وقد يقال في شرط الفعل المتعذر : انه لا يجب العمل على
طبق هذا الشرط - اي ترك الشرط الواجب - لعدم القدرة عليه
حسب الفرض . ولكن بناء على مسلك الخطابات القانونية ان التكاليف عامة وشاملة للقادر والعاجز، كما هي عامة للعالم والجاهل، ولا تنحل الى خطابات حسب افراد المكلفين، وعليه لو فرض ترتب الخيار على تخلف الشرط الواجب يثبت له الخيار . ((555))
17 - عدم الانحلال في النذر :
ذهب السيد الامام (قدس سره) الى عدم الانحلال في العقود
والايقاعات ايضا، وتظهر ثمرة ذلك في النذرونحوه، فلو نذر ان
يصوم كل جمعة مثلافعلى القول بالانحلال ينحل نذره حسب
كل جمعة، فان ترك صوم جمعة يتحقق الحنث بالنسبة الى
ذلك اليوم، ويبقى النذر بالنسبة الى الجمعات الاتية، فيجب
عليه صومها، واما بناء على القول بعدم الانحلال لم ينحل نذره
الى نذور كثيرة، بل نذر واحد لامور كثيرة، فلو ترك صوم
جمعة حنث في نذره، ولا حنث بعده ؛اذ لانذر
((556)) .
18 - الاجير العام :
اذا آجر نفسه للغير بالاجارة الخاصة المنافية للاجارة الاولى
بطلت . وقد استدل للبطلان بوجوه منها : عدم القدرة، ولكن
يمكن القول بعدم المنافاة بين الوجوبين وان لم يكن سوى
قدرة واحدة في البين ؛للقول بالخطاب القانوني
((557)) .
19 - الاستطاعة في الحج :
ا - لو بلغ ماله قدر الاستطاعة وكان جاهلا او غافلا عن وجوب
الحج عليه ثم تذكر بعد تلفه بتقصير منه ولوقبل اوان خروج
الرفقة، او تلف بلا تقصير منه بعد مضي الموسم فالاقوال هنا
ثلاثة . وبناء على الخطاب القانوني يمكن القول بوجوب الحج
مطلقا ؛لثبوت التكليف بالحج على نحو العموم للعالم
والجاهل والغافل
((558)) .
ب - لو اعتقد ان ماله لم يبلغ قدر الاستطاعة فترك الحج لاجل
الاعتقاد المذكور، فبان الخلاف وانه كان بالغاقدر الاستطاعة ؛فبناء على الخطاب القانوني يكون مكلفا واقعا، والتكليف ثابت
في حقه
((559)) .
20 - وجوب الحج على الكافر :
ان الكافر مكلف بوجوب الحج كوجوب سائر التكاليف عليه
؛فبناء على الخطاب القانوني لا يبقى اشكال بالنسبة الى توجه
التكليف اليه، كما تقدم بيانه تفصيلا
((560)) .
22 - نيابة من وجب عليه الحج :
من استقر عليه الحج وتمكن من ادائه ليس له ان يحج عن
غيره تبرعا او بالاجارة، وقد ذهب بعض الى انه لايمكن تنفيذ
الاجارة في عرض ذلك الواجب ؛فانه يستلزم الامر بالضدين .
اما على القول بالخطاب القانوني لامجال في توجه التكاليف
اليه في عرض واحد
((561)) .
22 - ارتكاب ما يوجب الكفارة جهلا :
لو اوقع ما يوجب الكفارة في الحج جهلا فلا يبطل حجه
وعمرته ولا شيء عليه، ولكن ذهب البعض الى
وجوب الاستغفار، وهو يكشف عن ثبوت الحرمة الفعلية مع
الجهل، وهذا لا يتلاءم مع مبنى المشهور من ان العلم
من شرائط فعلية التكليف، اما بناء على الخطاب القانوني
وفعلية التكاليف في ظرف الجهل والعجز ونحوهما لا
يبقى الاشكال في وجوب الاستغفار
((562)) .
23 - الصوم الاخر في اليوم المعين للنذر :
اذا نوى صوم يوم آخر غير الصوم المنذور في اليوم المعين
للنذر، اختلفت كلمات الفقهاء في صحة ذلك الصوم وبطلانه
((563))، ولكنه يمكن القول بصحة صومه على الخطاب
القانوني ؛لان الاحكام الكثيرة فعلية وان كان المكلف عاجزا
.
((564))
24 - عقد الصبي :
وايضا تظهر ثمرة هذه النظرية في عقد الصبي، وقد يستدل
لسلب عبارته بحديث رفع القلم واجيب هناك عن اشكال قبح
توجيه الخطاب اليه بعدم القبح بناء على الخطابات القانونية
.
((565))
25 - الصلاة في ضيق الوقت :
يجب في ضيق الوقت الاختصار على اقل الواجب اذا استلزم
الاتيان بالمستحبات او الواجب الطويل وقوع بعض الصلاة خارج
الوقت، فلو اتى مع العلم بذلك بالمستحب او الواجب الطويل
فقد يشكل صحة صلاته بناء على القول بالانحلال ؛لعدم الامر
به، فتكون باطلة الا على التمسك بالملاك .
لكن بناء على الخطاب القانوني يمكن رفع الاشكال بسهولة
؛لبقاء الواجبين المتزاحمين على فعليتهما، فيمكن القول
بالصحة
((566)) . الامام الخميني (قدس سره) وعلوم الحديث ((567)) ا لشيخ محمد كاظم رحمن ستايش
الفصل الاول : الكتب الحديثية في نظر الامام (قدس سره)
المقدمة :
يتحدد اعتبار وتقييم كل كتاب على اساس ثلاثة نقاط :
النقطة الاولى : صحة انتساب الكتاب الى المؤلف، وهذا ما
تؤمنه كتب الفهارس، فمثلا : هل تصح نسبة كتاب الزكاة الى
حريز او زرارة او لا ؟
فبمراجعة كتب الفهارس يمكن التحقق من ذلك .
وكذا البحث في نسبة كتاب المحاسن الى احمد بن محمد بن
خالد البرقي ؛فان ذلك امر مسلم ؛لكون هذه النسبة منقولة
في كل كتب الفهارس، اذ ان اصحاب الفهارس يثبتون صحة
ذلك من خلال اسانيدهم الى اصحابها .
لذا نرى هذا السير المنطقي في كتاب رجال النجاشي، ففي
البدء يستعرض معلومات عن الشخص وفي الاخيريبين طريقه
الى كتابه بسند واحد او اكثر الى ان يصل الى صاحب الكتاب .
النقطة الثانية : اعتبار محتوى الكتاب، فاحيانا ليس لدينا شك
في نسبة بعض الكتب الحديثية الى مؤلفيها، ولكن ثمة
مؤاخذات على المؤلف فيما يرتبط بمضامين كتابه، ولذلك اسباب عديدة تكون هي المنشا للاشكال، ككون
محتوى الكتاب فيه غلو او كونه موافقا لراي الواقفية اوالمجبرة، وخلاصة القول : انه مخالف لاراء الشيعة او للعقل، وهذا ما
يوجب سقوط مضمون الكتاب عن الاعتبار .
