، لا يجري هذا الكلام في المناطات الموضوعية التي لا
يكون التعدي بواسطتها مستدعيا لاستناد الحكم فيها
الى ملاك، بل يكفي التعدي بها حتى ولو كانت الاحكام جزافية
لا ملاك فيها، لارتباطها بتحقق الموضوع فقط.
شروط الغاء الخصوصية:
يبدو ان الشرط الاساسي لالغاء الخصوصية هو القطع بعدم
دخلها في موضوع الحكم، فمع الظن بدخلها فيه او احتماله لا
يصح الغاؤها((239))، لان الظن لا يغني من الحق شيئا، فلا
يكفي عدم تعقل الخصوصية، بل لابد من تعقل
عدم الخصوصية((240))، وكل الشروط التي ذكرها الاعلام
تدور في الحقيقة حول هذا الشرط، ومع ذلك فنحن نحاول
طرحهاللتعرف على ابعادها وما تتركه من آثار ونتائج فقهية في
مجال الاستنباط، وهي كالتالي:
الشرط الاول: وجود قرينة على الالغاء((241)):
لابد في الغاء الخصوصية من وجود قرينة داخلية او خارجية
تدل على عدم الاعتناء بالخصوصية، ومع عدم القرينة يكون
الالغاء قياسا باطلا.
فلو قام الاجماع على عدم اعتبار خصوصية مذكورة في رواية
مثلا كان ذلك قرينة خارجية على عدم الاعتناء بهافي هذه
الرواية.
ولو قال المولى: لا تشرب الخمر لانه مسكر، كان التعليل قرينة
داخلية على الغاء خصوصية الخمرية وتعميم الحكم لكل ما كان
مسكرا.
الشرط الثاني: عدم مخالفة الحكم للقاعدة:
لابد في الغاء الخصوصية من عدم كون الحكم مخالفا للقاعدة،
كما في الحكم بان تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه، فانه
لما كان مخالفا للقاعدة فلا يصح الغاء خصوصية البيعية عنه
والتعدي به الى سائر العقود الاخرى كالاجارة وغيرها((242)).
الشرط الثالث: عدم التعبد في مورد الالغاء:
لابد ان لا يكون مورد الغاء الخصوصية من الامور التعبدية، فلا
يصح اعتبار القطعة المنفصلة عن بدن الانسان مثلا كميتته
في وجوب غسل مس الميت بالغاء الخصوصية عن الادلة
الاجتهادية الواردة فيها وتعميمها للاجزاء المنفصلة عن البدن،
مع ان الاحكام المترتبة على ميتة الانسان من الاحكام التعبدية
التي لا مجال للعرف لالغاء خصوصية موردها وتعميمها لغير ما
وردت فيه، اذ لعل لميتة الانسان خصوصية غير ثابتة لاجزائه
المنفصلة عنه((243)).
ومن الامثلة على ذلك ايضا الدم، حيث يكون معفوا عنه في
الصلاة اذا كان مقداره اقل من درهم، وغير معفو عنه فيهااذا
كان بمقداره او اكثر، فان عقولنا عاجزة عن تمييز المناط في
الحالة الاولى عن المناط في الحالة الثانية، والسبب في ذلك
يكمن كما قلنا في كون ذلك من الامور التعبدية التي لا
مجال لعقولنا من دركها((244))، وحينئذ لا يصح
الغاءخصوصية ما دون الدرهم وتعميمه الى اكثر من ذلك مثلا.
اكتشاف المناط والتعرف عليه:
لا يمكن اكتشاف مناطات الاحكام الشرعية والتعرف
عليها((245)) الا اذا دل عليها دليل من اجماع او نص
اوغيرهما((246))، لان اكتشافها وان كان ممكنا من الناحية
النظرية الا انه صعب التحقق من الناحية الواقعية، لضيق
دائرة العقل ومحدودية اطلاع الانسان التي غالبا ما تجعله
يحتمل فوات بعض الامور عليه.
فقد يدرك المصلحة في فعل لكنه لا يجزم عادة بدرجتها
ومدى اهميتها وعدم وجود مزاحم لها، فما لم يحصل
الجزم بكل ذلك لا يتم الاستكشاف((247)).
الاختلاف في مناط الاحكام:
لما كان مناط بعض الاحكام واضحا لدى البعض وغير واضح
لدى آخرين وقع الخلاف بينهم في تعميم بعض
الاحكام والتعدي بها الى غير مورد النص، ولذلك امثلة كثيرة:
منها: مسالة تعلق الخمس بالارض التي اشتراها الذمي، التي
وردفيها قول الباقر(عليه السلام) «ايما ذمي اشترى من مسلم
ارضا فان عليه الخمس»((248)).
وظاهر الفتاوى((249)) قصر الحكم على الشراء خاصة
للاصل((250))، بينما عممه الشهيدان
في البيان((251))والروضة((252))، ليشمل مطلق الانتقال،
ولو بغير عقد معاوضة، وذلك لوحدة المناط بينهما((253))،
بينما عداه صاحب الجواهر لمطلق المعاوضة دون مطلق
الانتقال، فلو كان المناط واضحا ومتفقا عليه لدى الجميع لما
حصل الاختلاف فيه في هذا المجال((254)).
ومنها: كراهة الجماع في اوقات مخصوصة، لما ورد في الاخبار
من ترتب بعض الاثار السيئة فيها على الطفل((255))،فقد
ذهب الشهيد الثاني الى ان هذه الاثار تعتبر علة للكراهة لا
حكمة لها، فقال ما هذا نصه: ان «مقتضى التعليل بسقط الولد ان
الخطر في جماع يمكن ان يحصل به ولد، او في جماع الحامل،
فلو كانت خالية من ذلك كاليائسة احتمل قوياعدم الكراهة، اذ
ليس في الباب غير ما ذكر من النصوص، وليس فيها الحكم
بالكراهة مطلقا، كما اطلقه الفقهاء،فيختص بموضع الخطر»((256)).
بينما ذهب صاحب الجواهر الى انها من باب الحكمة، وليست
من باب العلة، قال(قدس سره): «ان المراد من نحو
هذه التعليلات ذكر بعض الحكمة في هذا الحكم المبني على
العموم، لا ان المراد منها دوران الحكم مدارها وجودا وعدما
وان لم يفهم احد من الفقهاء منها ذلك، لعدم كونها مساقة
لمثله، بل المتامل يقطع بعدم ارادة ذلك، كما ان الخبير
الممارس لاقوالهم يعلم ذلك منها ايض»((257)).
المناطات التشريعية والحفظية في الاسلام:
لقد طرح العلا مة ملا نظر علي الطالقاني(قدس سره)((258))
نظرية تبدو انها جديدة في مناطات الاحكام وملاكاتها
عندمااكد على وجود نوعين من المناطات، يعتبر بعضها اساسا
لاصل التشريع، وبعضها الاخر لحفظه وحفظ مناطاته
من الضياع.
اما المناطات التشريعية: فهي المناطات الخاصة لكل حكم
على حدة، كالاسكار الذي هو مناط لحرمة الخمر.
واما المناطات الحفظية: فهي المناطات التي يتسع من خلالها
الحكم الشرعي ليشمل ما لا وجود للمناط الاصلي فيه، كمافي
مثال قطرة الخمرة التي يحرم شربها لا لاجل اسكارها لعدم
تحقق الاسكار بها قطعا بل لاجل المحافظة على حكم الخمر
من الضياع والزوال، لان الامتناع عن شرب القطرة يؤدي الى
الامتناع عن شرب ما يسكر من الخمر.
وبعبارة اخرى: ان مناط التحريم في الخمر اسكاره، ومناط
التحريم في القطرة الابتعاد عن الاسكار الذي هومناطه.
ومن هنا جاءت توسعة الاحكام والمناطات الثانوية لتكون بمثابة
الدرع الحافظ للمناطات الاصلية من الانهيار، لان لكل شيء
حمى وحمى المناطات تعميم احكامها وتوسعتها((259)).
وبذلك حاول الملا نظر ان يضع حدا للجدل الدائر حول
مصداقية بعض المناطات، اذا كان انتفاؤها غير مؤثر في
بقاءحكمها كالاسكار في المثال المتقدم الذي يبقى حكمه
مستمرا رغم زواله في القطرة الواحدة من الخمر.
والى هذا المعنى اشار المحقق النائيني عندما قال: «يمكن
انفكاك الحكم عن [الملاك] احيانا، كما في وجوب العدة
على المطلقة، فان ملاك وجوبها انما هو حفظ الانساب وعدم
اختلاط المياه، وهذا الملاك وان لم يكن مطردا وسائرافي
جميع الموارد، الا ان تمييز موارد الاختلاط عن غيرها لكونه
عسيرا في الغاية بل متعذرا احيانا، جعل الشارع وجوب
العدة على نحو الاطلاق تحفظا على غرضه، فوجوب العدة في
موارد عدم الخلط واقعا وان كان خاليا عن الملاك، الا ان
تشريع الحكم على الاطلاق ناشىء عن ملاك يقتضيه، اعني به
التحفظ على الغرض»((260)).
وهذا النوع من المناطات هو الذي اطلقنا عليه عنوان مناط
الحفظ تمييزا له عن مناط الحكم والتشريع.
الشريعة والسياحة((261))
علي اكبر كلانتري
تمتد ظاهرة السياحة والسفر الى المواقع الاثرية والاماكن
التاريخية ومشاهدة المناظر الخلا بة الطبيعية الى
عصورقديمة، تجعل من المتعذر معه الوقوف على الانطلاقة
والنشاة التاريخية لتلك الظاهرة.
الا ان التعامل مع هذه الظاهرة بصفتها مهنة تدر ارباحا
وعائدات تساهم في اغناء الاقتصاد الوطني وتمهد السبيل امام
توفير فرص العمل يمكن ارجاعه الى العصور المتاخرة، حيث
ان المصادر والمتون الفقهية القديمة خالية من النصوص
والعبارات التي تعالج قضية السياحة بما هي مهنة بالمعنى
المتعارف اليوم، وان كل ما ورد في الكتاب والسنة فيما يختص
بهذا الموضوع انما تعرض لاصل ظاهرة السياحة وآثارها
وفوائدها المعنوية، ولم يغفل احيانا عن فوائدها المادية ايضا.
وبناء على ما تقدم يجب اعتبار السياحة كمهنة من وجهة نظر
الفقه من المباحث العصرية والمسائل الفقهية المستحدثة التي
ينبغي الخوض في احكامها وتفاصيلها على ضوء المصادر
والمراجع الفقهية.
وهنا لابد من بحث ودراسة بعض الامور التي تلعب دورا بالغ
الاهمية في هذا المجال، وهي:
السياحة في الكتاب والسنة.
الحكم الشرعي لانواع السياحة.
شرعية السياحة كمهنة.
ابرام عقود السياحة.
وجوب توفير الامن لارواح السياح وممتلكاتهم.
ضرورة رعاية السياح للقيم والمثل الاسلامية في الاماكن
العامة.
ما يحظر على السياح غير المسلمين في دار الاسلام.
العهود الشرعية والاخلاقية للرعايا المسلمين تجاه السياح.
والمقالة التي بين ايدينا تحاول تسليط الضوء على الامور
المذكورة.
وتاتي ضرورة واهمية دراسة هذا الموضوع على اساس ما
يختزنه من دور فاعل على المستويين
الثقافي والاقتصادي((262)).
اولا: السياحة في الكتاب والسنة
ا السياحة على ضوء القرآن:
لقد عبر القرآن عن السياحة والسفر بالسير في الارض الذي
استفاضت الايات القرآنية بالدعوة اليه والتاكيد عليه.
1-
كقوله تعالى: (او لم يسيروا في الا رض فينظروا كيف كان
عاقبة الذين من قبلهم وكانوا اشد منهم قوة)((263)).
وهذا ما صرحت به آيات قرآنية اخرى كالاية 109 من سورة
يوسف، الاية 9 من سورة الروم، الاية 21 و 82 من سورة غافر،
والاية 10 من سورة محمد(صلى اللّه عليه و آله).
2-
وقوله تعالى: (افلم يسيروا في الا رض فتكون لهم قلوب
يعقلون بها...)((264))، فقد اعتبرت السياحة والسير من دواعي
التعقل والتفكر الانساني وبلورة نظرته وآفاقه الاجتماعية.
والظاهر ان الفعل «تكون» الوارد في الاية السابقة من الافعال
التامة، والذي يستبطن معنى الحصول والتحقق. وعليه فلابد
من اعتبار الاية صريحة بهذا المعنى في ان «السير في الارض»
يختزن النهوض والتكامل الفكري وتهذيب الافاق الانسانية
وتقوية نظرتها العقلائية.
3-
في حين تطالعنا آيات اخر بهدف اعمق وابعد قد اخذته
السياحة المعاصرة اليوم بنظر الاعتبار، الا وهو التفكيروالتامل
في عالم الخلقة والطبيعة، والتعرف على كيفية نشوء الخلق وما
يكتنفه من اسرار والغاز، كما جاء في الاية:(قل سيروا في الا
رض فانظروا كيف بدا الخلق)((265)).
4-
الايات التي تناولت سياحة بعض الصالحين كذي القرنين
وسيره في الارض((266))، حيث يستهل القرآن سرداحداث
قصة هذا الرباني العظيم بالاية: (ويسالونك عن ذي القرنين قل
ساتلوا عليكم منه ذكرا)((267)).
وقد وقع اختلاف وجدل بين المفسرين والعلماء بشان ذي
القرنين في انه من يكون؟ واين كانت سياحته واسفاره؟وكيف
حصلت وتمت تلك الاسفار؟((268))
وعلى كل حال فان القرآن لم يتعرض لهدف ذي القرنين من
تلك السياحة والاسفار، الا انه ورد في رواية عن
الامام الصادق(عليه السلام)، ان احد مرافقيه ساله في احدى
رحلاته البحرية عن علة ذلك، فاجابه: «اريد ان انظر الى ملك
ربي في البحر كما رايته في البر»((269)).
ب-
السياحة على ضوء الروايات:
لقد تحدثت بعض الروايات عن المشاق والصعوبات التي تكتنف
السفر، فقد ورد في احدى الروايات: «السفر قطعة من العذاب،
واذا قضى احدكم سفره فليسرع الاياب الى اهله»((270)).
مع ذلك فقد استفاضت سائر الروايات التي حثت على السفر
وما ينطوي عليه من فوائد معنوية ومادية، ومنها
الحديث النبوي المشهور: «سافروا تصحوا، سافروا تغنمو»((271))، بل ورد في حديث عنه(صلى
اللّه عليه و آله) انه قال: «سافرواتصحوا وترزقو»((272))، وبالطبع لا ينبغي
اعتبار السفر معادلا ومرادفا للسياحة، وذلك ان السياحة انما
تطلق على الاسفار والرحلات التي تتم خارج الحدود الاقليمية
الى بلدان اخرى، بينما يقتصر السفر على المسافات القصيرة
والفترات الزمنية القليلة، من قبيل الذهاب من محافظة او
مدينة لاخرى. وعليه، فالنسبة بين هذين العنوانين انما هي
نسبة العموم والخصوص المطلق. ومما تقدم يمكن التوصل الى
ان هذه الروايات تصرح بمطلوبية السفر.
اشكالية ومناقشة:
ولعل هناك من يقول بان اغلب الرحلات والسياحات قد يكون
هدفها الاصلي هو التنزه والاستجمام، الامر الذي قد لاترى
الشريعة ضرورة للترغيب فيه والتشجيع عليه، فالروايات
الواردة في باب صلاة المسافر التي صرحت بوجوب الصلاة
تماما على المسافر اذا ما كان غرضه الصيد تؤيد القول
المذكور.
وينبغي ان يقال في الرد على ذلك: بان الاسفار والرحلات التي
تتم لغرض الترفيه والتنزه والاستجمام انما هي امورعقلائية،
ولا يمكن انكار ما يرافقها من آثار وفوائد روحية ومادية، ولعل
الحديثين النبويين الانفين قد اشارا لمثل هذه الفوائد والاثار.
اضف الى ذلك، فقد وردت رواية صحيحة السند عن الامام
الصادق(عليه السلام) اشارت صراحة لاباحة التنزه والاستجمام،
واليك سند تلك الرواية ومتنها: عن محمد بن يعقوب، عن
علي بن ابراهيم، عن ابيه وعن ابي علي الاشعري، عن محمد
بن عبدالجبار جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن عمرو بن
حريث قال: دخلت على ابي عبداللّه(عليه السلام) وهو في منزل
اخيه عبداللّه بن محمد، فقلت: جعلت فداك ما حولك الى هذا
المنزل؟ فقال: «طلب النزهة»((273)). وقد روى البرقي هذه
الرواية ايضا في كتاب المحاسن((274)).
وقد جاء في صحيحة ابراهيم بن ابي محمود، عن
الرضا(عليه السلام) قال: «لقد خرجنا الى نزهة لنا ونسي
الغلمان الملح..فذبحوا لنا شاة»((275)).
ويبدو من تعبيره(عليه السلام) «نزهة لن» انه كان له متنزها
خاصا. وقد نقل العلا مة المجلسي عن كتاب المحاسن
هذه الرواية عن عمرو بن ابي المقدام، عن ابي
عبداللّه(عليه السلام) قال: «في حكمة آل داود(عليه السلام): ان
على العاقل الا يكون ظاعنا الا في تزود لمعاد، او مرمة لمعاش،
او طلب لذة في غير محرم»((276)).
اما الروايات الواردة في باب صلاة المسافر فهي الاخرى ناظرة
لسفر الصيد الذي يستبطن اللهو واللعب المحرمين،وهذا ما
صرحت به الروايات الاتية المروية عن زرارة، عن ابي
جعفر(عليه السلام)، قال: سالته عمن يخرج عن اهله بالصقورة والبزاة والكلاب يتنزه
الليلة والليلتين والثلاثة هل يقصر من صلاته ام لا يقصر؟ قال: «انما خرج في لهو،
لايقصر»((277)).
وقد تظافرت الروايات على ان امام العصر والزمان(عليه السلام)
وعلى غرار ذي القرنين سينهمك في السير والاسفارحتى
يطوي مشارق الارض ومغاربها.
فقد روى الصحابي جابر بن عبداللّه عن النبي الاكرم(صلى اللّه
عليه و آله) انه قال: «..ان اللّه عزوجل مكن لذي القرنين
في الارض وجعل له من كل شيء سببا وبلغ المشرق والمغرب،
وان اللّه تبارك وتعالى سيجري سنته في القائم من
ولدي فيبلغه شرق الارض وغربها، حتى لا يبقى منهلا ولا موضعا من سهل ولا جبل وطاه ذو
القرنين الا وطاه، ويظهر اللّهعز وجل له كنوز الارض ومعادنها، وينصره بالرعب فيملا
الارض به عدلاوقسطا كما ملئت جورا وظلم»((278)).
ثانيا: الحكم الشرعي لانواع السياحة:
ان حكم اغلب الافعال في الظروف الطبيعية هو الاباحة: الا انها
وبسبب طرو بعض الظروف والشرائط غير الاعتيادية قد تكتسب
حكم الوجوب او الحرمة. الامر الذي يؤدي الى اختلاف الاحكام
الشرعية بالنسبة للسياحة والسفر بصفتهماافعالا تصدر من
المكلفين.
فالذي يستفاد من الايات والروايات الواردة بهذا الشان انها
صرحت باباحة السفر في الظروف الطبيعية، بل صرح الشارع
باستحبابه المؤكد بفعل ما يرافقه من آثار وفوائد.
وقد يتحول هذا الاستحباب بشان بعض المسلمين الى وجوب،
اذا ما اقتضت ذلك المصالح المهمة للمجتمع
والنظام الاسلامي، كما لو تطلبت قضية التصدي للمؤامرات
والمخططات السياسية والمشاريع الاقتصادية والعسكرية
والهجمات الثقافية التي يشنها الاستكبار العالمي ضد الاسلام
والمسلمين ان يقوم المعنيون بالسفر الى بلدان الكفر للتعرف
على برامجهم ومخططاتهم عن كثب بغية افشالها واجهاضها.
وهنا يمكن الاستناد الى ادلة وجوب حفظ بيضة الاسلام،
والدفاع عن الكيان الاسلامي، التي بحثت في محلها
لاثبات ذلك الحكم المذكور.
وهكذا يمكن القول بحرمة السياحة والسفر الى بعض البلدان
بالنسبة لبعض الافراد، كاولئك الذين يرون انفسهم
بانهم سيضطرون للتخلي عن بعض التكاليف الشرعية اذا ما
شدوا الرحال لبعض البلدان، كالتخلي عن الحجاب الاسلامي،
اوضعف معتقداتهم الدينية بفعل فساد البيئة التي يكونون فيها
وما يتعرض له الدين من حملات دعائية مغرضة...
والى جانب ذلك فهناك النصوص التي صرحت بكراهة بعض
الاسفار، ومن ذلك الروايات المعتبرة السند التي
صرحت بكراهة الاسفار البحرية بهدف التجارة:
1-
فقد جاء في صحيحة محمد بن مسلم، عن ابي جعفر وابي
عبداللّه(عليهاالسلام): «انهما كرها ركوب
البحرللتجارة»((279)).
2-
وورد في صحيحة اخرى عنه، عن ابي جعفر(عليه السلام)،
انه قال: «في ركوب البحر للتجارة يغرر الرجل بدينه»((280)).
3-
وفي رواية اخرى عن المعلى بن خنيس، قال: سالت ابا
عبداللّه(عليه السلام) عن الرجل يسافر فيركب البحر؟ فقال:
«ان ابي كان يقول: انه يضر بدينك...»((281)). وقد اسندت
الرواية الاخيرة للمعلى بن عثمان، وهو ثقة، وعليه فستكون
هذه الرواية صحيحة كذلك.
وعلى اي حال، فان الرواية الاخيرة صريحة في كراهة السفر
البحري، وقد المحت لعلة كراهته بالضرر الذي يصيب دين
المسافر وافعاله العبادية، كان تختل صلاته اثر عدم تعيينه
للقبلة، او طغيان ماء البحر، وما شاكل ذلك، وهكذا قدترتفع
هذه الكراهية حين تنتفي اسبابها اذا ما تطورت الاجهزة
والوسائل بحيث لم يعد هناك من فارق بين البر والبحرمن
ناحية الاتيان بالتكاليف الشرعية والافعال العبادية.
وبالالتفات الى المعيار والملاك المذكور في الروايتين
الانفتين، فان اية سياحة وسفر تحول دون قيام المكلف
بافعاله العبادية ووظائفه الدينية على اساس الامن والاستقرار،
او انها اوردته بعض المشاكل والصعاب،فانها ستكتسب
حكم الكراهة وان كانت على اليابسة وليست لها اغراض تجارية.
4-
وهذا ما نستفيده من التعميم والشمول الذي اشارت اليه
موثقة الحسين ابن ابي العلاء، حيث قال: عن
ابي عبداللّه(عليه السلام): «ان رجلا اتى ابا جعفر(عليه السلام)،
فقال: اصلحك اللّه، انا نتجر الى هذه الجبال فناتي منها على
امكنة لانقدر ان نصلي الا على الثلج؟ فقال: افلا ترضى ان
تكون مثل فلان؟! يرضى بالدون ثم قال : لا تطلب التجارة
في ارض لا تستطيع ان تصلي الا على الثلج»((282)).
والرواية تفيد ان الراوي استفسر بشان الاتجار في بعض
المناطق المعينة اما جوابه(عليه السلام) فقد كان عاماشاملا.
ثالثا: شرعية السياحة كمهنة
ان ما ذكرناه بشان اصل السياحة وضرورتها على ضوء الشريعة
انما كان يمثل مقدمة لبحث شرعية هذه الظاهرة الحديثة
(مهنة السياحة) ومن ثم دراسة احكامها الفقهية.
وبالنظر لما قيل سابقا فانه لم يبق هناك من شك وريب بشان
جواز هذه المهنة، الا انه قد يتحفظ البعض على اساس ان فتح
ابواب البلاد الاسلامية بوجه الكفار قد يشكل تهديدا جديا
للمبادئ والمقدسات الاسلامية، وخطرا على امن المجتمع
الاسلامي وثقافته الوطنية، وعليه فلا باس باستعراض بعض
التفاصيل الواردة في جواز هذه المهنة:
النقطة الاولى:
يفهم من النصوص الواردة في ابواب المعاملات والتجارات
اقرار الشارع وتاييده للطرائق والاساليب العقلائية، وقدامضت
الشريعة هذه الاساليب، بل حثت عليها ورغبت فيها، ما دامت
تدر ربحا على المجتمع وتساهم في ازدهاراقتصاده وتنمية
قدراته المالية، شريطة الا يرافقها اي فساد وانحراف:
1-
ان بعض فقرات رواية تحف العقول المروية عن الامام
الصادق(عليه السلام) تؤيد ذلك، حيث جاء فيها: «.. اما
تفسيرالصناعات فكل ما يتعلم العباد او يعلمون غيرهم من
صنوف الصناعات، مثل: الكتابة والحساب والتجارة
والصياغة والسراجة والبناء والحياكة... التي يحتاج اليها العباد،
منها منافعهم وبها قوامهم وفيها بلغة جميع حوائجهم،
فحلال فعله وتعليمه والعمل به...»((283)).
ويمكن استنتاج هذا الامر الكلي من الشق الاخر لهذه الرواية على الرغم من كونه ناظرا
لبعض الامور كالبيع والشراء:«... كل شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات، فهذا كله
حلال بيعه وشراؤه وامساكه واستعماله
وهبته وعاريته»((284)).
2-
ولعل رواية الشيخ الكليني الصحيحة السند تؤكد الاستنتاج
الذي توصلنا اليه: عن احمد بن محمد بن خالد، عن سعد بن
سعد، عن محمد بن فضيل، عن ابي الحسن(عليه السلام) قال:
«كل ما افتتح الرجل به رزقه فهو تجارة»((285)).
3-
وكذا رواية الوشاء عن ابي الحسن(عليه السلام)، قال:
سمعته يقول: «حيلة الرجل في باب مكسبه»((286)).
4-
وتطابقها ايضا موثقة ابن فضال: سمعت رجلا يسال ابا
الحسن الرضا(عليه السلام) فقال: اني اعالج الرقيق
فابيعه والناس يقولان (يقولون خ ل): لا ينبغي، فقال
الرضا(عليه السلام): «وما باسه؟ كل شيء مما يباع اذا اتقى اللّه
فيه العبد فلاباس»((287)).
5-
وقد وردت عبارة في فقه الرضا الاقوى انها فقرة من متن
رواية تفيد مضمون ومفاد حديث تحف العقول آوهي: «ان كل ما
يتعلمه العباد من انواع الصنائع مثل الكتاب والحساب والتجار،
والنجوم، والطب، وسائر الصناعات،والابنية، والهندسة،
والتصاوير ما ليس فيه مثال الروحانيين، وابواب صنوف الالات
التي يحتاج اليها مما فيه منافع وقوام معاش، وطلب الكسب،
فحلال كله تعليمه والعمل به، واخذ الاجرة عليه، وان قد
تصرف بها في وجوه المعاصي ايض»((288)).
شبهة ورد:
قد يقال بان جواز التمسك بالمباني والسيرة العقلائية بهدف
بيان حكم شرعي مشروط باحراز اتصال تلك السيرة بزمان
المعصومين(عليهم السلام) في ذلك الامر.
بعبارة اخرى: ينبغي الا يكون ذلك الامر الذي نروم اثبات
حكمه الشرعي على ضوء سيرة العقلاء من الظواهرالمستحدثة
الخارجة عن زمان صدور النصوص، بل لابد ان تكون جذورها
قطعية الاتصال بالزمان المذكور، ليتسنى اعتبار سكوت الشارع
عنها دليل على امضائها.
ولدفع هذه الشبهة نقول باننا لم نتمسك ببناء العقلاء وسيرتهم
لبيان شرعية مهنة السياحة، بل كان جل اهتمامنا في هذا الباب
هو اماطة اللثام عن ذوق ومباني الشارع في باب المعاملات.
وشرح هذا المبدا الاساسي في ان مباني الشارع لا تقوم على
الجعل والوضع الجديد في مقابل السيرة العقلائية بشان الامور
غير العبادية، كما اشار لذلك كثير من الفقهاء((289)).
وعلى ضوء هذه القاعدة المفيدة يمكن القول: لابد من الاقرار
بشرعية المعاملات الجديدة التي تقع في زماننا الحاضرمن
قبيل مهنة التامين وبعض المقايضات المصرفية او بعض انواع
البيع الخاص المتداولة بين العقلاء. طبعا بهذا القيدوهي انها لا
تتنافى والشروط والموازين التي اقرها الشارع في باب
المقايضات والمبادلات. والموضوع الذي نبحثه، اي مهنة
السياحة ليست مستثناة من هذه القاعدة ايضا.
قال الشيخ الانصاري في كتاب البيع مشيرا لهذه الحقيقة:
«الظاهر ان لفظ البيع ليس له حقيقة شرعية ولا متشرعية،
بل هو باق على معناه العرفي»((290)).
النقطة الثانية:
تبرم بعض العقود مع السياح حين ورودهم البلاد الاسلامية،
فهم يردون دار الاسلام بعد ان يحصلوا على جواز السفروتاشيرة
الدخول، وعليه فالدولة الاسلامية ورعاياها ملزمة بالعمل بتلك
العقود والمواثيق. ولاثبات هذا الحكم يمكن التمسك بعموم
الادلة من قبيل: (اوفوا بالعقود)((291))، و(المؤمنون عند
شروطهم)((292)).
ودعوى عدم امكانية التمسك بهذه العمومات، بتوهم انها
ناظرة للعقود والمواثيق التي كانت متداولة اثناء
صدورالنصوص، ولا يمكن اعتبارها شاملة لتلك العقود التي
تبرم اليوم في مجال السياحة.
مردودة: بما ذكرناه في النقطة الاولى، اضف الى ذلك فان
الرسوم التي تتسلمها الدولة الاسلامية من السياح
يمكن اعتبارها نوعا من الضرائب التي تحصل عليها الحكومة
الاسلامية كحق لترددهم وضمان امنهم وسلامتهم
وتوفيروسائل الراحة لهم، وهذه المسالة هي احدى صلاحيات
الحاكم الاسلامي.
وقد اشار صاحب الجواهر في كتاب الجهاد لمثل ذلك بشان
عقد الذمة قائلا: «الامام(عليه السلام)، يذم لاهل الحرب
عموماوخصوصا، على حسب ما يراه من المصلحة، بلا خلاف
اجده فيه كما اعترف به في المنتهى، لان ولايته عامة،
والامرموكول اليه في ذلك ونحوه، وكذا من نصبه
الامام(عليه السلام) للنظر في جهة يذم لاهلها عموماوخصوصا
على حسب مايراه من المصلحة ايضا، لانه فرع من له
ذلك»((293)).
النقطة الثالثة:
ما يستوحى من النصوص القرآنية والاحاديث النبوية الواردة من
قبيل قوله عزوجل: (ولل ه العزة ولرس
وله ول لمؤمنين)((294))، والحديث النبوي الشريف «الاسلام
يعلو ولا يعلى عليه»((295)). يفيد بان المسلمين ينبغي ان
يكونواارقى واقوى من سائر الامم في كافة المجالات الثقافية،
الاقتصادية، العسكرية و... وان يمتلكوا القدرة
والاستقلالية التامة في اتخاذ القرارات.
وبالاستناد للنصوص المتقدمة نقول: لابد للبلاد الاسلامية في
كل حقبة تاريخية ان تكون في طليعة سائر البلدان في جميع
العلوم والاختراعات والصناعات، وعلى كافة الاصعدة المعنوية
والمادية، حيث لم تتقيد تلك الادلة بزمان او مجال معين.
ومن جانب آخر كما مر معنا مطلع البحث فان لمهنة
السياحة اليوم دورا بالغ الاهمية والخطورة في
المجال الاقتصادي، حيث تؤدي لانعاش الاقتصاد الوطني
وازدهاره، اضافة لاستثمارها للطاقات العاملة واستقطاب
العملة الصعبة. وهذا ما يدعو البلاد الاسلامية لان تتقدم على
مثيلاتها من سائر البلدان في هذه المهنة او ان تكون
في مصافها وان لا ترضى بما دون ذلك.
شبهة ورد:
قد يتصور على اساس النظرة الابتدائية للادلة المتعلقة
بالجزية، انه يمكن التمسك بادلة جواز اخذ الجزية من
الكفارلاثبات شرعية مهنة السياحة ايضا.
الا ان المفروغ منه هو ان اخذ الجزية وجلب الاموال والعائدات
عن طريق المشاريع السياحية مقولتان منفصلتان عن بعضهما
تماما، وذلك لانه:
اولا: ان تلك العائدات التي تجلبها المشاريع السياحية لا
تختص بالكفار فقط، وبامكان البلاد الاسلامية ان تحصل
على تلك العائدات حتى من خلال استقطاب السياح المسلمين
من سائر المناطق والبلدان الاسلامية.
ثانيا: انصراف ادلة الجزية، وكذلك كلمات وعبارات الفقهاء في
هذا الباب للكفار الذين يسكنون البلد الاسلامي ويستقرون فيه،
والحال ان البحث مطروح بشان الافراد الذين يردون البلد
الاسلامي كسياح مسافرين.
بعبارة اخرى: فان ادلة الجزية انما تقتصر على الاقليات الدينية
التي تعيش في البلد الاسلامي.
ثالثا: المشهور بين الفقهاء هو قبول الجزية من اهل الكتاب
والصابئة فقط، بينما تشمل المهنة المذكورة كافة الكفار
بل المسلمين كما اشرنا سابقا.
رابعا: شروط ابرام عقود السياحة:
كما ذكرنا سابقا فان الدولة الاسلامية ورعاياها ملزمة بالعمل
بالعقود التي تبرمها مع الكفار الذين يردون دار الاسلام بهدف
السياحة والتجول، او اي غرض آخر، فهي تمنحهم تاشيرة
الدخول التي يصطلح عليها في كتاب الجهاد باسم(عقد
الامان).
ومن الواضح ان وجوب الالتزام بهذا العقد والعمل بمقتضاه
كالمتعارف في سائر العقود مقيد في عدم انطوائه على ما
يخالف الشرع، فقد ذكر صاحب الشرائع: «يجب الوفاء بالذمام، ما
لم يكن متضمنا لما يخالف الشرع»((296))، وذكرصاحب
الجواهر ايضا: «لا خلاف في انه يجب الوفاء بالذمام على حسب
ما وقع، بل في المنتهى الاجماع عليه، لما سمعته من الادلة
السابقة التي منها انه غدر مع عدم الوفاء، ما لم يكن متضمنا لما
يخالف الشرع، فانه لا يلزم عليه الوفاء به بلاخلاف اجده فيه،
كما اعترف به الفاضل»((297)).
الشرط الاخر الذي ينبغي توفره في ابرام العقود السياحية هو
عدم تضمنها الضرر والمفسدة.
على سبيل المثال: ان كان هدف السائح نشر الاديان
المنسوخة، او المذاهب الضالة، او اشاعة الفساد، او
جمع المعلومات والتجسس لصالح اعداء الاسلام، فلا ينبغي في
هذه الحالات منحه اذن الدخول لدار الاسلام.
فقد ذكر العلا مة في قواعده حين عد اركان الامان قائلا:
«الثالث: العقد وشروطه انتفاء المفسدة، فلو آمن جاسوسااو
من فيه مضرة لم ينعقد»((298)).
خامسا: وجوب توفير الامن لارواح السياح وممتلكاتهم
لقد تعرض الحقوقيون المعاصرون في ابحاثهم لمسؤولية
الدول بالنسبة للجاليات الاجنبية، حيث تطرقت لذلك
بعض مؤلفاتهم الحقوقية.
وبصورة عامة فقد التفت رجال القانون خلال القرنين الاخيرين
لقضية (توفير الحماية لارواح الاجانب) ومنهم
السياح،وسيتضح من خلال البحث عدم صواب هذا الكلام.
لقد جاء في احدى الكتابات الحقوقية: «لقد عولجت مسالة
حماية ارواح الاجانب عام 1926م من قبل لجنة تحكيمية
تبنت حل الخلافات العالقة بين الولايات المتحدة الاميركية
والمكسيك، اثر اطلاق احد حراس الحدود الاميركان عام
1919م النار على بنت حاولت عبور احدى الانهار الحدودية،
بغية الالتحاق بابيها. فرفعت الحكومة المكسيكية شكوى
ضدى الحكومة الاميركية لهيئة تحكيمية، فادانت الهيئة اميركا
وغرمتها مبلغا مقداره 2000 دولارا، وقد اعلنت الهيئة
صراحة في قرار حكمها بان حفظ الحياة الانسانية ليس فقط
حقا ثابتا في القانون الدولي فحسب، بل يمثل احدى وظائف
الدول الذي ينبغي ان تمارسه وتلتزم به»((299)).
ويبدو ان هذا التقرير لا ينسجم والواقع، وذلك لان قضية
حماية ارواح الاجانب تمتد الى فترة اكثر بكثير من ذلك التاريخ
المذكور، كذلك فان مصادرنا ومتوننا الفقهية لم تقتصر في
تاكيداتها على حماية ارواح الاجانب والسياح فحسب، بل حثت
على حماية اموالهم وممتلكاتهم ايضا، ويكفينا ذلك فخرا.
على سبيل المثال: فقد ذكر القاضي ابن البراج في المهذب:
«اذا دخل الحربي دار الاسلام في تجارة بامان رجل
من المسلمين على نفسه وجميع اسبابه، كان آمنا على نفسه
وماله وعلى من يكون في صحبه من قرابة وغيره»((300)).
وهنا لابد من الاشارة الى هذه النقطة، وهي: ان الكافر الحربي
ليس فقط ذلك الفرد الذي هو في حالة حرب وقتال فعلي مع
المسلمين، بل هو الفرد الذي لم يعقد بينه وبين المسلمين
اتفاق الصلح. كما ان المقصود من دار الحرب كافة الديارالتي لا
تجري فيها الاحكام الاسلامية ولم يبرم سكنتها اتفاق الصلح مع
المسلمين، وان لم يكن هناك قتال بين الطرفين.
بعبارة اخرى: فان النسبة بين دار الحرب ودار الكفر هي العموم
والخصوص المطلق، وذلك لان كافة المناطق التي تعتبر دار
حرب تشمل دار الكفر ايضا، في حين لا تندرج كافة مناطق دار
الكفر تحت عنوان دار الحرب، وذلك لان العنوان الاخير يطلق
فقط على بعض مناطق دار الشرك التي ام ا ان يكون سكنتها
في حالة قتال مع المسلمين، اوانهم لم يبرموا عقد الصلح
معهم. والحال ان دار الكفر تطلق على المناطق التي عقد
سكانها الصلح والهدنة مع المسلمين اضافة للمناطق السابقة.
وقد اوضح المحقق الحلي في شرائعه بشان امان انفس الكفار
واموالهم قائلا: «اذا عقد الحربي لنفسه الامان ليسكن في دار الاسلام دخل ماله تبع»((301)).
وقد اورد العلا مة مثل هذه العبارة في قواعده ايضا: «كل حربي
عقد لنفسه الامان وجب الوفاء له بما شرطه... ويكون معصوما
من القتل والسبي في نفسه وماله، ويلزم من طرف المسلم، فلا
يحل نبذه الا مع ظهور خيانة»((302)).
ومضافا للاجماع فقد وردت بعض النصوص التي ينبغي
الاستناد اليها في الحكم المذكور، من قبيل الرواية الواردة
عن الامام علي(عليه السلام): «من ائتمن رجلا على دمه ثم خان به فانا من القاتل بريء وان كان المقتول في
النار»((303)).
ورواية عبداللّه بن سليمان انه قال: سمعت الامام
الصادق(عليه السلام) يقول: «ما من رجل آمن رجلا على ذمة (دمه خ ل)ثم قتله الا جاء
يوم القيامة يحمل لواء الغدر»((304)).
ورواية معاوية بن عمار، قال: اظنه عن ابي حمزة الثمالي، عن
ابي عبداللّه(عليه السلام)، قال: كان رسول اللّه(صلى اللّه عليه
وآله) اذا اراد ان يبعث سرية... وايما رجل من ادنى المسلمين او
افضلهم نظر الى احد من المشركين فهو جار حتى يسمع كلام اللّه، فان تبعكم فاخوكم في
الدين وان ابى فابلغوه مامنه...»((305)).
سادسا: ضرورة رعاية السياح للقيم الاسلامية في الاماكن
العامة
ان اهمية وحرمة الاحكام الاسلامية ولزوم حفظ سلامة امن
المجتمع الاسلامي، والحيلولة دون تسرب الفسادالاجتماعي
اليه، تتطلب سعي الدولة الاسلامية وجهودها الجادة بهدف
الاهتمام والاعتناء بالمقدسات والقيم الاسلامية،الى جانب
توفيرها لكافة اسباب الراحة للسياح واستقبالهم كما ينبغي،
وبخلافه فان المجتمع سيعيش حالة الاضطراب والفوضى،
وسيدفع ثمن الانتعاش الاقتصادي باهضا على حساب قيمه
ومصالحه الدينية، وثقافته وحضارته الوطنية.
وهنا يمكن التمسك ببعض النصوص والروايات التي تعاملت مع
اهل الذمة ومساله الجزية، اضافة لعمومات واطلاقات ادلة
وجوب النهي عن المنكر وحفظ النظام من الهرج والمرج:
ومنها: رواية زرارة، عن ابي عبداللّه(عليه السلام) قال: «ان
رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله) قبل الجزية من اهل الذمة على
الا ياكلوا الربا، ولا ياكلوا لحم الخنزير، ولا ينكحوا الاخوات ولا
بنات الاخ ولا بنات الاخت، فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمة
اللّه وذمة رسوله»((306)).
فالرواية السابقة تعرضت للاقليات الدينية التي تعيش في ظل
الدولة الاسلامية، وبعبارة اخرى: الذين يعتبرون من رعايا البلد
الاسلامي.
الا انه يمكن استفادة هذا الاصل الكلي من ذلك، وهو وجوب
احترام ورعاية الاحكام والمقدسات الدينية للمسلمين من قبل
اولئك الذين يعيشون في كنفهم. وهذا ما يتطلب همة وسعي
مسؤولي مهنة السياحة في لفت انتباه الاجانب والسياح لهذا
الاصل، وان يبتعدوا عن التساهل والتسامح وتحكيم الامزجة
والاهواء الشخصية.
سابعا: ما يحظر على السياح غير المسلمين في دار
الاسلام((307))
اضافة لالتزام السياح غير المسلمين بترك المحرمات
الاسلامية في الملا العام، فان هناك امورا اخرى من وجهة
النظرالفقهية تعد من محظورات الكفار في دار الاسلام،
وسنتعرض هنا لاهمها:
1-
دخول المساجد:
اجمع الفقهاء على عدم جواز دخول الكفار الى المساجد، فقد
كتب المحقق في شرائعه: «واما المساجد: فلا يجوز ان يدخلوا المسجد الحرام اجماعا ولا
غيره من المساجد عندن»((308)).
وقد علق صاحب الجواهر على كلمة «اجماع» الواردة في عبارة المحقق قائلا: «من
المسلمين محصلاومحكي»((309))،ثم قال
بعد عبارة المحق ق «ولا غيره من المساجد عندن» : «كما
عن التحرير وكنز العرفان مرادا منه معشر الامامية،كما صرح
باجماعهم عليه في المسالك، بل في المنتهى نسبته الى
مذهب اهل البيت(عليهم السلام)، وهو الحجة»((310)).
حيث استدل صاحب الجواهر بالاية: (انما المشركون نجس فلا
يقربوا المسجد الحرام)((311))، بعد ان عد الاجماع المذكور
حجة. الا انه من الواضح ان دليل الحكم هذه الاية، والاجماع
المذكور لا يمكنه ان يكون دليلا مستقلا .
وحيث اقتصرت الاية المذكورة على المسجد الحرام، فان عددا
من الفقهاء تمسكوا بالتعليل الوارد في الاية اي
(انماالمشركون نجس) من خلال تنقيح المناط والغاء
خصوصية المسجد الحرام ليفتوا بعدم جواز دخول الكفار
لسائرالمساجد.
الا ان التامل في سبب نزول الاية يفيد نزولها بشان المشركين
الذين كانوا ياتون البيت اثناء الحج ليقيموا مراسمهم ويمارسوا
اعمالهم التجارية في المسجد الحرام، حتى امر النبي(صلى اللّه
عليه و آله) عليا(عليه السلام) في السنة التاسعة للهجرة بابلاغ
هذه الاية القرآنية ومنع المشركين من تلك الافعال. وعليه فان
الغاء خصوصية المسجد الحرام، والتوسع في المشركين،
وبالتالي تعميم ذلك الحكم ليشمل سائر المساجد واهل الكتاب
يفتقر الى الدليل.
وتدل بعض كلمات الفقهاء على ان البعض ومن خلال التوسع
في معنى الشرك والاستفادة من مناط اوسع من العلة،اراد ان
يتوسع في الحكم ليشمل سائر الكفار والمساجد. في حين
استنتج البعض الاخر بصورة كلية منافاة دخول الكفار
للمساجد، لحرمتها وقدسيتها. ولكن يبدو ان جميع هذه الادلة
قابلة للنقاش والقدح الذي لا يسع هذه المقالة الخوض
فيه((312)).
2-
استيطان الحجاز:
بناء على ما نسبه المحقق الحلي لمشهور الفقهاء، فانه ليس للكفار والسياح من غير
المسلمين ان يقطنوا الحجاز: «لايجوز لم استيطان الحجاز على قول مشهور»((313)).
بل اورد المحقق النجفي صاحب الجواهر ان بعض الفقهاء
كالعلا مة في المنتهى والتذكرة ادعوا الاجماع على
هذاالحكم. وقد استدل هو بالسيرة القطعية ايضا الى جانب
ذلك الاجماع فقال: «وهو الحجة بعد السيرة القطعية التي
يمكن استفادة الاجماع ايضا منه»((314)).
وعلى كل حال ليس هنالك من دليل معتبر يمكن التمسك به
في هذه المسالة ان تعذر الاستناد بالاجماع والسيرة،وذلك
لافتقار بعض الروايات الواردة بهذا الخصوص لشرائط الحجية،
ناهيك عن امكانية مناقشة دلالتها.
على سبيل المثال فقد ورد قول للامام الصادق(عليه السلام) في كتاب دعائم الاسلام،
انه: «لا يدخل اهل الذمة الحرم، ولادار الهجرة، ويخرجون منه»((315)).
فالابهام الوارد في دلالة هذه الرواية واضح جلي، فلا يعرف
المراد من لفظة الحرم في الرواية، فهل يقصد به
المسجدالحرام والبيت فقط، ام انه يشمل كل ما ذكر في باب
الحج، حيث ورد الحرم في مقابل (الحل).
ثم ان لفظة «دار الهجرة» الوارد في الرواية تطلق ايضا على
بعض منطقة الحجاز لا جميعها، وعليه فالدليل اخص
من المدعى، اللهم الا ان نقول بعدم الفصل في هذا الخصوص،
وقد وردت مثل هذه الروايات في كتب السنة كالخبرالمروي
عن ابن الجراح، انه قال: آخر ما تكلم به رسول اللّه(صلى اللّه
عليه و آله)، قال: «اخرجوا يهود الحجاز واهل نجران من جزيرة
العرب...». ورواية ابن عباس: انه(صلى اللّه عليه و آله) اوصى
بثلاثة اشياء، قال: «اخرجوا المشركين من
جزيرة العرب...»((316)).
ومهما يكن من امر فان اهمية الموضوع تتطلب دراسة اسهب
واعمق، من ناحية الحكم واتساعه، في انه يقتصر على الحجاز ام
يشمل جميع جزيرة العرب.
ثم ان كان مختصا بالحجاز فما حدود هذه المنطقة، وسائر
المباحث في هذا المجال، خارجة عن موضوع البحث.
3-
دخول السياح غير المسلمين لسائر الاماكن المقدسة:
قال مدير شركة «فول فانتيه» الفرنسية للسياحة والسفر: «لقد
واجهتنا مشكلة حين سفرنا لمدينة مشهد، وذلك لانه لم يكن بوسعنا دخول صحن المرقد»((317)).
لا شك ان الاماكن المقدسة، كالمساجد والمشاهد المشرفة
تشكل اهم قطاعات اماكن العالم الاسلامي التي
تستقطب وتحظ ى بعناية السياح الاجانب الذين يشدون الرحال
الى اماكنها المقدسة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يصدق حكم المساجد على
المشاهد المشرفة كالمرقد الرضوي والحائر الحسيني،ومراقد
ابناء الائمة(عليهم السلام)، ام ان حكمها يختلف عن حكم
المساجد، وعليه فلا داعي للحيلولة دون دخول الكفاراليها؟
ولا يتوهم ان دخولهم سيؤدي الى بعض العوارض، كانتهاك
حرمة وقدسية تلك الاماكن، وذلك فانه يمكن الحيلولة
دون وقوعها عن طريق الاشراف والمتابعة ووضع المقررات
المناسبة لذلك.
ثامنا: العهود الشرعية والاخلاقية للرعايا المسلمين تجاه
السياح
نختتم مقالتنا بذكر هذا الموضوع المهم، وهو ان البعد الثقافي
والاعلامي يعد اهم هدف في منح الاجانب والكفار
تاشيرة الدخول لدار الاسلام. وهنا ينبغي ضغط المقررات
والتخفيف من عبئها بالنسبة للسياح، وتوفير كافة اسباب
الراحة والرفاه لهم.
والاهم من كل ذلك اخلاق العاملين المعنيين، وكيفية تعامل
المواطنين المسلمين مع الضيوف الاجانب، حيث ينبغي
ان تخضع هذه الامور لخطة مبرمجة ناجعة، ليتسنى للضيوف
الاجانب ان يعكسوا اخلاق المسلمين وآدابهم اذا ما
رجعوالبلدانهم.
وقد روى زرارة عن الامام الصادق(عليه السلام) عن رسول
اللّه(صلى اللّه عليه و آله) انه قال: «من كان يؤمن باللّه واليوم الاخرفلا يؤذ
جاره، ومن كان يؤمن باللّه واليوم الاخر فليكرم ضيفه...»((318)).
وجاء في الاية الشريفة: (وان احد من المشركين استجارك
فاجره حتى يسمع كلام اللّه...)((319)). حيث استدل بهاالفقهاء
في مبحث عقد الامان واذن دخول الكفار، على ان تعبير الاية:
(حتى يسمع كلام اللّه) يشير بوضوح للجانب الثقافي والتبليغي
لهذا الامر.
وهنا تبرز هذه الضرورة في ان يقوم الاخوة العاملون في قطاع
السياحة والسفر بتاسيس المراكز والمؤسسات الثقافية التي
تتولى الرد على استفسارات السياح، وما يعلق في اذهانهم من
شبهات دينية ومذهبية، مستمدين العون في ذلك
من الحوزات العلمية وسائر المراكز المعنية، الى جانب اعمارهم
واهتمامهم بالاماكن الاثرية والترفيهية.
القراءة الجديدة للنصوص الدينية
(الهرمنوطيقا) القسم الثاني
الاستاذ الشيخ حسن الجواهري
مباني ودواعي القراءات الجديدة:
بعد ان بينا في القسم الاول من هذه الدراسة خطا القراءات
منهجيا وعلميا اقول: نتساءل هنا عن المباني والدواعي التي
انطلقت منها اطروحة القراءات الجديدة للنص الديني، ماهي؟
وفي هذا الصدد يمكن طرح عدة آراء حول ذلك:
1-
كون المراد من هذا الكلام اثبات عدم وجود حقيقة ثابتة
وان المعرفة كلها نسبية.
2-
ان المراد هو تفسير القرآن لكل انسان بما يحلو له، فتفسر
الحياة الاخرى مثلا باللاطبقية او الشيوعية.
3-
ان المقصود هو اتباع الظنون في فهم المرادات الدينية.
4-
ان المقصود هو جواز التمرد على الدين والعصيان ورفض
الاوامر والنواهي الدينية، لان المعيار هنا هو القطع بالمراد،
ومادام هذا غير موجودفلا معنى للعصيان والتمرد. وبهذا ينتفي
الغرض من الديانات عموما. وقد يقال ان الغاية من كل ما تقدم
هو ان لا نكون تابعين لشريعة سماوية وان لا نكون دينيين
ولكن باسم الدين، كما هو الحال في الغرب المسيحي الذي لا
يتبع المسيحية الان ولكن يتعصب لها في قبال الاسلام.
5-
ان المراد تاثر صاحب القراءة بظروف معينة او بسنخ ثقافة
معينة او مهنة معينة فيحصل في ذهنه انس مخصوص بمعنى
مخصوص لا يفهمه العرف العام من اللفظ، وهذا هو ظهور للفظ
خاص، فاذا قلنا ان الظهور حجة دل عليه الدليل القطعي من
السيرة العقلائية الارتكازية من العمل بالظهورات فتكون
القراءات حينئذ لها دليل متين فتكون حجة.
6-
ان المقصود هو حذف دور المجتهد ليعمل كل انسان بما
يراه صلاحا (كما صرح بذلك وقيل: بان التقليد للمجتهدهو
عمل القرود).
مناقشة المبنى الاول:
واما الجواب على المبنى الاول من طرح القراءات وهو نسبية
الحقائق وعدم وجود اية حقيقة ثابتة فهذا ما يرفضه الوجدان
بالقطع بوجود حقائق مطلقة في هذا الكون، وحتى (عمانوئيل
كانت) فقد اعترف بوجود احكام اولية ثابتة لدى العقل قبل
التجربة كالاحكام والقواعد الرياضية مثل قولنا: الخط
المستقيم اقرب مسافة بين نقطتين، فجعل العلم الرياضي خلا
قا للحقيقة الرياضية فيما لا تقبل الخطا، لانه علم مخلوق
للنفس ومستنبط من النفس، وليس مستوردامن الخارج. ولكنه
انكر ان تكون الحقائق في العلوم الطبيعية مطلقة، بل هي
نسبية وكذلك الميتافيزيقيا (النظر فيما وراءالطبيعة) لا يمكن
ان توجد فيها معرفة عقلية صحيحة.
وخطا «كانت» يتلخص في نقطتين هما: الاولى: هو اعتبار العلم الرياضي منشا للحقائق الرياضية، وهذا خطا واضح، لان العلم هو كاشف عما هو خارج حدودالذهن، فان 2 + 2 : 4 هو علم بحقيقة رياضية الا اننا لم ننشئ هذه الحقيقة الرياضية ونخلقها كما قال (كانت)، بل العلم بهذه الحقيقة هو عبارة عن الكشف عنها سواء وجد انسان يفكر على وجه الارض ام لا.
|
|---|