الدليل الاول
:ان خصوصية هؤلاء العدة- المجاميع الثلاثة- دون
سائر الثقات هو ان كون الكل مجمع ومتفق على وثاقتهم في
حين ان سائر الثقات حتى وان كانت لهم جهات اشتراك مع
اصحاب الاجماع الا انه لم يتفق على توثيقهم، بل اختلف
الرجاليون بشانهم، فبعضهم موثق وبعضهم عد غير ثقة
وبعضهم مسكوت عنه .
الدليل الثاني :لو فرض التسليم بدعوى الركاكة فان الكشي
بقوله :«اجمعت العصابة» قد ادعى الاجماع صريحااو بظهور
قوي، ولا داعي لصرف دعوى الاجماع عن ظاهرها، لذا فان
لتعبيره ظهورا قطعيا في الاجماع .
ومن هنا فلا يصح الاشكال بان (م) الموصولة على اي من
الاحتمالين توجب الركاكة، فهذا الاشكال لا يحدث اي خلل في
الاجماع على تصحيح هؤلاء العدة .
ح- حدود دلالة الاجماع :
وهنا طرحت ثلاث نظريات :
1- صحة الرواية، اي ان هذا الاجماع يدل على ان الاشخاص
المذكورين في سند اية رواية وقعوا فهذه الرواية صحيحة مطلقا
.
2- توثيق الاشخاص، اي ان الاجماع يدل على توثيق هؤلاء
الاشخاص انفسهم .
3- توثيق الاشخاص والمشايخ، اي ان اجماع العصابة يدل على
وثاقة هؤلاء الاشخاص- اصحاب الاجماع- ومشايخهم، ولا دلالة
فيه على توثيق تلامذة اصحاب الاجماع
((604)) .
فان مدلول العبارة وظاهر الالفاظ هو ان المتحدث يتحدث عن
اصحاب الاجماع انفسهم لا غير، ويشهد بان هذه العدة افقه
واكثر اعتمادا بالقياس الى سائر الاصحاب، فلو صحت رواية من
غير هؤلاء العدة فتصح من ناحيتهم، ووجودهم لا يضعف الرواية
بل يقوي صحتها .
اجل، ان السيد الامام (قدس سره) لم يرتض نظرية توثيق هؤلاء
الاشخاص انفسهم، لكن نرى عند التحليل انه قد تردد، وبالنسبة لمشايخهم افاد بان رواية هؤلاء العد ة- اصحاب
الاجماع- عن شخص يمكن ان يكون شاهدا على حسنه، اي ان
مقتضى التعبير هو ان هؤلاء العدة في انفسهم ثقات وفقهاء، ولا
تعرض بالنسبة للاخرين بشيء .
د- مدى اعتبار هذا الاجماع :
في مدى اعتبار الاجماع الذي ادعاه الكشي يطرح السؤال
التالي :ما هومستند هذا الاجماع ؟ وفي هذا الصدد قد طرح
احتمالان :
1- ان المجمعين قد وجدوا بعد التحقيق والبحث في جميع
روايات اصحاب الاجماع ومشايخهم الى المعصوم ان هؤلاء ثقات، ووجدوا قرائن على صدور روايات هؤلاء العدة، فمثلا راوا ان
كل ما ينقله زرارة او محمد بن مسلم فثمة قرينة على صدوره .
2- ان المجمعين قد تتبعوا احوال شيوخ الرواية لاصحاب
الاجماع- وانهم كانوا ثقات او لا- ولم يبحثوا في سائر القرائن .
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
ان التتبع المذكور في الاحتمال الاول ليس ممكنا عادة، لان
من بين هذه العدة محمد بن مسلم فانه وحده قدسمع عن
الامام الباقر (عليه السلام) وستة عشر الف حديث عن الامام
الصادق (عليه السلام) كما صرح هوبذلك، ومثل هذا العدد من
الروايات عن زرارة، وهكذا سائر الرواة من اصحاب الاجماع، فربما يبلغ مجموع هذه الاحاديث مئات الالاف من الروايات، ولا يمكن تفحصها واحدة واحدة . هذا، مضافا الى ان العثور
على قرينة معتبرة على صدور كل رواية من هذه الروايات امر
غير ممكن .
وام ا الاحتمال الثاني فانه وان كانت دائرة الفحص من قبل
المجمعين اضيق ولكن هذا المقدار ايضا ليس ممكنا، لان
مشايخ هذه العدة- اصحاب الاجماع كانوا متعددين ومتفرقين
في مدن مختلفة وبالالتفات الى ان الروايات في ذلك الزمان لم
تكن مدونة فكيف استطاع المجمعون ان يجدوا شيوخ كل راو
في كل رواية ويشخ صواوثاقتهم مع تعددهم .
الى هنا اتضح البحث في متعلق الاجماع وحدوده، وتبين ايضا
ان ليس للمجمعين مستند صحيح لاجماعهم، مضافا الى
وجود شواهد على عدم صحة مدعى الكشي، منها :
1- لم يدع مثل هذا الاجماع احد من الرجاليين المعاصرين
للكشي او القريبين لعصره او الرجاليين المتقدمين عليه، ولم
ترد الاشارة الى ذلك في اي كتاب عدا كتاب (اختيار معرفة
الرجال) الذي هو مختصر من رجال الكشي وقد لخصه الشيخ
الطوسي، ومن الواضح ان الشيخ الطوسي لم يضف الى محتوى
الكتاب شيئا، وانماقام بتلخيصه فقط، لذا فان مجرد ايراد
الشيخ الطوسي لهذا الاجماع في تلخيص رجال الكشي لا يدل
على موافقته للكشي وقبوله للاجماع الذي ادعاه، اجل اذا كان
الشيخ الطوسي قد ذكر كتاب الكشي في الفهرست اوالرجال او
في اصوله، ففي هذه الحالة يمكننا اعتباره قابلا لهذا الاجماع
وموافقا للكشي، اضف الى ذلك ان رجال الكشي كان مليئا
بالاغلاط وقد قام الشيخ بتقليلها لكن لم ترتفع منه بالكامل .
وعليه فان الاجماع المنحصر بشخص واحد وكتاب واحد لا
يمكن احرازه .
2- لو سلمنا دعوى الكشي في نقل الاجماع نظرا لجلالة قدره
فسنواجه الحقيقة التالية، وهي ان بعض الرجال من اصحاب
الاجماع قد ضعفوا في كتب الرجال :
(1)- فابان بن عثمان قد ضعفه كل من المحقق الحلي والفاضل
المقداد والشهيد الثاني .
(2)- وعبداللّه بن بكير الذي كان فطحيا قد ضعفه العلماء
المذكورون وابن طاووس .
(3)- وقد ذهب القميون الى تضعيف يونس بن عبدالرحمن .
(4)- وقد شكك ابن طاووس في صحة روايات جميل بن دراج .
اذن فعدم قبول اصحاب الاجماع من قبل هؤلاء الرجاليين
بدوره يكون شاهدا واضحا ضد دعوى الكشي، هذا بالاضافة الى
ان بعض الاعاظم قد اخذ على الكشي نقطة ضعف ،وهي كونه
يروي عن الضعفاء . ويبدو ان الكشي قد تساهل في دعوى
الاجماع، ولذا فان اعتبار الاجماع المذكور يكون مخدوشا بنظر
السيد الامام (قدس سره)
((605)) .
ثانيا- مشايخ الثقات :
ان احد التوثيقات العامة هو ما ادعي من ان هناك ثلاثة اشخاص
من الرواة طريقتهم عدم النقل عن غير الثقة ،فانهم لا يروون
ولا يرسلون الا عن ثقة، اي ان كل من ينقلون عنه- المعبر عنه
بالشيخ- هو ثقة .
وهذا القانون وهذه القاعدة قد اشتهرت بين المتاخرين، ولم
يرد لذلك ذكر قبلهم، وبناء على هذا المبنى يدخل عدد كبير
من الرواة ضمن الثقات .
وهؤلاء الثلاثة هم عبارة عن : محمد بن ابي عمير، وصفوان بن
يحيى، واحمد بن محمد بن ابي نصرالبزنط ي .
قال الشيخ الطوسي في (العدة) في بحث خبر الواحد :«واذا
كان احد الراويين مسندا والاخر مرسلا، نظر في حال المرسل، فان كان ممن يعلم انه لا يرسل الا عن ثقة موثوق به فلا ترجيح
لخبر غيره على خبره، ولاجل ذلك سوت الطائفة بين ما يرويه
محمد بن ابي عمير وصفوان بن يحيى واحمد بن محمد بن
ابي نصرالبزنط ي . . .»
((606))، ومراده ان هؤلاء الثلاثة ما لم
يحرزوا وثاقة الشيخ لا ينقلون عنه حديثا .
وصارت هذه القاعدة بعد الشيخ محلا للبحث والنقوض الكثيرة، وعلى اساس التتبع الذي اجري قد عثروا على سبعين موردا
للنقض حيث نقل هؤلاء الثلاثة احاديث عن اشخاص لم يكونوا
ثقات، وقد ضعفوا من قبل الرجاليين لكونهم من العامة او لغير
ذلك من الاسباب، مثل يونس بن ظبيان . وعلى هذاالاساس
يرى الكثير بما يقرب من الشهرة ان هؤلاء الثلاثة لا امتياز لهم، بل هم كسائر الرواة .
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
انه (قدس سره) قد اكد وصرح بالامرين المتقدمين، لكنه يرى
حجية روايات محمد ابن ابي عمير، وليست هذه الحجية- كما
يقول الاخرون- بسبب ضياع كتبه ونسيان الاسانيد، بل لانه
مضافا الى الاجماع الذي ادعاه الشيخ الطوسي قد اذعن
النجاشي ايضا لهذا الاجماع، ولهذا فان النجاشي بعد نقله
لقضية كتب ابن ابي عميرقال :«فحدث عن حفظه ومما سلف
في ايدي الناس، فلهذا اصحابنا يسكنون الى مراسيله»
.
((607))
وقال الامام (قدس سره) بشان مراسيل ابن ابي عمير ان :«صرف ضياع الكتب ليس موجبا لعملهم على مراسيله لو كان
السكون بمعنى العمل والاعتماد وفيه كلام، بل لابد من
علمهم او ثقتهم بانه لا يرسل الا عن ثقة، وهو يدل على ان
مرسلاته فقط مورد اعتماد اصحابنا دون غيره، بل المتيقن
منها ما اذا اسقط الواسطة ورفع الحديث الى الامام
(عليه السلام)، لا ما ذكره بلفظ مبهم كرجل او بعض اصحابنا»
.
((608))
والحاصل :ان السيد الامام (قدس سره) لا يرى حجية مراسيل
صفوان بن يحيى واحمد بن محمد بن ابي نصرالبزنط ي،
لوجود موارد النقض الكثيرة ووجود مشايخ غير ثقات، لكنه في
الوقت الذي يرى ان محمد بن ابي عمير من الذين اعتبره الاصحاب ناقلا عن الثقات فانه
في موارد متعددة يشكك في مراسيل محمد بن ابي عميرويعد ذلك دالا على الحسن لا
الوثاقة قال :«مجرد نقل ابن ابي عمير كتابا لا يدل على صحته»
((609)) .
ثالثا- شيوخ الاجازة :
ادعى البعض بان كل من كان شيخ اجازة لا يحتاج الى توثيق
الاخرين ،فجميع شيوخ الاجازة ثقات . والمراد من شيوخ
الاجازة الاساتذة المحدثون من كبار الشيعة الذين كانوا
في الطبقة المتقدمة، نظير اساتذة الشيخ الطوسي المذكورين
في مشيخة التهذيب او اساتذة الشيخ الصدوق الذين باجازتهم
نقل عنهم تلك الكتب، وقد ذكرت اسماؤهم في مشيخة
الفقيه
((610)) .
وترتب ثمرات مهمة على هذا البحث، من قبيل ان من يرى ان
شيخوخة الاجازة امارة على التوثيق لا حاجة له لمراجعة
مشيخة التهذيب والاستبصار، ويعتبر ان المقدار من السند
الوارد في التهذيب او الاستبصار يكون كافيا .
وفي المقابل هناك من لا يعتبر شيخوخة الاجازة امارة على
التوثيق، فمضافا الى مراجعة المذكور من السنديجب ملاحظة
بقية السند في مشيخة التهذيب حتى يتم ربط هذين
المقطعين احدهما بالاخر .
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
يستفاد من مقاطع من عباراته (قدس سره) ان شيخوخة
الاجازة لا تكون امارة على الوثاقة ابدا، فبالنسبة لمعلى بن
محمد قال :«ومجرد كونه شيخ الاجازة لا يكفي في الاعتماد، اذ لا دليل مقنع
عليه»
((611)) .
لكن بالتدقيق في كلماته نرى انها تشعر بالتفصيل، ففي بعض
الموارد قبل كون شيخوخة الاجازة امارة على الوثاقة، كما يظهر ذلك من قوله :«وغناء
كل شيخ اجازة عن التوثيق ايضا غير ثابت»
((612)) .
ويمكن ان يستفاد من هذا الكلام ان شيوخ الاجازة على
طائفتين :
الطائفة الاولى :من كان في زمانه يتمتع بمرتبة علمية رفيعة
الى درجة بحيث كان موضع اعتماد عدد كبير من العدول
والثقات بحيث كانوا يرجعون اليه، ورجوع هؤلاء اليه امارة على
توثيقه .
الطائفة الثانية :من لم يكن بتلك الدرجة العلمية وجود عدد
قليل من الثقات وعدد غفير من الضعاف بين رواته، ففي هذه
الموارد لا تكون شيخوخة الاجازة امارة على التوثيق . وعلى
هذا فان السيد الامام (قدس سره) يقبل كون شيخوخة الاجازة
امارة على التوثيق بنحو الموجبة الجزئية .
5- التوثيقات الخاصة :
المقصود بالتوثيقات الخاصة تصريح المعصوم او الراوي الثقة او
احد كبار متقدمي الشيعة على وثاقة شخص ،وفي هذه الحالة
تثبت وثاقة الشخص بالاتفاق، والمختلف فيه هي الموارد التي
لم يكن التوثيق بتلك الصراحة .
ت ادلة او امارات المدح والتوثيق :
ان البحث في الموارد المختلف فيها المختلف فيها يدور حول
ما هي الامارات على مدح او توثيق الراوي ؟وكيف يمكن
تحصيل وثاقة الشخص وورود المدح بشانه ؟ وفيما يلي نشير
الى بعض هذه الامور :
اولا- كون الراوي صاحب اصل :
لقد ذكروا ان المراد بالاصل المدونات التي حولت لاول مرة
الروايات الشفوية الحاصلة عن السماع من المعصوم او من راو
آخر الى صورة مكتوبة، وتبعا لذلك قام جماعة بتنظيم وتبويب
تلك الروايات، وحاصل ذلك يصطلح عليه بالكتاب، ثم ان
هناك من راح يبين آراءه وبعض المطالب في ذيل الروايات او
في آخر الكتاب ،ويقال لذلك تصنيف .
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
انه (قدس سره) لم يرتض ايا من التعاريف المشهورة
ولا غيرها للاصل وطرح تعريفا خاصا له، على انه لم يعتبر كون الشخص صاحب اصل امارة
على التوثيق، فمن وجهة نظره ان الاصل لابد ان يكون بمعنى الكتاب المعتمد والمطمان
به كي يمكن اعتباره دليلا على توثيق صاحبه، وهذا الامر منتف بخمسة ادلة :((613))
1- لم يصرح احد من الرجاليين بان الاصل في علم الرجال
بمعنى الكتاب المعتمد، ولو كان الامر كذلك لصرحوا به .
2- كثير من اصحاب الائمة كانوا انفسهم ثقاتا ومعتمدين كانت
لهم كتب نظير اصحاب الاجماع، مع ذلك لم يطلق عليها
الاصول، وهذا دليل على عدم ترادف مصطلح الاصل والكتاب
المعتمد، وقد بين على هذا الصعيد(28) موردا من هؤلاء
الاشخاص المذكورين كنقوض .
3- لقد ضعف الكثير من اصحاب الاصول او على الاقل لم يوثقوا، مثل :علي بن ابي حمزة البطائني الذي ضعف لكونه واقفيا، وشهاب بن عبد ربه، وزيد النرسي، وزيد النرراد .
4- قد وصف الاصل في بعض الموارد بالرداءة، فمثلا قال الشيخ
الطوسي بشان احمد بن عمر الحلال مايلي :«احمد بن عمر
الحلا ل . . . كوفي انماط ي ثقة رديء الاصل»
((614)) .
فلو كان الاصل معناه الكتاب المعتمد فحينئذ لا يمكن وصفه
بالرداءة، فان الكتاب المعتمد لا معنى لان يكون رديئا، وكذلك
لا يصح وصفه بالحسن والجودة، في حين ذكروا ان اصل عمار
الساباط ي اصل جيد . اجل لولم يكن قد وصف بالرداءة لامكننا
ان نحمل لفظ (جيد) على تاكيد معنى كونه معتمدا، لكننا
باعتبار انناوجدنا وصف الاصل بالرداءة والجودة فلا يكون
الاصل بمعنى المعتمد قطعا .
5- لقد ذكروا ان احدى قرائن صحة الحديث لدى كبار اصحابنا
وروده في عدة اصول، وتكرره في اصل واحد، واعتماد اصحاب
الاصول على هذا الحديث، ولو كان الاصل عندهم بمعنى
الكتاب المعتبر لما اعتبرواذلك من القرائن على صحة الحديث، ولكان ذكر الرواية في اصل واحد وحده كاف في الدلالة على
صحة الحديث .
ثانيا- اصلا زيد النرسي وزيد الزراد :
والبحث حول هذين الاصلين متفرع عن بحث الاصل، وينبغي
القول ان تضعيف صاحبي هذين الاصلين تقريبامتفق عليه، لذا
ومع الاخذ بعين الاعتبار تضعيفهما وعدم كون الاصل بمعنى
الكتاب المعتمد لا يبقى وجه لاعتبار هذين الاصلين، وان جعل
البعض من وجود روايات هذين الاصلين في الكتب الاربعة
وجها لصحتهماواعتبارهما، لكن هذا التوجيه غير مقبول، لان
ورود روايتين او ثلاث في الكتب الاربعة وذكر الاصل لا
يوجب احراز الوثاقة والاعتماد على هذين الاصلين، سيما مع
اشتمال اصل زيد الزر اد على روايات تنافي العقائدالقطعية
للشيعة، وعلى هذا الاساس تكون هذه الروايات من هذين
الاصلين في عداد الروايات الموضوعة .
ثالثا- نقل احمد بن محمد بن عيسى :
وهو كبير الاسرة الاشعرية ذا جلالة، ومن اكابر المحدثين في
قم وصاحب رئاسة، وكان معاصرا لاحمد بن محمد بن خالد
البرقي، واتسم مسلكه بعدم الرواية عن الضعفاء، وبسبب ذلك
قام باخراج احمد بن محمد بن خالد البرقي من قم لعدم التزامه
بهذا المسلك .
ومن هنا ادعى بعضهم بان شخصا الى هذا الحد من الاصرار
على عدم النقل عن الضعفاء فمن الطبيعي ان يكون نفسه
متقيدا بالنقل عن الثقات فقط، فهو في مرتبة سابقة يحرز
وثاقة الراوي وعدالته ثم ينقل عنه، فلذااعتبر البعض ان نقل
احمد بن محمد بن عيسى عن شخص قرينة على الوثاقة .
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
لا يرى الامام صحة هذا الادعاء، لان في اصطلاح «الصحيح»
تفاوتا كبيرابين المتقدمين والمتاخرين، فليس من الضروري
كون صحة الرواية في نظر المتقدمين بمعنى وثاقة راويها ،بل
بمعنى انهم احرزوا صدور الرواية عن المعصوم من خلال
القرائن والشواهد، ولهذا نرى كثيرا من الروايات التي عملوا بها- المتقدمون- فاقدة للسند الصحيح .
والحاصل :ان نقل احمد بن محمد بن عيسى عن شيخ لا يدل
على وثاقة الشيخ، بل من الممكن ان يكون اطمئنانه بصدور
الرواية ليس ناشئا من وثاقة المروي عنه (الشيخ) بل لجهات
اخرى، وقد تكون هذه الجهات غير معتمدة لدى المتاخرين، قال (قدس سره) :«نقل احمد بن محمد بن عيسى لا يوجب
وثاقة الراوي، وهوظاهر، لاحتمال اتكاله على امر لم يكن عندنا معتمدا عليه»
((615)) .
رابعا- سكوت ابن الغضائري :
عبيد اللّه بن الحسين الغضائري رجالي معروف، يعتبر ابوه من
كبار الرجاليين ومن المشايخ المدرسين والمحدثين المهمين
في الكوفة، وكان استاذا للطوسي والنجاشي .
وابن الغضائري هذا كان زميالا للنجاشي في حضور حلقة
تدريس والده .
وكان كابيه مورد اعتماد الجميع . وفي الوقت الذي كان
النجاشي قرينا لابن الغضائري في ايام تلمذهما قد نقل عنه في
رجاله امورا كثيرة، وهذا يحكي عن مدى جلالة شان ابن
الغضائري وعلو مرتبته .
ومؤلفاته معروفة في ذلك الزمان وكانت معتمدة لدى الاعاظم، بحيث ذكر الشيخ الطوسي في مقدمة فهرسته ان له عدة
كتب من جملتها كتاب باسماء المصنفين وفهرست باسماء
اصحاب الاصول . لكن بعض ورثته قداتلفوا كتبه، والكتاب
الوحيد الذي بقي منه حتى زمان الشيخ الطوسي كتاب الضعفاء
لابن الغضائري الذي جمع فيه اسماء الرواة الضعاف .
ان طريقة ابن الغضائري في هذا الكتاب هو التشديد الكبير على
الرواة حتى انه شكك في وثاقة من يعتبرون اليوم من الثقات
المقطوع بهم، وقد صار تشدده هذا مثلا يضرب بين العلماء، فقالوا :«السالم من الرجال من سلم من ابن الغضائري» .
واعتبر البعض ان سكوت ابن الغضائري في كتاب الضعفاء وعدم
تضعيفه لشخص امارة على توثيق هذاالشخص ومدحه .
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
قال (قدس سره) :«واما سكوته فلا يدل على شيء، ولعله لم يطلع على طعن فيه وكان
عنده من المجاهيل ،وهو لا يكفي في الاعتماد عليه»
((616)) .
وللتوضيح لابد من القول بان المجهول في اصطلاح الرجاليين
يطلق على من لم يصل الينا منه اسم ولا اثر ،ولم يكن معروفا، واحيانا يطلق على من كان مجهول الحال، اي لم يوثق ولم
يضعف، ومراد الامام (قدس سره) هو المعنى الاول .
هذا، وتاييدا لموقف الامام (قدس سره) من عدم دلالة سكوت
ابن الغضائري على التوثيق نذكر امرين :
1- ان ابن الغضائري لم يدع استقصاء وجمع جميع الرواة الضعفاء، لان ذلك لم يكن هدفه، فلا يدل سكوته على شيء .
2- انه لم يصل الينا كتاب الضعفاء بتمامه، وانما وردت اقوال ابن
الغضائري في غضون مجمع الرجال للقهبائي، وقد تفرد بنقل
ذلك .
خامسا- كفاية توثيق الواحد :
هل يشترط في توثيق راو شخصان ثقتان اي البينة او تكفي
شهادة الواحد ؟
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
الظاهر ان الامام يرتضي توثيق الواحد، ولم يشترط شهادة
العدلين، ويظهر ذلك من قبوله توثيق الكشي لمثنى بن الوليد- الذي تفرد الكشي بتوثيقه- وايضا عمل بهذا المبنى في موارد
اخرى
((617)) .
سادسا- توثيق الشخص لنفسه :
هل ان الرواية المنقولة من قبل شخص في مدح وتوثيق
الشخص نفسه تعتبر امارة على المدح والتوثيق اولا ؟
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
انه لا يرى الروايات التي ينقلها الشخص الواردة في مدح نفسه
امارة على الوثاقة وان كان سندها مما يلي هذاالشخص وما بعده
صحيحا، اي كانت صحيحة السند، لكنه الوحيد الذي اخبر
بهذا وانفرد هو بنقل مدح وتوثيق نفسه، بل اعتبر الاعتماد على
مثل هذه الروايات امرا قبيحا، قال (قدس سره) :«كيف يمكن
الوثوق بحال الرجل من قوله ونقله»
((618)) .
سابعا- دعاء المعصوم بحق شخص :
ان المعصوم (عليه السلام) احيانا يدعو للسائل اثناء اجابته
للسؤال، فهل ان دعاء المعصوم يدل على وثاقة ومدح السائل او
لا ؟
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
ان دعاء المعصوم باي مستوى كان من البلاغة والفصاحة فليس
له مثل هكذا دلالة، لان دعاء المعصوم في حق شخص لا يدل
على قبول ما ينقله من المنقولات قبل الدعاء وبعده، ولا يكون
سببا للاعتماد على احاديثه ودليلا على حجيتها، فقد افاد
(قدس سره) بشان حسين بن زرارة قائلا :«وان دعا له
ابوعبداللّه (عليه السلام) دعاء بليغا، اذ لا يوجب ذلك ثقته في الحديث وحجية
روايته»
((619)) .
ثامنا- كاشفية المدح عن حسن الظاهر :
حينما يتم مدح احد الوراة، فهل هذا المدح كاشف عن حسن
ظاهره ؟
مثلا :اذا مدح راو بانه كان ينقل الروايات على مراى ومنظر من
محدثي الكوفة فهل لهذا الكلام دلالة على حسن الظاهر، اذ انه
قام بنقل الحديث بكل جراة امام نق اد الحديث . والمنهج
المتبع من قبل بعض المعاصرين في توثيق المعاريف مبني
على هذا الاساس، اي ان المعاريف كانوا يفتون وينقلون
الروايات بمراى ومنظر جمع من العلماء، فلو كانوا غير موثقين
لاعترض عليهم جماعة قطعا، ومن هنا فلو ان شخصا مشهورا
له روايات كثيرة ولم ينقل بشانه ذم ولا اي تضعيف فهذا يحكي
عن حسن ظاهره وتوثيقه حتى وان لم يصرح به .
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
لقد قبل (قدس سره) هذا المبنى، فمثلا عبدالاعلى بن اعين- اخو زرارة بن اعين- لم يوثق، والمفيد وحده مدحه واعتبره من
فقهاء وكبار اصحاب الامام الصادق (عليه السلام)، وقد قبل
السيد الامام (قدس سره) مدح المفيد واعتبره كاشفا عن حسن
الظاهر الشاهد على عدالته، قال :«رواية عبدالاعلى حسنة
موثقة، فان عبدالاعلى هو ابن اعين، وقد ادعى الشيخ المفيد
انه من اصحاب الامام الصادق (عليه السلام) والاعلام والرؤساء
الماخوذعنهم الحلال والحرام والفتيا والاحكام، الذي لا يطعن
عليهم، ولا طريق الى ذم واحد منهم . ولا اشكال في
افادته التوثيق»
((620)) .
تاسعا- الترحم والترضي :
بالنسبة لبعض الرواة ليس بايدينا اية معلومات عنهم، لكن اثناء
نقل السندقد يرعى له او يترحم عليه، نظير :قال فلان
(رضى اللّه عنه) او (رحمه اللّه)، وقد ورد في الاثر الحث
على الدعاء للاخ المؤمن بظهر الغيب
((621))، وهذا النمط من
النقل موجود بكثرة في اسانيد الشيخ الصدوق في التوحيد
والخصال . فهل ان الترح م او الترضي من كبار المحدثين او
الرواة المنقول بشان شخص امارة على المدح او التوثيق او لا ؟
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
ان هذا العمل مجرد تطبيق لامر اخلاقي شاع في احد العصور، وليس امارة على المدح والتوثيق، ولهذاقال (قدس سره)
بشان جعفر بن نعيم :«لم يرد فيه شيء الا ترضي الصدوق عليه، وهو غير كاف في
الاعتمادعليه»
((622)) .
عاشرا- توثيق المتاخرين :
ان القدماء كانوا يكتفون في الفقه وكذلك في الرجال بنقل منقولات الاخرين فقط، الا
انه في عصر المتاخرين- بعد
المحقق والشهيد الاول- انفتح باب الاجتهاد في الفقه والرجال، لذا فان توثيقات المتاخرين بخصوص الاشخاص لا تقبل عادة، نظير توثيقات المجلسي المتوفى 1110 هجري قمري .
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
بالرغم من وجود شبهة الحدس والاجتهاد في التوثيق، بالنسبة
لتوثيقات المتاخرين في الجملة، لكن السيدالامام (قدس
سره) قد وافق على توثيقات المجلسي الواردة في كتاب (الوجيزة في الرجال) في حين ان في الكتاب المذكور توجد
موارد لم توثق في كتب الرجال الاخرى بالمرة .
حادي عشر- جمع القرائن المتعددة :
ان احراز الوثاقة غير منحصر بالضرورة في تصريح النجاشي
بوثاقة شخص، بل ان تجميع بعض القرائن يدل على التوثيق
وان كان لا تاثير لها بصورة منفردة .
ثم ان القرائن المذكورة ليست مبلورة في قانون قابل للتعريف، اي لا نستطيع القول ما هي هذه الامور بصورة محددة، بل هي
امور جزئية موجودة مبثوثة في ثنايا الكلمات والكتب، وكلما
ضمت بعضها الى بعض بعث ذلك على الاطمئنان وسكون نفس
الانسان الى وثاقة شخص، وكثيرا ما تكون هذه القرائن بعيدة
بعضها عن بعض .
رؤية السيد الامام (قدس سره) :
لقد سلك (قدس سره) هذا الطريق في موارد كثيرة لتوثيق
الاشخاص، نكتفي بذكر اسمائهم :
(1)- محمد بن اسماعيل النيشابوري
((623)) .
(2)- سهل بن زياد
((624)) الذي قال بشانه الوحيد البهبهاني :
«الامر في سهل سهل» .
(3)- ابراهيم بن هاشم
((625))، ابو علي ابن ابراهيم القمي
صاحب التفسير، فانه غير موثق ولكنه ممدوح .وقد قيل في
مدحه :انه اول من نشر حديث الكوفيين في قم، وقد ورد في
جلالة قدره كلام كثير، لكن لم يقل في شانه صريحا انه :«ثقة»
. وقد تردد فيه صاحب الجواهر، لذا فتراه يعبر عن رواياته تارة
بالحسنة واخرى بالموثقة .
(4)- وكذلك الزبيري
((626)) .
(5)- وقد قبل السيد الامام (قدس سره) روايات النوفلي
والسكوني ايضا، وذلك بلحاظ بعض القرائن والشواهد، فقد
لاحظ من بعض القرائن والشواهد والاجماع الذي ادعاه الشيخ
في حقهما، واعتبار بعضهم كالمحقق الحلي السكوني ثقة، وبمجموع ذلك احرز وثاقتهما
((627)) .
(6)- وحاول الامام (قدس سره) ان يطوي الطريق ذاته في
توثيق عمر بن حنظلة وان لم يصل الى الاطمئنان
((628)) .
الفصل الثالث :نظريات السيد الامام (قدس سره) في فقه
الحديث
ان فقه الحديث علم على ضوء قواعده وقوانينه نعرف طريقة
فهم وتفسير الروايات، ونلخص ما هو مطروح من آراء السيد
الامام (قدس سره) بعنوان اركان واسس فهم الحديث في
ثمانية نقاط :
1- فهم المحاورات العرفية في عصر الروايات :
ان الائمة (عليهم السلام) في كل زمان يتحدثون باللغة
المتعارفة والمتداولة لذلك الزمان، ولم يكن مبناهم
بيان المصطلحات المعقدة المرتبطة بطائفة خاصة من
المخاطبين، وبالتالي فان اسلوب كلامهم هو نفس اللغة
الرائجة في المجتمع في ذلك العصر وعليه فانه يمكن فهم
كلام المعصوم بالتامل في المحاورات العرفية الرائجة .
ولذا فان السيد الامام (قدس سره) يعتبر احد الشروط الاساسية
للاجتهاد فهم المحاورات العرفية في عصرالائمة
(عليهم السلام)، والتي عبر عنها ب «المعاني العرفية السوقية»
.
((629))
2- وضع الالفاظ لروح المعاني :
يتصور الكثير من الاساطين كالفيض الكاشاني والامام الخميني
والعلامة الطباطبائي ان معاني الالفاظ لا تتحددبمعانيها
اللغوية، بل ان الالفاظ قد وضعت لروح المعاني، والمعاني
المذكورة في اللغة هي مصاديق لتلك المعاني الواقعية وجسر
للوصول اليها، وهذه الابحاث تطرح ايضا في الاحاديث
العقائدية والعرفانية .
وقد اتبع الفيض هذا المنهج في تفسير لبعض المفردات
كالصراط واللوح والقلم والميزان، وعلى سبيل المثال :ان
الصراط في اللغة بمعنى الجسر والطريق، والميزان بمعنى
الالة المعروفة، وهذان اللفظان وضع اولهما لروح وجوهر
الطريق والاخر لروح وجوهر الميزان، وهو امر ننتزعه من ذلك
الاعتبار .
3- لحاظ مناصب المعصومين :
للنبي (صلى اللّه عليه و آله) والائمة (عليهم السلام) مقامات
ومناصب مختلفة كمنصب تبليغ الاحكام وقيادة المجتمع
سياسيا وقضاء والفصل الخصومات بين الناس، ومن الواضح ان
كلا من احاديث المعصومين قد بين بحسب اقتضاء احد تلك
المقامات والمناصب .
ومن هذا المنطلق فكل حديث يقتضي تعاملا خاصا به، وكمثال لذلك :اذا كان حديث في مقام بيان الاحكام الالهية
فمن الواضح انه حكم مؤبد وباق، واذا كان الحديث ناظرا الى
البعد الاجتماعي فيجب ان نرى انه بمقتضى الظروف الخاصة
السياسية والاجتماعية في زمان المعصومين التي صدر فيها
هل كان مبينا لسياسة مؤقتة او ان هذا الحديث قد صدر لمجرد
فصل الخصومة بين اثنين .
وعليه فانه ليس كل الروايات هي مبينة للاحكام الالهية الدائمة، بل ان بعضها يحكي عن البعد الاجتماعي للمعصومين ويحتوي
على احكام حكومية، والامام الخميني (قدس سره) كان لديه
اهتمام خاص بالبعدالاجتماعي .
ثم ان قبول مثل هذا المبنى يؤدي الى حل التعارض والمواقف
المختلفة الموجودة في الروايات، نظير مدح شخص من قبل
احد الائمة وذم هذا الشخص نفسه من قبيل امام آخر، وذم
الامام علي (عليه السلام) للنساء ،كل ذلك قابل للحل اذا ما
لاحظنا الظرف الزمني الخاص طبقا لهذا المبنى . ان الامام الخميني (قدس سره) قد استفاد من هذا المبنى بشكل مفصل في عدة موارد نظير قاعدة (لا ضرر)فانه يعتبر ان امر النبي (صلى اللّه عليه و آله) لسمرة بن جندب بقطع النخلة ورميها بوجهه كان امرا حكوميا ،وقد صرح في بحث قاعدة (لا ضرر) :«ان التعابير من قبيل قضى رسول اللّه، وامر فلانا، وحكم كله شاهد على كون هذه الاوامر حكومية» . ((630))
4- الارشاد الى الامور العقلائية :
ان مضمون كثير من الروايات في الحقيقة هو تقنين الامور
التي يعمل بها العقلاء، وليس هو اختراع من قبل الشارع، ويعبر
عنه اصطلاحا بانه ارشاد الى الامور العقلائية، مثلا :لو وردت
روايتان احدهما «القرعة لكل امر مشكل» والاخرى «كل مجهول ففيه القرعة»، فهاتان الرواياتان مبينتان لقاعدة
(القرعة)، ولكن ما ورد لهامن التخصيص في غاية الكثرة الى
حد بحيث يفهم خروجها عن كونها قانونا وقاعدة، وكشاهد
على ذلك انه لم يتمسك احد من الفقهاء بهذه القاعدة في
احكام المشتبه .
ولا يعتبر ابتلاء القاعدة عندئذ بكثرة التخصيص اشكالا في
قاعديتها اذا ما لوحظ فيها الارشاد الى الامورالعقلائية، فان
عقلاء العالم تمسكوا بقانون (القرعة) قبل الشرع لرفع
المعضلات، ولكن استفادتهم من هذاالطريق كانت لها ثلاثة
شروط :1- وجود المنازعة . 2- كون ذلك في الموضوع لا في
الحكم . 3- عدم وجودالرجحان في احد الطرفين .
فمن ذلك يتضح ان قاعدة (القرعة) ارشاد الى امر عقلائي، وهذه القاعدة العقلائية لها مجراها الخاص بها ،وعدم الاستفادة
منها في غير الموارد المذكورة لا يوجب تخصيص الاكثر
.
((631))
5- نقد مضمون الحديث :
يعتقد الامام (قدس سره) بانه بعد اكمال التحقيق السندي
واثبات وثاقة جميع رجال السند وحجيته على مبنى صدق
العادل، بضرورة تحقيق مضمون الرواية وان كانت صحيحة
السند، اي لابد من عرض مضمون الحديث على القرآن والسنة
القطعية والضوابط العلمية- كالتاريخ- والعقل القطعي الذي لا
يشك فيه اي عاقل حتى نرد الحديث في حالة مخالفته مع احد
المواردالمتقدمة .
وقد استند السيد الامام (قدس سره) في مسالة طرق التخلص
من الربا الى هذه النكتة ولم يعمل بشيء من روايات المقام،
لانه اعتبر ان مضمونها مخالف للكتاب والسنة القطعية، اذ ان
القرآن قد صرح بانه :(. . .فلكم رؤوس اموالك م لا تظلمون ولا
تظلمون)
((632)) والربا تحت اي عنوان كان ظلم، وبالفرار
منه وتغييرالعنوان لا يتغير الواقع
((633)) .
وبناء على ذلك فان محتوى الروايات المذكورة لا تنسجم مع
روح الكتاب والسنة من ان الربا ظلم .
6- عدم الجمود في فهم الاخبار :
ثمة حالتان في التعامل مع الروايات، وهما :الافراط والتفريط، فنجد تعاملامبنيا على اساس الانفتاح والتساهل في فهم
الاخبار بحيث ليس هناك تقيد بنصوص الروايات بل الاجتهاد
في مقابل النصوص، وفي الطرف الاخرنرى تفريطا وجمودا
على الالفاظ والعبارات بحيث لا يتعدى الدائرة الضيقة للالفاظ
والعبارات، وبتعبير آخر :العزلة عن العرف .
ويؤكد الامام (قدس سره) على ان كلتا الحالتين غير
صحيحتين، ويصرعلى ضرورة الابتعاد عن الجمود ،ويختار الحالة الوسط ى في فهم
الروايات، ويمكن ان نجد بعض النماذج لذلك في بحث مصرف الزكاة وتحليل الانفال للشيعة
وعدم تقييد السبق والرماية بالرمي بالقوس (((634))) .
7- عنصر الزمان والمكان :
ان احد الامور الاساسية المؤثرة في فهم الروايات فهما صحيحا
هوالالتفات الى تغير الزمان والمكان، فبالنسبة للمسائل
المطروحة في عصر النبي (صلى اللّه عليه و آله)
صدرت متناسبة مع الظروف الخاصة بذلك الزمان، وليس
واضحا كون الاحكام المذكورة تظل ثابتة في جميع الظروف، فمثلاان الامام (قدس سره) لم يعتبر مسالة حرمة بيع السلاح
للكافر حكما دائميا، بل يعتبر القرائن دال ة على كون الحكم
ناشئا من خشية استعمال الكافر السلاح ضد المسلمين، لذا
فان اتخاذ القرار بالنسبة لذلك هو من شؤون الحكومة، بحيث
لو اقتضت المصلحة الاقتصادية للحكومة الاسلامية هذه الايام
بيع الاسلحة ولو من الكافر مع ضمان عدم استعمالها من قبله
ضد المسلمين فسيرتفع المنع حينئذ، وكذا الحال بالنسبة
للاشياءالنجسة كالدم والميتة التي كانت لها منفعة غذائية في
زمن النبي (صلى اللّه عليه و آله) والائمة (عليه السلام) في حين
ان المعاملات اليوم تجرى على الدم لانتاج معطيات حياتية
وعلى الميتة لغرض التشريح والتعليم، لذا فقدافتى (قدس
سره) بجواز المعاملة على ذلك
((635)) .
8- معرفة طرق الجمع بين الاخبار المتعارضة :
على الرغم من كون هذه النقطة مطروحة في فقه الحديث
بعنوان قاعدة كلية، لكنه (قدس سره) نبه على بعض الامور
بصورة خاصة :
الف- ان المراد من التعارض التعارض بين الاخبار، لا بين
الاصول وسائر الادلة، فان التعارض فيما بينهاقلما يقع محلا
للبحث .
ب- ضرورة ملاحظة مقام التقنين عند صدور الروايات، لان
عرف التقنين في جميع المجتمعات هو سن قانون عام في
المرحلة الاولى ثم التعرض الى الحدود والمصاديق الجزئية
والتبصرات والاستثناءات .
ان الالتفات الى هذه النقطة في دائرة التشريع والتقنين
الشرعي يحل كثيرا من عقد الاخبار المتعارضة، ومثال ذلك ان
ثمن الميتة سحت هو احد القوانين العامة وهو في تعارض مع
ثمن الميتة حلال .
لكن بالحاظ الى مقام صدور الحكم بالحلية في مورد الميتة
الطاهرة فان هذا التعارض سيخل ولو ان القانون حرم بيع الميتة
الا ان استثناء الميتة الطاهرة من هذا الحكم ايضا ثابتة من
الشرع، وهنا يرفع التعارض ،وايضا مسالة الخطابات القانونية
التي طرحها الامام في الاصول يمكن ان تكون حلا ناجعا في
هذه الموارد . حول الشخصية العلمية للامام الخميني (قدس سره)
(1)
حوار مع سماحة آية اللّه الشيخ جعفر السبحاني ت مع شكرنا
الجزيل لسماحتكم على اتاحة فرصة الحوار.. باعتباركم من ابرز
تلامذة الامام وموضع عنايته، وقد كتبتم تقريرات بحثه
الاصولي لاول مرة، وطبع بقلمكم قبل انتصار الثورة، ونظرالمعرفتكم باحوال علماء الشيعة واكابرهم فحبذا لو
تعطونا صورة عن ابعاد شخصية السيدالامام (قدس سره)
مقارنة مع سائر العلماء ؟
الشيخ السبحاني: ان الحديث عن الدرجات العلمية الرفيعة
للاستاذ المعظم سماحة الامام اعلى اللّه مقامه لشخص غير ملم
مثلي بما يتناسب ودرجته العلمية الرفيعة امر صعب، ولكن
ساضع معلوماتي عن شخصيته التي كنت في خدمتها طيلة
تتلمذي عليه بين يدي القارئ الكريم .
ينقسم العلماء الى قسمين، قسم يمتلكون العلم والبيان معا
في التدريس ونقل المطالب بشكل جيد، ولكنهم لا يتمتعون
بقلم جيد ولا يجيدون التصنيف .
وقسم آخر يجيدون فن التصنيف ونقل المطالب بشكل محرر، ولكنهم يقصرون عن البيان والتدريس وتربية الطلا ب .
ولكل امثلة نحجم عن ذكرها خوف الاساءة لاحد .
والامام يعتبر من طائفة ثالثة فهو من ذوي الرئاستين، رئاسة
القلم والبيان معا، فتراه في بيانه يتعرض لاغمض البحوث
واعقدها في المجال الفلسفي او العرفاني او الاصولي فيذلل
صعبها بالمثال، وقد استخدم القرآن الكريم اسلوب التمثيل
فيما يقرب من ستين موضعا لتقريب اعلى الحقائق وارفعها الى
الاذهان، وهكذاالامر بالنسبة للحقائق العلمية تقرب
للمخاطب بالمثال ليسهل فهمها عنده .
لقد كان الامام (قدس سره) يصب المسائل الفكرية والعلمية
والمعنوية في قالب المثال الحسي، ويقرب الفكرة ببيان واضح، وهكذا في الكتابة فقد كان له اسلوبه الخاص الذي يعتمد
الجمل القصار، ولكنها في الوقت نفسه تتصف بالاحكام محترزا
بذلك عن الجمل الطويلة ومستفيدا من الاستعارات والكنايات
والرموز سيما في القضاياالعرفانية والاخلاقية حيث يبينها
بالامثلة الرقيقة وبذوقه الرفيع الذي حباه به الباري سبحانه .
ت تطرقتم الى الجانب العرفاني والفلسفي، وقد كان للامام
تركيز خاص على العرفان بشقيه النظري والعملي، وذلك من
اجل اخراج هذه العلوم من غربتها، كما انه كان استاذا للفلسفة
سنوات عديدة، حبذا لو تحدثونا عن هذين البعدين واساتذته
فيهما واهتمامه بهما ؟
الشيخ السبحاني :تاثر الامام في القضايا العرفانية بشكل كبير
باستاذه المرحوم الشاه آبادي، وكان الامام يعشق هذا الاستاذ
ويكن له كل الحب والتقدير . اذكر مرة عندما كان يلقي علينا
بحوثه قبل (40 سنة) فانتهى البحث الى مسالة الجبر
والتفويض نقل مثالا عن استاذه في نسبة افعالنا للّه سبحانه ثم
قال :«لقد كان استاذناالشاه آبادي متقيا، واني لم ار طوال
عمري انسانا بهذه اللطافة» هذه نص عبارته، ولك ان تدرك
معناها، اي انه كان يدرك الرقائق والدقائق بشكل لم ار له مثيلا، وقد درس عليه مدة (5) سنوات شرح الفصوص، وله عليه
تعليقات وحواش لاحظت بعضها، وقد طبعت مؤخرا .
واما في الفلسفة فقد تاثر بصدر المتالهين، واهم اساتذته فيها
آية اللّه السيد الرفيعي القزويني، درس عليه المنظومة وشطرا
من الاسفار، ولكنه اضافة لدراسته كان يتمتع بمؤهلات ذاتية
وذوق فلسفي وعرفاني رفيع مكنه من الابداع والاضافة فى
هذين المجالين، والا فان صرف الدراسة للمنظومة وشطر من
الاسفار لا تجعل الانسان فيلسوفا يتمتع بمنهج ومبنى خاص
لولا وجود الموهبة الالهية والذوق الرباني بحيث استطاع ان
يفهم ويهضم مباحث استاذيه وان يتذوقها ايضا، فهناك فهم
للمطلب وهناك تذوق له، فقد يوصف غذاء ما للانسان وقد
يتذوقه الانسان بنفسه، والامام كان في الفلسفة سيما في
الالهيات مدركا لها الى حد التذوق، اي انهامازجت وجوده .
واما اجلاله لاستاذيه فهو في الغاية، واتذكر انه دخل يوما في
حجرة المرحوم (صاحب الدراية) في المدرسة الفيضية وكان
استاذه السيد الرفيعي القزويني جالسا، فجلس اليه، ولم يتفوه
بشيء طوال تلك الجلسة احتراما لاستاذه .
وفي مجال العرفان اضافة لما استفاده من اساتذته نجد له
ابتكارات وابداعات، ولو انه قدر له الاستمرارفي هذين العلمين
لكانت له تجديدات وابداعات اكثر، ولكن انصرافه الى الفقه
والاصول، ومن ثم المسائل السياسية حال دون ذلك، والا فانه
كان يعتبر لسنوات مديدة استاذ الفلسفة والعرفان بلا منازع .
ت يعتبر علم الفقه والاصول المقصد الاساس في حركة الحوزة
العلمية الامر الذي جعل الامام يسير بهذا الاتجاه كما اشرتم
حتى انتقل الى عداد المراجع الكبار، فلو تحدثونا عن اهم
اساتذته في هذين المجالين وعن منهجه في الاستنباط .
الشيخ السبحاني :بالرغم من دراسة الامام في علم الفقه على
آية اللّه الخوانساري وغيره من المشايخ الا ان البنية العلمية
للامام قد تشكلت لديه على يدي آية اللّه الشيخ عبد الكريم
الحائري مؤسس الحوزة العلمية الحديثة بقم، وقد كان للامام
دفتر يسمى بالفوائد يدون فيه منفردات استاذه الحائري التي
لم ترد في كتابه «درر الاصول»، وقد شاهدت عنده هذا الدفتر
.
ومن خصوصيات الامام عدم الملل والتعب من البحث حتى لو
بحث في مسالة ساعة كاملة لا يمل نظيراستاذه الحائري، وكان يود كثيرا ان تناقش مطالبه التي يطرحها، واتخطر يوما
انه بحث في مسالة معينة ولم يناقشه احد من طلا به فقال :
لماذا لا تتكلمون، انا لا اقرا مجلس عزاء لكم حتى تسكتوا هكذا، قولواشيئا .
وربما كانوا يشتكون اليه احيانا من طول المناقشات في الدرس- وكانوا يعنونني- لان ذلك يؤخرالدرس، فاجابهم الامام
:الذي
اراه ان الكلام والاعتراض في درسي قليل ،والمفروض ان
يحصل اكثر من هذا .
بعد قدوم السيد البروجردي الى قم سنة 1364ه . ق حضر
الامام درسه في الفقه والاصول، وكان للسيدالبروجردي منهج
خاص وللشيخ الحائري منهج آخر، فمنهج الحائري يعتمد
الدقة والتامل في المسائل، فيماكان السيد البروجردي ميالا
الى التتبع والاستقصاء اضافة للتدقيق والتحقيق، فكانت
منهجيته تعتمد نقل اقوال العلماء من الخاصة والعامة معا . وقد
اضاف الامام عندما حضر على السيد البروجردي لما استفاده
من استاذه الحائري اشياء جديدة من درسه .
ان طريقة الامام هي ان لا يبدا بالمسالة من دون استعراض
السير التاريخي لها، وربما كان يستعرض الجذر التارخي لها من
خلال كتاب «الخلاف» للشيخ الطوسي . هذا اولا .
وثانيا :كان يعتني بالاسانيد كثيرا كما هي منهجية السيد
البروجردي .
وثالثا :كانت منهجية السيد البروجردي الاهتمام بالشهرة
الفتوائية لدى القدماء، فلا يخالف الفتوى اذا كانت عليها الشهرة
بين القدماء اطلاقا، وهكذا الامام كان لا يخالفها في آرائه . ان
هذه الدقائق اخذها من استاذه الثاني .
وقد نتج عن هذين المنهجين او المدرستين منهجا ثالثا يعتمد
مزج الدقة والتتبع معا . وهكذا منهج الامام في الفلسفة ايضا .
وفي قضايا العرفان يمزج المسالة العرفانية بالمسائل البرهانية
ثم يحاول ان يستشهد عليهامن ادعية الائمة (عليهم السلام)، اي انه يمزج بين الذوق العرفاني وبين البرهان الفلسفي، وياتي
بشواهد من القرآن والسنة والادعية سيما الصحيفة السجادية
للامام زين العابدين (عليه السلام) .
ت ما هي الكتب الفقهية التي درسها الامام الراحل في حوزتي
قم والنجف ؟
الشيخ السبحاني :درس (رحمه اللّه) كتاب الزكاة في منزله
لجملة من طلا به فيهم الشهيد المطهري، ثم درس كتاب
الطهارة، وقد استمر 7 سنوات، وقد كتب بعض بحوثه بقلمه
وطبع .
ثم درسنا المكاسب واستمر سنتين، ثم درس البيع بعده الى
بيع الفضولي حيث تم نفيه الى تركيا وحرمنابذلك من درسه، ثم درس كتاب البيع والمكاسب وغيرهما في النجف طوال
خمسة عشر عاما . وقد اتسمت بحوثه في البيع والمكاسب
بالطابع العقلي بعيدا عن منهجية التتبع متاثرا في ذلك بية اللّه
الشيخ محمد حسين الاصفهاني .
واما في سائر كتبه فقد نهج فيها نهج استاذه البروجردي
باعتماد :1التتبع . 2- السير التاريخي للمسالة . 3- ملاحظة
الاسانيد في الروايات . 4الاهتمام بالشهرة الفتوائية .
ت كيف كان درسه في الاصول في الحوزتين النجفية والقمية
؟
الشيخ السبحاني :درس الخارج في الاصول اولا المباحث
العقلية (الجزء الثاني من الكفاية)، وسجل نتائج افكاره بعنوان حاشية على الكفاية
باسم «انوار الهداية في شرح الكفاية»، وقد
التحقت بهذه الدورة من مباحث الاستصحاب، ثم شرع دورة
جديدة استمرت 7 سنين شاركت فيها، وبدا دورة ثالثة لم
احضرها من مباحث الالفاظ الى مسائل الاشتغال، وقد اعتقل
الامام في اوائل او اواسط هذا البحث (الاشتغال) .
ت بما انكم من حضار درسه الاصولي وقررتم له في ذلك
«تهذيب الاصول» في تلك السنوات وانتم اليوم من المدرسين
البارزين للاصول في حوزة قم ومن المطلعين على الاراء
الاصولية للامام وغيره من العلماء . . حبذا لوتذكروا لنا ابداعات
الامام وتجديداته في هذا المجال ؟
الشيخ السبحاني :للامام مبان وآراء اختص بها في الاصول، منها :
1- ابطل الامام الراي المعروف في الوضع من مباحث الالفاظ
الذي يقول «الوضع الخاص والموضوع له عام محال» و «الوضع
العام والموضوع له خاص ممكن» وقال :اما ان يكونا ممكنين
معا او ممتنعين معا ،وقد استدل لذلك، وذكرنا استدلاله في «تهذيب الاصول»، واجماله ان ه يقول بتجويز الاثنين معا بنحو
والى امتناعهما بنحو آخر فيما لو لاحظناهما مرآة، بحيث لا
يكون الخاص مرآة للعام ولا العام مرآة للخاص ،فالخاص لاجل
ضيقه لا يعكس المفهوم الواسع، والعام لاجل سعته لا يري
الجزئيات، واذا كان اللحاظ الانتقال فكلاهما صحيح وجائز .
2- نظرية الخطابات القانونية: ولهذه النظرية تفريعات وثمرات
كثيرة، يرى الامام في هذه النظرية ان خطابات الشارع
خطابات عامة وتشريعية، والخطابات التشريعية تمتاز عن
الخطابات الخاصة، فقد اخاطبك واقول لك :صل، صم، ففي
هذه الاوامر شروط لا يلزم وجودها في الخطابات العامة التي
هي من قبيل «ياايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام» فهذه
خطابات قانونية وعامة، فلا يشترط في هذه الخطابات ما
يشترط في الخطابات الخاصة .
|
|---|