النقطة الثالثة : وصول الكتاب الحديثي الينا بطريق صحيح
وغير مطعون فيه، اي يجب ان يسلم من الخدشة منذ زمن
تاليفه وحتى زمان وصوله بايدينا، فمثلا : ان كتاب المحاسن
ليس فيه شك من حيث نسبته الى احمدبن محمد بن خالد
البرقي وكذا لا شك في جلالة شانه ووثاقته واعتبار الكتاب
ومحتواه في نظر الاصحاب، لكن هل ان كتاب المحاسن
الموجود فعلا هو نفس كتاب المحاسن الذي الفه احمد بن
محمد بن خالد البرقي ؟ فيه بحث وتامل ؛فانه من المحتمل
وقوع تغيير في هذا الكتاب .
وهذا الاحتمال نفسه ياتي في كتاب (بصائر الدرجات) تاليف
محمد بن الحسن الصفار القمي، اذ ان محمد بن الحسن
الصفار القمي كان من الاجلا ء وله كتاب باسم (بصائر الدرجات)، وايضا لا شك في اهمية وجودة مضامينه الا ان بصائر
الدرجات الموجود يحتوي على امور يشك في نسبتها لمؤلفه، ومن هنا يسقط الكتاب عن الاعتبار وان كانت لدينا اسانيد
متعددة اليه .
وتجدر الاشارة الى امر وهو ان ط ي هذه المراحل الثلاثة ليس
ضروريا بالنسبة لجميع الكتب ؛فان بعضهاثابت بالتواتر، فنسبة كتاب (الكافي) الى الكليني امر في منتهى الوضوح، ولم يشكل احد على مضمون الكتاب، ولا شك ايضا في كون
كتاب (الكافي) الموجود بين ايدينا هو نفس (الكافي) الذي
دونه الكليني ؛وقدوصل الينا بالتواتر .
لذا سنفتح باب البحث في بعض الكتب الحديثية فقط، وهي :
1 - الصحيفة السجادية :
بناء على المقدمة المذكورة في اول كتاب (الصحيفة السجادية) فان هذا المؤلف كان يحتوي على
(75) دعاء ،الا ان الموجود
في الصحيفة السجادية الاولى لا يزيد على (54) دعاء وقد
فقدت (21) دعاءا ؛ولذا قام كل من الشيخ الحر العاملي
والعلامة الافندي - تلميذ العلامة المجلسي - وغيرهما بتتبعها
والحاقها .
وعلى هذا الاساس فان الصحيفة السجادية المشتملة على (54) دعاء توصف بالاولى، ومع اضافات الشيخ الحرالعاملي تدعى
بالصحيفة الثانية، ومع اضافات المرحوم الافندي يقال لها
الصحيفة الثالثة .
وموضوع بحثنا هو الصحيفة السجادية الاولى ،ولا يمنع ما فيها
من نقصان من البحث عن حجيتها، كما لو فقدكتاب الديات
من (وسائل الشيعة) فانه لا يضر في اعتبار الاجزاء الاخرى
المتبقية منه .
ثم انه قد عترض على هذه الصحيفة من ناحيتين :
الف - السند : يبدا سند حديث الصحيفة بعبارة (حدثنا) التي لا
يعرف قائلها، مضافا الى وقوع ثلاثة من المجاهيل في سند
الحديث لا يعلم عن حالهم شيئا .
ب - المتن : ان بعض فقرات ادعيتها لا تتلاءم مع سائر الروايات .
وبلحاظ هذين الاعتراضين فلا يمكن الاستدلال بالصحيفة
حينئذ .
ويعتقد البعض بامكانية اثبات حجية الكتاب - الصحيفة
السجادية - من خلال حل المشكلة السندية بمفتاح التواتر، اي
ان هذه المجموعة قد وصلت الينا بالتواتر ؛لذا فان المشكلة
السندية قابلة للحل .
وايضا اجابوا عن المشكلة الدلالية من خلال القول بقوة
مضامينها، اي ان ادعيتها لها من المضامين العالية لا احد
يمتلك المعرفة الكافية لطرح مثلها الا معصوم النفس، وغير
المعصوم ليس قادرا على ذلك .
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
ان ه لم يرتض هذا الجواب ؛اذ ان تواتر الصحيفة السجادية او
تلقي الاصحاب لها بالقبول انما هو بنحواجمالي، وليس بمعنى
ان جميع الفاظها وعباراتها صادر من المعصوم، قال (قدس
سره) : «. . . الصحيفة السجادية فان سندها ضعيف، وعلو
مضمونها وفصاحتها وبلاغتها وان توجب نحو وثوق على
صدورها لكن لاتوجبه في جميع فقراتها واحدة بعد واحدة
حتى تكون حجة يستدل بها في الفقه . وتلقي اصحابنا اياها
بالقبول كتلقيهم نهج البلاغة به - لو ثبت في الفقه ايضا - انما هو
على نحو الاجمال، وهو غير ثابت في جميع الفقرات»
((568))
.
وينبغي التنبيه على عدة امور :
ا - ان مقصوده حصر المناقشة في سند الصحيفة ودلالتها في
خصوص الاستدلال الفقهي، والا فانه متعبدبها في الاخلاق
والعرفان .
ب - انه لم يكن بصدد نفي الاعتبار عن الصحيفة بالكامل، بل
المراد انه لا يمكن نسبة عباراتها واحدة واحدة الى المعصوم، وهذا لا يؤثر على الاستدلال بها في غير المسائل الفقهية من
القضايا الاخرى الواردة، ومن هنافانه قال في الثناء عليها : «هذه الصحيفة النورانية الالهية الواردة عن سيد الساجدين
لخلاص العباد من سجن الطبيعة وتعريفهم لادب العبودية للّه والقيام له . . .»
((569)) .
2 - نهج البلاغة :
مما تقدم من كلماته (قدس سره) اثناء الكلام حول الصحيفة
وعطف نهج البلاغة عليها يعرف موقفه حول هذاالكتاب
الشريف سواء من ناحية السند او الدلالة .
3 - مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة :
لقد استفاد الامام (قدس سره) من هذا الكتاب مرارا في كتبه
العرفانية، لكن حيث ان الكتاب يتميز بتبويب ونظم وترتيب
خاص وتتسم عباراته بسياق خاص فانه (قدس سره) قد ابدى
احتمال كون الكتاب المذكور من ابداع الذهن الوقاد والقريحة
السليمة للعلماء الذين كان لهم ميول عرفانية، فاستخرجوه من
روايات الائمة (عليه السلام)بهذا الشكل الجميل والمرتب، لا
ان الكتاب المذكور بهذا النحو واللغة الموجود عليها قد صدر
فعلا من الائمة (عليهم السلام)
((570)) .
4 - من لا يحضره الفقيه :
يعتبر هذا الكتاب احد الكتب الاربعة، واثير حوله بحثان :
احدهما متعلق بالكتاب نفسه، والاخر يعود الى مرسلات
الصدوق .
البحث الاول : لقد طرح الصدوق (رحمه اللّه) في مقدمة كتابه
ما يلي : «لم اقصد فيه قصد المصنفين في ايرادجميع ما رووه، بل قصدت الى ايراد ما افتي به واحكم بصحته، واعتقد فيه انه
حجة بيني وبين ربي»
((571)) .
وعلى اساس هذه المقدمة يعتقد البعض حيث ان الصدوق
موضع وثوق وقد ادعى بان كل ما يحتوي عليه كتابه حجة، اذن
يمكن ان تكون محتوياته حجة لنا ايضا، وجميع مطالب (من لا
يحضره الفقيه) صحيحة، وعلى الاقل انه بناء على راي الصدوق
يكون حجة قطعا .
ولكن في المقابل يعتقد قسم آخر - ومنهم السيد الامام (قدس
سره)ان الصدوق لم يف بما تعهد به في المقدمة لغفلة او غيرها ؛نظرا الى كثرة الروايات الضعيفة والمرسلة والمخدوشة، واختلاف مضمون بعض رواياته من حيث المحتوى مع روايات
الشيعة، وايضا وجود فتاوى مخالفة مع مشهور الشيعة ما يقرب
من(18 - 17) موردا فتوائيا نظير الوضوء بماء الورد .
وبحسب وجهة نظر الامام (قدس سره) ثمة امر محاط
بالغموض، وهو ان الكاتب رب ما يحيد وسط كتابته عماتعهد به
في البدء بسبب السهو او الكلل او تغير الظروف والاساليب، لكن
المشكلة تواجه كتاب الصدوق في بداية باب الطهارة .
وفي الحقيقة اننا امام قضيتين : اولاهما : انه لم يلتزم بما جاء
في مقدمته . والاخرى : من المستبعد انه خالف ذلك في البداية
.
ويمر الامام (قدس سره) على هذا الابهام الذي لف كلتا
القضيتين، وفي الحقيقة انه لم يقبل حجية جميع
مطالب الكتاب .
البحث الثاني : ان قسما من روايات الصدوق في (من لا يحضره
الفقيه) معلقة
((572))، اي حذف من بداية السند بعض اسماء
الرواة ثم ذكروا في المشيخة آخر الكتاب، ويكمل السند بضم
ذلك الى الرواية .
وقسم آخر من المراسيل قد حذف جميع سندها وتبدا مباشرة
ببعض التعابير نظير : قال الصادق (عليه السلام)، وقال الباقر
(عليه السلام) .
وعلى الرغم من ان الشيخ محمد تقي المجلسي الاول - والد
العلامة المجلسي - قد جمع في روضة المتقين اسناد كثير من
هذه المراسيل من الكافي والتهذيب لكنه لم يعثر على اسانيد
قسم من مراسيل الصدوق، وهذه المراسيل في الوقت الذي
تتضمن متونا جيدة غير انها مبتلاة بمشكلة سندية، وهذه تعد
احدى المعضلات لدى الفقهاء ؛لان سند كثير من الاحكام
الفقهية منحصر بهذا القسم .
وبحسب رؤية السيد الامام (قدس سره) ان مراسيل الصدوق
على قسمين :
الف - مقطوعات، اي المراسيل التي تبدا بعبارة (قال الصادق
(عليه السلام)) و (قال الباقر (عليه السلام)) و(قال علي
(عليه السلام))، وينسبها الصدوق الى المعصوم على نحو
الجزم .
ب - مراسيل تبدا بتعبير (نقل) و (روي) وامثال ذلك .
وبحسب وجهة نظر الامام (قدس سره) ان مقطوعات الصدوق
حجة، كما هو الحال بالنسبة الى مراسيل ابن ابي عمير التي
عدت حجة بالاجماع واعتبرت كالمسانيد، بل انه اعتبر ان رد
مقطوعات الصدوق التي نسب فيها امراالى المعصوم مباشرة
جراة على المولى، بخلاف القسم الثاني من المراسيل فانها
فاقدة للحجية .
وعلى هذا الاساس قال - فيما يتعلق برواية «اللهم ارحم خلفائي» والتي هي احدى مراسيل الصدوق :
«فهي رواية معتمدة
لكثرة طرقها، بل لو كانت مرسلة لكانت من مراسيل الصدوق
التي لا تقصر عن مراسيل ابن ابي عمير ؛فان مرسلات الصدوق
على قسمين : احدهما ما ارسل ونسب الى المعصوم
(عليه السلام) بنحوالجزم . . . والقسم الاول من المراسيل المعتمدة المقبولة»
((573)) .
شبهة :
ثم انه (قدس سره) طرح شبهة، وهي انه من المحتمل ان
يكون الصدوق كالشيخ المفيد - في المقنعة وغيره- قد احرز ما
ينسبه الى الامام (عليه السلام) من امور على اساس اجتهاده
والضوابط الخاصة به ؛ولكون ذلك مسلما عنده طبقا لتلك
الضوابط فنراه يقول : قال الامام الصادق (عليه السلام) : كذا، اذن فكيف نعتبر المراسيل التي ذكرها المفيد بنحو القطع
ناشئة من اجتهاده فاقدة للحجية في حين نعد مراسيل
الصدوق حجة ؟ ! !
مناقشة الشبهة :
وقد تصدى للاجابة على الشبهة بان هناك تفاوتا بين مراسيل
الصدوق والمفيد وهو اننا قد احرزنا عمل الشيخ المفيد بنظره
واجتهاده، لذا فان حدسياته ومظنوناته لها مدخلية في تصحيح
الرواية
((574))، بخلاف الصدوق الذي لم يكن من اهل
الاجتهاد بالمعنى المصطلح، ولم يصحح الروايات على اساس
الحدس والظن، بل كان يعمل على اساس القرائن الحسية
والحجج النقلية، ولهذا قال (قدس سره) : «وكيف كان رد تلك
المرسلات جراة على المولى»
((575)) .
5 - فقه الرضا (صحيفة الرضا (عليه السلام)) :
وان كان هذا الكتاب منسوبا الى الامام الرضا (عليه السلام) الا
انه قد بحث الفقهاء عن المؤلف الواقعي له وطرحوا احتمالات
كثيرة . ويعتقد البعض كالمجلسي ان هذا الكتاب هو رسالة قد
الفها والد الصدوق لابنه في احكام الشريعة ؛لان مضمونها
متطابق مع الرسالة المزبورة، وكثير من المضامين التي ينقلها
الصدوق عن رسالة ابيه نجدها نفسها في فقه الرضا (قدس
سره) .
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
انه قد صرح في موارد بعدم اعتبار كتاب فقه الرضا
(عليه السلام)، ولا يرى صحة نسبته الى الامام الرضا
(عليه السلام)، قال (قدس سره) : «والمظنون كون هذا الكتاب
من تصنيف احد العلماء المطلعين على الاحاديث، وقد جمع بين شتات الاخبار باجتهاده
وروى مضمونها، كما يظهر للمتدبر فيه»
((576)) .
ومن الضروري توضيح امر وهو ان الامام (قدس سره) قد بين
بشان كتاب فقه الرضا تفصيلا مغايرا للتفصيل في مراسيل
الصدوق، اي يعتبر الموارد التي وردت بعبارة (روي) انها
رواية ويرى انه لابد من التعامل معهامعاملة الرواية وان كانت
مرسلة ضعيفة، اما سائر الموارد فهي فتاوى واجتهادات
المؤلف
((577)) .
6 - تفسير العياشي :
هذا الكتاب من تاليف ابي عمرو محمد بن مسعود العياشي
الذي كان استاذ الكشي، وهذان العلمان كانا من اركان الحوزة
الشيعية فيما وراءالنهر
((578))
. وكثير من الكتب والعلوم السائدة في تلك المناطق قد تلف ولم يصل منها شيء الى
حوزة العراق وقم بسبب عدم الارتباط بين هذه المنطقة ومركز
التشيع في العراق .
والكتب الواصلة ايضا مبتلاة ببعض المشاكل، فمثلا رجال
الكشي الموجود اليوم بين ايدينا في الحقيقة هوانتخاب من
رجاله قد تم على يد الشيخ الطوسي، وليس لنا اي اطلاع على
النص الاصلي لكتاب الكشي وكيف تم ذلك الانتخاب .
ثم ان تفسير العياشي يشتمل على تفسير كامل للقرآن باسلوب
سلس، وجميع رواياته كانت مسندة، علما بان رجال اسانيده
كانوا من رجال ما وراء النهر، وهذا ما يختلف عن رجال رواياتنا
الذين اغلبهم من الكوفيين اوالبصريين، بيد ان الموجود بين
ايدينا فعلا مجلدان من هذا التفسير والى سورة المائدة، وبعض
اسماء رجال السند قد حذفوا، وبالتالي اصبح الكتاب مرسلا . في
الوقت الذي يكون فيه هذا التفسير - سيما آيات الاحكام كية
الزكاة وغيرها - موضع حاجة الفقهاء، ومن الجدير بالذكر ان هذا
الكتاب كان معتمدا من قبل الشيخ الحرالعاملي، وهو احد
مصادر كتابه وسائل الشيعة .
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
قال (قدس سره) : «فان العياشي وان كان ثقة . . . لكن ليس لنا
طريق صحيح الى تفسيره، ومعروفيته بحيث تغنينا عن السند
غير ظاهرة، ولم يذكر صاحب الوسائل طريقه اليه، الا ان يدعى
الاطمئنان والوثوق بكون ماعن تفسيره منه، والعلم عند اللّه»
.
((579))
7 - تحف العقول في اخبار آل الرسول :
مؤلفه ابن شعبة الحراني الذي كان معاصرا للصدوق، وفقد
الكتاب بعدزمان الشيخ الطوسي ولم يعثر عليه الا في زمان
العلامة المجلسي، واغلب رواياته مرسلة، واكتفي فيها
بذكرراويين او ثلاثة لا اكثر، وسنده ليس كاملا، فهل هذا
الكتاب يكون حجة ؟
وان كان عدم قبول رواياته بسبب الارسال هو مقتضى القاعدة
لكن بسبب موافقتها للنقل والاعتبار قد قبلهابعض العلماء
ومنهم صاحب الوسائل .
والموافقة مع النقل يقصد بها موافقة مضمون رواياته مع
روايات صحيحة في كتب الشيعة المعتبرة، والموافقة للاعتبار
بمعنى انطباقها مع الموازين العقلية والعقلائية المقبولة لدى
الشيعة .
وعلى هذا الاساس قد قبل الامام (قدس سره) هذا الكتاب وقال
: «وهي رواية تحف العقول - وان كانت مرسلة ،لكن اعتمد على الكتاب صاحب الوسائل (قدس
سره)، ومتنها موافق للاعتبار والعقل»
((580)) .
8 - المقنع للشيخ الصدوق :
ان فقه الشيعة في اول مرحلة لتدوينه كان على شكل نصوص، وهذه الطريقة متعارفة في كتب القدماء، اي ينقلون نص الرواية
المطابقة لفتاواهم مع حذف السند، ويمكن عد المقنع
والهداية بالخير للصدوق من هذه المجموعة .
وكذلك الشيخ الطوسي فانه كتب كتابه النهاية وفق هذا
المسلك، ولكن لتعرض الشيعة الى الطعن من قبل اهل السنة
بدعوى خلو كتب الشيعة عن الفروع والاجتهاد واقتصارهم
على نقل نصوص الروايات انبرى لتدوين كتابه المبسوط
بطريقة اجتهادية .
الا ان المقنع للصدوق يعتبر من تلك النصوص التي هي من
الدرجة الاولى، وقد ذكر في مقدمته : «اني صنفت كتابي هذا، وسميته كتاب (المقنع) لقنوع من يقراه بما فيه، وحذفت
الاسناد منه لئلا يثقل حمله ولا يصعب حفظه ولا يمل قارؤه ؛اذ كان ما ابينه فيه في الكتب الاصولية موجودا مبينا على
المشايخ العلماء الفقهاءالثقات (رحمهم اللّه)»
((581)) .
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
لقد ناقش في سند المقنع وطرح بشان كلام الصدوق الاخير
في المقدمة احتمالين، فقال :
«احدهما : انه بصدد الشهادة على موجودية ما في المقنع في
الكتب الاصولية، فتكون شهادة على وجدانه فيها، وانما ذكرت
الاسناد فيما ذكرت لا لاثبات الكتب، بل لاغراض اخر كحفظ
السلسلة ورجال الاسانيدكالاسناد الموجودة في عصرنا الى
الكتب الاربعة، وبصدد شهادة اخرى، وهي توثيق صاحب
الاصول، وعلى هذا يكون ما فيه بمنزلة رواية صحيحة لو قلنا
بقبول توثيق عدل واحد في رجال السند .
وثانيهما : ان يكون بصدد بيان وثاقة طرقه الى الاصول، لا
توثيق اصحابها بان يكون قوله : «مبينا» حالا ،فيكون مراده ان
وجودها في الكتب معلوم مبين بوسيلة المشايخ الثقات .
ولعل هذا الاحتمال اقرب ؛لبعد امتياز المقنع عن سائر كتبه، سيما مثل
(من لا يحضره الفقيه)»
((582)) .
وبعض صحح كتاب المقنع من طريق آخر، وهو ان الصدوق قد
صرح باني اصحح كل ما صححه استاذي ابن الوليد .
لكن المناقشة الواردة على ذلك هي ان ما تضمنه المقنع لا
يمكن ان يكون نفس ما صححه استاذه، ولا يمكن قبول روايات
المقنع لمحض تصحيح استاذه لمضامينها ولو مع حذف
اسانيدها ؛لان ابن الوليد وان كان رجاليامعتمدا ونظرياته
وآراؤه موجودة في الكتب المعتبرة غير انه لا يمكن الاعتماد
على تصحيحه، اي نفترض الصدوق كناقل وواسطة بيننا وبين
ابن الوليد ؛اذ ان روايات ابن الوليد على دقته مشتملة على
الضعاف، فلوقبلنا الصدوق كواسطة فلا يمكننا القبول
بتصحيحات ابن الوليد
((583)) .
9 - مستدرك الوسائل :
وهو من تاليف الميرزا حسين النوري الطبرسي، وكتابه الاخر
هو (فصل الخطاب في تحريف الكتاب) المبني على مسلك
الاخباريين القائلين بتحريف القرآن من جهة النقيصة فيه، فانهم يعتقدون بان اسم اميرالمؤمنين (عليه السلام) وبعض
آخر قد حذف .
وقد استند في هذا الصعيد الى روايات وان كان الكافي قد
تمسك ببعضها، ولكن كتاب فصل الخطاب مملوءبالروايات
الضعيفة والمعرض عنها من قبل الاصحاب ؛لذا فلم يقبل هذا
الكتاب احد .
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
بمناسبة التعرض لمسالة تحريف القرآن ضمن البحث عن
حجية ظواهر الكتاب قال (قدس سره) معترضا على فصل
الخطاب ثم عرج على المستدرك وغيره من كتبه : «انه لو كان
الامر كما توهم صاحب فصل الخطاب الذي كان كتبه لا يفيد
علما ولا عملا، وانما هو ايراد روايات ضعاف اعرض عنها
الاصحاب، وتنزه عنها اولو الالباب من قدماء اصحابنا المحدثين
الثلاثة المتقدمين (رحمهم اللّه) .
هذا حال كتب روايته كالمستدرك، ولا تسال عن سائر كتبه
المشحونة بالقصص والحكايات الغريبة التي غالبهابالهزل اشبه
منه بالجد» ثم قال : «وهو (رحمه اللّه) شخص صالح متتبع، الا
ان اشتياقه لجمع الضعاف والغرائب والعجائب وما لا يقبلها
العقل السليم والراي المستقيم اكثر من الكلام النافع . . .»
.
((584))
الفصل الثاني : النظريات والمباني الرجالية للسيد الامام (قدس
سره)
مما يجدر ذكره انه ليس له تاليف مستقل في هذا الاطار لكن
من الممكن تلمس مبانيه ضمن بحوثه الاصولية واستخراجها .
ت مكانة علم الرجال :
اول نقطة تستحق الذكر في البحث حول مباني الامام (قدس
سره) هو السؤال عن مكانة واهمية علم الرجال بحسب نظره، وهل ثمة حاجة اليه او لا ؟ وما هي فائدته ؟
هناك نظرتان عامتان بين الاخباريين والاصوليين احدهما
ايجابية والاخرى سلبية، فبعض الاخباريين ينكرالحاجة الى
علم الرجال من الاساس، ويوجد بينهم من يقبل الحاجة الى
علم الرجال في بعض الحالات نظيرمسالة الترجيح .
وايضا يوجد بين الاصوليين من ينكر في الجملة الحاجة اليه
كالميرزا النائيني بالنسبة لروايات الكافي اوالمحقق العراقي
الذي ينكر الحاجة الى البحوث الرجالية .
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
الامام (قدس سره) يتبع الاتجاه الاصولي العام، حيث يعتبر ان
الاطلاع على علم الرجال في حدود القواعدوالضوابط الرجالية
من شروط الاجتهاد، وان كان ليس من الضروري استحضار
التوثيقات والتضعيفات الرجالية في الذهن، وانما يكفي مراجعة
الجوامع الرجالية في هذا النطاق . وايضا لا يرى ضرورة
معرفة الاصطلاحات نحو : تصنيف، كتاب، اصل، ونحوها .
فمثلا : يجب ان يعرف المجتهد ان عنوان اصحاب الاجماع الى
اي حد يدل على التوثيق لكن حفظ اسماء هؤلاء الافراد او الرواة
منهم ليس امرا لازما .
وبصورة عامة انه يرى علم الرجال من مقدمات الاجتهاد، ويعتقد بطلان الادعاء القائل بان اخبار الكتب الاربعة قطعية
الصدور - كما يتصور الاخباريون - وكذا دعوى صحة الكتب التي
شهد مصنفوها بصحتها وعدم حاجتها الى تحقيق رجالي
.
((585))
فان من اصحاب الكتب الاربعة من ادعى ان كل ما ينقل حجة
كما جاء في كلام الصدوق صريحا، وكذا يظهرمثل هذا الادعاء
من كلام الكليني، وايضا ادعى الشيخ الطوسي ان الاخبار التي
يكون بينها تعارض قابلة للعلاج او لا معارض لها تكون حجة، اجل ان كلام الشيخ الطوسي بحاجة الى بعض المقدمات
النظرية .
ويدعي الاخباريون ان هذه الروايات كانت لدى الشيعة من زمن
طويل ثم انتقلت الى الازمنة التالية، ومنذ بداية تاليف الكتب
الاربعة فقد صارت موضع عناية من قبل الاصحاب وتلقوها
بالقبول . ومن هنا تكون روايات الكتب الاربعة قطعية الصدور ؛فانهم يرون مع كون الصدور قطعيا وتواتر النسخ منذ تاليفها
وحتى اليوم فلا مجال للشبهة في رواتها كي نلاحق الاسانيد
وتوثيق رجالها ؛لان الغرض من التحقيق السندي هو تحصيل
الوثوق بصدور الحديث، وهو حاصل مع القطع بالصدور .
ت المباني الرجالية للامام (قدس سره) :
1 - الملاك في حجية الحديث :
بعد اثبات حجية خبر الواحد الثقة في علم الاصول عن طريق
الكتاب والسنة والاجماع او السيرة، وهو القول المشهور، لابد
من البحث عما هو المراد من خبر الثقة، فهل المقصود الخبر
الذي يكون ناقله ثقة والذي يعبرعنه بصدق المخبر ؟
او المقصود الخبر الذي لدينا وثوق بصدوره، اي كون الخبر
نفسه موثوقا ومعتمدا، ولا يشترط كون ناقله ثقة، بل لو كان
الناقل طفلا او فاسقا وحصل من خبره الاطمئنان لدى السامع
فسيكون الخبر موثوقا وحجة على الرغم من ان ناقله لم يكن
ثقة ؟
وبتعبير مختصر : هل الوثاقة وصف للمخبر او للخبر ؟
والنسبة بينهما نسبة العموم والخصوص من وجه، حيث
يجتمعان في الموارد التي يكون راوي الخبر ثقة وايضا تشهد
القرائن على صحة خبره، ويفترق الاول عن الثاني في الخبر
الذي يكون ناقله ثقة ولكن مضمونه لا يكون موثوقا ولا مطمئنا
به لبعض العلل، ككونه مخالفا للعقائد القطعية وللاصول
المسلمة في المذهب اومخالفا للتاريخ، ويفترق الثاني عن
الاول في الرواية التي يكون راويها ضعيفا وغير ثقة لكن القرائن
توجب الاطمئنان بصدور الخبر .
وهاتان النظريتان وان لم تطرحا في السابق بصورة مستقلة، ولكن اخذتا تبرزان في العصر الاخير شيئافشيئا، فمن
المتاخرين من لم يعتبر الملاك في حجية الخبر وثاقة الراوي، بل يعتبر الخبر الموثوق صدوره حجة، كالمحقق الهمداني
الذي اكد على هذه النظرية في مواضع متعددة من كتابه، وفي المقابل اصر البعض على نظرية وثاقة الراوي منهم آية اللّه
المحقق الخوئي .
دور علم الرجال في كلتا النظريتين :
لعلم الرجال دور اساس في نظرية وثاقة الراوي ؛لان طريق
تشخيص صدور الرواية وعدمها يتمثل :بالاستفادة من علم
الرجال لتصحيح او تضعيف سندها، لكن في نظرية الخبر
موثوق الصدور يكون قول الرجالي بصحة السند احدى القرائن
على الوثوق بصدور الخبر، ولا بد من ملاحظة قرائن اخرى
نظير القضايا التاريخية والكلامية وغيرها .
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
المفهوم من بعض تعابيره انه ينظر لنظرية وثاقة الراوي بعين
الريب، ولم ير الاكتفاء بوثاقة الراوي في حجية الرواية والعمل
بها، وقد افاد (قدس سره) قائلا : «فالقول بان مجرد وثاقة
الراوي يكفي في العمل بالرواية . . .لا ينبغي ان يصغى اليه»
.
((586))
وبمناسبة البحث السندي في الحديث النبوي : «على اليد ما
اخذت حتى تؤديه» قال : «ربما يحصل الوثوق بصدوره، ولعل بناء العقلاء على مثله مع
تلك الشواهد لا يقصر عن العمل بخبر الثقة»
((587)) .
هذا، وهناك بحثان مرتبطان بالبحث المتقدم مطروحان في
علم الاصول ولهما صلة ايضا بالبحث الرجالي ،احدهما بحث
جبران ضعف السند، والاخر رد الحديث باعراض المشهور .
الف - جبران ضعف السند :
موضوع البحث هو انه هل يمكن جبران ضعف سند رواية بحيث
تصبح حجة ويجوز التمسك بها ؟
والراي المعروف ان الرواية المجمع عليها تكون حجة رغم
ضعفها السندي .
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
انه يعتقد - وكثير من الفقهاء - بانه لو عمل المشهور بمفاد رواية
وافتوا على طبقها فهذه الشهرة الفتوائية والعملية توجب الوثوق
بصدورها وتجبر ضعف سندها ؛فبحسب رايه وراي اكثر
الاصوليين ان ملاك حجية الخبر هوسيرة العقلاء، ومفاد هذه
السيرة العمل بالخبر الموثوق بصدوره، وهذا البناء والسيرة
تقتضي ان نعتبرالخبر المجمع عليه موثوق الصدور وان كان
راويه ضعيفا .
ثم ان القائلين بهذه النظرية قد لاحظوا شرطين في هذه
الشهرة :
1 - كونها شهرة القدماء، ولا اثر لشهرة المتاخرين في جبران
ضعف السند بسبب دخالة الاجتهاد الحدسي ؛ولبيان هذا الامر
لابد من القول بان المتقدمين قد الفوا كتبهم الفقهية على
اساس نصوص روايات الائمة (عليهم السلام)
((588))، بحيث
انهم كانوا يحذفون السند واحيانا سؤال السائل ويجعلون جواب
الامام نفسه بعنوان انه فتواهم ونظرهم في المسالة المطلوبة، واصطلاحا يسمى الفقه المنصوص والروائي او الاصول المتلقاة، وبعد ذلك الحين اي في العصور المتاخرة اخذ علماء الشيعة
في تدوين كتبهم الفقهية على اساس الاجتهاد الحدسي، وصار
فقههم اجتهاديا وحدسيا وليس فقها منصوصا .
وبعد بيان ذلك نقول ان المؤثر في جبران ضعف السند هو
شهرة القدماء
((589))، اي ان تلك الرواية الضعيفة هي مستند
عمل وفتوى القدماء ؛لانهم وحدهم كانوا يفتون على اساس
الروايات، واما المتاخرون فلا يمكن احراز كون هذه الرواية
الضعيفة مستندا للعمل ؛اذ من المحتمل كون عملهم بسبب
جهة اخرى لم تصل الينااو لم تقع بايدينا
((590)) .
2 - كون مشهور القدماء في مقام الفتوى والعمل قد استندوا
لهذه الرواية الضعيفة السند، والا فالشهرة في النقل - الشهرة
الروائية - لا تفيد . وقد افاد الامام بهذا الصدد بما يلي : «ان نفس
اشتهار الحديث لا يفيد، بل الجابر هو الاستناد في مقام الفتوى»
((591)) .
ب - رد الحديث واعراض المشهور :
ان قسما من الروايات بالرغم من اشتمالها على سند صحيح قد
اعرض عنها قدماء الاصحاب ولم يعملوا بها، بل عملوا بخلاف
مفادها، فهل ان هذا الاعراض يوجب تضعيف الرواية ؟
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
انه يعتبر الاعراض موجبا لوهن وضعف الرواية حتى لو كان
سندها صحيحا، بل انه يرى كلما ازدادت درجة الصحة في
سندها فان اعراض الاصحاب سيزيد من شدة ضعف تلك الرواية، لكن اذا كان الاختلاف في احدرواتها
- بحيث ادى الى ان يعمل
بعض بالرواية وآخرون لم يعلموافسيقل حينها تاثير الاعراض
عن مثل هذه الرواية في ضعفها، بخلاف ما لو كان سندها في
غاية الاعتبار وكل رواتها ثقات، ومن هنا قال (قدس سره) :«كلما ازدادت صحة وكثرة
ازدادت ضعفا ووهنا»
((592)) ؛لان
الاعراض في حال كون سندها في منتهى الاعتباريدل على
وجود خلل في الرواية اثار حساسية الاصحاب بالنسبة اليها
وادى الى هجرها من قبلهم، وقد صرح الامام (قدس سره)
بذلك في قضية عروة البارقي، قال (قدس سره) : «مضافا الى
ان اعراض قدماء اصحابنا عنهااقوى شاهد على انها عليلة»
.
((593))
ومن المناسب ان نطرح السؤال التالي : ما هو الملاك الاساسي
لمبنى الامام (قدس سره) في الاعراض عن الحديث ؟
والجواب : ان المعيار هو بناء العقلاء، اي كما ان العقلاء يعملون
بالخبر الموثوق الصدور، فان الخبر الذي يكون رواته انفسهم
ومؤلفوا الكتب الحديثية متفقين على العمل بخلافه - اي ان
الشهرة العملية تكون على خلافه - ففي هذه الحالة يكون بناء
العقلاء على عدم اعتبار ذلك الخبر موثوق الصدور، ولا يحصل
اطمئنان عقلائي بمثل هذا الخبر ؛لان الشهرة العملية على
الخلاف واعراض المشهور عن الرواية يدلا ن على وجود
خلل فيها، من هنا فان اعراض المشهور يهدم بناء العقلاء، كما
لو نقل مخبر ثقة خبرا في مقابل العشرات من الناس الذين
ينفون خبره ولا يكترثون به، فمن الواضح في مثل هذه الموارد
لا يكون بناء العقلاءموجبا لحجية خبر الثقة بتاتا . وقد صرح
الامام (قدس سره) في بحث ملاك حجية خبر الواحد انه : «لا
شبهة في عدم بناء العقلاء على العمل بمثل الروايات التي اعرض
عنها الاصحاب مع كونها بمراى ومنظر منهم ،وكونهم
متعبدين على العمل بما وصل اليهم من طريق اهل البيت
(عليهم السلام)»
((594)) .
وفي نهاية هذا البحث ينبغي الاشارة الى نقطة وهي ان السيد
الامام (قدس سره) في بحوثه الاصولية قد طرح ان الاجماع
بمعناه الواقعي لا تحقق له في الخارج، والمراد من الاجماع
والمجمع عليه الوارد في الحديث المرتبة العالية من الشهرة، واصطلاح الشهرة ايضا يطلق على المرتبة الضعيفة من الشهرة .
فالمقصود من التعبيربالمجمع عليه في بحث جبران ضعف
السند هذه الشهرة وبحسب التعبير المذكور في الرواية : «خذ بما اشتهربين اصحابك»
((595)) .
لكن في بحث اعراض الاصحاب فالامر مختلف، اي اذا كان
الاعراض عن رواية مجمع عليها وكافة الاصحاب والشيعة قد
تركوا العمل بها فمثل هذه الرواية تكون فاقدة للحجية قطعا
ولو كان كل رواتها ثقات .
الا ان محل النزاع في بحث رد الرواية هو اعراض مشهور
الاصحاب لا جميعهم .
2 - جبران ضعف السند بكثرة الروايات المتحدة في المضمون :
يتفق احيانا ان بعض الروايات تكون متفاوتة فيما بينها لفظا
ولكنها متحدة مضمونا، فلو كان سند بعض هذه الاحاديث
صحيحا وبعضها الاخر غير صحيح فهل تكون كثرة الروايات
المتحدة مضمونا قادرة على جبران ضعف سند ذلك البعض
الاخر او لا ؟
فمثلا : مفاد قاعدة (لا ضرر) قد ورد ضمن قصة سمرة بن
جندب في روايات مختلفة بعضها صحيح سنداكصحيحة زرارة
التي هي اتم الروايات الصحيحة المتعلقة بهذه القاعدة، وقد
نقلت هذه القاعدة في مرسلة محمد بن مسلم بعبارات جامعة
وبيان خصوصيات زائدة، ولكن هذه الرواية من الزواية الرجالية
فاقدة للحجية .
فهل يمكن حل معضلة مثل هذه الرواية عن طريق التواتر
المضموني ؟ وهل يمكن من خلال وحدة المضامين تحصيل
الاطمئنان بان هذه الرواية المخدوشة السند صادرة من
المعصوم ايضا ؟
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
يرى الامام ان كثرة الروايات في موضوع واحد او بمضمون
واحد من جملة القرائن المفيدة للوثوق بصدورالخبر، اي
بالامكان الاستشهاد بالمضمون المتحد لهذه الاخبار للاستعانة
بها على اثبات حجية الرواية الضعيفة سندا المتحدة مضمونا
معها، وعلى اساس هذا المبنى قد تمسك (قدس سره) بمرسلة
محمد بن مسلم، ويعتبران المستند في تلك الروايات
الصحيحة الموافقة لمضمونها .
ومن جملة الشواهد في كلامه على هذا المبنى وجدان بعض
التعابير في بحث قبول الولاية من قبل الجائرقال (قدس سره) :
«وتظافرها وكثرتها اغنانا عن النظر الى الاسناد
والمصادر ؛للوثوق والاطمئنان بصدورجملة منها»
((596)) .
3 - الاستفادة من القرائن في جبران ضعف السند :
ومن مبانيه (قدس سره) في الحديث الاستفادة من مجموع
القرائن في اثبات حجية الروايات الضعيفة، فرب رواية فيها
مشكلة سندية، ولا يمكن اثبات حجيتها بالقواعد الرجالية الا
ان مجموع القرائن الجانبية والخارجية شاهدة على صدق الرواية
ومفيدة للاطمئنان بصدورها، فمثلا رواية «على اليد ما اخذت
حتى تؤدي» هي رواية لم ترد من طرقنا وتعتبر بنظر الشيعة
مرسلة، ولم تر لها سابقة في جوامع الحديث الشيعية ولو انها
مذكورة في الجوامع الفقهية، بل ليس لها سندا معتدا به حتى
لدى اهل السنة انفسهم، واول مصدر لها هو (مسنداحمد) .
ولكن فقهاء الشيعة يرون حجيتها، فنجد ان ابن ادريس على
الرغم من كونه لا يرى حجية خبر الواحد الثقة ويعد العمل به
ليس جائزا لدى الشيعة وكان مخالفا للشيخ الطوسي في العمل
بخبر الواحد، قد عمل بهذا الخبرواستند اليه . وعمله هذا حاك
عن هذه الحقيقة وهي انه احرز صدور هذه الرواية وصدقها
بسبب وجود القرائن والشواهد .
اذن فتكون هذه الرواية حجة . ولو انها وردت من طريق
الجمهور .
مضافا الى ان هذه الرواية عليها شهرة فتوائية، وقد عمل بها
فقهاء الشيعة ومحققوهم، والافتاء بمضمونها قدوصل حد
التواتر .
وخلاصة رؤية الامام (قدس سره) حول هذا الحديث ان : «ترك
العمل به مع جزم ابن ادريس بصدوره عن رسول اللّه (صلى اللّه
عليه و آله) مع طريقته في العمل بالاخبار . . . وتظافره واعتماد
محققي اصحابنا من بعد ابن ادريس الى عصرنا مع تورعهم
والتفاتهم الى ضعفه ولابد من الجبر في مثله، وهو لا يمكن الا
باعتماد قدماءالاصحاب عليه، ولعله شهادة منهم على اتكال
الاصحاب عليه - مشكل آخر .
ولعل من مجموع ذلك ومن اشتهاره بين العامة قديما على ما
يظهر من علم الهدى (رحمه اللّه) ومن اتقان متنه وفصاحته بما
يورث قوة الاحتمال بانه من كلمات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و
آله) لا سمرة بن جندب واشباهه ،ربما يحصل الوثوق بصدوره .
ولعل بناء العقلاء على مثله مع تلك الشواهد لا يقصر
عن العمل بخبرالثقة»
((597)) .
والقرائن التي اقامها على الوثوق بهذا الخبر بشكل مفهرس هي
كالتالي :
1 - عمل ابن ادريس وجزمه بصدور الخبر عن النبي (صلى اللّه
عليه و آله) مع ملاحظة مبناه من عدم حجية خبر الواحد .
2 - كثرة وتعدد النقل للحديث المذكور .
3 - ان المحققين الذين جاؤوا بعد ابن ادريس قد عملوا كافة
بهذه الرواية مع تقواهم وورعهم المتميز ومع التفاتهم الى
ضعف السند، اي ان الرواية عليها شهرة فتوائية .
4 - يستفاد من كلمات السيد المرتضى ان الرواية عليها شهرة
روائية عند الجمهور .
5 - احكام متنها وفصاحة بيانها .
ان مجموع هذه القرائن المذكورة بحسب نظره (قدس سره)
تقوي احتمال كون الحديث المزبور من احاديث الرسول
(صلى اللّه عليه و آله) لا من مختلقات سمرة بن جندب
((598))، وتوجب الوثوق بصدور الخبر، مضافاالى ان بناء
العقلاء على حجية مثل هذا الخبر لا يقل عن بنائهم على حجية
خبر الثقة .
وفي ضوء هذا المبنى فانه (قدس سره) يرى حجية الرواية التي
نقلها علي بن ابي حمزة البطائني
((599)) :«الفقهاء حصون
الاسلام» ؛اذ ان القرائن تشهد على صدق مضمونها وان كان
البطائني لكونه رئيس مذهب الواقفية ولم يكن يذعن بامامة
الامام الرضا (عليه السلام) قد ضعفه الرجاليون .
وباعتبار ان ضعفه بسبب فساد مذهبه فيمكن ان نفصل في
رواياته فنقول : ان الروايات التي نقلها قبل فسادمذهبه تكون
حجة ؛لانها منقولة في زمان اعترافه بامامة الامام الكاظم
(عليه السلام)، وهذه الطائفة من رواياته لا علاقة لها بالروايات
المنقولة بعد فساد مذهبه .
مضافا الى ان رواياته الخارجة عن الموضوعات المرتبطة
بالامور المذهبية - كالروايات الواردة في موضوع الطهارة
والنجاسة - لا يحدث فساد مذهبه خللا في حجيتها . وعلى اية
حال فلو احرز ان نقل الرواية كان قبل وقف البطائني فيمكن
العمل بها حينئذ .
4 - التوثيقات العامة :
ان الطرق التي يسلكها الرجاليون لتوثيق جماعة بشكل عام
يقال لها التوثيقات العامة، حيث يتم فيها توثيق مجموعة دفعة، ومما يجدر ذكره ان بعض الاوصاف والعناوين الاخرى وان
كانت امارة على الوثاقة ولعل هاتصدق على عدة افراد لكن لا
يمكن عدها من جملة التوثيقات العامة ؛لان مثل هذه
الامارات لا يتم بها توثيق جماعة دفعة، بل ان هذه الاوصاف
امارات توجب احراز الوثاقة عند ضمها الى امور اخرى، كما لو
فرض كون الشخص صاحب اصل فحينئذ يعتبر امارة على
الوثاقة .
ت دور التوثيقات العامة :
ان هذه التوثيقات لها دور اساسي وركني في اسناد الروايات ولا
تزال كذلك حتى عصرنا الحاضر، وقد مرت بعدة مقاطع
وانعطافات وصارت منشا لاختلاف الفتاوى، بخلاف التوثيقات
الخاصة التي ليس لها ذلك التاثير ،وسنتناول الان التوثيقات
العامة وموقف الامام (قدس سره) تجاهها .
اولا - اصحاب الاجماع :
من اشهر مصاديق التوثيقات العامة اصحاب الاجماع، وهم
ثلاثة مجاميع سداسية من الرواة واصحاب المعصومين
(عليهم السلام)، وقد ادعى الكشي في رجاله الاجماع عليهم، اي من وصفوا باصحاب الاجماع هم من افقه الاصحاب، ولكن
دلالة هذا الاجماع صارت محلا للبحث :
الف - من هم اصحاب الاجماع
المجموعة الاولى - الستة الاولى - الذين ادركوا الامامين الباقر
والصادق (عليهاالسلام) وكانوا من اصحابهما ،وذكرهم السيد
البروجردي بانهم كبار اصحاب الامام الصادق (عليه السلام) .
ويقول الكشي بهذا الشان : «اجمعت العصابة على تصديق هؤلاء
الاولين من اصحاب ابي جعفر وابي عبداللّه (عليهاالسلام)»
.
((600))
المجموعة الثانية - الستة الثانية - الاصحاب الذين ادركوا الامام
الصادق (عليه السلام) فقط، وقد عبر عنهم الكشي بتعبير يختلف عن المجموعة الاولى بعض
الشيء حيث قال : «اجمعت
العصابة على تصحيح ما يصح من هؤلاء وتصديقهم»
((601)) .
المجموعة الثالثة
((602)) - الستة الثالثة
- وهم الذين ادركوا
اواخر عهد الامام الصادق (عليه السلام) وبعضهم بقي حيا حتى
زمان الامام الرضا (عليه السلام)، وقال الكشي بشانهم : «اجمع
اصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم واقروا لهم بالفقه والعلم»
((603)) .
ب - تحديد متعلق الاجماع :
ان متعلق الاجماع في عبارة الكشي هو «تصحيح ما يصح»، ومعرفة هذا المتعلق منوطة بتشخيص معنى
«ما» الموصولة
في هذه الجملة . وقد طرح في بيان معنى (ما) الموصولة
احتمالان :
احدهما : انها بمعنى الحكاية والنقل . والاخر : انها بمعنى
الرواية ذاتها .
فعلى الاحتمال الاول يكون معنى العبارة هو : ان اجماع
الاصحاب منعقد على تصحيح ما ينقله هؤلاء (المجاميع الثلاثة)، فكل ما ينقلونه عن غيرهم من الرواة فقد سمعوه منهم قطعا، ولم يكذبوا في هذا النقل .
واما بناء على الاحتمال الثاني يكون معنى العبارة هو : ان
الاجماع منعقد على كون متن الحديث الذي ينقله هؤلاء
صحيحا وصادرا عن المعصوم، وليس المراد ان نقلهم صحيح، بل معنى التصحيح هو : ان كل ما وقع احد هؤلاء في سند فان ما
ينقله هو رواية صدرت من المعصوم .
والسؤال المطروح ما هو متعلق الاجماع ؟
وقد اورد اشكال عام على كلا الاحتمالين، وهو ان قبول كلام
الثقة ليس امرا جديدا حتى يجمع الاصحاب عليه، فان اخبار
هؤلاء بعنوان انهم ثقات يكون حجة شانهم شان اي ثقة آخر .
وعليه فان افراد هذه الجماعة - اصحاب الاجماع - عن غيرهم من
الثقات من دون ان يكون هناك اية خصوصية فيهم كلام ركيك، سواء كانت (ما) الموصولة بمعنى النقل او بمعنى صدور
النص واصل الرواية .
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
لقد اعتبر (قدس سره) دعوى الركاكة في توثيق اصحاب
الاجماع باطلة، وقد رد چهذا الاشكال بدليلين:
|
|---|