ونحن نشير اولا الى خصوص الاثار الاصولية وتليها الاشارة الى
الاثار الفقهية .
اولا - الاثار الاصولية :
1 - فعلية الحكمين المتزاحمين في عرض واحد :
اذا اجتمع امران احدهما يتعلق بازالة النجاسة عن المسجد
والاخر بالصلاة وضاقت قدرة المكلف عن امتثالهمامعا فلا بد
من تقديم الاهم (الازالة) على المهم (الصلاة) مع سعة
الوقت، فاذا ترك المكلف الاهم وانشغل بالمهم وهو الصلاة فهل
تصح منه ؟
تردد الاصوليون في الصحة بناء على القول بان الامر بالشي
(الازالة) يقتضي النهي عن ضده (الصلاة)، فذهب بعض
الاعاظم - كالمحقق الشيرازي وجمع ممن تاخر عنه - في مقام
حل الاشكال الى القول بالترتب وان فعلية المهم مترتبة على
عصيان الاهم، فالامر بالصلاة وان لم يكن فعليا بعرض فعلية
الامر بالازالة، الا انه كذلك في طولها عند عصيان الاهم، فيكون مامورا بها وتقع العبادة صحيحة بهذا البيان. وقد ذكر
المحقق النائيني خمس مقدمات لذلك في مقام تقوية القول
بالترتب
((481)).
وقد وقعت هذه النظرية موضع اهتمام كبير لدى المحققين
من الموافقين
((482)) والمخالفين
((483)) في المسالة ،وقد
اختار الامام الخميني (قدس سره)راي المخالفين في المسالة، وعالج الاشكال بناء على نظريته في الخطابات القانونية
.
((484))
ان المشكلة الاساس في هذه المسالة تكمن في تزاحم
الحكمين وضيق قدرة المكلف عن الامثتال بناء على
نظرية انحلال الخطاب وتوجه الخطاب الى الافراد . واما بناء
على نظرية الخطابات القانونية فان تشريع الاوامروالخطابات
الشرعية يتم بشكل كلي وشامل من دون توجه الى الافراد كي
تلحظ القدرة في آحادهم فردا فردا ثم نبتلى بتزاحم الحكمين
العرضيين ونلتزم بالقول بالترتب والطولية بين الحكمين، بل
كلا الحكمين في عرض واحد وفي مستوى واحد من الفعلية
والتوجه الى المكلف، ولا يلزم من ذلك محذور عقلي البتة .
نعم، يلزمه عندضيق القدرة عن الامتثال في عرض واحد
امتثال الاهم منهما ثم المهم، فاذا ترك الاهم عصيانا اجزاه
امتثال المهم المامور به
((485)) .
2 - فعلية الاحكام وانكار المراتب الاربعة للحكم :
قسم المحقق الخراساني الحكم - تبعا للقول بالانحلال - الى
اربعة مراتب هي :
الاقتضاء والانشاء والفعلية والتنجز، فما لم يصل
الحكم الى مرحلة البعث والزجر ولم يامر المولى بشيء اوينهى عنه فانه
يكون مستودعا لدى النبي او الولي ويكون الحكم انشائيا
ومشتركا بين الجاهل والعالم، فاذا بلغ مرحلة البعث والزجر
صار فعليا وان لم يعلم به المكلف، فاذا علم به صار منجزا عليه
.
((486))
وقد انكر الامام الخميني (قدس سره) المرتبة الاولى والرابعة، حيث اعتبر المرتبة
الاولى من مبادىء الحكم ومقدماته، والمرتبة الرابعة ناشئة من حكم العقل ومن لوازم الحكم وتوابعه
((487)) . ويرى (قدس سره) ان القول بتردد الحكم بين مرتبة
الانشاء والفعلية هو من لوازم انحلال الخطاب واخذ حالات
المكلف بنظرالاعتبار في تشريع الحكم . واما بناء على نظرية
الخطابات القانونية فان الخصوصيات الفردية غير ملحوظة
في مقام التشريع، فالجهل اوالعجز لدى البعض لا يبطل فعلية
الحكم بحق هم، ولا يحبس الحكم في مرتبة الانشاء، وان كان
المكلف معذورا في تخلفه عن امتثال التكليف، فمع وجود
العالم بالحكم من بين المكلفين فان توجيه الخطاب لا يكون
مستهجنا، ويخرج الحكم من مرتبة الانشاء ويصير فعليا في حق
الجميع .
قال (قدس سره) : «فليس للحكم الا مرتبتان : مرتبة الانشاء
ومرتبة الفعلية، بل هما ليسا مرتبتان للحكم بان يكون كل حكم
ثابتا له هاتان المرتبتان، بل هما مقسمان لطبيعة الحكم»
.
((488))
وقال ايضا في المناهج : «فالاحكام الشرعية القانونية المترتبة
على موضوعاتها على قسمين :
احدهما : الاحكام الانشائية، وهي التي انشئت على
الموضوعات ولم تبق على ماهي عليه في مقام الاجراءكالاحكام
الكلية قبل ورود المقيدات والمخصصات - ومع قطع النظر
عنهما - او لم يئن وقت اجرائها كالاحكام التي بقيت مخزونة
لدى ولي العصر عجل اللّه فرجه ويكون وقت اجرائها زمان
ظهوره . ثانيهما : الاحكام الفعلية، وهي التي آن وقت اجرائها وبلغت موقع عملها بعد تمامية قيودها ومخصصاتها، ف(اوفوا بالعقود) ((489)) بهذا العموم حكم انشائي، والذي بقي بعد ورود المخصصات عليه بلسان الكتاب والسنة هو الحكم الفعلي» . ((490))
3 - تصحيح الواجب المشروط قبل تحقق شرطه :
اعتبر بعض الاصوليين توجيه الخطاب الى المكلف في الواجب
المشروط وتكليفه بذلك قبل تحقق شرطه لغوا لا طائل تحته
سيما اذا كان من سنخ الواجبات المشروطة التي
يتمكن المكلف من امتثالها بسرعة فيما لو تحقق شرطها . ومن
هنا واجهوا مشكلة في هذه المسالة، وكذلك في مسالة امر المولى بشيء مع علمه بانتفاء شرطه، ومسالة صحة التكليف
التحريمي بحق من لا يوجد لديه الداعي الى ارتكابه
((491)) .
وكل ذلك مبني على القول بالانحلال ولحاظ الحالات الفردية
للمكلف في صحة الخطاب، ولا مجال لذلك بناءعلى القول
بالخطابات القانونية، حيث لا تؤخذ تلك الحالات بنظر الاعتبار ؛لانه في الخطابات الكلية القانونية المتوجهة الى عامة
المكلفين بخطاب واحد، لا مخلص للمقنن الا بجعله مشروطا
بعدما يرى اختلاف آحادالمكلفين في واجديتهم الشرط
وعدمها .
فاذن لا مناص له الا من الحكم على العنوان مشروطا بالشرط
لينبعث كل من كان واجدا للشرط وينتظر الفاقدالى ان يتحقق
له الشرط
((492)) . وكذا في امر الامر مع علمه بانتفاء شرطه
؛وذلك لان «الارادة التشريعية القانونية ليست غايتها انبعاث كل
واحد واحد، بل الغاية فيها - بحيث تصير مبداء لهاهي ان هذا
التشريع بما هوتشريع قانوني لا يكون بلا اثر، فاذا احتمل او علم
تاثيره في اشخاص غير معينين من المجتمع في كافة الاعصار
والامصار تتحقق الارادة التشريعية على نعت التقنين، ولا يلزم
فيها احتمال التاثير في كل واحد، فيجوزالامر مع العلم بانتفاء
الشرط في بعض المكل فين، فلا يلزم تقييد التكليف بعنوان
الواجد مثلا . نعم، لا تجوزمع فقد عامتهم للشرط
((493)) .
4 - عدم اعتبار المندوحة في اجتماع الامر والنهي :
من جملة الاثار الاصولية مسالة معالجة اشكالية المندوحة في
اجتماع الامر والنهي .
فاذا اجتمع عنوانان احدهما مشتمل على الامر والاخر على
النهي في متعلق واحد وكانا فعليين معا كان ذلك سببا في
اجتماع الامر والنهي، ويستحيل امتثالهما معا بناء على اخذ
قدرة المكلف في التكليف ؛وذلك للزوم ارادة المولى له جدا
وعدم ارادته كذلك في آن واحد، نعم، اجاز الاصوليون اجتماع
الامر والنهي في صورة واحدة، وهي ان تكون مندوحة الى ذلك
بان يمتثل المكلف احدهما في فرد آخر غير محل الاجتماع
.
((494))
وقد تصدى السيد الامام (قدس سره) لحل المشكلة من خلال
التمسك بنظريته في الخطابات الشرعية معتبراالمنشا في
ذلك هو الخلط بين الخطابات القانونية والخطابات الشخصية ؛لان العنوانين اللذين لم يكن بينهماتلازم في الوجود في كل
عصر ومصر وعند جميع المكلفين وان عامة الناس يتمكنون
من اتيان الصلاة في غيرالدار المغصوبة غالبا، وانه لو ضاق الامر
على بعضهم بحيث لم يتمكن الا من الصلاة في الدار المغصوبة -مثلا - لكان من القضايا الاتفاقية التي يترقب زوالها، فلا حاجة
الى اعتبار المندوحة ؛لان الاحكام الشرعية لاتنحل الى
خطابات بعدد الافراد حتى يكون كل فرد مخصوص بخطاب
خاص، فيستهجن توجيه الخطاب اليه بالبعث نحو الصلاة
والزجر عن الغصب حتى يصير المقام من التكليف بالمحال او
التكليف المحال . بل معنى عموم الحكم وشموله قانونا هو جعل
الحكم على عنوان عام بارادة واحدة، وهي ارادة التشريع
وجعل الحكم على العنوان، فحينئذ ملاك صحة الحكم الفعلي
القانوني هو تمكن طائفة منهم من اتيان المامور به
وامتثال المنهي عنه لا كل فرد فرد، وعجز بعض الافراد لا
يوجب سقوط الحكم الفعلي العام، بل يوجب كونه معذورا
في عدم الامتثال . فينتج من ذلك بانه لا حاجة الى حصول
المندوحة لكل واحد من المكلفين ؛لان الاحكام
المتعلقة بالعنوانين لا تنحل الى انشاءات كثيرة حتى يكون
الشرط تمكن كل فرد بالخصوص
((495)) .
5 - عدم امكان تقييد المطلقات الكلية بخاطب شخصي :
وتظهر ثمرته في المطلق والمقيد ايضا، فاذا كان الدليل مطلقا
ثم ورد في دليل آخر ما يقيد ذلك، فالجمع العرفي بينهما
يقتضي تقييد ذلك الاطلاق .
ولكن صرح الامام (قدس سره) بان هذا انما يجري اذا كان كل
منهما من الاحكام الكلية القانونية . واما اذا وردالمقيد في
خطاب خاص بالنسبة الى شخص او طائفة معينة فلا يصلح
لتقييد المطلقات ومثل له السيدالامام (رحمه اللّه) بما ورد عن
عمار الساباط ي في مسالة بيع ما لم يقبض حيث بعث رسول
اللّه (صلى اللّه عليه و آله) الوالي الى مكة وامره بنهيهم عن بيع
ما لم يقبض
((496)) بنحو الاطلاق، مع انه لا منع في غير
المكيل والموزون والطعام، كالثياب ونحوها بلا ريب ؛فان في
مثل هذه القضية مما هو بعث للوالي الى طائفة خاصة لايجري
قضية الاطلاق والتقييد، بل في كل مورد كان من هذا القبيل
لا يكون حمل الاطلاق على المقيد جمعا عرفيا ،بل يقع
التعارض بينه وبين المقيد، فتحمل الرواية على الكراهة
.
((497))
6 - منجزية العلم الاجمالي حتى مع عدم الابتلاء :
ومن نتائج نظرية الخطابات القانونية منجزية العلم الاجمالي
في حال خروج احد الاطراف عن محل الابتلاء . فقدذهب كثير
من الاصوليين الى عدم منجزية التكليف بالعلم الاجمالي حال
خروج احد اطرافه عن محل ابتلاءالمكلف
((498)) ؛وذلك
لان العقل انما يحكم بتنجز التكليف اذا توفر على الداعي
لامتثاله فعلا او تركا وكان المكلف قادرا على امتثاله واتيانه، فاذا لم يتوفر على ذلك
- بسبب عدم امكان الوصول الى مصلحة
الفعل اوالابتلاء بمفسدته فلا يعقل التكليف حينئذ، فينحل
العلم الاجمالي بخروج احد اطرافه عن محل الابتلاء ويسقط
عن المنجز ية في الطرف الخارج، ويكون الطرف الاخر مجرى
للبراءة ؛لان الشبهة فيه بدوية
((499)) .
واعتبر الامام الخميني (قدس سره) القول بعدم معقولية
التكليف في الطرف الخارج عن محل الابتلاء من نتائج نظرية
الانحلال وملاحظة حالات المكلف في الخطاب . واما بناء على
نظرية الخطابات القانونية فلا تؤخذ حالات المكلف بنظر
الاعتبار من القدرة والعجز لكي يقبح توجيه الخطاب الى
المكلف في الطرف الخارج عن محل ابتلائه ؛لان التكليف بناء
على هذه النظرية موجه الى الجميع، ويكفي في صحة توجيهه
الى الجميع وجودالقدرة في البعض على الامتثال، ولذا لا
ينحل العلم الاجمالي في الطرف الخارج عن محل الابتلاء ولا
تسقط منجزيته، فالخروج عن محل الابتلاء لا يوجب نقصانا في
التكليف، ولابد من الخروج عن عهدته بترك مايكون داخلا في
محل الابتلاء
((500)) .
7 - تصحيح المعنى الحقيقي للرفع وعموميته :
قد بحث الاصوليون في مفاد (الرفع) الوارد في حديث
الرفع، وهو : «رفع عن امتي تسعة اشياء : الخطا ،والنسيان، وما اكرهوا عليه، وما لا
يعلمون . . .»
((501))،
وهل انه بمعنى (رفع الشيء بعد ثبوته) وهو معناه الحقيقي او انه بمعنى الدفع ؟
ذهب المحقق النائيني الى الثاني مدعيا ان لفظ (الرفع)
بمعنى (الدفع) من دون ارتكاب اية مسامحة او مجازفي
المقام، كما ان هذا المعنى يلتئم مع العناوين الواردة في
الحديث ؛لان استعمال (الرفع) فيما كان ثابتاوموجودا لا يدل
على ظهوره في هذا المعنى
((502)) .
وذهب الامام الخميني (قدس سره) الى الاول، ف (الرفع) هو ازالة الشيء بعد وجوده، وقد استعمل الرفع في العناوين
الاخرى الواردة في الحديث من دون تقدير او مجازية في
الاستعمال، ومفهومه بهذا المعنى يتسع لرفع الاثار
والمقتضيات .
ويستند السيد الامام (قدس سره) في اثبات مدعاه هذا الى
الوضع القانوني للاحكام ،مضيفا انه الظاهر من الحديث
والخطابات الشرعية في الكتاب تشمل جميع المكلفين ولو
كانوا منطبقين على العناوين المذكوره في حديث الرفع، فتشمل حتى الناسي والجاهل، فدليل الرفع انما يرفع الاحكام
عنهم .والرفع انما تعلق بالاحكام الثابتة المتحققة في
الموضوعات بحسب الارادة الاستعمالية - بناء على تقدير
رفع الاحكام والاثار - فالرفع انما استعمل باعتبار رفع الحكم
القانوني العام عن منطبق هذه العناوين .
فالرفع في جميع الموارد - حتى في الطيرة والحسد والوسوسة -
بمعناه الحقيقي ؛لان الظاهر من الحديث الشريف من
اختصاص رفع التسعة بالامة المرحومة، ان تلك العناوين كانت
احكاما في الامم السالفة، ومعلوم ان الاحكام الصادرة عن الانبياء
المشر عين لم تكن بحسب الوضع القانوني والارادة
الاستعمالية مقيدة بزمان ومحدودة بحد، بل كان لها الاطلاق
او العموم بالنسبة الى جميع الازمنة، وبهذا الاعتبار يقال : انها
منسوخة وان لم يكن بحسب اللب نسخ ورفع، بل كان امدها
واجلها الى حد محدود .
والحاصل فان لفظ (الرفع) - بناء على كون الاحكام المترتبة
على موضوعاتها شاملة باطلاقاتها وعموماتهالجميع الازمنة
والامكنة - مستعملة في معناها الحقيقي، وهو ازالة الشيء بعد
وجوده
((503)) .
ومن هنا تظهر الثمرة لنظرية الخطابات القانونية في شمولية
الخطابات القرآنية للحاضرين والغائبين والمعدومين في زمان
صدور الخطاب، فغياب المخاطب او انعدامه زمن الخطاب لا
يؤثر في توجهه الى الجميع ما دام الخطاب موجها اليهم كذلك
لا منحلا الى خطابات عديدة بعددهم حتى نقول في مقام
حل الاشكال بالقضية الحقيقية للاحكام او اشتراكها ؛وذلك
لعدم جدوى القضية الحقيقية فيما لو كان الخطاب من قبيل (يا ايهاالناس) او (يا ايها الذين
آم نوا)
((504)) .
8 - كلية الادلة الامتنانية :
ا - المشهور ان ادلة الحرج والرفع والضرر ونحوها مما تكون
امتنانية لا اطلاق فيها اذا كان في مورد خلاف الامتنان، ولهذا
قالوا بصحة الصوم الضرري او الحرجي اذا اقدم المكلف عليه .
ولكن السيد الامام (قدس سره) ذهب الى عدم الصحة نظرا الى
ان الاحكام الامتنانية انما هي امتنانية بحسب القانون الكلي، ولا يلاحظ فيه آحاد المكلفين، فاذا كان في جعل قانون امتنانا
على الامة كان الحكم امتنانيا ،وان فرض مصادمته في مورد
لشخص او اشخاص وكونه موجبا لحرمانهم عن حق او ملك، كما ان المصالح والمفاسد في الاحكام على راي العدلية ليست
بمعنى كون الحكم بالنسبة الى كل احد ذا مصلحة وكما
في الاحكام السياسية والجزائية فانها احكام امتنانية على الامة
وان كان فيها ضرر وحرج على الجاني، فحديث الرفع امتناني
مع ان جواز اكل مال الغير عند الاضطرار بلا اذن صاحبه او مع
نهيه خلاف المنة بالنسبة اليه ،وهذا لا ينافي الامتنان بحسب
القانون، وهذا من موارد الخلط بين الاحكام القانونية
والشخصية
((505)) .
ب - وكذا يظهر في حل المشكلة في حديث الرفع بحيث يصدق
الامتنان بالنسبة الى رفع الحكم عن الناسي والساهي والجاهل
؛نظرا الى ان الاحكام فعلية بالنسبة كل المكلفين، فتكون
المنة في نفس الرفع المستند الى «ما لا يعلمون» .
واما بناء على القول بالانحلال فلا خطاب ولا حكم فعليا
بالنسبة اليهم، فمع عدم وجود التكليف لا معنى لرفعه مطلقا، فيلزم منه لغوية حديث الرفع، كما تقدم تفصيله
((506)) .
ج - قد ثبت في محله ان الاحكام الضررية مرفوعة بدلالة «لا
ضرر ولا ضرار»، فيكون لا ضرر بمنزلة المخصص والحاكم
بالنسبة الى ادلة الاحكام الاولية .
ولكن اذا ارتفع الحكم الاولي بحكومة لا ضرر في قطعة من
الزمان كارتفاع لزوم الوفاء في العقد الغبني في القطعة الاولى
من الزمان - فيجعله متمكنا من الفسخ ولكن ترك الفسخ
اختيارا، فقد يقال بان لزوم الضرر فيمابعد مستند الى اختياره
لا الى حكم الشارع
((507))، فيقدم المشتري على الضرر في
القطعات المستقبلة، فلايشمله دليل نفي الضرر .
ولكن الامام (قدس سره) ذهب الى ان مقتضى حكومة الادلة
الثانوية كالحرج والضرر على الادلة الاولية هو رفع الحكم الكلي
بالحكم الكلي في محيط التشريع .
فدليل نفي الضرر حكم قانوني كلي حاكم على الاحكام
القانونية الكلية، ونتيجتها التخصيص او التقييد فيها ،من غير
نظر الى المصاديق الخارجية .
ولا شبهة ان امثال العقد الغبني ضرري بجميع حالاته، وفي
جميع قطعات الزمان، كما لا شبهة في ان المغبون لم يقدم على الضرر في شيء من القطعات حال ايجاد العقد، ومقتضى
حكومة دليل نفي الضرر على الكبرى الكلية ان لزوم العقد
الضرري - غير المقدم عليه بجميع حالاته وفي جميع القطعات
مرتفع
((508)) .
9 - جريان الاصل العقلي في نسيان الاجزاء :
اذا ثبت جزئية شيء للمركب فهل الاصل العقلي هو الركنية
فيبطل المركب لو اخل به المكلف سهوا ؛للاشتغال وبقاء الجزء
على جزئيته حتى في صورة النسيان او الاصل عند ترك الجزء
نسيانا هو البراءة والاكتفاءبالناقص ؛لاختصاص الجزئية بصورة
الالتفات ؟
ذهب الشيخ الاعظم الانصاري
((509)) الى اصالة الركنية قائلا
بان ما كان جزءا حال العمد يكون جزءا حال الغفلة والنسيان ؛لامتناع اختصاص الغافل والساهي بالخطاب بالنسبة الى
المركب الناقص ؛لان الخطاب انمايكون للانبعاث، ويمتنع
انبعاث الغافل ؛لانه يتوقف على توجهه للخطاب بعنوانه، ومعه
يخرج عن كونه غافلا، فخطابه لغو، فالاصل العقلي هو لزوم
الاحتياط .
وقد اجاب عنه الاعلام بوجوه
((510)) وكذا اجاب عنه السيد
الامام بناء على مسلك القوم من ان النسيان مانع عن فعلية
التكليف في انوار الهداية
((511))ولكن اجاب عنه في الدورات
اللاحقة من دراسته الاصولية : بان تمام الاشكال ناشىء من توه
م الخطاب الشخصي بالنسبة الى الناسي، وحيث ان الخطابات
الالهية كلية قانونية لاتختص بالذاكر ولا بالعالم وغير ذلك، فالامر متوجه الى كل من الذاكر والناسي والقادر والعاجز، فلا
يلزم هنابطلان المركب الناقص العبادي من ناحية فقد الامر
اللازم في عبادية العبادات ؛فيكون النسيان والغفلة
كالجهل والعجز اعذار عقلية مع بقاء التكليف على ما كان عليه، فمع ترك الجزء نسيانا يجب الاعادة اذا كان لدليل الجزءاطلاق
؛لعدم الاتيان بالمامور به بجميع اجزائه، ومع عدم الاطلاق
فالبراءة محكمة ؛لرجوع الشك الى الاقل والاكثر
((512)) .
10 - اتحاد الطلب والارادة ودفع الاشكال عن تكليف الكفار :
ذهبت الاشاعرة الى تغاير الطلب والارادة مفهوما ومصداقا، بينما ذهبت الامامية والمعتزلة الى اتحادهما وان الارادة عين
الطلب، والطلب عين الارادة
((513)) .
فبناء على اتحادهما يلزم الاشكال في تكليف الكفار بالايمان، بل مطلق اهل العصيان في العمل بالاركان
؛اذ لايكون هناك
تكليف جدي ان لم يكن هناك ارادة، ولكنه خلاف الاجماع من
ان الكفار مكلفون ومعاقبون على كفرهم، ولا شبهة في ان
صحة العقوبة منوطة بترشح الارادة الجدية من المولى
متوجهة الى افعالهم واعمالهم ،فحينئذ ان كان هناك ارادة
فكيف تتخلف عن المراد ؛اذ لا كلام في ان ارادته تعالى علة
الايجاد، فلا يعقل التفكيك بينها وبين متعلقها .
ولذا ذهبت الاشاعرة الى الالتزام بامر آخر وراء الارادة، وهو
المسمى ب «الطلب والكلام النفسي»، والا يلزم عدم صحة
العقوبة بل وعدم استحقاقهم .
ولكن قد تفص ى الاعلام عن الاشكال بوجوه لا تخلو عن
المناقشة، كما واجاب عنه المحقق الخراساني : بان استحالة
التخلف انما تكون في الارادة التكوينية وهي العلم بالنظام على
النحو الكامل التام، دون الارادة التشريعية وهي العلم
بالمصلحة في المكلف اذا صدر عن اختياره
((514)) .
ولكن يمكن الجواب عن الاشكال بسهولة بالتمسك بالخطابات
القانونية ؛فبناء عليها تتعلق ارادة الشارع بجعل القانون بشكل
عام، ومن شرائطه احتمال تاثير القانون في المجتمع البشري
من غير ملاحظة الافرادوالاشخاص، ولا خير في عدم انبعاث
الكفار والعصاة، فاذا كان في المجتمع من ينبعث من امره
وينزجر من نهيه يصح جعل القانون، ويمكن ترشح الارادة
الجدية متعلقة بمثل هذا القانون الكلي العام، ولا حاجة
الى تصوير امر آخر وراء الارادة .
وبهذا اجاب ولده الشهيد مصطفى عن الاشكال
((515)) .
11 - تصحيح الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي :
وقع البحث بين الاعلام الاصوليين في باب الامارات عن طريق
الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري .
وقد يشكل بان ترشح الارادة الواقعية بالنسبة الى الحكم
الواقعي وترشح الارادة الجدية الاخرى بالقياس الى امضاء او
تاسيس ما يؤدي الى خلاف الارادة الاولى مع الالتفات الى
التخلف المزبور، غير معقول، ففي جميع موارد الامارات
والاصول لا يعقل ذلك، ويلزم باعتبار آخر ونظر ثان اجتماع
النقيضين ؛فان من ايجاب العمل بالطرق والرضا بامضاء
الامارات، وجعل الحجية، يلزم - تبعا لهذه الارادة - انتفاء الارادة
الايجابية والتحريمية النفسية الاولية، فلازم الجمع بينهما
وجودها وعدمها .
كما ان ارتفاع النقيضين ظاهر حديث الرفع ؛فان مقتضى
الاشتراك وجود الارادة التحريمية بالنسبة الى الجاهل، ومقتضى حديث الرفع عدمها، فلابد من حل ذلك
؛ولاجله
اتخذ كل منهم مهرباوطريقا
((516)) .
ولكن يمكن حل المشكلة عن طريق الخطابات القانونية اجاب
به ولده الفاضل : بان الخلط بين الخطاب القانوني وبين
الشخصي اوقعهم في هذه المخمصة والمشكلة، ولكن بناء على
الخطاب القانوني تكون جميع التكاليف فعلية في حق
المكلفين ؛فان الشارع والمقنن ان كان يترشح منه الرضا
والامضاء في باب الامارات والطرق وما يشبهها - كالاصول
المحرزة والامارة التاسيسية - احيانا بالنسبة الى خصوص صورة
الخطا وقلنا ان قانون امضاء الطرق والامارات وتلك الاصول
ينحل الى الاحكام الطريقية الشخصية، فحينئذينقدح الاشكال
: بانه كيف يمكن ان يرتضي المولى بتطرق خبر الواحد
الخاط ىء بالنسبة الى زيد مع علمه بان زيدا محكوم
بوجوب صلاة الجمعة مثلا ؟ ! فان انحلال هذا القانون الى
الامضاءات والارتضاءات الجزئية الشخصية يوجب هذه المشكلة .
وام ا بناء على المحافظة على تلك القوانين الكلية على نهج
كلي قانوني وان الارادة تعلقت بضرب القانون النفسي والطريقي
فحينئذ يرتفع الاشكال ؛لان في موارد الخطابات النفسية
يكون الناس مختلفين بحسب القدرة والعجزوالعلم والجهل
ويكون الحكم فعليا بالنسبة الى الكل ؛لعدم اختصاص الخطاب
بعنوان العاجز والجاهل، وكذلك في مورد امضاء الطرق
العقلائية تكون جميع الطرق بالنسبة الى كافة الناس ممضاة
بامضاء واحد، او يكون كل واحد من الطرق مرضي العمل
وممضى بامضاء يخصه .
ولكن في موارد الاصابة والخطا لا يكون امضاء وارتضاء
مخصوصا بهما، بل ان الطريق او خبر الثقة بعنوانه ممضى
ومورد ارتضاء المولى، وعندئذ لا يلزم امتناع ؛لعدم الانحلال
في ناحية الخطاب
((517)) .
وكذا يمكن دفع الاشكال عن كيفية ترشح الارادة الجدية من
المولى في مسالة اجزاء الامر الظاهري عن الواقعي ايضا .
ثانيا - الاثار الفقهية :
ان لكل مسالة اصولية آثارا متعددة في الفقه ؛لان الاصول هو
العلم بالعناصر المشتركة او القواعد الممهدة للاستنباط، فاذا
كانت للنظرية آثار متعددة في الاصول فطبيعيا يظهر اثرها في
مجالات كثيرة في الفقه ويكون لها تطبيقات في موارد متعددة
في مختلف الابواب الفقهية .
وفيما يلي نذكر نماذج من تلك المسائل الفقهية :
1 - الطهارة المائية عند تعين التيمم :
هل يصح الوضوء او الغسل في موارد تعين التيمم فيها على
المكلف - كما اذا زاحمت الطهارة المائية واجبااهم نحو ما اذا
كان بدنه او ثوبه نجسا ولم يكن عنده من الماء الا بقدر احد
الامرين، او لا يصح الوضوء اوالغسل ؟
ذهب بعض الاعلام كالسيد اليزدي - الى البطلان نظرا الى انه لا
امر بهما حينئذ، فيقعان باطلين
((518)) .
وربما يقال بصحة الوضوء والغسل حينئذ بالترتب وانه وان كان
مامورا بالتيمم ابتداء الا انه لما عصاه ولم يصرف الماء في
تحصيل الطهارة الخبثية صار واجدا للماء ومامورا بالوضوء او
الغسل، فيصح منه .
وقد تصح طهارته المائية بالملاك ؛لان الوضوء او الغسل انما
سقط الامر به لعدم تمكن المكلف منهما مع نجاسة بدنه وثيابه، لكنه مشتمل على الملاك وباق على المحبوبية، ومعه لا مانع
من الحكم بصحته في مفروض الكلام
((519)) .
بينما ذهب السيد الامام (رحمه اللّه) الى الصحة، لا لاجل
الترتب او التمسك بالملاك، بل لاجل عدم امتناع تعلق الامرين
بعنوانين متزاحمين في الوجود ؛سواء كانا من قبيل الاهم
والمهم او لا ؛لان الاوامر متعلقة بنفس الطبائع ؛من غير
سراية الى الخصوصيات الفردية وان الاطلاق ليس كالعموم في
تعلق حكمه بالافراد، بل مقتضاه كون نفس الطبيعة تمام
الموضوع ؛بلا دخالة شيء آخر من الخصوصيات الفردية
والحالات الطارئة ،وان الادلة غير ناظرة الى حال المتزاحمات
ولا حال علاجها . مع ان الاحكام القانونية تعم العاجز والقادر
والعالم والجاهل من غير تقييد بحال دون حال وان الامر بكل
من المتزاحمين امر بالمقدور والجمع بينهما غيرمقدور .
فتحصل من تلك المقدمات ان لدليل المتزاحمين اطلاقا
يشمل حال التزاحم من غير تقييد
((520)) .
وبناء على مسلك الامام (قدس سره) في الخطاب القانوني
يمكن تصوير الامرين في عرض واحد فيصح الوضوءلوجود الامر
به . ولا حاجة الى طولية الامرين كما عليه القائلين بالترتب .
2 - سقوط الاداء في فاقد الطهورين :
ان مقتضى اطلاق آية الوضوء
((521)) ان الصلاة مشروطة
بالطهور، ولكن زعموا قصور الامر عن اثبات الشرطية حال
العجز ؛لعدم امكان توجه الخطاب الى العاجز مع اطلاق
ادلة الصلاة سيما قوله «الصلاة لا تترك بحال» ؛ولذا ذهب
بعض الاعلام لاثبات اشتراط الصلاة بالطهور مطلقاوسقوط
الاداء الى ان مثل تلك الاوامر ارشادية لا يعتبر فيها القدرة على
متعل قاتها ؛لان مفادها ليس الا الارشادالى دخل متعلقاتها
في متعلق الخطاب النفسي، ففي الحقيقة ان تلك الخطابات
بمنزلة الاخبار، لا بعث فيها ولاتحريك الى المتعلقات حتى
تقتضي القدرة عليها
((522)) .
ولكن السيد الامام (رحمه اللّه) - بعد ان استشكل عليه بان
مطلق الاوامر انما تستعمل في معناها، وهو نفس البعث والاغراء
. وحمل الهيئات الواردة في لسان الشارع على الاخبار، مضافا
الى كونه غلطا لا مجازا، مخالف لفهم العرف والعقلاء - ذهب الى
سقوط الاداء، وبناءا على ما ابتكره من ان الاوامر الكلية القانونية
غيرمشروطة عقلا بصحة توجهها الى كل فرد فرد من
المكلفين، وليست الخطابات الكلية منحلة الى
خطابات متوجهة الى آحادهم، وان كل خطاب منحل منظور
فيه شرائط توجه الخطاب، بل ان الخطاب كلي فيشمل اطلاق
الاية جميع المكلفين حتى العاجزين، فيقتضي اشتراط الصلاة
بالطهور مطلقا، ومقتضاه سقوط الصلاة مع تعذر الشرط
.
((523))
3 - الصلاة في النجس مع الجهل بالحكم :
اذا اخل المصلي بازالة النجاسة التي تجب ازالتها في الصلاة عن
ثوبه او بدنه جاهلا بالحكم فمقتضى اطلاق ادلة شرطية الطهارة او مانعية النجس كقوله
«لا صلاة الا بطهور»
((524))
بطلان الصلاة التي يؤتى بها في النجس مطلقا، ولكن قد يقال :
ان الادلة قاصرة عن اثبات الحكم للجاهل ؛لقبح تعلق التكليف
بالغافل
((525)) .وعليه يكون الماتي به في النجاسة مع
الجهالة بالحكم مجزيا ؛لانه صلاة تامة في حقه بعد عدم
الدليل على اثبات المانعية اوالشرطية في حقه .
ولكن على مبنى السيد الامام (رحمه اللّه) لا قصور في الادلة
عن اثبات التكليف لمطلق المكلفين، ولا مانع من تعلقه
بالعناوين الكلية الشاملة لعامة المكلفين وان كان التارك عن
عذر معذورا في ادائه، فتشمل ادلة الشرطية الجاهل ايضا
.
((526))
4 - الصلاة مع الاخلال عن جهل :
اذا وقع خلل في الصلاة في شيء مما يعتبر فيها اما بالزيادة او
بالنقيصة، فان كان الاخلال ناشئا عن السهووتعلق بغير ركن
فلا ريب في صحة الصلاة ؛لانه القدر المتيقن من حديث «لا
تعاد»، انما الكلام في الاخلال بها جهلا بالحكم، فقد وقع
الخلاف حينئذ في الصحة والبطلان، ومنشا الخلاف في
شمول حديث «لا تعاد»للجاهل وعدمه ؟
المنسوب الى المشهور عدم الالحاق
((527))، كما عليه
المحقق النائيني والاصفهاني وغيرهما
((528))، ولازمه الفرق
بين الجاهل والناسي .
واختار جمع آخر الالحاق كالسيد اليزدي
((529)) والسيد
الخوئي
((530)) .
وغير خفي ان ثمرة هذه المسالة مهمة جدا كموارد تبدل راي
المجتهد وعدوله عن فتواه وما هو حكم المجتهدومقلديه ؟
وكذا الكلام فيما اذا قلد مجتهدا لم ير وجوب جزء غير ركني
فمات ثم قلد شخصا آخر يرى وجوبه ؛ولكن ذهب السيد الامام (قدس سره) الى ان الاخلال سواء كان
بالحكم او بالموضوع عن تقصير او قصور -كما في تخلف
الاجتهاد والتقليد الصحيحين زيادة كان او نقيصة ركنا او غيره
لا يكون مبطلا، ويدل على الصحة في الجميع مع الغض عن
المعارض حديث الرفع، فينتج من ضم دليل الرفع الى دليل
وجوب الصلاة كون المامور به ما عدا المرفوع، وعليه فالاتيان
به موجب للصحة عقلا . فمقتضى اطلاق حديث الرفع الاخذ به
في جميع موارد الجهل .
اما الاشكال في شموله للشبهة الحكمية بلزوم المحال والذهاب
الى التفصيل بينهما وبين الشبهة الموضوعية معللا بانه يلزم
الدور من اختصاص الحكم بالعالم به، فغير وجيه، بل ان هذا
الاشكال والجواب عنه من بعض الاعلام
((531)) مبتنيان على
انحلال الخطاب العام الى خطابات عديدة حسب عدد
المكلفين ومتوجهة الى اشخاصهم . ولازمه تحقق مبادئ
الخطاب في كل على حدة، فكما لا يمكن توجه خطاب خاص
الى الناسي لعدم حصول مبادئه كذلك لا يمكن خطابه في
ضمن الخطاب العام المنحل الى خطابات ؛لعدم حصول
مبادئه .
وهذا من موارد الخلط بين الخطابات العامة القانونية بالخطاب
الخاص ؛فلا ينحل الخطاب الشرعي الى خطابات كثيرة حتى
يلزم مراعاة احوال كل مكلف .
فحينئذ لا فرق بين العالم والجاهل والساهي وغيرهم بالنسبة
الى التكاليف الالهية الاولية بعد تقييد المطلقات وتخصيص
العمومات بما ورد في الكتاب والسنة كحديث الرفع ولا تعاد
وغيرهما، فالقول بسقوط الخطاب عن الساهي والناسي خلاف
التحقيق
((532)) .
5 - الصلاة مع الخلل في الوقت :
لو دخل في الصلاة قبل الوقت خطا وانكشف له الحال بعد
الصلاة فقد استدل للصحة بوجوه
((533)) : منها :قوله
(عليه السلام) في رواية اسماعيل بن رياح : «اذا صليت وانت
ترى انك في الوقت ولم يدخل الوقت، فدخل الوقت وانت في الصلاة فقد اجزات . .»
((534)) .
وقد احتمل وجوه متعددة في المراد من لفظ (ترى) الوارد في
الرواية .
فان كان (ترى) موضوعا للعلم والظن على سبيل الاشتراك
اللفظ ي : فبناءعلى القول بالانحلال لا تجب الاعادة ؛لان توجه
التكليف اليه مشكوك فيه ؛لان حال وجود الامارة لا
يكون التكليف الواقعي متوجها اليه لعدم التفاته، وبعد الالتفات
الحاصل بعد الصلاة يحتمل عدم توجه التكليف اليه اذا اتى
بالصلاة مع قيام ما يحتمل اماريته، ففي الحقيقة كان المورد
من موارد الشك في التكليف .
ولكن بناء على الخطاب القانوني وفعلية التكليف بالنسبة الى
جميع المكلفين من غير فرق بين العالم والجاهل والناسي
والساهي والعاجز وغيرهم، يكون المكلف مع احد تلك العناوين
معذورا عن العمل بالواقع وعن اطاعة المولى، فبعد الالتفات
يكون شكه في امتثال الامر المعلوم وسقوط التكليف الفعلي ؛فلذا ذهب السيدالامام (قدس سره) الى وجوب الاعادة
.
((535))
6 - وجوب الفحص عن المالك :
اذا وصلت الى الانسان اموال من قبل الحاكم الجائر هل يكون
الاخذ بنية التملك مع الجهل بكونه للغير موجباللضمان او لا ؟
فبناء على الضمان يجب على الاخذ رد الماخوذ الى صاحبه .
ولكن ذهب الشيخ الاعظم
((536)) الى عدم وجوب الفحص
عن المالك لو كان مجهولا ؛تمسكا باطلاق جملة من الروايات .
وقال المحقق الشيرازي في حاشيته : ان من بيده المال
المجهول مالكه، ان علم بعثوره على مالكه بالفحص يجب عليه، ولو شك فيه فاما ان يكون التردد بين من يقدر على ايصال
المال اليه ومن لا يقدر، او بين من يقدر على الايصال الى كل
منهم . وعلى الاول يجب الفحص اذا كان تردده بعد العلم بكونه
محصورا بين المقدورين، وبدونه لا يجب الفحص ؛لان خروج
بعض الاطراف المعين من العلم الاجمالي عن مورد
التكليف يوجب عدم وجوب الاحتياط بالنسبة الى البعض الاخر، بل يرجع فيها الى اصالة البراءة، ومع سقوط التكليف فلا
مقتضي للفحص
((537)) .
ولكن استشكل عليه السيد الامام (رحمه اللّه) بان لازم ما ذكره
اجراء البراءة في الشك في القدرة على الايصال ابتداء، ومبناه
على ما يظهر من كلامه ان القدرة من القيود الشرعية
المستكشفة بالعقل .
ولكن يرد عليه ان القدرة ونحوها من الاعذار العقلية لامتثال
التكاليف، لا قيودها شرعا او عقلا، وان التكاليف الكلية القانونية
فعلية على موضوعاتها من غير تقييد بالعلم والقدرة والالتفات
وغيرها، فحينئذ يجب الاحتياط عقلا مع الشك في القدرة، فيجب الفحص
((538)) .
7 - جعل الخيار في المعاطاة :
اذا وقعت المعاملة معاطاة ثم ظهر مخالفة المبيع مع الواقع، فعلى القول بلزوم المعاطاة لا اشكال في ثبوت الخيارات هنا
؛لاطلاق ادلتها وعقلائية بعضها، واما بناء على عدم لزوم
المعاطاة فقد وقع فيه الاشكال ؛لان اصل المعاملة غير لازمة، فلا معنى لجعل الخيار هنا، اذ ان جعله يكون لغوا
؛لانها جائزة
بالطبع وقابلة للفسخ بنفسها، ولا معنى لجعل الخيار هنا .
ولكن السيد الامام (رحمه اللّه) اختار جعل الخيار وعدم لغويته
؛بناء على مسلكه في الفرق بين الاحكام والخطابات القانونية
وغيرها، ففي الخطابات القانونية يلحظ اللغوية وعدمها بالنسبة
الى جميع الموارد، فيجعل الخيار بالنسبة الى البيوع الشاملة
للمعاطاة وغيرها، فلا لغوية في جعل الخيار قانونيا ؛لانه
يحتاج اليه في ما اذاوقع بصورة عقد البيع وتخلف العوضين
عن الواقع، فلا ضير في خروج بعضها .
مضافا الى انه اجاب عن الاشكال بصيرورة المعاطاة لازمة بتلف
احد العوضين وان جعل الخيارات المتعددة غير مستلزم للغوية
وتحصيل الحاصل بعد امكان سقوط بعض وبقاء بعض آخر
.
((539))
8 - ضمان المقبوض بالعقد الفاسد :
ذهب عدة من الفقهاء
((540)) الى الضمان تمسكا بدليل اليد
بناء على استفادة الوضع عنه .
قد يشكل عليه بانه لو كان الحديث في مقام الاخبار عن الوضع
المنتزع عن التكليف فمضافا الى انه خلاف الظهور، لا يمكن
التمسك به ؛لان لازمه اثبات الضمان مطلقا، فينتقض
بالصبي الذي مات قبل بلوغه والمجنون الذي لم تحصل له
الافاقة ابدا حتى مات
((541)) .
ولكن اجاب السيد الامام (رحمه اللّه) عن النقض بانه لا يعتبر
في الاحكام القانونية ان تكون جميع مواردانطباقها واجدة
للشرائط، ولذا ذكرنا : ان القدرة والعلم ليسا بشرطين للتكليف
والخطاب، بل انهما قيدان في مرحلة التنجز، والعجز والجهل
معذران للمكلف لا موجبان ؛لانتفاء توهم الخطاب اليه
.
((542))
9 - تعذر المثل في المثلي :
لو تعذر المثل في المثلي هل للمالك حق مطالبة القيمة ام لا ؟
فان مطالبة المثل غير ممكنة قطعا، ومطالبة القيمة اذا لم تكن
بحق لم يترتب عليها اثر، وجوازها وكونها بحق ملازم لوجوب
دفعها، وقد استدل لجوازالمطالبة بوجوه :
منها : التمسك بمقتضى دليل اليد، وان دفع القيمة جمع بين
الحقين وان الصبر الى ان يوجد المثل ضررعليه
((543)) .
ومنها : الالتزام بالانقلاب الى القيمة عند تعذر المثل، بان يقال
: ان الوضع منتزع من التكليف، ولا يعقل التكليف باداء المتعذر، فلا بد من التكليف باداء القيمة
؛لان احتمال سقوط الضمان
مطلقا مخالف للضرورة ،فمع التكليف بهاينتزع اشتغال الذمة
بالقيمة، وهو المطلوب، فللمالك المطالبة بها، وليس
للضامن التاخير .
ولكن اجاب عنه السيد الامام (رحمه اللّه) باجوبة منها : انه
يمكن ان يجاب عنه بحيث ينتج عدم الانقلاب ولوتعذر الى
الابد، وهو ان التكاليف القانونية فعلية على موضوعاتها ؛غير
مقيدة ولا معلقة، والاعذار العقلية ليست قيودا لها، فحرمة
شرب الخمر مجعولة على عنوانها مطلقا، والجاهل بحرمتها او
موضوعها والمضطرالى ارتكابها عقلا معذوران في ارتكاب
الحرام الفعلي، فيكون التكليف الفعلي القانوني المتعلق
بعنوانه منشاءلانتزاع الوضع مطلقا
((544)) .
10 - ضمان المثل باكثر من ثمنه :
ذكر الشيخ الاعظم
((545)) في ذيل هذا الامر انه لا فرق في
جواز مطالبة المالك بالمثل بين كونه في مكان التلف او غيره .
وقال السيد اليزدي في حاشيته على ذلك : انه لا اشكال في
جواز مطالبة المالك بماله من العين او المثل في اي مكان ؛لعموم (الناس مسلطون) وان لم تكن العين او المثل موجوين
في ذلك المكان ؛اذ غايته ان معه ينتقل الى القيمة
((546)) .
ولكن استشكل عليه السيد الامام (قدس سره) بان جواز
المطالبة - بناء على مسلكهم في انحلال الخطاب -موقوف على
امكان المطالبة، وهذا انما يتحقق مع امكان الدفع، ومعه لابد
من دفع نفس العين او المثل، ولاتصل النوبة الى القيمة، واما
مع التعذر فلا يمكن المطالبة بالمرة مع الالتفات الى ذلك، نظير ما ذكر في الامربغير المقدور وما لا ينبعث اليه بالبعث
نحوه، فان الامر مستحيل ؛لعدم تحقق مبادئه وعدم حصول
الجدبالبعث، لا انه ممكن قبيح .
لكن بناء على مسلك الخطابات القانونية يمكن توجه الامر
والبعث بنحو القانون حتى مع عدم امكان الانبعاث في بعض
افراده، على ما تقدم مفصلا
((547)) .
11 - بدل الحيلولة عند تعذر العين :
قد يستدل على لزوم دفع بدل الحيلولة عند تعذر الوصول الى
العين ولو في الجملة بدليل اليد، بتقريب ان مفاده اعتبار العين
في العهدة، فهذا الاعتبار فعلافي كل زمان يحتاج الى اثر
مصحح، والا كان اعتبارها لغوا ،ومن الواضح انه عند تعذر ردها
وعدم تلفها ليس لها عهدة تكليفية حيث يستحيل التكليف
بردها، وليس لها عهدة تداركية لنفسها ؛حيث انها غير تالفة، فلو لم يجب تداركها من حيث فوات السلطنة على الانتفاعات
بها كان اعتبار عهدتها فعلا لغوا، فالالتزام بكونها في العهدة
فعلا يقتضي الالتزام باثر لها فعلا
((548)) .
ولكن اجاب عنه السيد الامام (رحمه اللّه) بان هذا مبني على
القول بالانحلال ؛فبناء على القول بالخطابات القانونية يكفي
في صحة جعل القانون وجود المصحح له في محيط هذا
القانون ولو في بعض الافراد، فلا يلزم وجود المصحح في كل
زمان وبالنسبة الى كل الاشخاص
((549)) .
12 - وجوب رد العين الى صاحبها قبل وقوعها تحت يد الغارم :
ذهب السيد الامام (رحمه اللّه) الى قصور الادلة اللفظية عن
اثبات وجوب ردالعين نظير : «لا يحل مال امرىءمسلم» و «لا
يجوز ان يتصرف» و «على اليد» .
وبعد ذلك تصل النوبة الى الاصول العملية، وتمسك الامام
(قدس سره) باستصحاب وجوب الاداء الثابت قبل التعذر ؛بناء
على ما سلكه في الخطابات القانونية، وقال ان التعذر لا يوجب
سقوط الوجوب، بل الوجوب باق على فعليته في الاعذار العقلية، غاية الامر ان المكلف معذور في مخالفته، وقد تقدم ان
التكاليف القانونية لاتخرج عن الفعلية بواسطة الجهل والعذر، وان مبادىء جعل القوانين الكلية وغاياتها تختلف عن حالة
توجه التكليف الى الاشخاص، فحينئذ لو علمنا بانه لا مزاحم
للتكليف الا العذر العقلي وهو علة منحصرة فلايبقى شك في
ثبوت التكليف، ولو احتملنا ان المساوق للعذر يحقق علة
لسقوطه فيستصحب بقاؤه
((550)) .
13 - رجوع المالك الى جميع الايادي مع بقاء العين :
لو تعاقبت الايادي على عين مغصوبة مع بقائها فهل للمالك
الرجوع الى كل من جرت يده عليها ويجب عليه تحصيلها
والتادية اليه، او ان وجوب الرد مختص بمن هي في يده فعلا ؟
فالسيد الامام (رحمه اللّه) بعد ان استشكل على تمامية
الاستدلال بقاعدة اليد ورواية «الغصب كل مردود»وغيرهما
من الادلة، التزم بجريان الاستصحاب، بان يقال : ان العين اذا
وقعت في يد كل غاصب او من بحكمه يجب عليه ردها الى
صاحبها، وبعد خروجها عن تحت يده يشك في بقاء الوجوب
فيستصحب، كما يستصحب حكم الغاصب بالنسبة الى كل
منهم، لكنه مبني على ثبوت وجوب الرد حتى بالنسبة الى
الغاصب الذي يتعذرعليه الرد ؛اما لاجل عجزه عنه لضيق
الوقت ونحوه او لجهله وغفلته ؛وهذا لا يمكن الذهاب اليه الا
بناء على مسلك الخطابات القانونية
((551)) .
14 - اشتراط سقوط خيار المجلس في ضمن العقد :
اذا اشترط السقوط بنحو شرط الفعل فهل يترتب على الحكم
التكليفي حكم وضعي ام لا ؟
ذهب بعض الاعلام
((552)) الى امكان استفادة الوضع منه
بتقريب ان النهي اذا تعلق بالمسبب يوجب سلب قدرة الفاسخ
على الفسخ، كما لو شرط ان لا يبيع من زيد فانه يبطل البيع ؛لفساد المعاملة اذا تعلق النهي النفسي بها، لسلب قدرة المالك
على البيع من زيد .
ولكن يستشكل عليه : انه لا يعقل تعلق الامر والنهي التكلفيين
بما هو غيرمقدور للمكلف في ظرف العمل ؛لان غاية البعث
والزجر الانبعاث والانزجار، ولا يعقل ذلك في الممتنع .
وكذا الحال فيما اذا كان المامور به او المنهي عنه محققا، ولا
فرق في الامتناع بين سلب القدرة سابقا على الامر والنهي او
حصوله بهما، فالامر الملتفت الى ان مجرد امره يوجب سلب
قدرة المامور لا يعقل منه صدورالبعث او الزجر، فيرجع امره
الى التعجيز، وهو غير التكليف . وفي المقام لو فرض ان مجرد
الامر التكليفي يوجب سلب سلطنة المامور على الفسخ وسلب
قدرته عنه لا يعقل صدورهما منه ؛لان المفروض ان في
ظرف الانبعاث والانزجار كان المكلف غير قادر وصار البيع
لازما والفسخ لغوا .
لكن هذا كله مبني على مبنى القوم في باب الاوامر والنواهي، واما بناء على مسلك السيد الامام (قدس سره)في الاوامر
والنواهي القانونية يمكن تعلق التكليف العام بغير المقدور كما
تقدم مرارا، فيسقط جميع ماسبق
((553)) .
15 - ما يعتبر في الشروط ضمن العقد :
قد ذكر في عداد شروط صحة الشرط ان يكون داخلا تحت
قدرة المشروط عليه ولو كان بنحو شرط الفعل وان كان الدليل
عليه هو الادلة الشرعية الدالة على وجوب العمل بالشرط، فبناء
على القول بانحلال التكاليف لايعقل تعلقه بالعاجز، وحينئذ
الادلة المذكورة قاصرة عن ايجاب العمل بمثل هذا الشرط .
ومن الواضح ان تلك الادلة لا تتكفل باثبات الخيار عند التخلف
حتى تتوهم دلالتها على عدم الخيار عند عدم الوجوب، فالحكم بالخيار موقوف على حكم العقلاء في ذلك، ولكن ان
دل دليل شرعي على ان هذا الشرط لغو وباطل راساكالشرط
المخالف للكتاب فيحكم بعدم الخيار، واما مع عدم الدلالة
على ذلك فالحكم العقلائي - بناء على تماميته - متبع لا رادع عنه
.
واما على القول بان الاحكام الكلية القانونية لا تتقيد بالقدرة، كما لا تتقيدبالعلم، ويكون الحكم الفعلي ثابتا لموضوعه
- سواء
كان المكلف عالما ام لا وقادرا ام لا على ما تقدم -فالجهل احيانا
والعجز عذر للمكلف في ترك المامور به او الاتيان بالمنهي عنه
لا انه قيد للتكليف، فحينئذيكون وجوب العمل بالشرط ثابتا، والعذر عن الاتيان به لا يوجب بطلانه راسا، فيترتب
عليه الخيار
((554)) .
16 - الخيار في الشرط المتعذر :
لو تعذر الشرط، فاما ان يكون التعذر حال العقد، كان شرط
الوصف وكان فاقدا له، او شرط النتيجة ولم تتحقق لمحذور، ككون العين معدومة او موقوفة، او شرط الفعل المتعذر لعدم
القدرة عليه او لفقد المورد ،فهل الشرط باطل لا يترتب عليه
الخيار، او يترتب ولو كان الشرط باطلا، او الشرط صحيح
وله الخيار ؟
صرح السيد الامام (قدس سره) ان الشرط صحيح ويترتب عليه
الخيار من غير فرق بين اقسامه من شرط الوصف وشرط
النتيجة وشرط الفعل .
|
|---|