تشكل نظرية ولاية الفقيه في الفقه الامامي من الثوابت حتى
وان اختلف فقهاء الامامية في دائرتها، ولكن ثبوت اصلالولاية
للفقيه من اسس الفقه الامامي، ويرتبط الايمان بولاية الفقيه
بالايمان بغيبة الامام، فالفقيه ولايته مستمدة منالامام الغائب،
فهو نائب صاحب العصر والزمان.
ومن هنا اجاب الفقهاء على اعتراض من قال انولاية الفقيه ان
ما هي عن الامام وهي تنتهي بموت الامام بالقول: «الفقيهحال
الغيبة ليس نائباعن الائمة الذين ماتوا(حال حياتهم حتى يلزم
انعزالهم بموتهم (، وهو ظاهر. بل عن صاحبالامر(، واذنه
معلوم بالاجماع او بغيره، مثل انه لو لم ياذن يلزم الحرج
والضيق، بل اختلال نظم النوع، وهو ظاهر»
((298)).
ثانيا: ارث الزوجة مع انفرادها
ترث الزوجة الربع من مال زوجها ان لم يكن وارث غيرها،
والباقي يرد الى الامام، وهذا الحكم متفق عليه في عصرحضور
الامام، وانما وقع الخلاف بين الفقهاء في حكم المسالة في عصر
الغيبة.
والتزم بعضهم برجوع الباقي اليها في غيبة الامام، قال الشهيد
الثاني في المسالك شارحاثالث الاقوال في المسالة:«ثالثها:
التفصيل، وهو انه يرد عليها مع غيبة الامام (ع)لا مع حضوره.
ذهب الى ذلك الصدوق ابن بابويه في الفقيه،وتبعه الشيخ في
كتابي الاخبار، وفي النهاية انه قريب من الصواب. واختاره
ايضانجيب الدين بن سعيد في الجامع،والعلامة في التحرير
والتلخيص والارشاد، والشهيد في اللمعة. وجعلوه جامعا بين
الاخبار، بحمل ما دلعلى الرد علىحال الغيبة والسابقة على
حال الحضور ، حذرا من اهمال الحديث الصحيح((299)) ».
ثالثا: صلاة الجمعة
وقع الخلاف في الفقه الامامي حول صلاة الجمعة في عصر
الغيبة، لان من الفقهاء من اشترط حضور الامام المعصومفيها.
ومن هنا نشا التفصيل بين الفقهاء:
فمنهم من بنى على عدم مشروعيتها في عصر الغيبة، ومنهم
من بنى على عدم وجوبها، قال المحقق الكركي:
«اختلفاصحابنا في حكم صلاة الجمعة حال غيبة الامام
(ع)على قولين بعد انعقاد الاجماع منهم، ومن كافة اهل
الاسلام علىوجوبها بشرائطها حال ظهوره»
((300)).
مضافا الى العديد من المسائل الاخرى. ونحن لسنا بصدد
احصائها هنا كحكم الخمس في عصر الغيبة
((301))،
وحكمتملك الارض الموات ممن
احياها
((302)).
النقطة الخامسة: خصوصيات الائمة (
للامام عند الشيعة خصوصيات وردت في العديد من الروايات،
وقد انطلق الفقهاء من هذه الخصوصيات في ابحاثالفقه:
اولا: الامام لا يفعل المكروه
اعتمد الفقهاء على الاساس الكلامي من عدم صدور المكروه
من الامام،
ولذا حمل الفقهاء بعض الموارد التي وردت في الروايات والتي
تحكي عن
فعل الامام للمكروه على خصوصيات معينة. ونموذج ذلك ما
ورد في الرواية
عن عبيد بن زرارة قال: سمعت ابا عبداللّه (ص)يقول: «كان ابو
جعفر (ع)يصلي
في المسجد فيبصق امامه وعن يمينه وعنشماله وخلفه على
الحصى،
ولا يغطيه»
((303)).
وهنا امام تعارض هذه الروايات مع الروايات التي ورد فيها
النهي عن البصاق في المسجد برز للفقهاء مواقف ثلاث:
ا الالتزام بالجواز وعدم كراهة خصوص البصاق، لان الروايات
الواردة بالجواز اقوى، ومن هنا لا تنشا مشكلة صدورالفعل
المكروه من الامام
((304)).
ب الالتزام بالكراهة، واعتبار عدم وجود مانع من صدور
المكروه من قبل الامام، لان ذلك منه انما كان لبيان
الجواز،ويمكن ان يصدر المكروه من الامام لبيان الجواز، بل
يكون
((305)) ذلك منه مستحبا
((306)).
ج الالتزام بكون الجواز من الاحكام المختصة بالامام، قال في
الحدائق:
«على ان ما دل من هذه الاخبار على فعل الائمة (ع)يمكن
استثناؤه وعدم تطرق الكراهة اليه ، واختصاص هذا الحكمبهم
(صلوات اللّه عليهم) لتشرف المسجد ببصاقهم، فلا كراهة في
حقهم او على بيان الجواز»
((307)).
والموارد الفقهية لحمل فعل الامام على بيان الجواز متعددة،
كنوم الامام بين الطلوعين
((308))، وكذا ما ورد من
حلفالامام بغير اللّه كالحلف بالبيت
((309)).
ثانيا: الامام لا يترك المستحب
اعتمد الفقه الامامي على قضية عدم ترك الامام للمستحب،
ولعل المتفق عليه من قبل الفقهاء انالامام لا يداوم علىترك
المستحب الى الحد الذي يوجب هجران المستحب، ولذا بادر
الفقهاء الى ملاحظة بعض الموارد التي ورد فيها تركالامام
للمستحب للالتزام بان هذا الترك قد يكون لبيان الجواز دون
ان يصل هذا الترك الى حد المداومة كصحيحةالحلبي عن ابي
عبداللّه ، عن
ابيه(: «انه كان اذا صلى وحده في البيت اقام اقامة، ولم يؤذن»
((310))، قال الشهيد في الذكرى: فان قلت: كان يدل
علىالدوام والامام لا يداوم على تلك المستحب فدل على
سقوط اصل الاستحباب. قلت: يكفي في الدوام التكرار،
ولامحذور في اخلال الامام بالمستحب احيانا، اذ المحذور انما
هو الهجران للمستحب»
((311)).
ويمكن ملاحظة موارد اخرى، كما في قضية استحباب توفير
الشعر لمن اراد الحج
((312)).
ثالثا: الجنابة غير الاختيارية لا تصدر من الامام
بحث الفقهاء مسالة وجوب الغسل على متعمد الجنابة حتى مع
المشقة الشديدة، فتبنى بعض الفقهاء ذلك فيما منعآخرون من
ذلك، واستدللاثبات الوجوب بالعديد من الروايات، وقد ذكر
الفقهاء ضمن ذلك رواية صحيحة عن سليمانبن خالد، وعن
حماد بن عيسى، عن شعيب، عن ابي بصير، وعن فضالة، عن
حسين بن عثمان، عن ابن مسكان، عنعبداللّه بن سليمان
جميعا، عن ابى عبداللّه (ع)في حديث «ان ه كان وجعاشديد
الوجع فاصابته جنابة وهو في مكانبارد قال: فدعوت الغلمة
فقلت لهم: احملوني فاغسلوني، فحملوني ووضعوني على
خشبات، ثم صبوا على الماءفغسلوني»
((313)).
والاستدلال بهذه الرواية من قبل من التزم بالالزام بالغسل
اعتمادا على كون جنابة الامام هنا هي جنابة اختيارية، فقدذكر
صاحب الوسائل في ذيل الرواية ان الجنابة هنا تحمل على
المتعمد بقرينة ذكر جنابة الامام وهو منزه عن
الاحتلام،وكذلك حال صاحب الحدائق الذي ناقش في الرواية،
ولكنه ذكر ان الرواية لا يمكن حملها على الاحتلام، لعدم
جوازهعلى المعصوم
((314))، وكذلك الانصاري قال: «ان
الرواية مخالفة لاصول المذهب»
((315)).
ومستند الالتزام بعدم جواز الجنابة غير الاختيارية على
المعصوم مما هو موجود في كلماتهم اما رواية الكافي وهي
عنعلي بن محمد، عن بعض اصحابنا، عن ابن ابي عمير، عن
حريز، عن زرارة، عن ابي جعفر(قال:
«للامام عشر علامات: يولد مطهرا، مختونا، واذا وقع على
الارض وقع على راحته رافعا صوته بالشهادتين، ولا
يجنب»((316)). وفي رواية اخرى عن علي بن محمد ومحمد
بن ابي عبداللّه عن اسحاق بن محمد النخعي، عن الاقرع قال:
كتبتالى ابي محمد اساله عن الامام هل يحتلم؟ وقلت في
نفسي بعدما فصل الكتاب: الاحتلام شيطنة، وقد اعاذ اللّه
تبارك وتعالى اولياءه من ذلك، فورد الجواب: «حال الائمة في
المنام حالهم في اليقظة، لا يغير النوم منهم شيئا، وقد اعاذ
اللّهاولياءه من لمة الشيطان، كما حدثتك نفسك»
((317)).
واما من جهة ما ذكره بعض الفقهاء من انالاحتلام من نزعات
الشيطان والامام بري منها
((318)) .
ولكن السيد الخوئي ذكر ان الاحتلام ليس نقصاعلى الانسان
حتى يتنزه عنه (الامام)، بل هو امر عادي طبيعي
للانسان((319)).
رابعا: الامام لا يفعل كل مباح
من المباحات ما لا يليق بساحة المعصوم، ولذلك لا يمكن
القبول بالروايات التي تتحدث عن قيام الامام ببعض
الافعالالمباحة، فقد ذكر الفقهاء انه يجوز بيع الشي اليسير
باضعاف قيمته بشرط ان يقرض البائع المشتري شيئا، بل
هوالمشهور بين الفقهاء، والروايات في هذه المسالة متعارضة،
وضمن الروايات التي حكمت بجواز ذلك ما ورد عن محمدبن
اسحاق بن عمار قال: قلت للرضا(: الرجل يكون له المال
فيدخل على صاحبه يبيعه لؤلؤة تسوى مئة درهم بالفدرهم ،
ويؤخر عنه المال الى وقت، قال: «لا باس به، قد امرني ابي
ففعلت ذلك»، وزعم انه سال ابا الحسن (ع)عنها فقالمثل
ذلك
((320)).
والفقهاء ذكروا هذه الرواية ضمن ما استدلوا به، ولكن للسيد
الخميني راي مخالف في ذلك فقد توقف عند هذه الروايةمن
جهة انها تنسب للمعصوم فعل ما لا يليق بساحته، يقول
تعليقامنه على هذه الرواية: «وانت خبير بان بعض الاعمال آوان
كان مباحا فرضا لا يرتكبه المعصوم(ع)المنزه عن ارتكاب ما
هو موجب لتنفر الطباع، كتحصيل النفع بالحيلةوكاتيان النساء
من الخلف، فهذا واشباهه لو كانت مباحة لم يرتكبه الامام
(ع)((321)) ».
وهذا الامر ينعكس من السيد الخميني ايضا في روايات اخرى
وردت في باب بيع التمر والعنب ممن يصنعه
خمرا،((322))والفقهاء لم يتوقفوا عن العمل بهذه الروايات وان
كان بحثهم انطلق لحلالتعارض بينها وبين الروايات
المانعة،ولكنالسيد الخميني يقف بشدة امامها، فيقول: «ولا
استبعد ان تكون تلك الروايات من دسالمخالفين لتشويه
سمعةالائمة الطاهرين، كما لا استبعد ذلك في الروايات الواردة
في باب بيع العنب او التمر ممن يعلم انه يصنعه خمرا حيثورد
فيها عن ابى عبداللّه (ع): «السنا نبيع تمرنا ممن يجعله شرابا
خبيثا» وفي رواية «نحن نبيع تمرنا ممن نعلم انه يصنعهخمرا»
مع ما ورد من التشديد في امر الخمر واللعن على اصناف، حتى
الغارس والحارس والحامل لكونهم معيناعلىهذا الحرام
الخبيث، افلا يكون البيع ممن يعلم انه يجعله خمرا اعانة على
ذلك؟! وهي مما لا يعقل صدوره منالمعصوم(ع)، وكيف كان
ان العمل بمثل تلك الروايات جراة على المولى، لمخالفة
مضمونها للكتاب والسنة((323)) ».
خلاصة واستنتاج
النقطة الاولى: يرتبط البحث الفقهي بالثابت العقيدي بما لا
مجال للنقاش فيه او الانكار او الاستغراب، بل يقع فيسياق
طبيعي دون ان يعني ذلك عدم سلامة البحث الفقهي او
الخدشة فيه، لان لكل علم فرضيات مسبقة يبنى
عليها،فالمكون الفقهي عبارة عن ملاحظة المدارك الشرعية
ضمن النظرة الخاصة التي يؤسسها المذهب كلاميا.
النقطة الثانية: تختلف ممارسة الفقهاء لهذا الارتباط تبعا
لعاملين هما:
1 الاختلاف في الكبرى او فقل في التاسيس الكلامي للثابت
العقيدي، فقد يرى الفقيه راياكلاميا لا يوافقه عليه الفقيهالاخر،
وبهذا سوف يختلف منهج استنباط الفتوى وقراءة النص الدال
على الحكم.
2 الاختلاف في الاستظهار من النص بعد الاتفاق على الثابت
العقيدي، فقد يستظهر فقيه من النص ما ينافي هذاالثابت فيما
لا يرى استظهار فقيه آخر اية منافاة مع هذا الثابت، وتبعالذلك
سوف يختلف الموقف ايضا من النصالفقهي.
النقطة الثالثة: اذا اتفق الفقه على مخالفة النص الذي هو
مدرك الحكم للثابت العقيدي نتيجة الاتفاق على
الاستظهاروعلى الثابت العقيدي فان توجيه هذه المنافاة
يختلف ايضا تبعالملاحظات الفقهاء. فقد يتم رد النص المخالف
واعتبارهشاذا، وقد يتم توجيه النص بنحو لا ينافي المسالة
الكلامية عبر استظهار مختلف عن الظهور الاولي للنص، وقد
يتماللجوء الى التاويل وصرف الظاهر عن ظهوره، وقد يكون في
الحمل على التقية موقفا فقيها في بعض الموارد.
القراءة الجديدة للنصوص الدينية
( الهرمنوطيقا ) القسم الثالث
الاستاذ الشيخ حسن الجواهري
نستهدف في هذا البحث دراسة بعض النماذج للقراءات الشاذة
التي اشتملت عليها الاطروحات والمحاولاتالمعاصرة التي
نظرت لفكرة الدعوة الى القراءة الجديدة للنص الديني، والتي
تمثلت في جعل الواقع حاكما على الشرع، وجعل تعاليم الدين
تبعا للاهواء والاذواق والتقلبات والتطورات.
النموذج الاول: قالوا: ان المؤمن في هذه الاوضاع الجديدة «لا
يضيره ان لا يرىفيما فرض من تفاصيل العباداتوالمعاملات
متى وجدت وهي قليلة جدا سوى اثر لمقتضيات الاجتماع
في عصر الرسول وفي البيئة الحجازيةالبسيطة في طرق
عيشها وفي العلاقات بين افرادها، دون غيرها من البيئات،
ولاسيما الحديثة منها في مشارق الارضومغاربها»
((324))
فيكون في حل من تلك الفروض بمقتضى ما يعيشه من
اوضاعه الجديدة، وله ان يعتبر الخطاب القرآنيبصيغة يا ايها
الناس ان «المقصود بالناس هو الجماعة الاولى التي كانت
تحيط
بالنبي(ص) التي سمعت القرآن من فمه لاول مرة»
((325)).
فتكون اقامة الحدود اذن «اقل الحلول شراوادناها مضرة، لانها
على ما فيها من وحشية تمثل وقاية لمجتمع تلك الفترةمما هو
اسوا واعنف واكثر فضاعة، ولهذا السبب فان القرآن لم ينص
آنذاك على جرائم تقام فيها الحدود الى جانبمخالفات اخرى
يعاقب عليها بالسجن، وانما اقتصر القرآن على ذكر الحدود،
لعدم وجود السجن في الجزيرة آنذاك كمااسلفنا»
((326)).
وقال عبدالمجيد الشرفي: «لا ينبغي ان يكون تنفيذ عقوبة
معينة كما هو الشان في القصاص والسرقة وغيرهما آمحسوبا
على الخضوع لاوامر الهية لا صلة لها بالزمان والمكان، بل هي
مما اقتضته ضرورات الاجتماع والاخلاق، وهيامور متغيرة
وغير مستقرة تتاثر بعوامل عديدة منها الثقافي ومنها
الاقتصادي والسياسي»
((327)).
وقال ايضا عن العبادات: فاذا كان النبي على سبيل المثال
«يؤدي صلاته على نحو معين فكان المسلمون يقتدون به الا
انذلك لا يعني انالمسلمين مضطر ون في كل الاماكن
والازمنة والظروف للالتزام بذلك النحو... [فثمة اصناف ]اخرى
منالناس ممن اعرضوا عن الصلاة او يعيشون تمزقا بين الواقع
والمنشود، الا يحق لها ان تكون وفية لما يامرها به دينها
مندون الالتزام بما قرره السلف في هذا الشان [شان
الصلاة]بكلتفاصيله ؟»
((328)).
وواضح من هذه النصوص هو:
اولا: الفتوى باجازة ترك تفاصيل العبادات والمعاملات، بل
يكون الفرد في حل من تلك الفروض العبادية، ويلتزمبصحة
المعاملات ولو لم تكن شروط الصحة التي ذكرها الاسلام
موجودة فيها.
ثانيا: الحدود الاسلامية وحشية كانت منسجمة مع تلك الفترة
التي لا يوجد سجن يقوم بوقاية المجتمع من التعديعلى
الاخرين، فالحدود كالقصاص والسرقة ليس حكما الهيا، بل هي
احكام اقتضتها ضرورات المجتمع والاخلاقالسائدة آنذاك.
المناقشة:
1 كيف تنسجم هذه الفتاوى مع ضرورات الاسلام في كون
الصلاة عمود الدين ان قبلت قبل ما سواها (من الاعمال)وان
ردت رد ما سواها ؟ ! وكيف تنسجم هذه الفتاوى مع النصوص
الكثيرة التي تقول وترغب في الاقتداء بصلاة رسولاللّه
(ص)الكاملة (الحاوية على السنن والمستحبات) ؟ ! وكيف
تنسجم هذه الفتاوى مع قول رسول اللّه (ص): حجواكما
رايتموني احج او خذوا عني مناسك حجكم!! ففي معتبرة
عبدالرحمن بن الحجاج قال: قلت للامام
الصادق (ع): «الحج على الغني والفقير ؟ فقال: الحج على
الناس جميعا كبارهم وصغارهم، فمن كان له عذر عذره
اللّه»((329)).
وفي معتبرة عبداللّه بن سنان عن الامام الصادق(قال: «لما امر
ابراهيم واسماعيل (ببناء البيت وتم بناؤه قعد ابراهيمعلى ركن
ثم نادى هلم الحج، فلو نادى هلموا الى الحج لم يحج الا من
كان يومئذ انسيا مخلوقا ولكنه نادى هلم الحج،فلبى الناس في
اصلاب الرجال: لبيك داعي اللّه عزوجل، لبيك داعي اللّه، فمن
لبى عشرا يحج عشرا، ومن لبى خمسايحج خمسا، ومن لبى
اكثر من ذلك فبعدد ذلك، ومن لبى واحدا حج واحدا، ومن لم
يلب لم يحج»
((330)).
وعلى هذا فكيف يكون الانسان المتحضر في حل من هذه
الفروض ؟ !
2 هل توجد في النصوص الدينية اشارة لكون الانسان في حل
من العبادات وحل من شروطها وشروط المعاملاتبحيث يكون
الربا محللانتيجة اختلاف احوال الناس المعاشية او الاجتماعية
او السياسية ؟ ! فاين تلك النصوص التييتمسك بها لكون
المكلف في حل من العبادات والمعاملات بحيث يتمكن ان
يخالفها ولا يعملها او يعملها بدونشروطها وما الى ذلك ؟ !
3 اليس العبادات والمعاملات وشروطها هي احكام تكليفية او
وضعية، فاذا كانت كذلك فالقرآن نص على ان من لميحكم بما
انزل اللّه فاولئك هم الكافرون، هم الفاسقون، هم الظالمون
.
((331))
فعليه كيف يكون الانسان في حل من الاحكام الشرعية ويكون
ممتثلا لتعاليم الاسلام واحكامه ؟ !
4 لا ادري كيف يقال بعدم وجود السجن في ذلك الزمان
والقرآن نفسه يقول في قصة يوسف بوجود السجن
وسجنيوسف لمدة طويلة حين قال تعالى على لسان امراة
العزيز: (قالت فذلكنالذي لمتنني فيه ولقد راودته
عننفسهفاستعصمو لئ ن لم يفعل ما ءامره ليسجننوليكونا من
الص اغرين # قال رب السجن احب الي مما يدعونني اليه...ثم بدا
لهم من بعد ما راوا الايات ليسجننه حتى حين # ودخل معه
السجنف تيان ... فلبث في السجن بضع سنين((332)).
ثم من الذي قال بان السجن هو انفع في دفع وردع المجرم عن
اجرامه ؟ ! فلان كان المجرم متوغلا في الاجرام 10% فلوادخل
السجن الذي نراه في ايامنا فسوف يخرج من السجن وهو
متوغل في الاجرام 70% لما يتعلمه في السجن مناجرام
المجرمين ويطلع على خططهم فيكتسب منهم ما حصلوا
عليه فيتمرس في السجن اكثر مما كان فيه من الاجرامقبل
دخوله السجن.
على ان الاسلام جعل لولي الامر كثيرا من العقوبات التي
يتمكن ان ينفذها كالسجن والغرامة وغيرهما من تعليم
الناسما يعرف من القرآن او غيره اذا راى ذلك صلاحا
للمجرم وللمجتمع، فليس كل العقوبات هي قصاص وحدود
قدحددها الشارع المقدس، بل نسبة هذه الى ما لا يحدده من
العقوبات على الجرائم نسبة ضئيلة ترك امر العقوبة لوليالامر
فيها.
النموذج الثاني: قال محمود محمد طه في كتابه رسالة الصلاة:
«ان الصلاة الشرعية في حقه المسلم في مراحله الاولى آفرض
له اوقات يؤدي فيها، فاذا ارتقى بحسن ادائها بتجويد لتقليد
المعصوم حتى ارتقى في مراقي ؟ ! الايقان ... طالعهالمعنى
البعيد لكلمة (موقوتا) في الاية (ان الصلوة كانت على المؤمنين
كتابا موقوتا((333))وذلك المعنى في حقه هو انالصلاة
الشرعية فرض له وقت ينتهي فيه... فيتهيا لياخذ صلاته
الفردية من ربه بلا واسطة... وبذلك يستطيع ان يعيشفوق
قوانين الجماعة((334)) ».
المناقشة:
1 ان الاية القائلة: (ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا
(تدل على ان الصلاة هي فرض لا يجوز تركها، ولها وقتمعين
يجوز تاخيرها من اول وقتها الى وسطه او من وسطه الى آخره،
ولا تسقط الصلاة بحال اذا فات وقتها الاولالفضيلي، فقوله
تعالى: (ان الصلاة... كتابا) اي مفروضة مكتوبة عليكم ايها
المؤمنون كما قال تعالى: (كتب عليكم الصيامكما كتبع لى
الذين من قبلكم)
((335))، فالكتابة على الانسان كناية عن
الفرض والوجوب، فمكتوبة عليك اي واجبةومفروضة عليك،
واما قوله (موقوتا) ، فمعناه الثبات وعدم السقوط بحال، فلا
يتبدل وجوب الصلاة الى شي آخر كمافي الصوم الذي يتبدل
وجوبه على من يطيقه الى الفدية في الشيخ والشيخة، فان
الصلاة ليست كذلك، فانها ان تاخرتعن وقتها الفضيلي فلا
تتبدل الى شي آخر وان اصبحت فيها اطاقة على المكلف فلا
تتبدل الى شي آخر كالفدية في بدلالصوم عند المشقة.
وهذا الذي قلناه بالاضافة الى ظهوره من الاية التي تدل على
ان الصلاة لها وقت موسع، فتجزي اذا جاء بها الانسان فياى
زمن من ذلك الوقت، فصلاة الظهر والعصر يكون وقتها من
الزوال الى الغروب، فلو تاخر المكلف عن اول وقت صلاةالظهر
فيجوز له ان ياتي بها في الوقت اللاحق وكذا صلاة العصر، فهي
لا تسقط ولا تتبدل اذا تاخر الانسان عن اتيانها فياول وقتها.
وقد وردت النصوص بهذا المعنى ايضا، فقد ورد في الكافي
باسناده عن داود ابن فرقد قال: قلت للامام الصادق(ع)قوله
تعالى: (ان الصلوةك انت على المؤمنين كتابا موقوتا
((336))
قال: كتاباثابتا ، وليس ان عجلت قليلا او اخرتقليلابالذي
يضرك ما لم تضع تلك الاضاعة، فان اللّه عزوجليقول: (اضاعوا
الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا)((337))»
((338)).
2 ان هذه الدعوى مثل الدعوى القائلة انمعنى قوله تعالى
مخاطبا نبيه (ص): (واعبد ربكح تى ياتيك اليقين)
((339))فاذا جاء اليقين للمكلف فينتهي زمن العبادة.
اقول: الامر كما تقدم، فان هذا القائل لم يلتفت الى معنى
اليقين الوارد في الاية، فان معناه هو الموت او عالم النزع
الذييؤول الى الموت الذي يفتح فيه الانسان عينيه على عالم
الاخرة فيوقن بما سمعه عن عالم الاخرة بعد ان يراه
بعينه،فالمراد باتيان اليقين حلول الاجل ونزول الموت الذي
يتبدل به الغيب الى الشهادة.
والدليل على ذلك هو ان الخطاب قد صدر الى النبى (ص)،
وقد دلت آيات كثيرة من كتاب اللّه على ان النبى (ص)هومن
الموقنين وانه على بصيرة من امره وانه على بينة من ربه وانه
معصوم وانه مهدي بهداية اللّه سبحانه، فكيف يصح انيقال له:
اعبد ربك حتى ياتيك اليقين الذي هو بمعنى اليقين باللّه ؟!!
النموذج الثالث: ذكر عبدالمجيد الشرفي في كتابه (الاسلام
بين الرسالة والتاريخ): «فانه على سبيل المثال فيما يتعلقبحد
السرقة، لا حرج البتة في التخلي عنه واستبداله بعقوبات اخرى
تتماشى والاوضاع التي تعيشها المجتمعاتالاسلامية الحديثة
طالما يمكن تحقيق الغرض منه بوسائل اخرى((340)) » ومن
ذوي القراءات الجديدة من فسر (فاقطعواايديهما)
((341))
بتوفير سبيل العمل.
المناقشة:
1 ان قول هذا القائل بان عقوبة السرقة بشروطها الكثيرة التي
توجب قطع يد السارق على ان الشروط المذكورة لقطعيد
السارق نادراما تتحقق يمكن التخلي عنها اذا تحقق غرض
الشارع بوسائل اخرى فهو قد يكون له وجه من الصحة،الا ان
علمنا بان الغرض من حدالسرقة قد تحقق بوسائل اخرى يحتاج
الى دلالة من الشارع على تحقق الغرض بتلكالوسائل الاخرى،
فما هي تلك الدلالة الشرعية التي تدل على ذلك ؟
والجواب: لا دلالة من النصوص الشرعية على ذلك، بل ان عقل
القائل هو الذي يقول له ذلك مع ان دين اللّه لا يصاببالعقول
بمعنى انملاكات الاحكام واغراضها لا يمكن ان يصيبها العقل،
نعم الشارع فقط هو الذي يتمكن ان يدل ناعليها، ولكن لا دلالة
من الشارع على ذلك، اما الانسان فهو غير مطلع على الامور
الحالية والمستقبلية حتى يتمكن انيدلنا على الغرض من
حكم حد السرقة.
2 حتى لو عرفنا ان الغرض يحصل من دون قطع يد السارق،
ولكن الشارع المقدس اراد غرضه من طريق معين، ولميلفتنا
الى ان المجازاة يراد منها حصول الغرض فقط، بل الظاهر
انالشارع يريد الغرض عن طريق معى ن دل عليه دليلقرآني،
وهذا لا يمكن للمكلف مخالفته بحجة حصول الغرض فقط من
دون الطريق الذي رسمه لهذا الغرض.
3 ان تفسير (فاقطعوا ايديهما) بتوفير سبيل العمل لهما
خلاف الظاهر جدا، لان الاية تقول: (والسارق والسارقةفاقطعوا
ايديهما جزاء بما كسبا) من السرقة (نكالا من اللّه)
((342))
فهل يكون توفير العمل لهما هو جزاء للسرقة التي هيعدوان
على الاخرين ؟ ! وهل يكون توفير العمل نكالا من اللّه ؟ ! !
النموذج الرابع: ان كثيرا من القراءات الغت قسما من
المعتقدات مثل وجود الملائكة والجنوالسجلات التي تدو ن
فيهاالاعمال، وصور الثواب والعقاب، وعذاب القبر ونعيمه
ومشاهد القيامة والسير على الصراط، واعتبرت ذلك
كلهتصورات اسطورية
((343)).
والغت جزء كبيرا من احكام الاسرة كجواز تعدد الزوجات
والنسب المحددة للميراث، وذلك بادعاء منافاتها
للعدلوالمساواة بين الرجل والمراة
((344)).
بل ان بعض اصحاب القراءات اباح بعض انواع الزنا واخرجه من
دائرة التحريم الذي اثبتته قطعيات النصوص، فمماقاله محمد
الشرفي في كتابه الاسلام والحرية، الالتباس التاريخي ص85
قال: «يتحتم حصر معنى الزنا في العلاقةالجنسية بين رجل
وامراة احدهما متزوج، لان هذه العلاقة فقط يمكن اعتبارها
جناية» وفي ص116 قال: «وعلى ذلكفان العلاقة الجنسية بين
الخطيبين مثلا لا تعتبر زنى، بل هي اقرب الى السلوك
الانساني العادي».
المناقشة:
1 ان هذا الالغاء لبعض المعتقدات التي ذكرها القرآن مثل
وجود الملائكة والجن والسجلات، وصور الثواب
والعقاب،وعذاب القبر ونعيمه، الى غير ذلك من المعتقدات
ليس له منشا الا صعوبة تصور هذه الامور، ولكن صعوبة التصور
معكون الشي قطعيا للنص الديني واشباهه شي موجود في
الخارج، فمثلا المثال المعروف بانورقة واحدة مهما
كانتخفيفة لو قط عتها ثمانية واربعين مرة ووضعت القطع
الصغيرة واحدة فوق الاخرى وضغطتها فان علم الحساب
يقولسيكون ارتفاعها لو وضعتها على الارض اكثر من ارتفاع
القمر الذي يبعد عن الارض مئتين واربعين الف كيلومتر،
علىما قيل وهذه قضية حسابية يقينية الا ان الانسان يصعب
عليه تصورها، فهل يمكن ان نترك الدليل والبرهان
والحسابالقطعي لمجرد صعوبة التصور ؟ ! !
وكذا المثال المعروف لمكعبات يبلغ عددها ستين مكعبا،
وطلب منك الاستاذ ان تضع في المكعب الاول حبة
منالحنطة وفي المكعب الثاني ضعف الاول اي اثنين وفي
المكعب الثالث اربعة حبات من الحنطة (حاصل ضرب 2
×2)وفي المكعب الرابع ستة عشر من الحنطة (حاصل ضرب
اربعة في اربعة) وفي المكعب الخامس مئتين وستة
وخمسينحبة من الحنطة (حاصل ضرب 16 ×16)، ثم سالك
كم يكفي من حبات الحنطة لملا هذه المكعبات الستين؟
لقلت لهمئة كيلو من الحنطة يكفي لذلك، ولكن المسالة
الحسابية تقول: لا يكفي لملا هذه المكعبات مقدار حنطة
العراق، وهذاامر يقيني حسابي لا يمكن ازالة اليقين لمجرد
عدم امكان تصور هذا اليقين الحسابي.
ومسالتنا من هذا القبيل، فان اليقين الذي جاءنا من اكمل
كتاب على وجه الارض وهو القرآن الكريم الذي ثبت بالتواترعن
النبى (ص)وجاء به النبى (ص)عن اللّه تعالى قد صرح بوجود
هذه الامور ، فعدم تصورها لا يزلزل اليقين بها.
2 يمكن لكل انسان سواء كان مؤمنا بها او غير مؤمن ان يقول:
انا لم نر هذه الامور بام اعيننا، وهذا امر صحيح الا انعدم
الرؤية، لانه غيب لم يسمح لاعيننا ان تنظر الى ذلك العالم
ونحن في عالم الشهود ولكن لا يجوز لاى انسان ان ينكرهذه
الامور، لعدم اطلاعه على عدم وجودها مادامت هي في عالم
غير عالمنا الان، فانكار مثل هذه الامور التي جاء بهاالقرآن يكون
خروجا عن الموضوعية وقولا بلا دليل.
3 وهل يمكن لهذا القائل ان ينكر وجود اللّه لعدم تمكنه من
رؤيته ؟ ! ! فعدم الرؤية وعدم التصور لا يسوغان الانكارما دام
النص القرآني قد ذكرها بالصراحة.
4 ان الغاء قسم من احكام الاسرة كجواز التعدد والنسب
المحددة للميراث بدعوى منافاتها للعدالة والمساواة امر
غيرعلمي، لان العدالة ليس بمعنى المساواة، بل العدالة اعطاء
ذي الحق حقه، وصاحب الحق انما يكون ذا حق بدلالةالنص
الشرعي عليه، فحينئذ اذا اعطينا البنت مع اخيها الثلث
ولاخيها الثلثان فهو الحق الذي صرح به الشارع، كما انالبنت
الواحدة تاخذ اكثر مما ياخذه اب الميت، حيث تاخذ البنت
لوحدها النصف واب الميت ياخذ السدس، وهذاهو الذي صرح
به القرآن الكريم، فالتساوي يكون خلاف الذكر الحكيم، وقد
صرح الاسلام بان الزوج هو الذي يعطيالمهر لزوجته عند
الزواج وهو المسؤول عن نفقتها، وهذا هو العدل وهو الحق
الذي جعله اللّه على الزوج للزوجة.
اذن المساواة في الامور ليست هي العدالة، بل قد تكون
المساواة في الامور ظلما، كما لو كنا في بيت وفيه الشيخ
الكبيروالطفل الرضيع والشاب الصحيح والمراة المريضة،
وجاءوا لنا بطعام واحد للجميع بعنوان الهدية والمساواة، فاذا
كانهذا الطعام خبزا للجميع فهو ظلم للطفل الرضيع لعدم
تمكنه من الاستفادة
منه، كما انه ظلم للمريض، لعدم تمكنه من تناوله، وكذا الشيخ
الكبير، اذ يكون طعام هؤلاء هو اللبن والحليب والسوائلالمفيدة
لهم. واذا قدم لهم السوائل على نسبة متساوية فقد يكون ظلما
للشاب الصحيح الذي لا تفيده السوائل كغذاءلجسمه، اذن
العدل هو اعطاء كل انسان ما يحتاج اليه من الغذاء فهذا هو
العدل، لا المساواة في الغذاء هو العدل،فلاحظ.
وطبيعي لنا ان احتياج الانسان الى زواج متعدد وعدمه يحدده
العالم بطبيعة خلق هذا الانسان وهو اللّه تعالى، وهذا هوالعدل.
وكذا النسب (المقادير) التي يرثها الورثة انما يحددها العالم
بخلق هذا الانسان وما يحتاجه وما يصلحه حالا ومستقبلا.
5 واما بالنسبة الى تحليل بعض موارد الزنا فهو خروج عن
الضروري بين المسلمين، فاذا التفت القائل الى ما يلازمكلامه
هذا من تكذيب النبى (ص)الذي جعل العلاقة بين الذكر
والانثى من دون عقد زواج لفظي زنا فلا كلام لنا مع منيكذب
النبى (ص)الذي قال بلابدية الايجاب والقبول اللفظي في عقد
الزواج، فعقد الزواج الذي هو عبارة عن الايجابوالقبول، ومن
دونهما لا زواج ، فالصداقة والخطبة والرضا كلها لا تبرر جواز
العمل الجنسية بينهما ما دام غير داخلتحت نطاق العلاقة
الزوجية.
النموذج الخامس: ذكر عبدالمجيد الشرفي في كتابه (الاسلام
بين الرسالة والتاريخ): ان المقصود بقوله تعالى: (فلاوربك لا
يؤمنون حتىيحكموك فيما شجر بينهم)
((345)) هو فصل
النبي في الخصومات والنزاعات بين الناس مجاراة لعادةالقبائل
العربية التي تغيب فيها السلطة المركزية، وهو لذلك اجراء
مؤقت بهذا الظرف، فاذا ما وجدت السلطة المركزيةلم يعد لهذا
التحكيم علاقة بالايمان، كما هو في الاية
((346)).
المناقشة:
1 ظاهر الاية انه رد لزعم المنافقين الذين يزعمون انهم آمنوا
بالنبي(ص) مع تحاكمهم الى الطاغوت، فالمعنى: انهم
لايؤمنون حقا حتى يحكموك فيما شجر بينهم، والشجر هو
الاختلاط والتداخل، فالتحكيم يجب ان يكون للنبي (فيمايمتد
بين الناس من العلاقات الاجتماعية سواء كانت تنازعا ام لا،
فليست الاية مختصة بالمنازعات.
2 ان الحكم شامل لغير المنافقين، لان ظاهر حال المنافقين
انهم يزعمون ان مجرد تصديق ما انزل من عند اللّه بمايتضمنه
من المعارف والاحكام هو ايمان باللّه ورسوله وبما جاء به من
عند ربه حقيقة، وهذا امر باطل، بل الايمان هوتسليم تام باطنا
وظاهرا، فكيف يتمكن ان يقول انسان انا مؤمن باللّه ورسوله
حقا ولا يسلم حكم الرسول في الظاهر اوالباطن اذا خالف هوى
نفسه. اذن المتحرج عن حكم قضى به الرسول يكون متحرجا
عن حكم اللّه، لان اللّه قد افترضطاعة الرسول (ونفوذ حكمه،
فلابد للمؤمن ان يسلم لحكم الرسول ولا يتحرج قلبه ولا
يعترض عليه في لسانه وقلبه.
3 لا يوجد في الاية اية دلالة على قصر هذا الحكم على حالة
عدم وجود السلطة المركزية، على ان الاية وردت فيسياق عام
وهو سياق وجوب اطاعة الانبياء، ولا علاقة للامر بوجود السلطة
المركزية او عدم وجودها، بل لابد مناطاعة النبي فيما يحكم
فيه في العلاقات بين الناس، وهذه الطاعة تكون ميزانا للايمان
يقاس به تحققه، وعدم الطاعةيكون ميزانا لعدم الايمان يقاس
به عدم تحققه.
ومما يؤيد ما تقدم او يدل عليه ما رواه في الكافي عن عبداللّه
الكاهلي قال: قال الامام الصادق (ع): «لو ان قوما عبدوااللّه
وحده لا شريك له واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وحجوا البيت
وصاموا شهر رمضان ثم قالوا لشي صنعه اللّه او صنعهرسوله (الا
صنع خلاف ما صنع او وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك
مشركين ثمتلا هذه الاية: (فلا وربك لا يؤمنونحتى يحكموك
فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت
ويسلموا تسليما
((347)) ثم قال الامام الصادق(ع): «عليكم
بالتسليم((348)) ».
النموذج السادس: احتج اصحاب القراءة الجديدة بما فعله عمر
بن الخطاب من تعطيل حد السرقة عام المجاعة والغاءسهم
المؤلفة قلوبهم، اذ يعني هذا ان عمر حكم الواقع الذي يعيشه
على النص وعمل بتاويل النصاستناداالى الواقع،وهذا هو الذي
ينبغي على المسلمين ان يعقلوه في تحكيم الواقع على النص
وتاويل النص لينسجم مع الواقع.
المناقشة:
1 لقد نظر اصحاب القراءة الجديدة للنصالديني للواقع الذي
يعيشونه على انه غاية التطور الذي يمكن ان يحكم بهالانسان،
اذن يجب السير نحوه والوصول اليه لانه الحق الذي ليس بعده
حق، فيجب ان يكون مقياسا تؤول على اساسالنصوص الدينية،
وهذا هو نتيجة الانهزام النفسي للذي لم يطلع على حقيقة
التشاريع الاسلامية وينظر الى التقدمالتكنولوجي على انه هو
اساس العدل والحق غاضا بصره عن مفاسد الحضارة الغربية
التي تقدمت في العلومالتكنولوجية فقط واخفقت في احقاق
العدل، بل افشت الظلم في هذه الدنيا الدنية.
2 ان عام المجاعة قد ادى الى وجوب ان يسرق الانسان
للمحافظة على حياته، وحينئذيزول حكم حرمة السرقة
معاهمية وجوب حفظ الحياة، فالتزاحم بين وجوب حفظ حياة
الانسان المتوقف على اخذ مال الغير عدوانا وسرقة وبينحرمة
اخذ مال الغير عدوانا يوجب تقدم الاهم وهو وجوب حفظ
الحياة المتوقف على السرقة، وبذلك ستكون السرقةجائزة بل
واجبة وان ضمن السارق المال الى صاحبه، وهذا لا يوجب زوال
الحكم ولا تبديله كما يريده اصحابالقراءات.
3 ربما لم يكن هناك تعطيل للحكم، وانما لم تتوفر شروط
الحكم حتى يطبق في الخارج، واين هذا من تعطيلالاحكام
وتبديلها او تاويلها استجابة للواقع وتحكيما له على النص ؟ ! !
النموذج السابع: ومما ذكر من فروع القراءة الجديدة ما ذكره
صاحب نقد الفكر الديني فقال في قصة ابليس واستكبارهعلى
اللّه تعالى وغضب اللّه عليه قال: «ان ابليس برر رفضه السجود
لادم تبريرا منطقيا واضحا اذ قال: (اناخى ر منهخلقتني من نار
وخلقته من طين)ثم يقول: بعد امعان النظر بحجة ابليس التي
تتالف من مفاضلته بين جوهره «النار» وبينجوهر آدم
«الصلصال» نجد انها لم تكن استكبارا وفخارابقدر ما كانت
استذكارا لحقيقة اساسية شاءها اللّه واوجدها علىما هي عليه
((349))». ثم يخلص الى ان الدعوى القائلة بانه كان يجب على
ابليس ان يسجد لادم لانه افضل من الملائكة هيدعوى فاسدة
مردو((350))دة .
وكذا يقول: «ان اللّه عزوجل عندما امر الملائكة بالسجود لادم
انما كان يمتحن صدق ايمانهم فسقطوا بالامتحان جميعاالا
ابليس الذي وعى ذلك فابى ان يسجد بدعوى ان السجود لا
يجوز الا للّه»
((351)).
المناقشة:
1 لابد لنا ان نسرد الايات القرآنية المرتبطة بقصة ابليس وآدم
ليتضح لنا ان ابليس هل نجح في الامتحان ام هوى فيهقال
تعالى: (واذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا الا ابليس ابى
واستكبر وكان من الكافرين
((352)) فالملائكة حسب
هذاالنص اطاعوا امر اللّه الا ابليس فانه لم يطع واستكبر على
اللّه، وبهذا اصبح كافرا باللّه الذي يجب عليه اطاعته
عقلاللمنعمية والخالقية التي من اللّه بهما على كل موجود
ومنها الملائكة.
ثم قال تعالى: (ولقد خلقنا الانسان من صلصالمن حما مسنون
#والجن خلقناه من قبل من نارالسموم # واذ قالربك للملائكة
اني خالق بشرا من صلصال من حما مسنون # فاذا سويتهونفخت
فيه من روحي فقعوا له ساجدين# فسجد الملائكة كلهم
اجمعون # الا ابليس ابى ان يكون مع الساجدين # قال يا ابليس ما
لك الا تكون مع الساجدين #قال لم اكن لاسجد لبشر خلقته من
صلصال من حمامسنون # قال فاخرج منها فانك رجيم # وان
عليك اللعنة الى يومالدين((353)).
وقال تعالى: (قال مامنعك الا تسجد اذ امرتكقال انا خير منه
خلقتني من نار وخلقته من طين # قال فاهبط منها فمايكون
لك ان تتكبرفيها فاخرج انك من الصاغرين
((354)) وقال
تعالى: (وعلم ءادم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكةفقال
انبئوني باسماء هؤلاء ان كنتمصادقين # قالوا سب حانك لا علم
لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم # قال ياءادم انبئهم
باسمائهم فلما انباهم باسمائهم قالا لماقل لكم اني اعلم غيب
السموات والارضواعلم ما تبدون وما كنتمتكتمون
((355)).
فمن هذه الايات نفهم ان اللّه خلق آدم من صلصال وخلق
الجان من النار، ولكن اللّه امر الملائكة بالسجود لادم، لانهافضل
من الملائكة حيث علمه الاسماء كلها والملائكة لا تعرفها، فهو
بعد التعليم يكون افضل منهم، فامتثل الملائكةذلك الامر الا
ابليس ابى ان يمتثل امر اللّه وارجع الحكم بوجوب السجود الى
عقله فراى انه افضل من آدم، فلم يقبلحكم اللّه بالسجود لادم،
وهذا هو القياس الذي كان موجودا عند ابليس، وهو اخطر امر
على الاحكام الشرعية، لانهيمحق
الدين، فان دين اللّه لا يصاب بالعقول، واذا اخضعنا الاحكام
الشرعية الى عقلنا حصل ما حصل من تغيير الدين.
اذن الواجب على ابليس عقلا لانه مخلوق للّه وان اللّه منعم
عليه بالنعم التي لا حصر لها ان يمتثل امر اللّه سواء كانالامر
امتحانيا ام لا، كما في امر اللّه سبحانه وتعالى لابراهيم ان يذبح
ولده اسماعيل (فامتثل الامر، ولكن اللّه سبحانه لميوقع الذبح
في الواقع وفداه بذبح عظيم.
وحينئذ لما لم يمتثل ابليس امر اللّه وامتثله الملائكة كلهم،
فقد سقط هو في الامتحان لذا عبر اللّه عنه عند الاباء
عنالسجود بالاستكبار والكفر وعبر عنه القرآن بانه رجيم وان
عليه اللعنة الى يوم الدين وانه من الصاغرين، فهل
هذهالشهادات من اللّه في حق ابليس تدل على نجاحه في
الامتحان ام على سقوطه
فيه ؟ !
ثم اني ارى ان ابليس كان خاطئا عند قوله انا خير منه حيث
نظر الى عنصره الذي هو النار، وقال انا خير منه، بينما كانعلى
ابليس ان ينظر الى علم آدم بالاسماء كلها وابليس لا يعلمها،
فحينئذ يكون آدم افضل من ابليس رغم كون ابليسمن
العناصر الراقية، لان العلم هو مقياس التفاضل لا العنصر،
فلاحظ.
2 ان السجود لادم لما كان بامر من اللّه فهو سجود للّه تعالى
ولا يكون سجودا لغير اللّه تعالى ، فان اللّه تعالى قالمخاطبا
ابليس: (ما منعك الا تسجد اذ امرتك...(فاخذ يبرر ذلك بعقله:
(اناخير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (،فجاءه الجواب
القاطع: (قال فاهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فاخرج
انك منالصاغرين (فبهذا نعرف ان ابليستكبر على امر اللّه
بالسجود لادم ، وليس انه وعىالخطاب الالهي ولا انه برر
تبريرامنطقيا ، بل ما فعله هو قياس فاسد،حيث اخضع الامر
بالسجود لادم لعقله الذي لا يصاب به ملاكات الاحكام الشرعية
والاوامر الالهية.
نعم، لو كان السجود لبشر من دون اذن اللّه به وامره به لكان
سقوطا في الامتحان، ولكن السجود هنا كان بامر من اللّهتعالى،
فتكون مخالفته سقوطا في الامتحان، فلاحظ.
النموذج الثامن: ذهبت بعض القراءات الى انقوله تعالى: (ف
بدت لهما سوآتهما
((356)) تريد ان تصف التصرف
الطفوليالبدائي للانسان عندما يستشعر انه اقترف ذنبا... وهي
لا تعني ظهور الاعضاء التناسلية
((357)).
المناقشة:
1 ان ظهور السياق يقتضي ان يكون المراد من سوءاتهما
عوراتهما، لان اللّه تعالى يقول: (ليبدي لهما ما ووري عنهمامن
سوءاتهما (فان الظاهر انابليس اراد ان يكشف ما ستر وغط ي
عنهما من عوراتهما ليسوءهما بذلك، على ان قولهتعالى:
(وطفقا يخصفان عليهما من ورقالجنة (ظاهر في ان المراد
انهما شرعا في وضع الورق على جسميهما لستر شيقد كشف
لهما، وليس الا سوءاتهما بمعنى عوراتهما.
2 ان اللغة التي نزل بها القرآن تفيد ان المراد من «سوءاتهما»
عوراتهما، فذكر صاحب مجمع البحرين في اللغة ان قولهتعالى:
(ليريه كيفيو اري سوءة اخيه
((358)) اي فرجه.
وقال: السوءة بالفتح والتانيث: العورة من الرجل والمراة،
والتثنية سواتان، والجمع سوءات، قيل سميت سواة
لانانكشافها للناس يسوء صاحبها
((359)).
النموذج التاسع: ذكر بعض اصحاب القراءات فقال: «وهنا نريد
ان ننبه الى آية صلاة الجمعة حيث لم يرد امر صريح فيالكتاب
حول الصلاة والذهاب اليها الا صلاة الجمعة، وذلك بامره
تعالى: (ياايها الذين آمنوا اذا نودي للصلوة من يومالجمعة
فاسعوا الى ذكر اللّه وذروا البيع((360)) ) الاية، هنا الخطاب
موجه للذكور والاناث على حد سواء فعلى المراةالمسلمة
كالرجل تماما ان تكون حريصة على حضور صلاة الجمعة سافرة
ام متحجبة حسب اعراف بلدها، وان تضربعرض الحائط
احتكار الرجال لصلاة الجمعة، ولنلاحظ قوله تعالى:
(وذروا البيع (هنا الخطاب موجه للذكور والاناث على حد سواء،
فعلينا ان نفهم ذلك ونقبله من غير حرج»
((361)).
المناقشة:
1 نحن نقبل ان الاية عامة فتشمل الذكور والاناث حسب
ظهورها، ولذا اذا حضرت المراة صلاة الجمعة وصلت قبلتمنها
عند من يقول باجزائها عن الظهر.
2 لقد وردت السنة التي اسقطت عن المراة وجوب الحضور
ولم تمنعها من الحضور وفرق واضح بين اسقاط وجوبالحضور
والمنع من الحضور اذن المراة لها حق الحضور في صلاة
الجمعة وتقبل منها صلاتها اذا حضرت الصلاة وتجزئعن
الظهر عند من يقول باجزائها عن الظهر وهذا مثل اسقاط
وجوب الحضور لصلاة الجمعة على المسافر فلا احتكار
منالرجال لصلاة الجمعة كما لا احتكار من الحاضرين لصلاة
الجمعة بل اذا حضر المسافر صلاة الجمعة وصلاها تقبل
منهوتجزئعن الظهر عند من قال بالاجزاء.
النموذج العاشر: قال نصر ابوزيد في معرض بيان ان قوله تعالى
(فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاثو رباع
((362)) ان
هذا ليس فيه تشريع دائم (وانما هو تشريع مؤقت
لمعالجةموقف طارئ) وفي رايه ان الذي جاء باللبس عادة
تعدد الزوجات السابقة، وقد حاول الاسلام ان يضع لها معايير
تحدمن امتهان المراة والتعامل معها بوصفها متاعا او متعة،
ولكن «التاويل الفقهي لهذه المعايير قد خرج بها عن
سياقالمساواة واعاد زرعها من جديد في سياق سيطرة الذكر
وتحكمه في مصير المراة»
((363)).
المناقشة:
1 من اين استفاد ان النكاح الثاني والثالث والرابع هو تشريع
مؤقت؟ فان تعدد الزوجات السابقة اذا كان الاسلام يريدان يضع
لها معايير فقد وضعها بتحديد الزواج باربعة زوجات فقط، ولو
اراد الاسلام ان يقتصر على زوجة واحدة لكلرجل واحد لتمكن
من ذلك كما تمكن من الوقوف في وجه الربا الذي كان موجودا
في ذلك الزمان على انه تجارة رائجةوكانوا يعدونه بيعا، ولكن
الاسلام جاء وحرمه تحريما قاطعا، فلو كان تعدد الزوجات
محرما لوقف الاسلام في وجههكما وقف في عملية الربا التي
كانت منتشرة في ذلك الزمان.
2 ان الفقهاء لم يضيفوا الى النص القرآني شيئا، بل التزموا
بظاهره من حلية الزواج الثاني للرجل وكذا الثالث والرابع،فلا
يوجد تحكم من قبل الرجل في مصير المراة، وانما هو النص
القرآني والعمل به.
النموذج الحادي عشر: جاء على لسان نصر ابو زيد: (نشير الى
مقولة الحاكمية التي تعني ضرورة الاحتكام الى الشريعةسواء
في اصولها النصية في القرآن والسنة او في اجتهادات الفقهاء...
في كل تفاصيل الحياة وجزئياتها على مستوىالفرد والمجتمع،
وتلك المقولة كما هو واضح تستبعد من مجال تنظيم الحياة
الانسانية اية مرجعية اخرى سوى مرجعيةالفقهاء والوعاظ، فهم
وحدهم الذين يوجهون شؤون الاقتصاد والسياسة والثقافة
والفكر والفن..، والوصول الى السلطةالسياسية هو السبيل
الوحيد لاستقرار هذه المرجعية في موقعها... هكذا تنكشف
مقولة الحاكمية عن نفس محاور الفكرالسلفي في عصر
الانحطاط، وهو الاذعان والتسليم والطاعة
((364)).
المناقشة:
1 نحن نقر ان مقولة الحاكمية تعني ضرورة الاحتكام الى
الشريعة سواء في اصولها النصية في القرآن والسنة او
فياجتهادات الفقهاء، فانمعنى الاحتكام الى الشريعة الاحتكام
الى الاسلام والعدل والحق، فان الاسلام الذي جاء بهمحمد (هو
حق وعدل وانصاف قال تعالى: (اناللّه يامر بالعدل والاحسان
وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكروالبغي((365))
واذا كان هذا عيبا فاين الاحتكام الصائب العادل ؟ ! !
نعم، الفقهاء الذين هم امناء الرسل وحجج البرية انما يكون
قولهم حجة ويرجع اليهم الناس في الوقائع الحادثة اذا
كانواعدولا يسيرون في جادة الشرع، ملتزمين باحكام الاسلام
مطلعين على الشرع الحنيف عارفين بزمانهم كفوئين
غيرمكبين على الدنيا.
|
|---|