الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وحينئذ نقول: ان امر الهلال من الحوادث الواقعة فيرجع فيه الى رواة الحديث وهم حكام الشرع، فيكون قولهم حجة متبعة وحكمهم نافذا في الامة. وكذا فانه بحسب مناسبات الحكم والموضوع يفهم العرف من قوله «فانهم حجتي عليكم»هو الارجاع لهم في كل ما يحتاج الى المراجعة للاسترشاد او لتحديد الموقف العملي، لانهم حجة الامام(عليه السلام).

ولكن السيد الخوئي قد ناقش في هذه الرواية سندا ودلالة.

اما السند فقال: لجهالة محمد بن محمد بن عصام وكذا اسحاق بن يعقوب((272)).

اقول: للرواية سند ثان، فقد رواها الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة عن جماعة عن جعفر بن محمد بن قولويه وابي غالب الزراري وغيرهما((273))، كلهم عن محمد بن يعقوب.

وهذا السند الثاني قطعي الى الكليني، لان الشيخ الطوسي يروي جميع كتب وروايات جعفر بن محمد بن قولويه وابي غالب الزراري عن جماعة احدهم الشيخ المفيد. اذن سند الشيخ يكون هكذا: الشيخ عن جماعة منهم الشيخ المفيد عن جعفر بن محمد بن قولويه وابي غالب الزراري وغيرهما كلهم عن محمد بن يعقوب الكليني عن اسحاق بن يعقوب،وعيب هذا السند هو «اسحاق بن يعقوب» لا ابن عصام، وهذا قال عنه السيد الخوئي: لا اسم له في الرجال، فيكون مجهولا، فيحتمل افتراء التوقيع.

اقول: التوقيع لم يكن مكذوبا، وذلك لان التوقيع في ذلك الزمان لم يصدر الا للخواص لان الامام(عليه السلام) كان غائبا،يتستر عن المجتمع وعن السلطان، وقد بلغت التقية الى حرمة ذكر اسمه (عج)، اذن لا نحتمل افتراء التوقيع الكامل بحيث يخفى على الكليني ذلك.

وقد يقال: انه يحتمل تغيير بعض الفقرات في التوقيع للتساهل في النقل.

وجوابه: بان تغيير بعض الفقرات انما يتصور في الجواب الشفهي لا الكتبي. اذن الرواية صحيحة.

واما الدلالة:

فاولا: لاجمال المراد من الحوادث الواقعة، فلا يعلم ان المراد منها هل هو الشبهات الحكمية، او الشبهات الموضوعية التي تقع موردا للنزاع والخصومة، او مطلق الحوادث سواء كانت من قبيل المرافعات ام لا، التي منها ثبوت الهلال؟ ثم ذكر(قدس سره) بان الاستدلال بالرواية مبني على المعنى الثالث، وهو لا مقتضي له، لان الطرق الشرعية المعدة لاستعلام الهلال من تواتر او شياع او بينة او عد ثلاثين من الشهر الفائت تكفي عن مراجعة الحاكم الشرعي.

وثانيا: ان قوله(عليه السلام): «فانهم حجتي عليكم معناه»: انهم حجتي عليكم فيما انا حجة فيه، ومعناه يجب مراجعة الفقيه فيما يجب مراجعة الامام(عليه السلام)، ومراجعة الامام منحصرة في احد امرين:

1 -  الشبهات الحكمية. 2 -  الدعاوى والمرافعات.

وحينئذ يكون امر الهلال خارجا عن هذين الامرين، اذن لا دلالة على حجية قول الفقيه في الهلال((274)).

اقول: ان قول الامام(عليه السلام): «انهم حجتي عليكم» معناه:

ان الرواة حجتي في كل مجال يحتاج فيه الى مراجعة الامام(عليه السلام) سواء كانت المراجعة للاسترشاد او لتحديد الموقف العملي، كالامر بالحرب والسلم وتعيين القضاة وتعيين رئيس الجيش والولاة ونصبهم واشباه ذلك، او لاخذ الحكم في الشبهات الموضوعية او الحكمية، والهلال هو من الموارد التي يراجع فيها الامام(عليه السلام). وتوضيح ذلك:

ان الناس كانوا يرجعون الى الحكام والقضاة في امر الهلال، فان حكموا صاموا او افطروا لذلك، ولولا هذا للزم الهرج والمرج، وتشير الى ذلك عدة روايات:

1 -  صحيحة محمد بن قيس -  وهي الدليل الاول على نفوذ حكم الحاكم -  حيث قالت: «اذا شهد عند الامام شاهدان انهما رايا الهلال منذ ثلاثين يوما امر الامام بالافطار... الخ»((275)).

2 -  مرسل ابن سنان قال: صام علي بالكوفة ثمانية وعشرين يوما شهر رمضان فراوا الهلال، فامر مناديا ينادي:اقضوا يوما، فان الشهر تسعة وعشرين يوما((276)).

3 -  وروي مسندا عن الامام الصادق(عليه السلام)((277))، ففي خبر ابي الجارود قال: سالت الامام الباقر(عليه السلام): اناشككنا سنة... في الاضحى.... فقال:(عليه السلام) «الفطر يوم يفطر الناس، والاضحى يوم يضحي الناس، والصوم يوم يصوم الناس»((278)).

4 -  ما رواه خلاد بن عمارة قال: قال الامام الصادق(عليه السلام): «دخلت على ابي العباس في يوم شك وانا اعلم انه من شهر رمضان وهو يتغذى! فقال: يا ابا عبداللّه ليس هذا من ايامك؟ قلت: لم يا امير المؤمنين؟ ما صومي الا بصومك ولا افطاري الا بافطارك. قال: فقال: ادن. فدنوت فاكلت وانا واللّه اعلم انه من شهر رمضان»((279)).

وهذه الروايات وامثالها وان كان بعضها ضعيفا الا انها تكشف عن تدخل القضاة والحكام في امر الهلال، ولم يردع الامام(عليه السلام) عنه، فيثبت ان الهلال من الامور التي يرجع فيها الى القاضي، غاية الامر ان بعض هذه الروايات قدصدرت تقية في تطبيق القاضي العادل على القاضي غير العادل والوالي والحاكم غير العادل، اما اصل قضية ان الهلال يرجع فيه الى القضاة فهو امر لا تقى ة فيه ولا ردع عنه، فيتم الاستدلال.

الدليل الثالث: الاستدلال بمقبولة عمر بن حنظلة قال: سالت الامام الصادق(عليه السلام) عن رجلين من اصحابنا بينهمامنازعة في دين او ميراث... فقال(عليه السلام): «ينظران من كان منكم ممن روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فليرضوا به حكما، فاني قد جعلته عليكم حاكما، فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم اللّه وعلينارد، والراد علينا الراد على اللّه، وهو على حد الشرك باللّه»((280)).

وقد ناقش السيد الخوئي(قدس سره) بهذه الرواية سندا ومتنا.

اما السند: فقال بضعفه لعدم ثبوت وثاقة عمر بن حنظلة، وان تلقاها الاصحاب بالقبول ووسمت بالمقبولة.

اقول:

1 -  قال الشهيد في البداية: لقد حققت وثاقة عمر بن حنظلة من غير كتب الحديث.

2 -  ان عمر بن حنظلة روى عن صفوان، وصفوان احد الثلاثة الذين شهد الشيخ الطوسي بانهم لا يروون الا عن ثقة،وهم:

صفوان بن يحيى البجلي، ومحمد بن ابي عمير الازدي، واحمد بن محمد بن ابي نصر البزنط ي.

3 -  ان رواية عمر بن حنظلة قد قبلها الاصحاب، فتنجبر على مسلك المشهور، وقد ذكرنا في الاصول ان عمل الاصحاب بالرواية يجعلها حجة على مسلك قبول الرواية الموثقة.

واما ايراده على الدلالة فقال(قدس سره) ما مضمونه: ان الرواية تدل على جعل منصب القضاء للفقيه في مورد التنازع والترافع بلا فرق بين الهلال وغيره كما لو استاجر دارا او تمتع بامراة الى شهر قمري واختلفا في انقضائه برؤية الهلال وعدمها فترافعا الى الحاكم، فاذا قضى بالهلال فان حكمه نافذ لا محالة، اما نفوذ حكمه في غير مورد الخصومة والترافع كما اذا شككنا ان هذه الليلة هي اول شهر رمضان ليجب الصوم او اول شوال ليحرم الصوم من دون تنازع وتخاصم فلا تدل المقبولة على نفوذ حكم الحاكم الا بعد ان نضم شيئا وهو ان وظيفة القضاة لم تكن مقتصرة على حسم النزاعات فقط، بل تشمل التعرض لامر الهلال، ولكن هذه الضميمة لم تكن واضحة ووجدانية عند الامامية وان تصدى الحكام من غير الامامية لذلك، الا ان عملهم هذا لم يكن حجة، ولعله بدعة ابتدعوها لانفسهم.

والجواب: تقدم منا آنفا ان روايات متعددة ظهر منها ان الحاكم والولي له امر الهلال، والامام لم يردع عن هذه الحقيقة،وان كانت الروايات قد صدرت تقية في تطبيق القاضي العادل على القاضي غير العادل، فلا نعيد.

على ان التعليل الوارد في المقبولة «فاني قد جعلته عليكم حاكما» يمكن ان يكون شاملا لامرين:

الاول: هناك امور يرجع فيها الى الحاكم لفصلها وحسمها، وهي المنازعات والمخاصمات.

الثاني: هناك امور يرجع فيها الى الحاكم لاجل عدم الهرج والمرج في المجتمع، ومنها الحكم باجتهاد زيد لجواز تقليده،والحكم بنسب زيد، والحكم بفسق زيد او عمر، لانه يبيع الخمر، او الحكم بعدالة فلان الذي يريد ارساله الى مدينة كوكيل عنه فيها، ونصب زيد متوليا على الوقف، وما شابه ذلك.

وامر الهلال هو من القبيل الثاني، فان عدم البت فيه يوجب هرجا ومرجا، فاذا ثبت هذا فيكون حكم الحاكم الذي وردفي مقبولة عمر ابن حنظلة شاملا للحكم في غير المنازعات وان كان سؤال السائل هو في خصوص المنازعات، اماجواب الامام(عليه السلام) فهو عام اذ قال: «فان حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم اللّه وعلينا رد، والرادعليناالراد على اللّه، وهو على حد الشرك باللّه» ونحن نعلم ان حكم الامام(عليه السلام) عام في المنازعات وفي غيرها، فالحاكم اذا حكم بهذه الاحكام يجب ان يقبل حكمه، منها الهلال بلا كلام.

الدليل الرابع: ما روي في الكافي عن محمد بن عبداللّه الحميري ومحمد بن يحيى العطار جميعا عن عبداللّه بن جعفرالحميري قال: اجتمعت انا والشيخ ابو عمرو (عثمان العمري) عند احمد بن اسحاق فغمزني احمد بن اسحاق ان اساله عن الخلف، فقلت: يا ابا عمرو اني اريد ان اسالك عن شيء وما انا بشاك فيما اريد ان اسالك عنه، فان اعتقادي وديني ان الارض لا تخلو من حجة الا اذا كان قبل يوم القيامة باربعين يوما، فاذا كان ذلك رفعت الحجة واغلق باب التوبة،فلم يك ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل او كسبت في ايمانها خيرا، فاولئك اشرار من خلق اللّه عزوجل، ولكن احببت ان ازداد يقينا، وان ابراهيم سال ربه ان يريه كيف يحيي الموتى، قال:

اولم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي،وقد اخبرني ابو علي (احمد بن اسحاق) عن ابي الحسن (الامام الهادي(عليه السلام)) قال: سالته وقلت من اءعامل؟! اءو عم ن آخذ؟ وقول من اقبل؟ فقال له: «العمري ثقتي، فما ادى اليك عني فعني يؤدي، وما قال لك عني فعني يقول، فاسمع له واطع، فانه الثقة المامون».

واخبرني ابو علي (احمد بن اسحاق) انه سال ابا محمد (الامام الحسن العسكري(عليه السلام)) عن مثل ذلك، فقال له:«العمري وابنه ثقتان، فما اديا اليك عني فعني يؤديان، وما قالا لك عني فعني يقولان، فاسمع لهما واطعهما فانهماالثقتان المامونان»، فهذا قول امامين قد مضيا فيك، قال:

فخر ابو عمرو ساجدا وبكى ثم قال: سل حاجتك. فقلت له:

انت رايت الخلف من بعد ابي محمد (الامام الحسن العسكري(عليه السلام))؟ فقال: اي واللّه ورقبته مثل ذا (واوما بيده). فقلت له:فبقيت واحدة، قال لي: هات. قلت: فالاسم، قال: محرم عليكم ان تسالوا عن ذلك، ولا اقول هذا من عندي، فليس لي ان احلل ولا اءحرم، ولكنه عنه(عليه السلام)، فان الامر عند السلطان، اءن اءبا محمد مضى ولم يخلف ولدا، وقسم ميراثه، واخذه من لا حق له فيه، وهو ذا عياله يجولون ليس لاحد يجسر ان يتعرف اليهم او ينيلهم شيئا، واذا وقع الاسم وقع الطلب،فاتقوا اللّه وامسكوا عن ذلك((281)).

اقول: اما سند الحديث فهو في منتهى درجة الاعتبار.

اما الدلالة: فهي في كلمة «اطع» بعد الامر بالسماع له، و«اطعهما» بعد الامر بالسماع لهما، فالاطاعة بمعناها الحقيقي ينحصر مصداقها في الحكم، لانها فرع الامر.

اي عندما يحكم العمري او ابنه بحكم فلا بد من الاطاعة بعد السماع منهما، والرواية ليست في المنازعة حتى يقال انها مختصة بها.

والرواية ليست في الرواية عن الامام شيئا، وليست في الفتوى على اساس كونهما فقيهين، بل تشمل فرض ما اذاحكما كوليين للامر او قل كممثلين للامام(عليه السلام)، فان المصداق الحقيقي للاطاعة انما يتجلى في الحكم دون الرواية والفتوى، اذ لا يعتبر الراوي او المفتي آمرا، فتخصيص قوله(عليه السلام): «اطع» او «اطعهما» باطاعة الرواية او الفتوى تخصيص بالفرد المتسامح فيه والمجازي للاطاعة، وهو غير عرفي.

ثم ان مورد الحكم هو (العمري وابنه)، ولكن يتعدى بقرينة ما جاء فيه من تعليل الحكم بوثاقة العمري وابنه الى كل فقيه ثقة في نقل الاحكام وفهمها.

نعم، قد احتج بعض من لا يرى نفوذ حكم الحاكم بروايات صحيحة تقول:

كان علي(عليه السلام) لا يجيز في الهلال الا شهادة رجلين عادلين، فقالوا: هذه الروايات تدل على ان الهلال لا يثبت بحكم الحاكم.

ولكن هذا الاستدلال باطل، لان المراد من هذه الروايات هو قبول شهادة العدلين من الشهادات غير العادلة فهي تنفي طرق الشهادات غير الرجالية وغير العادلة، وليست في مقام نفي غير الشهادة من طرق ثبوت الهلال كالرؤية مثلا.

اقول: بعد هذه الجولة من نفوذ حكم الحاكم لا يبقى اشكال او شك في ان الحاكم اذا حكم بشيء وقد خالفه قول المنجمين فيجب اتباع حكم الحاكم، وهكذا الامر اذا تعارضت شهادات الشهود مع اقوال المنجمين.

نعم، ان حكم الحاكم ينفذ ويتبع اذا لم يعلم بخطاه او خطا مستنده، اما اذا علم خطا الحاكم في حكمه بالقطع الوجداني فلا يكون قوله حجة، لان ادلة الجمع موطنها الجهل بالحكم الواقعي او الشك فيه، اما مع العلم بخطاه في الحكم فلايكون حكمه حجة، وكذا اذا علمنا خطا الحاكم في مستند الحكم (اي احتملنا اصابة حكم الحاكم للواقع).

كما لو استند في عدالة الشاهدين الى اصالة العدالة ونحن نعلم ونقطع بانهما مشهوران بالفسق، والحاكم الشرعي لايعلم ذلك، وكذا لو جاء عادل فشهد ثم خرج وجاء مرة اخرى ليؤكد شهادته الاولى وقد غير زيه لغرض له فتخيل القاضي انه رجل آخر، او شهد جماعة افادت شهادتهم الشياع الظني، لكن القاضي لحسن اعتقاده بهم (وهو لا يرى حجية الشياع الظني) حصل له اليقين، ففي كل هذه لا اثر لحكم الحاكم، لان حجية حكم الحاكم لا تنسجم مع علمنابخطا المستند عند الحاكم نفسه.

ولعلنا نقول ايضا: ان الحاكم الشرعي قد قصر في مقدمات الحكم، وهذا التقصير يسقط اهلية الحاكم للحكم، فلا يجب العمل بحكمه، فلاحظ.

نعم، يكون حكم الحاكم حجة في صورة ما اذا كان حكمه محتمل المطابقة للواقع وكان على مبنى صحيح عنده،ومثال ذلك: لو كان حكم الحاكم قد ابتنى على مبنى صحيح عند الحاكم مثل حجية الشياع الظني او قبول شهادة ولدالزنا (وكان هذا المبنى غير صحيح عندنا) فهو نافذ، وان كنا لا نقبل المبنى.

فاذا نفذ حكم الحاكم بالادلة المتقدمة، فاطلاقها يقتضي نفوذ حكمه على مقلديه وغيرهم حتى العلماء، لان الراد عليه يكون رادا على الائمة، والراد على الائمة رادا على اللّه حسب ما تقدم من ادلة نفوذ حكمه((282)).

هل يمكن ان يكون الشهر الشرعي ثمانية وعشرين يوما؟ ذكر اكثر الفقهاء عدم امكان ان يكون الشهر الشرعي ثمانية وعشرين يوما كما ان الشهر الطبيعي القمري لا يمكن ان يكون كذلك. فقد ذكر صاحب العروة انه اذا قامت البينة على هلال شوال ليلة التاسع والعشرين من هلال رمضان اورآه في تلك الليلة بنفسه يجب قضاء يوم واحد.((283)) وقد علق السيد الخوئي على ذلك فقال: «لانه يستكشف بذلك انه افطر في اليوم الاول من شهر رمضان، والا كان الشهر ثمانية وعشرين يوما، وهو مقطوع البطلان»((284))، اذن الحكم الذي ذكره صاحب العروة هو على القاعدة، بالاضافة الى ورود نص (لكنه مرسل) وهو مرسل ابن سنان قال: صام علي(عليه السلام) بالكوفة ثمانية وعشرين يوما شهر رمضان فراوا الهلال، فامر مناديا ينادي: اقضوا يوما، فان الشهرتسعة وعشرون يوما((285)). وقد روي مسندا عن الامام الصادق(عليه السلام) انه قال: «ان عليا صام عندكم تسعة وعشرين يوما، فاتوه فقالوا: يا امير المؤمنين قد راينا الهلال، فقال افطروا»((286)).

اقول: ان كون الشهر الشرعي (28) يوما ليس مقطوع البطلان، بل هو من الامكان بمكان، وتوضيح ذلك كما ذكره السيد الشهيد الصدر(قدس سره):

ان الشهر القمري يتكون مرة من (29) يوما، واخرى من (30) يوما حسب طول الدورة الاقترانية للقمر وقصرها حول الارض، لان القمر يتحرك حول الارض من المغرب الى المشرق.

فاذا كان القمر نصفه مواجها للشمس فيكون نيرا، ويكون الوقت في مناطقه نهارا، واما نصفه الاخر الذي لا يواجه الشمس فيكون مظلما، ويكون الوقت في مناطقه ليلا.

وعند دوران القمر يحل الليل في المناطق التي كانت في النصف النير ويطلع النهار في المناطق التي كانت مظلمة.

والقمر في دورته حول الارض له حالات ثلاثة:

الاولى: يكون في موضع بين الارض والشمس على صورة يكون مواجها للارض بوجهه المظلم ومختفيا عنها بوجهه المنير اختفاء كاملا، وفي هذه الحالة لا يمكن ان يرى منه شيء، وهو ما يسمى بالمحاق.

الثانية: وقد يكون القمر في موضع تكون الارض بينه وبين الشمس، وهي حالة منتصف الشهر.

الثالثة: وقد يكون القمر بين الموضعين وهي ليلة اول الشهر الى ان يدخل في المحاق باستثناء ليلة النصف.

ففي الحالة الاولى: اذا تحرك القمر من هذا الموضع بدت لنا حافة النصف المضيء المواجه للشمس، وهذا هو الهلال(وهذه هي بداية الحركة الدورية للقمر حول الارض)، وتسمى الحركة الاقترانية، لان بدايتها تقدر من حين اقتران القمربالارض والشمس وتوسطه بينهما، وابتداؤه هو بتجاوز هذه النقطة.

وكلما بعد القمر عن موضع المحاق زاد الجزء الذي يظهر لنا من وجهه المضيء، ولا يزال الجزء المنير يزداد حتى يواجهنا النصف المضاء بتمامه في منتصف الشهر، ويكون القمر بدرا وتكون الارض بينه وبين الشمس.

ثم يعود الجزء المضيء الى التناقص حتى يدخل في دور المحاق. ثم يبدا دورة اقترانية جديدة وهكذا.

اذن: الشهر القمري الطبيعي له مميزات هي:

1 -  يبدا عند خروج القمر من المحاق (اي جزء من نصفه المنير سيواجه الارض) وهو الهلال. وعلى هذا فيكون الهلال هو مظهر كوني لبداية الشهر القمري الطبيعي.

2 -  يظهر الهلال عند غروب الشمس ويرى فوق الافق الغربي بقليل ويلبث قليلا ثم يختفي تحت الافق.

3 -  قد لا يكون الهلال واضح الظهور وكثيرا ما تصعب رؤيته.

4 -  قد لا يمكن ان يرى بحال من الاحوال، وذلك في موارد:

ا -  ان تمت مواجهة الجزء المضيء من القمر للارض ثم غاب واختفى تحت الافق قبل غروب الشمس، فهناك يمكن ان يرى الهلال ما دامت الشمس موجودة.

ب -  اذا تواجد الجزء المضيء من القمر للارض بعد الغروب ولكن مدة مكثه كانت قصيرة جدا بحيث يتعذر تمييزه من بين ضوء الشمس الغاربة القريبة منه.

ح -  اذا كان الجزء المنير من القمر المواجه للارض ضئيلا جدا لقرب عهده بالمحاق بحيث لا يرى.

ففي كل هذه الحالات الثلاثة يكون الشهر القمري الطبيعي قد بدا على الرغم من عدم رؤيته ولكن لم يبدا الشهرالشرعي، وذلك، لان بدء الشهر القمري الشرعي يتوقف على امرين:

الاول: خروج القمر من المحاق وابتداؤه بالتحرك بعد ان يصبح بين الارض والشمس، فيواجه جزء من نصفه المضيءللارض.

الثاني: ان يكون هذا الجزء مقطوع الرؤية بالعين الاعتيادية المجردة.

وعلى هذا قد يتاخر الشهر القمري الشرعي عن الشهر القمري الطبيعي، فيبدا الشهر الطبيعي ليلة الجمعة ويبدا الشهرالشرعي ليلة السبت.

فان كان الشهر القمري الطبيعي 29 يوما ورؤي بالعين المجردة نتج ان الشهر القمري الشرعي اصبح 28 يوما.

فما هو التكليف في هذه الحالة؟ الجواب: في هذه الحالة تعتبر بداية الشهر القمري الشرعي هي ليلة الجمعة رغم عدم رؤيته فيها، وذلك للادلة على ان الشهر الشرعي لا ينقص عن 29 يوما ولا يزيد على 30 يوما، كما ستعرف.

وبعبارة اخرى: يكون للشهر القمري الشرعي مبدءان:

الاول: ان يرى في غروب ليلة الجمعة بعد خروجه من المحاق.

الثاني: اذا لم ير في غروب ليلة الجمعة بعد خروجه من المحاق ولكن رؤي الهلال للشهر اللاحق في ليلة 30 من الشهر الطبيعي.

وهذه الحالة قد حدثت في زمان الامام امير المؤمنين(عليه السلام) فقد روى اسحاق بن جرير عن الامام الصادق(عليه السلام)ان ه قال: «... ثم ان عليا(عليه السلام) صام عندكم تسعة وعشرين يوما فاتوه فقالوا: يا اميرالمؤمنين قد راينا الهلال.فقال(عليه السلام): «افطروا»((287)).

وقد رويت مرسلة عن عبداللّه بن سنان عن رجل نسي حماد بن عيسى اسمه قال: صام علي(عليه السلام) بالكوفة ثمانية وعشريون يوما شهر رمضان فراوا الهلال، فامر مناديا ينادي اقضوا يوما، فان الشهر تسعة وعشرون يوما((288)).

ادلة تحديد الشهر الشرعي ب (29 او 30) يوما:

1 -  صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (الامام الصادق والامام الباقر(عليه السلام)) قال: «شهر رمضان يصيبه مايصيب الشهور من النقصان»((289)).

2 -  موثقة سماعة -  عن ابي جعفر(عليه السلام) -  قال: «صيام شهر رمضان بالرؤية وليس بالظن، وقد يكون شهررمضان تسعة وعشرين يوما، ويكون ثلاثين، ويصيبه ما يصيب الشهور من التمام والنقصان»((290)).

3 -  صحيحة الحلبي عن الامام الصادق(عليه السلام)، في حديث قال: قلت: ارايت ان كان الشهر تسعة وعشرين يومااقضي ذلك اليوم؟ فقال: «لا الا ان يشهد لك بينة عدول، فان شهدوا انهم راوا الهلال قبل ذلك، فاقض ذلك اليوم((291))»وغيرها((292)). اختلاف البلدان في رؤية الهلال (اختلاف الافاق او اتحادها) اذا ثبتت رؤية الهلال في بلد ولم تثبت في بلد آخر، فهناك امور متفق عليها، وهي:

1 -  عدم اعتبار كون الرؤية في نفس البلد، بل الرؤية حجة وان كانت من خارج البلد كما في رواية الشاهدين اللذين يدخلان المصر ويخرجان من المصر، فاللذان يدخلان المصر اذا شهدا برؤية الهلال عندهم ولم ير الهلال في البلدالذي دخلاه لغيم او ضباب ونحوهما فيثبت عندئذ الهلال في هذا البلد الذي لم ير فيه الهلال بحسب شهادتهما، وذلك،لان المقياس هو رؤية الهلال، فاذا رؤي في بلد ولم ير في الاخر لمانع وحاجب فلا يضر ذلك في ثبوت اول الشهر لكلاالبلدين.

2 -  لا اشكال في كفاية الرؤية في بلد آخر اذا كان متحدا في الافق مع البلد الاخر وان لم ير الهلال في البلد الاخر،لوجود ملازمة بين ظهور الهلال في البلد الاول وظهوره في البلد الثاني.

والاتحاد في الافق يحصل:

ا -  اذا كانا متحدين في خط الطول.

ب -  اذا اختلفا في خط العرض اختلافا بسيطا.

3 -  لا اشكال في كفاية الرؤية في بلد آخر وان اختلفا في الافق اذا كان البلد المرئي فيه الهلال شرقيا، والبلد غيرالمرئي فيه الهلال غربيا، وذلك لان الرؤية في المشرق تلازم الرؤية في المغرب قطعا وبالاولوية، فالبينة القائمة على رؤية الهلال في البلد الاول تخبر بالالتزام عن الثاني.

ولكن الكلام في عكس الصورة الثالثة: وهي اذا اختلفت البلدان في الافق لاختلافها في خطوط الطول او خطوط العرض بنحو كبير بحيث تكون الرؤية حاصلة في احدهما وغير حاصلة في الاخر بدون ضباب او غيم، ورؤي الهلال في بلادالمغرب، فهل يكفي لثبوت الهلال في بلاد المشرق؟ وتوضيح ذلك:

ان الاختلاف في الافق بحيث يرى الهلال في احدهما ولا يرى في الاخر (اي يرى في البلاد الغربية ولا يرى في شرقيها) له صور:

الصورة الاولى: اذا اختلف البلدان في خطوط الطول، بحيث يكون الغروب في احد البلدين قبل الغروب في البلد الاخربمدة طويلة، فعلى هذا سيكون الغروب في كل خط طول يسبق الغروب في الخط الاخر الواقع في غربه، فقد تغرب الشمس في ايران ويكون القمر قد خرج من المحاق ولكن الهلال لا يمكن رؤيته لضالته مثلا، ولكن عندما تغرب الشمس في مصر والبلدان التي في غربها يصبح الهلال قابلا للرؤية، لان الجزء الذي يكون منيرا من القمر قد ازداد،لبعده من المحاق اكثر مما كان في ايران.

الصورة الثانية: اذا كان البلدان واقعين في خط طول واحد، ومعنى ذلك ان الغروب يحدث فيهما في وقت واحد،ولكنهما مختلفان في خطوط العرض فاحدهما ابعد من الاخر عن خط الاستواء.

وحينئذ يكون طول النهار وقصره قد تاثر بخطوط العرض، فيكون النهار في احدهما اطول من الاخر نتيجة اختلاف خطوط العرض، ولكن الغروب فيهما واحد، وحينئذ سيكون مكث الهلال في بعض هذه البلدان اكثر من غيرها رغم ان غروبها واحد، فاذا فرض ان مكثه في بعضها كان قصيرا لم ير الهلال فيه، وفي بعضها الاخر كان مكث الهلال طويلا فرؤي فيه الهلال، فهذا ما يعبر عنه باختلاف الافق ايضا.

الصورة الثالثة: اذا كان البلد متميزا عن الاخر بان كان واقعا على خط طول غربي بالنسبة الى البلد الاخر، وواقع ايضا على خط عرضي يتيح للهلال مكثا اكثر من البلد الاخر الشرقي فهنا ستكون الرؤية واضحة في هذا البلد الغربي الذي يتيح للهلال مكثا اكثر من البلد الشرقي، بينما في البلد الشرقي لا يمكن رؤية الهلال فيه.

ففي الصورة الاولى والثالثة، هل تكون الرؤية في البلد الغربي كافية لكل البلدان الشرقية؟ وفي الصورة الثانية، هل تكون الرؤية في البلد الذي مكث فيه الهلال مدة اطول من غيرها ورؤي فيها كافية لثبوت الهلال في البلد الاخر الذي على خط طول واحد ولكن مختلف في خط العرض بحيث لم يمكث الهلال فيها طويلا ولم يرفيها؟! او ان الشهر القمري يكون في كل منطقة من الارض حسب رؤية الهلال فيها فيكون لكل بلد افقه وشهره القمري الخاص به، فيكون الشهر في الافق الغربي في ليلة متقدمة، وفي الافق الشرقي في ليلة متاخرة، او يكون الافق الذي يمكث فيه الهلال اكثر فيرى فيه متقدما شهره على الافق الذي لم يمكث فيه الهلال طويلا رغم اتحاد خط الطول ولكن مع اختلاف خط العرض؟! الجواب: المشهور المعروف هو عدم الكفاية، لانهم ذهبوا الى اعتبار اتحاد الافق في ثبوت الهلال.

وذهب جماعة الى كفاية ثبوت الهلال في البلدان الشرقية المتحدة في الليل مع البلدان الغربية التي رؤي الهلال فيها،وكذا الى كفاية ثبوت الهلال في البلد الذي رؤي فيه مع البلد الذي لم ير فيه اذا كان متحدا معه في جزء من الليل،ومن المحققين الذين ذهبوا الى كفاية ذلك العلامة في المنتهى وصاحب الوافي وصاحب الحدائق وصاحب المستندوالسيد الخوانساري ومال اليه صاحب الجواهر واحتمله الشهيد في الدروس واختاره السيد الخوئي، ومما جاء في استدلاله على ذلك:

اولا: ان دليل اعتبار اتحاد الافق، هو قياس حدوث الهلال وخروج القمر عن تحت الشعاع بشروق الشمس وغروبها،فكما ان الشروق والغروب يختلف باختلاف الافاق، وهو منصوص بقوله(عليه السلام): «انما عليك مشرقك ومغربك» فكذلك الهلال. تخيل فاسد، لانه خلاف الواقع، اذ لا علاقة ولا ارتباط بين شروق الشمس وغروبها وبين سير القمر، لان الشروق والغروب عبارة عن ارتباط بين الارض والشمس، فالقسم المواجه للشمس نهار والمخالف ليل، وبما ان الارض تتح رك حول نفسها فتشكل هذه الحركة شروقات وغروبات مختلفة، ففي كل آن يتحقق شروق في نقطة وغروب في نقطة اخرى مقابلة لها، وعليه فستكون اوقات الصلاة مختلفة من نقطة الى اخرى اذا اختلفت في الافق.

اما الهلال فنسبته الى الشمس ولا علاقة له بالارض، فلو لم تكن ارض فهنا قمر وهلال ومحاق، وتوضيحه: ان القمرجرم مظلم يكتسب النور من مواجهة الشمس، فنصفه المواجه للشمس منير دائما، ووجهه المخالف للشمس مظلم دائما،والوجه المنير لا يكون منيرا على الدوام، بل يختلف حسب اختلاف سير القمر، فاذا طلع القمر عن الافق من المشرق مقارنا لغروب الشمس بقليل في ليلة (14) او (15) اذا كان الشهر تاما، فحينئذ يكون تمام نصفه المتجه نحو المغرب منيرا، لمواجهته الكاملة لنور الشمس، ويكون وجهه الاخر المتجه نحو الشرق مظلما، ثم ينزل نوره ويقل في الليالي المقبلة حسب اختلاف سير القمر حتى ينتهي في آخر الشهر الى نقطة المغرب، فيكون وجهه المنير مواجها للشمس فلا يرى وجزئه الاخر المواجه لنا مظلما.

ويعبر عن هذه الحالة بكون القمر تحت الشعاع والمحاق، فلا يرى منه اي شيء، لان الطرف المنير غير مواجه لنا، لاكلا كما في ليلة (14) وليلة (15) ولا بعضا كما في الليالي السابقة عليها او اللاحقة لها، ثم يخرج شيئا فشيئا عن تحت الشعاع، ويظهر منه مقدار من ناحية المشرق بصورة هلال، وهو معنى تولد الهلال، فان كان هذا الجزء المنير قابلاللرؤية فقد انتهى الشهر القديم وولد شهر جديد.

وهذا الامر لا يختلف فيه بلد عن بلد، لانه نسبة بين القمر والشمس لا بين القمر والارض.

اذن حدوث الرؤية للهلال بداية شهر قمري لجميع بقاع الارض المشاركة لنقطة الرؤية في الليل ولو لجزء يسير منه،وهذا ينطبق على نصف الكرة الارضية، لان النصف الاخر لليل الذي عندنا هو نهار عندهم، فلا معنى للحكم بانه اول ليلة من الشهر لهم.

اقول: ان هذه النظرية ليست صحيحة، لانها تقوم على اساس عدم التمييز بين الشهر القمري الطبيعي والشهر القمري الشرعي، فان الاول يبدا بخروج القمر من المحاق ولا يتاثر باي عامل آخر، فهي ظاهرة كونية محددة لا تتاثر بهذاالمكان او ذاك، فهي ظاهرة ليست نسبية. اما الشهر القمري الشرعي فبدايته تتوقف على مجموع امرين:

الاول: هو امر كوني، وهو الخروج من المحاق.

الثاني: هو امر نسبي، وهو امكان الرؤية، وتحققها.

وهذا الامر الثاني يمكن ان يؤخذ كامر نسبي يتاثر باختلاف الموقع في الارض، كما يمكن ان يكون كامر مطلق لايتاثر بمواقع الارض، مثلا:

اذا كان القصد من الرؤية هو الرؤية في هذا الجزء من الارض، وفي ذاك الجزء من الارض كان امرا نسبيا، فحينئذيكون مبدا الشهر الشرعي الى كل جزء من الارض اذا رؤي الهلال فيه، وهذا معناه بدء الشهر الشرعي في جزء من الارض دون الجزء الاخر. واذا كان القصد من الرؤية هو الرؤية ولو في نقطة واحدة من العالم، اي مهما رؤي في نقطة فقد بدا الشهر الشرعي بالنسبة لكل النقاط فهنا الرؤية تكون مطلقة لا تختلف باختلاف الموقع.

وبما ان الشهر القمري الشرعي مرتبط بالخروج من المحاق مع الرؤية، وكانت الرؤية ممكنة ومتحققة في بعض المناطق دون بعض كان من المعقول ان تكون بداية الشهر القمري الشرعي نسبية، وحينئذ نتساءل: هل الشهر القمري الشرعي تكون بدايته نسبية ام لا؟ الجواب: لابد من الرجوع الى النصوص الشرعية لنراها هل ربطت الشهر القمري الشرعي بالرؤية في كل منطقة على حدة، او بالرؤية في اي موضع كان؟ ثم لو صحت نظرية السيد الخوئي(قدس سره)، فلماذا يقول: ان الهلال يثبت في المناطق التي تتحد مع محل الرؤية في الليل؟ اليس هذا يعني ان الكرة الارضية تنقسم الى قسمين، فيثبت العيد والهلال وليلة العيد في نصف الكرة الارضية المظلم، اما القسم الثاني من الكرة الارضية الذي يكون مشرقا سيكون العيد فيه في اليوم الثاني؟ وبهذا فقد وجد عيدان للكرة الارضية، وهذا هو نفس نتيجة من يقول بان لكل قسم من الارض رؤيته الخاصة به.

ثانيا: ان المستفاد من روايات الباب ان الثبوت الشرعي للهلال في قطر كاف لجميع الاقطار وان اختلفت آفاقها، ومن هذه الروايات:

1 -  معتبرة عبيد اللّه بن علي الحلبي عن الامام الصادق(عليه السلام) في حديث قال: قلت: ارايت ان كان الشهر تسعة وعشرين يوما اقضي ذلك اليوم؟ قال(عليه السلام): «لا الا ان يشهد بذلك بينة عدول، فان شهدوا انهم راوا الهلال قبل ذلك فاقضي ذلك اليوم»((293))، ومثلها صحيحة عبداللّه بن سنان((294))، فان اطلاقهما عدم الفرق بين ما اذا كانت الرؤية في بلد الصائم او غيره المتحد معه في الافق او المختلف.

2 -  صحيحة هشام بن الحكم عن الامام الصادق(عليه السلام) فيمن صام تسعة وعشرين قال: «ان كان له بينة عادلة على اهل مصر انهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوما»((295)).

3 -  صحيحة عبدالرحمن بن ابي عبداللّه قال: سالت الامام الصادق(عليه السلام) عن هلال شهر رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان؟ قال: «لا تصم الا ان تراه، فان شهد اهل بلد آخر فاقضه»((296)). فدلت على كفاية الرؤية في بلد آخر، سواء اتحد افقه مع بلدنا ام اختلف.

4 -  صحيحة ابي بصير -  وهي اوضح من جميع ما تقدم -  عن الامام الصادق(عليه السلام)، انه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان؟ فقال: «لا تقضه الا ان يثبت شاهدان عدلان من جميع اهل الصلاة متى كان راس الشهر»وقال: «لا تصم ذلك اليوم الذي الا ان يقضي اهل الامصار، فان فعلوا فصمه»((297)).

فعندما يقول (جميع اهل الصلاة)يعني لا يختص راس الشهر القمري ببلد دون بلد، وانما هو حكم واحد عام لجميع المسلمين.

وقال السيد الخوئي(قدس سره): ويؤكد ذلك((298))، ما ورد في دعاء صلاة يوم العيد من قوله(عليه السلام): «اسالك بحق هذااليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا» وهكذا آية ليلة القدر وان ها خير من الف شهر فظاهرها انها ليلة واحدة.

اقول:

1 -  ان بعض الفقهاء ادعوا انصراف الروايات المتقدمة الى المسافرين الذين كانوا في ذلك الزمان ويقطعون مسافة معينة، فهي غير ناظرة الى المسافر الذي ياتي من الغرب الى الشرق.

2 -  ان ما رامه السيد الخوئي(قدس سره) بنظريته واطلاق الروايات لم يتحقق، وذلك لانه اراد ان يثبت ان العيد واحد في كل ارجاء الارض، فلا ربط لرؤية الهلال بنقطة معينة، فاذا رؤي في مكان ثبت اول الشهر لكل بقاع العالم، كما استفادذلك من اطلاق الروايات ومن دعاء صلاة العيد وآية ليلة القدر.

وهذا لم يتحقق، لانه قال: اذا رؤي في منطقة ثبت الهلال في كل منطقة متحدة مع تلك المنطقة التي رؤي فيها الهلال في الليل، ونحن نعلم ان الكرة الارضية تنقسم الى قسمين، قسم منها ليل وقسم منها نهار، فان كنا في القسم الليلي،فايران والعراق عندهم الساعة الثانية عشر ليلا او ما يقاربها وهي ليلة الاحد وقد رؤي الهلال في غرب لندن الذي صارالغروب عندهم فالذي يثبت عنده العيد يوم الاحد هو نصف الكرة الارضية، الذي عندهم ليل، اما استراليا التي تكون شرق الارض، فالوقت عندهم -  عند ما رؤي الهلال في غرب لندن عند غروبهم -  هو الساعة التاسعة صباحا مثلا،ويومهم هو يوم الاحد، فهؤلاء يبقون على صومهم حسب راي السيد الخوئي(قدس سره)، لانهم لا يشتركون مع بلد الرؤية في الليل ابدا، وحينئذ سيكون العيد عندهم هو يوم الاثنين، فانهم اذا راوا الهلال عندهم قبل الزوال فلا عبرة به، فكيف اذارؤي الهلال عند غيرهم اول الليل؟! فلا عبرة به لهم. وعلى هذا صار قسم من الارض عيدهم هو يوم الاحد، وقسم من الارض عيدهم هو يوم الاثنين، وهذا هو الذي يحصل لو قلنا بتعدد الافاق حيث يكون العيد في بلد الرؤية وما تابعهافي الافق، واما بقية البلدان الشرقية التي لم ير الهلال فيها فتبقى على الصوم وفي الليلة الاتية يرى الهلال فيها فيكون عيدهم هو اليوم الاتي، فلاحظ.

والى هنا لم نر فرقا بين اتحاد الافق او تعدده الا في توسعة المنطقة التي ير فيها الهلال الى ما يتحد معها في الليل وضيقها بناء على تعدد الافق، اما العيد فاصبح في قسم من العالم يوم الاحد وفي قسم من العالم يوم الاثنين، ولم يحصل يوم واحد للعيد.

ملاحظات مهمة لها دخل في حصول البينة او الشياع او التواتر:

ان الفقيه الفطن يجب عليه ان يدخل في حسابه عندما تكون هناك كثرة عددية كالشياع او التواتر، او عندما تكون هناك شهادات فيها البينة، كل ما يلقي الضوء على مدى صدق الشهود او كذبهم او خطاهم، فهناك امثلة سلبية على الشهادات والشياع والتواتر، وفي مقابلها امثلة ايجابية على تعزيز الشهادات والشياع وحصول التواتر، وتوضيح ذلك:

1 -  اذا حصلت كثرة في بلدان متعددة كخمسين شاهدا من خمسين بلدة ولكن كان من كل بلدة واحد رغم كثرة المشاهدين من كل بلدة، فهذا الامر يوجب الشك في اصابة الشهادة، وذلك لان احتمال خطا شخص واحد في مجموعة المستهلين من البلد قريب جدا، بينما كثرة المشاهدين اذا كانوا من نفس البلدة -  كخمسين من بلدة واحدة - يعززالشهادات ويثبتها. والسبب هو ان احتمال كون الخمسين كلهم على خطا في مجموعة المستهلين بعيد جدا.

2 -  شهادة خمسين شخصا في بلد يكون الشيعة فيها هم الاقلية، ولهم عاطفة واحدة تقتضي الاتفاق مع اهل السنة(كما في بلدة الامارات)، فان هذه الحالة توجب الشك في صدق الشهادة، وكذا اذا كان الخمسون في بلد واحد من حزب واحد او قبيلة واحدة او صنف واحد. اما اذا شهد خمسون شخصا في البحرين على رؤية الهلال والشيعة فيها هم الاكثرية الساحقة مع عدم وجود العاطفة الواحدة عندهم في متابعة اهل السنة، فان هذا يعزز الشهادة، وكذا اذا لم يكن الخمسون من حزب واحد او قبيلة واحدة او صنف واحد.

3 -  اذا كان عدد المستهلين ونوعهم في صورة عجزهم عن الرؤية كثيرا، والافاق متعددة ونقية، فهذا يكون امارة على خطا او كذب الشهود اذا شهدوا بالرؤية، بينما اذا كان العدد والنوع العاجز عن الرؤية قليلا ولم تكن الافاق نقية ومتعددة فهذا يكون امارة على صدق وعدم خطا الشهود اذا شهدوا بالرؤية.

4 -  اذا كانت نوعية الشهودا ممن لم يتورع عن الكذب او كانت عيونهم ضعيفة بالنسبة الى غيرهم، فهذا يكون امارة على كذبهم او خطاهم، بينما اذا كانت نوعية الشهود ممن يتورع عن الكذب ويحتاط من الشهادة او كانت عيونهم قوية بالنسبة لغيرهم، فهذا سيكون عاملا ايجابيا على صدق الشهادة وعدم خطاها.

5 -  اذا كان الشهود لا يعرفون مكان الهلال وكل واحد يدعي الرؤية من دون ان يهدي احدهم الاخر الى ذلك فان مثل هذه الشهادة تكون مشكوكة. بينما اذا كان الشهود يعرفون محل الهلال وقد رآه واحد وهدى الاخر اليه فرآه، فان هذايعزز شهادة الاول، واذا هدى الثاني شخصا ثالثا فهذا يعزز شهادة الثاني وهكذا.

6 -  اذا لم يتمكن الرصد (التلسكوبات الحديثة) من رؤية الهلال فهذا سيكون عاملا سلبيا على شهادات الشهود المدعاة ولو كثرت، اذ كيف ترى العين المجردة ما عجز التلسكوب عنه؟! بينما اذا تمكن الرصد (التلسكوب) من رؤية الهلال وتطابق الشهود بصورة عفوية في بلدة واحدة بان يعط ي الشهود النقاط المشتركة التي تتفق مع زمان رؤية الهلال وغروبه، فكل هذه الامور تعزز من شهادة الشهود في صدقها وعدم خطاها.

7 -  اذا تطابقت الوسائل العلمية على تولد الهلال بعد الغروب بمدة، فان هذا يوجب سلبية الشهادات في تلك المنطقة،بحيث يجعل حصول اليقين عند الفقيه بطيئا بينما اذا تطابقت الوسائل العلمية على تولد الهلال قبل الغروب بمدة غيرقصيرة فان هذا يعزز الشهادات المدعاة، فيجعل حصول اليقين سريعا عند الفقيه.

8 -  اذا كانت جماعة كبيرة قد وقفت للاستهلال وكانت عيونهم صحيحة وقوية وكان الافق صحوا وقد انفرد اثنان اوثلاثة بالرؤية ولم يتمكن الباقون من تاييدهم بذلك، فان هذا يكون عاملا سلبيا على شهادة الشهود، بينما اذا انفرد اثنان او ثلاثة مع وجود الغيم والضباب المتقطع وكان المستهلون قليلين مع ضعف عيون اكثرهم، فان هذا قد يوجب الاطمئنان بوجود الهلال.

هذا آخر ما اردنا بيانه من طرق ثبوت الهلال، والحمد للّه اولا وآخرا.

 

القواعد الفقهية في التراث
 الفقهي الامامي تاسيسا وتطورا

 

السيد منذر الحكيم

 

اذا تجاوزنا التاسيس القرآني والنبوي للتقنين الاسلامي المرتكز على مجموعة من الاصول والقواعد العامة لترشيدسلوك واوضاع المسلمين -  افرادا ومجتمعا -  نصل الى التراث الفقهي لاهل بيت الرسول(صلى اللّه عليه والسلم) وعترته الطاهرة التي اعتبرها الرسول(صلى اللّه عليه والسلم) عدلا للكتاب ومفسرا لمقاصده وآياته واحكامه وحدوده.

ونلاحظ في هذا التراث الثر تطبيقا واسعا للقواعد الفقهية في مختلف الابواب والمجالات التي تناولها فقه اهل البيت(عليه السلام).

وبمستوى التطور العلمي الذي كان يحظ ى به فقه اهل البيت(عليه السلام) من خلال فقهاء مدرستهم كان يتسع ويزدادالاهتمام بالتقعيد الفقهي وضبط وحصر القواعد التي على اساسها كان يتم الاستنباط للاحكام الشرعية من مصادرهاالمقررة لها.

ومن هنا نلاحظ تناثر القواعد الفقهية الاصولية والفقهية في ثنايا الكتب الفقهية التي كان يقوم بتدوينها الفقهاءويتناولها الباحثون والمتفقهون بالدرس والتحقيق.

ومن ثم اخذت عملية الاستنباط الفقهي تتطلب بالتدريج اهتماما اوسع ودقة ابلغ ليتم تقنين الاستنباط ضمن حدودوضوابط مقبولة ويمكن الاستناد اليها والاحتجاج بها.

والقواعد الفقهية ايضا اصبحت فيما بعد تستلفت انظار الفقهاء، كما كان منهج الاستنباط هو الاهتمام الاخر الذي كان يستلفت نظر جملة اخرى من الفقهاء الحريصين على تقنين وتعليم عملية الاستنباط للمتفقهين.

ولهذا نلاحظ تاخر عملية التدوين المستقل للقواعد الفقهية عن تدوين القواعد الاصولية، اذ كان النشاط الفقهي آخذابالتفرع والاتساع والنمو باتجاه تطوير المعالجة الفقهية للقضايا من النظرة التجزيئية الى النظرة الشمولية، ومن الانهماك بالمصاديق الى استخلاص القواعد العامة التي يمكن تطبيقها في كل الظروف والاحوال.

وعلى هذا التاسيس نقول: اذا استعرضنا تطورات حركة التاليف الفقهي الامامي نلاحظ الشهيد الاول محمد بن مكي العاملي (المستشهد سنة 786ه) انه اول من افرد مجموعة من القواعد الفقهية في كتاب مستقل اسماه ب(القواعدوالفوائد)، ويشهد لهذه الدعوى انه قد وصفه في اجازته المعروفة لابن الخازن:

«بانه مختصر يشتمل على ضوابط كلية اصولية وفرعية تستنبط منها الاحكام الشرعية، لم يعمل للاصحاب مثله»((299)).

ووصفه تلميذه المقداد السيوري (م 826ه) قائلا: «بانه يشتمل على قواعد وفوائد في الفقه تانيسا للطلبة بكيفية استخراج المنقول من المعقول وتدريبا لهم في اقتناص الفروع من الاصول، لكنه غير مرتب ترتيبا يحصله كل طالب وينتهز فرصته كل راغب، فصرفت عنان العزم الى ترتيبه وتهذيبه وتقرير ما اشتمل عليه وتقريبه وسميته ب «نضدالقواعد الفقهية على مذهب الامامية» ((300)).

فالشهيد الاول حسب نصه هو: هو اول من اقتحم هذا الميدان من اصحابنا الامامية، وتلميذه الفاضل المقداد هو اول من رتب هذه القواعد ترتيبا قدم فيه القواعد العامة لكل الابواب الفقهية على القواعد الخاصة بكل باب فقهي، مقدما فيهاابواب العبادات على سائر الاقسام الفقهية.

وليس معنى ذلك ان هذه القواعد لم يذكرها الفقهاء في مصنفاتهم، بل انها قواعد وردت في نصوص الكتاب العزيزوالسنة الشريفة، كما وردت في طيات بحوث الفقهاء.

ولكن تطور حركة التدوين الفقهي وتطور اتجاهات الفقهاء في كيفية التاليف لتحقيق مقاصد يبتغيها الفقهاء ومنهااسعاف المتعلم والمتفقه بالقواعد المحدودة التي تعينه على استنباط ما لا حصر له من الاحكام للوقائع المستجدة في الحياة كل ذلك دعا الفقهاء الى ان يشعروا بضرورة الاهتمام بالقواعد بشكل مستقل بعد ان كان الفقهاء يعتمدون على القواعد الاصولية ويجدون فراغا هائلا في ميدان القواعد الفقهية المتناثرة بين كتب الاصول وكتب الفقه معا، فان الفقيه اذالم يزود نفسه بالقواعد الفقهية فانه سوف يجد نفسه امام بعض نقاط الفراغ في عملية استنباط الموقف في قسم من المسائل وغير قادر على الاجابة على الاسئلة المتعلقة بالحكم المقرر لها شرعا بعد الايمان بان لكل واقعة في الحياة حكماشرعيا خاصا بها((301)).

وانما نعتبر عصر الشهيد الاول (786ه) بداية عصر الاهتمام بالقواعد الفقهية المدونة بشكل مستقل تقريبا،لان التصنيف في مجال القواعد الفقهية بشكل مستقل عن الكتب الفقهية المتداولة قد بدا في عصره وتمثل ذلك في كتابه الذي سماه ب(القواعد والفوائد)، وقد طبع في جزءين بتحقيق فضيلة العلامة السيد عبدالهادي الحكيم(رحمه اللّه).

واستمرت هذه الاهتمامات منذ عصر الشهيد حتى عصرنا هذا، بالرغم من تسلل حالة استثنائية طارئة دامت مدة طويلة نسبيا وكادت ان تعصف باسس المنهج الاصولي لفهم الشريعة الاسلامية، وهي ظاهرة خطيرة تعتمد الجمودوالحرفية في التعامل مع النصوص الفقهية (الدينية). وقد استفحلت هذه الظاهرة حتى ولدت ردود فعل قوية باتجاه عقلنة الفقه وابعاده من سيطرة هذا الجمود.

جذور وخلفيات النشاط الفقهي التقعيدي ان الفقه الاسلامي يعبر عن التشريع والتقنين على اسس الهية عبر النصوص التي اوحيت الى الرسول الاعظم(صلى اللّهعليه والسلم) واجتمعت في ثنايا القرآن الكريم، والسنة الشريفة. وهي بحاجة الى تفقه وتفهم واستظهار واستجلاء وتطبيق على الموضوعات المستجدة خلال العصور والايام.

وللشريعة منهج خاص ومتميز، قد تناثرت النصوص الدالة عليه بين آيات الكتاب والمصادر الناقلة للسنة، وقدتخصص في تعليمه للاخرين والتربية عليه اهل بيت الوحي والرسالة صلوات اللّه عليهم اجمعين ((302)).

ونحن في مجال فهم النصوص وتفسيرها، نرى نصوصا نبوية تحاول ضبط عملية الفهم والتفقه ضمن اصول تقنن الفهم وتجعله قابلا للدرس والتعليم تدين ظاهرة تفسير القرآن بالراي، ثم استفحلت هذه الظاهرة حتى اصبح للراي تيارعام وبرزت الى جانبه ظاهرتا القياس والاستحسان.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية