الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

هذا، ولكن التمسك بالاطلاق يصح فيما اذا لم يكن استيفاء المنفعة مواجها لمانع، فالسؤال، هل في الاجارة المشاعة‏يوجد مانع يحول دون استيفاء المنفعة ؟ نقول في الجواب: ثمة امران يمكن اعتبار كل منهما مانعا في هذا المجال، هما: الاشاعة والشركة، وهذان‏الامران على فرض قبول كونهما مانعين يعد احدهما مانعا عقلياوالاخر يعد مانعا شرعيا. واليك توضيح ذلك:

هل تعد الاشاعة مانعا عقليا ؟ قد يتوهم ان الاشاعة مانع عقلي عن استيفاء المنفعة بحجة انه حين الاشاعة لايتمكن الشخص من الاستيفاء، غير ان‏هذا غير قابل للقبول، حيث ان الاستيفاء يصبح ممكنا مع صدور الاذن من جانب الشريك، وفي حالة عدم الاذن يمكن‏ان يتدخل الحاكم الشرعي ويمهد الطريق لاستيفاء المنفعة.

هل الشركة تعد مانعا شرعيا ؟ ربما تعد الشركة مانعا شرعيا عن استيفاء المنفعة، بمعنى ان تسليم العين بدون اذن الشريك غير جائز شرعا، وبعدم‏تسليم العين يتعذر استيفاء المنفعة.

والجواب: ان هذا المانع قابل للزوال، والحكم بعدم صحة الاجارة بلحاظ وجود مانع متزلزل مما لاوجه له، حيث ان‏الشريك بعد استئذانه لايخلو حاله عن امرين: فاما ان ياذن، وحينها يزول المانع، واما ان لاياذن، فتحال القضية الى حاكم‏الشرع لحلها، وعليه فانه ليس هناك مانع شرعي ولاعقلي يحول دون استيفاء المنفعة. يقول المقدس الاردبيلي في هذاالصدد: «عدم صلاحية الاشاعة والشركة للمنع‏» ((96)).

ويقول فقيه آخر: «واستيفاء منافع العين المشتركة ممكن كاستيفاء المنافع للمالك مع اشتراك العين المشتركة‏» ((97)).

ج) عدم الوجود الخارجي للاعيان حين العقد:

في اغلب سندات الاجارة لاتكون الاعيان موجودة حين صدور السند وعقد الاجارة، بدليل ان الافتراض قائم على ان‏الغاية من اصدار السند استثمار الاموال لتوفير تلك الاعيان.

والسؤال المطروح، هل يضر انعدام العين بالاجارة ام لا ؟ الجواب: انه اذا كان ادعاء ضرورة وجود العين حين العقد نابعا من شرط القدرة على تسليم العين فيجب القول: ان مايلزم هو القدرة على تسليم العين حين حلول مدة الاجارة، اما في زمن العقد فلاحاجة الا الى القدرة الشانية على‏التسليم، وهكذا قدرة موجودة في سندات الاجارة.

واما اذا كانت الضرورة نابعة من ضرورة وجود المنفعة (لزوم وجودها حتى يتعلق التمليك بها) بمعنى انه لايحصل‏وجود للمنفعة مادام لم تكن العين موجودة، حيث ان وجود المنفعة مترتب على وجود العين، فالجواب: ان التمليك‏لايعدمن الاعراض الحقيقية التكوينية ليكون بحاجة الى معروض حقيقي في الخارج، بل هو من الامور الاعتبارية،وعليه فانه ليس هناك حاجة الى اكثر من وجود تقديري واعتباري، اذ ليس من الضروري وجود العين في الخارج حال‏العقد.

قال المحقق الاصفهاني في وجه كفاية الوجود التقديري:

«واعتبار الملكية لا يحتاج الا الى طرف في افق الاعتبار وهوكما يمكن ان يكون عينا موجودة في الخارج كذلك يمكن ان يكون كليا في الذمة، بل ربما يكون اوسع من ذلك كما في‏اعتبار الملكية لكلي الفقير» ((98)).

ومثله ما ذكره الامام الخميني في قوله: «والعين المعدومة خارجا غير معدومة في صقع الاعتبار((99)) ».

وكما هو واضح فان شرائط سندات الاجارة تسمح بتحقق هكذا اعتبار.

د) ورود عقد البيع على العين المستاجرة:

وهذه المسالة ليست شيئا جديدا برزت في صكوك التاجير، بل هي من المسائل المطروحة في الفقه منذ القديم. والذي‏ذهب اليه في هذه المسالة جل فقهاء الامامية، بل كلهم ((100)) ومن الجمهور الامام احمد ((101)) والامام الشافعي في احدقوليه ((102)) هو صحة البيع من ناحية، وعدم بطلان الاجارة من ناحية اخرى.

ويستدل على هذين الحكمين بدليلين:

الدليل الاول: عدم اقتضاء كل من البيع والاجارة نفي الاخر، وتوضيحه: ان عقد الاجارة لا يقتضي ازيد من حرمان‏المالك من التصرف في منافع العين في مدة الاجارة، واما منع المالك من مطلق التصرف والذي من جملته البيع فهوليس من مقتضياتها ((103)). وكذلك الشان في عقد البيع، فانه ليس مقتضاه حرمان المستاجر من استيفاء المنافع في مدة‏الاجارة، وذلك لان البيع على العين المؤجرة لا يخلو عن وقوعه باحدى صور ثلاثة، وهي:

ا اذا كان المشتري عالما بالاجارة وقررا اي البائع والمشتري ان تكون الاجرة للبائع، كما كان الامر كذلك قبل البيع.

ب اذا كان المشتري عالما بالاجارة وقررا ان تكون الاجرة للمشتري من حين العقد.

وفي كلتا هاتين الصورتين يجتمع معهما استيفاء المستاجر للمنافع، كما هو معلوم.

ج اذا كان المشتري جاهلا بالاجارة وحصل له العلم بها بعد العقد، فقد ذهب هنا ايضا فقهاء الامامية ((104)) واكثر علماءاهل السنة ((105)) الى عدم بطلان الاجارة غير انهم قالوا بتخير المشتري بين الصبر الى انتهاء مدة الاجارة وبين الفسخ . ((106)) وعلى اى حال لا يقتضي البيع حسب راي الفقهاء تحقق سلطنة للمشتري على تلك المنافع التي اصبحت مملوكة‏للمستاجر بسبب الاجارة حتى يقال ببطلان الاجارة.

والذي يسهل الامر بالنسبة الى سندات الاعيان المؤجرة هو ان هناك بناء للمتعاقدين البائع والمشتري في هذه‏السندات على ان يرجع كل‏شي الى المشتري، اي الذي ياخذ السند بما فيه اخذ الاجرة التي يدفعها المستاجر.

الدليل الثاني: ما تمس ك به الامامية من معتبرة الحسين بن نعيم عن الامام ابي الحسن موسى، قال: سالته عن رجل‏جعل دار سكنى لرجل ايام حياته، او جعلها له ولعقبه من بعده، هل هي له ولعقبه بعده كما شرط؟ قال: «نعم‏»، قلت له:فان احتاج يبيعها ؟ قال: «نعم‏» قلت: فينقض بيع الدار السكنى. قال: «لا ينقض البيع السكنى، كذلك سمعت ابي يقول:قال ابو جعفر: لا ينقض البيع الاجارة ولا السكنى، ولكن تبيعه على ان الذي اشتراه لا يملك ما اشتراه حتى تنقضي‏السكنى كما شرط، وكذا الاجارة‏» ((107)).

ه) قيام المستاجر بتاجير ما استاجره:

وهذه المسالة ايضا تعد من المسائل التي تكون لها خلفية في الفقه، وليس مما تبرزه صكوك التاجير لاول مرة. والذي‏يشاهد من جمهور فقهاء اهل ((108)) وجميع فقهاء الامامية ((109)) في هذه المسالة السنة تجويزهم لايجاره للعين المستاجرة. وقد اضاف فقهاء الامامية:شريطة ان لا يشترط عليه المالك استيفاء منفعة العين بالمباشرة ((110)).

ووجه جواز تاجيره ان العنصر الذي تتوقف عليه صحة الاجارة هي ملكية المنفعة، لا ازيد، وذلك لان الاجارة في واقعهاليست الا تمليك المنفعة او التسليط على العين لاستيفاء منفعتها، ومثلها لا يحتاج الى الازيد من ملكية المنفعة.

هذا، ولكن وقع الخلاف بين الامامية في انه بعد ان تم عقد الاجارة الثانية، هل يجوز تسليم العين الى المستاجر الثاني‏من دون اذن المالك ام لا يجوز ؟ فبرز عندهم قولان:

القول الاول: ما ذهب اليه الشيخ الطوسي وابن ادريس والعلامة من عدم جواز التسليم الا بعد الاذن. وقالوا في وجهه:لانها امانة لم ياذن المالك في تسليمها الى غيره.

القول الثاني: ما ذهب اليه جملة من الفقهاء من جواز التسليم من دون الاذن. وقد استدل الامام الخوئي بقوله: «ان‏ترخيص المالك في استيلاء المستاجر على العين انما هو بلحاظ وصفه العنواني، فهو ثابت لمالك المنفعة بما هو مالك‏المنفعة مقدمة لاستيفائها لا لشخصه وذاته، ومقتضى ذلك تعلق هذه السلطنة والسيطرة لكل‏من كان مالكا للمنفعة،فحيثما انتقلت انتقل الحق معها بطبيعة الحال، سواء كان الانتقال بسبب غير اختياري كالارث، او اختياري من صلح اواجارة ونحوهما.

والظاهر استقرار بناء العقلاء ايضا على ذلك‏» ((111)).

هذا، ولكنه اضاف بعد ذلك: «نعم، بما ان العين امانة عند المستاجر الاول فلابد من المحافظة عليها، ولا يسوغ‏تعريضها للخطر، فلا يجوز له اجارتها من جائر خائن لا يؤمن منه على العين((112)) ».

والنتيجة التي ينتهي اليها كلامه: انه يجوز له تسليم العين من دون الاذن الا فيما اذا وجده خائنا لم يامن منه على العين،وذلك لاجل مراعاة قاعدة الائتمان.

و) احتمال عدم بقاء العين خلال مدة الاجارة:

لا شك في اعتبار بقاء العين في صحة الاجارة، والسؤال الذي نواجهه انه هل من اللازم القطع ببقاء العين في صحة‏الاجارة او يكفي في صحتها وجود احتمال عقلائي بالبقاء ؟ وعلى الاول لابدمن الحكم بعدم صحة الاجارة، حتى فيمااذا كان لنا مجرد احتمال بعدم بقائها، وعلى الثاني لابد ان نقتصر في الحكم بعدم صحة عقد الاجارة بما اذا كان احتمال‏عدم بقاء العين احتمالا عقلائيا.

والحقيقة ان الثاني اي كفاية الاحتمال العقلائي بالبقاء في صحة الاجارة هو الصحيح، حيث انه لو كان القطع لازمالتعذر القيام بعقد الاجارة الا في موارد قليلة، لان القطع ببقاء الاعيان يندر تحققه، ومع تحققه من الممكن زواله في‏المستقبل لاسباب وعوامل لا نتنبا وقوعها.

ولا يخفى ان المقصود من الاحتمال العقلائي بالبقاء هو كون العين ظاهرا باقية الى آخر مدة الاجارة، فما قاله العلامة‏الحلي:

«... تجوز اجارة العين مدة يبقى فيها وان كثرت‏» ((113)) يعني:

مدة يبقى فيها نوعا وعرفا.

ز) تعلق الاجارة بالموصوف في الذمة:

ان جعل الموصوف في الذمة متعلقا للاجارة مما لايواجه مشكلة من الناحية الفقهية حيث لا يوجد دليل دل على المنع‏منه. يقول الشيخ الطوسي: «الاجارة على ضربين: معينة، وفي الذمة‏» ((114)).

القسم الثاني العناصر التي في مظنة مخالفة الاحكام الفقهية لمدة الاجارة:

وتجتمع تحت هذا المحور عدة عناصر، وهي مايلي:

ا) عدم اتصال مدة الاجارة بالعقد:

لاتتصل مدة الاجارة بالعقد احيانا،كما اذا بدات الاجارة بعد وقوع العقد بايام او اشهر او سنوات. ويمكن مشاهدة هذاالعنصر ايضا في سندات الاجارة او في اغلب مواردها. والسؤال الذي يطرح هنا، هل تصح الاجارة فيما لو فصل بين‏وقوع العقد ومدة الاجارة فاصل زمني ؟ وبعبارة اخرى: هل ان اتصال مدة الاجارة بالعقد شرط؟ يوجد قولان في‏الجواب عن هذا السؤال:

القول الاول: لايشترط اتصال مدة الاجارة بالعقد، وهو قول المشهور من الامامية، ودليلهم على ذلك: عدم وجود دليل‏على لزوم الاتصال، بل لوجود دليل على عدم الاتصال، وهو عموم (اوفوا بالعقود) فانه يصحح الاجارة الفاقدة للاتصال((115)).

القول الثاني: الاتصال شرط، وهو قول البعض من علماء اهل السنة كالامام الشافعي وقول البعض من الامامية كالشيخ‏الطوسي، وقد قدم القائلون بالاشتراط عددا من الادلة لاثبات مدعاهم، وفيما يلي نشير الى قسم منها:

الدليل الاول: بما ان الاجارة عقد شرعي فان‏ثبوتها يقتصر على وجود الدليل، ونظرا الى عدم وجود دليل على صحة‏هذا النوع من الاجارة والذي يكون العقد ومدة الاجارة فيه غير متصلين احدهما بالاخر فهو غير صحيح. ذكر هذاالوجه الشيخ الطوسي في كتابه الخلاف ((116)).

وهذا الاستدلال مردود، لان عموم (اوفوا بالعقود (دليل كما مر على صحة مثل هذه الاجارة.

الدليل الثاني: انه في مثل هكذا اجارة يلزم الانفكاك بين الانشاء والمنشا، وقد رد السيد الخوئي (قدس‏سره) هذا الدليل‏بقوله:

«ان التاخر انما هو في ذات المنفعة، لا في تمليكها المنشا بالاجارة ، فهو من الان يملك المنفعة المتاخرة، فلم‏يلزم تفكيك الانشاء عن المنشا، بل هما معا فعليان، والمتاخر انما هو متعلق المنشا اعني نفس المملوك. ومن المعلوم‏ان المالك كما انه مالك للمنفعة الفعلية كذلك هو مالك بالفعل للمنفعة المتاخرة‏» ((117)).

الدليل الثالث: ان القدرة على التسليم شرط في العقد سواء كان بيعا او اجارة، وبما ان المراد من هذه القدرة هي القدرة‏الموجودة حال العقد لا الحاصلة في زمن متاخر عنه فانه لايبقى اعتبار للاجارة المذكورة، فان في مثل هذه الاجارة‏توجد قدرة شانية تصل الى مرحلة الفعلية لاحقا.

ويرد هذا الاستدلال بانه:

اولا: ليس هناك دليل فني على اعتبار القدرة على التسليم سيما في عقد الاجارة بل كل ما هنالك ان عقد الاجارة‏يواجه اشكالا احيانا مع انعدام هذه القدرة، لكن مواجهة هذا الاشكال ليس بلحاظ اعتبار شرط القدرة على التسليم بماهو هو، بل بلحاظ امر آخر من قبيل صيرورة المعاملة سفهية او غررية، نتيجة لعدم القدرة على التسليم، وفقدان القدرة‏على التسليم في موضوع البحث لايؤدي الى سفهية المعاملة او غرريتها.

ثاني: القدرة الشانية حين العقد كافية، لانه وفقالضرورة تناسب الشرط والمشروط لايمكن اعتبار اكثر من تحقق‏المشروط، وبعبارة اخرى: ترتب اثره للوفاء بالشرط، وترتب الاثر في هذا النوع من الاجارة يحصل بشروع مدة الاجارة.نستنتج من هذا البيان: ان القدرة الفعلية حال العقد غير لازمة، بل هناك حاجة للقدرة لتحقق ترتب الاثر فقط. وقد ذكرصاحب العروة هذا الجواب بهذا الشكل: «ودعوى البطلان من جهة عدم القدرة على التسليم كما ترى، اذ التسليم لازم‏في زمان الاستحقاق، لا قبله‏» ((118)).

ب) عنصر اطالة مدة الاجارة:

ولتبيين الموقف الفقهي ازاء توفر هذا العنصر في صكوك الاجارة نقول: انه بعد الاذعان باختلاف حال الاجارة عن البيع‏من حيث لزوم تحديد المدة فيها بخلافه حيث ان البيع لو حدد لبطل ((119)) ياتي هذا السؤال: هل يتقدر اكثر المدة في‏الاجارة او لا يتقدر ؟ وفي الجواب عن هذا السؤال برزت اقوال وهي:

القول الاول: لا يتقدر اكثر مدة الاجارة، وهو قول كافة اهل السنة باستثناء البعض من الشافعية ، وقد ذهب اليه ايضاعلماء الامامية اجمع، قال العلامة الحلي: «لايتقدر مدة الاجارة قلة ولاكثرة، فجاز ان يستاجر لحظة واحدة بشرط الضبط ومئة الف سنة... وهو قول علمائنااجمع‏» ((120)).

وقد استدل له: بقوله تعالى اخبارا عن شعيب (انه قال: (على ان تاجرني ثمانية حجج فان‏ات ممت عشرا فمن عندك((121)).

باعتبار ان شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يقم على نسخه دليل، ولان ما جاز العقد عليه سنة جاز اكثر منها كالبيع والنكاح‏والمساقاة، والتقدير بسنة وثلاثين تحكم لا دليل عليه، وليس ذلك اولى من التقدير بزيادة عليه او نقصان منه . ((122)) القول الثاني: لا يجوز اكثر من سنة، وهو قول بعض الشافعية مستدلا: بان الاجارة عقد على معدوم جوز رخصته‏للحاجة، والحاجة تندفع بالتجويز سنة، لانها مدة تنظيم الفصول وتتكرر فيها الزروع والثمار والمنافع بتكرر تكررها ((123)).

القول الثالث: لاتجوز الزيادة على ثلاثين سنة، لانها نصف العمر، والغالب انه لا تبقى الاعيان اكثر منها، او انه يظهرالتغيير على الشي بمضى هذه المدة كما تتغير الاسعار والاجر بمضيها، فلا حاجة الى تجويز الزيادة عليها، وهذا قول‏المزني ((124)).

ولم ير اصحاب القول الاول وزنا واعتبارا لهذه الوجوه المعتمد عليها لاثبات القولين الثاني والثالث.

والحقيقة ان الامر كذلك، بل كما عن البعض ان التقدير بسنة او سنتين او ثلاثين او غير ذلك تحكم كله لا دليل عليه،وليس ذلك اولى من التقدير بزيادة عليه او نقصان منه ((125)). وعليه فانه ليست هناك اية مشكلة في توفر هذا العنصر في‏صكوك الاجارة، بمعنى انه لاباس في ان تكون مدة الاجارة طويلة.

ج) انتهاء العمر الاقتصادي بانتهاء مدة الاجارة مع بقاء العين بعدها:

السؤال: انه لو تمت اجارة طويلة بالنسبة الى عين استوعبت مدتها تمام العمر الاقتصادي لتلك العين فهل يجوز ذلك؟ والجواب: اما بلحاظ كونها اجارة طويلة فهو خال عن الاشكال من هذه الناحية قطعا، لانه لا باس في ان تكون الاجارة‏طويلة كما ذكرنا، واما من حيث الشرط القائل بلزوم بقاء العين الى آخر مدة الاجارة فهو لا يتوجه اليه اشكال من هذه‏الجهة ايضا حيث يتوفر فيه هذا الشرط كما هو واضح. يبقى شي، وهو الاشكال من ناحية انه يفتقد فيه شرط من شروط‏الاجارة، وهو ان عقد الاجارة لا يصح ان يتم على الانتفاعات التي لا تحصل الا باذهاب العين. وبعبارة اخرى: لا يصح‏ان تقع الاجارة على استهلاك العين ((126)).

ووجه الاشكال: ان الانتفاعات المتكررة التي تتوجه الى العين على مر الزمن هي التي تذهب بها وتسبب تلفها وانتهاءعمرها.

والواقع ان هذا الاشكال غير وارد، لانه لا ينبغي عد مثل هذه الانتفاعات المتوجهة الى العين على مر الزمن من سنخ‏الانتفاع الذي تكون خصوصيته البارزة الاتلاف والاذهاب للعين كما في قضية الخبز واما التلف هنا فهو تلف تدريجي‏يتحقق للعين بصورة طبيعية لا محيص عنه.

القسم الثالث العناصر التي في مظنة مخالفة الاحكام الفقهية للمنفعة في الاجارة:

وينضم تحت هذا المحور عنصران، وهما:

ا) وقوع سلسلة من الايجارات دون وقوع استيفاء للمنفعة بعدها:

يمكن ان تطرح مشكلة من الوجهة الفقهية بالنسبة الى السندات التي تمثل الملكية للمنافع والتي تتم على اساسهاايجارات لا يكون عقيبها اى استيفاء للمنفعة كان يقوم كل من المستاجرين غير المستاجر النهائي قبل استيفائه‏للمنفعة بنقل السند الى الاخر، فيطرح التساؤل التالي:

اليست الاجارة لاستيفاء المنفعة ؟ فكيف تقع سلسلة من‏الاجارات دون ان يتم عقيب كل‏واحدة منها استيفاء للمنفعة ؟ اليس في ذلك ذهاب لفلسفة الاجارة ؟ اليس ذلك يمثل‏صورة من الاجارة دون واقعها ؟ ويمكن الاجابة عن هذا الاشكال بان الواجب الذي لابد منه في كل اجارة هو امكان استيفاء المنفعة للمستاجر، وهذا آاي امكان الاستيفاء غير تحقق الاستيفاء خارجا، ولذا نجد في بعض الاقوال للفقهاء انهم قد طرحوا المسالة بعنوان‏عدم قيام المستاجر باستيفاء المنفعة، ولم يقولوا بانه تبطل الاجارة بعدم الاستيفاء، فالشرط وهو امكان الاستيفاءحاصل لكل صاحب سند من سندات الاجارة وبامكانه ان لا يدخل في اجارة جديدة، بل يصبر ويبقي السند في يده‏حتى ياتي الموعد ويقوم باستيفاء المنفعة.

ب) انعدام المنافع حين العقد:

يوكل استيفاء المنافع في اغلب سندات الاجارة الى المستقبل، عندما تكون الاعيان المراد استيفاء منافعها غيرموجودة حين العقد، وحينما تكون الاعيان معدومة فمن باب اولى تكون منافعها معدومة ايضا، وفي هذه الحالة كيف‏يتعلق التمليك بالمعدوم ؟ ! الجواب: انه حتى لو كانت الاعيان موجودة وغير معدومة حين العقد، فان منافعها امور معدومة، وعليه فان الاشكال‏لايختص بسندات الاجارة، بل يعم كافة انواع الاجارة اذا عرفت بانها تمليك للمنفعة.

والجواب الذي يجاب به عن الاشكال المتوجه الى اصل الاجارة ينفع هنا في مورد سندات الاجارة، وهو ان العدم في‏عالم الخارج لايعني العدم في عالم الاعتبار، وعلى الرغم من ان‏المنفعة معدومة في الخارج الا ان لها وجوداتقديريا(اي:

اعتباريا)، وهذا المقدار كاف في صحة جريان امر اعتباري مثل التمليك.

 

 

الشروط الابتدائية في الفقه والقانون المدني
 
((127))

علي اصغر الصائمي

 

ترجمة: مصطفى الربيعي نافذة على البحث:

مع ظهور المسائل الحقوقية الجديدة من قبيل: الملكية الفكرية (المعنوية)، وعناوين جديدة اخرى، يبدو من الضروري‏دراسة القواعد والضوابط الفقهية دراسة اكثر عمقا ودقة. ومسالة الشروط الابتدائية هي من جملة المسائل التي يتوقع ان‏تكون مفيدة في هذا المجال، خصوصاوانها اصبحت محلا للبحث والنقاش في القرن او القرنين الاخيرين بين كثير من‏فقهاء الامامية، حيث ذهبت طائفة الى انها ليست عقدامستقلا يوجب الالزام، وذهبت اخرى الى انه لا يمكن تصوركونها عقدا مستقلا، وفي مقابل ذلك رات طائفة انها معاملة مستقلة وملزمة. وقد وقع البحث في هذه المقالة عن الشرط‏الابتدائي في الفقه وكونه عقدا مستقلا بدليل اطلاق قوله تعالى: (اوفوا بالعقود (، وهذا هو المبنى الفقهي للمادة العاشرة‏من القانون المدني للجمهورية الاسلامية الايرانية المتعلقة ب (العقود غير المسماة).

مفردات البحث: الشرط، الشرط الابتدائي، العقد، الفقه، المادة العاشرة من القانون المدني للجمهورية الاسلامية الايرانية المقدمة:

لقد كانت مسالة الشرط الابتدائي محلا للبحث والنقاش بين الفقهاء سابقا سيما في القرنين الاخيرين، فذهب بعضهم الى ان الشرط الابتدائي غير ملزم، وذهب بعض آخر الى انه لا وجودخارجي للشرط الابتدائي، بل لا يمكن تصوره، وفي قبال ذلك ذهب جماعة الى انه عقد مستقل وملزم. ونظرا لما حصل من تطور كبير، وبمرور الزمان في‏مجالات مختلفة حقوقية واجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية، وما تواجهنا اليوم من موضوعات ومسائل حقوقية‏جديدة من قبيل: التامين، والسرقفلية، والملكيات المعنوية كحق الابتكار، والاختراع، والتاليف وانتاج البرامج الكومض‏يوترية، وبقية المسائل المستحدثة، فلا بد من دراسة وتحقيق جادفي هذا المجال، فان‏هذه المسائل المستحدثة انم ا تكون معتبرة شرعااذا وافقت الشريعة المقدسة او على الاقل لم‏تخالفها.

ان احد الطرق للوصول الى الحكم الشرعي للمعاملات والتعهدات الجديدة كالامثلة السابقة هو وضوح حكم‏المسائل التالية، والتوصل فيها الى راي محدد، وهي:

الف هل ان العقود توقيفية ام لا ؟ ب هل يمكن تصور الشرط الابتدائي ام لا ؟ واذا امكن ذلك، فهل هو واقع خارجا ام لا ؟ ج اثبات ان الشرط الابتدائي عقد او ليس بعقد ، والبحث عن شمول او عدم شمول الاية الكريمة: (اوفوا بالعقود) له،فانه بعد وضوح راينا في هذه المسائل الثلاثة يكون حينئذ اصدار الراي القطعي والصريح حول مشروعية وعدم‏مشروعية المسائل المستحدثة المتقدمة، وتشريعات اخرى مثل المادة العاشرة من القانون المدني للجمهورية‏الاسلامية الايرانية.

وقد حاولنا في هذه المقالة وبالقدر الممكن القيام بتحقيق فقهي حول هذه المسائل بحسب وجهة نظر الفقه الامامي‏فقط، ثم عرض تحليل للمادة العاشرة من القانون المدني للجمهورية الاسلامية الايرانية((128)).

وعلى هذا، فمن المناسب ان يقع الكلام في هذه المقالة في ثلاث مباحث:

1 تعريف الشرط.

2 البحث عن مسائل واحكام الشروط الابتدائية.

3 بحث وتحليل المادة العاشرة للقانون المدني وبيان علاقتها بالشرط الابتدائي.

تعريف الشرط:

ا لغة: الشرط الزام الشي والتزامه في البيع ونحوه((129)).

وقال احد المحققين الاعلام في مجال الادب والفقه والاصول‏والفلسفة في بيان راي اللغويين في تعريف الشرط : «ان الشرط على ما في كتب اللغة يطلق على معان، وهي: الالزام والالتزام في البيع‏ونحوه، والعهدة، ومطلق الربط والتعليق، بل ان هذا المعنى الاخير الربط بين امرين هو المعنى الاصلي للشرط »((130)).

ب اصطلاحا: للشرط في الاصطلاح معان متعددة، بل استعمالات مختلفة، وقد عرفه كل‏اهل فن بما يناسب‏استعماله عندهم مع مراعاة معناه اللغوي. وحيث ان موضوع المقالة هو احد المسائل الفقهية والحقوقية، لذا نكتفي‏بالاشارة الى ما ذكره عدد من الفقهاء والحقوقيين في تعريفه.

قال الشيخ الانصاري في تعريف الشرط: «الشرط يطلق في العرف على معنيين:

احدهما: الالزام والالتزام سواء كان في ضمن عقد ام لا.

الثاني: ما يلزم من عدمه العدم من دون ملاحظة انه يلزم من وجوده الوجود او لا»((131)).

والظاهر من هذا الكلام ان الشيخ الانصاري يعتبر ان (الشرط) مشترك لفظ‏ي بين هذين المعنيين، ولكن اكثر الذين عرفواالشرط من بعد الشيخ الانصاري يذهبون الى ان له معنى كلياواحدا له مصاديق خارجية مختلفة، وان كان هناك اختلاف‏نسبي في تعابيرهم.

واليك عبارات بعضهم:

1 قال السيد اليزدي في تعريف الشرط:

««الشرط‏» بمعنى «مطلق الالزام والالتزام‏»... والاولى التعبير عن هذا المعنى بالجعل والتقرير ... والظاهر انه ليس مطلق‏الجعل، بل هو جعل خاص، وهو ما يكون مستتبعا للالتزام، وبعبارة اخرى: موجبا للضيق على المشروط عليه‏» ((132)).

2 وقال المحقق الايرواني: «ليس المشروط في العرف سوى معنى واحدا، وهو تقيد امر بخر، اما واقعا او بجعل‏جاعل، فالاول كتقيد المعلول بعلته... والثاني: كما في الشرط في ضمن العقد، فان العاقد يربط بيعه بامر كذا، فيسمى‏ذلك الامر شرطا» . ((133)) 3 وقال السيد الخوئي في بيان تعريف الشرط: «الظاهر ان الشرط في جميع الموارد قد استعمل بمعنى واحد، وهوالربط والارتباط والاناطة، وليس له معنى عرفي ومعنى اصطلاحي، بل جميعها ترجع الى معنى واحد... وهذه الاناطة اوالشرط قد يكون امرا تكوينيا كتوقف المعلول على العلة، وقد يكون امرا شرعيا كالطهارة بالنسبة الى الصلاة، وعلى كل‏تقدير فالتوقف عقلي وانما المنشا شرعي، وقد يكون جعليامحضا كالشروط في المعاملات، فانها عبارة عن الاناطة‏المحضة، وهي مجعولة للجاعل‏» ((134)).

4 وقال السيد عبدالاعلى السبزواري حول معاني الشرط بعد ان ذكر ما يشبه كلام السيد الخوئي : «يعبر عن الشرط‏في الامور الاعتبارية ب «التعهد»((135)).

5 وللسيد الامام الخمينى (قدس‏سره)راي خاص في تعريف الشرط، فهو يعتقد بانه مشترك لفظ‏ي بين معنيين:

ا لا شبهة في صدق الشرط عرفا ولغة على الالزام والالتزام في ضمن المعاملات، سواء كان الالزام او الاشتراط‏بعنوانهما او بالحمل الشائع، بل الظاهر ان مطلق الجعل في ضمنها سواء كان الزاما ام مستتبعا له، ام كان اللازم من‏احكامه يكون شرطا عرفا.

ب كما ان له معنى آخر في العرف، وهو ما علق عليه شي تشريعا وجعلا او تكوينا وخارجا، وهذا المعنى اعتبره‏العقلاء، ولا يمكن استفادته من كتب اللغة ((136))، ولابد من الاشارة هنا الى انه رغم ان‏تعريف السيد الامام الخميني للشرط يشبه ظاهراتعريف الشيخ الانصاري‏الا ان بينهما فرقا ، فالذي يظهر من كلام الشيخ هو ان الشرط بمعنى مطلق الالزام والالتزام، اما السيد الامام الخميني‏فالشرط عنده بمعنى الالزام والالتزام في ضمن العقد، وثمرة هذا الفرق في تعريف الشرط الابتدائي واضحة، لان الشرط‏الابتدائي بناء على تعريف الشيخ من افراد الشرط حقيقة ((137)) ، بخلاف تعريف السيد الامام الخميني، فان الشرط لايشمله حقيقة ((138)).

هذا، وقد كتب السنهوري عالم حقوقي بارز ومعاصر في تعريف الشرط: «الشرط هو امر مستقبل غير محقق الوقوع،يترتب على وقوعه وجود الالتزام او زواله‏» ((139)).

تعريف الشرط الابتدائي:

يمكن تعريف الشرط الابتدائي بالاستفادة من كلمات الفقهاء والنصوص الفقهية : بانه التعهد والالتزام الذي يقوم به‏احد طرفي معاهدة للطرف الاخر، دون ان يكون في ضمن عقد.

الشرط الابتدائي في فقه الامامية:

تقدم ان احد معاني (الشرط) هو العهد والالتزام ، ومن ناحية اخرى: ان احد الاصول العامة الحقوقية هو اصل الوفاءبالعهد، فان هذا الاصل ثابت في الانظمة الحقوقية المختلفة وبالاخص الاسلام، وقد اكد القرآن الكريم على الوفاءبالعهد والالتزام، قال تعالى: (واوفوا بالعهد ان‏العهد كان مسؤولا ((140)). وعليه، فكل من تعهد بامر فهو ملزم بادائه.

ان الوفاء بالعهد في المجتمعات الحاضرة اكثر من ان يكون اصلا اخلاقيا، فيلزمون من تخلف عن الوفاء بالعهد بالغرامة.كما اشير الى ذلك في المادة 221 من القانون المدني.

وقد تقدم ان الفقهاء اختلفوا في حكم الشرط الابتدائي، ولاجل الوصول الى نظرية شاملة لا بد من بحث ادلة القائلين بصحته ونفوذه وادلة القائلين ببطلانه:

ادلة القائلين ببطلان الشروط الابتدائية:

حينما نبحث في كلمات الفقهاء نرى ان هناك ادلة اقيمت على بطلان الشرط الابتدائي، منها:

اولا: قيد اللغويون الشرط عندما عرفوه بانه الالتزام في ضمن البيع ونحوه، وما يفهمه العرف من لفظ الشرط ايضا هوالتعهد ضمن معاملة، لا مطلق الالزام والالتزام، وعلى هذا فالشرط الابتدائي ليس من مصاديق الشرط ((141)).

ثانيا: لو سلمنا ان معنى الشرط هو مطلق الالتزام ، ومشمول لحديث «المؤمنون عند شروطهم((142)) »، فلا يجب الوفاء بالشرط الابتدائي، قال الشيخ الانصاري في الشرط الثامن من شروط‏صحة الشرط : «ان يلتزم به في متن العقد، فلو تواط عليه قبله لم يكن ذلك في التزام المشروط به على المشهور، بل لم‏يعلم فيه خلاف عدا ما يتوهم...، لان المشروط عليه ان انشا الزام الشرط على نفسه قبل العقد كان الزاما ابتدائيا لا يجب‏الوفاء به قطعا».

ثالثا: اذا لزم الوفاء بمطلق الالتزام حتى ما كان ضمن معاملة ولازمه الوفاء بكل وعد، والحال ان المشهور عند الفقهاء هو عدم وجوب الوفاء بالوعد، قال المحقق الميرزا القمي: «... كل التزام صدر من المكلف يجب الوفاء به، والتزام‏المكلف اما بالنذر، او العهد، او اليمين، او بالشرط ضمن العقد اللازم... وفي غير هذه الصور يكون داخلا في (مطلق‏الوعد)، ومشهور العلماء لا يوجبون الوفاء بالوعد، ولا اعلم وجها آخر للزوم...» ((143)).

وعلى هذا، فالظاهر ان القول بعدم‏صحة الشرط الابتدائي من قبل بعض الفقهاء ناشئ من ان لفظ الشرط لغة وعرفا لا يرادف مطلق الالتزام، كما اشير الى‏ذلك عند نقل راي الامام الخميني حول تعريف الشرط، بالاضافة الى انه من المحتمل ان هكذا شرط يكون من مصاديق(الوعد) الذي يكون وجوب الوفاء به محل تامل.

وقبل الجواب عن اشكال القائلين ببطلان الشرط الابتدائي، لابد من الاشارة الى هذه النقطة، وهي ان احد ادلة القائلين‏بصحة الشرط الابتدائي هو الحديث الشريف: «المؤمنون عند شروطهم‏» الذي يدل بوضوح على الحكم التكليفي‏ووجوب العمل بالشرط وحرمة ترك ذلك، ويكفي هذا الحديث الشريف دليلا على صحة جميع الشروط‏والتعهدات، لكن هذا يتوقف على اثبات امرين يمكن التوصل اليهما ضمن تحليل ومناقشة ادلة القائلين ببطلان الشرط‏الابتدائي، هما:

1 كون الشروط الابتدائية صحيحة ويجب الوفاء بها.

2 ان لفظ الشرط يقبل الصدق على العقد والعهد.

1 اثبات صحة الشروط الابتدائية:

الف ليس من الثابت ان كل اللغويين عرفوا الشرط بانه الزام الشي والتزامه في البيع وغيره، بل جعل السيد اليزدي قول بعض اهل اللغة بان الشرط هو التعهد دليلا على ان الشرط جعل‏وقرار خاص يوجب الالتزام، وقال: بان استعمال الشرط في الشروط الابتدائية هو استعمال حقيقي((144)).

اضف الى ذلك ما يستفاد من استعمال المعصومين (ع)للفظ الشرط، ان المراد به في الحديث الشريف المتقدم هو(مطلق الالتزام)، ولنذكر روايتين شاهدا على ذلك:

1 روي عن رسول اللّه (ص)انه قال في قصة بريرة مع عائشة : «ان قضاء اللّه احق وشرطه اوثق‏» ((145))، فانه (اطلق‏الشرط على (عهد) اللّه سبحانه مع الانسان في هذه الرواية بلا ان يكون ذلك الشرط ضمن عقد.

2 ورد عن الامام المعصوم (ع)في دعاء التوبة قوله: «لك يارب شرط‏ي ان لا اعود في مكروهك ، وعهدي ان اهجرجميع معاصيك‏»، وفي دعاء الندبة: «بعد ان شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا...»، فانه في دعاء التوبة جاء(الشرط) و (العهد) بمعنى واحد، وفي كلا الموردين لم يكن (الشرط) و (التعهد) مرتبط بتعهد آخر.

بناء على هذا، فان قول اللغويين: الشرط (التزام ضمن عقد) لوحده لا يكفي دليلا للحكم ببطلان الشروط الابتدائية،لانه بالاضافة الى كون بعضهم عرف الشرط بانه (مطلق الالتزام)، فان استعمال لفظ الشرط في اكثر الروايات يدل على‏ان‏الحديث الشريف هو في مقام بيان حكم وجوب الوفاء بجميع التعهدات، وليس الالتزامات المرتبطة باحد التعهدات‏فقط.

كما ان استدلال الامام (ع) بالحديث النبوي «المؤمنون عند شروطهم‏» في الموارد التي اطلق فيها الشرط على العهد اوالنذر يفهم منه ان‏الشرط المذكور في الحديث الشريف هو بمعنى (مطلق الالتزام والتعهد) كما صر ح بذلك الشيخ‏الانصاري((146)).

ب ان الاجماع الذي ادعي على بطلان الشروط الابتدائية، لم يقبله الجميع((147))، فقد ذهب الشيخ الطوسي في النهاية الى وجوب العمل بالشرط بعد النكاح عملاببعض الروايات،والمحقق النراقي يقول بصحة الشرط الابتدائي، ويستفاد من نقله للاقوال ان هناك فقهاء آخرين ايضا يقولون بوجوب‏الوفاء بالشرط الابتدائي((148)). وعلى هذا، فدعوى القطع بعدم لزوم الوفاء بالشرط الابتدائي ليس لها مبنى قوي.

ج اذا كان المراد من (الوعد) هو مجرد القول والتعهد الاخلاقي، من قبيل ان يقول شخص لاخر: (سابيعك بيتي)، ثم يخلف الوعد، فانه وان كان هذا العمل مذموما اخلاقيا، بل ويجب الوفاء به بناء على بعض الادلة، كما صرح بذلك السيد اليزدي((149))، الا ان هكذا وعد لا يترتب عليه اثر حقوقي، لانه:

اولا: ان العرف لا يرى تعهدا والتزاما في مثل هذه الوعود، بل هي تشبه الاخبار.

ثانيا: ليس فيه خصائص وشرائط التعهد، فان‏نفس هذا الشخص لو وعد الطرف المقابل باجراء العقد، بهذه الصيغة:(سابيعك بيتي في الشهر الاتي بمليون دينار) وقبل الطرف المقابل، فانه لابد ان يقال: ان نفس هذا الوعد هو عقد يجب‏الوفاء به((150))، لانه يتضمن تعهدا، ويصح اجباره على الوفاء به عند امتناعه عن ذلك.

وبناء على هذا، فان كان اتفاق طرفي الشرط الابتدائي يتضمن تعهدا وجب الوفاء به، وان لم يكن في ضمن عقد لازم،لادلة وجوب الوفاء بالشرط والعقد، وان لم يتضمن الاتفاق تعهدا، فلا يجب الوفاء به، وان كان في ضمن عقد لازم،لانه ليس هناك تعهد ليجب الوفاء به، ولكن اذا كان الشرط الابتدائي يتضمن تعهدا فقد قيل: انه يلزم الوفاء به، ولذلك آمضافا الى شمول اطلاق ادلة وجوب الوفاء بالعقد والشرط له فان بعض الفقهاء قد ذهب الى وجوب الوفاء بمطلق‏الوعد ، قال: «...

مقتضى العمومات: وجوب الوفاء بكل ما يلتزمه انسان لغيره ويعده‏» ((151)).

2 انطباق لفظ الشرط على العقد:

مع الالتفات الى ان ماهية العقد ليست الا تعهد والتزام احد الطرفين للطرف الاخر، وان الملاك الموجود في العقود آالذي هو الارتباط الاعتباري بين طرفي العقد، وقبولهما بايجاد التزام وحق من الحقوق للمتعهد له موجود في‏التعهدات الابتدائية ايضا.

بناء على هذا، وبالالتفات الى وجوب الوفاء بالشروط الابتدائية تكون كل التعهدات صحيحة ويجب الوفاء بها، الا اذاقام دليل على فسادها، كما ان بعض الفقهاء((152)) تمسك بهذا الحديث الشريف لاثبات لزوم العقود، وبعض آخر((153))لاثبات صحة العقود، وبعض آخر ايضا استدل بالاية الشريفة (اوفوا بالعقود) لاثبات صحة ((154))الشروط . وواضح ان‏اثبات لزوم صحة العقود بدليل الشرط، واثبات صحة الشرط ايضا بالاية المذكورة، فرع الصدق العرفي لهذه المعاني‏بعضها على البعض الاخر.

تحليل للمادة العاشرة من القانون المدني ومبانيها الفقهية فلسفة تشريع المادة العاشرة من القانون المدني:

ان فلسفة تشريع العقود المسماة من قبيل: البيع ، والرهن، والاجارة، والنكاح، هي بالاضافة الى انها تؤدي الى تنظيم‏الامور الاجتماعية والفردية ضمان الامن الاقتصادي والاجتماعي، وايجاد الاطمئنان النفسي لطرفي العقد.

وعليه، وفي هذا الضوء، ومع الاخذ بنظر الاعتبار التقدم الصناعي وظهور الموضوعات والعناوين الاقتصادية الجديدة،والاحتياجات الضرورية للعالم المعاصر، دفع بالمقننين الى تدوين قانون على اساسه تصبح كثير من العقود الخاصة‏الجديدة قانونية. ويعبر الحقوقيون العرفيون اليوم عن العقود التي ليس لها سابقة وذكر في القانون ب «العقود غيرالمسماة‏» ((155)).

والمادة العاشرة من القانون المدني الايراني التي تقول: «العقود الخاصة تكون نافذة بالنسبة الى الاشخاص الذين‏عقدوها اذا لم تكن مخالفة لصريح القانون‏»، هي بصدد بيان هذا الامر، واصل حرية الارادة في انتخاب نوع العقود،والالتفات الى موضوع التراضي وحاكمية ارادة المتعاقدين، والتاكيد على اصل لزوم الوفاء بالعقد. وانما شرعت المادة‏العاشرة من القانون المدني لهذا السبب، وهو: نظرا الى التقدم الاقتصادي وتشابك الروابط الحقوقية والضرورات‏الاجتماعية، ومن اجل ان يكون الاشخاص احرارا في الالزامات والالتزامات المفيدة، وان يمضي القانون ايضا تلك‏المجموعة من العقود التي تراعى فيها الاصول العامة والشرائط الاساسية للعقود والاخلاق الحسنة.

خلفية المادة العاشرة من القانون المدني:

بدا تاريخ الحقوق الجديدة في ايران بتصويب القانون الاساسي للحركة الدستورية (المشروطة) في سنة 1324ه /1906م، ثم استمر الامر بعد ذلك بالحاق وتصويب اصول اخرى تحت عنوان (تتميم الدستور) بتاريخ 29 شعبان 1325ه / تشرين الاول 1907م. وبالاخص الاصل الثاني من هذا المتمم، الذي على اساسه الزمت القوة المقننة مسؤولية تشريع قوانين مطابقة للشريعة المقدسة ((156))، وان كان ذلك الاصل لم يصل الى مرحلة العمل والتطبيق، وانما صوب القسم الاول من القانون المدني المشتمل على (955) مادة بموجب مادة واحدة: (قانون الموافقة على اجراء لائحة القانون المدني، ريثما يتم اعلان الراي القطعي للجنة القانونية للمجلس، والتي جرى تصويبها في 18/2/1307) بقيام وقعود فقط، ومن دون اي بحث في هذا المجال ، ولم يشاهد بعد اثرلتطبيق الاصل الثاني من متمم القانون الاساسي((157)).

ومن ذلك التاريخ اضفي على المادة العاشرة من القانون المدني الايراني في الظاهر صبغة قانونية، وتبعا لها وبشكل‏ضمني فقد تم ضمان التمتع ب (حرية الارادة). ولا بد ان لا يتوهم ابدا ان مفاد المادة العاشرة من القانون المدني في النظام الحقوقي لايران الاسلامية‏لم يكن له اصل مسبقا، وان هذا التاسيس التشريعي كان من ابداع مدوني القانون المدني او انه تقليد للتقنينات الاوربية،وذلك فضلا عن ان فقهاء الامامية في (مبحث الشرط) وبالاخص في باب الشروط المربوطة بالحقوق والاموال كان‏مبناهم هو هذا الاصل، وحقيقة عقد الصلح ايضا هي من اجل توفير (حرية الافراد)، لان عددا كبيرا من الفقهاء لم‏يجعلوا (وجوب الوفاء بالعقد) محصورا في العقود المسماة، بل ذهبوا بدليل بعض الايات الشريفة والروايات التي‏ستاتي الاشارة اليها الى صحة كل المعاملات العقلائية التي لا تخالف الموازين الشرعية، ولزوم الوفاء بها، ولهذا قال‏بعض الحقوقيين المسلمين((158)): «على فرض ان‏المادة العاشرة من القانون المدني الايراني اخذت من القانون الفرنسي،ولا توجد ضرورة لذلك، فان هذه المسالة ملحوظة في الفقه الاسلامي‏» . ((159)) ان اهمية مفاد المادة العاشرة من القانون المدني والتغييرات التي حصلت في النظام الحقوقي المشرع في ايران بعدانتصار الثورة الاسلامية، وتدوين الدستور الجديد، وضرورة موافقة القوانين المشرعة للموازين الاسلامية، وبالخصوص‏مفاد الاصل الرابع لدستور الجمهورية الاسلامية الايرانية، كل هذا يستدعي تحقيقا في هذا المجال، لذا سنبين وبالقدرالممكن ضمن البحث التحليلي لمفاد المادة العاشرة من القانون المدني المباني الفقهية والحدود الكمية والكيفية‏لتلك المادة.

تعريف الارادة:

الارادة هي بناء على ما في كلمات الاصوليين والفلاسفة :

«عبارة عن الشوق والانجذاب نحو الامر الذي يتصوره‏الانسان...

وفي النهاية، هذا العمل الذي تصوره وعرفه، اما ان يعمل به او يتركه‏» ((160))، وعبر بعضهم ايضا عن (الارادة) ب (الابتهاج) و (الرضا) و (الشوق الاكيد).

واما تعريفها لدى الحقوقيين، فانها: «حركة النفس لايجاد ظاهرة حقوقية بعد التصديق بمنفعتها، مثلا لو ان شخصا راى‏بضاعة في دكان ، فيحصل عنده ميل باطنى لتملكها، وبعد تقييمها ورجحان منافع الشراء، تحصل عنده رغبة لتملكها،تسمى هذه المرحلة في الاصطلاح الحقوقي ب (الرضا)، وبعد ان يعلم البائع بارادة واستدعاء المشتري تنعكس هذه‏الصورة في صفحة ذهنه، فان راى ان في بيعها منفعة له، يقصد انشاء المعاملة، ولكن لايجاد العقد... لا بد من ابرازالارادة الانشائية((161))».

الثمرة العملية لركنية الارادة في العقود:

ان الثمرة العملية لاجراء المادة العاشرة من القانون المدني هي انه اذا اقيمت دعوى عند الحاكم حول (العقود غيرالمسماة)، فبعد ان يحرز القاضي الوقوع العرفي للعقد، وتحقق الشرائط الاساسية لصحته (نظير: رضا الطرفين،ومشروعية جهة المعاملة، وان تكون معلومة) فلا بد ان يحكم على اساس مفاد العقد وارادة الطرفين، ولا يحق له ان يغيرمن شرائط العقد بحجة اجراء العدالة وقاعدة الانصاف، او يعفي المتعهد عما التزم به، والحال ان الدعوى لو كانت في‏باب (العقود المسماة) فلا بد للحاكم ان يحكم على اساس القواعد المخصوصة لتلك العقود.

وعلى هذا، فان القول (باصل حرية العقود) لا يستلزم القول بالحكومة المطلقة (بلا قيد وشرط) للارادة، لان عقلاءالمجتمعات البشرية وبالاخص المسلمين قائلين بان الحكومة الواقعية هي للقانون، لكن الفوائد العملية لاحترام‏العقود ما دامت لم تؤد الى الاخلال بالنظام الاجتماعي، ولم تخالف القواعد الشرعية والقانونية ادت الى «القول‏باصالة حرية العقود، والملاك الواقعي لذلك هو مراعاة المصالح الاجتماعية والاقتصادية. وبهذا يكون مبنى اصالة حرية‏العقود تجريبي واقتصادي، وان احترامه نسبى.

ان السر في هذه المحدودية ناشئ من عدم امكان البحث عن الانسان في مدار المسائل الاجتماعية معزولا عن‏المجتمع.

اذن، المقصود من حرية ارادة الفرد هنا هي ما كانت ضمن حياته الاجتماعية. وفي هذه الحالة لا تكون حرية‏الاشخاص واسعة الى حد المخاطرة بالمصالح الاجتماعية، او الاخلال بالنظام العام((162)) ».

مبدا اصالة حرية الارادة وارضية مشروعية العقود غير المسماة:

ان التقدم الصناعي وتوافر الارضية الواسعة لتزايد العقود يوميا، واتساع مجال المعاملات، كان سببا في ان تبحث مسالة(حرية الارادة وركنيتها في العقود) قبل قرون في الدول الاوربية .

واما في الدول الاسلامية فان اصطلاحات نظير: (اصالة الارادة، وحرية الارادة في باب العقود) وان لم تكن تشاهدبوضوح في كلمات الفقهاء، ولعل هذه العناوين التي لوحظت بعد ذلك في آثار الحقوقيين المسلمين جاءت الى الدول‏الاسلامية من دول اخرى كفرنسا، الا ان روح هذا البحث وماهيته موجودة في الفقه الاسلامي، فقد بحث الفقهاء هذاالموضوع في ضمن مباحث (المعاطاة، شرائط صحة الشرط، لزوم او عدم لزوم صيغة خاصة في العقود، اصل الاباحة، و ...) ومهدوا الارضية للقول‏ب (حرية الارادة).

وقبل ان تنظم الحقوق في اوربا، ويبحثوا في هكذا بحوث، يبدو انه كان وقبل قرون هذا الاصل موجودا في الفكرالحقوقي للفقه الاسلامي، كان هذا الاصل (حرية الارادة) في دائرة المعاملات، بالاضافة الى ان الاسلام ضمن الى حدما حرية ارادة الاشخاص بواسطة (عقد الصلح)، وذلك في برهة من التاريخ كانت المجتمعات المتمدنة فيها لا تعرف‏شيئا عن (حرية الارادة)، او على الاقل لا تعرفها بشكل جيد.

وبعد هذه المقدمة نشير الى ادلة ومبادئ (حرية الارادة) في الفقه الاسلامي:

الف اصالة الاباحة (الجواز):

قسمت الاحكام التكليفية للشرع المقدس في الكتب الاصولية الى خمسة اقسام بالحصر العقلي: (الوجوب، الحرمة،الاستحباب، الكراهة، الاباحة)، وذلك لان الخطاب الالهي اذا تعلق بشي فاما ان يكون بنحو الطلب الجزمي والالزامي‏للفعل مع المنع من الترك، ويعبر عن هكذا حكم ب (الواجب)، او طلب الترك الفعلي مع المنع من النقيض بنحو الزامي،ويعبر عنه ب (الحرام)، او يكون الطلب بنحو غير الزامي وفي هذه الحالة ان كان جانب الفعل هو الراجح يسمى (مستحبا)، وان كان جانب الترك راجحا وجانب الفعل مرجوحا وليس فيه عقاب فيسمى (مكروها)، وان كان فعله وتركه‏متساويين وبلا رجحان ومرجوحية فهو (مباح) ((163)).

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية