الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

اما عن الاجماع المذكور، فقد عرفت انه لم يحك الخلاف في ذلك الا عن ظاهر ابن الجنيد مع معارضته بالاجماع المحكي عن غير واحد من اصحابنا (رضي اللّه عنهم) قال في مفتاح الكرامة: «وخلاف ابي علي لا يعبا به، على انه سابق على الاجماع ومسبوق به»((374)) ونحوه في غيره، على ان في حجية الاجماع المنقول بل المحصل تامل يطول وجهه.

واما الاخبار الدالة على ان ما يخالف الكتاب زخرف - فمع انها غير شاملة لمثل الاخبار المذكورة المتواترة اجمالا اومعنى - محمولة على غير المخالفة بنحو العموم والخصوص، اذ لو حملت على ذلك لزم تخصيص الاكثر المستهجن لكثرة ورود التخصيصات في اخبارهم(عليه السلام).

مع كون سوقها آبيا عن التخصيص، على انه قد يدعى ظهور المخالفة عرفا في غير ذلك.

واما حديث التخصيص بخبر الواحد - فمع ان الامر ليس كذلك لما عرفت من تواترها اجمالا - انه قد حقق في الاصول جوازه، وكون الخبر ظنيا لا يضر بعد قيام الدليل على كونه حجة، مع انه يلزم من ذلك عدم تخصيص المتواتر به مع انه مجزوم بجوازه، واما قياسه على النسخ فلا ينفع بعد قيام الاجماع على عدم جواز النسخ به وان كانت القاعدة تقتضيه، والاخبار المذكورة قد عرفت الجواب عنها. وبالجملة فالقول المذكور لا اجد وجها صالحا للاستناد اليه.

2 - حجة [السيد» المرتضى:

واستدل للسيد المرتضى بان المتيقن مما تواتر من الاخبار والاجماع هو الحرمان من خصوص عين الرباع، ولم يقم مايصلح للاحتجاج به على المنع من قيمتها، فتبقى قيمة الرباع وغيرها من اعيان والاراضي والالات والابنية داخلا في عمومات الارض.

وايد ذلك بقلة التخصيص وعدم الخروج عن الظاهر كثيرا، وبما ذكره العلامة - في المختلف((375)) على ما حكي عنه والمحكي عن نكت الارشاد((376)) - من ان قول المرتضى حسن، لما فيه من الجمع بين الكتاب والاخبار. وقرر وجهه بان عمومات الارث تقضي بملكية العين والقيمة من الرباع والمتواتر من الاخبار بنفيهما، فيجمع بينهما بحمل العمومات على ملكية القيمة وحمل المتواتر على نفي ملكية العين.

والجواب:

اما عن الاول فلان الاخبار تنادي باعلى صوتها بحرمانها من سائر الاراضي، فدونك رواية زرارة ويزيد الصائغ ورواية عبد الملك المروية عن بصائر الدرجات ورواية محمد بن سنان ورواية ميسرة ورواية مؤمن الطاق ورواية زرارة الاخرى ومحمد ورواية عبد الملك ورواية الفضلاء الخمسة وروايات طربال وزرارة ومحمد بن مسلم، فانهاخالية من ذكر الرباع، والمذكور فيها الضياع والعقار والارض وهي صريحة في حرمانها منها، وقريب منها غيرها،فتاملها تجدها صريحة في ذلك، فكون المتيقن من الاخبار خصوص الرباع لا يقتضي الحمل عليها، مع ان في كون المتيقن منها ذلك تامل.

والاخبار المنصوص منها على الرباع روايتان: رواية محمد بن مسلم ويزيد الصائغ، وثالثة هي رواية عبد الملك بن اعين ذكر فيها الدور مع العقار، وهي وان كانت داخلة في مطلق الارض والعقار والتربة ونحوها لكنها احد الافراد،فكونها متيقنة الارادة اول الكلام، بل قد يدعى ظهور العقار في غير الدار بقرينة عطفه على الدور في رواية عبد الملك،وقريب منها غيرها.

واما انه المتيقن من الاجماع، فالاجماع معقده ليس بمهمل حتى يرجع الى المتيقن منه، بل مطلق ان لم يكن نصا في الحرمان من القيمة ايضا، فقد حكى في مفتاح الكرامة عن بعض الاجماع - ما عداه [اي السيد المرتضى» وعدا ابن الجنيد - على حرمانها من الرباع عينا وقيمة، انتهى((377)). لكن العهدة على المدعي، واللّه العالم.

واما ما ذكره في المختلف فهو تحكم صرف ليس عليه شاهد، بل العكس اقرب الى ظواهر عمومات الارث وادلة الحرمان من جهة المقابلة فيها بتوريثها من قيمة الابنية والالات كما يظهر بالتامل، مع ان كون عمومات الارث وادلة الحرمان عامة من حيث شمولها للعين والقيمة فيه نوع غموض، ومن اين يفهم منها ذلك؟! فان قول القائل: زيد يرث الدار، لا يفهم منه انه يملك عينها وقيمتها، وسيجيء ان شاء اللّه بيان وجه انه لا معنى لارث القيمة ان شاء اللّه.

3 - حجة [الشيخ» المفيد:

حجة المفيد(رحمه اللّه) واتباعه: عمومات الكتاب والسنة المقتصر في تخصيصها على القدر المتيقن من الاجماع وما تواترمن النصوص، وهو ارض الرباع عينا وقيمة واعيان الابنية والالات دون قيمتها، لورود تقويمها في تلك، فيبقى الباقي داخلا تحت تلك العمومات التي هي حجة في الباقي، لعدم ما يصلح للتمسك به على تخصيصها باكثر، وقد حقق في الاصول اذا دار امر المخصص بين الاقل والاكثر اقتصر على الاقل، للزوم العمل بالظاهر ما لم تقم حجة اقوى على خلافه.

والجواب عنه قد تقدمت الاشارة اليه، فان تلك العمومات كما هي مخصصة بما دل على حرمانها من الرباع، مخصصة ايضا بما دل على حرمانها من العقارات والضياع والارض، فانها كما عرفت مذكورة في اكثر اخبار الباب، واخبار الرباع قد ذكر منها العقار والضياع ايضا، فلا وجه للاقتصار في تخصيص العمومات على بعض فقرات المخصص وطرح باقيها.

واما قياس تلك على رواية زرارة الدالة على حرمانها من الدواب والسلاح فكما لا يجوز العمل بها لا يجوز العمل بتلك ايضا، ففيه:

انا نطالب بسند الحكم في المقيس عليه، فان قال هو الاجماع قلنا هو الفارق، والا فمقتضى القاعدة العمل بها، مع ان القياس المذكور ليس اولى من قياس تمام الاخبار حتى اخبار الرباع عليها، ويلزم من ذلك طرح الاخبار جمع والعمل بالعمومات لا غير، وان استند في التخصيص الى الاجماع لا غير فقد عرفت ان معقد الاجماع ليس بمهمل لياخذ بالقدرالمتيقن، فافهم، واللّه العالم.

