رؤية حول منهاجية الدراسات

 الفقهية المقارنة

 

يظل الاجتهاد مبدا ثابتا في الدراسات الفقهية حسب المقاييس البحثية والشرعية مادامت هناك مادة للتفكير والبحث‏ومادامت ثم حركة حرة للعقل ودور مناط به.. ومن الطبيعي ان يترتب على الممارسة الاجتهادية في حدها الادنى‏امران: الاول الانتاج العلمي والذي كثيراما يكون بمستوى الابداع والتجديد..

الثاني التعددية النظرية واختلاف الاراء والاتجاهات الفقهية..

وقد وظفت هذه التعددية النظرية لتفعيل حركة البحث من خلال عقد الدراسات الفقهية المقارنة التي ترجع جذورهاالى زمن ليس بالقريب ولا تزال.. وان لم تسر في غضون تلك الحقبة الماضية على وتيرة واحدة.. حيث كانت تنشط تارة‏وتضمر اخرى.. ويتضح ذلك جليا من خلال رسم خط بياني على ضوء ما وصل الينا من مؤلفات ووثائق علمية في هذا الصدد . .

ومهما يكن من امر فان الدراسات الفقهية المقارنة باتت اليوم قضية ملحة اكثر من اى وقت مضى.. الا انه لابد من اعادة‏النظر في المنهجية المتبعة في هذا النمط من الدراسات.. حيث درجت البحوث التقليدية على منهجية تعتمد التقسيم المدرسي سواء كان بحسب الانتماء المذهبي وهو الشائع والمالوف او بحسب الاتجاهات والمسالك داخل المذهب الواحد،هذا اولا..

وثانيا تعتمد الاسماء والعناوين والقائلين كاساس .. ولم تبن على اساس القول والمعنون.. فعندما تعالج هذه الدراسات‏قضية فقهية تصنف المواقف الفقهية ثبوتا واثباتا وفتاوى واستدلالات طبقا للمذاهب الفقهية.. فيذكر قول المالكية وقول‏الحنفية وقول الشافعية وقول الحنابلة وقول الامامية وهكذا..

نقد وتقويم:

وثمة ملاحظات بحثية على هذا المنهج المتبع في المقارنة:

1 ان التقسيم المتعارف في الدراسات المقارنة ليس تقسيما جامعا.. فان هناك آراء فقهية قبل وبعد هذه المذاهب بل‏ومعاصرة لها لم يحالفها الحظ في ان تطرح على طاولة البحث والمناقشة واسقطت من الحساب دون اى مبرر. .

فان‏لكثير من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين آراء متعددة لم تنعكس في هذه الدراسات.. ومن الواضح انه كلما اتسعت‏دائرة الاراء المطروحة للمقارنة كلما ازدادت تلك الدراسة ثراء.. كما ان‏بعض الدراسات قد رك زت على بعض المذاهب‏وهمشت اخرى بل يلاحظ ان قسما من الدراسات اهمل مذاهب وفرقا معتدا بها ولم يتعرض لها مما يجعل الدراسة‏مجتزاة وغير وافية لفوات فرص الاطلاع والوقوف على بعض الاراء وما فيها من قوة او ضعف..

2 ومن الطبيعي ان في ظل مثل هذا الاسلوب لا يبقى اى مجال لطرح ونقد الرؤى المعاصرة والتي قد لا تقل شانا عن‏الاراء السابقة بل ربما تفوقها احيانا.. فان هذا التقسيم يسد الطريق امامها لعدم انخراطها ضمن التسميات المالوفة. . وهذا ما يجعل الدراسة المقارنة اقل حيوية وتتعامل مع الماضي التراثي اكثر مما تتعامل مع الاراء المعاصرة والنظريات‏الحية..

3 في حالات عديدة لا يكون هذا التقسيم امينابسبب الغموض والابهام اللذين قد تبتلى به نسبة الاراء الى مذاهبها..فقد يحصل احياناتشكيك وتردد في النسبة.. حيث ان‏كثيرامن هذه الاراء صدرت من بعض تلامذة ارباب المذاهب اومن تلامذة تلامذتهم ولم تصدر منهم مباشرة او صدرت منهم الا انها نقلت بالواسطة او الوسائط التي لا يوثق بالركون‏اليها وذلك لعدم تصدي بعض ائمة المذاهب للتدوين او لم نعثر على اصولهم المدونة.. ويسري هذا التشكيك على‏الفتوى والموقف الفقهي كما يسري على الاستدلال والتخريج الفني الذي استند اليه صاحبه..

وهذه المشكلة وان لم تختص بالبحث المقارن وانما تعم سائر الدراسات ايضا الا انها تتجلى هنا بشكل اكثر وضوحا..

4 كما انه مما يثير الريب في التقسيم المزبور عدم كون الموقف المنسوب الى مذهب معين موقفااجماعيا بل احيانا لا يصل الى مستوى الشهرة.. فكيف يمكن الاجتراء علميا على جعل ذلك الراي ممثلا لكل‏المذهب ؟ ! ورب ما يكون‏هناك رايان. . فكيف يحكم على رايين متباينين او اكثر بحكم واحد ؟ ! 5 انه طبقا للمنهج التقليدي كيف يمكن طرح الدراسات المقارنة في المسائل المستحدثة والنوازل.. حيث من المتعذرمعالجة ذلك ضمن تلك الافاق المحدودة ؟ ! الامر الذي يصعب معه او يتعذر تصنيف الباحثين من المعاصرين بحثيا على ضوء التقسيم المذهبي.. بل من غير اللائق احيانا طرح الموازنة والمقارنة على هذا الاساس.. والنقطة المشتركة في هذه‏الملاحظات جميعا هو عدم كون عملية المقارنة مستوعبة لجميع او اغلب الاراء والنظريات المطروحة في الساحة العلمية..

6 قد يلاحظ احيانا عدم دقة التقسيم بسبب تداخل بعض الاقسام.. فان بعض الاراء والاجتهادات من المذهب

(ا) قد تتفق مع موقف المذهب

(ب) وكذلك العكس .. الى غير ذلك ..

المنهجية المقترحة:

والمنهج المقترح يكاد يخلو مما اثير من الاشكالات كلا او جلا:

ونشير الى اننا لا نرفض التسمية ونسبة الاقوال الى قائليها بصورة مطلقة.. ففي الحالات التي تكون النسبة قطعية‏والموقف اجماعيا لا مانع من التعرض للاسماء.. بل حتى في الموارد التي لم تتضح لنا النسبة يمكن ان نجعل القول مبنيا على ما نسبه ناقل معين وعهدة النقل تكون عليه حينئذ. . مراعاة للامانة العلمية وحتى ترتفع موجبات الثقة الى اعلى مستوى‏ممكن . .

ويمكن اجمال ما نقترحه من منهج بان نجعل الانطلاق في سير عملية المقارنة من النظرية والراي الفقهي ولو كانت هناك نسبة الى قائل معين فهي تقع في هذا السياق وفي‏الرتبة الثانية.. وهذه هي النقطة الجوهرية التي تكون فارقة بين المنهج التقليدي في المقارنة وبين المنهج المقترح . .

واما كيفية طرح ذلك وما هو الاسلوب المتبع وما هو حجم دائرة الحركة في هذا المنهج فانما يكون باحد طريقين فنيين‏وهما:

الطريق الاول: ان تطرح الاراء على اساس الاتجاهات والاقوال . .

اي يقال: ان في هذه المسالة عدة اقوال او اتجاهات.. ثم نبدا بتعدادها وتحليلها ومعالجتها دون الاصرار على تسمية‏القائلين.

الطريق الثاني: ان تطرح الاراء على اساس الاحتمالات والوجوه الممكنة في البحث.. بان يقال: ان في هذه المسالة عدة‏احتمالات او وجوه.. ثم ناتي على ذكرها وتفصيلها..

ومساحة الاحتمالات تختلف بحسب طبيعة البحث: فتارة تذكرالاحتمالات بلحاظ امكانها العقلي.. واخرى بلحاظ امكانها العقلائي والعرفي.. وثالثة بلحاظ امكانها بحسب القواعدالعامة للاستدلال بصورة عامة او في خصوص باب معين.. ورابعة بلحاظ امكانها بحسب الادلة الخاصة وهكذا ننطلق‏بالبحث في اجواء رحبة منفتحة . .

ومن الواضح ان هذين الطريقين ليسا في عرض واحد.. بل ان الثاني منهما اوسع دائرة من الاول. . فان الطريق الاول‏مبنى على اساس الخيارات العلمية المطروحة والموجودة فعلا، وعادة ما تكون ضيقة ومحدودة.. ولا يمكننا ان ننفي‏استيعاب الاقوال المطروحة لجميع الاحتمالات الممكنة في بعض المسائل.. في حين ان الطريق الثاني قائم على لحاظ‏الخيارات العلمية الممكنة والتي تستوعبها ادوات الاستنباط وادلته..

وهذا ما يفتح لنا آفاقا واسعة وفرصا كبيرة للافادة‏من ذلك.. لا ان نخنق البحث داخل اطر ضيقة.. ومن ناحية اخرى لا داعي لاضاعة الوقت في التحقق من نسبة الاقوال‏الى قائليها الا في موارد قد يقتضيها البحث.. كما لو اريد التاكد من انعقاد اجماع الامة على حكم او لا.

ان تفعيل الدراسات المقارنة واعطاءها استحقاقاتها المنهجية يكون خطوة في سبيل النهوض بالفقه الى المستوى اللائق‏به..

ويذيب من جليد الانكفاء على الذات.. ويوفر المناخات المساعدة على الانفتاح على الاخر علميا والافادة منه والتعاط‏ي معه بعيدا عن حالات الحساسية المفرطة والنظرة المريبة..ولنواصل هذا النهج في سبيل تحقيق التنمية المعرفية والتكامل النظري.. فان الانفتاح العلمي يعبر عن ضرورة اجتهادية.. لكون العملية الاجتهادية لا يمكن ان تبلغ مداها وغايتهاالمحددة لها وهي استفراغ الوسع ما لم تطرح المسائل العلمية على ضوء الاحتمالات المختلفة والاراء المتعددة‏سيما في قسم المعاملات بالمعنى الاعم الشامل للعقود والايقاعات والاحكام بالمعنى الاخص نظرالابتناء كثير من‏احكامها على الارتكازات والسير العقلائية التي هي امور واقعية لا تحجبها التسميات.. بل ان الامر يتطلب تتبع ذلك ولوفي غضون الانظمة والقوانين الوضعية وغير الاسلامية، فكيف بتتبع النظريات الاجتهادية للمذاهب الاسلامية‏المختلفة.. وفقنا اللّه للعلم النافع والعمل الصالح.. وجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه . .

. . ولا حول ولا قوة الا باللّه . .

رئيس التحرير بحوث اجتهادية ميراث الزوجة من العقار/1 و 2

القسمان الاول والثاني آية اللّه السيد محمود الهاشمي الشاهرودي

ننبه على ان القسم الاول من هذه الدراسة كان قد نشر سابقا وحده في العدد (41) .. وقد اجرى سماحة آية اللّه السيدالهاشمي تغييرات على البحث فرجحنا اعادة نشره مع القسم الثاني . . وللبحث بقية (التحرير) الاتجاهات الفقهية في المسالة:

المعروف بين فقهائنا بل ادعي انه مما اجمعت عليه الطائفة ان الزوجة لا ترث من العقار وارض الرباع اي المساكن‏والدور شيئا لا عينا ولا قيمة، وانما ترث من قيمة الالات والانقاض والابنية عليها. واضاف بعضهم القرى والضياع الى‏ذلك، فلا ترث من الاراضي شيئا وانما ترث من قيمة الشجر والقصب والبناء.

واختلفوا بعد ذلك في اختصاص هذا الحكم بالزوجة التي ليس لها ولد من الزوج، او عمومه لكل زوجة:

فذهب مشهور القدماء الى الاختصاص، كما في المسالك والكفاية((1)).

بينما ذهب ابن ادريس وجملة من المتاخرين الى العموم.

كما الحق بعض الفقهاء من متاخري المتاخرين العيون والابار بالاراضي، فحكموا بعدم ارث الزوجة الا من الماء الخارج‏منها عند الوفاة لا نفسها ولا ما يخرج منها بعد ذلك.

وخالف في اصل الحكم من القدماء ابن الجنيد فحكم بارثها من اعيان جميع التركة. والسيد المرتضى فحكم بارثها من‏قيمة الرباع كالبناء.

فالاقوال في المسالة خمسة:

القول الاول: ما ذهب اليه ابن الجنيد على ما حكاه العلامة عنه في المختلف، قال: «وقال ابن الجنيد: (واذا دخل الزوج‏او الزوجة على الولد والابوين كان للزوج الربع وللزوجة الثمن من جميع التركة عقارا او اثاثا وصامتا ورقيقا وغير ذلك،وكذا ان كن اربع زوجات، ولمن حضر من الابوين السدس وان حضرا جميعا السدسان وما بقي للولد) ولم يخصص‏الولد بانه من الزوجة‏»((2)).

القول الثاني: عدم توريثها من ارض الرباع اي الدور والمساكن لا عينا ولا قيمة، وتوريثها من قيمة ابنيتها ومن اعيان‏الاموال الاخرى حتى القرى والضياع، وهذا ما ذهب اليه الشيخ المفيد، قال: «ولا ترث الزوجة شيئا مما يخلفه الزوج من‏الرباع، وتعط‏ى قيمة الخشب والطوب والبناء والالات فيه، وهذا هو منصوص عليه عن نبي الهدى عليه وآله السلام‏وعن الائمة من عترته‏چ والرباع هي الدور والمساكن دون البساتين والضياع‏»((3)).

وعبارته ساكتة عن التفصيل بين ما اذا كان للزوجة ولد منه وعدمه، ومن هنا استفيد منها القول بعموم حرمان الزوجة من‏الرباع سواء كانت ذات ولد ام لا.

القول الثالث: توريثها من قيمة الرباع والابنية فيها جميعا ومن اعيان الاموال الاخرى حتى الضياع والقرى، وهذا ماذهب اليه السيد المرتضى في الانتصار قال: «مسالة: ومما انفردت به الامامية ان‏الزوجة لا ترث من رباع المتوف ى شيئا،بل تعط‏ى بقيمته حقها من البناء والالات دون قيمة العراص. وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يفرقوا بين الرباع وغيرهافي تعلق حق الزوجات. والذي يقوى في نفسي ان هذه المسالة جارية مجرى المتقدمة في تخصيص الاكبر من الذكوربالمصحف والسيف، وان الرباع وان لم تسلم الى الزوجات فقيمتها محسوبة لها، والطريقة في نصرة ما قويناه هي‏الطريقة في نصرة المسالة الاولى، وقد تقدم بيان ذلك. ويمكن ان يكون الوجه في صد الزوجة عن الرباع انها ربماتزوجت واسكنت هذه الرباع من كان ينافس المتوفى او يغبطه او يحسده، فيثقل ذلك على اهله وعشيرته، فعدل بها عن‏ذلك على اجمل الوجوه‏» ((4)).

وعبارته كعبارة المفيد ساكتة عن التفصيل بين الزوجة ذات الولد وغيرها.

وقد ذكر في نصرة ما قواه في المسالة السابقة وهي الحبوة ما يلي: «وانما قوينا ما بيناه وان لم يصرح به اصحابنا، لان‏اللّه تعالى يقول: (يوصيكم اللّه في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين)((5)) وهذا الظاهر يقتضي مشاركة الانثى للذكر في جميع ما يخلفه الميت من سيف ومصحف وغيرهما. وكذلك ظاهر آيات‏ميراث الابوين والزوجين يقتضي ان لهم السهام المذكورة في جميع تركة الميت، فاذا خصصنا الذكر الاكبر بشي من ذلك‏من غير احتساب قيمته عليه تركنا هذه الظواهر، واصحابنا لم يجمعوا على ان الذكر الاكبر مفضل بهذه الاشياء من غيراحتساب بالقيمة وانما عولوا على اخبار رووها تتضمن تخصيص الاكبر بما ذكرناه من غير تصريح باحتساب عليه اوبقيمة. واذا خصصناه بذلك اتباعا لهذه الاخبار واحتسبنا بالقيمة عليه فقد سلمت ظواهر الكتاب مع العمل بما اجمعت‏عليه الطائفة من التخصيص له بهذه الاشياء فذلك اولى. ووجه تخصيصه بذلك مع الاحتساب بقيمته عليه انه القائم‏مقام ابيه والسادمسد ه، فهو احق بهذه الامور من النسوان والاصاغر للرتبة والجاه‏»((6)).

وهذا هو المستفاد ايضا من عبارات الصدوق + في الفقيه، حيث قال في ذيل رواية ابن ابي يعفور الصريحة في ارث‏الزوجة من الارض مطلقا: «قال مصنف هذا الكتاب: هذا اذا كان لها منه ولد، فاذا لم يكن لها منه ولد فلا ترث من الاصول‏الا قيمتها...»((7)) فان ظاهره انها ترث من قيمة الاصول جميعا ومنها الارض والعقار.

وكذلك هذا القول هو صريح ابي الصلاح الحلبي في الكافي حيث قال: «ولا ترث الزوجة من رقاب الرباع‏والارضين شيئا وترث من قيمة الرباع والارضين كسائر الالات‏» ((8)).

القول الرابع: عدم توريثها من الارض مطلقا لا عينا ولا قيمة، ولكن تورث من قيمة البناء والالات والشجر والقصب‏عليها اذا لم يكن لها ولد منه، والا ورثت من الاعيان جميعا، وهو صريح الشيخ واتباعه، بل هو المشهور بعد الشيخ.

قال الشيخ في النهاية: «والمراة لا ترث من زوجها من الارضين والقرى والرباع من الدور والمنازل بل يقوم الطوب‏والخشب وغير ذلك من الالات وتعط‏ى حصتها منه، ولا تعط‏ى من نفس الارض شيئا. وقال بعض اصحابنا: ان هذاالحكم مخصوص بالدور والمنازل دون الارضين والبساتين، والاول اكثر في الروايات واظهر في المذهب. وهذا الحكم‏الذي ذكرناه انما يكون اذا لم يكن للمراة ولد من الميت، فان كان لها منه ولد اعطيت حقها من جميع ما ذكرناه من الضياع‏والعقار والدور والمساكن‏» ((9)).

وقال في المبسوط: «والمراة لا ترث من زوجها من الارضين والقرى والرباع من الدور والمنازل بل يقوم الطوب والخشب‏وغير ذلك من الالات، وتعط‏ى حصتها منه، ولا تعط‏ى من نفس الارض شيئا. وقال بعض اصحابنا: ان هذا مخصوص‏بالدور والمنازل دون الارضين والبساتين، والاول اظهر، هذا اذا لم يكن لها منه ولد، فاما اذا كان لها ولد فانها تعط‏ى حقهامن جميع ذلك‏» ((10)).

وذكر مثل ذلك ابن البراج في المهذب ((11)).

وقال ابن حمزة في الوسيلة: «فان كانت الزوجة ذات ولد من زوجها المتوفى عنها لزم ميراثها من جميع التركة، وان لم‏تكن ذات ولد منه لم يكن لها حق في الارضين والقرى والمنازل والدور والرباع، وروي روايات مختلفات بخلاف ذلك‏»((12)).

وقال المحقق الحلي في الشرائع: «اذا كان للزوجة من الميت ولد ورثت من جميع ما ترك، ولو لم يكن لم ترث من الارض شيئا واعطيت حصتها من قيمة الالات والابنية، وقيل: لا تمنع‏الا من الدور والمساكن، وخرج المرتضى قولا ثالثا: وهو تقويم الارض وتسليم حصتها من القيمة. والقول الاول اظهر((13))».

ولكنه في مختصره النافع لم يفصل بين ذات الولد وغيرها، كما انه خصص فتواه بخصوص العقار، قال: «ويرث الزوج‏من جميع ما تركته المراة وكذا المراة عدا العقار، وترث من قيمة الالات والابنية، ومنهم من طرد الحكم في ارض المزارع‏والقرى، وعلم الهدى يمنعها العين دون القيمة‏» ((14)).

وقال العلامة في القواعد: «والزوج يرث من جميع ما تخلفه المراة سواء دخل او لا اذا كان العقد في غير مرض الموت،اما الزوجة فان كان لها ولد من الميت فكذلك، وان لم يكن لها ولد فالمشهور انها لا ترث من رقبة الارض شيئا، وتعط‏ى‏حصتها من قيمة الالات والابنية والنخل والشجر. وقيل: انما تمنع من الدور والمساكن. وقيل: ترث من قيمة الارض‏ايضا»((15)).

وقال في الارشاد: «وذات الولد من زوجها ترث منه من جميع تركته، فان لم يكن لها منه ولد لم ترث من رقبة الارض شيئا، واعطيت حصتها من قيمة الالات والابنية والنخل والشجر على‏راي((16)) ».

وعباراته تشعر بان ارثها اذا كانت ذات ولد كانه مسلم، وانما الاختلاف والشهرة في عدم ارث غير ذات الولد.

ثم ان الشيخ الصدوق في الفقيه ايضا فصل بين ذات الولد وغيرها، فحكم بارث الاولى من عين العقار كالشيخ واتباعه،الا ان المستفاد من ظاهر عبارته انه في غير ذات الولد ايضا يقول بارثها من القيمة كالسيد المرتضى+ كما اشرنا سابقا آكما انه خصص الحرمان بالرباع وعقار الدور لا مطلق الاراضي، فيكون قولا سادسا اخص من جميع الاقوال، فانه بعد ان‏نقل حديث ابن ابي يعفور القادم في ان ارث الزوجة من الدار وتربته وارضه كالزوج علق عليه بقوله: «قال مصنف هذاالكتاب: هذا اذا كان لها منه ولد، فاذا لم يكن لها منه ولد فلا ترث من الاصول الا قيمتها وتصديق ذلك: ما رواه محمد بن‏ابي عمير عن ابن اذينة في النساء اذا كان لهن ولد اعطين من الرباع‏»((17)) .

وظاهر ذيل العبارة انها ترث قيمة تمام الاصول بما فيها الارض، كما ان حديث ابن اذينة المستند لديه للتفصيل خاص‏بالرباع بل والتعبير ب «الاصول‏» ايضا يناسب ما فيه اصل وفرع وهو الدور والرباع لا الاراضي الجرداء.

القول الخامس: نفس القول الرابع ولكن من غير تفصيل بين ذات الولد وغيرها، فيحكم بحرمانها من الارضين مطلقا،وهو الاشهر بين متاخري المتاخرين.

واول من ذهب الى عدم التفصيل من القدماء ابن ادريس في السرائر الا انه وافق الشيخ المفيد في اختصاص الحرمان‏بالرباع والمنازل دون مطلق الارضين، قال: «فاما اذا كان لها منه ولد اعطيت سهمها من نفس جميع ذلك على قول بعض‏اصحابنا، وهو اختيار محمد بن علي بن الحسين بن بابويه تمسكا منه برواية شاذة وخبر واحد لا يوجب علما ولا عملا.والى هذا القول ذهب شيخنا ابو جعفر في نهايته الا انه رجع عنه في استبصاره، وهو الذي يقوى عندي اعني ما اختاره‏في استبصاره لان التخصيص يحتاج الى ادلة قوية واحكام شرعية، والاجماع على انها لا ترث من نفس تربة الرباع‏والمنازل شيئا سواء كان لها من الزوج ولد او لم يكن، وهو ظاهر قول شيخنا المفيد في مقنعته والسيد المرتضى في‏انتصاره‏»((18)).

الا ان ما ذكره من رجوع الشيخ في الاستبصار عما ذكره في النهاية وهو مختاره في المبسوط ايضا غير تام، فان عبارته‏في الاستبصار لا دلالة فيها على ذلك، وانما ذكر الرواية الدالة على ان‏الزوجة ترث كالزوج من كل ما ترك، ثم عقب على‏ذلك بقوله: «فلا تنافي الاخبار الاولة من وجهين: احدهما:

ان نحمله على التقية، لان‏جميع من خالفنا يخالف في هذه‏المسالة، وليس يوافقنا عليها احد من العامة، وما يجري هذا المجرى يجوز التقية فيه. والوجه الاخر: ان لهن ميراثهن من‏كل شي ترك ما عدا تربة الارض من القرايا والارضين والرباع والمنازل، فنخصص الخبر بالاخبار المتقدمة. وكان ابوجعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه (رحمه‏اللّه) يتاول هذا الخبر ويقول: ليس لهن شي مع عدم الاولاد من هذه‏الاشياء المذكورة، فاذا كان هناك ولد فانها ترث من كل شي. واستدل على ذلك بما رواه محمد بن احمد بن يحيى عن‏يعقوب بن يزيد عن ابن ابي عمير عن ابن اذينة:«في النساء اذا كان لهن ولد اعطين من الرباع‏»((19)).

وهذا لا يدل على عدم قبوله ارث الزوجة اذا كانت ذات ولد، بل تعبيره بان الصدوق كان يتاول الخبر الدال على ارث‏الزوجة من كل ما تركه الزوج بحمله على ذات ولد قد يشعر بانه بهذا التاويل يرتفع التعارض والتنافي مع الاخبار الدالة‏على الحرمان من ارث الارض.

ومما قد يشهد على ذلك ان الشيخ (قدس‏سره) بنفسه ذكر هذا التاويل، واختاره في التهذيب، فانه بعد ان نقل خبر ابن ابي يعفور الدال على ارث الزوجة من كل ما ترك الزوج قال: «قال محمد بن الحسن:هذا الخبر محمول على انه اذا كان للمراة ولد فانها ترث كل شي تركه الميت عقارا كان او غيره، والذي يدل على ذلك مارواه محمد بن احمد بن يحيى...»((20)) وذكر خبر ابن اذينة.

ومنه يظهر ان ما فعله بعض الفقهاء تاثرا بكلام السرائر من عد الشيخ (قدس‏سره) من القائلين بعدم التفصيل لما في‏استبصاره، بل ومن المدعين للاجماع على ذلك في خلافه لانه قال فيها: «مسالة 131: لا ترث المراة من الرباع والدوروالارضين شيئا، بل يقوم الطوب والخشب فتعط‏ى حقها منه، وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: لها الميراث من‏ذلك جميعه. دليلنا: اجماع الفرقة واخبارهم‏» ((21)) غريب جدا، فان‏المدار والمعيار لاقتناص فتاوى الشيخ الاعظم ان ماهو كتاباه النهاية والمبسوط، كما ان‏تهذيبه الذي هو شرح لمقنعة المفيد هو الكتاب الحديثي الاهم والمعتمد لديه،فكيف لا ينظر الى ما افتى به في هذه الكتب المعتمدة والتي قد صرح فيها بالتفصيل بين ذات الولد وغير ذات الولد، ثم‏يتشبث بعبارة الاستبصار الذي الفه للجمع بين الاخبار ورفع التعارض بينها لا للافتاء؟ ! على انه لا دلالة فيها على انكارالتفصيل اصلا، كما ان نقله للاجماع في الخلاف من الواضح انه ناظر الى الاجماع على اصل المسالة في قبال العامة، كماهو شان اجماعات الخلاف، لا عدم التفصيل المذكور.

بل التحقيق يقتضي ان لا يستفاد الاطلاق، ونفي هذا التفصيل من عبارات مثل الشيخ المفيد في المقنعة والسيدالمرتضى في الانتصار، حيث لم يفصلوا بين الشقين ايضا، لقوة احتمال انهم غير ناظرين فيها الا الى اصل المسالة،وليس نظرهم الى تفاصيل المسالة المختلف فيها، فهي ساكتة عن التفصيل وليست دالة على عدم ارتضائهم له، وهذانظير جملة من كتب القدماء التي لم تذكر اصل المسالة في ارث الزوجة، كالهداية والمقنع للصدوق والمراسم لسلار وفقه القرآن للراوندي وغيرها، فان سكوتها عن ذلك قد لا يدل على نفيهم لاصل حرمان الزوجة، كما هو واضح.

فما عن جملة من المتاخرين، كصاحب الرياض وغيره((22)) من جعل مسالة حرمان الزوجة من الارضين باطلاقها من‏الناحيتين اي شموله لمطلق الاراضي ولذات الولد اجماعية لدى القدماء ولم يخالف فيها الا الصدوق، غير سديد.

قال في الرياض: «واعلم ان مقتضى اطلاق العبارة وغيرها من عبائر الجماعة مما اطلق فيه الزوجة عدم الفرق فيها بين‏كونها ذات ولد من زوجها ام لا، وهو الاقوى وفاقا لكثير من اصحابنا، كالكليني والمفيد والمرتضى والشيخ في‏الاستبصار والحلبي وابن زهرة ظاهرا، والحلي وجماعة من المتاخرين صريحا، وفي السرائر وعن الخلاف الاجماع‏عليه، وهو الحجة. مضافا الى اطلاق الاخبار السابقة، بل عمومها الثابت من صيغة الجمع في جملة منها، وترك‏الاستفصال في اخرى، وعموم التعليل، ووجه الحكمة في ثالثة، خلافا للصدوق واكثر المتاخرين فخصوا الحكم بغيرذات الولد»((23)).

والذي يتحصل لنا من مراجعة كلمات الاصحاب قدس اللّه اسرارهم ان المقدار الممكن دعوى الاجماع فيه انما هواصل حرمان الزوجة غير ذات الولد من اعيان الرباع لا من قيمتها، فان‏المسالة لو كانت اجماعية فكيف يحمل مثل السيدالمرتضى والصدوق وابي الصلاح الحلبي قد س اللّه اسرارهم الروايات على ان المراد منها حرمان الزوجة من عين‏الرباع لا من قيمتها؟! فان المسالة اذا كانت اجماعية وقطعية لم يكن وجه لمثل هذا الحمل ولا لغيره من المحامل.

على انا اذا قبلنا الاجماع في هذه المسالة فهو مسبوق بالروايات العديدة التي سوف نوردها، ومن الواضح ان مثل هذه‏الاجماعات ان لم يدع القطع بمدركيتها فلا اقل من احتمال ذلك.

ومما يشهد على عدم وجود اجماع تعبدي في المسالة محاولات الجمع والتوفيق بين الروايات المتعارضة في المقام،كما صنعه الصدوق في الفقيه وما فعله السيد المرتضى من الجمع بينها وبين ظاهر القرآن الكريم بما اختاراه من حرمانهامن العين لا القيمة، كما تشهد كلمات الشيخ في الاستبصار والتهذيب من ذكره وجوه الجمع بين الروايات المتعارضة،على ان المسالة مبناها الروايات. نعم، لا يبعد دعوى ان صدور هذه الروايات في الجملة عن الباقر والصادق‏غ مسلمة،لكثرتها وتظافر نقلها في كتبنا.

وقال صاحب الجواهر+ بعد ان نقل عن غاية المراد اجماع اهل البيت (ع)ع) على حرمان الزوجة، وانه لم يخالف فيه‏الا ابن الجنيد، وقد سبقه الاجماع وتاخر عنه : «لكن ومع ذلك قد يقال: ان خلو جملة من كتب الاصحاب على ما قيل،كالمقنع والمراسم والايجاز والتبيان ومجمع البيان وجوامع الجامع والفرائض النصيرية عن هذه المسالة، مع وقوع‏التصريح في جميعها بكون ارث الزوجة ربع التركة او ثمنها الظاهر في العموم ربما يؤذن بموافقة الاسكافي، بل لعل‏الظاهر عدم تعرض علي بن بابويه وابن ابي عقيل لذلك ايضا ، والا لنقل، بل لعل خلو الفقه الرضوي الذي هو اصل‏الاول منهما ومعتمده مما يؤيد موافقته ايضا، بل لعل جميع رواة الصحيح الذي هو مستند ابن الجنيد بعد عموم‏الكتاب والسنة عن ابي عبد اللّه (ع) مذهبهم ذلك، لان مذاهب الرواة تعرف برواياتهم، وقد رواه ابن ابي يعفور وابان‏والفضل بن عبد الملك، قال: سالته عن الرجل هل يرث من دار امراته شيئا او ارضها من التربة شيئا او يكون هو بمنزلة‏المراة فلا يرث من ذلك شيئا؟ قال: «يرثها وترثه من كل شي ترك وتركت‏».

فدعوى سبقه بالاجماع ولحوقه به لا تخلو من نظر، بل عن دعائم الاسلام ان اجماع الامة والائمة على قول ابن الجنيد،قال: «روينا عن اهل البيت (ع) مسائل جاءت عنهم في المواريث مجملة ولم نر احدا فسرها، فدخلت على كثير من‏الناس الشبهة من اجلها، فراينا ايضاح معانيها ليعلم المراد فيها، وباللّه التوفيق، وان كنا لم نبن هذا الكتاب على فتح‏المقفل وايضاح المشكل وبيان المختلف فيه، وانما قصدنا فيه الاختصار والاقتصار على الثابت من المسائل والاخبار،ولكن لما كان ظاهر هذه المسائل يخالف الكتاب والسنة واجماع الائمة والامة ودخلت على كثير من اصحابنا من اجلهاالشبهة ولمزهم بها كثير من العامة فراينا ايضاحها الى ان ذكر من ذلك ما روي عن ابي جعفر× وابي عبد اللّه (ع) انهماقالا: «اذا هلك الرجل فترك بنين فللاكبر منهم السيف والدرع والخاتم والمصحف‏»، وذكر عن بعض الاصحاب احتساب‏ذلك من القيمة ورده بمنافاته للشركة المقتضية للتسوية ثم اوله بان‏ذلك خاص للائمة والاوصياءچ وفيما هو منقول عن‏امام الى امام من خاتم الامام ومصحف القرآن الثابت وكتب العلم والسلاح الذي ليس شي من ذلك لاحد منهم تجري‏فيه المواريث، وانما يدفعه الاول للاخر والفارط للغابر، وقد ذكرنا في باب الوصايا ان رسول اللّه(ص) دفع الى اميرالمومنين (ع) كتبه وسلاحه وامره ان يدفع ذلك الى ابنه الحسن(ع)، وامر الحسن ان يدفعه الى الحسين(ع)، وامرالحسين(ع) ان يدفعه الى ابنه علي(ع)، وامر علي بن الحسين(ع) ان يدفعه الى ابنه محمد بن علي(ع)، وان يقرءه منه‏السلام، فهذا وجه ما جاء في الرواية التي لاتحتمل غيره. فاما ان يكون جاء مفسرا فحذف الرواة تفسيره، او جاء مجملاكما ذكرنا اكتفاءبعلم المخاطبين او رمزا من ولي اللّه ثم ذكر ما روي عنهماغ ايضا من ان النساء لا يرثن من الارض شيئاانما تعط‏ى قيمة النقض‏ قال: وهذا ايضا لو حمل على ظاهره وعلى العموم لكان يخالف كتاب اللّه والسنة واجماع‏الائمة والامة، ثم اوله بالارض المفتوحة عنوة، لكونها ردا للجهاد وتقوية لرجال المسلمين على الكفار والمشركين، اوبالاوقاف التي ليس للنساء فيها حظ ولايشاركن الرجال فيها الا في قيمة النقض، فاما ما كان من الارض مملوكا للموروث‏فللنساء منه نصيب، كما قال اللّه تعالى، هذا الذي لا يجوز غيره‏»، انتهى ما ذكره عن صاحب الدعائم، ثم علق عليه‏صاحب الجواهر+ بقوله: «وهو كما ترى من غرائب الكلام، بل هو كلام غريب عن الفقه والفقهاء والرواة والروايات،وانما نقلناه ليقضي العجب منه، والا فهو لا يقدح في دعوى سبق الاجماع ابن الجنيد ولحوقه المستفاد ذلك من تسالم النصوص عليه التي هي فوق مرتبة‏التواتر، والفتاوى التي لا ينافيها عدم تعرض بعض الكتب للمسالة، ولعله لوضوحه وظهوره، بل العامة تعرف ذلك من‏الامامية.

ومن هنا اتجه حمل الصحيح المزبور على التقية، كما يتجه تخصيص العمومات بالمتواتر من النصوص‏والاجماع المحكي بل وبالاجماع المحصل، فلا ينبغي الاطناب في ذلك‏»((24)).

وقد عرفت ان تحصيل الاجماع على الحرمان المطلق في مثل هذه المسالة مشكل مع ذهاب الشيخ الصدوق والسيدالمرتضى وابي الصلاح في الكافي الى الخلاف، بل وذهاب معظم القدماء الى عدم الحرمان من ذات الولد، كما عرفت‏واكثر الزوجات ذات ولد.

كما انه لو فرض تحصيله فهو اجماع مدركي مسبوق بالروايات التي سوف ياتي الحديث عنها. هذا حال الاجماع والاقوال في المسالة.

النصوص الواردة في المسالة:

1 الكتاب:

واما ما تقتضيه الادلة اللفظية فلا شبهة في ان‏ظاهر القرآن الكريم عدم حرمان الزوجة من العقار، وانها ترث الربع اوالثمن من تمام تركة الزوج.

2 الروايات:

ويمكن تقسيمها الى مجموعتين:

ا المجموعة الاولى من الورايات:

لقد وردت مجموعة من الروايات وفيها الصحاح تدل على حرمان الزوجة من العقار على اختلاف في السنتها كماسياتي، كما ان‏جملة منها دل ت على حرمانها من ارث البناء ايضاعينا وانما ترث من قيمتها. وقد جمعها صاحب‏الوسائل ضمن سبعة عشر رواية ((25)) باختلاف الطرق الى بعض من رووا هذه الاحاديث عن المعصومين (ع)، والافالمروي عنهم‏چ مباشرة ليس بهذا المقدار.

وهي بحسب اختلاف دلالتها يمكن تقسيمها الى عدة طوائف:

الطائفة الاولى: ما ظاهره حرمان الزوجة من ارث العقار والاراضي مطلقا من دون تعرض لكيفية ارثها من البناء، وهي‏عدة روايات:

1 ما نقله الكليني عن علي بن ابراهيم عن ابيه، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن محمد بن حمران، عن زرارة، عن‏محمد بن مسلم (وفي نسخة مخطوطة ومحمد بن مسلم) عن ابي جعفر(ع)، قال: «النساء لا يرثن من الارض، ولا من‏العقار شيئا» ((26)).

2 ما نقله الكليني ايضا عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن ابن ابي عمير، عن جميل، عن زرارة، عن ابي جعفر(ع) ومحمد بن مسلم، عن ابي جعفر(ع)، قال: «لا ترث النساء من عقار الارض شيئا» ((27)).

والظاهر انها نفس الحديث المنقول عن زرارة ومحمد بن مسلم نقله الرواة عنهما بطريقين، بل المظنون انه نفس ما سياتي من الاحاديث المفصلة بين الارض والبناء، وانما تعددت في كتب‏الاحاديث من جهة التقطيع.

3 ما نقله الكليني ايضا عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن عمه جعفر بن سماعة، عن مثنى، عن عبد الملك بن اعين، عن احدهماغ قال: «ليس للنساء من الدور والعقار شي‏»((28)).

4- ما نقله صاحب الوسائل بسنده من كتاب بصائر الدرجات عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن الحسين‏بن ابي مخلد (وفي نسخة البصائر عن الحسين عن ابي مخلد) عن عبد الملك قال: دعا ابو جعفر(ع) بكتاب علي(ع) فجاء به جعفر(ع) مثل فخذ الرجل مطويا، فاذا فيه: «ان النساء ليس لهن من عقار الرجل اذا توفى عنهن شي‏» فقال ابوجعفر(ع): «هذا واللّه خط علي بيده واملاء رسول اللّه» ((29)).

الطائفة الثانية: ما ظاهره حرمان الزوجة من ارث العقار والضياع وارثها من نفس البناء. وهو يتمثل في خبرين:

1 ما نقله الشيخ في التهذيب والاستبصار باسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن محمد بن زياد، عن محمد بن‏حمران، عن محمد بن مسلم وزرارة عن ابي جعفر(ع): «ان النساء لا يرثن من الدور ولا من الضياع شيئا، الا ان يكون‏احدث بناء فيرثن ذلك البناء»((30))، وظاهره الاولي الارث من نفس البناء عينا لا قيمة فحسب.

2 ما نقله الكليني باسناده عن سهل واضاف في الوسائل وعن محمد عن احمد عن علي بن الحكم، عن علاء، عن‏محمد بن مسلم، قال: قال ابو عبد اللّه (ع): «ترث المراة الطوب (وفي نسخ الكافي من الطوب) ولا ترث من الرباع شيئا»قال: قلت:

كيف ترث من الفرع ولا ترث من الرباع (وفي نسخ الكافي من الاصل) شيئا ؟ !، فقال (وفي نسخ الكافي فقال‏لي): «ليس لها منه (وفي الكافي منهم) نسب ترث به، وانما هي دخيل عليهم، فترث من الفرع، ولا ترث من الاصل، ولا يدخل عليهم داخل بسببها»((31)).

والرواية نفسها ينقلها ايضا الحميري في قرب الاسناد عن السندي بن محمد عن علاء بن رزين عن الصادق(ع)((32))، مباشرة لا بتوسط محمد بن مسلم.

الطائفة الثالثة: ما دل على التفصيل في ارث الزوجة، فلا ترث من الدور والعقار والاراضي، ولكن ترث من قيمة البناءوالالات وهي اكثر الروايات الواردة في الباب والسنة هذه الطائفة مختلفة ايضا ، فبعضها خصت الحكم بالرباع وهي‏المنازل وارض الدور. وبعضها اطلقت العقار بناء على شموله لكل ارض او الارض، وبعضها صرحت بالقرى ايضا، كماانه تقدم في خبر زرارة ومحمد بن مسلم في الطائفة السابقة التصريح بالضياع ايضا وان المراة لا ترث منها، وفي بعضهاصرح بحرمان الزوجة من السلاح والدواب ايضا، وهو غير محتمل فقهيا، كما انه ورد في ذيل بعضها تعليل هذا الحكم‏بان ذلك «لئلا يتزوجن فيفسدن على اهل المواريث مواريثهم‏»((33)).

كما ان هذا التفصيل بين الارض وقيمة البناء والالات قد ورد في جملة من روايات هذه الطائفة بلسان الاستثناءوالاستدراك، وانه تعط‏ى حقها اي الزوجة من الثمن والربع من قيمة البناء، مما جعلها بعض الفقهاء ظاهرة في اعطاءكامل حقها حتى من الارض من القيمة، واليك هذه الروايات:

1 ما نقله الكليني عن العدة، عن سهل بن زياد، وعن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد، وعن حميد بن زياد عن‏ابن سماعة (جميعا) عن ابن محبوب عن علي بن رئاب عن زرارة عن ابي جعفر(عليه السلام): «ان المراة لا ترث مماترك زوجها من القرى والدور والسلاح والدواب شيئا، وترث من المال والفرش والثياب ومتاع البيت، مما ترك، وتقوم‏النقض والابواب والجذوع والقصب فتعط‏ى حقها منه‏»((34)).

ورواه الشيخ الطوسي باسناده عن احمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن زرارة وخطاب بن ابي‏محمد الهمداني عن طربال بن رجاء عن ابي عبد اللّه (ع)((35)).

2 ما نقله الكليني ايضا عن العدة، عن سهل، عن علي بن الحكم، عن ابان الاحمر، قال: لا اعلمه الا عن ميسر بياع‏الزط‏ي عن ابي عبد اللّه (ع) قال: سالته عن النساء ما لهن من الميراث؟قال: «لهن قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب،فاما الارض والعقارات فلا ميراث لهن‏فيه‏» قال: قلت: فالبنات (وفي نسخة الكافي فالثياب) قال: «البنات (الثياب) لهن‏نصيبهن منه‏» قال:

قلت: كيف صار ذا ولهذه الثمن ولهذه الربع مسمى؟ قال: «لان المراة ليس لها نسب ترث به ، وانما هي دخيل عليهم،انما صار هذا كذا لئلا تتزوج المراة فيجي زوجها او ولدها من قوم آخرين فيزاحم قوما آخرين في عقارهم‏»((36)).

ورواه الشيخ ايضا باسناده الى سهل((37)). ورواه الصدوق في الفقيه((38)) والعلل ((39)) باسناده عن علي بن الحكم عن ابان‏الاحمر عن ميسر.

3 ما نقله الكليني عن علي بن ابراهيم عن ابيه، عن ابن ابي عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة وبكير وفضيل وبريدومحمد بن مسلم، عن ابي جعفر(ع) وابي عبد اللّه (ع) (ومنهم من رواه عن ابي جعفر، ومنهم من رواه عن ابي عبد اللّه،ومنهم من رواه عن احدهما): «ان المراة لا ترث من تركة زوجها من تربة دار او ارض الا ان يقوم الطوب والخشب قيمة‏فتعط‏ى ربعها او ثمنها»((40)).

ورواه الشيخ ايضا باسناده عن علي بن الحكم الا انه قال:

«فتعط‏ى ربعها او ثمنها ان كانت من قيمة الطوب والجذوع‏والخشب‏»((41)). وقد جعل بعضهم (او ارض) عطفا على التربة، اي لا ترث من تربة دار او ارض دار لا عطفا على الدار.

4 ما نقله الكليني ايضا عن علي بن ابراهيم، عن ابيه عن ابن ابي عمير، عن حماد بن عثمان، عن زرارة ومحمد بن مسلم، عن ابي عبد اللّه (ع) قال:

«لا ترث النساء من عقار الدور شيئا ولكن يقوم البناء والطوب وتعط‏ى ثمنها او ربعها، قال: وانما ذلك لئلا يتزوجن فيفسدن على اهل المواريث مواريثهم‏» ((42)).

وظاهرها الاختصاص بارض الدور، والا كان القيد لغوا وزائدا، ولعله الى هذا استند المفيد وغيره في تخصيص الحكم‏بالدور دون البساتين والضياع، فهذا ليس من باب مفهوم الوصف او اللقب، كما قيل في رده.

5 ما نقله الكليني عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن محمد بن عيسى (وفي نسخ الكافي عن يونس) عن يحيى الحلبي، عن شعيب، عن يزيد الصائغ، عن ابي عبد اللّه (ع) قال: سالته عن‏النساء هل يرثن من الارض (وفي نسخ الكافي يرثن الارض) ؟ فقال: «لا، ولكن يرثن قيمة البناء». قال: قلت: ان الناس لايرضون بذا. قال:

«اذا ولينا فلم يرضوا ضربناهم بالسوط، فان لم يستقيموا ضربناهم بالسيف((43)) ».

وقد نقل مثله ايضا بطريق آخر عن يزيد الصائغ وفيه: «النساء لا يرثن من رباع الارض شيئا، ولكن لهن قيمة الطوب‏والخشب‏».

قال: فقلت له: ان‏الناس لا ياخذون بهذا... ((44))، وهي ايضاكرواية زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمة ظاهرة في‏الاختصاص برباع الارض، لا مطلق الارض.

6 ما نقله الكليني عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي، عن‏حماد، عن ابي عبد اللّه (ع) قال: «انما جعل للمراة قيمة الخشب والطوب لئلا يتزوجن فيدخل عليهم يعني اهل‏المواريث من يفسد مواريثهم‏» ((45)).

ورواه الشيخ ايضا باسناده عن الحسين بن محمد عن سماعة عن معلى بن محمد.

كما رواه الصدوق باسناده عن محمد بن الوليد عن حماد بن عثمان. واضاف: «الطوب الطوابيق المطبوخة من الاجر»((46)).

7 ما نقله الشيخ في التهذيب والاستبصار باسناده عن علي بن الحسن بن فضال، عن احمد بن الحسن، عن ابيه، عن‏عبد اللّه بن المغيرة، عن موسى بن بكر الواسط‏ي قال: قلت لزرارة:

ان‏بكيرا حدثني عن ابي جعفر(ع): «ان النساء لا ترث‏امراة مما ترك زوجها من تربة دار ولا ارض، الا ان يقوم البناء والجذوع والخشب فتعط‏ى نصيبها من قيمة البناء، فاما التربة‏فلا تعط‏ى شيئا من الارض ولا تربة دار». قال زرارة: هذا لا شك فيه . ((47)) 8 ما نقله الصدوق في الفقيه باسناده عن الحسن بن محبوب، عن الاحول، عن ابي عبد اللّه (ع) قال: سمعته يقول: «لايرثن النساء من العقار شيئا، ولهن قيمة البناء والشجر والنخل‏». يعني بالبناء الدور، وانما عنى من النساء الزوجة ((48)).

9 ما نقله الشيخ والصدوق معا باسنادهما عن محمد بن سنان:

ان الرضا(ع) كتب اليه فيما كتب من جواب مسائله:«علة المراة انها لا ترث من العقار شيئا الا قيمة الطوب والنقض، لان العقار لا يمكن تغييره وقلبه، والمراة قد يجوز ان ينقطع ما بينها وبينه من العصمة ويجوز تغييرها وتبديلها، وليس الولد والوالد كذلك، لانه لا يمكن‏النقص منهما، والمراة يمكن الاستبدال بها، فما يجوز ان يجي ويذهب كان ميراثه فيما يجوز تبديله وتغييره اذا اشبهه، وكان الثابت المقيم على حاله كمن كان مثله في الثبات والقيام‏» ((49)).

هذه مجموعة الروايات الدالة على حرمان الزوجة من العقار ومن اعيان البناء وآلاتها، وانما تعط‏ى حقها من قيمتها.

ب المجموعة الثانية من الروايات:

وفي قبال المجموعة الاولى توجد طائفتان من الروايات معارضة معها ودالة على عدم الحرمان:

الطائفة الاولى: الروايات الكثيرة، وفيها الصحيحة الدالة باطلاقها او عمومها على ارث الزوجة الثمن او الربع من تمام‏التركة من دون استفصال بين العقار وغيره.

الا ان هذه الروايات حيث ان دلالتها بالاطلاق او العموم بخلاف الروايات الدالة على الحرمان، فانها مفصلة وواردة في‏خصوص ارث العقار والدور، فقد جمع الاصحاب بينهما بالتخصيص، كما هو مقتضى الصناعة والجمع العرفي في‏اشباه ذلك.

الطائفة الثانية: ما دل على عدم حرمان الزوجة مطلقا، او في خصوص ذات الولد من الزوج في خصوص العقار، وانهاترث منه، وهو يتمثل في خبرين:

1- صحيحة ابن ابي يعفور عن ابي عبد اللّه (ع) قال: سالته عن الرجل هل يرث من دار امراته او ارضها من التربة شيئا، او يكون في ذلك بمنزلة المراة فلا يرث من ذلك شيئا؟ فقال: «يرثهاوترثه من كل شي ترك وتركت((50))».

وقد نقلها الشيخ في كتابيه باسناده عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن ابان عن الفضل بن عبد الملك وابن ابي يعفور(وفي((51)) التهذيب او ابن ابي يعفور) ((52)).

واسناده الى الحسين بن سعيد فيه احمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، والاقرب وثاقته.

كما انه نقلها الصدوق((53)) باسناده الى ابان وهو طريق صحيح، وابان هو ابان ابن عثمان الاحمر.

وهي واردة في مورد ارث الزوجة، لان السؤال فيها وان كان ابتداء عن ارث الزوج لعقار زوجته الا انه حيث كان من‏المركوز في ذهن السائل حرمان الزوجة من ارث العقار صاغ سؤاله عن ارث الزوج للعقار بلسان القياس على عدم ارث‏الزوجة للعقار، فقال: هل يرث الزوج من التربة شيئا او لا يرث كما لا ترث الزوجة، لكونهما بمنزلة واحدة، فجاء الجواب‏مصرحا بانهما بمنزلة واحدة، يرثها وترثه في كل ما ترك وتركت، فتكون صريحة في ارث الزوجة ايضاللعقار، وليست‏دلالتها على ذلك بالعموم او الاطلاق لكي يمكن تقييدها بالروايات الدالة على الحرمان، بل هي واردة في نفس ماوردت فيه تلك الروايات، فتكون معارضة.

نعم، ظهورها في انها ترث من عين ذلك لا قيمته ليس بنحو الصراحة، فاذا استفيد من بعض روايات الحرمان مدعى‏السيد المرتضى امكن الجمع بينه وبينها بذلك.

2 ما نقله الشيخ والصدوق عن ابن ابي عمير، عن ابن اذينة «في النساء اذا كان لهن ولد اعطين من الرباع‏»((54)).

وقد نقله الشيخ باسناده الصحيح الى محمد بن احمد بن يحيى، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن ابي عمير، عن ابن‏اذينة.

ونقله الصدوق باسناده الى ابن ابي عمير عن ابن اذينة، وطريقه اليه صحيح ايضا.

وهي صريحة ايضا في ارث الزوجة اذا كانت ذات ولد من الرباع، كما انها لو تمت دلت بمفهومها على عدم اعطائهن من‏الرباع اذا لم تكن ذات ولد. ومن هنا قد يجعل هذا الحديث ايضا من ادلة الحرمان في الجملة، وحيث انها مفصلة في‏ارث الزوجة من الرباع بين ذات الولد وغيرها، فتكون اخص من مطلقات الحرمان.

الا ان هذا المفهوم ليس بازيد من انه لا يعطين من اعيان الرباع وتربتها، لان مفاد المنطوق استحقاقها من نفس الرباع كماهو في سائر التركة، فلا دلالة في المفهوم الا على انتفاء ذلك لا نفي مطلق حقها ولو في قيمة الرباع يعطين مع قيمة البناءمثلا.

وقد نوقش في هذه الرواية بانها مقطوعة ابن اذينة، ولم يشهد بانه ينقلها عن المعصوم، فلعله نقل فتواه ونظره، فلم يحرز كونها رواية اصلا، ولهذا لا تكون بمثابة المرسل عن المعصوم ايضا، فلايمكن تصحيحها حتى بعمل المشهور بناء على القول بانجبار الخبر الضعيف او المرسل بعمل الاصحاب به.

 

 

الصفحة التالية