فهم واستنباط الفقهاء، وهي الان بين ايدينا -على شكل فتاوى .
والحاصل ان حق تفسير وتحليل الشريعة من ناحية، وحق
البحث والتحليل عن ان الشريعة هل استطاعت الاجابة عن
المسائل والمشاكل من ناحية اخرى، كلا الناحيتين من حق
الانسان، ولا يمكن عد ذلك من التشريع .
ومن هذا كله ظهر : ان البعض لا يجرؤ حتى على بيان ان ما
قدم الى الان من الفقه والشريعة لم يكن كافيا لحل مشاكل
المجتمع؛لاعتقاده بان هذا المقدار من البيان هو تدخل في
التشريع، خلافا للامام الذي نادى وبكل جراة بضرورة تكميل
وتعميق طريقة الاجتهاد، وادواته من خلال طرحه لفكرة عدم
كفاية الاجتهاد المصطلح لحل المشاكل العصرية .
وهذا يدل من ناحية على ان الامام يعتقد اعتقادا راسخا
بالمبنى الكلامي القائل بان الدين كامل وكاف لتلبية متطلبات
الحياة، ومن ناحية اخرى يرى ان تفسير الشريعة من حق الفقيه؛ولذا كان يقول بعجز الاجتهادالمصطلح .
وبهذا يكون تعبير الامام قد احتوى على مبنيين كلاميين : احدهما ان ما هو حق اللّه سبحانه هو التشريع، وهذالا يعني انه ليس للانسان حق تفسير وتحليل الشريعة . والمبنى الكلامي الاخر هو : نظرته الخاصة الى الانسان ومعرفة الانسان؛فانه وان كان ليس للانسان تاسيس شريعة الا انه ومن ناحية اخرى لا يمكن انكار هذه الحقيقة، وهي ان الانسان له قابلية الفهم والتفسير، ويتمكن من الربط بين الفقه والوقائع وتحليل ذلك ونقده .
الشيخ ابو القاسم المقيمي
عرض لنظرية الامام الخميني(رضى اللّه عنه) الاصولية حول
قانونية الخطاب الشرعي
مقدمة :
المشهور لدى علماء الاصول في تحليل عملية وضع الاحكام
الشرعية وطريقة جعلها ان الاوامر والنواهي الشرعية عبارة عن
قضايا حقيقية تتعلق بحاد المكلفين، وتنحل الى خطابات
متعددة وبصورة خطابات شخصية لكل فرد من المخاطبين
خطاب مستقل ومنفرد، وحيث ان الخطاب يتوجه الى المكلف
بشخصه فانه لابدوان تلحظ خصوصيات الملكف وحالاته في
الخطاب كالعلم به والقدرة على امتثاله وتوفر الداعي اليه
((379)) .ومن هنا يقبح تكليف الجاهل والعاجز والعاصي ومن
لا داعي له للامتثال؛لان التكليف انما هو لايجاد الداعي في
نفس المكلف وامكان انبعاثه، ومع جهله او عجزه وشبه ذلك
يكون التكليف لاغيا، لعدم امكانية الانبعاث نحو التكليف
. ((380))
وهذا الرؤية قد ظهرت انعكاساتها في قسم من البحوث
الاصولية :
1 - انهم في مبحث الضد - بناء على ان الامر بالشيء يقتضي النهي
عن ضده حينما تكون ازالة النجاسة عن المسجد هي الواجب
الاهم - ذهبوا الى استحالة الامر بالصلاة حينئذ؛وذلك لانه بناء
عل انحلال الخطاب بعددالمكلفين ولحاظ الحالات الفردية
للمكلف لا يمكن تكليفه بالضدين لعجزه عن الامتثال لكلا
التكليفين والخطابين، وعليه فلا امر بالصلاة حينئذ، فلو عصى
الامر بالازالة واشتغل بالصلاة فما هو حكمها من حيث الصحة
والبطلان ؟
حاول كثير من الاصوليين تصحيح العبادة بطرق عديدة :
منها : ان يكون الاتيان بالصلاة بقصد الملاك ((381)) .
ومنها : طرح فكرة الترتب في تصوير الامر بالمهم وانه في طول
الاهم كي لا يتطرق محذور عدم قدرة المكلف ((382)) .
2 - وايضا في تقسيم مراتب الحكم الى اربع مراتب - كما طرحه
المحقق الخراساني - هي : الاقتضاء والانشاءوالفعلية والتنجز، فاذا ابرز الحكم وكان المكلف عالما قادرا فالحكم فعلي ومنجز، واما في حالة عدم ابرازالحكم او جهل المكلف وعجزه فالحكم
انشائي وغير منجز . ومن الواضح ان هذه المراتب مبتنية على
انحلال الخطاب ولحاظ حالات المكلف وخصوصياته ((383)) .
3 - وكذلك ذهب الاصوليون في بحث تنجز العلم الاجمالي الى
بطلان منجزيته بخروج احد اطرافه عن محل ابتلاء المكلف
وجريان البراءة فيه؛وذلك لقبح تعلق الخطاب به عقلا بعد
خروجه من دائرة الابتلاء؛لان التكليف انما يدخل في العهدة
اذا توفر الداعي للانبعاث او الترك، فاذا انتفى الداعي فلا يعقل
التكليف حينئذ ((384)) .
4 - وهكذا فقد واجه الاصوليون في ضوء نظرية انحلال الخطاب
الشرعي عدة اشكالات في بعض البحوث الاخرى كالبحث في
شمول الخطابات القرآنية للغائبين والمعدومين حين صدور
الخطاب وتصحيح الواجب المشروط قبل تحقق الشرط وصحة
توجيه النهي الى من لا داعي له الى فعل المحرم . وكذلك
بحث اجتماع الامروالنهي واعتبار المندوحة فيه وبحث الجمع
بين الحكم الظاهري والواقعي ((385)) .
وقد حاول الامام الخميني(رضى اللّه عنه) من خلال طرحه
لنظرية «الخطابات القانونية» معالجة تلك الاشكاليات، بعد
استخراجها بدقة من النصوص الشرعية معتبرا تشريع الاحكام
الشرعية على شاكلة تشريع القوانين الاجتماعية والعرفية .
وتعتبر هذه النظرية باعتراف كثير من المحققين وعلماء
الاصول من ابداعات الامام(قدس سره) في علم الاصول
((386)) . ولئن سبقه احد الى ذلك فلا شك في اعتباره(قدس
سره) اول من شيد اركان هذه النظرية وطورها وسعى الى
اعتبارها اصلا وقاعدة كلية يستفاد منها في مجالات عديدة .
وقد ذكر تلميذه الشيخ الفاضل اللنكراني هذه النظرية في عداد
ابداعاته القيمة ((387)) .
وعبر عنها ولده السيد مصطفى ب «الاصل الاصيل» و «المسالك الراقية» وقال عنها : «ولعمري ان من القى حجاب
العناد وتدبر بعين الانصاف والسداد لا يتمكن من رفض هذه
البارقة الملكوتية التي تنحل بها كثير من المعضلات واساس
طائفة من المشكلات، فلله درة واجره» ((388)) .
ان «نظرية الخطابات القانونية» اضافة الى آثارها الاصولية
والفقهية المهمة والكبيرة جدا لا يمكن حصرها في علم الاصول
حسب، بل هي في حد ذاتها نظرية واسعة وشاملة تؤثر في
منهجية تدوين القانون وتشريعه وتنفيذه .
متى تبلورت النظرية لدى السيد الامام (قدس سره) :
هل هذه النظرية مما وصل اليه الامام الراحل(رحمه اللّه) في
الدورات الاخيرة من دراساته الاصولية او الفقهية وتبدل رايه
عما عليه اولا - كما راينا منه في نظريته حول امارية
الاستصحاب، وموضوع علم الاصول حيث تبع المشهور، واشتمال جميع القضايا على النسبة الحكمية ولكن رجع عما
عليه وذهب الى ان الاستصحاب من الاصول وعدم احتياج
العلوم الى موضوع اصلا وعدم اشتمال بعض القضايا على النسبة
((389)) او ان هذه النظرية المهمة مما بلغ اليه فكره الشريف
من اول تحقيقاته ودراساته الاجتهادية ؟
والظاهر انه مما عليه الامام(رحمه اللّه) من اول دراساته
وتحقيقاته؛لوجوده في اول ما صنفه(رحمه اللّه)بقلمه الشريف
في الفقه والاصول . كما في تعليقته على الكفاية المسمى ب «انوار الهداية» حيث فرغ منها في شهر رمضان المبارك سنة
1368 القمرية . وهذا الكتاب مشتمل على عدد من نظرياته
التي رجع عنها كما اشرناالى بعضها آنفا - ومع ذلك راينا فيها تصريحه بنظرية
(الخطابات القانونية) ((390)) وكذا صرح
الامام الراحل(رحمه اللّه) بهذا النظرية في كتاب الطهارة وهو -
على ما هو المذكور في مقدمته ((391)) - من اول ما دونه الامام
من بحوثه الفقهية التفصيلية، وقد شرع ببحثه وتدوينه سنة
1373 القمرية ومع ذلك راينا فيه تطبيق نظريته، كما سنذكره
في آثاره الفقهية .
عنوان النظرية :
ان كلمة (القانون) لفظة يونانية دخلت اللغة العربية من
السريانية، وكانت تطلق في اليونانية على (المسطرة)، واستعملت في العربية بمعنى (الميزان) و (المعيار)، ويطلق على كل قاعدة كلية والزام تشريعي عام ((392)) .
واستعمال كلمة (قانون) في الدائرة الفقهية المراد به، كل امر كلي ودائمي وارد عن
طريق الوحي بما يعبرعنه في علم الاصول ب (الحكم) ((393))، فلفظ القانون قد اخذ في معناه
الشمولية والاستيعاب .
واما تسمية هذه النظرية بنظرية الخطابات القانونين واطلاقها
على الخطابات الشرعية فالملحوظ فيه عنه الامام - على الاكثر -
هو جهة الشبه والمشاكلة بينها وبين الطريقة العرفية
والعقلانية في وضع القوانين وتشريعها ((394)) .
بيان نظرية الخطابات القانونية :
يقسم الامام الخميني الخطابات الشرعية الى خطابات شخصية
وقانونية . والخطاب الشخصي هو الخطاب الكفيل ببيان الحكم
الشرعي الى فرد او افراد بخصوصيات معينة على نحو لا يشمل
غيرهم من المكلفين . ومن خصائص هذا النوع من الخطاب
وضوحه من جهة ودخالة علم المكلف وقدرته على الفعل او
الترك في امكان انبعاثه من جهة اخرى ((395)) .
ويمكن التمثيل لهذا النوع من الخطابات بخطابه تعالى
لنبيه(صلى اللّه عليه و آله) : (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك) ((396))، وخطابه سبحانه لموسى(عليه
السلام) : (اذهب الى فرعون انه طغى) ((397))؛فان الخطاب الشخصي
الى العاجز وغير الملتفت ممتنع صدوره من الملتفت الا خطابا
صوريا، فلابد من كون الفردمستجمعا لشرائط صدور الخطاب
من العلم والقدرة واحتمال الانبعاث .
واما الخطابات الكلية القانونية فهي الخطابات المتكفلة لبيان
الاحكام لجميع المكلفين، وليست موضوعا للتكليف الشخصي .
ويذهب(قدس سره) الى ان خطابات الشارع لا تنحل الى عدة
خطابات بعدد المكلفين؛لان الكثرة من جهة المكلف لا
التكليف، فان الموضوع في الخطاب الشرعي هو الاحكام العامة
والكلية مثل : (يا ا يها الناس) و(يا ايها الذين آم نوا) ونظائرهما
التي لا يؤخذ في عناوينها الخصوصيات الفردية، ويكون
المخاطب فيها عامة المكلفين، ولا تتحدد بزمان او مكان او
افراد معينة . ومن هنا فان القدرة والعلم ليسا شرطا في
صدورالخطاب، ولا فرق في ذلك بين الحاضر والغائب والقادر
والعاجز والعالم والجاهل ((398)) .
وفي الخطاب القانوني لا يكون الهدف النهائي للخطاب تحريك
كل المخاطبين، وانما غرض المشرع هو ارادة تحقق الفعل من
المكلف، بمعنى تحقق الارادة التشريعة وجعل الحكم ((399))
. والخطاب في مثل هذه الحالات واحد ولكن المخاطب متعدد
. فاذا لم ينبعث جميع المخاطبين بالخطاب او كانوا جاهلين به
او عاجزين عن امتثاله وقع حكم الشرع حينئذ - امرا كان او
زجرالاغيا ومخالفالحكم العقل .
نعم، لو كان البعض منهم واجدا لتلك الشروط كالعلم والقدرة
واحتمال الانبعاث والتحريك جاز مخاطبة الجميع عقلا وعرفا
وشرعا؛لان الشارع الحكيم يعلم ان ثمة من يكون في
المخاطبين جاهلا او عاجزا او عاصيا ومع ذلك جعل الحكم
وشرعه لوجود من ينبعث او ينزجر من خطابه، فتتحقق الارادة
التشريعية والقانونية للحكم، ولا يكون امر الشارع لغوا، ولا
مخالفا للعقل . فلا يشترط في الخطاب القانونية كون جميع
الافراد واجدين للشرائط المزبورة، بل واجدية طائفة منهم
تكفي لتحقق الارادة التشريعية المتعلقة بالعنوان العام الكلي، ويكون عندئذ جميع المخاطبين مورد التكليف ((400)) .
قال الامام الخميني في «مناهج الوصول» وهو مما خطه يراعه
المبارك :
«ان الخطابات العامة لا ينحل كل منها الى خطابات بعدد
نفوس المكلفين، بحيث يكون لكل منهم خطاب متوجه اليه
بالخصوص، بل يكون الخطاب العمومي خطابا واحدا يخاطب
به العموم، وبه يفترق عن الخطاب الخصوصي في كثير من
الموارد .
هذا مضافا الى ان الارادة التشريعية ليست ارادة اتيان المكلف
وانبعاثه نحو العمل، والا يلزم في الارادة الالهية عدم انفكاكها
عنه وعدم امكان العصيان، بل هي عبارة عن ارادة التقنين
والجعل على نحو العموم، وفي مثله يراعي الصحة بملاحظة
الجعل العمومي القانوني، ومعلوم انه لا تتوقف صحته على
صحة الانبعاث بالنسبة الى كل الافراد، كما يظهر بالتامل في القوانين العرفية» ((401)) .
وقد اعتبر(قدس سره) الخلط بين هذين النوعين من الخطاب
وعدم معرفة ميزة كل منهما وراء مقالة المشهوربانحلال
الخطاب الشرعي، حيث اعتبروابناء عليها - جميع خطابات
الشارع خطابات شخصية ((402)) .
لوازم نظرية الخطاب القانوني :
وللتعرف على اساس هذه النظرية بشكل صحيح ينبغي
الالتفات الى لوازمها :
1 - الجمع بين وحدة الخطاب وشمول الحكم لجميع المكلفين
:
لا يخفى ان ما استهدف الامام بيانه هو كلية خطاب الشارع
وعدم انحلال الخطاب؛ولذا لا يتوهم ان لازم الخطابات
القانونية وحدة المنشا؛بمعنى ان المنشا تكليف واحد لمجموع
المكل فين، لانه باطل بالضرورة، فالمراد منها - كما هو صريح
كلام الامام الراحل(رحمه اللّه) - ان الخطاب واحد والانشاء واحد، ولكن المنشاهو حرمة الزنا مثلا على كل مكلف، من غير توجه
خطاب خاص او تكليف مستقل الى كل واحد، ولا استهجان في
هذا الخطاب العمومي اذا كان المكل ف في بعض الاحوال او
بالنسبة الى بعض الامكنة، غير متمكن عقلا اوعادة فليس
للمولى الا خطاب واحد يرى الناس كلهم انه حجة عليهم
. ((403))
وبهذا البيان يظهر وجه الجمع في كلام الامام الراحل بين
وحدة الخطاب وشمول الحكم لجميع المكلفين وهذا
ماسميناه بالانحلال الحكمي، وسياتي بيانه تفصيلا، وبالتامل
فيه يمكن الجواب عن اكثر الاشكلات التي اوردهابعض الاعلام
على هذه النظرية .
2 - متعلق الحكم على الخطاب القانوني كلي، وموضوعه نفس
الطبيعة والعنوان، فكلما تحقق العنوان يتعلق به الحكم، كما
سياتي توضيحه تفصيلا ((404)) .
3 - فعلية جميع التكاليف بالنسبة الى المكلفين :
ومن لوازم هذه النظرية فعلية جميع التكاليف بالنسبة الى كل
مكلف وان كان العاجزون ونحوهم معذورين في مخالفتها .
وتظهر الثمرة في صورة ترك الاهم والمهم معا في مسالة
التزاحم، فيستحق المكلف العقوبة عليهمالتركه كلا من
التكلفين المقدورين بلا عذر ((405)) . وهذا ما ياباه بعض، كما سياتي تفصيله . ((406))
5 - وكما لا تكون الاحكام مقيدة بالقدرة والعلم، فكذلك لا
تكون مقيدة بالبلوغ والعقل ايضا، كما تمسك به الامام في
مساله المقبوض بالعقد الفاسد في الجواب عن النقض بالصبي
الذي مات قبل بلوغه والمجنون الذي لم تحصل له الافاقة حتى
مات، في اطلاق الضمان المستفاد من قاعدة اليد ((407))
وان كان التكليف مرفوعا عن الصبي بالاجماع ((408))، كما
سياتي بيانه في الاثار الفقهية .
6 - كما يشمل الخطاب جميع الافراد ويكون له عموم بالنسبة
الى جميع المكلفين كذلك له العموم بالنسبة الى جميع
الازمنة والامكنة ((409)) .
ادلة نظرية الخطابات القانونية :
1 - الوجدان : ان الوجدان السليم قاض بان الخطاب الواحد كاف
لمخاطبة الجميع دون حاجة الى مخاطبة الاحاد، ويكون
محققا لغرض المخاطب، قال(قدس سره) : «كما يشهد عليه
وجدان الشخص في خطاباته، فانه اذا دعا قومه لانجاز عمل او
رفع بلية فهو بخطاب واحد يدعو الجميع الى ما رامه؛لا انه
يدعو كل واحد بخطاب مستقل ولو انحلا؛للغوية ذلك بعد كفاية الخطاب الواحد بلا تشبث
بالانحلال» ((410)) .
2 - ظهور الخطابات : تمسك(قدس سره) مضافا الى الوجدان
بظهور الالفاظ والعناوين الواردة في موضوع الخطابات
والاحكام، سواء كانت عمومات مثل (يا ايها الذين آمنوا) او
مطلقات مثل (من آمن) و «المؤمن يفى بنذره»، فان دلالة
تلك العناوين مقصورة على خصوص الموضوع الذي وضعت له، ولا يحكي الا عن الطبيعة دون لواحقها الخارجية او العقلية، فوصف
(المؤمن) او (الذين آمنوا) يدل على خصوصية
الايمان في ذلك الفرداو الافراد المنطبق عليهم ذلك العنوان
من دون نظر الى الحالات والصفات العارضة عليه كالعلم
والجهل والقدرة والعجز، فتدل على المصاديق الذاتية لطبيعة
المؤمن، اي الافراد بما هم مؤمنون، لا على الاوصاف
والطوارئ الاخر؛اذ لا تحكي الطبيعة الا عمن هو مصداق ذاتي
لعنوانها، ولا تكون آلات التكثير كالجمع المحلى ب«ال» و«كل» الا دالة على تكثير نفس العنوان، ولا يعقل دلالتها على
الخصوصيات الفردية، فعموم الخطاب ليس في المثال الا
للمؤمنين .
فاذا ورد مثله في الكتاب العزيز يشمل كل مؤمن في كل عصر
حال وجودهم، ولكن ليس حجة عليهم الا بعدعلمهم بالحكم، فقبل تبليغ الرسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله) لم يكن حجة على
احد الا على نفسه الكريمة، وبعد التبليغ صارحجة على
السامعين دون الغائبين، وعندما وصل اليهم صار حجة عليهم، وبعد وجود المكلفين في الاعصارالمتاخرة لم يكن حجة
عليهم الا بعد علمهم به .
فالجاهل والعالم والناسي والمتذكر والعاجز والقادر كلهم سواء
في ثبوت الحكم عليهم وشمول للخطاب لهم وان افترقوا في
تمامية الحجة عليهم .
وعليه فكيف يدعى انحلال الخطاب الشرعي بعدد خصوصيات
الافراد المخاطبين التي لا دخل لها بعنوان الخطاب ولا
الموضوع له ((411)) ؟
ويستشهد (قدس سره) لذلك اولا بالتدبر في خطابات الوعاظ
الذين يعظون الناس المستمعين اليهم، المختلفين فيما
يوعظون به، فمنهم من يكون عاجزا، ومنهم من لا يتوجه
حين مخاطبته الى ما آفاده، ومنهم من هوالنائم او الاصم، ومع ذلك يوجه الخطيب خطابه الى كل الحاضرين من غير
تقييد ولا توجيه الى بعض دون بعض، فهل في هذه الواقعة
يتعدد الخطاب ويتكثر الواحد الكلي الى الشخصيات ؟ وهل
يكون الغافل او النائم ونحوهما خارجين عن ذيل خطابه ؟ ام ان
الكل مشمول بخطاب كلي والواعظ حين خطابه لا يتوجه الا
الى العناوين التي ياخذها في الخطاب كعنوان (الناس) او (المؤمنون) ويكون الكل مخاطبا بخطابه ومحكوما بحكمه، فلا
يلزم ان يكون كل فرد من افراد المستمعين واجدا للشرائط، ولكن يعتبر كون طائفة منهم واجدين لها، فانه عند ذلك
تترشح ارادة الوعظ من الواعظ ويكون وعظه معقولا ((412)) .
وثانيا : ان الفقهاء والاصوليين كثيرا ما صرحوا بان التامل في
احوال الاوامر العرفية والعادية في كل لغة ولسان قد يفيد
البصيرة والاطلاع على كيفية الخطاب الشرعي ((413))، وعلى هذا الاساس قد مشى الامام في التصديق بالخطاب
القانوني؛لان التامل في طريقة العقلاء والعرف في سن
القوانين موجب للتصديق بذلك ؛حيث شرعوا الاحكام بنحو
كلي وواسع يشمل الجميع ((414)) فمن كان واجدا للشرائط
المقررة في القانون يكون موردا للتكليف . ولا تكون ارادتهم في
ضرب القانون المزبور، كثيرة حسب الاحاد الموجودة بالفعل، ولا يوجدبعد ذلك في انفسهم الارادة الاخرى حسب الافراد
المعدومة؛لانعدامهم بانفسهم، مع بقاء قوانيهم المضروبة في
الدفاتر والدساتير ((415))، فلا يعقل في حقهم حصول الارادة
بالنسبة الى الاشخاص الذين يوجدون بعد ذلك، ولكن مع ذلك
كله يكون القانون نافذا في حق الكل، ولا يختص العاجز ولا
الجاهل والناسي بخطاب حتى يلزم المحال، بل الكل مكل فون
وهم بين معذورين وبين من لا يعذر ((416))، هذا طريقة
مجالس التقنين العرفية، ولم يبين الشارع المقدس طريقة
اخرى في خطاباته؛وذلك لان خطابه مو جه الى الناس ايضا، كما هو الامر في القانون الوضعي، فلو كانت له طريقة اخرى
لذكرها ونبه عليها .
وينسجم هذا الفهم والتحليل للخطابات الشرعية وتوجيهها
لعموم المخاطبين مع اطلاق الخطابات القانونية عليهالغة، كما اشرنا اليه فيما سبق .
كيفية شمول الحكم لكل فرد على ضوء نظرية المشهور :
وبعدما سبق من بيان مبنى القول بالخطابات الكلية القانونية
ينبغي الكلام حول الشبهة العقلية التي ابتلي بهاالاعلام، وربما
لاجلها ذهبوا الى انحلال الخطاب الواحد الى عدة خطابات : الا
وهي ان كل واحد من افرادالمخاطبين لابد ان يكون مورد
التكليف ومورد الحكم من غير ارتباط حكمه بحكم الفرد الاخر؛لان العموم اصولي استغراقي، فيكون الحكم الكلي منحلا الى
الاحكام الكثيرة، ولذلك تجري البراءة العقلية في
الشبهات الموضوعية، ويتعدد العقاب والثواب بتعدد المكلفين، فيتعدد الحكم، فيكون كل فرد مورد الحكم المخصوص به .
والحكم سواء كان نفس الارادة، او كان الارادة المبرزة، او كان
المعنى المنشا بتلك الارادة، او كان معنى انتزاعيا من ذلك
المعنى المنشا، او كان غير ذلك، يكون مخصوصا بكل فرد
ومتعددا حسب الافراد، فيكون من قبل المولى بالنسبة الى كل
فرد ارادة صدور الفعل منه او ارادة بعثه نحو المادة، على
اختلاف المذهبين في متعلق الارادة التشريعية .
وعلى كل حال : كيف يعقل توجيه تلك الارادة الى الفرد الذي
هو جاهل والمولى ملتفت الى جهله ؟ ! والى الفردالذي هو
عاجز وغافل والمولى ملتفت الى حاله ؟ !
ولذلك، التزم اعلام الاصوليين بانحلال الخطاب الى خطابات
حتى يكون كل فرد موردا للتكليف .
كيفية شمول الحكم لكل فرد على ضوء نظرية الخطابات
القانونية :
ولابد للقائل بالخطاب القانوني من حل هذه المشكلة والجواب
عنها .
فان كان الخطاب القانوني معناه عدم الانحلال بحسب الافراد
فيكون الافراد بلا تكليف فهو خلف، وان كان معناه ان الافراد
مع كون الخطاب قانونيا متوجها الى العنوان مورد التكليف
والحكم، فهو مناقضة ومستحيل ولكن يمكن الجواب عنه - كما
افاده ولده الشهيد الفاضل - بانا لسنا قائلين بانحلال الخطاب
الذي هو معنى جزئي حرفي قائم بالمخاطب وبما نصوره بصورة
المخاطب، بل نلتزم بانحلال الحكم العام الاستغراقي حسب
الافرادوان كل فرد مخصوص بحكم يختص به ويستتبع اطاعته
وعصيانه وثوابه وعقابه ولكن يتوجه السؤال هنا الى كيفية
امكان الانحلال الحكمي الراجع الى التكاليف الكثيرة بناء على
القول بالخطاب القانوني، وان كل تكليف متوجه الى شخص
وباعث اياه نحو المادة ولو كان هذا الشخص عاجزا غافلا جاهلا، فكيف يتوجه اليه هذاالتكليف ؟ ! فهل يكون بعد هذا الا القول :
بان هولاء الافراد بعناوين خارجة ليسوا مورد التكليف الفعلي ؟ !
ولكن بعد التدبر فيما تقدم من مبنى الخطاب القانوني - وانه لا
يشترط في هذا المبنى كون جميع الافرادواجدين للشرائط
حين صدور الخطاب من العلم والقدرة واحتمال الانبعاث، بل
واجدية طائفة منهم تكفي لتحقق الارادة التشريعية المتعلقة
بالعنوان العام الكلي، ويكون عندئذ جميع المخاطبين مورد
التكيف - يظهر امكان الانحلال الحكمي، وهو :
ان كل واحد من الافراد وان كان محكوما بحكم مخصوص به، والحكم وان تقوم الارادة بمعنى انه هو عينها اوهو امر متاخر
عنها لاحق بها، ولكن تكفي تلك الارادة المتعلقة بالكلي
والقانون العام لاعتبار الحكم المزبور لكل احد، فتلك الارادة
الواحدة المتعلقة بالخطاب العام القانوني تنحل حكما - حسب
الافراد وحسب حكم العقل وفهم العرف - الى الافراد، فيكون
الانحلال الى الكثير بنحو العموم الاستغراقي، ويكون الانحلال
حكميا؛ضرورة ان الوجدان قاض بوحدة الارادة، فالكثرة
اعتبارية بلحاظ ان المراد معنى كلي انحلالي . وهذا المعنى
الانحلالي يوجب سريان الانحلال حكما الى الارادة، لا واقعا
وموضوعا فانه خلاف الوجدان، فكل فرد من الافراد بما انه
انسان وبما انه مؤمن مسلم محكوم بالحكم الانحلالي الذي
يتوجه الى الاحاد، حسب توجيه الخطاب الكلي، لا
حسب توجيه الخطاب الشخصي .
فقوله تعالى : (يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود) ((417)) وان
كان في قوة الانحلال الى افراد المؤمن ومصاديقه الذاتية، ولكن لا يلزم من كونه في قوة الكثير كون كل واحد من هذا
الخطاب بالقوة جامعا لجميع الشرائط المعتبرة في صحة توجيه
الخطاب الشخصي الفعلي .
مع ان انحلال هذا العام والقانون الكلي الى الكثير انحلالا
حكميا، موجب لصحة انتساب كل واحد اليه واختصاصه بالحكم
المخصوص به ((418)) .
وبهذا البيان يندفع بعض الاشكالات الواردة على الخطاب
القانوني .
الفرق بين الخطاب القانوني وتعلق الاوامر بالطبائع والقضايا
الحقيقية :
ا - اما الفرق بينه وبين تعلق الاوامر بالطبيعة فواضح؛لان
البحث في تلك المسالة في متعلق الاوامر والنواهي بان الامر اذا
تعلق بماهية هل يسري الى الافراد والمصاديق المتصورة بنحو
الاجمال منها بحيث تكون الطبيعة وسيلة الى تعلقه بالمصاديق
الملحوظة بنحو الاجمال، او متعلقة بالطبائع، بمعنى ان الامر قبل تعلق امره بشيء يتصوره بكل ما هو دخيل في غرضه
ويبعث المكلف نحوه ليوجهه في الخارج، فاذا لم تكن
للخصوصيات الفردية دخالة في غرض الامر لا يمكن ان يبعث
نحوها ((419)) .
وذهب الامام الى الثاني، ولكن متعلق الاحكام ليس الوجود
الخارجي؛لان تعلق الحكم بالوجود الخارجي اوالايجاد بالحمل
الشائع لا يمكن الا في ظرف تحققه، والبعث الى ايجاد
المتحقق تحصيل للحاصل، كما ان الزجرعما وجد خارجا
ممتنع، وكذا لا يتعلق الحكم بالوجود الذهني بما هو كذلك؛لانه غير ممكن الانطباق على الخارج، فلا محالة يكون المتعلق
نفس الطبيعة، لكن لما كانت الطبيعة لا يمكن ان تصير
متعلقة لحكم الا ان تصير متصورة، والتصور هو الوجود الذهني، فلا محالة يكون ظرف تعلق الحكم بها هو الذهن، فالطبيعة متعلقة للحكم في الذهن لا بما هي موجودة فيه، ولا
بما هي موجودة في الخارج، ولا بما هي مرآة للوجودالخارجي، بل بما هي هي .
فالمولى اذا راى ان اتيان الصلاة مثلا ووجودها خارجا محصل
لغرضه، فلا محالة يتوسل اليه بوسيلة، ولايكون ذلك الا
بالتشبث بالامر بالطبيعة، ليبعث العبد الى ايجادها، فمتعلق
الامر هو الطبيعة، والهيئة باعثة نحوايجادها ((420))، فمتعلق
الامر نفس الطبيعة - من حيث هي - يراد ايجادها في الخارج، ولكن يظهر من المحقق الخراساني انها من حيث هي هي لم
تكن متعلقه للامر، بل الطبيعة بوجودها السعي بما هو وجودها -
قبالالخصوص الوجود - متعلقة للامر ((421)) .
ويظهر من المحقق العراقي ان معروض الطلب ومتعلقه
الطبيعة بما هي مرآة للخارج ((422)) ومنشا هذه الاقوال منهم
زعمهم ان الماهية من حيث هي ليست الا هي، لا مطلوبة ولا
مبغوضة ولا متعلقة للامروالنهي ((423)) .
هذا، وقد ذكرنا مبنى الامام في متعلق الاحكام بطوله ليتضح
الحال في الاشكالات المطروحة على نظرية الخطاب القانوني، كما سياتي بيان ذلك لاحقا.
ولكن المدار في الخطاب القانوني ليس في متعلق التكليف، بل المدار في كيفية القاء الشارع لخطاباته وفي كيفية الجعل
والتقنين، والمدعى ان الخطاب واحد والانشاء واحد، ولا تنحل
الخطابات العامة الى خطابات متعددة بعددنفوس المكلفين
سواء كان متعلق ذلك الخطاب الافراد او الطبيعة . ولذا يمكن
تصوير النزاع حتى على القول بتعلق الاوامر بالافراد، فيمكن
على مختار السيد الامام تصوير الامرين، فيكون مورد الامر في
الازالة الفرد منها وفي الصلاة الفرد منها ((424)) . ب - واما الفرق مع القضايا الحقيقية فقد ثبت في محله ان كل حكم شرعي بالنسبة الى موضوعه الماخوذ في الدليل من القضايا الحقيقية، فاذا ورد (المستطيع يجب عليه الحج) فهو في قوة القضية الشرطية على مبنى بعض الاعلام ((425)) او تكون من القضايا البتية على مبنى الامام ((426))، الا ان موضوعها قابل للصدق على الافراد الموجودة وعلى التي ستوجد؛لعدم اخذ قيد في جانب الموضوع حتى تصير قضية خارجية .
|
|---|