الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

ولا يمكن ان يكون هناك دور قطعا لحرية الارادة في حدود الاحكام الالزامية الشرعية سوى ما حدده الاسلام، لان‏ملاك التشريع في الاسلام هو وجود المصلحة والمفسدة الفردية او الاجتماعية، بلا التفات الى النفع والضرر، فانه قديكون ما ظاهره ضرري (مثل: مقررات الضمان، والدية، والقصاص) وفي واقعه مصلحة، او ما فيه مفسدة مثل الربا،فتتراءى فيه منافع فردية. ومن الممكن ان يدرك العقل البشري المضار والمنافع الظاهرية والسطحية، ولكن ليست هي‏الملاك في التشريع، وانما الملاك هو المصالح والمفاسد. وفي الواقع ان علاقة الاحكام والمقررات الشرعية بالمصالح‏والمفاسد هي علاقة العلة والمعلول، كما قال المحقق الخراساني: «اذا لم يكن هناك دليل على الوجوب او الحرمة،فاصل الاباحة والجواز هو الحاكم‏» . ((164)) وقال السيد البروجردي في تعليقته وحاشيته على كتاب كفاية الاصول تاييدا لما قاله استاذه المحقق الخراساني وفي‏مقام الرد على القائلين بالاحتياط والحظر والمنع قبل وصول الاذن والرخصة من الشارع المقدس: «... فانه تبارك وتعالى‏خلق الاشياء كلها لتعيش عباده، ورفع حوائجهم، فانه لا يمكن تكميل نفوسهم بالنحو الذي يريده سبحانه الا بعد قضاءحوائجهم، مضافا الى انه تعالى فياض كريم، ويبعد عن ساحته المقدسة المنع من التصرف في الموارد التي هو سبحانه‏ساكت عنها» ((165)).

بناء على هذا، فان المحقق الخراساني والسيد البروجردي ككثير من الفقهاء والاصوليين الاخرين يقولان باصالة‏الاباحة وعدم الحظر. اذن، يمكن القول بناء على هذا الاصل انه في الموارد التي لم يصلنا منع صريح من الشارع، اوالامور التي لا يؤول جريان اصالة الاباحة فيها الى مخالفة ومعارضة الاصول والضوابط، يمكن التمسك باصالة الاباحة‏للقول ب (حرية الارادة)، وهذا هو راي اكثر فقهاء الامامية.

نعم، وقع الخلاف بينهم في المسالة التي لم يكن فيها حكم صريح، فبعضهم رجح القول بالاحتياط والتوقف فيما اذادار الامر بين الحلية والحرية، وبعضهم يقول باصالة الحظر وتحريم الاشياء المذكورة، اما اكثر الاصوليين فهم يبنون على‏اصالة الاباحة.

وبناء على صحة هذه النظرية، فانه يمكن الاعتماد عليها لاثبات حرية ارادة الانسان في العقود غير المسماة، لكن لا في‏جميع المصاديق والموارد، لان البناء على الاصل المذكور في المعاملات محل بحث، فان القدر المتيقن من مواردانصراف اصالة الاباحة هو جواز التصرف في الاشياء الموجودة في الطبيعة، ويتعلق حكم الشارع بهذه المجموعة من‏افعال الانسان فقط، ولا وجه لتعدية ذلك الى باب المعاملات المشكوكة الصحة، لان الاباحة حكم تكليفي، والحال ان‏الصحة من الاحكام الوضعية، بالاضافة الى ان الاصل الاولي في المعاملات هو الفساد((166))، لان آثار اى عقد، هي امورحادثة مسبوقة بالعدم، ومقتضى استصحاب الحالة السابقة هو عدم وجوبها جميعا، والصحة امر شرعي محتاج الى‏جعل الشارع، فلا بد من احراز ذلك، والا فلا اثر للعقد المذكور في النقل والانتقال (فالاصالة عدم النقل).

وعليه، فالاباحة التي موضوعها تساوي فعل المكلفين وتركهم في الانتفاع من الاشياء غير قادرة على اثبات الصحة في‏المعاملات، ويؤيد هذا المطلب ايضا كلام الوحيد محمد باقر البهبهاني حيث يقول: «... يظهر مما تلونا ان‏الاصل في‏المعاملة الفساد وعدم الصحة، الا ان تثبت الصح ة بدليل من اجماع او نص‏» ((167)).

ب عدم توقيفية وانحصار العقود والتعهدات:

من الامور التي يمكن ان تشكل مستندا لاصل حرية الارادة في تاسيس العقود وانعقادها هو اثبات عدم توقيفية العقودوابطال انحصارها، فقد اختلف الفقهاء في هذه المسالة، فذهب بعضهم الى ان العقود الصحيحة محصورة في العقودالمعروفة في الفقه، مثل: الاجارة، البيع، المزارعة، والصلح((168))، ولاثبات مشروعية العقود المستحدثة والعقود غيرالمسماة يعتقد هذا البعض من الفقهاء انه لا بد من نص خاص وامضاء الشارع كما في (العقود المسماة)، اي: كما في‏البيع والصلح والضمان، ويستدل عليها بادلة خاصة مثل قوله تعالى:

(احل اللّه البيع ((169))، وقوله تعالى: (والصلح((170))خير، والحديث النبوي الشريف «الزعيم غارم‏» ((171))، ولابد ايضا في‏العقود غير المسماة وغير المنصوصة والمستحدثة كعقد الضمان والسرقفلية من وجود دليل خاص، والا فلا تكون‏نافذة، ونتيجة ذلك هو تحديد (حرية الارادة) ((172)).

ويعتقد اصحاب هذا القول بان‏عموم الايات مثل: (اوفوا بالعقود)ينصرف الى العقود المتداولة في زمان الشارع.

قال الشهيد الثاني في مسالك الافهام حول عقد المغارسة:

«المغارسة: معاملة خاص ة على الارض ، ليغرسها العامل‏على ان يكون الغرس بينهما، وهي مفاعلة منه، وهي باطلة عندنا [الامامية] وعند اكثر العامة، لان عقود المعاوضات‏موقوفة على اذن الشارع، وهي منتفية هنا» ((173)).

وقال السيد جواد العاملي حول معنى قوله تعالى: (اوفوا بالعقود (وما يستفاد منه بعد ان نقل اجماعين : «فالجمع بين‏الاجماعين ان نحمل العقود على اجناسها المتداولة المعهودة في ذلك الزمان، المضبوطة في كتب الفقهاء في هذاالزمان، كالبيع والاجارة ونحو ذلك مما علمت ماهيته...

وشك في صحته...» ((174)).

وفي مقابل هذا القول قول جماعة اخرى من الفقهاء، وجماعة من المفسرين، وهو ان حكم (وجوب الوفاء بالعقد) لايختص بالعقود المسماة، بل يشمل كل العقود والمعاملات العقلائية التي لم يصل من الشارع المقدس منع عنها ((175)).

بناء على هذه النظرية عدم توقيفية العقود يكون كل توافق وتراض يطلق عليه في العرف (عقد)، ولا يخالف احكام‏الشريعة المقدسة صحيح ويجب الوفاء به، لان (موضوعات) احكام المعاملات ليست توقيفية، اي لا تتوقف على بيان‏الشارع المقدس.

اذن، يكفي حصول التراضي في تحقق العقد عرفا، عندئذ من المستبعد ان لا يشمله عموم او اطلاق ادلة مثل قوله‏تعالى:

(اوفوا بالعقود) ، و (تجارة عن تراض) ، والحديث النبوي الشريف « المؤمنون او المسلمون عند شروطهم‏».

وبهذا الدليل يجب ايضا الوفاء بالوعد بانشاء العقد الذي من الممكن ان يتخيل انه الوعد بان ينشى عقدا مجرد امراخلاقي، ولا يتضمن التزاما حقوقيا، وذلك لان المفروض ان احد الطرفين يتعهد للاخر باداء عمل، وهو ان يعقد معه‏عقدا، وهذا التزام نافذ، ولا معنى للتردد والاشكال في اعتباره ونفوذه، وذلك لعموم النبوي الشريف المشهور «المؤمنون‏عند شروطهم‏» ((176))، او «المسلمون عند شروطهم((177)) »، وعموم (اوفوا بالعقود ، واطلاق ((178)) ) تجارة عن تراض ((179))، بناء على ان ذكر التجارة فقط بدليل كثرة استعمالها في المعاملات، ولعله لهذا قال المحقق‏النراقي في كتاب عوائد الايام بوجوب الوفاء بكل الوعود والالتزامات((180)).

اما الشرائط والوعود التي تذكر قبل الزواج ان لم تكن ضمن عقد النكاح او عقد لازم آخر فلا اعتبار لها، الا اذا كانت من‏الشروط البنائية، لان‏الاجماع قام في خصوص عقد النكاح، على ان شروط المتعاقدين لابد ان تذكر في ضمن العقد اوبعده، واذا ذكرت قبل العقد فلا يجب الوفاء بها، وقد اشار المحقق النراقي الى هذه النقطة، قال: «ثم اقول: ان مقتضى‏العمومات المتقدمة وجوب الوفاء بالشرط مطلقا، سواء كان قبل العقد او بعده، بل لو لم يكن عقدا ايضا، الا فيما كان‏شرطا للخيار المستلزم للعقد، مقارنا للشرط (للعقد) او قبله او بعده، وقد خرج من ذلك ما كان قبل النكاح بالاجماع،واما غيره فلا دليل على خروجه، بل الاخبار الكثيرة مصرحة بنفوذ الشرط بعد النكاح والتزويج‏» ((181)).

وتوجد روايات ايضا تدل على ان النكاح يلغي ما قبله من شروط، منها: ما عن محمد بن يعقوب ، عن علي بن ابراهيم،عن ابيه، عن ابن ابي عمير ، عن عبداللّه بن بكير، قال:

قال ابو عبداللّه (ع): «ما كان من شرط قبل النكاح عدمه النكاح،وما كان بعد النكاح فهو جائز...» ((182)) .

وبناء على هذا، يمكن القول: ان جماعة من فقهاء الامامية يقولون بوجوب الوفاء ب (المعاملات العقلائية) التي لم يصل‏في حقها منع، ويمكن تلخيص منشا هذين القولين المتقابلين في امرين:

1 اختلاف الفقهاء في الاستنباط من ادلة الاحكام، كما هو الحال بالنسبة الى بعض الفقهاء، من قبيل صاحب الجواهرالذي عد اشتراط الصيغة في العقود من الضروريات((183))، وبعض آخر من الفقهاء احتمل بالاستناد الى بعض الروايات آان الصيغة ليست شرطا في مثل عقد الصلح((184))، وبعض ثالث من الفقهاء من قبيل السيد عبدالفتاح المراغي في(العناوين) (عنوان 27 اصالة الصحة في العقود)، قال اعتراضاعلى من ذهب الى ان قوله تعالى: (اوفوا بالعقود) ، ناظرالى العقود المتداولة في زمان الشارع المقدس، تمسكا ببعض الادلة :

«ودفع دلالة الاية الكريمة الظاهرة بمثل هذه الاحتمالات الواهية مما لا ينبغي صدوره عن متفقه فضلا عن فقيه، ولا يعدامثال ذلك دقة في الفهم ولا غورا في المطلب، وانما هو انحراف عن جادة الذوق السليم بعروض التخيلات التي لا تليق‏بشان اصحاب الفنون، سيما مع اطباق اصحابنا الاعلام خلفا بعد سلف على التمسك بها من دون التفات الى هذه‏المناقشات، ولا ريب في ان نظرهم ثاقب وتاملهم غالب‏» . ((185)) 2 ان الضرورات الاجتماعية، والتغيرات الاقتصادية، والتطور الفكري، والعلاقات الاجتماعية، وحصول ظواهرجديدة، وازدياد سائر الفروع العلمية، وبكلمة واحدة: (مقتضيات الزمان) لها تاثير اساسي في فهم الناس وتفكيرهم ،ومنهم الفقهاء والمجتهدون، وعدم الاهتمام بهذا الامر يساوق انكار الحقائق.

ومن الواضح ان المراد من التطور الفكري هو تغيير افق النظر والفكر بالنسبة الى الاحكام الشرعية الثابتة، بان يكون‏النظر اليها بطريقة جديدة واكثر عمقا، وليس المراد تغيير الاصول والقواعد الفكرية للاشخاص. ولا باس لتوضيح‏الفكرة بذكر مثال، وهو: ان المستفاد من ظاهر كلام كثير من الفقهاء المتقدمين، الذين يعتبرون ان كل عقد يحتاج الى اذن الشارع، حيث يقولون ب (توقيفية العقود)، بخلاف اكثر الفقهاء المتاخرين كما مرت الاشارة الى ذلك فانهم يقولون ب (عدم توقيفية العقود)،ومنهم السيد الامام الخمينى (قدس‏سره)، فانه حينما اشكل عليه في مسالة التامين: «بان التامين معاملة مستحدثة، فلم‏تكن موجودة في زمان النبي والائمة صلوات اللّه تعالى عليهم ، فاذا لم نستطع ارجاعها الى احد المعاملات المتداولة‏في ذلك العصر كالبيع والاجارة والهبة والصلح والضمان وغيره، فلا يمكن الحكم بصحتها، وذلك لان عناوين‏المعاملات محصورة، والتامين ليس منها»((186)).

قال في معرض الجواب عن ذلك :

«اولا: ذهب جماعة من الفقهاء الى انه اي التامين داخل في الضمان بعوض، الذي هو احد المعاملات المحصورة.

ثانيا: لو سلمنا انها معاملة مستحدثة، لكن ما هو الدليل على ان صحة المعاملة شرعا مشروطة بان تكون من المعاملات‏المعهودة في زمان الشارع المقدس ؟ وقطعا، فانه وان كانت اكثر المعاملات المتداولة اليوم موجودة في صدر الاسلام،الا ان‏هذا لا يعني ان ه امر تعبدي يحتاج الى تشخيص الشارع ان هذه المعاملة صحيحة او فاسدة. بل ان الشارع قد انفذكل عقد بين طرفين، سواء كان من العقود المعهودة ام لم يكن، الا ان يقوم دليل على خلافه‏» ((187)).

ونقل شخص آخر من حضار درس (المسائل المستحدثة) للسيد الامام الخميني اشكالا اورد على عقد التامين،وجواب الامام الخميني عنه، فقال:

«[ان احد الاشكالات التي يمكن ان تورد على عقد التامين هو] ان العمومات التي هي من قبيل: (اوفوا بالعقود ((188))، و«المؤمنون عند شروطهم((189)) »، وسائر العمومات المتعلقة بالتعهدات والضمانات، انما تتناول العقود والشروط المعهودة‏والمتعارفة بين الناس في زمان صدورها. ومن المتسالم عليه ان مثل هذا التعهد لم يكن متعارفا بينهم حتى يدخل في‏نطاقها، وليس لدينا دليل آخر غير تلك العمومات لنركن اليه في تصحيحه، فيكون مثل هذا التعهد داخلافي الباطل‏المنهي عنه في قوله تعالى: (ولات اكلوا اموالكم بينكم بالباطل (.

قال السيد الامام الخميني جوابا عن هذا الاشكال : «وفيه ما لا يخفى من التعسف، فان‏دعوى قصر العمومات على‏العهود المتداولة في زمان الوحي والتشريع خلاف ما هو المفهوم منها وتضييق لدائرتها، حيث ان تلك الامور العامة تابى‏عن مثل هذا الجمود والتحجر المخالف للشريعة السهلة السمحاء، ولا اظن انه يختلج ببال احد من المطلعين على لغة‏العرف، والعاري الذهن عن الوسواس ان قوله تعالى: (اوفوا بالعقود ( الوارد في مقام التقنين المستمر الى يوم القيامة آمنحصر بالعهود المتداولة في ذلك الزمان، فان مثل هذا الجمود مستلزم للخروج عن دائرة الفقه، بل عن ربقة الدين،نعوذ باللّه من ذلك...» ((190)).

وبعد بيان هذين القولين، واتضاح حكم العقود غير المسماة، وغير المنصوص عليها في مصادر الفقه الاسلامي،ولاجل اكمال البحث نشير في نهايته الى حكم العقود التي يشك في انها من العقود المعهودة، فنقول: اذا شك في عقدهل انه من العقود المعهودة في زمان الشارع ام لا ؟ تقدم ان هناك نظريتين في توقيفية العقود وعدمها:

فبناء على نظرية توقيفية العقود، حيث ان‏الاصل الاو لي في المعاملات هو الفساد، بمعنى: ان كل‏عقد فاسد، الا ما قام‏الدليل على صحته، فان لم يوجد دليل فالاصل عدم ترت ب آثار العقد ، وبقاء المال على ملكية مالكه الاول (اصالة‏عدم النقل والانتقال).

وعليه، فالعقود التي يحكم بصحتها هي التي ثبت نوعها واحكامها وآثارها بدليل شرعي، فان لم يثبت فلا يترتب عليهااثر العقد((191)) ويحكم بفسادها.

قال بعض الفقهاء المعاصرين بصدد بيان معنى القاعدة الفقهية (العقود تابعة للقصود) : «... وليس المراد من القاعدة‏ان كل ما يقصده ويريده يقع شرعا، لان ما قصده ان لم يكن من المعاملات العقلائية وليس مما احدثه الشارع، او كان من المعاملات العقلائية ولكن لم يمضها الشارع، فجميع ذلك قطعا لا يقع شرعا((192)) ».

اذن، تملك المال بموجب هكذا عقد مشكوك يكون بحكم المقبوض بالعقد الفاسد.

واما بناء على نظرية (عدم توقيفية العقود)، فاذا شك في عقد هل انه مستحدث او كان في زمان الشارع، فان المرجع‏هو اصالة الاباحة والجواز، وذلك لان المستفاد من الادلة اللفظية وروح الشريعة المقدسة هو ان الشارع المقدس امضى‏جميع العقود العقلائية التي يحتاج اليها الناس وان لم يكن من المعاملات الشرعية المعروفة، الا ان الضرورة اقتضت‏استحداثه، والعقلاء ايضاتقيدوا بوجوب الالتزام بالعقود من اجل حفظ النظام الاجتماعي والامن الاقتصادي.

عقد الصلح والمادة العاشرة من القانون المدني:

ان من العقود التي لها مفهوم واسع وعريض هو عقد الصلح، ويمكن عده ايضا من ادلة ومبادئ (اصل حرية الارادة)، كما انه يحتمل اعتبار الصلح مبنى لجواز ومشروعية العقود غيرالمسماة، وبالاخص ان‏اكثر الفقهاء ذهبوا الى ان ه عقد مستقل وقائم بنفسه ((193))، لا انه غير مستقل ومتفرع على بقية‏العقود((194)).

وبالالتفات ايضا الى هذه النقطة، وهي ان فقهاء الامامية خلافا لبعض العامة ((195)) لا يشترطون وجود خلاف ونزاع‏لتحقق الصلح وان كان عمليا ان اكثر ما يقع من الصلح في الخارج هو لرفع النزاع والخصومة خاصة وان في بعض‏النصوص الحكم بمشروعيته بلا اشتراط تقدم خصومة او نزاع((196))، ولعله لهذا ذهب بعض علماء الحقوق المعاصرين‏الى ان موارد الصلح كثيرة جدا الى حد اخرجه من تحت العقود المسماة ((197)).

ان الاستعمالات الواسعة لعقد الصلح لكونه يشكل الارضية المناسبة لركنية الارادة في العقود من الممكن ان يؤدي‏الى ايجاد شبهة، وهي انه مع وجود عقد الصلح لا نحتاج الى وضع قانون باسم (المادة العاشرة من القانون المدني)،لان‏الصلح يشمل كل التوافقات المنعقدة في الخارج .

لكن قيل في جواب ذلك: وان كانت حقيقة الصلح وكذلك المادة العاشرة من القانون المدني هي في الواقع ترتيب آثارتراضي المتعاقدين المشروع، الا ان هذا لا يؤدي الى ان تصبح هاتين المسالتين الحقوقيتين مسالة واحدة، وذلك‏لان‏عقد الصلح هو عنوان يختاره المتعاقدان اما صراحة او ضمنا، وبتعبير آخر: الصلح هو ايضا لباس وقالب صنعه المقن ن والمشرع لتتجلى فيه حاكمية الارادة، والحال ان‏مفاد المادة العاشرة هولزوم العقد الخاص بغض النظر عن اى لباس او قالب خاص، ولها مساحة اوسع من الصلح((198)).

ان التراضي وتوافق الارادتين الذي يعتبر بموجب المادتين (10 و183) والفقرة الاولى من المادة (190) من القانون‏المدني احد الاركان الاساسية للعقد انما يكون مؤثرا اذا لم يخالف القانون وحكم الشارع المقدس، وعلى هذا فمن‏المناسب ان نشير عند البحث عن اصل حرية الارادة وحاكميتها الى حدودها وسعتها.

مقدار وحدود حاكمية الارادة:

على الرغم من ان اصالة الحرية في العقود انما شرعت للضرورات الاجتماعية والاقتصادية بصفتها اداة مفيدة في قانون‏الحقوق الايراني، الا ان هذا الاصل العام محترم ومقبول ما دام لم يتعارض مع النظام الاجتماعي والحقوقي، فان‏المادة‏العاشرة من القانون المدني تعتبر ان العقود الخاصة نافذة اذا لم تتعارض مع صريح القانون، مضافا الى ما في المادة(975) من القانون المدني التي تقول: «لا يحق للمحكمة ان تمضي القوانين الاجنبية او العقود الخاصة اذا كانت على‏خلاف المقررات العامة، اما لكونها على خلاف الاخلاق الحسنة، او لانها تمس‏مشاعر المجتمع وعواطفه او غير ذلك،وان كان امضاؤها بالعنوان الاولي مجازا».

وعلى هذا، فالمنظومة الحقوقية الايرانية لم تقبل حرية العقود بنحو مطلق، بل اعتبرت قبولها مشروطا بعدم مخالفتهاالقانون، كما ان المادة (190) من القانون المدني عند بيان الشروط الاساسية لصحة المعاملة صرحت في الفقرة الرابعة‏بان الغرض من المعاملة لا بد ان يكون مشروعا.

اذن، تراضي الطرفين اذا كان على خلاف المقررات القانونية والشرعية فهو ليس نافذاحقوقيا ، بل هو باطل كالتراضي‏على الامور الممنوعة مثل: القمار، وبيع المسكرات، والمواد المخدرة والمضرة التي تهلك الحرث والنسل، فانها باطلة،لنهي الشارع والقانون عنها.

نتيجة البحث:

تعتبر الشروط الابتدائية من الرخص العملية والناجحة جدا في تطبيق حاكمية الارادة، وبما ان‏المادة العاشرة من القانون‏المدني تتكف ل تقنين الحرية النسبية للارادة، فلابد ان نرى ما العلاقة بينها وبين الشروط الابتدائية ؟ ويمكن استجلاء تلك العلاقة وفي اقل التقادير من ناحية الاشتراك في المباني من خلال البحث المتقدم، سيما بعدان ثبت ان العقود ليست توقيفية، بل يمكن القول بان وجود هذه المادة العاشرة انما هو مستفاد من ادلة لزوم الوفاءبالعهد والعمل بالشرط، من قبيل الاية الشريفة: (واوفوا بالعهد ان العهد كان مسؤولا ((199))، والحديث النبوي الشريف:«المؤمنون عند ((200))، والاية الشريفة: (لا تاكلوا اموالكم بينكم شروطهم‏» بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض ((201))، كما ان حرية الارادة‏وحاكميتها المستفادة من المادة العاشرة تتوقف في مشروعيتها على مباني الشروط الابتدائية التي هي المنشا والمبدافي العقود غير المسماة والتعهدات المستقلة.

ومن ناحية اخرى، فان هذه المادة تضمن تطبيق واجراء الشروط الابتدائية في المجتمعات البشرية التي تسيرها ظاهرا الحقوق العرفية، وتخرجها عن كونها مجرد مسالة فقهية وحكم شرعي وقيمة اخلاقية، بل بواسطة المادة العاشرة يكون‏للشروط الابتدائية ضمان قانوني واجرائي قوي، فعلى سبيل المثال اذا اتفق المتعاقدان على مقدار ما يتقبله في ذمته،يعني اتفقا على المبلغ الذي لا بد ان يدفع للطرف الاخر، فليس للحاكم ان يحكم على المتعهد (المتخلف عن التعهد)باكثر او اقل من ذلك المبلغ المتفق عليه. (المادة 230 من القانون المدني) ((202)).

قاعدة اصالة الصحة الاستاذ السيد محسن الجرجاني يستفاد من بعض الايات والروايات ان المؤمن لا ينبغي له حمل عمل اخيه المؤمن على الحرام او القبيح، بل يلزمه‏حسن الظن به مهما امكن وان يحمل عمله على الصحة ولا يتهمه، بل وان يكذب بصره وسمعه فيه. والمقصود بالحمل‏على الصحة والذي يظهر اختصاصه بالمؤمنين دون غيرهم هو حسن الظن بهم لا عدم ترتيب الاثر على ذلك، لما وردفي الخبر من تكذيب الانسان سمعه وبصره في اخيه حتى لو شهد خمسون شخصا انهم سمعوا منه ذلك وكذبه هو ، اذافاللازم تصديقه وتكذيبهم. وواضح ان‏المراد بتصديقه عدم رد ه والقبول منه لا عدم ترتيب الاثار الحاصلة عليه، لان‏الخمسين شاهدا هم مؤمنون ايضا، فلا يمكن تصديق المؤمن وحمل الاثار المترتبة على كلامه من جهة وفي الوقت‏نفسه حمل الاثار المترتبة على كلام الشهود من جهة اخرى. اذا، المقصود من الحمل على الصحة عدم اتهام المؤمن‏بصدور الحرام منه، بل يحمل فعله على الاباحة والمشروعية.

وعليه، فان المراد باصالة الصحة ليس حمل العمل الصادر عن شخص اذا شككنا فيه على الصحة دون الفساد، كما لواوقع مثلا عقداوشككنا في صحته او فساده فنحمله على الصحة بناء على اصالة الصحة، فهذا معنى آخر غير المعنى‏السابق لاصالة الصحة.

كما ان من الواضح ان اصالة الصحة بالمعنى الثاني هي غير قاعدة الفراغ، فان الثانية وان كان المكلف يحصل له الشك‏فيحمل عمله على الصحة، الا ان الفعل المشكوك هو فعله، كما ان‏الشك الحاصل له يقع بعد الفراغ من الفعل، وليس‏الامر كذلك في اصالة الصحة، وذلك لان‏المراد بها حمل فعل الغير على الصح ة، هذا اولا. وثانيا : لعدم اشتراط الحمل‏على الصحة في المقام بالفراغ من العمل، بل يحمل عمل الغير على الصحة ويرتب آثار الصحة حتى في خلال العمل اذاعرض له الشك فيه.

وبعد اتضاح المراد بقاعدة الصحة بالمعنى الثاني والفرق بينها وبين قاعدة الفراغ، ينبغي البحث عن الدليل الدال‏على هذه القاعدة، فاذا ثبتت هذه القاعدة بالدليل المعتبر انتقلنا لما يتفرع عليها من بحوث. وسنشير الى بحوث هذه‏القاعدة ضمن النقاط التالية:

النقطة الاولى ادلة القاعدة:

تعتبر اصالة الصحة من المسلمات بين فقهاء الاسلام ولم ينكرها احد منهم، بل قبلوها واستدلوا عليها بادلة عديدة،فتمسكوا بقوله تعالى: (اوفوا بالعقود)، وبالخبر الوارد في قاعدة اليد: «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق‏»،وبالاجماع القطعي، وبالروايات الواردة في باب تجهيز الميت، والروايات الواردة في باب الجماعة والجمعة والتوكيل‏وامضاء نكاح الاب والجد ونظائر ذلك.

الا ان الجميع مخدوش وقابل للمناقشة، والدليل الوحيد الذي يمكن الاستدلال به على هذه القاعدة هو السيرة‏القطعية للمسلمين طوال التاريخ والتي لا يعتريها ادنى شك، فان من المسلمات والقطعيات ان المسلمين حتى في‏العصور المنصرمة وبحضور المعصومين(ع) كانوا يرتبون الاثر على العقود والايقاعات الجارية فيما بينهم ويبنون على‏صحتها من ناحية عملية، فالميت الذي يجهز ويصلى عليه مثلا من قبل البعض يبنون على صحة عمله مع ان من‏المحتمل عدم صحة عمل المتصدي لتغسيله وتكفينه وتحنيطه والصلاة عليه، بل غالبا ما يتصدى لمثل هذه الامور من‏لا علم له بمثل هذه الامور من الناس، فيتولد الظن بعدم صحة عملهم .

وهكذا فان ثمة من كان يتصدى على طول التاريخ لايقاع عقد النكاح او الطلاق بين الزوجين رغم ان الغالب فيهم‏عدم الالمام والمعرفة بذلك، لكن رغم ذلك فان المسلمين يبنون على صحة عملهم ويرتبون آثار النكاح والطلاق عليه،كما انه كثيرا ما يحصل الاقتداء طوال هذه الازمنة بائمة الجماعات والاكل من الذبائح والالبان التي تصنع في القرى وفي‏المسالخ غير المعروفة، كل ذلك بناء على صحة عمل الاجراء فيها والوكلاء عنها، مع انه يوجد الظن ولا اقل من‏الاحتمال بفساد عمل المتصدين لمثل هذه الامور، ولا يمكن حمل آثار الصحة من دون حمل عمل الغير على الصحة.فالزوج مثلا يبني على قول وكيله بايقاع الطلاق لزوجته مع انه يحتمل كذبه او اشتباهه او عدم ايقاعه الطلاق بشكل‏صحيح، وهكذا بالنسبة للزوج الاخر الذي يريد العقد على هذه المراة يصدق بصحة ذلك مع احتمال الكذب او النسيان‏او عدم العلم والالمام او الغفلة في حق‏زوجها الاول او وكيله. فالمسلمون طوال هذه الازمنة يحملون آثار الصحة على‏مثل هذا الطلاق او على الزواج والحرية والبيع والشراء في مواردها، فهل يمكن القول بحصول العلم والاطمئنان من مثل‏هذه الموارد للمسلمين بالصحة طوال الازمنة السابقة؟ لا شك ولا ريب في ان مثل هذا الكلام ليس الا جزافا لا يمكن‏قبوله. وعليه، فالصحيح ان مثل هذه السيرة بما انها سيرة ثابتة وقطعية فهي غير قابلة للانكار والمناقشة، وبما ان‏الائمة(لم يردعوا عنها، بل ثمة روايات في موارد عدة تؤيدها وتعضدها، فلابد من القول بان اصالة الصحة هي اصل‏شرعي يجري عند الشك في صحة او بطلان العمل الصادر من الغير وترتيب آثار الصحة عليه.

النقطة الثانية ما المراد بالصحة؟ هل المراد بالصحة في هذه القاعدة الصحة الواقعية او الصحة عند من يصدر منه العمل؟ ذهب المحقق القمي الى‏الثاني، وهذا كما هو واضح هو المعنى الاول الذي ذكرناه اول البحث لاصالة الصحة والذي قلنا انه خارج عن‏محل‏الكلام.

وذهب غيره الى ان المراد هو الاول اي الصحة الواقعية، لما تقدم من ان بناء السيرة على ترتيب الاثار الواقعية، والا فلامعنى لترتيب جميع الاثار . وعليه، فبما ان السيرة قائمة على ترتيب الاثار الواقعية لا ترتيب آثار الصحة عند صاحب‏العمل ، الا ان القدر المتيقن من هذه السيرة عندنا هو الموارد التي لا يختلف فيها الحامل لعمل الغير على الصحة مع من‏يصدر منه العمل، بان يرى اما تقليدا او اجتهادا صحة عمل الغير، او بالا يكون له راي معين في الموضوع، فاذا لم يكن‏الامر كذلك بان كان يرى اما تقليدا او اجتهادا بطلان عمل الغير، فلا يعلم حينئذ كون بناء السيرة الحمل على الصحة،كما لو علم عدم اطلاع صاحب العمل على شروطه وكيفيته شرعافاتى به جهلا ، فان من البعيد في مثل هذه الحال‏الحمل على الصحة ايضا، فلو علم المكلف بتصدي الجاهل لتجهيز الميت وتكفينه فليس من المعلوم حينئذ الاكتفاءبعمله وحمله على الصحة وعدم استئناف تجهيزه من قبله.

اذا، المراد بقاعدة الصحة وان كان هو الصحة الواقعية الا ان القدر المتيقن من دليلها الوحيد وهو السيرة الموارد التي‏يجهل فيها كيفية عمل الغير او يعلم انه ياتي بالعمل عن علم ومعرفة، كما يلزم الا يخالف راي الحامل راي العامل.

النقطة الثالثة عدم جريان اصالة الصحة لو كان الشك في قابلية القابل او المورد:

لو شككنا في صحة عمل الغير او بطلانه من جهة الشك في فقدانه لجزء او شرط او وجود مانع يوجب فساد العمل، فلاشك هنا في جريان اصالة الصحة، واما اذا كان منشا الشك من جهة قابلية الفاعل او قابلية المورد فلا يمكن جريان هذه‏القاعدة. فلو شك مثلا في صحة عقد من جهة الشك في بلوغ المتعاقدين او احدهما او من جهة الشك في مملوكية‏العين وكونها قابلة للنقل او لا لم تجر قاعدة اصالة الصحة هنا لتصحيح العقد، وذلك لان المتيقن من السيرة وهو الدليل‏المعتبر الوحيد غير هذه الموارد. ومن الغريب اجراء الشيخ الانصاري((203)) لها في هذين الموردين، لتصوره جريان سيرة‏المتشرعة فيهما وترتيبهم آثار المعاملة عليها مع شكهم في مالكية البائع واحتمال انه غاصب، ففي مثل هذه المواردالتي يشك فيها في قابلية الفاعل والمورد تجري السيرة المتشرعية ويحمل عمل الغير على الصحة.

ووجه الغرابة في كلامه من جهة ان السيرة دليل لبي لا اطلاق فيه، ولذا لا يمكن اثبات اطلاقه وشموله لمثل هذه‏الموارد، فلابد من التوقف عند القدر المتيقن. واما ترتيب المسلمين آثار العقد عليه فهو اولا: قد يكون لحصول‏الاطمئنان بالمالكية والبلوغ. وثانيا: انه قد يكون من جهة قاعدة اليد لا اصالة الصحة.

وعليه، فلا يمكن اجراء اصالة‏الصحة في مثل هذه الموارد بمعنى ترتيب الاثار الجارية عليه.

النقطة الرابعة انحصار ترتب الاثر بجريان اصالة الصحة في خصوص الشي المشكوك فيه دون ما عداه:

وينبغي الالتفات هنا في هذه النقطة الى ان اثر الحكم بالصحة في كل شي انما يترتب على نفس ذلك الشي، فلا يتعدى‏في ترتيب الاثر الى اكثر من ذلك فاثر الحكم بصحة الايجاب مثلا يترتب على نفس الايجاب لا على العقد الذي هوعبارة عن مجموع الايجاب والقبول. وعليه، فلو شككنا في صحة الايجاب رتبنا اثر الصحة على الايجاب خاصة من‏خلال اجراء اصالة الصحة، والاثر الوحيد الذي يمكن ترتيبه على ذلك هو انه لو ضممنا الى جانب الايجاب القبول‏الصحيح وتوفرت سائر الشروط الاخرى المؤثرة في العقد سواء ثبتت بالاصل او الوجدان امكن ترتيب آثار العقدالصحيح على ذلك، لا انه تترتب آثار المعاملة بمجرد جريان اصالة الصحة في الايجاب، لان آثار المعاملة انما تترتب‏عليها اذا كانت المعاملة واجدة لجميع شروط العقد المؤثر، وجريان اصالة الصحة في الايجاب انما تحرز احد تلك‏الشروط لا جميعها كما لا يخفى.

ومثال آخر يمكن توضيح المسالة من خلاله اكثر وتسليط الضوء على الخطا الذي وقع فيه كثير من الفقهاء، وهو: ان‏الراهن قد يقوم ببيع العين المرهونة ويدعي اذن الراهن له بذلك، ولكن الراهن يدعي رجوعه عن اذنه بعد صدوره عنه‏وان البيع وقع بعد رجوعه عن الاذن وقد ذهب بعض الفقهاء في هذه المسالة الى اجراء اصالة الصحة في الاذن لتصحيح‏بيع الراهن، فيما ذهب آخرون الى ان جريان اصالة الصحة في الرجوع يوجب فساد المعاملة. الا ان كلا هذين القولين‏غير سديد، وذلك لان اثر صحة الرجوع هو ان‏البيع لو وقع بعده لكان فاسدا، لا ان الرجوع لو كان صحيحا لكان البيع‏واقعا بعده بالضرورة، بمعنى ان وقوع البيع بعد الرجوع الذي يعني فساد البيع ليس اثرا للرجوع حتى يكون جريان اصالة‏الصحة في الرجوع موجبا لفساد البيع كما توهمه بعض الفقهاء، بل ان جريان اصالة الصحة في الرجوع يترتب عليهااثرها نفسه الذي اشرنا اليه، كما ان اثر صحة الاذن هو ترتب آثار البيع على عقده بعد وقوعه فيما لو كان جامعا لتمام‏الشروط، لا انه يترتب وقوع البيع بعد ذلك على الاذن الصحيح كما توهمه البعض، وذلك لما اشرنا اليه من ان صحة كل‏شي انما تستلزم ترتب آثاره هو لا اكثر، ووقوع البيع بعد الاذن ليس اثراللاذن الصحيح حتى يترتب من خلال جريان‏اصالة الصحة.

هذا تمام الكلام في اصالة الصحة في الرجوع بناء على ان الاذن في البيع لا يوجب سقوط حق‏المرتهن، والا لم تجراصالة الصح ة في الرجوع، لان منشا الشك في الصحة انما هو عدم قابليته للصحة بعد سقوط حق المرتهن بالنسبة الى‏الرهن. كما انها لا تجري في اصل البيع ايضا، لان منشا الشك في الصحة هو في قابلية البائع حال البيع، وان كان يحتمل‏تحقق رجوع المرتهن قبل المعاملة وعدم كون البائع ماذونا، وقد مضى عدم جريان اصالة الصحة حال كون الشك في‏قابلية البائع او المورد. وعليه، فلا تجري اصالة الصحة اذا كان الشك في البائع والفاعل.

النقطة الخامسة عدم جريان اصالة الصحة فيما لو كان عمل الغير قصديا:

ذكرنا فيما سبق انه لابد في جريان اصالة الصحة من احراز عمل الغير اولا ثم الشك في صحته، فنجري اصالة الصحة‏والتعبد بالخروج من حالة الشك، فاذا كان العمل المشكوك فيه من الاعمال القصدية (وهي التي لا تقع ما لم تقصدبعنوانها) كالغسل والصوم ونحوهما، فان من المستبعد جريان اصالة الصحة فيها، فاذا علمنا مثلا ان‏الشخص الكذائي‏لم يتناول شيئا في شهر رمضان ولكن لم نعلم ان ه هل نوى الصوم وقصده او لا؟ لم تجر اصالة الصحة، اذ ما لم يقصدالصوم فلا تحقق له، بمعنى عدم احراز اصل العمل، وقد ذكرنا انه ما لم يحرز اصل العمل لا يمكن جريان اصل الصحة،اذ مع الشك‏وعدم احراز قصد العنوان في مثل هذا العمل فان مرجع الشك الى نوع من الشك في اصل تحقق العمل،وقد تقدم ان مجرى اصالة الصحة مع فرض احراز اصل العمل، ونحن وان كنا نتمسك في مثل هذه الموارد باطلاق‏روايات قاعدة الفراغ، الا ان القدر المتيقن من السيرة في قاعدة اصالة الصحة هو غير هذه الموارد كما لا يخفى.

هذا كله فيما لو كان العمل من الاعمال القصدية التي يتوقف تحققها على قصد عنوان خاص، واما في سائر الاعمال‏الاخرى التي لا يتوقف تحققها على قصد عنوانها كما في غسل الثوب النجس فان الظاهر عدم توقف تحققه على‏قصد عنوان الغسل، فاذا راينا من يطهر ثوبه من النجاسة مثلا امكن حمل فعله على الصحة ولو لم نحرز انه قصدالتطهير او لا، وذلك لان تطهير الثوب من النجاسة لا يتوقف على الطهارة وازالة النجاسة، ومن هنا يمكن بعد احراز اصل‏العمل وهو الغسل اجراء اصالة الصحة وحمل آثار الطهارة عليه.

لذا فان من الغريب الحاق السيد الخوئي((204)) هذه الصورة بالصورة السابقة في عدم جريان اصالة الصحة من دون ادنى‏اشارة في كلامه الى تعليل ذلك وبيان الدليل فيه. ومثله ما صدر عن الشيخ الانصاري((205)) من كلام غريب مماثل في‏جريان اصالة الصحة، حيث ذكر انه لو استاجر ولى الميت او وصيه من يقضي عنه صلاته وصومه ولم يعلم ان الاجيرقصد النيابة في عمله او لا لم يمكنه اجراء اصالة الصحة والحكم ببراءة ذمة الميت، لان مفاد اصالة الصحة في العمل‏الذي يقوم به النائب هو الصحة، بيد ان صحة عمله لا تثبت انه قصد النيابة، لان الفعل النيابي فعل قصدي، وحيث انه‏لم يحرز قصد العنوان فان مرجع الشك هنا الى الشك في تحقق اصل وجود العمل النيابي، والسيرة غير ثابتة في هذه‏الحالات.

ولكن يمكن القول: ان جريان اصالة الصحة في عمل النائب لما كان من جهة انه عمله ومتعلق به امكن القول حينئذباستحقاقه الاجرة، وذلك لصحة العمل المستاجر عليه، واحراز عمل النائب بالوجدان، واحراز صحته باصالة الصحة،فلا وجه عندئذ في عدم استحقاقه الاجرة.

وغرابة كلامه تكمن فيما جاء في آخره، لان‏مورد الاجارة ليس هو قيام النائب بعمل صحيح سواء عن المنوب او لنفسه‏او لاخر، وان ما موردها العمل الصحيح عن المنوب عنه وبقصد النيابة، وبما ان مثل هذا العمل غير محرز وذمة الميت‏لم تفرغ بعد كما اعترف به هو فكيف يمكن الحكم حينئذ باستحقاق النائب الاجرة ؟.

اليس هذا حكما ظالما ؟ ! اليس اخذ الاجرة اكلا للمال بالباطل مع عدم فراغ ذمة الاجير بحسب الظاهر من العمل الذي‏اخذ بازائه ما لم يقم به؟! لا شك ان الشيخ قد وقع في سهو واضح، ولو انه كان قد جدد النظر فيما ذكر لعدل عنه.

النقطة السادسة هل اصالة الصحة امارة ام اصل ؟:

قد تقدم ان اصالة الصحة ليست امارة كاشفة عن الواقع، بل هي اصل تعبدي يجب العمل به بمقتضى السيرة‏المتشرعية، وعليه فلا يمكن ترتيب لوازمها العقلية والعادية كما هو الحال في جميع الاصول العملية. ولكن حتى على‏فرض كونها امارة فانه لا يمكن الالتزام بلوازمها العقلية والعادية، لان دليلها هو السيرة المتشرعية والاجماع القطعي،ومعلوم ان القدر المتيقن من الدليل اللبي غير هذه الموارد، بمعنى انه لم يحرز قيام السيرة على جريان اصالة الصحة في‏اللوازم العقلية والعادية لمجراها، بل القدر المتيقن من ذلك ترتيب آثارها الشرعية، وعليه فلا ثمرة عملية تترتب على‏البحث في كون اصالة الصحة اصلا عمليا تعبديا او امارة عقلائية كاشفة وان كان الظاهر انها اصل تعبدي كما تقدم .

ونشير هاهنا الى بعض الامثلة الواردة في كلام الشيخ الانصاري وغيره:

1 المثال الاول: اذا شككنا في معاملة وقعت من المكلف انها تمت على عين مملوكة او على عين غير مملوكة كالخمروالخنزير، ثم خرجت هذه العين عن ملكه، فانه لا يمكن اجراء اصالة الصحة للحكم بخروج تلك العين من ملكه، واذامات لم يكن لورثته التصرف فيه، لان اللازم العقلي لصحة المعاملة هو خروج تلك العين من ملكه، واصالة الصحة كماذكرنا لا تثبت اللوازم العقلية لها.

الا ان المشكلة في هذا المثال عدم جريان اصالة الصحة في هذه المعاملة، لما تقدم من ان اصالة الصحة لا تجري في‏الموارد التي لا يحرز فيها قابلية الفاعل والمورد، وفي هذا المثال لا يحرز قابلية المورد كما هو واضح، لاحتمال وقوع‏المعاملة على ما لم يملك مما لا يمكن مبادلته شرعا بالبيع والشراء.

ولكن يحتمل في كلام الشيخ ان يريد انه بناءعلى صحة جريان اصالة الصحة في هذه المعاملة فانها لا تثبت اللازم‏العقلي فيها، ولا باس بالتمثيل اذا كان يراد به بيان الحكم الكلي او كان مبنيا على الفرض.

2 المثال الثاني: ما ورد في كلام الشيخ الانصاري وان كان قد نقله عن العلامة وهو: اذا اختلف المؤجر والمستاجر فقال‏الاول:

آجرته بكذا الى شهر، وقال الثاني الى سنة، فلا يمكن اجراء اصالة الصحة من طرف المستاجر والقول بان‏المعاملة صحيحة وترتيب آثار الصحة عليها وامتلاك المنافع الى سنة، وذلك لعدم احراز قابلية المورد، اذ لم يحرز وقوع‏المعاملة الى سنة ، فلا تجري اصالة الصحة في عقد الاجارة الى سنة كما يدعي المستاجر. نعم، يمكن جريانها في اصل‏عقد الاجارة، ولكن هذا لا يثبت لازمها العقلي وهو كونها الى سنة، لانه اصل مثبت.

والصحيح عدم جريان اصالة الصحة في المقام، لانها انما تجري كما اشير اليه فيما لو كان المورد محرز القابلية، وليس‏المقام كذلك، لاحتمال عدم وقوع عقد الاجارة على سنة، ولا معنى محصل لجريانها اجمالا كما ورد في كلمات البعض‏واشرنا اليه في تقرير هذا المثال، وذلك:

اولا: لعدم ترتب الاثر على جريانه، والاصل العملي انما يجري اذا كان يترتب عليه اثر. وثانيا: ان جريانها في الاجارة‏اجمالا هو من الموارد التي لم يحرز فيها القابلية، وليس من المعلوم ارادة الشيخ لهذا المعنى، وليس في كلامه ما يشيرالى ذلك، وعليه فهذا المثال مناقش فيه، الا ان يقال انه مجرد افتراض لا غير.

3 المثال الثالث الذي نقله الشيخ الانصاري عن العلامة الحلي((206)): ما اذا اختلف المؤجر والمستاجر في تعيين الاجرة‏او المدة وعدم تعيينهما، فالمؤجر ينكر التعيين فيكون مدعيالفساد الاجارة، والمستاجر يدعي التعيين فهو مدع للصحة،وفي مثل المورد يقدم قول المستاجر اذا لم يتضمن امرا زائدا. هذا ما نسب الى العلامة. وجاء في توضيحه: انه اذا ادعى‏المستاجر التعيين باجرة المثل او اكثر، فان ادعاءه لا يتضمن هنا شيئا زائدا على اصل صحة الاجارة، ولذا يقدم قوله‏بمقتضى اصالة الصحة، وهذا بعكس ما لو كان ادعاؤه التعيين باقل من اجرة المثل، فان دعواه حينئذ قد تضمنت‏امرازائدا على اجرة المثل مما يوجب دخول الضرر على المؤجر، ولذا لا وجه لتقديم قوله، واصالة الصحة تجري ولكن‏لا تثبت الزائد، باعتباره من لوازم الاجارة الصحيحة، لعدم حجية الاصل المثبت.

وهذا المثال مخدوش فيه ايضا، لان القدر المتيقن من السيرة المتشرعية هو العمل باصالة الصحة في غير هذه المواردالمتنازع فيها والتي يكون فيها احدهما منكرا والاخر مدعيا او كل‏منهما يدعي شيئا معينا، وعليه فاذا لم تقطع بعدم‏جريان السيرة في هذه الموارد بل يرجع المتشرعة الى القضاء فلا اقل من الشك في وجود هكذا سيرة. فالنتيجة:

هي‏عدم خلو المثال الثالث ايضا من المناقشة.

النقطة السابعة في التعارض بين اصالة الصحة والاستصحاب:

وقع خلاف كبير بين الاصوليين في تقديم الاستصحاب او اصالة الصحة فيما لو تعارضا، ولا داعي لنقل كلامهم‏ومناقشته في المقام، وذلك لوضوح تقدم اصالة الصحة باعتبارها اصلاموضوعيا في قبال الاستصحاب الحكمي،فتتقدم اصالة الصحة مثلا في معاملة ما على استصحاب عدم النقل واصالة الفساد، والا كان تشريعها لغوا. وبعبارة‏اخرى: ان الحكم بصحة هذه المعاملة مبنى على ان اصالة الصحة تنفي تعب دا موضوع الاستصحاب بعدم النقل‏واصالة الفساد، كما انه لو لم تتقدم اصالة الصحة فان‏موارد الابتلاء بذلك قليلة. والحاصل: فان العمل في مثل هذه‏الموارد هو تقديم اصالة الصح ة على اصالة الفساد كما لا يخفى.

واما اذا تعارض الاستصحاب الموضوعي مع اصالة الصحة فالظاهر تقدمه عليها، لانه مع جريان الاستصحاب يزول‏الشك في الصحة والبطلان الذي هو مورد اصالة الصحة تعبدا، وليس من الواضح وجود السيرة على العمل باصالة‏الصحة في مثل هذه الموارد، وهذا بخلاف دليل الاستصحاب، فانه دليل لفظ‏ي له عموم واطلاق، ومن المعلوم عدم‏الفرق بينهما حينئذ سواء كانا امارتين او اصلين، او احدهما امارة والاخر اصلا عمليا.

فاذا وقعت معاملة مثلا على‏مائع كان خمرا، وشككنا الان انه تحول خلا حتى تصح المعاملة، او لا فلا تصح ؟ فان اصالة الصحة هنا تحكم بالصحة،والاستصحاب يثبت خمرية المائع، فتكون المعاملة باطلة. ومن الواضح جريان الاستصحاب هنا والحكم بخمرية‏المائع وفساد البيع، وذلك لعدم معلومية جريان اصالة الصحة في مثل هذه الموارد، الامر الذي يعني نفي التعارض من‏الاصل، هذا اولا. وثانيا: لزوال الشك في صحة المعاملة بجريان الاستصحاب، فلا تصل النوبة الى اجراء اصالة الصحة.

وبالطبع، فان هذا المثال فرضى ايضا، لعدم جريان اصالة الصحة في مثل هذه الموارد التي لا يحرز فيها قابلية المورد.

الاختلاف العقيدي واثره على الاستنباط السيد علي عباس الموسوي تمهيد:

تتمحور اهمية وضرورة البحث في العنوان الذي تحمله هذه السطور في امرين اساسيين يسلطان الضوء على عملية‏الاستنباط الفقهي من خارج، اي من خلال ملاحظة حركة التفكير الفقهي والعوامل المؤثرة فيه.

الامر الاول: بيان ذلك التداخل بين الفقه وعلم الكلام، بعد ان اصبح الحديث عن علاقة الفقه بالعلوم الاخرى من‏واضحات قضايا المعرفة لانطباق الفقه على قاعدة ذلك التداخل العام بين العلوم، وان كان النقاش في دائرة هذا التاثيرلا يزال محلا لتبادل النظر.

الامر الثاني: بيان خصوصيات مدرسة الفقه الامامي، وذلك لاننا اذا اردنا ان نبحث عن اثر الفرضيات الكلامية المسبقة‏في الفقه فلا بد وان نلحظ ان هذا الايمان متى انعقد على فرضيات مختلفة فلا بد وان ينتج فقها مختلفا، فكيف تعامل‏الفقه الامامي معها ؟ وكيف وجهت وسيرت حركة الفقيه في بحثه؟ ولا اريد ان اتحدث هنا عن اختلاف في النتائج فقط كما قد يظهر بدوا، بل الاختلاف سوف يعود الى اساس طريقة‏التفكير او آلية الاستنباط.

واذا اردنا ان نبحث عن اثر الاختلاف العقيدي في الفقه وعملية الاستنباط، فان مسالة الامامة هي المسالة الكلامية‏الاساس التي لعبت دورا في تمايز مدرسة الفقه الامامي عن غيرها، ولعل‏ذلك يعود للاهمية التي اولتها مدرسة الامامية‏للامامة والتنظير الشيعي لفكرة الامامة.

النقطة الاولى: عصمة الامام تشك ل العصمة عنصرا ضروريا في الامام عند الامامية، وقد بحث الكلام الشيعي عن فكرة العصمة في جوانبهاالمتعددة من تفسير ظاهرة العصمة الى دائرة العصمة والدليل المثبت لها.

قال الشيخ المفيد: «والانبياء والائمة (ع)من‏بعدهم معصومون في حال نبوتهم وامامتهم من الكبائر كلها والصغائر، والعقل يجوز عليهم ترك مندوب اليه على غيرالتعمد للتقصير والعصيان، ولا يجوز عليهم ترك مفترض الا ان نبينا (والائمة (ع)من بعده كانوا سالمين من ترك‏المندوب، والمفترض قبل حال امامتهم وبعدها» ((207))، ويعرفها بقوله:

«العصمة لطف يفعله اللّه تعالى بالمكلف بحيث يمتنع منه وقوع المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليهما» ((208)).

ولكن كيف كان لفكرة العصمة اثرها في الفقه الشيعي، لقد تمظهر الاعتقاد بالعصمة في الفقه الشيعي بنماذج متعددة‏تتحدث عن آلية التعامل الفقهي مع ادوات الفقه ومصادر استنباط الحكم:

اولا رد الرواية مع مخالفتها للعصمة ناقش فقهاء الشيعة في بعض الروايات الواردة حتى بطرق رجالات الامامية من جهة مخالفتها للعصمة، فاذا كانت العصمة هي من الثابت العقيدي كلاميا وقام الدليل العقلي والنقلي عليها فلا بد من‏التوقف امام الرواية التي تخالف هذا الثابت العقيدي. وشكل منطق الرفض لمثل هذه الروايات الجواب الذي التزمه‏الفقه الشيعي في مختلف ابواب الفقه.

وكمثال على ذلك نذكر بعض الفروض الفقهية التي بحثها الفقهاء:

المثال الاول: في كتاب الصلاة حيث رووا عن عبدالرحمن بن العرزمي عن ابيه عن ابى عبداللّه (ع)قال: «صلى على(ع)بالناس على غير طهر وكانت الظهر، ثم دخل فخرج مناديه ان امير المومنين (ع) صلى على غير طهر، فاعيدوا، وليبلغ الشاهد الغائب((209)) ».

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية