ولقد افاد واجاد بالنسبة الى بيان عدم المانع من صحة الاجارة
كالبيع فيما اذا لم يكن غرر وضرر وبالنسبة الى عدم دليل على
مانعية الجهل ولو لم يكن غررا وضررا.
ولكن تخصيص ذلك بالكلي والحكم ببطلان الفرد المردد
مطلقا لا يخلو عن تامل ونظر، لان الفرد المردد مراد
بحسب المفهوم، واما بحسب معنونه في الخارج فهو متشخص
ومتعين، والذي ليس له وجود في الخارج هو مفهوم
الفردالمردد لا معنونه، والفرد المردد عنوان للمتعينات،
والمفهوم وان كان مبهما ولا تعين فيه ولكن معنونه
من المتعينات.
وقول الشيخ الاعظم(قدس سره) «ان الواحد على سبيل البدل
غير مجهول، اذ لا تعين له في الواقع حتى يجهل»((61))منظور
فيه بعد كون معنون الفرد المردد من المتعينات.
وعليه فلا مانع من صحة بيعه ايضا فيما اذا كان اطراف الفرد
المردد متساوية في الصفات التي تختلف بها الرغبات او المالية.
واما فهم الاصحاب في الحاق الابهام في المتساويين بالغرر لو
ثبت فلا يكون دليلا اذا كان مستندا الى الوجوه المذكورة
الضعيفة، اذ فهم الاصحاب كالاجماع، فكما ان الاجماع مع
احتمال المدرك لا يكشف عن راي المعصوم،
فكذلك فهم
الاصحاب، اللهم الا ان يكون الفهم المذكور كالاجماع متصلا
الى زمان المعصوم ولم يردعهم المعصوم(عليه السلام) فيما
فهموه فانه يكشف حينئذ عن رضا الشارع به وتقريره اياه، والا
لردعهم عن ذلك ووصل الينا، والمفروض هو العدم.
والعمدة ان الاجماع وفهم الاصحاب في الحاق الابهام في
المتساويين بالغرر غير ثابت في البيع فضلا عن
الاجارة،خصوصا مع تصريح الشيخ في الخلاف((62)) في وجه
البطلان بالغرر باختلاف قيمتي العبدين، اذ المعلوم منه ان
الكلام في غير المتساويين، ففي المتساويين لم يثبت الاجماع
او فهم الاصحاب، فمقتضى اطلاق الادلة هو الصحة كما ذهب
اليه السيد المحقق الخوئي(قدس سره)((63))، فالاقوى هو
صحة اجارة احد هذين العبدين او احد هاتين الدارين فيما اذا
كانامتساويين في الصفات التي تختلف بها الرغبات خلافا لما
ذهب اليه الشيخ الاعظم والسيد المحقق اليزدي ووفاقا
لماتامل فيه المحقق الاردبيلي(قدس سره) وذهب اليه السيد
المحقق الخوئي(قدس سره).
ثم بناءا على تقدير امكان بيع او اجارة الفرد المردد كالفرد
الخارجي فان تعيين مورد البيع او الاجارة يحتاج الى توافق
البائع والمشتري او المؤجر والمستاجر، وليس هو مثل الكلي
حتى يكون تعيينه في الخارج بيد البائع، بل هومن التعينات
الخارجية، فيكون كما اذا اختلطت المملوكات من الملاك
فكما ان تعيين ملك كل فرد يحتاج الى التوافق والتراضي
فكذلك في المقام بعد صحة بيع الفرد المردد او اجارته.
ثم انه لو تاخر وقت التحويل عن وقت المعاملة وكان لبعض
الافراد نتاج او منفعة مستوفاة وصار ذلك منشا للتشاح بين
المشتري والبائع او المؤجر والمستاجر، امكن القول بالقرعة
لرفع التشاح، ولكن مع امكان التصالح والتراضي لايبقى موضوع
لقاعدة القرعة، فتدبر.
ومما ذكر يظهر انه لا اشكال في جواز جعل المؤجر تعيين مورد
الاجارة على المستاجر في العين المستاجرة اذاكانت مورد
الاجارة بنحو الكلي او بنحو الفرد المردد، فان التعيين في
الكلي بيد المؤجر، ولا اشكال في جواز جعل تعيينه بيد
المستاجر مع رضاه، كما ان التعيين في الفرد المردد بيدهما،
ولا مانع من جواز توافقهما بان يكون ذلك بيد المستاجر، فلا
تغفل.
المسالة الرابعة:
انه لو لم يشترط المؤجر في الاجارة شرط التمليك مباشرة
المستاجر بخصوصه جاز للمستاجر ان يؤجر ما استاجره للغير
مطلقا او بشرط التمليك اذا لم يكن مبلغ الاجارة ازيد مما
اعطاه للمؤجر، للعمومات واختصاص ادلة المنع بغيره،نعم مع
اشتراط المباشرة في الاجارة لا يجوز ذلك.
وحينئذ فان كانت الاجارة مع شرط التمليك فالمستحق
للشرط المذكور هو المستاجر الثاني، والا فالمستحق له
هوالمستاجر الاول، كما هو واضح.
واما اذا كان مبلغ الاجارة ازيد، فمع عدم اشتراط المباشرة وان
كان مقتضى القاعدة هو الصحة، لان المستاجر مالك للمنفعة
المطلقة غير المقيدة بالمباشرة، ولكن دلت النصوص في الدور
والاجير على عدم جواز ذلك، الا اذا احدث فيهاشيئا:
منها: صحيحة الحلبي عن ابي عبداللّه(عليه السلام) قال: «لو ان
رجلا استاجر دارا بعشرة دراهم فسكن ثلثيها وآجر ثلثهابعشرة
دراهم لم يكن به باس، ولا يؤاجرها باكثر مما استاجرها به الا ان
يحدث فيها شيئا»((64)).
ومنها: معتبرة ابي المغرا عن ابي عبداللّه(عليه السلام) في
الرجل يؤاجر الارض ثم يؤاجرها باكثر مما استاجرها؟ قال:
«لاباس، ان هذا ليس كالحانوت ولا الاجير، ان فضل الحانوت
والاجير حرام»((65)).
ومنها: موثقة اسحاق بن عمار عن جعفر عن ابيه(عليه السلام)
ان اباه كان يقول: «لا باس ان يستاجر الرجل الدار اوالارض او
السفينة ثم يؤاجرها باكثر مما استاجرها به اذا اصلح فيها
شيئا»((66))، لدلالتها بالمفهوم على ثبوت الباس اذالم يصلح.
ولا تضر دلالة معتبرة ابي المغرا على جواز الزيادة في الارض،
لامكان الجمع بينهما بالحمل على الكراهة بالنسبة الى الارض
وبقي الباقي على عدم الجواز، لعدم قرينة على رفع اليد عما
يقتضيه النهي فيه. ولا يلزم من ذلك استعمال النهي في
الكراهة، لما قرر في محله من ان الوجوب والحرمة والكراهة
ليست داخلة في معنى الامر والنهي.
ومنها: خبر ابي الربيع الشامي عن ابي عبداللّه(عليه السلام)
قال: سالته عن الرجل يتقبل الارض من الدهاقين ثم
يؤاجرهاباكثر مما تقبلها به يقوم فيها بحظ السلطان، فقال: «لا
باس به، ان الارض ليست مثل الاجير ولا مثل البيت، ان
فضل الاجير والبيت حرام»((67)).
ولكن الخبر ضعيف من ناحية ابي الربيع، ووجوده في اسناد
تفسير علي ابن ابراهيم لا يكون من شواهد التوثيق.
واما استفادة عدم الجواز في البيت من اطلاق الاخبار الواردة
في الدار بدعوى ان الدار قد لا يكون لها الا بيت واحدفمحل
تامل، لان الدار في اللغة هي المحل الذي يجمع البناء والعرصة،
اللهم الا ان يقال: ان الدار مشتمل على البيت،وهو المسكن،
وشمولها لامر زائد وهو العرصة لا يمنع عن شمولها للبيت.
وبقية الكلام في محله. ومما ذكرنا يظهر قوة القول بعدم الجواز في صورة زيادة الاجرة من دون تغيير في الموارد المذكورة، وعليه فمايظهر من العروة من الاحتياط في تلك الموارد لا وجه له بعدما عرفت من قوة دلالة الادلة على الحرمة((68)).
آية اللّه السيد محمد رضا مدرسي اليزدي
مقدمة:
من المسائل التي تعم بها البلوى ولابد للكل من معرفتها وفي
بعض الاحيان لا يمكن الاحتياط فيها هي معرفة آخروقت صلاة
الظهرين او العصر فقط، وابتداء وقت صلاة العشائين او المغرب
فقط، حيث ربما يبتلي المكلف بعدم اتيان الصلاة في اول وقتها
ويؤخرها اضطرارا او اختيارا ولا يبقى الا مقدار اتيان اربع
ركعات الى سقوط القرص وغيبوبة الشمس عن الافق.
فان كان منتهى العصر هو مغيب القرص - وهو مقدم على ذهاب
الحمرة المشرقية - فيجب على المكلف اتيان العصر وقد فاتته
صلاة الظهر، وان كان منتهى وقت العصر هو ذهاب الحمرة
المشرقية فيجب على المكلف اتيان الظهراولا ثم اتيان العصر
حيث ان ما بين سقوط القرص وذهاب الحمرة يمكن لاكثر
المكلفين الاتيان باربع ركعات العصر.
الاقوال في المسالة:
وقد ذهب المشهور او الاشهر الى الثاني واختار عدة من الفقهاء
الاول، وربما يقال بانا حتى لو التزمنا بان ذهاب الحمرة
المشرقية هو اول وقت المغرب ولكنه لا يمتد وقت صلاة
الظهرين الى ذهاب الحمرة، قال المحقق
السيدالخوئي(قدس سره) على ما في تقريراته: «وهذا - اي امتداد
وقت صلاة الظهرين الى ذهاب الحمرة - مما لا يمكن الالتزام به،
وكيف يمكن حينئذ التعبير عنهما وتوصيفهما بالظهرين، كيف
ولا معنى لكون الصلاة صلاة ظهر او عصر مع دخول الليل لدى
العرف»((69)).
هذا، مع ان المحقق صاحب الجواهر(قدس سره) صرح بامتداد
وقت الظهرين الى ذهاب الحمرة حيث قال: «... الظاهرامتداد
وقت الاجزاء اختيارا او اضطرارا الى دخول وقت صلاة المغرب،
وهو عندنا كما عرفت سقوط الحمرة المشرقية لا
القرص...»((70)). وحكي ايضا عن السيد الداماد(قدس سره)
القول ببقاء النهار الشرعي الى ذهاب الحمرة المشرقية((71)).
تحقيق المسالة:
ولتحقيق الحق في المسالة لابد من ملاحظة الادلة حتى
نتبين ما هو الموضوع لاول وقت صلاة المغرب وانه هل
هوغيبوبة الشمس او ذهاب الحمرة المشرقية؟ وعلى فرض ان
الموضوع هو ذهاب الحمرة فهل ذهاب الحمرة خارجا
علامة على غيبوبة الشمس، وانه يفهم استتار الشمس تحت
الافق بذهابها؟ ام ان الشارع فسر غيبوبة الشمس بذهاب
الحمرة؟او لا هذا ولا ذاك، بل هما موضوعان مفترقان يمكن
الجمع بينهما بنحو؟ او يجب طرح احدهما؟
ما يفهمه العرف من الغروب:
ان ما يظهر من اسم «صلاة المغرب» هو ان وقت هذه الصلاة
اول الغروب، و«الغروب» مفهوم عرفي يفهمه كل عارف باللسان،
وهو استتار القرص وسقوطه عن الافق الحسي بحيث لا يرى اذا
لم يكن في السماء غيم او شبهه، ولنفرض الان استتاره في
الامكنة التي لا تكون الجبال مانعا عن رؤيته، ففي هذه الامكنة
لا شبهة في صدق الغروب وغيبوبة الشمس اذا لم تر من دون
حجاب، كما ان الطلوع الذي هو مقابله يصدق عند بروز اول
جزء من القرص.
وعلى ما نقل عن علماء الهيئة والفيزياء وما جربه مرارا بعض
الاكابر من العلماء - ولعله واضح - ان ذهاب الحمرة المشرقية
يتاخر عن سقوط القرص عن الافق الحسي، فعلى ذلك لا
يمكن ان يكون ذهاب الحمرة علامة على المغرب العرفي، فهما
موضوعان مفترقان عند العرف.
الروايات الدالة على ان الملاك غروب الشمس:
بعد ما تبين هذا، يجب ان نسرد روايات الباب ونفحص عن
مداليلها، فنقول ونستعين باللّه ونستهديه:
ان في هذا الباب روايات كثيرة فيها الصحاح تدل على ان وقت
صلاة المغرب هو «تواري القرص» او «غروب الشمس» او«وجوب
الشمس» او «غيبوبتها» او ما يشبه ذلك، فلنذكر جملة منها:
1 - ما رواه الكليني والشيخ:
في الصحيح عن عبداللّه بن سنان، عن ابي
عبداللّه(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «وقت المغرب اذا
غربت الشمس فغاب قرصها»((72)).
هذه الرواية ظاهرة في ان المعيار غروب الشمس وغيبوبة
قرصها.
2 - صحيحة او حسنة زرارة، قال: قال ابو جعفر(عليه السلام) :
«وقت المغرب اذا غاب القرص، فان رايت بعد ذلك وقدصليت
اعدت الصلاة ومضى صومك وتكف عن الطعام ان كنت اصبت
منه شيئا».((73))
لا شك في صدور بعض هذه الروايات اجمالا وتواترها معنى،
ويكفينا الصحاح منها ان لم تكن متواترة، ولا شك في دلالة هذه
الروايات وغيرها على ان الملاك هو غيبوبة الشمس وغروبها،
وهو امر واضح عند العرف لا اجمال فيه. ولولم يكن الا مثل هذه
الروايات لا يكاد يشك احد في ان الملاك هو استتار الشمس
وغيبوبة القرص، لا سيما بعد مااجاب الامام(عليه السلام)
«فرقدا ابا يزيد» حين سال عن وقت غيبوبة القرص: بانه «اذا
نظرت اليه فلم تره»، الا ان الذي يعقدالامر طائفة اخرى من
الروايات في قبال هذه الطائفة تدل على ان الملاك ذهاب
الحمرة المشرقية - وهو يتاخر عن سقوط القرص لعشر دقائق او
اثني عشر دقيقة حسب ما جربه بعض الاكابر - فنسرد جملة
منها:
الروايات الدالة على ان الملاك ذهاب الحمرة:
1- موثقة يعقوب بن شعيب عن ابي عبداللّه(عليه السلام) قال:
قال لي: «مسوا بالمغرب قليلا، فان الشمس تغيب من
عندكم قبل ان تغيب من عندنا».((80))
ودلالتها على لزوم التاخير بعد الغروب واضح، لان
قوله(عليه السلام): «مسوا بالمغرب قليلا» يعني اخروا الى
المساء قليلا،والتاخير الى المساء قليلا يساوي ذهاب الحمرة
المشرقية، التي تذكره روايات اخرى. فاجمال مقدار التاخير
يفسر في باقي الروايات، ولا يخدش دلالته في لزوم التاخير عن
المغرب الى المساء في الجملة.
واما التعليل بان «الشمس تغيب من عندكم قبل ان تغيب من
عندنا» فلا يبعد ان يكون صدر تقية، لان الملاك لكل
مكان مشرقه ومغربه، كما ورد في بعض الروايات: «انما عليك
مشرقك ومغربك»((81)) وفي اخرى: «... انما علينا ان نصلي
اذاوجبت الشمس عنا واذا طلع الفجر عندنا، ليس علينا الا
ذلك، وعلى اولئك ان يصلوا اذا غربت عنهم».((82))
ووجه صدوره تقية هو ان يقدر المكلف على الدفاع عن نفسه
في مقابل العامة لا سيما في ذلك العصر الذي كثير من عامة
الناس بل بعض الخاصة منهم يتوهمون ان وجه الارض مستو لا
كروي. واما حمله على غيبوبة الشمس في مكان لمانعية الجبل
عن رؤيته وامره(عليه السلام) بالتاخير حتى تغيب الشمس من
مكانه(عليه السلام) الذي يوافق افقه افقه فهوخلاف الظاهر، ولا
شاهد عليه وان كان ورود الحكم بنحو القضية الخارجية ربما
يقوي ما ذكر من الاحتمال الا انه لايقاوم ما ذكرنا. فلا اشكال
في الظهور في لزوم التاخير في الجملة، اذ فرض
الامام(عليه السلام) انه تحقق المغرب وامربلزوم التاخير قليلا
الى المساء، لا انه في مورد الاشتباه وتوهم تحقق المغرب، اذ
مع الاشتباه فان التاخير القليل يساوي المغرب الحقيقي.
وكذا حمله على الاستحباب لا شاهد له، اذ لا يناسب ظهور
الامر في اللزوم، وكذا التعليل الوارد في الرواية، اذ الظاهرمنه
عدم غيبوبة الشمس وعدم دخول الوقت، فلا تصح الصلاة
حينئذ، مضافا الى ما ورد ان الصلاة في اول الوقت افضل عموما،
كصحيحة «زرارة» قال: قلت لابي جعفر(عليه السلام) : اصلحك
اللّه، وقت كل صلاة اول الوقت افضل اووسطه او آخره؟ قال:
«اوله، ان رسول اللّه(صلى اللّه عليه والسلم) قال: ان اللّه - عزوجل - يحب من الخير مايعجل»((83)).
وما ورد في خصوص المغرب، كصحيحة ليث، عن ابي
عبداللّه(عليه السلام) قال: «كان رسول اللّه(صلى اللّه
عليه والسلم) لا يؤثرعلى صلاة المغرب شيئا اذا غربت الشمس
حتى يصليها».((84))
والتعبير ب - (كان) يدل على استمرار سيرته على ذلك،
المستفاد منه رجحانه، مع ان احدا من القدماء - على ما اعلم - لم
يفت بذلك، مع انه لو كان التاخير مستحبا لذاع وشاع القول
باستحبابه.
2- معتبرة عبداللّه بن وضاح: قال: كتبت الى العبد
الصالح(عليه السلام) : يتوارى القرص ويقبل الليل ثم يزيد
الليل ارتفاعا وتستتر عنا الشمس وترتفع فوق الليل حمرة
ويؤذن عندنا المؤذنون، افاصلي حينئذ وافطر ان كنت
صائما؟او انتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الليل؟ فكتب
الي: «ارى لك ان تنتظر حتى تذهب الحمرة وتاخذ
بالحائطة لدينك»((85)).
والكلام في هذه الرواية يقع في السند تارة وفي الدلالة اخرى.
اما من حيث السند فهو تام [انظر: الملحق».
واما من حيث الدلالة: فهي قريبة من الصراحة في لزوم
الانتظار حتى تذهب الحمرة الا من حيث ذكر الاحتياط
في الفقرة الاخيرة، فان السائل فرض انه «يتوارى القرص ويقبل
الليل ثم يزيد الليل ارتفاعا وتستتر عنا الشمس وترفع فوق الليل
حمرة» كل هذا للتاكيد على علمه باستتار القرص وانه لا شبهة
من هذه الجهة اصلا، ويضيف الى ذلك ان الناس ايضا يعلمون
بذلك ولذا يؤذ نون، فبعد فرضه ذلك كله يسال عن جواز
الصلاة والافطار حينئذ، ومع ذلك كله امره الامام(عليه السلام)
بالانتظار حتى تذهب الحمرة.
اما تذييله بالاخذ بالاحتياط، فربما يقال: انه لمراعاة التقية، لان
استتار القرص هو المغرب عند العامة وعليه يرتبون آثار المغرب
من جواز الصلاة والافطار وغيرهما.
ورد بانه: لا وجه للحمل على التقية ليكون ذلك بحسب
الصورة من الاحتياط الشبهة الحكمية، بان يجعل المغرب عبارة
عن ذهاب الحمرة المشرقية وتجاوزها عن قمة الراس من باب
الاحتياط، بل الاحتياط فيه محمول على الاحتياط في الشبهة
الموضوعية، لان مجرد استتار القرص عن الانظار لا يستلزم
الاطمينان بدخول الوقت، لما فرضه من بقاءالحمرة فوق
الجبل، لانها مظنة عدم دخول الشمس تحت الافق وانما
تسترت بوجود الجبال والاطلال، ومع امكان حمل الاحتياط
على الشبهة الموضوعية من غير تقية لا مقتضى للحمل على
التقية.
ويلاحظ على هذا الرد: بان الحمل على الشبهة الموضوعية
خلاف ما فرضه السائل، اذ السائل على ما بينا ما كان شاكا في
استتار القرص، مضافا الى ان السؤال والجواب كان كليا
وامره(عليه السلام) بلزوم الاحتياط كليا لا يناسب الشبهة
الموضوعية التي ربما تتفق ،فعليه فمعنى الاحتياط هنا انه
يجب عليك ان تنتظر حتى تذهب الحمرة وتعمل بوظيفتك
وتحتاط في دينك ولا تفعل ما يفعله الناس ولا تقلدهم في
ذلك وان اذنوا وصلوا، ومع ذلك يناسب التعبيرالتقية ايضا، اذا
فلا شبهة في دلالة الرواية على لزوم الانتظار حتى تذهب
الحمرة.
3- صحيحة بكر بن محمد عن ابي عبداللّه(عليه السلام) انه ساله
سائل عن وقت المغرب؟ فقال: «ان اللّه يقول في كتابه لابراهيم:
(فلما جن عليه الليل راى كوكبا قال هذا ربي)((86)) فهذا اول
الوقت، وآخر ذلك غيبوية الشفق، واول وقت العشاء الاخرة
ذهاب الحمرة، وآخر وقتها الى غسق الليل يعني نصف
الليل».((87))
ووجه الاستدلال بهذه الصحيحة هو ان الامام(عليه السلام)
اجاب السائل عن وقت المغرب بالاية الكريمة والاية
بضميمة ارجاع الامام(عليه السلام) اليها يفيد ان دخول الليل
ملازم لرؤية الكوكب، اذ يقول اللّه تعالى (فلما جن عليه الليل)
اي ستر عليه الليل (راى كوكبا) فرؤية الكوكب مصاحبة لجن
الليل، فوقت صلاة المغرب يكون عند رؤية الكوكب الذي
هواول الليل، ولا يمكن رؤية الكوكب قبل ذهاب الحمرة
المشرقية على ما قالوا.
هذا هو تفسير الاية الكريمة بالنظر الى الرواية، والا فمع الغض
عنها لا يستفاد منها ان اول الليل هو وقت رؤية الكوكب، اذ
يقول على حسب الفهم العادي انه بعد ستر الليل عليه راى
كوكبا، وهذا لا يدل على انه رآه من دون فصل، وذلك لان جن
الليل يفهم منه اكثر من دخول الليل كما فسر به
الطبرسي(رحمه اللّه) (جن عليه الليل) وقال: اي ظلم عليه
وستر بظلامه كل ضياء، وهذا لا يتحقق الا بعد فصل غير قليل.
وهذا مما يقوي ان الرواية صدرت تقية، ومع ذلك لا ينافي
القول بان الوقت هو ذهاب الحمرة بل يؤيده اذ لو كان الوقت هو
غروب الشمس فلا حاجة الى التقية، اذ هو مذهب العامة،
فنفس صدور كلام مثل ذلك عند الاحتياج الى ذكر
الحكم الواقعي يدل على ان مذهب العامة ليس بحق، اذ لو كان
مذهبهم حقا لما كان محذورا في ذكره ولذكره
الامام(عليه السلام).فعدم ذكره مع وجود المقتضي لذكره
دليل على بطلانه.
واما ما قيل من ان الكوكب قد يرى قبل ذهاب الحمرة
وتجاوزها عن قمة الراس، فان كان المقصود به ان الكوكب
قبل ذهاب الحمرة المشرقية - ولو قبل تجاوزها عن قمة الراس - يرى في بعض الاوقات وقد لا يرى فهو مؤيد لما قلناه من انه
جواب اجمالي صدر تقية ويعلم منه الحكم الواقعي.
وان كان المقصود انه يرى دائما قبل ذهاب الحمرة المشرقية،
فهو محمول على التقية، لمعارضته لما مر.
واما ان كان المقصود انه يرى الكوكب بعد ذهاب الحمرة
المشرقية وقبل تجاوزها عن قمة الراس فلا باس به ويدل على المقصود، اذ المقصود الان
نفي كون مغيب الشمس هو وقت المغرب، وام ا انه متى يتحقق ذلك فسيجيءالبحث عنه. ان شاء
اللّه تعالى.
4- صحيحة زرارة: قال:
سالت ابا جعفر(عليه السلام) عن وقت افطار الصائم؟
قال(عليه السلام) : «حين يبدو ثلاثة انجم...»((88))
والظاهر ان رؤية ثلاثة انجم لا يمكن الا بعد ذهاب الحمرة
المشرقية. وعلى اي لا تلائم هذه الصحيحة القول بدخول الليل - الذي هو منتهى الصيام - بغيبوبة الشمس فقط.
5- ما روي في الموثق: عن يونس بن يعقوب قال: قلت لابي
عبداللّه(عليه السلام) : متى الافاضة من عرفات؟
قال(عليه السلام):«اذا ذهبت الحمرة، يعني من الجانب
الشرقي».((89))
وفي طريق آخر ربما يوصف بالصحة عن يونس عن ابي
عبداللّه(عليه السلام) : «... فقال اذا ذهبت الحمرة من
هاهنا،واشار بيده الى المشرق والى مطلع الشمس».((90))
ولكن وصف هذا الطريق بالصحة لا يخلو عن نقاش، اذ فيه
«محمد بن عبد الحميد» وما ورد في حقه توثيق من القدماء،
والتوثيق الذي جاء في رجال النجاشي تحت عنوان «محمد بن
عبد الحميد» يرجع الى ابيه لا اليه،فراجع((91)).
فهذه الرواية صريحة في ان الملاك لجواز الافاضة من عرفات
هو ذهاب الحمرة من الجانب الشرقي، ومعلوم ان وقت الافاضة
هو اول الليل بلا خلاف.
وقد يستشكل في دلالة مثل هذه الرواية على المدعى، بان
المراد من المشرق نقطة الشرق - وهي النقطة التي تطلع منها
الشمس فحسب - لا ناحية المشرق في مقابل المغرب - وهو
النقطة التي تدخل فيها الشمس تحت الافق - .
ويؤيده ما جاء في طريق آخر «واشار بيده الى المشرق والى
مطلع الشمس» ولما كانت الارض كروية ونقطة
المشرق والمغرب متقابلتين فعند ظهور القرص وعدم استتاره
تحت الافق توجد حمرة في نقطة المشرق مكان طلوع
الشمس،فاذا غاب القرص في نقطة المغرب ترتفع تلك الحمرة
عن نقطة المغرب، فارتفاع الحمرة عن تلك النقطة دليل
على مغيب القرص، فتكون الرواية دالة على القول بان اول وقت
الليل هو مغيب الشمس، والسر في جعل ارتفاع الحمرة علامة
على ذلك هو ان مشاهدة غروب الشمس ودخولها تحت الافق
امر غير متيسر للمكلفين، لعدم خلو الارض عن الجبال
والاطلال او غيرهما من الحواجب، فجعل غيبوبة الحمرة عن
المشرق امارة كاشفة عن الغروب الواقعي ودخول القرص تحت
الافق.
وفيه:
اولا: ان وجود الحمرة في نقطة الشرق قبل غروب الشمس امر
غير معلوم، ولعل المستشكل - دام ظله - جربه بنفسه والا فهو
موضع شك، لا سيما اذا قلنا بانه يرتفع عند مغيب الشمس من
غير فصل. نعم، الاعتبار يساعد على ان اول نقطة يغلب عليها
الظلمة هي نقطة الشرق، لانها ابعد نقطة عن المغرب، الا انه لا
دليل على ان غلبة الظلمة على تلك النقطة تكون بعد مغيب
الشمس بلا فصل، وان وجد عليها دليل لا يفيد ايضا كما
سيتضح. ان شاء اللّه تعالى.
وثانيا: ان حمل المشرق على نقطة خاصة في المشرق وهي
النقطة التي تطلع منها الشمس امر دقي يحتاج الى
عناية زائدة، والا فعند ما نقول: «تلك القطعة من الغمام ذهبت
الى المشرق او الى المغرب» لا يفهم منه الا الذهاب الى
جهة المشرق والمغرب، وكذا لو قلنا: «ذهبت الى مطلع الشمس
او ذهبت عن مطلع الشمس»، ويزيد هذا وضوحا ما جاء
في الرواية من ان الامام(عليه السلام) اشار بيده الى مطلع
الشمس، ومعلوم ان تلك النقطة الدقيقة لا تعرف بمجرد
الاشارة،وانما تحتاج الى ترصد الشمس وقت طلوعها كما هو
واضح.
مضافا الى ان ما جاء في الطريق المعتبر هو الجانب الشرقي،
وهو اما فهم «يونس» من اشارة الامام(عليه السلام)، وهويؤيد ما
قلنا من ان العرف لا يفهم منه الا الجهة والناحية، وذلك لان
الجانب الشرقي غير منحصر اطلاقه على نقطة المشرق بل
يعمها والجهة، واما هو كلام الامام(عليه السلام) فهو اوضح.
وهناك روايات اخرى غير نقية السند نشير الى جملة منها
تاييدا للمرام:
منها: رواية بريد بن معاوية عن ابي جعفر(عليه السلام) قال: «اذا
غابت الحمرة من هذا الجانب، يعني من المشرق، فقدغابت
الشمس من شرق الارض وغربها».((92))
وربما يورد على الاستدلال بهذه الرواية بانها تبين الملازمة
العلمية بين العلم بذهاب الحمرة والعلم بغيبوبة الشمس،لا انها
بصدد بيان الملازمة بين الوجود الواقعي لذهاب الحمرة
واستتار القرص، فعليه فلا دلالة لها على المدعى، اذغاية ما
يستفاد منها انه عند العلم بذهاب الحمرة يعلم يقينا باستتار
القرص، وهذا لا ينافي القول بان الملاك هواستتار القرص، بل
يؤيده.
وفيه ان الظاهر منها هو بيان الملازمة الواقعية بين ذهاب
الحمرة والمغرب العرفي او الشرعي.
ومنها: ما رواه علي بن احمد بن اشيم، عن بعض اصحابنا، عن
ابي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «وقت المغرب اذا
ذهبت الحمرة عن المشرق، وتدري كيف ذلك؟ قلت: لا، قال:
لان المشرق مطل على المغرب هكذا - ورفع يمينه فوق يساره - فاذا غابت هاهنا، ذهبت الحمرة من هاهنا».((93))
ومنها: ما رواه ابن ابي عمير، عمن ذكره، عن ابي عبد
اللّه(عليه السلام) قال: «وقت سقوط القرص ووجوب الافطار
من الصيام ان تقوم بحذاء القبله وتتفقد الحمرة التي ترتفع من
المشرق، فاذا جازت قمة الراس الى ناحية المغرب فقدوجب
الافطار وسقط القرص»((94)).
وربما يصحح السند بان المرسل هو «ابن ابي عمير»، ومراسيله
معتمدة، لانه لا يرسل الا عن ثقة، ولكنه غير ثابت عندنا لما نرى
من روايته عن الضعفاء، والقول بانه لا يرسل الا عن ثقة، لا انه لا
يروي الا عن ثقة كما في الوجيزة لادليل عليه، اذ الظاهر ان
المستند لهذا الكلام هو الشيخ(رحمه اللّه) في العدة وهو ذكر
انه لا يرسل ولا يروي الا عن ثقة،وحيث نعلم عدم صحة هذا
الكلام باطلاقه فلا يمكن الاعتماد عليه، على ان المرسل في
هذه الرواية غير ابن ابي عمير،وذلك لما جاء في السند عمن
ذكره، اي عمن ذكره ابن ابي عمير وسماه.
مضافا الى ان في السند سهل، وما قيل من «ان امره سهل» ليس
بتلك السهولة، لتضعيف الشيخ والنجاشي اياه،ولشهادة احمد
بن محمد بن عيسى عليه بالغلو والكذب، ولغير ذلك. ولا
يعارض ذلك ما في رجال الشيخ من توثيقه على ما حقق في
محله.
واستشكل في التنقيح من حيث الدلالة في هذه الرواية: بان
مدلولها غير مطابق لما هو المشاهد بالوجدان، لان
الحمرة المشرقية تعلو وتزول بالكلية وتحدث حمرة اخرى في
ناحية المغرب، لا ان تلك الحمرة المشرقية تعلو وتتعدى الى
قمة الراس ثم تتجاوز الى المغرب، كما هو ظاهر الرواية،
فالرواية مخالفة لما هو المشاهد بالوجدان وغير قابلة للتصديق
في مدلولها.
على انه ان اريد بسقوط القرص في الحديث سقوطه عن
الانظار ودخوله تحت الافق الحسي فعلى ما جرب مرارا لاترتب
بين الامرين ابدا، وذلك لان سقوط القرص يتحقق قبل ذهاب
الحمرة المشرقية وتجاوزها عن قمة الراس.
وان اريد بالسقوط معنى آخر كسقوطه عن الافق الحقيقي فهو
امر مبهم لا طريق لنا الى مشاهدته ولم يدلنا عليه شيء من
الكتاب والسنة.
وقد ذكر المولى المحقق الاردبيلي(قدس سره) ايضا ان
مضمون الرواية على خلاف الواقع، قال(قدس سره): «فان
الحمرة لاتصل الى جهة الراس وتتجاوز بل ترتفع قدر رمح
بجهتين وتتقدم، وهو ظاهر لمن تامل فيها».((95))
اقول: ما يستفاد من كلام التنقيح من ان ظاهر الرواية هو ان
الحمرة المشرقية تعلو وتتعدى الى المغرب وتكون الحمرة
المغربية هي نفس الحمرة المشرقية، ليس كذلك، بل الظاهر
من الرواية ان مسير الحمرة المشرقية تكون الى ناحية المغرب،
ولا منافاة بينه وبين زواله قبل وصوله الى المغرب، فالمهم ما
ذكره المقدس الاردبيلي(قدس سره) . والذي يسهل الخطب ان
الحديث مرسل وضعيف ايضا بسهل.
وهنا روايات اخرى لا حاجة الى ذكرها وفي ما سبق من
الصحيح والموثق كفاية.
الكلام في ابتداء الوقت على التحقيق:
ثم بعدما ثبت ان غيبوبة الشمس لا تكفي لدخول الليل ويجب
ان يؤخر وقت صلاة المغرب عن اول مغيب الشمس يقع الكلام
في ما هو اول الوقت بالدقة:
فقد قال بعضهم بانه ذهاب الحمرة المشرقية، وهو يتحقق
بتجاوزها جانب المشرق، وحده قمة الراس كما
في المسالك((96)).
او زوال الحمرة المشرقية عن قمة الراس الى ناحية المغرب
كما في الحدائق((97)).
وقال ابن ابي عقيل كما في المدارك: اول وقت المغرب سقوط
القرص، وعلامته ان يسود افق السماء من المشرق،وذلك اقبال
الليل((98)).
وقال جملة من الفقهاء: ان وقت صلاة المغرب هو ذهاب
الحمرة المشرقية من دون تقييدها بتجاوزها عن قمة
الراس كالشيخ في المبسوط حيث قال: «وفي اصحابنا من
يراعي زوال الحمرة من ناحية المشرق، وهو الاحوط»((99))
وهواختيار نهايته كما نقل((100))، وكذا ابن ادريس في
السرائر((101)) قال: «ويعرف غروبها بذهاب الحمرة من ناحية
المشرق،فاذا ذهبت دخل وقت صلاة المغرب» وكذا
العلامة(قدس سره) (في الارشاد والقواعد) وغيره.
وقد احتاط بعض الفقهاء كصاحب الجواهر والعروة((102))
بالصبر الى ذهاب الحمرة عن تمام ربع الفلك.
اقول: مستند هذه الاقوال هي الروايات المختلفة التي في
الباب((103))، فمستند القول الاول الذي هو لزوم تجاوز
الحمرة المشرقية عن قمة الراس مرسل ابن ابي عمير الذي ورد
فيه: «... فاذا جازت قمة الراس الى ناحية المغرب فقد
وجب الافطار...»((104)) وقد مر ضعف الرواية من حيث السند
ومن حيث المضمون، فلا يمكن الاعتماد عليه بوجه.
واما قول ابن ابي عقيل، ايضا فمستنده رواية محمد بن علي،
قال: صحبت الرضا(عليه السلام) في السفر فرايته يصلي المغرب
اذا اقبلت الفحمة من المشرق يعنى السواد،((105)).
وهي مخدوشة السند والدلالة، اذ حكم السفر اهون كما ورد في
صحيحة عبيد اللّه الحلبي: «لا باس ان تؤخر المغرب في السفر
حتى يغيب الشفق».((106)) ويستفاد من غيرها ايضا، مع ان
الظاهر ان مراده قول المشهور وذكر ملازمه كما في موثق
يعقوب بن شعيب «مسوا بالمغرب قليلا»((107)).
فلم يبق الا القول بان الوقت يدخل بذهاب الحمرة عن ناحية
المشرق، كما هو صريح عدة من الروايات، وفيها ما
يمكن الاعتماد عليه كموثق يونس، والمفهوم منه عرفا هو
ذهاب الحمرة عن حدود المشرق وان لم يذهب عن ربع الفلك
- ولكن لا يبعد تلازمهما خارجا - وكذلك وان لم يتجاوز عن قمة
الراس لو فرض انها تعلو وتتجاوز.
واما روايات الكوكب والنجم فالظاهر انها علامات على ذهاب
الحمرة والا فمضمونها على ان تكون علامة مستقلة غيرمعمول
به عند الاصحاب.
وجه الجمع بين الروايات:
بقي الكلام في وجه الجمع بين الروايات الدالة على ان الوقت
هو ذهاب الحمرة وبين الروايات الدالة على ان الوقت هومغيب
الشمس، والمشهور على ما يستفاد من تعبيراتهم: ان الملاك
هو مغيب الشمس عرفا، وعلامته هو زوال الحمرة ولما لم يكن
ذهاب الحمرة علامة حقيقة فهو علامة تعبدا بتوسعة معنى
مغيب الشمس عرفا((108)) اي مغيب الشمس بنفسها وببعض
آثارها. والسر في التعبير بمثل هذه التعابير في الروايات هو
مراعاة التقية، اذ العامة بلا خلاف بينهم من حيث
الفتوى((109)) - على ما في المغني لابن قدامة
- يرون ان الوقت
يدخل بمغيب القرص، فالامام(عليه السلام) يعبربان الوقت هو
مغيب الشمس ثم يفسر بانه لا يتحقق الا بذهاب الحمرة
المشرقية، فمع انه وقى نفسه الشريفة وشيعته من الظلمة فقد
بين الحكم. واما ما جاء من الروايات التي لا تقبل هذا التفسير
فيحمل على التقية بلا شبهة.
ومما ذكرنا يظهر ان وقت صلاة الظهر والعصر يمتد الى ذهاب
الحمرة، لان من الزوال الى غسق الليل وقتا لاربع صلوات
واجبة، قال اللّه تعالى: (اقم الصلوة لدلوك الشمس الى غسق
الليل)((110)) ويمكن اتيان صلاة واجبة في تمام هذه الاوقات،
وحيث لا يمكن اتيان صلاة المغرب قبل ذهاب الحمرة فهو
وقت صلاة الظهر والعصر، او العصر فقط حيث لا يبقى الى
ذهاب الحمرة الا مقدار اتيان اربع ركعات.
هذا كله بحسب ما ساقتنا اليه الادلة وقامت عليه الحجة، والا
فطريق الاحتياط واضح، وحسنه عند كل احد لائح، فلاينبغي
ان يؤخر الظهرين الى ما بعد مغيب الشمس.
[الملحق»
ان في السند «سليمان بن داود المنقري» وهو وان وثقه
النجاشي الا انه معارض بتضعيف ابن الغضائري، حيث حكي انه
قال في حقه: انه «ضعيف جدا لا يلتفت اليه، يوضع كثيرا على
المهمات»((111)).
وقد يجاب عن هذا:
اولا: بان تضعيفات ابن الغضائري لايعبا بها، لان المصنف لكتاب
الرجال على ما يظهر من فهرست الشيخ وغيره هوابو الحسين
(ابو الحسن ن خ) احمد بن حسين بن عبيداللّه((112)) وهو لم
يوثق صريحا في كتب قدماء الاصحاب والذي ذكروه هو ابوه
حسين بن عبيد اللّه بن ابراهيم الغضائري» فقد عنونه النجاشي
في رجاله وقال: شيخنا(رحمه اللّه) له كتب((113)) وعد
النجاشي له عدة من الكتب ليس فيها كتاب الرجال او ما يفيد
معناه، والحسين ايضا وان لم يذكرالنجاشي ولا الشيخ في حقه
توثيقا الا ان الكتاب ليس له.((114))
الا ان يقال: مثل ابن الغضائري وابيه لا يحتاجان الى تصريح
بتوثيق، وهما اعظم من ان يكون في حقهما قدح،
وهمامعروفان ومن مشايخ الاجازة، وقد روى النجاشي مع
جلالته عن الاب والابن وهو لا يروي عن
الضعفاء،واكثرالعلامة(رحمه اللّه) نقل ما ذكره ابن الغضائري
في الخلاصة، وصحح العلامة(قدس سره) طريق الشيخ الى
محمد بن علي بن محبوب وفيه حسين بن عبيد اللّه((115))
ووثقه ابن طاوس على ما نقل عنه، فلا اشكال في وثاقتهما.
ولكنه مع ذلك كله لا تطمئن النفس ولا تركن الى ما ذكر،
نعم، اذا كانا بمرتبة الاعلام كشيخ الطائفة والسيد المرتضى او
قريب منهما، صح ما ذكره. مع ان النجاشي الذي ذكر حسين
بن عبيد اللّه ولم يذكر في حقه ما يستفاد منه التوثيق قداتى
بعبارات في عنوان الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ
الطوسي يستفاد منها اضافة الى تبجيلهم، علومقامهم في
الوثاقة ايضا. فقد قال في شان الشيخ المفيد(قدس سره) :
«فضله اشهر من ان يوصف في الفقه والكلام والرواية والث قة
والعلم»((116)) فانظر كيف صرح بادب بجهة وثاقته وقال في
حق السيد المرتضى(رحمه اللّه) : «... عظيم المنزلة في العلم
والدين والدنيا»((117))، فقد صرح بعظمته في امر الدين.
وقال في ترجمة شيخ الطائفة: «جليل في اصحابنا ثقة
عين»((118)) مع انهما اي الغضائري وابنه وان كانا من
المشايخ ومن عظماء الاصحاب، الا انا لا ندري كيفية طريقتهما
في التوثيق والتضعيف، ولعل ابن الغضائري كان يعتمد
في التضعيف على ما لا يصلح الاعتماد عليه، وربما يظهر عن
بعض ما نقل عنه العلامة(قدس سره) في الخلاصة انه
ربمايراعي احاديث شخص فيحكم على صحة كتابه او فساده
كما يظهر مما نقل عنه في حق «احمد بن الحسين
بن سعيد»((119)) ومحمد بن اورمة((120))، ولعل بهذه
الطريقة ايضا كان يحكم بوثاقة الراوي او ضعفه مع انه لا يمكن
على الاطلاق قبول هذه الطريقة في توثيق الراوي وتكذيبه،
فتامل.
مضافا الى ذلك كله انه لا اذكر - عاجلا - موردا قبل العلامة
توثيقه او تضعيفه من دون تاييد آخر. نعم، ينقل آراءه كثيرا.
وعدم رواية النجاشي عمن يعرف ضعفه - على فرض تسليمه - لا
يدل على وثاقة كل من روى عنه.
وثانيا: ان الكتب المنسوبة الى ابن الغضائري لم يثبت صحة
انتسابها اليه بطريق صحيح، اذ العلامة لم يذكر طريقا له الى
الكتاب حتى في اجازته الكبيرة لبني زهرة التي ذكر فيها اسماء
الكتب التي له طريق اليها مع ذكره كثيرا من كتب العامة في
الحديث والفقه والادب وغير ذلك، وهذا يدل على انه لو كان له
طريق الى رجال ابن الغضائري لذكره، لان هذا اولى بالذكر من
اكثر ما ذكره في تلك الاجازة. وكذا ابن داود والمولى القهبائي.
فان هؤلاء وان كانوا يحكون عن هذاالكتاب كثيرا الا انهم لم
يذكروا اليه طريقا. واما ابن طاوس وقد ذكر عند ذكره طرقه
الى الاصول الرجالية انه لا طريق له الى هذا الكتاب.
واما ما ذكره الشهيد الثاني(قدس سره) في اجازته الكبيرة
للشيخ عبد الصمد والد الشيخ البهائي - رحمهما اللّه - من الطريق
له الى كتاب الرجال للحسين بن عبيد اللّه بقوله: وعن الشيخ
ابي جعفر...مصنفات ومرويات الشيخ ابي عبد اللّهالحسين بن
عبيد اللّه الغضائري التي من جملتها كتاب الرجال((121))
ففيه سهو، لان الشهيد(قدس سره) يذكر في طريقه الى هذا
الكتاب العلامة ايضا، مع انك عرفت ان العلامة ما ذكر ذلك في
اجازته الكبيرة، ومن البعيد ان يكون له طريق غير مذكور في
تلك الاجازة ولكنه وصل الى الشهيد(قدس سره) .
مضافا الى ذلك ان الشهيد(قدس سره) قال: ان الكتاب لابي
عبداللّه حسين بن عبيد اللّه الغضائري، مع انك عرفت
ايضاان الكتاب للابن، اعني ابا الحسين احمد ابن حسين عبيد
اللّه بن الغضائري، والتعبير بابن الغضائري سائر دائر عندالعلامة
وغيره.
هذا، وقد جاء في مقد مة معجم رجال الحديث: «ان الشهيد
يوصل طريقه الى النجاشي عن طريق الحسين بن عبيد
اللّهالغضائري، وهذا على خلاف الواقع، فان الحسين بن عبيد
اللّه شيخ النجاشي»((122)).
اقول: هذه النسبة سهو، فان الشهيد(قدس سره) اوصل طريقه
الى الغضائري عن طريق النجاشي((123)). مضافا الى ان المصن
ف لكتاب الرجال هو الابن، ولا مانع من ان ياخذ عن النجاشي
كما اخذ النجاشي عنه.
وكيف كان، فالاعتماد على الكتب المنسوبة الى ابن الغضائري
مشكل، لعدم الدليل على صحة الاسناد خصوصا بعد ماحكى
شيخ الطائفة عن بعض هلاك كتب ابن الغضائري على يد بعض
ورثته قبل ان يستنسخ احد كتابيه في فهرست المصنفات وفهرست الاصول، وان كان في هذه
الحكاية شيء، اذ ربما ينقل
النجاشي عن احمد بن الحسين، وظاهره انه اخذه من كتابه
الذي في المصنفات او الاصول، فراجع: قاموس الرجال: احمد
بن الحسين((124)).
والحاصل: ان السند نقي، لا باس به، لتوثيق النجاشي سليمان
بن داود((125)) وعدم ثبوت تضعيف ابن الغضائري اوعدم
حجيته. هذا الا ان العامة ايضا ذكروه وضعفوه ولم يذكروا انه يتشيع كما ذكروا في غيره حتى يكون تضعيفهم لتشيعه،فراجع: لسان الميزان لابن حجر وما نقل بشانه، فتامل.
دراسة حول حكم المعاطاة في النكاح سماحة الاستاذ الشيخ محسن الاراكي
هل تصح المعاطاة في النكاح، او يشترط فيه الايجاب والقبول
اللفظيان؟
ينبغي قبل الدخول في البحث تحرير محل النزاع، وذلك ضمن
النقاط التالية:
النقطة الاولى: المقصود بالمعاطاة في النكاح انشاء عقد النكاح
انشاء فعليا غير لفظ ي، بغض النظر عما يمكن ان يتحقق به
الانشاء من الفعل، فلو فرضنا امكان التعبير بالفعل عن قصد
الانشاء، وتحقق الانشاء الفعلي فهل يكفي ذلك في ترتب آثار
النكاح الصحيح او لا؟
ومن هنا يتبين الفرق بين نكاح المعاطاة وبين السفاح، فان
الاخير هو الوط ء من غير عقد، والاول هو العقد بغير لفظ بل بما
يدل عليه من الفعل، فبينهما فرق واضح.
النقطة الثانية: ليس اللفظ دخيلا في ماهية النكاح، بحيث
تنتفي ماهية النكاح بانتفاء اللفظ، ومن اوضح ما يدل على ذلك
اتفاقهم على صحة نكاح الاخرس من غير الزامه بالتوكيل، بل
كفاية انشائه للعقد بالاشارة الدالة على ذلك،فان اضطرار
الاخرس لا يوجب تبد ل ماهية النكاح، فلو كان اللفظ دخيلا في
ماهية النكاح عرفا او شرعا كان معناه عجز الاخرس عن انشاء
العقد بنفسه، وكان اللازم حينئذ القول بوجوب توكيل الاخرس
من يقدر على انشاء العقد باللفظ وكالة عنه، لا القول بجواز
انشائه للعقد من غير لفظ.
ومن هنا تبين عدم صحة ما حكي عن الشيخ في مقام
الاستدلال على عدم صحة المعاطاة في النكاح من
استلزامهاعدم الفرق بين النكاح والسفاح((126)).
النقطة الثالثة: تبين مما ذكرناه ان الكلام انما هو في اشتراط
الانشاء اللفظ ي في عقد النكاح، بعد الفراغ عن عدم توقف ماهية
النكاح على ذلك، فلابد من البحث عن الدليل الذي يثبت به
اشتراط الانشاء اللفظ ي في صحة عقد النكاح.
وقد حان لنا بعد ان اتضح محل النزاع ان نتعرض لاصل البحث
ضمن المطالب الاتية:
المطلب الاول: مقتضى عمومات صحة النكاح كقوله تعالى:
(واحل لكم ما وراء ذلكم)((127)) وقوله سبحانه:(فانكحوا ما
طاب لكم من النساء)((128))وقوله عز وجل: (واءنكحوا الا يامى
منكم والصالحين من عبادكم وامائكم)((129)) وغير ذلك،
ترتب آثار صحة النكاح على كل ما تحقق به عقد النكاح عرفا
وان لم يكن لفظا، الا ماخرج بالدليل، وحينئذ فلابد في اثبات
شرطية الانشاء اللفظ ي من الدليل الدال على ذلك، والاصل
الدال على عدم ترتب الاثر منتقض بالعمومات المذكورة وغيرها
مما دل على صحة عقد النكاح مطلقا، وترتب الاثار المطلوبة
على انشاء عقدالنكاح.
المطلب الثاني: ما يمكن ان يستدل به لاثبات اشتراط الانشاء
اللفظ ي امور:
الامر الاول: الاجماع
فقد حكى في المستمسك عن صاحب الحدائق انه قال: «اجمع
العلماء من الخاصة والعامة على توقف النكاح على الايجاب
والقبول اللفظيين. وعن الشيخ الاعظم: اجمع علماء الاسلام - كما صرح به غير واحد - على اعتبار اصل الصيغة في عقد النكاح،
لا يباح بالاباحة ولا المعاطاة»، ثم قال صاحب المستمسك:
«ونحوهما كلام غيرهما، ولاجل هذاالاجماع افترق النكاح عن
غيره من مضامين العقود، فانها يجوز انشاؤها بالفعل،
بخلافه»((130)).
ولتحقيق حال الاجماع من جهة الصغرى لابد من مراجعة
كلمات الفقهاء، وهم وان لم يتعرضوا غالبا لخصوص مانحن فيه
من اعتبار اللفظ في عقد النكاح وعدمه، لكنهم تعرضوا لمسائل
اخرى ملازمة لذلك مثل اعتبار خصوص لفظ ي النكاح والتزويج
في الايجاب، وعدم كفاية مثل العارية او الهبة او التمليك، او
اعتبار الماضوية في لفظ العقد، وعدم صحته بلفظ الامر او
الاستقبال، فيقال: ان اشتراطهم اللفظ المخصوص في العقد
يكشف عن اشتراطهم اصل اللفظ بالطريق الاولى.
قال السيد المرتضى علم الهدى في الانتصار: «ومما شنع به
على الامامية تجويزهم اعارة الفروج، وان الفرج يستباح بلفظ
العارية. وتحقيق هذه المسالة: انا ما وجدنا فقيها منهم افتى
بذلك، ولا اودعه مصنفا له ولا كتابا، وانما توجد في احاديثهم
اخبار نادرة تتضمن اعارة الفروج في المماليك، وقد يجوز - اذا
صحت تلك الاخبار وسلمت من القدوح والتضعيف - ان يكون
عبر بلفظ العارية عن النكاح - الى ان يقول:
فان قيل: افتجوزون استباحة الفرج بلفظ العارية؟
قلنا: ليس في الاخبار التي اشرنا اليها ان لفظة العارية من
الالفاظ التي ينعقد بها النكاح، وانما تضمنت انه يجوز للرجل ان
يعير فرج مملوكته لغيره، فيحمل لفظ العارية هاهنا على ان
المراد بها النكاح من حيث الاشتراك في المعنى، كما قال يجوز
للرجل ان يبيح مملوكته لغيره على معنى انه يعقد عليها عقد
النكاح الذي فيه معنى الاباحة، ولا يقتضي ذلك ان النكاح
ينعقد بلفظ الاباحة. على ان ابا حنيفة واصحابه لا يجب ان
يشنعوا بذلك وهم يجيزون ان ينعقد النكاح بلفظ الهبة والبيع،
فليس الشناعة في العدول عن زوجيني نفسك الى بيعيني
نفسك او هبي لي نفسك بادون في الشناعة من اعيريني
نفسك((131)).
يستفاد من هذا النص:
اولا: ان عدم انعقاد النكاح بالفاظ العارية والهبة والبيع كان
مسلما بين فقهاء الامامية.
وثانيا: التسالم على لزوم اللفظ في عقد النكاح، فان التسالم
على عدم انعقاد النكاح بالالفاظ المذكورة يدل على
التسالم على عدم انعقاده بغير اللفظ بالطريق الاولى.
وقال السيد المرتضى في المسائل الناصريات: «عندنا ان النكاح
لا ينعقد بلفظ الهبة، وانما ينعقد النكاح المؤبد باحدلفظين: اما
النكاح او التزويج، فاما نكاح المتعة فينعقد بما ينعقد به المؤبد
من الالفاظ وقوله متعيني نفسك، وواجريني.
ووافقنا الشافعي
على ان النكاح لا ينعقد الا باللفظين اللذين ذكرناهما. وقال ابو
حنيفة: ينعقد النكاح بكل لفظ يقتضي التمليك كالبيع والهبة
والتمليك، فاما ما لا يقتضي التمليك كالرهن والاباحة فلا
ينعقد به، وفي الاجارة عنده روايتان:اصحهما انه لا ينعقد بها. وقال مالك: ان ذكر المهر مع هذه الالفاظ انعقد، وان لم يذكره لم ينعقد، دليلنا على ما ذهبنااليه: الاجماع... الخ»((132)).
|
|---|