نحو صياغة معاصرة للعلاقات الاسرية

رئيس التحرير

القرابة نموذجا اذا اردنا تحليل المركب الاسري الى عناصره التجريدية فانه يتجلى امامنا ثلاثة مكونات بنائية:

1 - اصول
2 - فروع
3 - مقارنات

فالاصول: تتمثل بالزوج والزوجة اللذين ينطلقان في حياتهما المشتركة على اساس عقد اجتماعي متين بينهما وميثاق غليظ يعكس ثقل المسؤولية وخطورة المهمة الفعلية والمستقبلية التي تصديا لها.. وهما مرشحان عادة لاكتساب عنوان الابوة والامومة حيث يبدآن باعداد نفسيهما للقيام بدور الوالدين منذ اليوم الاول لاقترانهما.. وهذا الاعداد المسبق يمتد على عدة اصعدة مختلفة: على مستوى الممارسة والسلوك العملي.. وعلى مستوى التطلع والرؤية المستقبلية..

وعلى مستوى العواطف والاحاسيس.. وعلى مستوى التخطيط والبرمجة الحياتية.. الى حد يستغرقان في ذلك بحيث ينسيان ذاتيهما ويغفلان عن التفكير في نفسيهما ويعيشان للحلم القادم الذي طالما كانا ينتظرانه.. وهذا التحول في الحقيقة تحول طبيعي ويتم بشكل انسيابي استجابة للغريزة البشرية وتلبية للفطرة الانسانية وانصياعا للسنة الالهية التكوينية..

واما الفروع: وهم الاولاد والذرية.. فهم الهدف الحلو والحلم الممتع الذي يراود فكر ومشاعر وتطلعات الزوجين دوما.. فهم ثمرة اتفاقية الزواج وحصيلتها.. وهم متعة العيش ولذة العمر بالنسبة للزوجين.. وهم الامتداد الطبيعي للاصول التي انحدروا منها.. ولاينحصر هذا الامتداد للابوين والتمثيل لهما في المجال الوراثي والخلقي بل يطال المجال البيئي والمحيط ي وكذلك المجال السلوكي والخلقي بل كل معالم الشخصية البشرية ومحدداتها.. من هنا نرى تشدد المشرع الحكيم في حفظ العلاقة بين الفروع والاصول بشكل ملفت للنظر فقد حمل الابناء واجبات وتوصيات تجاه الوالدين بازاء مامده الوالدان من جسور حانية نحو الابناء..

واما المقارنات: فالمقصود بها كل من يقارن اداء هذا الكيان الاسري من عناصر بشرية مساعدة ومواكبة لحركة هذا الكيان في داخله ومحيطة له من خارجه.. وهذه المجموعة المقارنة اما يكون ارتباطها نسبيا ورحميا كالعرضي الملازم واللاصق بالاسرة كالاكليل.. وهم الذين اطلق عليها القرآن الكريم مصطلح الكلالة - للاب كانت او للام - الذي يراد منه بعض طبقات هذه المجموعة.. وهذه المجموعة المتداخلة في اجزائها مع الاسرة والمساهمة في تحولاتها هي مجموعة الارحام التي قد تضيق وقدتتسع جدا..

واما يكون ارتباطها بالاسرة سببيا ومن خلال استحداث علاقات اجتماعية ناشئة تكون بمنزلة العرضي المفارق بحسب الاصطلاح المنطقي.. ومصداقه الرائج المصاهرة التي هي صيرورة اسرية جديدة ونواة لايجاد كيان اسري مستقبلي تبدا تدريجيا بالانفصال عن الاسرة الام وتسعى ان تصنع لنفسها كيانا اسريا مستقلا ..

واذا تاملنا بصورة دقيقة في الاثار المترتبة على هذا النمط الاخير من العلاقات الناشئة لرايناها تصب في تلك العلاقات الرحمية والقربية حيث انها تؤدي الى توسعة دائرتها وتكثير اغصانها..

ولم تهمل الشريعة المقدسة الوظيفة المؤثرة والدور الفاعل لهذه المجموعة المقارنة بكلا شقيها وبكلتا صيغتيها النسبية والسببية والتي تقوم بدور الاسناد والدعم والنظارة على حركة الاسرة..

ثم ان علاقة هذه المجموعة المقارنة بالمركز الاسري الاول تتحدد على ضوء طبيعة الوظائف والحقوق.. وسنشير الى معالم الصياغة الشرعية لهذه العلاقة بنحو الاجمال ضمن عدة نقاط هي:

النقطة الاولى: حفظ الكيان الاسري من الانهيار.. فحينما تبرز حالات الخلاف والنزاع بين الزوجين - وبالنظر لكون مثل هذه الحالات ليست نادرة سيما لحديث العهد بالحياة الزوجية او لقليل التجربة او لغير الجدير او لغير الواعي والناضج اجتماعيا اولمن يعجز عن معالجة مشاكله الداخلية بنفسه - يبرز دور هذه المجموعة بشكل واضح ليقوموا بدور ايجابي وبتوجيه شرعي لذلك من اجل الحد من تدهور العلاقة الزوجية وعلاج المشكلة قبل ان تستفحل وتصل الى الطلاق بل حتى قبل ان تصل الى اعتاب المحاكم الشرعية قال تعالى: (وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من اءهله وحكما من اءهلها ان يريدا اصلاحايوفق اللّهينه ما ان اللّه كان عليما خبيرا) [سورة النساء:35»..

والاية علقت آمالا كبيرة على هؤلاء وتفاءلت بقدرتهم على تجاوز هذه الازمة باستثناء حالات شاذة يابى فيه الزوجان الحل ويتخذان قرارا برفضه.. وتلاحظ الدقة العالية للمشرع الاسلامي هنا حيث اقترح حلا متوازنا ومتعادلا ابعد ما يكون عن الوقوع في الحيف او التخيز الى طرف دون آخر حيث فسح المجال لتدخل مجموعتين احداهما تمثل اقارب الزوج والاخرى تمثل اقارب الزوجة ثم يتم انتخاب خبير ومجرب ومشاور من كل مجموعة.. وفي مثل هذه الحال سيوفق هذان الحكمان الى الاصلاح غالبا ما لم تصطدم مهمتهما بمانع مستعص فيكون للاقارب دور لحماية الاسرة من داخلها..

النقطة الثانية: الدعم المالي.. وذلك حين عروض بعض الطوارئ كارتكاب جناية خطا واشتباها.. فان الانسان لدى انهماكه في معترك الحياة قد يبتلى بمثل هذه الامور لا عن عمد.. ففي هكذا موارد تتقدم طائفة من الارحام وهي العاقلة للتخفيف من تبعات الحوادث غير المتعمدة فتساهم مساهمة مالية بالوقوف الى جانب هذا المطالب بدفع تعويضات مالية عما جنت يده.. اجل قيدت الشريعة ذلك بحالات الخطا لا العمد باعتبار ان الانسان مسؤول عن كل فعل يقوم به عن تعمد وقصد ويتحمل نتائج ذلك وحده فقط الا اذا تطوع الاخرون بالدعم وبادروا للمعونة لكن لا على نحو الالزام والا لانفتح باب الاعتداء على الغير لان الجاني سوف يعول في تدارك ذلك على ارحامه بخلاف غير القاصد للفعل بل صدر منه ذلك الفعل اشتباها وخطا.. فالدعم هنا دعم مشروط ومنضبط ومحدد ولوجود اسباب انسانية تدعو لذلك..

وهذا دور ايجابي لاولي الارحام لحماية الاسرة عما تتعرض اليه من صدمات من خارجها..

النقطة الثالثة: وبموازاة تلك الوظائف والواجبات قد منحت الشريعة لاولي الارحام بعض الامتيازات والحقوق المادية والمعنوية لاعلى نحو المبادلة وبروح التعويض.. بل على نحو المبادرة وبروح تحكيم الاواصر الاجتماعية وتقوية العلاقات الانسانية.. فمن ذلك تخصيص نسبة من تركة الانسان بعد موته لاولي الارحام بعضها الزامية، وبعضها اختيارية وتبرعية.. بل ان لهم النسبة الاكبر من الارث في مقابل من يرث بالسبب.. ولا يخفى ان القاعدة في ارث الوارث النسبي معنونة بعنوان (اولي الارحام).. وهذاالعنوان له آثار قانونية فبمقدار شدة القرابة بين الوارث والمورث يزداد الامتياز الارثي.. كما ان لهذا العنوان ايحاءات نفسية وروحية حيث يعزز من الشعور بالاعتزاز بالارتباط القربي ويزيد في توطيده ويحث الانسان على عدم التفريط بهذا الارتباط العائلي..

النقطة الرابعة: وايضا من الحقوق التي اعتنت بها الشريعة اي اعتناء مبدا صلة الرحم.. وهو مبدا اجتماعي مقدس شجع عليه الاسلام وامر بتقوية هذه الاصرة حتى مع القريب الذي لم يؤد حق القرابة مما يدل على ان المسالة ليست مسالة مبادلة ومعاملة، بل عملية اسهام واشراك للجميع في انشاء الخلايا المكونة للصرح الاجتماعي الكبير وتقوية ما بينها من العلاقات..

فما ذلك الاتوزيع ادوار وتقسيم مهام.. وفي الوقت الذي دعا فيه الاسلام لتحكيم هذه العلاقات القربية حذر من مغبة قطعها وبترها اواضعافها..

وينبغي ان يعلم ان صلة الرحم عنوان وسيع يمكن ان يتجسد من خلال عدة ممارسات فقد يتحقق هذا العنوان عبر اللقاءات والزيارات الودية وقد يتحقق حين اسداء معونة مالية ام انسانية وقد يتحقق بصرف ما فرض اللّه من زكاة ومن ضرائب شرعية على الاقرباء..

النقطة الخامسة: ان تمتين العلاقات القربية لا يعني انكفاء الاسرة على نفسها ونشوء حالة انطوائية قد تؤدي الى تقسيم الكيان الاجتماعي الكبير الى كيانات اسرية محلية تتسع تدريجا وتتحول الى قبائل وشعوب وتطغى حينها النظرة العشائرية والقبلية..لذا فقد حارب الاسلام النظرة القبلية والتعصب العشائري لكون ذلك حالة سلبية تقود الى تقطيع المجتمع في حين اراد الاسلام للعلاقة الاسرية ان يكون لها مساهمة بناءة في تقوية المجتمع لا تجزئته..

فالعلاقة الاسرية تقع في طول العلاقات الاجتماعية العامة لا في عرضها ولا تسير بمعزل عن الاتجاه العام.. قال تعالى: (قل ان كان اباؤكم واءبناؤكم واخوانكم واءزواجكم وعشيرتكم واءموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها اءحب اليكم من اللّه ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى ياءتي اللّه بامره).. هدانا اللّه الى ما يرضيه وترك ما لا يرضيه..

.. ولا حول ولا قوة الا باللّه..

رئيس التحرير

 

مقياس السفر الشرعي مكاني او زماني

آية اللّه السيد كاظم الحسيني الحائري

 

الحمد للّه رب العالمين وصلى اللّه على محمد وآله الطاهرين.

هل المسافة الشرعية للسفر بلحاظ المقدار الطولي والمكاني هي المسافة التي كانت معهودة في عصر النصوص اوانها اختلفت باختلاف وسائل السفر المتعارفة؟ قد يقال: ان روايات تحديد المسافة ليست جميعا قد حددت المسافة بالوحدة الطولية كثمانية فراسخ او اربعة وعشرين ميلا او كذا كيلو مترا حتى يقال: ان هذا المقدار لا معنى لتغيره بتغير الزمان او بتغير وسائل السفر، وانما تلك الروايات وردت بالسنة مختلفة يمكن حصرها في ثلاثة السنة:

الاول - التحديد بوحدة طولية او قل بمقدار الابتعاد المكاني عن الوطن من قبيل:

1 - صحيحة عبد اللّه بن يحيى الكاهلي: انه سمع الصادق(عليه السلام) يقول في التقصير في الصلاة: «بريد في بريد اربعة وعشرون ميلا» ((1)) هذا في نقل الشيخ((2))، واضاف في نقل الصدوق زيادة: «ثم قال: كان ابي(عليه السلام) يقول: ان التقصير لم يوضع على البغلة السفواء((3)) والدابة الناجية((4))، وانما وضع على سير القطار» ((5)). وليس في السند من يتوقف لاجله عدا عبد اللّه الكاهلي ويكفيه نقل البزنط ي عنه، على ان النجاشي قال: «كان عبد اللّه وجها عند ابي الحسن(عليه السلام)» ((6)).

2 - رواية الفضل بن شاذان عن الرضا(عليه السلام) في كتابه الى المامون: «والتقصير في ثمانية فراسخ وما زاد، واذاقصرت افطرت»((7)) وعيب السند هو عيب اسانيد الصدوق الى الفضل بن شاذان.

3 - رواية محمد بن مسلم عن ابي جعفر(عليه السلام) عن ابيه(عليه السلام) عن النبي(صلى اللّه عليه والسلم) قال:

«التقصير يجب في بريدين»((8)) وفي السند علي بن محمد بن قتيبة حيث روى الشيخ الحر هذا الحديث عن رجال الكشي عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان عن ابيه عن غير واحد من اصحابنا عن محمد بن حكيم وغيره عن محمد بن مسلم.

4 - رواية عيص بن القاسم عن ابي عبد اللّه(عليه السلام) قال في التقصير: «حده اربعة وعشرون ميلا»((9)) وعيب السندعبارة عن عيب سند الشيخ الى علي بن الحسن بن فضال بناء على ما في الوسائل من نقل هذا الحديث عن الشيخ باسناده الى علي بن الحسن بن فضال.

ولكن الموجود في التهذيب((10)) هو الحسن بن علي بن فضال، وليس علي بن الحسن بن فضال، وسند الشيخ في الفهرست الى الحسن بن علي بن فضال صحيح((11)).

الا ان المظنون صحة ما هو وارد في الوسائل، لان الرواية نفسها مروية في الاستبصار((12)) بعنوان اخبرني احمد بن عبدون عن علي بن محمد بن الزبير عن علي بن الحسن بن فضال...

والشيخ ليس له في مشيخة التهذيب سند الى الحسن بن علي بن فضال، ولكن له فيها السند الى علي بن الحسن بن فضال.

5 - صحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لابي عبد اللّه(عليه السلام) ادنى ما يقصر فيه المسافر الصلاة؟ قال: «بريد ذاهباوبريد جائيا»((13)).

6 - صحيحة زيد الشحام قال: سمعت ابا عبد اللّه(عليه السلام) يقول: «يقصر الرجل الصلاة في مسيرة اثني عشرميلا»((14)).

7 - صحيحة زرارة عن ابي جعفر(عليه السلام) قال: «التقصير في بريد، والبريد اربعة فراسخ»((15)).

8 - صحيحة زرارة قال: سالت ابا عبد اللّه(عليه السلام) عن التقصير، فقال: «بريد ذاهب وبريد جائي»((16)). ونحوهاروايات اخرى((17)).

الثاني - التحديد بوحدة زمنية من قبيل:

1 - رواية سعيد بن يسار بسند فيه عمرو بن حفص او عمر بن حفص قال: سالت ابا عبد اللّه(عليه السلام) عن الرجل يشيع اخاه في شهر رمضان فيبلغ مسيرة يوم او مع رجل من اخوانه، ايفطر او يصوم؟ قال: «يفطر»((18)).

2 - موثقة زرارة عن ابي جعفر(عليه السلام) قال: قلت الرجل يشيع اخاه في شهر رمضان اليوم واليومين؟ قال:

«يفطرويقضي...»((19)).

وفي دلالة هذين الحديثين على الوحدة الزمنية غموض.

3 - صحيحة علي بن يقطين قال: سالت ابا الحسن الاول(عليه السلام) عن الرجل يخرج في سفره((20)) قال:

«يجب عليه التقصير في مسيرة يوم((21)) وان كان يدور في عمله»((22)).

وعيب هذه الرواية ابتلاؤها بمعارضة الاخبار الدالة على ان من يدور في عمله يتم((23)).

والثالث - ما يشتمل على كلا التحديدين وكانهما متفقان، اي ان لسان هذه الروايات لسان يشتمل على كلتا الوحدتين، من قبيل:

1 - موثقة سماعة قال: سالته عن المسافر في كم يقصر الصلاة؟ فقال: «في مسيرة يوم، وذلك بريدان وهما ثمانية فراسخ»((24)).

2 - صحيحة ابي ايوب عن ابي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سالته عن التقصير، قال: فقال: «في بريدين او بياض يوم»((25)).

3 - صحيحة ابي بصير قال: قلت لابي عبد اللّه(عليه السلام) في كم يقصر الرجل؟ قال: «في بياض يوم اوبريدين»((26)).

ولم يكن يستشعر في زمن صدور الروايات باي تعارض او تصادم بين الوحدتين لتطابقهما على سير الجمال وقتئذ،والذي كان هو الاكثر تعارفا عندهم للذين يحملون الثقال من الاثاث من السير على حيوان آخر اسرع او ابطا مشيا،فكان المتعارف في سير الجمال هو قطع ثمانية فراسخ في بياض يوم، فليس المهم اذا ان تكون الوحدة الاصلية هي وحدة الزمن او وحدة المسافة او ان تكونا مشيرتين الى امر واحد.

اما اليوم فقد اختلفت احدى الوحدتين في وضعها المتعارف عن الاخرى، فلو كانت العبرة بالوحدة الطولية او المكانية فهي هي التي كانت وقتئذ، ولا معنى لتبدلها او تطورها يوما ما، اما لو كانت العبرة بما تتعارف من وحدة زمانية وانمااخذت الوحدة المكانية او وحدة المسافة كامر مشير الى الوحدة الزمانية فقد تبدلت الوحدة الزمانية في عرف اليوم يقينا،فلا احد يسافر عادة على الجمال الا من شذ وندر، وانما السفر الاعتيادي يكون بالوسائل الحديثة من السيارات اوالطائرات او الباخرات.

محاولة للجمع بين الروايات:

ففي زماننا الحاضر يظهر التصادم بين هذه الروايات.

وقد يقال: ان بالامكان الجمع بينها بالرجوع الى طائفة رابعة من الروايات ظاهرة في ان الوحدة الاصلية انما كانت هي الوحدة الزمانية، واما التحديد بالمسافة فكان على ضوء تطابقها مع الوحدة الزمانية. وان شئت فسم ذلك باسم حكومة هذه الطائفة على تلك الطوائف.

وهذه الطائفة تتمثل في عدة روايات، من قبيل:

1 - ما مضى من صحيحة عبد اللّه بن يحيى الكاهلي في الطائفة الاولى، فقد مضى انها نقلت في نقل الشيخ((27)) كون المقدار هو: «التقصير في الصلاة بريد في بريد اربعة وعشرون ميلا» وعلى هذا النقل تصبح الرواية من الطائفة الاولى، ولكن في نقل الصدوق اضيف في ذيل الرواية قوله: «كان ابي(عليه السلام) يقول ان التقصير لم يوضع على البغلة السفواءوالدابة الناجية، وانما وضع على سير القطار»((28)).

فلو كانت الوحدة الاصلية هي وحدة المسافة ومقدار الفاصل المكاني فمن الواضح ان هذا لا يختلف باختلاف السفربالقطار - على حد تعبير الرواية - او على البغلة السفواء او على الدابة الناجية او على الطائرات السريعة في زماننا،فالبريد هو البريد والميل هو الميل واربعة وعشرون هو الاربعة وعشرون من دون تاثير لالة السفر في ذلك، افليس يعني قوله(عليه السلام) «ان التقصير لم يوضع على البغلة السفواء والدابة الناجية، وانما وضع على سير القطار»: ان المقياس الاصلي هو الوحدة الزمنية، وهي بياض اليوم؟! وبما ان القطار اي الجمال التي كانت تشكل القافلة كانت تسير في بياض يوم اربعة وعشرين ميلا قلنا: ان مسافة القصر هي الاربعة وعشرون ميلا؟! فلو اختلفت اليوم الوحدة الزمنية عن الوحدة المكانية كان علينا ان نتبع الوحدة الزمانية.

2 - رواية الفضل بن شاذان التي رواها الصدوق باسناده الى الفضل بن شاذان، وهي بشكلها الذي نقلناه في الطائفة الاولى تكون من الطائفة الاولى، ولكن بشكلها الذي رواه الصدوق باسناده الى الفضل بن شاذان عن الرضا(عليه السلام)انه سمعه يقول: «انما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا اقل من ذلك ولا اكثر، لان ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة والقوافل والاثقال فوجب التقصير في مسيرة يوم، ولو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة الف سنة، وذلك لان كل يوم يكون بعد هذا اليوم فانما هو نظير هذا اليوم، فلو لم يجب في هذا اليوم لما يجب في نظيره، اذ كان نظيره مثله لا فرق بينهما» ((29)).

3 - وزاد في العلل((30)) وعيون الاخبار((31)) قوله: «وقد يختلف المسير، فسير البقر انما هو اربعة فراسخ، وسيرالفرس عشرون فرسخا، وانما جعل مسير يوم ثمانية فراسخ، لان ثمانية فراسخ هو سير الجمال والقوافل، وهو الغالب على المسير، وهو اعظم السير الذي يسيره الجمالون والمكاريون»((32)).

افلا يعني كل هذا ان الوحدة الاصلية هي الوحدة الزمنية، وان اتخاذ الوحدة الطولية كان على ضوء الوحدة الزمنية؟! 4 - رواية محمد بن مسلم بسند فيه سند الشيخ الى علي بن الحسن بن فضال عن ابي جعفر(عليه السلام) قال: سالته عن التقصير، قال: «في بريد» قال: قلت بريد؟ قال: «انه اذا ذهب بريدا ورجع بريدا فقد شغل يومه»((33)) فتراه علل كفاية بريد واحد بان له رجعة، فاذا رجع فقد تم اشتغاله بالسفر بمقدار بياض اليوم وهذا يعني ان المقياس الاصلي اذا هوبياض اليوم.

5 - مرسلة الصدوق في المقنع قال: سئل ابو عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل اتى سوقا يتسوق بها وهي من منزله على اربع فراسخ، فان هو اتاها على الدابة اتاها في بعض يوم، وان ركب السفن لم ياتها في يوم، قال: «يتم الراكب الذي يرجع من يومه صوما، ويقصر صاحب السفن»((34)).

وهذه هي الرواية الوحيدة التي تدل - زائدا على ان المقياس الاصلي هي الوحدة الزمنية دون الوحدة الامتدادية - على ان اختلاف آلة السفر ايضا يؤثر في الحساب، ولا يقتصر على حساب سفر الجمال فحسب، في حين ان المستفاد من روايات اخرى كان عبارة عن ان المقياس يكون وفق الالة الاكثر تعارفا في سير الناس.

ولعل مقتضى الجمع ان يقال: ان اختلاف آلة السير لم يفرض في الرواية الاخيرة هو المؤثر في اختلاف الحكم، وانماالمؤثر هو اختلاف مجال السير، فلمجرى البحر مقياسه ولمجرى البر مقياسه، وبما انه فرض في الحديث ان مجرى البر يستوعب السير بمقدار نصف يوم، لان المسافة كانت اربعة فراسخ، ولم يكن المفروض رجوعه في نفس اليوم حتى يشغل بياض النهار حكم عليه بالتمام، ولكن في مجال البحر كان المفروض ان سفره يشغل يومه، فحكم عليه بالقصر.

فالنتيجة اذا هي اننا في هذا اليوم يجب ان نفتح حسابا خاصا للسفر البري بالسيارات وحسابا خاصا للسفر البحري بالباخرات وحسابا خاصا للسفر الجوي بالطائرات، وناخذ في كل مجال في هذه المجالات الثلاثة بما هو اكثر تعارفابين المسافرين.

الا ان الانصاف ان الرواية الاخيرة - وهي مرسلة المقنع - خارجة عما نحن فيه اساسا، فان مفادها ان الراكب الذي يرجع من يومه يصوم رغم ان مجموع الرواح والمجيء يكون ثمانية فراسخ، وذلك بمعنى ان الرجوع الى الوطن في نفس اليوم كاف في صحة الصوم سواء ابقينا ذلك على اطلاقه او قيدناه بما دل على اشتراط الرجوع قبل الزوال. واماالذي يسافر عن طريق الماء بالسفينة ويطول سفره فلا يستطيع الرجوع في نفس اليوم فيفطر.

هذا بغض النظر عن انه لا حجية في مرسلة المقنع، فاذا قطعنا النظر عنها لعدم تماميتها سندا ودلالة - كما عرفت - يبقى ان نرى هل نفترض المقياس هو الشيء الاكثر رواجا من وسائل السفر ونقيسه ببياض اليوم ومن دون ان نفرق بين السفر البري والبحري والجوي، او نفترض المقياس هي الثمانية فراسخ كائنة ما كانت الوسيلة؟ علاج التعارض:

وعندئذ نقول: اننا مؤقتا نقطع النظر عن الروايات التي افترضها صاحب مقياس بياض يوم حاكمة ومعللة لمقياس الفراسخ بتطابقه وقتئذ لسير بياض يوم ننظر الى الروايات التي فرضت تعارضها فيما بينها والتي حددت بعضهاالمسافة بالفراسخ وبعضها ببياض يوم وبعضها بالجمع بين الامرين، ونلفت النظر للجمع العرفي فيما بينها الى نكتتين:

الاولى - وضوح ان الثمانية فراسخ لها تحدد واقعي في حين ان السير بمقدار بياض يوم ليس له تحدد واقعي، اذيختلف باختلاف وسيلة السير وباختلاف طول النهار وقصره بل وحتى السفر المتعارف في فصل من الفصول لايحدده، فان السفر على الفرس ايضا كان متعارفا وقتئذ كالسفر على الجمال وكان مقدار السير على الجمال وخاصة الجمال المثقلة بالاثاث يختلف كثيرا عن مقدار السير على الفرس.

والثانية - ان تحديد الفراسخ بعلائم الاميال لم يكن وقتئذ رائجا في غالب الاسفار كما في يومنا هذا، فكان المقياس الوحيد الذي يمكن تقدير مقدار الفراسخ بها في كثير من الاسفار منحصرا بجعل زمن السير امارة على ذلك.

وبعد الالتفات الى هاتين النكتتين نقول: ان المفهوم عرفا من الجمع بين تلك الروايات ان التحديد بالفراسخ تحديدواقعي، فانه الذي لا يزيد ولا ينقص، وان التحديد ببياض يوم تحديد اماري امارة على مقدار الفراسخ المطوية،فالائمة(عليه السلام) جعلوا العلامة المشخصة لمقدار السير بياض يوم، وجعلوا ذلك بلحاظ سير الجمال المثقلة المالوفة وقتئذ.

وهذا ليس لان سير الجمال هو المالوف والاكثر وقوعا لدى المسافرين من سير الخيل مثلا، بل لان سير الجمال هوالذي كان يطابق فيما تعارف وقتئذ ثمانية فراسخ في اليوم.

ومما يشهد لذلك ما اشرنا اليه من ان بياض يوم في الايام الطويلة يختلف كثيرا عنه في الايام القصيرة، ولكن الذي لم يكن يختلف هو ان الجمال كانوا يسيرونها في كل يوم منزلين يسمى كل منزل بريدا، ولم يكونوا يسيرون الجمال عادة في كل يوم باكثر من ذلك ولا اقل سواء طالت الايام كايام الصيف ام قصرت كايام الشتاء، فسمي ذلك باسم مسيربياض يوم، وروايات مسير يوم او بياض يوم او البريدين او بريد في بريد او ما الى ذلك كلها اشارة الى ما كان يعتبرمعرفا لتحقق السير ثمانية فراسخ.

وبهذا اتضح تفسير الرواية الثالثة التي فرضت من الروايات الحاكمة وهي رواية محمد بن مسلم عن ابي جعفر(عليه السلام) قال: سالته عن التقصير؟ قال: «في بريد قال: قلت: بريد؟ قال: انه اذا ذهب بريدا ورجع بريدا فقد شغل يومه»((35))، وهذا يعني انه(عليه السلام) يعط ي علامة على كون البريد ذاهبا والبريد جائيا يساوي ثمانية فراسخ، لانه يشغل يومه، والذي كان بسير الجمال عبارة عن قطع ثمانية فراسخ.

واما خبر الفضل بن شاذان وهي الرواية الثانية والثالثة مما فرض حاكما ومفسرا وجاعلا المقياس الحقيقي مقياسازمانيا لا مكانيا فهو عبارة عن قوله(عليه السلام): «انما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا اقل من ذلك ولا اكثر،لان ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعام ة والقوافل والاثقال فوجب التقصير في مسيرة يوم» وزاد في العلل وعيون الاخبار:«وقد يختلف المسير، فسير البقر انما هو اربعة فراسخ...» فتاكيده(عليه السلام) على ان التقصير انما يجب في ثمانية فراسخ لا اقل ولا اكثر كالصريح في ان الموضوع الحقيقي للتقصير انما هو سير ثمانية فراسخ، فالتعليل في المقام ينصرف الى الحكمة، لا العلة التي هي بمعنى الموضوع الذي يدور مداره الحكم وجودا وعدما.

والغالب في روايات علل الاحكام هو ذكر مجرد الحكم والمصالح، وهذا لا يوجب انتزاع موضوع آخر للحكم، وسلخ الموضوع الاول عن كونه موضوعا، على ان الخبر غير تام سندا.

وبذلك لم يبق في المقام ما يدعى كونه حاكما ومثبتا للمقياس الزمني الذي يختلف مقدار ما يستوعبه من المسافة اليوم عن ذلك اليوم الا صحيحة عبد اللّه ابن يحيى الكاهلي: انه سمع الصادق(عليه السلام) يقول في التقصير في الصلاة:«بريد في بريد اربعة وعشرون ميلا، ثم قال: كان ابي(عليه السلام) يقول:

ان التقصير لم يوضع على البغلة السفواء والدابة الناجية، وانما وضع على سير القطار»((36)).

والواقع ان هذه الرواية لا اشارة فيها الى الوحدة الزمانية من قريب او بعيد، بل هي واضحة الدلالة على ان المقياس هو بريد في بريد، وبما ان البريد يعني المنزل الذي ينزله المسافرون عادة للاستراحة وحط الرحل في نصف يوم وكان يعتبر سفر يوم بريدين، فهنا محل للتساؤل وهو لما كان البريد يختلف مقدار مسافته بالسير على البغلة السفواء اوالدابة الناجية عنه بسير القطار الذي كان على الجمال المثقلة، فاي بريد هو المقصود في المقام؟! ولماذا فسر البريدبمعنى اربعة وعشرين ميلا مع ان البرد تختلف؟! فاجاب الامام(عليه السلام) بانه كان ابي(عليه السلام) يقول:

«ان التقصير لم يوضع على سير البغلة السفواء او الدابة الناجية،وانما وضع على سير القطار» وهي الجمال المثقلة.

ومن المعلوم ان سير الجمال المثقلة وقتئذ لا يختلف مقداره عنه في هذا الزمان، وانما فرق هذا الزمان عن ذاك الزمان هو غياب اصل سير الجمال، وليس اختلاف مقداره، ولم تكن في الرواية اشارة الى مقياس زمني قبل ذكره للبغلة السفواء والدابة الناجية كي يصبح معنى العبارة صرف المقياس الزمني الى سير ما تعارف عليه السير مثلا، وانما الوارد في الرواية هو البريد والاميال، فهذا الذيل اشارة الى كيفية تطبيق البريد على الاميال.

وكان المستدل توهم ان البريد اسم لمقطع محدد من المسافة كما هو الحال في الفرسخ والميل، في حين انه ليس الامركذلك، وانما البريد يعط ي معنى المنازل السفرية المرسومة وقتئذ، وما في الروايات من تفسير البريد باربعة فراسخ انما يعني ان البريد في سير الجمال يساوي اربعة فراسخ.

ولعل هذا هو السبب في انه ورد في بعض الروايات بدل ذكر البريدين ذكر ثلاثة برد، فكانه كان ينظر الى سير ابطامن سير الجمال.

وآخر دعوانا ان الحمد للّه رب العالمين انتهيت من هذه الكتابة في ليلة ميلاد الامام الرضا(عليه السلام) ليلة الحادي عشر من ذي القعدة 1422ه في بلدة اخته الطاهرة - قم المقدسة

 

الاجارة في المعاملات البنكية

اية اللّه السيد محسن الخرازي

 

 الحمد للّه رب العالمين، وصلى اللّه على محمد وآله الطيبين الطاهرين حقيقة الاجارة:

المعروف ان الاجارة: هي تمليك المنفعة بعوض ومعلوميتهما من جهة المقدار والزمان وغيرهما من شرائط صحة الاجارة.

اورد عليه السيد المحقق البروجردي(قدس سره): ان الاجارة بمعناها الاسمي اضافة خاصة يعتبرها العقلاء في العين المستاجرة بالنسبة الى المستاجر مستتبعة لملكه او استحقاقه لمنفعتها او عملها، وتسلطه عليها بتلك الجهة، ولذلك لاتستعمل الا متعلقة بالعين((37)). وعليه، فتمليك المنفعة ليس مفادا اوليا للاجارة، بل مفادها الاولي آجرتك الدار اواكريتك اياها.

وربما تفسر الاجارة بانها تسليط على العين لينتفع بها في مقابل العوض، معتضدا بان الاجارة تتعلق بنفس العين بدون تقدير المضاف.

اورد عليه: ان هذا التعريف لا يصح في اجارة الاحرار، ولذا قال في جامع المدارك: «ان الحر غير قابل لهذا المعنى،ولذا لو حبس الحر لا يضمن منافعه بخلاف حبس العبد او التسلط على الاعيان الخارجية فان الاستيلاء عليها موجب للضمان، واختلاف الحقيقة باختلاف المتعلق بعيد»((38)).

يمكن ان يقال: ان التسليط الممنوع في الحر هو الذي لا يكون بالاختيار والرضا، واما مع الرضا، والاختيار فلا منع عنه، بل هو مؤكد للحرية في الاحرار، بل لعله قابل للاعتبار العقلائي، ولعل لذلك عبر عنه بالتاييد في جامع المدارك،فتدبر.

يمكن ان يقال: ان التسليط من آثار الاجارة والاحكام المترتبة عليها بعد انعقادها، حيث يجب على المؤجر تسليم العين، لا انه مساوق لمفهومها، فهذا التفسير لا يمكن المساعدة عليه، لانه تفسير بلازمها، فالاقرب في تفسيرها هوالذي عرفت من السيد المحقق البروجردي(قدس سره) وتبعه سيدنا الامام المجاهد والسيد الفقيه الگلبايگاني(قدس سرهمهما).

وكيفما كان فعقد الاجارة لازم من الطرفين، ولا خلاف فيه، ويدل عليه العمومات، من قوله عز وجل (اءوفوابالعقود)((39)) وقوله(صلى اللّه عليه والسلم): «المؤمنون عند شروطهم»((40)) بناء على ان الشرط هو الالتزام في مقابل الالتزام لا الالتزام في ضمن التزام آخر. هذا مضافا الى صحيحة علي بن يقطين قال: سالت ابا الحسن(عليه السلام) عن الرجل يكتري السفينة سنة او اقل او اكثر، قال: «الكراء لازم الى الوقت الذي اكتراه اليه، والخيار في اخذ الكرى الى ربها ان شاء اخذ وان شاء ترك»((41)).

هنا مسائل:

المسالة الاولى:

تجوز الاجارة بشرط تمليك العين المستاجرة بعد ختام مدة الاجارة واعطاء اقساط الاجارة، لان الاجارة المذكورة تشملها ادلة نفوذ الاجارة كما ان الشرط مشمول لادلة نفوذ الشروط وحيث لا جهالة في العين ولا في الاقساط ولا في الشرط فلا مانع من النفوذ والصحة.

ثم ان هذا الشرط اعني شرط التمليك شرط الفعل ولا اشكال في جوازه، وانما الكلام في شرط النتيجة، كما اذا آجرالعين بشرط ملكيتها عند ختام مدة الاجارة واعطاء اقساط الاجارة، والاقوى انها صحيحة، لعدم قيام دليل على توقف الملك على اسباب خاصة، فيجوز بشرط حصوله في عقد الاجارة.

وتفصيل ذلك - كما افاد شيخنا الاعظم(قدس سره) - انه «ان دل الدليل الشرعي على عدم تحقق تلك الغاية الا بسببهاالشرعي الخاص كالزوجية والطلاق والعبودية والانعتاق وكون المرهون بيعا عند انقضاء الاجل ونحو ذلك كان الشرط فاسدا، لمخالفته للكتاب والسنة كما انه لو دل الدليل على كفاية الشرط فيه كالوكالة والوصاية وكون مال العبد وحمل الجارية وثمر الشجرة ملكا للمشتري فلا اشكال. واما لو لم يدل دليل على احد الوجهين كما لو شرط في البيع كون مال خاص غير تابع لاحد العوضين كالامثلة المذكورة ملكا لاحدهما او صدقة او كون العبد الفلاني حرا ونحو ذلك ففي صحة هذا الشرط اشكال من اصالة عدم تحقق تلك الغاية الا بما علم كونه سببا لها، وعموم المؤمنون عند شروطهم ونحوه لا يجري هنا، لعدم كون الشرط فعلا يجب الوفاء به ومن ان الوفاء لايختص بفعل ما شرط، بل يشمل ترتيب الاثار عليه، نظير الوفاء بالعهد.

ويشهد له تمسك الامام بهذا العموم في موارد كلها من هذا القبيل كعدم الخيار للمكاتبة التي اعانها ولد زوجها على اداء مال الكتابة مشترطا عليها عدم الخيار على زوجها بعد الانعتاق، مضافا الى كفاية دليل الوفاء بالعقود في ذلك بعدصيرورة الشرط جزء للعقد.

واما توقف الملك وشبهه على اسباب خاصة فهي دعوى غير مسموعة مع وجود افراد اتفق على صحتها كما في حمل الجارية ومال العبد وغيرهما.

ودعوى تسويغ ذلك لكونها توابع للمبيع مدفوعة، لعدم صلاحية ذلك للفرق، مع انه يظهر من بعضهم جواز اشتراط ملك حمل دابة في بيع اخرى... الى ان قال: وكيف كان فالاقوى صحة اشتراط الغايات التي لم يعلم من الشارع اناطتهاباسباب خاصة، كما يصح نذر مثل هذه الغايات بان ينذر كون المال صدقة او الشاة اضحية او كون هذا المال لزيد،وحينئذ فالظاهر عدم الخلاف في وجوب الوفاء بها بمعنى ترتب الاثار»((42)).

المسالة الثانية:

هل يجوز شرط ملكية العين في الاجارة مع الجهالة، كان يؤجر العين بشرط ملكية العين عند اعطاء تمام مال الاجارة قبل الاجل او حاله من دون تعيين الوقت او لا يجوز؟ وحيث ان الاجارة ملحقة بالبيع في اشتراط عدم الغرر فاللازم هوملاحظة حكم الشرط المجهول في البيع.

ذهب شيخنا الاعظم(قدس سره) الى ان من شروط صحة الشرط ان لا يكون الشرط مجهولا جهالة توجب الغرر في البيع،لان الشرط في الحقيقة كالجزء من العوضين، كما سيجيء بيانه. وقال العلامة في التذكرة: «وكما ان الجهالة في العوضين مبطلة فكذلك في صفاتهما ولواحق المبيع، فلو شرط شرطا مجهولا بطل البيع»((43)) وقد سبق ما يدل على اعتبار تعيين الاجل المشروط في الثمن.

بل لو فرضنا عدم سراية الغرر في البيع كفى لزومه - الغرر - في اصل الشرط بناء على ان المنفي مطلق الغررحتى في غير البيع، ولذا يستندون اليه في ابواب المعاملات حتى الوكالة، فبطلان الشرط المجهول ليس لابطاله البيع المشروط به، ولذا قد يجزم ببطلان هذا الشرط مع الاستشكال في بطلان البيع، فالعلامة في التذكرة ذكر في اشتراط عمل مجهول في عقد البيع ان في بطلان البيع وجهين مع الجزم ببطلان الشرط((44)).

لكن الانصاف ان جهالة الشرط تستلزم في العقد دائما مقدارا من الغرر الذي يلزم من جهالته جهالة احدالعوضين.

ومن ذلك يظهر وجه النظر فيما ذكره العلامة في مواضع من التذكرة من الفرق في حمل الحيوان وبيض الدجاجة ومال العبد المجهول المقدار بين تمليكها على وجه الشرطية في ضمن بيع هذه الامور بان يقول: بعتكها على انهاحامل او على ان لك حملها، وبين تمليكها على وجه الجزئية بان يقول: بعتكها وحملها، فصحح الاول لانه تابع،وابطل الثاني لانه جزء.

لكن قال في الدروس: «لو جعل الحمل جزء من البيع فالاقوى الصحة، لانه بمعنى الاشتراط، ولا تضر الجهالة، لانه تابع»((45))، وقال في باب بيع المملوك: «ولو اشتراه وماله صح، ولم يشترط علمه ولا التفصي من الربا ان قلنا انه يملك، ولو احلناه اشترطنا»((46)) .

والمسالة محل اشكال وكلماتهم لا يكاد يعرف التئامها حيث صرحوا بان للشرط قسطا من احد العوضين وان التراضي على المعاوضة وقع منوطا به، ولازمه كون الجهالة فيه قادحة.

والاقوى اعتبار العلم، لعموم نفي الغرر الا اذا عد الشرط في العرف تابعا غير مقصود بالبيع كبيض الدجاج((47)).

وحيث كانت الاجارة ملحقة بالبيع اجماعا فما ذكره الشيخ الاعظم ياتي في الاجارة ايضا.

يمكن ان يقال: ان الدليل الناهي عن الغرر مختص بما اذا كان العوضان غرريين، لظهور قوله(عليه السلام):

«نهى النبي(صلى اللّه عليه والسلم) عن بيع الغرر» في النهي عن بيع العوضين مع الغرر، ولم يحك عنه(صلى اللّه عليه والسلم) النهي عن نفس البيع الغرري، وفرق واضح بين النهي عن بيع الغرر والنهي عن البيع الغرري، وعليه فاذا لم يكن الشرط وصفاللعوضين، بل التزام في ضمن التزام البيع، فلا وجه لبطلانه وان كان غرريا، لعدم سراية الغرر منه الى العوضين بعدعدم كونه من اوصاف العوضين، واما تقييد الالتزام البيعي بالالتزام الشرط ي الغرري فلا يوجب الا غررية نفس الالتزام البيعي لا غررية العوضين ولا نهي عن نفس الالتزام الغرري بعدما عرفت من اختصاص النهي عن الغرربالعوضين.

ثم ان دعوى ان الشرط بمنزلة الجزء ممنوعة، بانه لو كان كذلك لزم ان ينقص من الثمن اذا لم يف بالشرط، كما اذانقص احد العوضين ينقص ما يقابله، كما افاد في جامع المدارك((48)).

وعليه فالحاق الشرط بالجزء لبي، ولا يجعله جزء للعوض في البيع او الاجارة، فالفرق بين تمليك المجهولات بنحوالجزئية او بنحو الشرطية كما يظهر من العلامة صحيح. ولعل مراد صاحب الدروس مما مر ان الجزئية ربما تكون في حكم الشرطية والجهالة فيها لا تضر، ولا باس بذلك فيما اذا كانت الجزئية كذلك. نعم، لو سرت الجهالة من الشرط الى العوضين كما اذا كان من اوصاف العوضين كان فيهما باعتبار جهالة العوضين لا جهالة الشرط كما يظهر من عبارة الشيخ الاعظم(قدس سره).

وبالجملة فلا دليل على النهي عن غررية نفس البيع ولا على النهي عن غررية نفس الشرط، بل يختص الدليل بغررية العوضين، فلا تغفل.

المسالة الثالثة:

هل يجوز ان يؤجر الكلي مع اوصاف التعيين او لا يجوز؟ الظاهر من الجواهر ان اجارة الكلي المذكور جائزة حيث قال:

«(اذا استاجر دابة) معينة (اقتصر على مشاهدتها، فان لم تكن مشاهدة) بل غائبة او كانت كلية (فلابد من ذكر جنسها) كالابل (ووصفها) على وجه به يرتفع معه الغرر في الاجارة بذكر النوع من العرابي والبخاتي... الخ»((49)).

وما ذكره(قدس سره) مطابق للقاعدة فيما اذا اعتبر الكلي في الذمة.

ودعوى لزوم الملكية قبل الاجارة مندفعة، لصحة بيع السلف مع ان ملكية الكلي فيه مقارنة مع البيع، فاللازم هواعتبار ملكية الكلي حال المعاملة، وهو حاصل فيما اذا كانت ذمة البائع او المؤجر ذات اعتبار، ولا دليل على تقدم الملكية، كما ان الامر كذلك في شرط القدرة، فتدبر جيدا.

نعم، لا يجوز اجارة العين الخارجية قبل تملكها، اذ لا اعتبار للملكية قبل تملك العين الخارجية.

ولعله لذا صرح في الوسيلة((50)) وتحريرها((51)) بجواز كون العين المستاجرة كلية، فراجع باب الاجارة فيهما.

ولا فرق بين ان تكون الاجارة المذكورة مشروطة بشرط التمليك او لم تكن، وعليه فلا اشكال في اشتراط التمليك اوالملكية في اجارة الكلي مع توصيفه باوصاف معينة.

ولا اشكال فيه، وانما الكلام في اجارة الفرد المردد، صرحا في اجارة الوسيلة وتحريرها وغيرهما بعدم الجواز،ولعل المانعين الحقوا الاجارة بالبيع، ذهب الشيخ الاعظم(قدس سره) في المكاسب - في مسالة بيع بعض من جملة متساوية الاجزاء - الى عدم الجواز في الفرض المذكور مستد لا بفهم الاصحاب مع اعترافه بعدم الدليل عليه في صورة تساوي الاجزاء حيث قال:

«يتصور ذلك على وجوه... الى ان قال: الثاني ان يراد به بعض مردد بين ما يمكن صدقه عليه من الافراد المتصورة في المجموع، نظير تردد الفرد المنتشر بين الافراد، وهذا يتضح في صاع من الصيعان المتفرقة،ولا اشكال في بطلان ذلك مع اختلاف المصاديق في القيمة كالعبدين المختلفين، لانه غرر، لان المشتري لا يعلم بمايحصل في يده منهما.

واما مع اتفاقهما في القيمة كما في الصيعان المتفرقة فالمشهور ايضا - كما في كلام بعض - المنع، بل في الرياض نسبته الى الاصحاب، وعن المحقق الاردبيلي(قدس سره) ايضا نسبة المنع عن بيع ذراع من كرباس مشاهد من غير تعيين احد طرفيه الى الاصحاب.

واستدل على المنع بعضهم((52)) بالجهالة التي يبطل معها البيع اجماعا.

وآخر بان الابهام في البيع مبطل له، لا من حيث الجهالة، ويؤيده انه حكم في التذكرة مع منعه عن بيع احد العبدين المشاهدين المتساويين بانه لو تلف احدهما فباع الباقي ولم يدر ايهما هو صح خلافا لبعض العامة.

وثالث بلزوم الغرر.

ورابع بان الملك صفة وجودية محتاجة الى محل تقوم به كسائر الصفات الموجودة في الخارج، واحدهما على سبيل البدل غير قابل لقيامه به، لانه امر انتزاعي من امرين معينين.

ويضعف الاول بمنع المقدمتين، لان الواحد على سبيل البدل غير مجهول، اذ لا تعين له في الواقع حتى يجهل، والمنع عن بيع المجهول ولو لم يلزم غرر - اي الخطر والضرر - غير مسلم.

نعم، وقع في معقد بعض الاجماعات ما يظهر منه صدق كلتا المقدمتين:

ففي السرائر - بعد نقل الرواية التي رواها في الخلاف على جواز بيع عبد من عبدين - قال: ان ما اشتملت عليه الرواية مخالف لما عليه الامة باسرها مناف لاصول مذهب اصحابنا وفتاويهم وتصانيفهم، لان المبيع اذا كان مجهولاكان البيع باطلا بغير خلاف((53)).

وعن الخلاف في باب السلم انه: اذا قال: اشتريت منك احد هذين العبدين بكذا او احد هؤلاء العبيد الثلاثة بكذا لم يصح الشراء... دليلنا: ان هذا بيع مجهول، فيجب ان لا يصح، ولانه بيع غرر لاختلاف قيم العبيد، ولانه لا دليل على صحة ذلك في الشرع، وقد ذكرنا هذه المسالة في البيوع، وقلنا:

ان اصحابنا رووا جواز ذلك في العبدين، فان قلنا بذلك تبعنافيه الرواية، ولم يقس غيرها عليها((54))... الى ان قال الشيخ الاعظم(قدس سره): وسياتي ايضا في كلام فخر الدين:

ان عدم تشخيص المبيع من الغرر الذي يوجب النهي عنه الفساد اجماعا((55)).

وظاهر هذه الكلمات صدق الجهالة، وكون مثلها قادحة اتفاقا مع فرض عدم نص، بل قد عرفت رد الحلي للنص المجوزبمخالفته لاجماع الامة.

ومما ذكرنا من منع كبرى الوجه الاول - اي من عدم الدليل على البطلان - يظهر حال الوجه الثاني من وجوه المنع،اعني كون الابهام مبطلا، لعدم ثبوت الاجماع على بطلان الابهام.

واما الوجه الثالث، فيرده منع لزوم الغرر مع فرض اتفاق الافراد في الصفات الموجبة لاختلاف القيمة، ولذا يجوزالاسلاف في الكلي من هذه الافراد مع ان الانضباط في السلم آكد، وايضا فقد جوزوا بيع الصاع الكلي من الصبرة، ولافرق بينهما من حيث الغرر قطعا. ولذا رد في الايضاح((56)) حمل الصاع من الصبرة على الكلي برجوعه الى عدم تعيين المبيع الموجب للغرر المفسد اجماعا.

واما الرابع، فبمنع احتياج صفة الملك الى موجود خارجي، فان الكلي المبيع سلما او حالا مملوك للمشتري، ولا وجودلفرد منه في الخارج بصفة كونه مملوكا للمشتري.

فالوجه ان الملكية امر اعتباري يعتبره العرف والشرع او احدهما في موارده، وليست صفة وجودية متاصلة كالحموضة والسواد، ولذا صرحوا بصحة الوصية باحد الشيئين بل باحد الشخصين ونحوهما.

فالانصاف - كما اعترف به جماعة اولهم المحقق الاردبيلي - عدم دليل معتبر على المنع من بيع الفرد المردد، قال في شرح الارشاد - على ما حكي عنه بعد ان حكى عن الاصحاب المنع عن بيع ذراع من كرباس من غير تقييد كونه من اي الطرفين - قال: وفيه تامل، اذ لم يقم دليل على اعتبار هذا المقدار من العلم، فانهما اذا تراضيا على ذراع من هذاالكرباس من اي طرف اراد المشتري او من اي جانب كان من الارض فما المانع بعد العلم بذلك((57))؟ فالدليل عليه هو الاجماع لو ثبت، وقد عرفت من غير واحد نسبته الى الاصحاب.

قال بعض الاساطين - في شرحه على القواعد بعد حكم المصنف بصحة بيع الذراع من الثوب والارض الراجع الى الكسر المشاع - قال: وان قصدا معينا من عين او كليا لا على وجه الاشاعة بطل، لحصول الغرر بالابهام في الاول،وكونه بيع المعدوم، وباختلاف الاغراض في الثاني غالبا فيلحق به النادر، وللاجماع المنقول فيه... الى ان قال: والظاهربعد امعان النظر ونهاية التتبع ان الغرر الشرعي - اي مجرد الجهل - يستلزم الغرر العرفي وبالعكس، وارتفاع الجهالة في الخصوصية - فيما اذا تساوت الافراد - قد لا يثمر مع حصولها في اصل الماهية - كالفرد المردد - ولعل الدائرة في الشرع اضيق وان كان بين المصطلحين عموم وخصوص من وجهين، وفهم الاصحاب مقدم، لانهم ادرى بمذاق الشارع، واللّه اعلم.

ولقد اجاد حيث التجا الى فهم الاصحاب فيما يخالف العمومات»((58)).

حاصل كلام الشيخ الاعظم(قدس سره): انه لا دليل على اعتبار عدم وجود الابهام او الجهل في المتساويين في القيمة والخصوصيات، الا الاعتماد على الاجماع المنقول الدال على ان الاصحاب فهموا من النهي عن الغرر النهي عن الجهل او الابهام ايضا ولو لم يكن موجبا للضرر والخطر.

ثم ان كلام الشيخ وان كان في مورد البيع، ولكن يجري في الاجارة بعد كونها ملحقة بالبيع، ولعله لذا قال السيدالمحقق اليزدي(قدس سره) مسالة (4) من شرائط العوضين في الاجارة: «لابد من تعيين العين المستاجرة، فلو آجره احدهذين العبدين او احدى هاتين الدارين لم يصح»((59)).

قال في المستمسك: «هذا اذا كان على وجه الترديد، لان المردد لا وجود له في الخارج فلا تصح اجارته، اما اذا كان على وجه الكلي في المعين فلا باس باجارته كما لا باس ببيعه، كما انه اذا كان احد العبدين معينا في نفسه مردداعندهما او عند احدهما مثل الاكبر او الاصغر فالبناء على البطلان فيه مبني على مانعية الجهل، والا فلا مانع عنه عقلاولا عرفا، والادلة المطلقة تقتضي الصحة، وادلة نفي الغرر قد عرفت الاشكال فيها مع انه قد لا يكون غرر، كما اذا كان العبدان لا يختلفان بالصفات التي تختلف بها الرغبات او المالية، فالعمدة في وجه البطلان ظهور التسالم عليه»((60)).

 

الصفحة التالية