4 - حجة القول المشهور:

حجة القول الاول وهو القول المشهور والمؤيد المنصور: انه مقتضى الجمع بين عمومات الكتاب واخبار الباب الدالة - كما عرفت - على عدم ارثها من الرباع والعقار والارض والضياع، وانها تعط ى قيمة البناء والالات والنقض والخشب والقصب والجذوع وكذا الشجر والنخل فتعط ى قيمتها كما ورد في رواية مؤمن الطاق، وبها يظهر ضعف القول المحكي عن بعضهم في المسالك بناءا على ما فهمه منه، ولولاها كان اللازم حرمانها منها، لكونهما من العقار، - كما عرفت تفسيره.

واما ما ذكره الشهيد(رحمه اللّه) في المسالك((378)) من ان حرمانها من العقار وان اقتضى حرمانها من الشجر لدخوله فيه لكن في اثبات القيمة مناسبة لاثباتها في الالات والابنية فهو كما ترى، اذ المناسبة لا تصلح لتاسيس حكم شرعي،نعم يظهر منه التوقف في الرواية المذكورة حيث قال بعد ذلك: «وفي بعض الروايات عن ابي عبد اللّه(عليه السلام)قال(عليه السلام):

«لا يرث النساء من عقار الارض شيئا، وتعط ى قيمة البناء والطوب والخشب»((379)) لكن يتوقف على تحقيق السند»((380)) انتهى.

والرواية رواها الصدوق((381)) عن الحسن بن محبوب، وعن العلامة في الخلاصة((382)) ان طريق الصدوق اليه صحيح كذا حكى الميرزا محمد(رحمه اللّه) في رجاله وغيره، فالتوقف في الرواية لا ينبغي خصوصا بعد كون القول المذكور - اعني اعطاءها من قيمة الشجر والنخل هو المشهور - كما حكى عن جماعة، واللّه العالم وهو الحاكم.

الموضع الثاني: فيمن تحرم من الزوجات؟ وهل هي مطلق الزوجة او خصوص غير ذات الولد؟ قال في مفتاح الكرامة: «وقد اختلف الاصحاب في ذلك، والمعتمد انها غير ذات الولد كما في الفقيه والنهاية والمبسوط والوسيلة والشرائع والجامع - على ما نقل عنه - والتحرير وهذا الكتاب - اي القواعد - والمختلف والارشاد والتبصرة والايضاح والكنز والدروس واللمعة وغاية المراد والمختصر وغاية المرام للصيمري والتنقيح وتعليق الارشاد وتعليق النافع... الخ»((383)).

وفي المسالك((384)) نسبه الى المشهور خصوصا بين المتاخرين، ونحوه حكي عن الروضة((385)) والكفاية((386))وغيرها.

واستدل له: بمقطوعة ابن ابي عمير عن ابن اذينة المتقدمة ، وفيها «النساء اذا كان لهن ولد اعطين من الرباع» قال في مفتاح الكرامة: «وانا وان اجمعنا على عدم حجية المقطوع، لعدم حجية قوله عن المعصوم، لكن اذا جبره مثل هذه الجوابر مع تكرره في الجوامع العظام الثلاثة الفقيه والاستبصار والتهذيب التي ما سيقت الا للرواية عن المعصوم،مضافا الى ان راويها ابن ابي عمير الذي علم حاله في التحفظ والتحرز، فلعلها كانت مسندة الى معصوم عن ثقة ولماذهبت كتبه نسي الثقة والمعصوم فوقف بها على ابن اذينة، والا فما كان ابن ابي عمير ليروي مذهب ابن اذينة، ومثله يعقوب بن يزيد الثقة، وكذا محمد بن احمد الثقة الجليل، بل ولا كان الشيخ والصدوق الذي لا يروي الا ما هو عنده حجة بينه وبين ربه عز وجل ليذكرها في الكتب التي وضعها لهداية العالم مما يقوي الاعتماد عليها ويشد بعضدها...الخ»((387)).

والاستناد اليها اما بجعلها شاهد بين الروايات المطلقة بالحرمان والمطلقة بتوريثها كالروايتين الاوليين وغيرهما مماكان مطلقا في التوريث من كل شيء بحمل الاول على غير ذات الولد والاخيرة عليها كما ذكره مولانا السيد محمدالطباطبائي، ولم يتعرض له (...)((388)) او تخصيص المطلقات النافية بها بعد حمل المورثة على التقية لكون التوريث مطلقا مذهب العامة كما يرشد اليه رواية الصائغ حيث قال فيها: «ان الناس لا يرضون بذا... الخ»((389)). كما ذكره مولانا السيد المتقدم ذكره والسيد السند عن صاحب البرهان.

والجواب:

اولا: ان ما ذكره في مفتاح الكرامة لا يقتضي اكثر من الظن بكونها رواية، وغير خفي ان الظن المذكور لا دليل على حجيته، واستدلال العظام بها وذكرها في كتبهم الموضوعة لارشاد العالم انما يدل على اعتقادهم انها مروية عن المعصوم، ومجرد اعتقادهم ذلك ليس بحجة لنا او علينا، بل الحجة ما كان رواية، نعم لو افادت تلك القرائن العلم بكونها رواية وجب التمسك بها، كما لا يخفى.

اللهم الا ان يقال: ذكر الشيخين لها في كتب الرواية شهادة منهما على كونها رواية، ويجب العمل بها ببينة، لالحصول القطع.

وفيه: ان حصول الشهادة من مجرد ذكرهما لها اول الكلام، بل اللازم من ذلك كونها حجة عندهما ولو بحسب اجتهادهما، وبينه وبين الشهادة بون بعيد.

وثانيا: ان جعلها شاهد جمع بين المطلقات النافية والمطلقات المورثة لا يصح، لان تخصيص المورثة بذات الولدواخراج غير ذات الولد يلزم فيه تخصيص العام بمورد السؤال، فان رواية عبيد بن زرارة والبقباق موردهما بغير ذات الولد بقرينة قوله «لها نصف الصداق» ومثل ذلك لا يجوز كما حرر في محله، اما كون المقام نصا فيه او لنحوذلك.

وثالثا: ان حمل العمومات المورثة على التقية على خلاف القاعدة، لانه اذا دار الامر بين تخصيص العام وحمله على التقية فالتخصيص اولى، ولذا لم يتوهم احد في العمومات المخصصة كونها واردة مورد التقية، وهذه القاعدة هي المعبر عنها في لسان بعضهم بانه اذا دار العمل بين اصالة الجهة واصالة الظهور فالعمل باصالة الجهة اولى، وبهذه القاعدة قدموا التخصيص اذا دار الامر بينه وبين النسخ، فتامل جدا.

ورابعا: بان المقطوعة انما تدل على عدم حرمان ذات الولد من الرباع فقط، فاللازم من العمل بها القول بحرمان ذات الولد من غير الرباع من سائر العقارات والاقتصار على توريثها من الرباع فقط، فلا وجه للقول بدخولها تحت العمومات واخراج غير ذات الولد فقط، نعم لو قلنا بمقالة المفيد توجه ذلك، فافهم.

هذا، والعمدة في هذه الاشكالات عدم ثبوت كونها رواية، وقصور القرائن المذكورة عن افادة القطع خصوصا بعدورود التعليل في جملة من الاخبار على اختلاف كيفيته.

وما ذكره في مفتاح الكرامة من انه وان كان شاملا للزوجتين لكنه في الخالية من الولد اقوى.

فيه: مع ان التعليل بكونها فرعا - كما في رواية ابن مسلم - وبجواز تغييرها وتبديلها - كما في رواية ابن سنان - وانها دخيل ليست بذات نسب - كما في رواية ميسرة - نسبته اليهما نسبة واحد، وان كونه اقوى لا يقتضي التخصيص، كما لا يخفى.

وفي المسالك: انه ربما يرجح التفصيل من حيث ان فيه تقليلا لتخصيص الاية وظهور الشبهة في عموم هذه الاخباربواسطة هذه والعامة في التوريث خصوصا بعد ذهاب الاجلاء اليه((390)) انتهى ملخصا.

وفيه: ان التفصيل ليس تقليلا للتخصيص، بل هو تقليل لافراد المخصص، اذ التخصيص واحد لكنه مردد بين القليل والكثير، وفي مثله وان كانت القاعدة الرجوع الى العام لكنه مخصوص بما اذا كان التردد غير مدفوع بحجة والاخبارالنافية حجة، وحينئذ يكون التفصيل فيه تخصيصا للعمومات النافية، لا تقليل افراد المخصص، فكان الانسب ترك التفصيل.

ونقل السيد(رحمه اللّه) في البلغة((391)) عن بعض معاصريه - في الاستدلال على القول بالتفصيل مع قطع النظر عن المقطوعية - انه مقتضى علاج الاخبار المتعارضة، بتقريب ان الاخبار المورثة لها مطلقا وان كانت اعم من النافية الاانها بعد تخصيصها بالاجماع على حرمان غير ذات الولد تنقلب النسبة على العكس، فتكون المورثة اخص مطلقا،لكون مفادها بعد التخصيص هو توريث ذات الولد فقط، وهو اخص من منع مطلق الزوجة والخاص، مقدم على العام قطعا.

وفيه:

اما اولا: فلو سلم حجية الاجماع في غير المقام فحجيته في المقام اول الكلام، للعلم بمستند المجمعين، وهو الاخبارالتي بين ايدينا، وحينئذ فالاستناد اليه لا وجه له، بل اللازم ملاحظة مستنده، وملاحظة النسبة بينه وبين المورثة، لاكما صنع المستدل، وهي اخص مفادا من المورثة.

واما ثانيا: فلان العلاج المذكور ليس على طبق القاعدة المقررة في تعارض الاخبار، فان المقام مما كان العام - وهوالاخبار المورثة مطلقا - له مخصصان، وهما الاجماع والاخبار النافية، وفي ذلك ونحوه ينظر الى المخصصات، فان كان العمل بها يفضي اما الى عدم العمل بالعام لكون التخصيص بهما مستغرقا او الى مانع آخر كتخصيص الاكثريقع التعارض بينه وبينها، فان رجح على مجموعها خصص ببعضها على وجه لا يلزم منه المانع المذكور، والبعض اما معين لو كان بعضها ارجح من بعض او مخير لو تساوت، وان لم يلزم من العمل بها مانع جاز العمل بها اجمع،ولا وجه لملاحظة النسبة بين العام وبعضها ثم ملاحظة النسبة بين الباقي بعد التخصيص وبين البعض الاخرمنها.

ووجه ذلك: ان النسبة بين الاخبار انما بين ظهوراتها، وظهور العام في الجميع لا ينثلم بعد التخصيص، ولا ينقلب الى ظهور آخر حتى تلاحظ النسبة بين الظهور الجديد والمخصص الاخر، بل نسبة ظهور العام الى كل واحد منهما نسبة واحدة.

واما ثالثا: فانقلاب النسبة بعد التخصيص بالاجماع الى كون المورثة مطلقا اخص مطلقا من النافية ممنوع، بل الانقلاب الى العموم من وجه، وذلك لان المورثة وان كان موضوعها خصوص ذات الوالد، فتكون اخص من النافية،لان موضوع النافية الزوجة او النساء او نحو ذلك الا انها اعم من وجه آخر، للحكم فيها بالتوريث من كل شيءمطلقا، والتفصيل في تلك الاخبار بين الفرع فترثه والاصل فلا ترثه يدل على ذلك انه لو كان الحكم فيهما كليها على ذات الولد مع الاختلاف المذكور بين الحكمين كان اللازم تقديم المفصلة، فانها اخص، بل من اهم افراد الاخص كما لايخفى، واذ كان بينهما العموم من وجه فالتقديم لو قلنا به يكون للنافية، لكونها اظهر واكثر واشهر.

واما رابعا: فلو سلم كون النسبة هي الخصوص المطلق وان القاعدة تقديمه، فالتقديم هنا ممنوع، اذ لو قدمنا الخاص لطرحنا العام بالكلية ولم نعمل به في مورد اصلا، اذ الاخبار النافية على هذا التقريب لم نعمل بها اصلا، اذ العمل في توريث ذات الولد كان بالمورثة وفي منع غيرها كان بالاجماع، ولم نتمسك بهذه الاخبار في شيء من الاحكام، فتامل في المقام فان ما اجاب [به» السيد في بلغته غير خال عن الاشكال.

ومن ذلك كله يظهر لك حجة القول بالمنع مطلقا، فانه مقتضى الجمع بين الاخبار وتخصيص بعضها ببعض بعدالاعراض عن المقطوعة.

وما قد يظهر من السيد(رحمه اللّه) في الرياض((392))، من ان التخصيص بما عدا الاراضي مناف لسياق الرواية، لكونهااي الاراضي مذكورة في السؤال، فيكون العام وهو الحكم بالتوريث مطلقا بحيث لا يجوز اخراجها منه، مدفوع، بان الاراضي وان ذكرت في السؤال لكن لا من حيث ارث الزوجة، بل من حيث ارث الزوج فيسهل حينئذالتخصيص، ولو سلم فلا يضر في طرد المنع، بل يحمل على التقية كما عينه في الرياض((393))، ويشعر به سياقهاوصريح غيرها كما عرفت.

الموضع الثالث: في امور يحسن التنبيه عليها [الامر» الاول: يظهر من جماعة بل صريحهم ان المفيد(رحمه اللّه) ومن تبعه اراد من الرباع كل ما صدق عليه اسم البناء.

قال الشهيد(رحمه اللّه) في المسالك: «اعلم انه لا فرق في الابنية والمساكن بين ما كان يسكنه الزوج وغيره، ولا بين الصالح للسكنى وغيره مع صدق اسم البناء عليه»((394)).

وقال في الرياض: «الظاهر - كما صرح جماعة من غير خلاف بينهم اجده - انه لا فرق في الابنية والمساكن - على القول باعتبارها - بين ما يسكنه الزوج وغيرها اذا صدق عليه اسم البناء»((395)).

وقال في البلغة: «الظاهر ارادة ما يعم الدار وغيرها من مطلق الابنية الشامل لبيوت الدواب والغنم ومحارز الغلة وعلف الدواب وغير ذلك من الخانات والدكاكين والحمامات المسابك بل كل بنية اءعدت لاي مصلحة كانت، فتحرم من اءرضهاوترث من بنائها... الخ» ((396)).

ونحوه قاله عمه(رحمه اللّه) في رسالته((397)).

لكن قد عرفت ان الرباع هي المنازل، واستفادة التعميم منحصرة - كما يظهر من بعض - باحد وجهين:

احدهما: عبارته المحكية في مفتاح الكرامة((398)) حيث قال [اي المفيد» - بعد دعوى الاجماع على المنع من الرباع - :الرباع:

عند اهل اللغة هو الدور والمساكن، دون الضياع والبساتين ونحوه عن المختلف((399)) ولا دلالة فيها على اكثرمما قاله اللغويون. نعم قد يستفاد من المقابلة. قلنا المقابلة لا تقتضي ذلك، بل الانسب بمذهبه من الاقتصار على القدرالمتيقن من معقد الاجماع هو تخصيص الرباع بالمنازل فقط.

ثانيهما: عموم دليله كرواية يزيد الصائغ «هل يرثن الارض؟ فقال: لا، ولكن يرثن قيمة البناء» والبناء مطلق، وكل بناءترث من قيمته لا عينه تحرم من ارضه عينا وقيمة، لكن في استكشاف ارادته التعميم من ذلك تامل، لانه لم يستدل كمايظهر من عبارة (المختلف) الا باخبار الرباع، وظهور الرباع في خصوص المنازل اقوى من اطلاق البناء المتمم بالملازمة.

وبالجملة: لا يكاد يظهر من عبارته المحكية ارادة التعميم، نعم لا فرق في افراد الرباع بين مسكونة الزوج وغيرها،وبين ما يصلح للسكنى وما لا يصلح لها لتداعيه بحيث يخاف انهدامه. واما الحمامات والدكاكين ونحوها فلا وجه لدخولها.

[الامر» الثاني: ان اعطاءها قيمة الالات والابنية هل هو على التعيين فلو اتفقا على اعطاء العين احتيج الى معاوضة جديدة او انه رخصة وسعة على الوارث ولو شاء تسليمها من اعيان الابنية لزمها القبول؟ قولان:

نسب الاول((400)) منهما الى ثاني المحققين والشهيدين والصيمري.

والثاني((401)) منهما الى جماعة من متاخري المتاخرين.

واستدل للاول: بظاهر الاخبار الدالة على نفي ارثها من العين وانما ترث من القيمة، فان مفادها - كما قيل - تعلق ارثها بالقيمة من اول الامر، لا انها ترث العين ثم ينتقل حقها الى القيمة، كما يظهر بالتامل في قوله «لهن من قيمة البناء... الى آخره»((402)) ولا ترث... الا قيمة الطوب والنقض... الى آخره»((403)) «ولكن يرثن قيمة البناء»((404)) ونحوهامما هو ظاهر فيما ذكرنا.

وفيه: ان القيمة ليست من اموال الميت وتركته، فتعلق الارث بها يعط ي كون الموروث هو العين، والانتقال الى القيمة لابد ان يكون شيئا آخر اما معاوضته او نحوها.

واستدل للثاني:

[اولا» بان التعليل يظهر منه كون القيمة للارفاق بالورثة، وما يظهر من بعضها من تعيين التقويم لا يفيد اكثر من الرخصة، نظير الامر الواقع عقيب الحضر.

و[ثانيا» بان ذلك اقرب الى العام المفيد توريث عين الالات، اذ يكون التقويم حينئذ شيئا آخر لا ينافي استحقاق العين يثبت لدليله كما حكم بمثل ذلك في الزكاة بناء على تعلق حق الفقراء بالعين وللمالك دفع بدله من القيمة.

واجيب عن الاول:

اولا: بانه حكمة لا علة.

وثانيا: بانه يصلح ان يكون منشئا لتشريع الحكم بذلك بجعل ارثها من القيمة ولو حسما لمادة الفساد غالبا.

وفي الاول: انه انما يتوجه لو كان غرض المستدل توريثها العين وجعلها كسائر الوراث عند العلم بعدم الفساد، فيصح الجواب بان التعليل حكمة.

وفي الثاني: ان مجرد الامكان والصلاحية لا يصلح ان يكون سندا، بل اللازم في الجواب منع ظهوره في الارفاق على الوارث، بل يجوز كون المراد منه ان التوريث منشا الفساد واختلال نظام الورثة، وهو مما لا يرضى به الشارع وان رضي به الوارث.

واجيب عن الثاني: بان حفظ ظهور العام لازم عند الشك في التخصيص، وقد عرفت تحقق المخصص، وهو الاخبارالامرة بالتقويم.

وفيه ايضا: ما عرفت من ظهور لفظ الارث في ذلك.

اما التنظير بالزكاة فاجيب: بانه قياس مع الفارق، لظهور اخبار الزكاة في تعلق حق الفقير بنفس العين، مثل قوله «فيماسقت السماء العشر»((405))، وبعد قيام الدليل على جواز اعطاء القيمة بدلا عن العين كان مقتضى الجمع ان ذلك من قبيل المعاوضة القهرية، ولم يقم مثله دليل هنا على تعلق حقها بالعين، سوى العمومات التي قد عرفت حالهالتخصيصها بالظواهر المتقدمة.

وفيه ما لا يخفى على المتامل في الاخبار، فان فيها ما هو ظاهر في تعلق حقها بنفس العين، مثل قوله(عليه السلام) في رواية ابن مسلم «ترث الفرع، ولا ترث من الاصل» وقوله(عليه السلام) في رواية محمد وزرارة «الا ان يكون احدث بناءافيرثن ذلك البناء» فالقياس في محله، واي فرق بين الروايتين وبين قوله(عليه السلام) «فيما سقت السماء العشر».

فالحق حينئذ هو القول الثاني، لما عرفت من ان الظاهر من لفظ الارث وهاتين الروايتين هو تعلق حقها بالعين، ولم يثبت مما عداهما من اخبار التقويم اكثر من انه يجب عليها اخذ كل القيمة عوضا عن العين لو دفعها لها، واما لو دفع لها العين ابتداءا فلم ترض اجبرت على ذلك عملا بالعموم وتلك الاخبار في غير ميتقن التخصيص، فافهم.

[الامر» الثالث: في كيفية التقويم والبحث فيه يقع في موضعين:

[الموضع» الاول: في انها هل تقوم ثابتة ولو باجرة او تقوم مقلوعة كساير الاعيان الغير الثابتة؟ وظاهر من راجعت كتبهم انه لا خلاف في انها تقوم ثابتة، ولم يحك عن احد احتمال خلاف ذلك.

وربما استدل له بكونها موروثة كذلك.

لكن يمنع ذلك لامور:

منها: ان ظاهر الاخبار المتقدمة بل صريحها كما عرفت انها ترث قيمة الفرع، والفرع ليس الا نفس البناء، والثبات شي زائد دليل عليه فكيف يدخل فيه؟! ومنها: التعبير في تلك الاخبار بتقويم الطوب والنقض والطوب الاجر والنقض المنهدم فان الظاهر من ذلك تقويمه بلاملاحظة الشان بل ولا الهيئة الاجتماعية، ومثله التعبير بالابواب والخشب والقصب والجذوع يظهر ذلك منها كل الظهورلمن تاملها حق التامل، وبالجملة يظهر من التعبير بذلك في تمام تلك الاخبار الا النادر منها ان التقويم يقع عليها بلاملاحظة الثبات بل ولا اجتماع، بل يقع على نفس الاعيان.

ومنها: ظهور بعض التعليلات الواردة لمنع الارث اصلا في ذلك مثل قوله(عليه السلام) «لئلا تتزوج المراة فيجئ زوجها اوولده من قوم آخرين... الى آخره». فان ذلك مطرد في توريثها منها ثابتة، ومقتضاه المنع من ذلك.

وما قد يقال من انها لا ترث من اعيانها، ولكن ترث من قيمها ففيه: ان التعليل المذكور وارد للمنع من الاعيان والقيم،لا من نفس الاعيان والا لزم بمقتضاه دفع القيمة من الاراضي ايضا فتامل.

فالظاهر من مجموع ذلك ان الشارع المقدس لاحظ الاعيان الثابتة منزلة غيرها من الثياب والفرش، فكما انها تستحق من اعيان تلك ثمنها او ربعها كذلك من اعيان هذه الا انه انتقل الى القيمة للضرر الحاصل من اقتسام تلك الاعيان الثابتة لو ورثها من اعيانها، وبما ذكرناه اتضح وجه الانتقال الى القيم، فتامل.

واما ما استدل به من انها ورثتها ثابتة.

ففيه: انه ان كان المراد انها ورثتها بقيد الثبوت فهو اول الكلام بل مصادرة محضة، وان كان المراد انها ورثتها في حال الثبوت فهو لا ينفع المستدل، بل بينه وبين الدعوى فراسخ، والا لزم توريثها من الثياب والفرش وغيرها من اعيانه كذلك، وليس للورثة منعهم من ابقائها في محالها، لاتحاد المناط موضوعا، واللّه العالم.

نعم لو لم يثبت من الاخبار التقويم فرضا كان القول ببقائها ثابتة - ولو باجرة - حسنا، عملا بقاعدة الضرر.

والموضع الثاني: انه [لو» لم يثبت مما ذكرنا شيء وبنينا على استحقاقها ثباتها فهل تتبقى باجرة او مجانا؟! ظاهر اكثر من رايت كتبهم الثاني بل لم يحك الخلاف في ذلك الا عن الشهيد(رحمه اللّه) حيث حكي عنه احتمال بقائهاباجرة، وقد يستدل له بوجوه:

[الوجه» الاول: ما يرجع اليه كلام الشهيد(رحمه اللّه) المحكي عن رسالته وهو ان المالك قبل موته يملك امورا ثلاثة:الارض والبناء وبقاء البناء في الارض مجانا، والقدر المتيقن في تخصيص العمومات هو الارض، فيقع ما عداها على مقتضى العموم.

والجواب - مع امكان منع ملك شيء ثالث غير الارض والبناء - ان ملك البقاء مجانا ليس الا عبارة عن ملك الانتفاع في الارض، والزوجة محرومة من الانتفاع في الارض بعين ما دل على حرمانها من نفس الارض، والا لزم القول بجوازمطالبة الزوجة بالانتفاعات بان تقول للورثة اجروا الاراضي واعطوني ثمن الاجارة او ربعها، وهو مما لا يلتزم به احد،وهو ليس الا لان ما دل على حرمانها من الارض دال على ذلك.

[الوجه» الثاني: ما ذكره غيره وربما يظهر من (...)((406)) وهو ان الميت كما [كان» قبل موته يملك ارضا مشغولة مجانا وشيئا يشغلها مجانا فينتقل كل منهما الى وارثه على حاله كما لو آجر ارضه لان يغرس فيها الغير او استاجرارضا لان يغرس فيها فان كلا منهما ينتقل الى وارثه على الحالة التي فارقها الميت.

وفيه - مع ما اورد على الاول اولا - : ان ذلك انما كان للميت لانه يملك الشاغل والمشغول، وبعد انتقال كل منهما الى وراث خاص لم يبق الامر على ذلك، لتعدد الملاك، وليست تلك الصفات التي اخذها المستدل من قيود الشاغل والمشغول حتى يصح له ذلك كما في المثال الذي ذكر، بل المالك كما يملك ارضا له ان يشغلها مجانا، له ان يقلع مافيها، فعليه يلزم التجويز للوارث بقلع الشاغل له، لان الميت كان يملك قلعه، فافهم.

[الوجه» الثالث: ما ذكره السيد الطباطبائي(رحمه اللّه) في البلغة: «من عدم الموجب لاستحقاق الاجرة، لان السبب لهاانتقال ملك الغير بوضع ما يملكه فيه، والمراة على الاقوى لم تملك العين الشاغلة لملك الغير حتى يستحق عليهاالاجرة، وليس اعطاؤها القيمة بدلا عن المملوكة لها، بل تملكها للقيمة باصل الارث ولو بنحو البدلية عن العين والتدارك لماليتها»((407)) انتهى.

وفيه:

اولا: ما عرفت من ان ملك الزوجة للقيمة فرع ملكها للعين.

وثانيا: عدم مطابقة الدليل للدعوى، وذلك ان ليس الدعوى: ان ليس عليها اجرة حتى يقال بعدم الموجب، بل الدعوى انها تقوم ثابتة مجانا، وكونها لم تملك العين الشاغلة لا يثبته، وبالجملة انا وان قلنا بانها لم تملك العين وقلنا بان لهاالقيمة لكن القيمة بدل عن العين قطعا، فالكلام الان في ان المبدل منه هو نفس العين ثابتة ولو باجرة او نفس العين ثابتة مجانا، وكونها لم تملك العين الشاغلة ان لم يناسب خلاف الدعوى فلا يدل عليها.

[الوجه» الرابع: ما ذكره السيد في ملحقات البرهان قال - بعد نقل ما ذكره الشهيد(رحمه اللّه) - : «ولا ريب في ضعفه،لانه موضوع بحق، بل المجانية هي ظاهر قوله(عليه السلام):

«تعط ى الربع او الثمن من قيمتها» اذ لو كانت عليها اجرة لوضعت من الربع والثمن واعطيت الباقي» انتهى.

وفيه - مع ما عرفت من انا لم نقل ان عليها الاجرة، بل الكلام انها تقوم شاغلة باجرة او مجانا - : ان استظهار ذلك من الرواية لا يخلو عن اشكال فيه، فتامل.

[الوجه» الخامس: ما ذكره سيد مشايخنا مولانا السيد محمد سعيد (ايده اللّه تعالى)((408)) ان ظاهر قوله(عليه السلام):«يرثن البناء» انهن يرثنه باقيا مجانا، فيرجع بعد قيام الدليل على القيمة الى قيمته كذلك.

وهو اقرب الوجوه المذكورة، وكانه هو الذي تمسك به الشهيد(رحمه اللّه) في تضعيف ما احتمله اولا وسماه تمسكابالاطلاق، وهو كذلك، اذ لو كان ظهورا لكان استعماله في غيره يستلزم تصرفا كما لو قال(عليه السلام): يرثن البناءوعليهن الاجرة لو ابقينه، مع انه لا يلزم منه ذلك.

ولو قلت: لو كان ذلك مطلقا كيف يتعين به المجانية التي هي احد الافراد.

قلت: مقدمات الحكمة في الاطلاق يختلف مقتضاها، فقد تقتضي الحمل على العموم الشمولي كما في مثل «احل اللّهالبيع» او على العموم البدلي كما في قوله «يجب عتق رقبة» او على خصوص بعض الافراد كما في اطلاق صيغة الامر،فان اطلاقها يحمل على طلب العيني لا الكفائي، التعييني لا التخييري، والنفسي لا الغيري، مع كون كل واحد منها قسمامن مطلق الطلب.

ووجه حمله على ذلك: ان لو اراد غيره لاحتاج الى بيان فكذا في المقام، فقول القائل: لك هذه النخلة مثلا يحمل على بقائها في ارضه مجانا مع كون ذلك احد فردي الاعطاء، لانه لو اراد الفرد الاخر لاحتاج الى قوله «وعليك الاجرة لوابقيتها» وليس لاحد ان يدعي وضع صيغة الامر للوجوب العيني التعييني النفسي، وان لك هذه النخلة مثلا موضوعة للاعطاء على ان تبقى مجانا، والا لزم التجوز لو استعملت في غير ذلك، ولا اظن احدا يلتزم به، فافهم.

وحيث رجع الامر الى التمسك بالاطلاق فالظاهر من الاطلاقات المذكورة ورودها في مقابل الحرمان من غيرها مثل قوله «لا ترث النساء من العقار شيئا ولهن من قيمة البناء... الى آخره»((409)) ونحوه غيره، فانها اجمع كل ما ورد فيها من التوريث كان في مقابل الحرمان، واللّه العالم.

[الامر» الرابع: لو باع الوارث غير الزوجة ماله دفع القيمة اليها عنه، فان دفعها قيل لا اشكال في صحة البيع ولزومه،وان لم يدفع فهل لها التسلط على فسخ البيع او ليس لها ذلك بل القيمة هنا حكمها حكم سائر الديون؟ قولان:

اختار اولهما في مفتاح الكرامة حيث قال: «ولو باع الورثة هذه الابنية والالات قبل التقويم صح البيع، فان دفعوا لهاحصتها، والا كان لها فسخه، لتعلق حقها بالمبيع»((410)).

واختار ثانيهما شيخنا في الجواهر حيث قال - بعد تقوية القول بجبر الوارث على التقويم - : «ومنه يعلم عدم بناء ذلك على المعاوضة، بمعنى عدم جواز تصرف الوارث حتى يدفع القيمة، بل الظاهر ثبوت ذلك في ذمة الوارث، من غير فرق بين بذل الوارث العين وعدمه، ولا بين امتناعه من القيمة وعدمه، وان كان مع الامتناع يبقى في ذمته الى ان يتمكن الحاكم من اجباره... الى آخره»((411)).

وظاهرهما بناء ذلك على الخلاف المتقدم في التنبيه الثاني، فان قلنا لها حق في العين - كما استقربناه - كان لهاالفسخ والا لم يكن لها ذلك.

ويمكن القول بان لها الفسخ على كل من القولين، بتقريب انه القدر المتيقن من اخبار التقويم وان قلنا بالمعارضة القهرية [في» غير هذه الصورة اعني غير صورة امتناع الوارث من دفع القيمة، اما مع صورة امتناعه من ذلك فالمرجع القاعدة وهي:

«الناس مسلطون على اموالهم» ونحوه مما دل بعمومه على عدم لزوم تصرف غير المالك بدون اذنه.

لكن التقريب المذكور ليس بتلك المتانة والقوة.

واما ما ذكره في ملحقات البرهان: «وفي الاستدلال على التسلط على القولين والفرق بين القيمة على القول بالمعاوضة القهرية وبين الديون من ان الديون كلي في الذمة غير معينة في قيمة عين، وقد صرح في النصوص هنا بان لها قيمة البناء والالات وانها ترث قيمتها ونحو ذلك مما هو ظاهر في تعلق حق لها في قيمة هذه الاعيان فاشبهت العين المرهونة... الخ» فلم اجد بالنصوص((412)) ما يدل عليه، وقريب منه ما في البلغة، واللّه العالم.

[الامر» الخامس: لو تلف البناء والشجر بعد الموت كما لو جاء سيل واخذ ما على الارض او غصبه غاصب فهل لهاالقيمة حينئذ او ليس لها شيء؟ قولان:

مبناهما ما ذكره في التنبيه الثاني، وربما يقال ما ذكره في التنبيه السابق من ان المتيقن من الاخبار غير الصورة المذكورة، وليس لها اطلاق يشملها، فالمرجع اصالة البراءة.

وفي البلغة التزم بعدم الضمان وان قيل بالمعاوضة القهرية:«لان جعل القيمة انما هو لتدارك مالية العين، فاذا تلفت بتلف العين لا بتفريط لم يضمنها الوارث، وانما يضمنها لو تاخر التدارك وكان بتفريط منه، فتستحق عليه القيمة حينئذ»((413)) انتهى.

لكن لا يخفى ان كون وضع القيمة لتدارك مالية العين لا دخل له بالضمان، لان الاعيان عند الموت كانت ذات مالية،فتثبت القيمة في ذمة الوارث، وتكون الاعيان وماليتها من نصيبه، فان تلفت تلفت منه، والا كان له استرجاع القيمة لوتلفت العين بعد دفع القيمة الى الزوجة، فتامل.

وفي مفتاح الكرامة قال: «وهذه القيمة مستحقة من التركة، وليست متعلقة في ذمة الوارث، فلو غصبت التركة من الورثة لم يضمنوا لها، فان عادت عاد حقها»((414)) انتهى.

وليس في الاخبار ما يدل عليه، ولم اجد من اشار اليه، واللّه العالم.

[الامر» السادس: لو نمت الاشجار وغيرها قبل التقويم فهل النماء للورثة او للزوجة؟ وجهان:

وفي المفتاح: «ان النماء للورثة، لان النماء تابع للاصل، ولم تستحق في عين الاصل شيء»((415)) انتهى.

لكنه بظاهره قد يناقضه ما علل به جواز الفسخ بعد ذلك بسطر حيث قال: «كان لها فسخه، لتعلق حقهابالمبيع»((416)).

ومقتضى القاعدة ان يقال: ان قلنا بالمعاوضة القهرية فليس لها شي، وان قلنا بغيرها فان كان تاخير الوارث القيمة برضاها فكذلك، لتحقق المعاوضة الموجبة لانتقال كل الى ملك صاحبه، وان لم ترض بتاخير القيمة فما بين الموت ودفع القيمة من النماء لها حق فيه، لتبعه للعين، وما لم يدفع القيمة يسقط حقها من العين، واللّه العالم.

[الامر» السابع: اذا كان للميت زوجتان فان كانتا ذات ولد او لم تكونا كذلك فالامر واضح، وان اختلفتا فان لم نقل بالفرق بينهما فكذلك.

وان قلنا بالفرق، فهل لذات الولد ثمن جميع التركة وعليها دفع قيمة الاشجار والابنية للاخرى، لكون الثمن للزوجة؟فان اتحدت اخذته، وان تعددت قسم بينهما، لكن بعدما دل على حرمان غير ذات الولد من الارض تكون الارض لها لاللورثة، لخروجها عن حقهم عملا بالاية، وهو المحكي عن الشهيد(رحمه اللّه) في الروضة((417)) وغاية المرام((418))واختاره في حواشيه واستقربه((419)) في البلغة؟ او تعط ى ذات الولد نصف الثمن من جميع التركة وتعط ى الاخرى قيمة نصفه من الابنية والاشجار ويبقى نصفه من الارض للورثة؟ نظرا الى ان المنع كان لمصلحة الورثة، ولو عملنا على القول الاول بان اعطينا نصف الثمن من الارض لذات الولد لم نفعل ما هو صلاح لهم، كما احتمله آخر.

وفيه: ان صلاح الورثة انما هو بان لا يدخل عليهم اجنبي، وهو حاصل.

او يشرك بين جميع الورثة في نصف ثمن الاراضي، فتعط ى منه ثمنا، لعدم ما يدل على تخصيصه بغير ذات الولد من ساير الورثة، كما احتمله بعض؟ وفيه ما عرفت من وجود ما يدل على اختصاص جنس الزوجة بثمن التركة وعدم تعلق حق لساير الورثة.

والوجه الاول اقرب الوجوه، كما عرفت.

ولصاحب المستند((420)) - على ما حكى عنه - كلام بعيد عن مساق الادلة فراجعه، واللّه العالم.

[الامر» الثامن: بناءا على تفاوت ذات الولد عن غيرها في الحكم لا يفرق في الولد بين ان يكون ذكرا او انثى او خنثى اوحملا لو اولدته حيا او شبهة منهما او متعة اذا تزوجها بعد بالدوام، وكذا ولد الولد وان لم يكن وارثا لوجود الولدالصلب، كل ذلك لاطلاق الولد واتحاد المناط المنصوص في رواية ابن اذينة التي هي منشا الحكم بالتفاوت.

نعم لا يسري الى ولد الزنا لو قلنا بانه ليس بولد شرعا، ومثله ولد الشبهة منها بل منه ايضا، لكونه ليس بولدللزاني، فتامل.

واللّه تعالى هو العالم.

[الامر» التاسع: لو كان على الميت دين وزع على مجموع التركة بحيث يلزم كل وارث منهم بمقدار نسبة على نسبته استحقاقه من التركة، فلو كانت الارض تساوي قيمة البناء والشجر وغيرها من اعيان تركته كان عليها نصف ثمن الدين، لانها ورثت نصف ثمن التركة، وكذا لو اراد الوارث الوفاء مما ترث من عينه كالثياب والفرش ولم يكن للميت غير الارض المحرومة منها والثياب والفرش وغيرها مما ترك من عينه مع التساوي لزم اعطاء نصف ثمن ذلك، وليس للوارث دفع اكثر من ذلك وان دفع لها القيمة، لان اعطاءها قيمة ما تستحق من اعيانه ومنعها عن العين التي تستحقهاضرر، وهو منفي.

وفي الجواهر - بعد اختيار التوزيع - : «ان العمل من جميع من عاصرناه على خلاف ذلك»((421)) انتهى.

ولعله لا وجه له، لقاعدة نفي الضرر المثبتة جميع ما ذكرناه، وهو الهادي.

[الامر» العاشر: لو لم يكن مع الزوجة وارث غير الامام(عليه السلام) ولم نقل بالرد عليها فهل تحرم مما كانت تحرم منه لو كان معها وارث غيره؟ وجهان:

من اقتضاء التدرج في طبقات الارث وقيام اللاحقة مقام السابقة هو الحرمان.

ومن دعوى انصراف المطلقات في المنع خصوصا مع عدم اتيان حكمة التعليل في ذلك عدم الحرمان.

لكن الاول اقرب، لمنع انصراف المطلقات اولا، ولظهور بعض التعليلات في التعميم مثل ما في رواية ابن مسلم ورواية محمد بن سنان فتامله، بل وفي رواية ميسرة من قوله(عليه السلام) «ليس لها نسب ترث به، وانما هي دخيل عليهم» واللّهتعالى اعلم.

[الامر» الحادي عشر: لو كان للميت زرع وكانت الزوجة بحيث تحرم من الارض لم يكن للوارث قلعه، للزوم الضررالمنفي، بل له اخذ الاجرة جمعا بين الحقين او قلعه مع تلافي الضرر بدفع الارش.

وما يقال: من ان الزام مالك الارض بالقلع وتسليم الارش او الابقاء واخذ الاجرة ضرر عليه، فاللازم عند تعارض الضررين الرجوع الى قاعدة السلطنة.

قلنا: لو سلم لزوم الضرر على المالك عرفا بمجرد منع الزامه بالايقاع مع اخذ الاجرة خصوصا في الاراضي المتعارف فيها ذلك فانما يرجع الى قاعدة السلطنة لو تساوى الضرران، لكون قاعدة الضرر حاكمة عليها، والمحكوم لا يكون حجة الا بعد عدم التمكن من اعمال الحاكم، اما لو كان احد الضررين ارجح بحيث امكن العمل بالحاكم فيه لم يجزالرجوع الى المحكوم.

والظاهر ان الضرر الحاصل من قلع الزرع آكد من ضرر المالك بابقائه واخذ الاجرة، ولعل الامريختلف حسب اختلاف المقامات، فقد يكون الامر بالعكس، وقد يتساويان بنظر اهل العرف، واللّه تعالى هوالعالم.

[الامر» الثاني عشر: يظهر من القائلين بالتفصيل بين ذات الولد وغيرها بل صريح محكي جملة من عباراتهم ومرئيهالزوم كون الولد منه.

ولو كانت ذات ولد من غيره ولم تكن ذات ولد منه كانت كغير ذات الولد.

لكن المقطوعة التي هي المستند خالية من هذا التقييد.

نعم قد يظهر من قوله - في بعض الاخبار المعللة «انها ربما تزوجت فيجيء زوجها او ولد من قوم آخرين» - تخصيصها بذات الولد منه، لعموم التعليل لذات الولد من غيره، مضافا الى انصراف الاطلاق.

لكن في الاول ان المقطوعة اخص من التعليل، واطلاق الخاص مقدم على عموم العام، بل الامر هنا من باب المطلق والمقيد، لكون المراة من المفرد المحلى باللام وافادته للعموم بالاطلاق، واطلاق المقيد مقدم على اطلاق المطلق. اللهم الاان يقال: ظهور التعليل بالعموم اقوى من اطلاق المقطوعة.

وفي الانصراف انه بدوي. اللهم الا ان يؤيد بفهم الاصحاب، فتامل. واللّه تعالى شانه هو العالم.

تمت في يوم الخميس الثامن عشر صفر المظفر من شهور سنة الالف والثلثمئة والاثنين والثلاثين على يد مؤلفها احقرالخليقة محسن نجل المرحوم العلامة السيد مهدي الحكيم الطباطبائي.

والحمد للّه اولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

 

موسوعة الفقه الاسلامي طبقا
 لمذهب اهل البيت
(عليهم السلام)

 اعداد : التحرير

المجلد الخامس من (موسوعة الفقه الاسلامي طبقا لمذهب اهل البيت(عليه السلام)).

تاليف وتحقيق: مؤسسة دائرة معارف الفقه الاسلامي الناشر: مؤسسة دائرة المعارف 1426 ه / 2005 م

 يقع الجزء الخامس من موسوعة الفقه الاسلامي طبقا لمذهب اهل البيت(عليه السلام) في (453) صفحة من القطع الكبير ( الرحلي).

واشتمل الكتاب على ستة وعشرين عنوانا، بدات ب(اجازة) وانتهت ب(اجير)، عشرة منها من قسم عناوين الدلالة التي احيل البحث فيها الى مظانه كعنوان (اجمار) و(اجهار).

وبقي ستة عشر بحثا بعضها موسع جدا كعنوان (اجتهاد) و(اجهاض)، وهذه من قسم العناوين الاصلية.

والبحوث الباقية متفاوتة من حيث مقدار البحث:

فبعضها مبحوث على نحو الاجمال كعنوان (اجرة) و (اجنبي)، وهذه من قسم العناوين الفرعية.

وبعض البحوث تاليفية، برزخ بين الاجمال والتفصيل كعنوان (اجتماع) و (اجل).

وسنحاول القاء الضوء على هذا الكتاب من خلال المرور على بعض بحوثه كي يمتلك القارئ صورة عن هذه الموسوعة الفقهية المهمة، فمن جملة البحوث المفصلة المطروحة ما يلي:

اجازة:

وهو من البحوث الاصلية واستوعب (124) صفحة، وقد اتسق هذا البحث ضمن الفقرات التالية:

اولا - التعريف، حيث دابت ابحاث الموسوعة الفقهية على الشروع ببيان المعنى اللغوي ثم التثنية ببيان المعنى الاصطلاحي، كما ان داب الموسوعة هو التطرق الى الالفاظ ذات الصلة بالعنوان المبحوث عنه، ومن خلال المقارنة بين هذه الالفاظ يعرف مدى الارتباط بينها حتى يحصل تحديد دقيق للعنوان محل البحث ولا يختلط بغيره من العناوين الاخرى.

وتم هنا المرور الاجمالي والسريع على خمسة الفاظ، هي:

الاذن - الرضا - الوكالة - الامضاء - التقرير.

هذا، وقد وردت خمسة اطلاقات من قبل الفقهاء لمصطلح (اجازة)، وهي:

1 - الاجازة بمعنى الانفاذ.

2 - الاجازة بمعنى الاذن او النصب.

3 - الاجازة بمعنى التجويز.

4 - الاجازة بمعنى التاييد والشهادة بالصحة.

5 - الاجازة بمعنى اعطاء الجائزة.

وعلى ضوء هذه الاطلاقات تم تبويب البحث وتنظيمه، فجاءت خمسة محاور متسلسلة كالتالي:

المحور الاول - الاجازة بمعنى الانفاذ: وهو اول البحوث واوسعها، والمراد بها الاذن اللاحق بعد العمل من قبل من يعتبر اذنه، فتكون انفاذا للتصرف الواقع سابقا.

وهي على قسمين: اجازة التصرف الفضولي، واجازة من اشترط رضاه في تصرف الغير.

القسم الاول: اجازة التصرف الفضولي: وفيه خمسة ابحاث، وهي:

البحث الاول - حقيقة الاجازة: فهل تكون عقدا جديدا او انها توجب انتساب العقد الواقع سابقا الى المالك ومن بحكمه؟ المشهور عند المحققين هو الثاني.

البحث الثاني - ادلة نفوذ الاجازة ومشروعيتها:

اولها: ان نفوذ الاجازة هو مقتضى القاعدة وهي العمومات، ثانيها: السنة، وهي على طوائف - بعضها ورد في البيع وبعضها في النكاح وبعضها في المضاربة وغير ذلك - ثالثها: الاجماع.

وفي قبال ذلك استدل بعض على بطلان الفضولي بالكتاب والسنة والاجماع والعقل. وقد ناقش المحققون هذه الادلة باجمعها وفندوها.

البحث الثالث - اركان الاجازة: وهي اربعة:

الركن الاول - محل الاجازة (التصرف المجاز):

حيث اختلفت النظريات الفقهية في تحديد المجال الذي تصح فيه الاجازة سعة وضيقا، فالمشهور بين المتاخرين هوصحة الاجازة في العقود والايقاعات، في حين ذهب بعض الفقهاء الى عدم الصحة، وآخر الى الصحة في العقود دون الايقاعات، ورابع الى الصحة في بعض العقود والايقاعات.

وقد تطرق الباحث الى جملة من كلمات الفقهاء في حكم الفضولي في بعض العقود والايقاعات: كالبيع والاجارة والمزارعة والمضاربة والعارية والرهن والصلح والهبة والصدقة والوقف والنكاح والطلاق والعتق.

ويخلص الباحث الى القول بان مشهور المتاخرين يرون نفوذ الاجازة في مطلق العقود والايقاعات الصادرة فضولة وممن لا ولاية له عليها بمقتضى القاعدة مشفوعا ببض الروايات الخاصة.

نعم هناك استثناءات في كلمات بعض المحققين المتاخرين.

وفي هذا الاطار تعرض الباحث الى اجازة العقود المتعددة على اختلاف الحالات والصور، وكذلك اجازة المعاملات المعاطاتية، فانه بناء على كون المعاطاة عقدا مبرزا بالفعل - كما هو الصحيح - فانه يكون كسائر العقود مشمولالادلة نفوذ الاجازة فيها.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية