لفتوى الفقهية.. انواعها وعناصرها
ثمة اطلاقان لمصطلح الفتوى في الفقه الاسلامي: اعمواخص..
فالاول وهو الفتوى بالمعنى الاعم يراد بهكل موقف شرعي
تجاه القضايا المختلفة.. والثاني وهوالفتوى بالمعنى الاخص
يراد به نوع معين من المواقفالشرعية خاصة.. فان المواقف
الشرعية ليست كلها منسنخ واحد بل هى على انواع واقسام :
1- تارة يرتبط الموقف الشرعي بالمجال القضائيويطلق عليه
الحكم القضائي.. وغالبا ما يكون دورالقاضي في ذلك هو تطبيق
الكبريات الفقهية علىصغرياتها الخارجية وتشخيص
الموضوعات الجزئيةعلى ضوء المعطيات المتوفرة لديه وعلى
ضوء وسائلالاثبات الشرعي المعتبرة كالبينة واليمين والاقرار..
2- وتارة يرتبط الموقف الشرعي بادارة الكيانالاجتماعي
الكبير والنظام العام ويطلق عليه الحكمالولائي او السلطاني او
الحكوميوغالبا ما يتحددالموقف على ضوء ما يراه ولى الامر
والحاكم الشرعيمن المصالح العامة العليا للامة الاسلامية . .
3- واخرى يرتبط الموقف الشرعي بتحديد الوظيفةللمكلف
منحيث هو ويطلق عليه الفتوى بالمعنالاخص . . وعادة
يتحدد
على ضوء ما يعثر عليه المفتي والمستنبط من النصوصوالادلة
الشرعية.. وغالبا ما تصاغ الفتوى هنا بنحوالقضايا الحقيقة
بخلاف النوعين السابقين حيث يصاغالحكم الولائي بنحو
القضايا الخارجية والتنفيذيةالمحددة مصداقا وخطابا وجهة..
والفتوى بما لها من معنى اخص بالنظر الى طبيعةالموضوع
وملابساته التي تتعلق به يمكن ان نقسمهاالى عدة اقسام:
القسم الاول: ما كان موضوع الفتوى متحققا ضمنظروف
اعتيادية فهنا تتمثل عناصر الفتوى في النصوصوالقواعد
المعتمدة للاستنباط من كتاب وسنة واجماعوعقل كما هو
معروف لدى المختصين.. وحينئذ يطلقعلى كل ما يستنبط
من الاحكام والفتاوى والحالة هذهبانه حكم وافتاء بالعنوان
الاولي . .
القسم الثاني: ما كان موضوع الفتوى متحققا ضمنظروف
استثائية عامة او خاصة
فهنا يبرز دور نمط آخرمن العناصر
داخل عملية الاستنباط وهو ما يصطلح عليهبالعناوين الثانوية
والتي هي عبارة عن مجموعة منالقواعد المعتمدة حال
مواجهة ظروف طارئة كالضرورةوالعسر والحرج ونحو ذلك..
حيث تقدم على عناصرالاستدلال الاولية وتغير مجرى
الاستنباط والممارسةالاجتهادية وما يترتب عليها من نتائج..
ومن الطبيعي انهكلما ازدادت العناصر الدخيلة في الاستنباط
كما كلماازدادت العملية الاجتهادية تعقيدا سيما اذا
لوحظتالمرونة والسعة التي تتوفر عليها القواعد
والعناوينالثانوية . . فطالما تتفاوت الانظار في كيفية التعامل
معهاوفي مستوى تاثيرها في الافتاء.. ولناخذ نموذجا
لذلكعنوان (الضرورة) الذي يكاد يبدو عنصرا واضحا لامبرر
علميا للاختلاف فيه.. الا انه لدى
التحليل والتدقيق نرى عدة حيثيات منوعة تحتف بهذا
العنوان تصلح كل واحدة منها ان تكون مادة للبحث .. منها
:
مستوى الضرورة: اذ لا شك بان الضرورة ليست منالمفاهيم
المتواطئة التي تنطبق على جميع مصاديقهابمستوى واحد بل
انها من الامور والمفاهيم المشككةالتي تختلف شدة وضعفا
ففي بعض الموارد لابد منتحقق الدرجة العليا من الضرورة
كي يمكن الافتاءبالجواز والاباحة مثلا.. في حين قد يكتفى في
موارداخرى بادنى مستوى تصدق عليه الضرورة..فانتشخيص
ما يقتضيه المورد من ضرورة قصوى او دنيا او وسطىامر
يستلزم دق ة وتاملا لا يتسنى الا للخبير المتمرسبهذا الشان
. .
نوع الضرورة: فان الضرورة قد تختلف من ناحية المنشافربما
تكون ضرورة شرعية وبحسب مقاييس الشارعواغراضه فربما
يحرص على تحقق بعض الملاكات ولايرضى بتفويتها مطلقا او
نسبيا في الوقت الذي لا يرىمثل هذا الحرص على غيرها من
الموارد.. وما لا يرضىالشارع بفواته مطلقا هو الذي يعبر عنه
بالامور الحسبيةالتي لا يسوغ تركها ولا تضييعها بحال كاهمال
اموالالقاصرين.. واما الذي لا يرضى الشارع بفواته بالقياسالى
احكام اخرى فهو الذي يعبر عنه بالحكم الاهم فيمقابل المهم
حيث يقدم الاول ويؤخر الثاني عندالتزاحم لما له من اهمية
اكبر من غيره كتقديم انقاذ الغريق على اداء الصلاة عندتضيق
وقتها.. وقد لا يراد بالضرورة اللحاظ الشرعي بليكون المراد
اللحاظ العقلي كلزوم العلاج على المريضلحفظ نفسه من
التهلكة . . وقد يراد الضرورة بالمنظارالعرفي كاعتبار بعض
الاحتياجات ضمن نفقة الزوجة ولزوم تامينها من قبلالزوج . .
تشخيص الضرورة: فتارة يكون العرف هو المرجع فيتحديد
الضرورة وجودا وعدما او شدة وضعفا.. وتارةيكون المرجع
الشخص ذاته والمكلف نفسه وذلك فيالحالات التي يكون هو
اكثر خبرة واطلاعا من غيرهفيهاوثالثة يكون المرجع اهل
الخبرة مطلقا او اهلالخبرة الموثوق بهم خاصة.. بل قد تختلف
الحالات فيتحديد المراد بالعرف ايضا.. فهل يراد العرف العام
اوالعرف الخاص ؟ وهل يراد عرف بيئة معينة او
المجتمعالبشري باكمله بما يمثله من قناعات عقلائية
وارتكازات؟ او المراد العرف ضمن مقطع زماني محدد او في
طولعمود الزمان ؟
اثر الضرورة: ان الثمرة الشرعية المترتبة على ثبوتالضرورة قد
تتفاوت من مورد لاخروالضرورات تقدربقدرها كما يقال.. ولكن
هل ينحصر دور الضرورةالمبيحة في حدود رفع الاثم
او يتعدى الى ترتب بعض الاثار الوضعية من الحكمبالصحة
بالنسبة لبعض المعاملات او الاجزاء بالنسبةللعبادة او لا ؟
القسم الثالث: ما كان موضوع الفتوى متعلقا بامر عاموهام
كالامور التي تخص الامة الاسلامية باجمعها اوتخص الشريعة
المقدسة حاضرا ومستقبلا.. ففي مثلهذه الموارد ستضاف
عناصر اخرى الى عملية الافتاءغير ما تقدم في القسمين الاول
والثاني.. فنظرا لاهميةابداء الراي في قضايا من هذا النوع والتي
لا تنهضباعبائها عناصر الافتاء التقليدية المدرسية بل
ومنالصعوبة بمكان التفرد بالبت فيها كان لابد من دراسةهذه
العناصر الجديدة والتي تقتضي آلية جديدةتناسبها.. والمراد
بالعناصر الجديدة في هذا المقامالرؤى الحضارية الشاملة
والمبادئ الستراتيجية والاتجاهات العامة للشريعةومقاصدها
المركزية واهدافها الكبرى والتي تقدم علىسائر العناصر
المعهودة وتوجهها الوجهة الهادفةالبعيدة.. واما الالية التي
تقتضيها فهي آلية الشورى التيلا شك في جدواها ولا مناص
منها عندئذ.. سواء تمتمن خلال المراكز العلمية ومؤسسات
الافتاء او عبرالمؤتمرات العلمية او عبر المشاورات الخاصة . .
نظير مسالة حقوق الانسان وما هو موقف الاسلام منها..فان ابداء
الموقف الشرعي بشان هذه القضية الهامة جدالا يمكن
ان يبتني على عناصر الاستدلال المتعارفة فقط كييجاب بنعم
او لا.. ولا يصح ان يتخذ الموقف على انفرادبل لابد من التعامل
مع هذا المسالة واشباهها بمايتناسب مع حجمها وخطورتها .
القسم الرابع: ما كان موضوع الفتوى متحققا ضمنظروف
متازمة محليا او اقليميا او دولياوهذا النحو منالمسائل لا تكفي
العناصر التي ذكرناها في القسمينالاول والثاني بل وحتى
الثالث.. فلا محيص من التوفرعلى عناصر اخرى نظير وعي
المرحلة ووعي الحالةوالوعي الميداني والتوفر على حاسة
سياسية والتعاليعلى الانتماءات الضيقة واعتماد الوثائق
المعتبرةوالتحلي بفراسة رسالية.. هذا من ناحية ومن
ناحيةاخرى لابد من اعتماد آلية مناسبة وهي صيغة
الافتاءالجمعي لا محض المشورة كما مر في القسمالثالثوايضا
لابد من اعتماد خطاب متميز لغة واسلوباوتفصيلا فان لكل
مفردة ابعادها ومداليلها في الخطابالافتائي.. ولابد من تصدي
الجهة المؤثرة والمعتبرةعلميا واجتماعيا من اجل احراز
تاثير الفتوى . .
ان ما اقترحناه من اضافة عناصر اخرى لدى ممارسةالافتاء من
القسمين الاخيرين الثالث والرابع لا يرادمنه بيان صرف
الرجحان والافضلية.. بل انه يعبر عنحتمية علمية وشرعية..
وبعبارة اخرى: لا يسوغ الافتاءفي القسمين الاخيرين من دون
احراز هذه العناصرالاضافية في عملية الافتاء.. وقد اثبتت
التجاربالتاريخية الماضية والراهنة بان غياب هذه العناصر
عنعملية الاستنباط سيجعل الافتاء يفسد اكثر مما يصلحويضر
اكثر مما ينفع.. بل ان المفتي سيحتمل مسؤوليةافتائهبل لا
قيمة للافتاء الفاقد لعناصره اللازمة وينبغي انترفع عنه
القدسية والحصانة الشرعية.. لانه والحال هذهلا يصدق عليه انه
افتاء بعلموعليه فلا يعفى من اية تبعةويكون ضامنا.. ان عدم
الاناة في اصدار الفتاوىالمرتجلة في الازمات سيما في بؤر
التوتر من عالمناالاسلامي وفي حالات الاحتقان الطائفي او
العرقي دليلعلى عدم الورع وضعف الدين.. فعلى المفتي
ان يتقي اللّه فلا يقحم نفسه فيما لا يحسنهولابد له من
ان يفرز بين موضوعات الافتاء فانها ليست كلها من سنخواحد . .
(ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من اءمرنا رشدا)
. . ولا حول ولا قوة الا باللّه . . رئيس التحرير بحوث اجتهادية القسم الثالث آية اللّه السيد محمود الهاشمي الشاهرودي لقد ذكرسماحة
السيد الاستاذ دام ظله فيما مضى من البحثبعض
الملاحظات حول الروايات المستدل بها علىحرمان الزوجة من
ارث العقار.. الملاحظة الاولى كانتتنطلق من لحاظ زمن
صدور هذه الروايات.. والملاحظةالثانية عبرت عن اشكالية
خطيرة الا وهي المعارضة معالكتاب العزيز.. وبقيت ملاحظتان
نوردهما في هذاالقسم من البحث.. (التحرير)
الملاحظة الثالثة: ان جملة من الروايات المتقدمة
ليستظاهرة في حرمان الزوجة من ارث الارض عينا وقيمة،بل
عينا فقط، من قبيل صحيحة الفضلاء المتقدمة حيثقال فيها
الامام (ع): «ان المراة لا ترث من تركة زوجهامن تربة دار او
ارض (وارض) الا ان يقوم الطوبوالخشب قيمة فتعطى ربعها
او ثمنها»((1)) .
ومثلها رواية الواسطي: «لا ترث امراة مما ترك زوجهامن تربة
دار ولا ارض الا ان يقوم البناء والجذوعوالخشب فتعطى
نصيبها من قيمة البناء، فاما التربة فلاتعطى شيئا من الارض
ولا تربة دار»((2)). ومثلها روايةالصائغ((3)).
فان الظاهر من اضافة المنع الى تربة الدار والارض انالنظر الى
عين الارض وترابها اي ذاتها لا ما قد يتولدفيها وعليها من
الاموال الاضافية حتى المالية والقيمةنتيجة الاحياء والبناء،
ولهذا استدرك بلسان الاستثناءفقال: الا ان يقوم البناء والجذوع
والخشب او الطوب آوهي الاجر ونحوها.
وظاهر الاستثناء الاتصال، مع ان الطوب والخشب ليسمن
الارض، فكيف استثني منها؟
والظاهر ان اقرب المعاني لمثل هذا التركيب ليس هو مافعله
المشهور من حمل الاستثناء على الانقطاع، بلينبغي الحفاظ
على ظهوره في الاتصال مع كون المستثنىهو الاضافات
الحاصلة في القيمة والمالية سواء بالنسبةالى ذات البناء او
الارض وما احدث فيها وعليها بسببالاحياء والبناء من المالية،
فيكون المتفاهم عرفا من مثلهذا التركيب انها لا ترث من
العين والتربة، ولكنها ترثاصل حقها من التركة بان تعطى من
قيمة الارض وماعليها بسبب البناء والاحياء بما فيها مالية
الارض ومنفعةالمكان الحاصلة بذلك، فتعطى ربعها او ثمنها،
وهذاالاستظهار يكون اوضح اذا استظهرنا رجوع الضمير
فيربعها وثمنها الى المراة، لا الى قيمة الطوب، كما لايخفى.
ان قيل: اذا كان المقصود ذلك فلماذا لم يصرح في شيمن
هذه الروايات باعطائها من قيمة نفس الارض كماصرح
باعطائها من قيمة البناء والخشب والطوب؟
قلنا: من المظنون قويا ان قيمة الارض وقتئذكانتتحسب من
خلال قيمة البناء والاحياء، وان ذات الارضالمجردة الخالية من
الاحياء والبناء لم تكن ذات قيمة، بلبناء على ان الارض تملك
بالاحياء وان المالك انمايملك حياتها لا ذات الرقبة وانما يكون
له حقالاختصاص بها، فتمام مالية الارض انما كانت بماليةالبناء
عليها والاحياء فيها، فاكتفت الروايات في مقامتحديد سهم
الزوجة من مالية الارض بذكر قيمة البناءوما على الارض او
فيها من آثار الاحياء والبناء.
فالتعبير باعطائها من قيمة البناء والطوب والخشب ونحوذلك
يمكن ان يكون المقصود منه عرفا التفكيك بينالعين والمالية
او الرقبة والمنفعة، وان الزوجة لا ترث منالاصل ولكن ترث من
الفرع، ويكون المراد بالاصلالعين او الرقبة، والمراد بالفرع
المالية او المنفعة للارض.وقد طبق عنوان الاصل والفرع في
بعض هذه الرواياتبهذا المعنى، كما في رواية علاء عن محمد
بن مسلمالمتقدمة، وفيها: «قلت: كيف ترث من الفرع ولا ترث
منالاصل شيئا؟ فقال: ليس لها منهم نسب ترث به...»((4)).
بل مثل رواية الاحول وما ورد في ذيلها: «يعني من
البناءالدور»قوي الظهور في ان المراد اعطاؤها قيمة الدور
بمافيها قيمة رقبة ارضها، اي قيمة الدور بما هي دور لا بماهي
آجروطوب، فتحمل سائر الروايات عليها. فما فيتقريرات السيد
البروجردي(قدسسره) من ان هذهالرواية مبع دة لتخريج
السيد المرتضى(قدس سره)فانه(ع) قابل بين عدم الارث من
العقار والارث من
قيمة البناء والشجر وغير ذلك، فلو كانت ترث من القيمةمطلقا
لما كان للتقابل معنى، مما((5)) لا يمكن المساعدةعليه ، لانها
في ذيلها قد فسر البناء بالدور مما يعني انهاتستحق قيمة الدور
بما هي دور، وهي تشمل قيمة ارضهاضمنا. وظاهر الرواية ان
التفسير من الراوي.
كما ان التعبير بالاعطاء او اعطاء حقها او ربعها وثمنهاالوارد في
السنة هذه الروايات يجعلها ظاهرة في النظرالى مقام التقسيم
والافراز لحقوق الورثة وبيان ان حقهامن التركة وهو الربع او
الثمن لا يعطى من عين الارضوالعقار، بل يعطى لها من
سائر التركة، ومثل هذا بيانعرفي، فانه اذا قال الاب لابنائه مثلا
هذا البيت لكم الاان فلانا لا تعطوه الغرفة الفلانية فانه لا يعني
حرمانها مناصل الاستحقاق بل يعطى حقها من سائر الغرف،
اوقال: لا تعطوه من عينها كان معناه انه يعطى حقه منالمالية
والقيمة.
كما ان هذا هو المناسب، بل الظاهر من التعليل الواردبشان هذا
الحكم في جملة من الروايات كصحيح محمدبن مسلم: «لا
ترث النساء من عقار الدور شيئا ولكن يقومالبناء والطوب
وتعطى ثمنها او ربعها. قال: وانما ذلك لئلايتزوجن فيفسدن
على اهل المواريث مواريثهم»((6)).
فان علة الافساد على سائر الورثة انما تنشا من ارثها منالعين
دون المالية، ولهذا جعل هذا التعليل في اكثرالروايات المعللة
تعليلا لارثها من قيمة البناء ايضا، كماان ظاهر التعليل كما
ذكرنا سابقا انحفاظ نسبةالمواريث لهم ولها بلحاظ اصل
السهام لا تغيرها. لاحظرواية حماد ورواية محمد بن سنان
المتقدمتين((7)).
ومن هنا قال المحقق الاردبيلي(قدس سره) في المقام: «وانت
تعلم ان هذه الحكمة انما تقتضي الحرمان من عينتلك الامور
لا قيمتها، فافهم »
((8)).
فالحاصل: ان مجرد سكوت الروايات عن التصريحباعطائها من
قيمة الارض
لا ينبغي ان يجعل دليلا على حرمانها من الارض عيناوقيمة.
بل بقرينة ظهور الاستثناء في الاتصال لا الانقطاع،
وظهورالتاكيد في بعض الروايات بعدم الاعطاء من تربة
الارضفي الظر الى العين دون المالية، وظهور التعبير
باعطائهامن قيمة البناء الوارد في بعض الروايات في اعطاء
قيمةالبناء والدور بما هي دور قائمة وتستحق البقاء علىالارض
والتي هي قيمة الارض خصوصا في تلك الايام، وظهور التعليل
بمنع الزوجة من ادخال زوج جديديتلاعب برباع وعقار سائر
الورثة في ارادة حفظ عينالعقار لهم لا اكثر.
اقول: مجموع هذه النكات ان لم توجب ظهور الرواياتالمفصلة
في ان المراد حفظ عين الدور والعقار لسائرالورثة لا حرمان
الزوجة من اصل حقها من المالية اومنفعة الارض، ويكون هذا
نظير ما اذا قال: هذا البيتيكون لولدي
بالسوية من بعدي ولكن لا يعطى للبنات من الجانبالغربي
مثلا فان ظاهره اعطاء حقهن من سائر الجوانبلا حرمانهن من
اصل فرضهن. فلا اقل من انها مجملةومحتملة لهذا المعنى
قويا بحيث لا يكون فيها ظهور فياكثر من حرمان الزوجة من
عين العقار لا اكثر، فتبقىالقيمة والمالية للدور والمساكن
والعقارات بما فيهامنفعة نفس الارض باقية تحت اطلاق ادلة
التوريث.
نعم، الروايات التي اقتصرت على ذكر ان المراة لا ترثمن
العقار او الارض شيئا من دون تفصيل واستثناء لقيمةالبناء
ونحوه كما في صحيح زرارة ومحمد بن مسلمالمتقدمة
ظاهر اطلاق الشي فيها نفي الارث من الماليةايضا.
الا انه من المطمان به ان هذه الرواية تقطيع لنفسالروايات
المفصلة والمنقولة عن زرارة ومحمد بن مسلموليس حديثا
مستقلا، لوحدة الرواة فيها عن المعصوم،بل اكثر هذه الاحاديث
ترجع الى حديث واحد اوحديثين.
بل لو استظهرنا من روايات التفصيل انالمقصودحرمانها من
ارث العين دون المالية كانت بنفسها قرينةعلى ارادة نفس
المعنى من عدم الارث
من الارض شيئا خصوصا ما كان ظاهرا في عدم الارثحتى من
البناء،
كما في رواية عبد الملك عن احدهماغ قال: «ليس للنساءمن
الدور والعقار شي»((9))، فانه لا اشكال في ارثهن منقيمة بناء
الدور، فيكون المقصود عدم الارث مناعيانها.
بل تقدم ان هذا الظهور لا يمكن ان يقاوم ظهور الكتابالكريم
في حفظ نسبةالربع والثمن للزوجة، وكذلكالروايات المؤكدة
لذلك وهي كثيرة، بل تحمل بقرينةاقوائية ذلك الظهور
على ارادة عدم الارث شيئا من عينالتربة والعقار، فيثبت
بالنتيجة مذهب السيد المرتضى،هذا بقطع النظر عن صحيح
ابن اذينة القادمة، والا كانتالزوجة ذات الولد ترث من العين
ايضا، كما سياتي.
وقد وجدت كلاما للمحقق الشعراني(قدس سره) فيتعليقته
على كتاب الوافي الشريف في ذيل رواياتالحرمان لا باس
بذكره في المقام، قال: «قوله: «لا يرثنمن الارض ولا من العقار
شيئا» والعقار كل ما لا ينقل منالاموال سواء كان دارا او رحى او
بستانا او معصرة زيتاو ارضا معدة للزراعة. واكثر الاراضي
خصوصا فيالعراق وما والاها كانت من المفتوحة عنوة، وكان
ملكالناس اياها تبعا لملك الاثار والحقوق، وعدم الارث
هناعدم الارث من العين، ولا ينافي ثبوت القيمة بدليل
آخر.
ومذهب السيد المرتضى ان المراة تحرم من العقار عينالا
قيمة بمعنى ان للورثة ان يعطوها ثمن قيمة العقار اوربعها
ويستخلصوا الملك لانفسهم، وهذا معنى حرمانالزوجة من
العقار لا انها لا تستحق ماليتها عينا وقيمة.والمشهور انها تحرم
من الارض مطلقا ومن آلات البناءوالاشجار ومثلها عينا وترث
قيمة. وهذا مسلم فيالاراضي المفتوحة عنوة، واما غيرها فقول
السيد ارجحواولى، لانه موافق لظاهر القرآن، لان مفاد الاية
عمومارث الزوجة من جميع التركة عينا، ويخصص
بمقتضىالروايات، وما شك في تخصيصه يبقى على العموم،
ولاتدل الروايات على محروميتها من قيمة الاراضي الابسكوت
الامام(ع) عن ذكر قيمة الارض مع ذكره(ع)قيمة الالات.
وهذا غير كاف في التخصيص، فلعله× لم يذكر قيمةالارض لان
اكثر الاراضي خصوصا ما كان بيد الشيعة فيالكوفة ونواحيها
من المفتوحة عنوة، وكان ملكهم لهاحق اختصاص بسبب
تملك الالات، وقيمة الاراضيكانت قيمة حق التصرف في
الارض لقبالته من السلطانسنين معينة او غير معينة، وكان
تصرفهم في الارض نظيرتصرف المستاجرين لملك المنفعة،
فكما انه اذا ماتالمستاجر وكان لمنعته وتصرفه في مورد
الاجارة قيمةورثت منها الزوجة كذلك حق الاختصاص في
الاراضيالمفتوحة عنوة. وسكوته× عن ذكر قيمة هذا الحق لا
يدلعلى عدم ارثها، لانه× ذكر ما ذكر تمثيلا ليقاس
عليهالباقي.
ومما يدل على ان حق الاختصاص بالارض ايضا مماترثه الزوجة
ان بعض فقهائنا ذكروا في قيمة الاشجاروالبناء انها ترث قيمة
الاشجار الثابتة في الارض الباقيةالى ان تفنى، وكذلك الالات
لا قيمة الشجرة المقلوعةوالالات الخارجة بعد خراب البناء. ولا
ريب انحقالاختصاص في الارض داخل في القيمة بهذا
الطريق، اذلو لم يكن لها حق في الارض لم يكن وجه لاخذ
قيمةالهيئة والبناء والشجر في المعاملات »((10)).
الملاحظة الرابعة: لو قطعنا النظر عن كل ما تقدم،وافترضنا
ظهور الروايات في حرمان الزوجة من ارثالارض والعقار عينا
وقيمة، وقع التعارض بينها وبينجملة من الروايات الاخرى
المعتبرة سندا.
ويمكن تصنيفها الى اصناف، وقد اشرنا الى ذلك سابقااجمالا،
واليك
التفصيل:
الصنف الاول:
الروايات الكثيرة الدالة على ان الزوجة ترث الربع اوالثمن من
جميع التركة، وهذه الروايات وان كانت دلالتهاعلى ارثها من
العقار بالاطلاق والعموم القابلللتخصيص بالروايات المتقدمة
الواردة في خصوصالعقار والارض كما هو مقتضى صناعة
التخصيص الاان في بعض هذه الروايات دلالة اقوى من
الاطلاقوالعموم بحيث قد تابى عن التخصيص من قبيل
معتبرةعبيد بن زرارة والفضل ابي العباس بسند الشيخ
قالا:قلنا لابي عبد اللّه(ع): ما تقول في رجل تزوج امراة ثممات
عنها وقد فرض الصداق؟ قال: «لها نصف الصداق،وترثه من كل
شي، وان ماتت فهو كذلك»((11)).
فان التصريح فيها بانه ترثه من كل شي كالتصريحبالعموم
خصوصا مع عطف الزوج عليها، وانه اذا هيماتت فهو كذلك.
وكون الامام(ع) في مقام دفع توهمعدم الجمع بين الصداق
والارث لو سلم، فلا يضربصراحتها في عموم ارثها من كل شي.
ومثل هذا الظهورقد يكون اقوى من ظهور روايات الحرمان في
عدمالارث حتى من قيمة الارض كالبناء، خصوصا مع ماذكرناه
من ان التخصيص في المقام يوجب عدم انحفاظسهم الزوجة
من التركة بالقياس الى سائر السهام.
الصنف الثاني:
ما ورد من الروايات في خصوص الزوجة المنفردةبالارث والتي
ليس معها للزوج وارث آخر، وهي رواياتعديدة مستفيضة، وقد
ورد في بعضها ان التركة كلهاللزوجة، كمعتبرة ابي بصير عن
ابي عبد اللّه(ع): فيامراة ماتت وتركت زوجها قال: «المال كله
له، قلت:فالرجل يموت ويترك امراته، قال: المال لها»((12)).
الا ان اكثر الروايات فصلت بين الزوجة والزوج وانه اذاانفرد
الزوج كان المال كله له، واما اذا انفردت الزوجةفالربع لها
والباقي للامام، من قبيل رواية ابي بصير عنابي جعفر(ع) في
رجل توفى وترك امراته، قال: «للمراةالربع وما بقي
فللامام»((13)).
ورواية محمد بن مروان عن ابي جعفر(ع) في رجلمات وترك
امراته، فقال: «لها الربع ويدفع الباقي الىالامام»((14)).
ورواية الصحاف قال: مات محمد بن ابي عمير بياعالسابري
واوصى الى، وترك امراة له لم يترك وارثا غيرها،فكتبت الى
العبد الصالح(ع)، فكتب الى: «اعط المراةالربعواحمل الباقي
الينا»((15))، الى غير ذلك منالروايات.
وهذه الطائفة من الروايات لكونها واردة في خصوصالزوجة
المنفردة بالارث تكون اخص من هذه الناحية منالروايات
الدالة على حرمان الزوجة من
ارث العقار، فتخصصها او يتعارضان بنحو العموم منوجه
ويرجع الى عمومات التوريث، بل مقتضى التعليلالوارد في
تلك الروايات بانذلك انما كان من اجل ان لاتدخل الزوجة
على الورثة من يفسد عليهم مواريثهم،عدم شمول الحكم
لفرض انفرادها بالارث. وعليه، فلاوجه لرفع اليد عن دلالة هذه
الروايات على عدم حرمانالزوجة من ارث العقار عند انفرادها،
بل مثل روايةالصحاف التي تنقل قضية خارجية خير دليل على
ان منعالزوجة من الارض والعقار مطلقا لم يكن نافذا
بينالشيعة حتى في عصر الامام الكاظم(ع)، والا لكان يشيراليه
السائل الوصى لابن ابي عمير او يشير عليهالامام(ع) بذلك،
وانالارض اذا كانت فكلها لنا، فمثلهذا الظهور لا يمكن الغاؤه
بظهور الروايات المتقدمة، بلاما يقال بالتفصيل بين حالة
انفراد الزوجة وغيرهاوهذاما لم يقل به احد من الاصحاب .
او يقال بحمل تلك الروايات على ارادة حرمانها منارث عين
الارض لا قيمتها، وسوف ياتي انه يمكن لسائرالورثة وهو
الامام هنا ان يعطيها من العين ايضا، فحكمالامام(ع) باعطائها
ربعها ولو من العين وحمل الباقياليه.
الصنف الثالث:
ويتمثل في معتبرة ابن ابي يعفور والفضل بن عبد
الملكالمتقدمة، وقد وقع السؤال فيها عن الزوج، وانه هليحرم
من ارث الرباع كما تحرم الزوجة، فجاء الجواببالنفي، وانها ترثه
من كل ما ترك، كما انه يرثها من كل ماتركت. ومثل هذا اللسان
لا يمكن تخصيصه بغير العقار،لانالسؤال وارد عنه، فيكون من
قبيل تخصيص المورد،بل هو صريح في عدم حرمان اى من
الزوج والزوجة عنفرضه فيما تركت وترك سواء في الرباع
وغيره، وهذهالدلالة اقوى بكثير من اطلاق: «لا ترث الزوجة من
العقارشيئا»في عدم الارث من قيمة العقار كالبناء
والشجر،خصوصا بقرينة التعليل والخصوصيات الاخرى في
تلكالروايات. نعم يمكن الجمع بينها بارادة انها ترثه منمالية
الرباع كما يرثها هو من اعيانها، فان هذا جمععرفي في باب ارث
الاموال والذي يكون المهم فيهاستحقاق المالية، فما عن بعض
من اسقاط قول السيدالمرتضى(قدس سره) وانه على خلاف
الروايات وانهلاوجه له اصلا في غير محله، بل هو جمع قريب
الىالذوق والفهم العرفي جدا في امثال المقام.
ولو لم نقبل هذا الجمع انتهت النوبة الى التعارض بعدعدم
امكان التخصيص ومقتضى القاعدة ترجيح هذهالمعتبرة
لموافقتها للكتاب الكريم، وهو مقدم علىالترجيح بمخالفة
العامة((16))، فيثبت فتوى ابن الجنيدلولا رواية عمر بن اذينة
المقتضية للتفصيل في الجملةولولا الاجماع والتسالم المتقدم
بيانه والذي قلنا انالمقدار المتيقن منه حرمان الزوجة من
عين الرباع لاقيمتها، وفي خصوص غير ذات الولد، وفيما اذا
كان فيذلك احتمال او خطر الافساد على سائر الورثة ،
فيثبتمذهب السيد المرتضى(قدس سره) في خصوص
غيرذات الولد، واما ذات الولد فترث من العين، وهذا القولاخص
من قول السيد المرتضى(قدس سره) ويطابقظاهر
الصدوق(قدس سره)، كما اشرنا سابقا، بل اخصمنه ايضا كما
يظهر وجهه بالتامل.
ثم ان بعض الاعلام من المعاصرين ذكر في المقام: «واماخبر
ابن ابي يعفور فيمكن ان يقال فيه: ان مراد السائل انالرجل هل
يرث من دار امراته او ارضها من التربة شيئايعني من عينها او
قيمتها او لا يرث كما لا ترث المراة منذلك شيئا لا من العين
ولا من القيمة فاجاب الامام(ع)بانه يرثها وانها ترثه من كل شي
تركه وتركت ورد ما فيذهن السائل من انها محرومة من العين
والقيمة واثبتالتوارث بينهما في الجملة.
وهذا كما ترى يصلح لان يكون مستند السيد(قدسسره) وان
كان ظهوره فيه ايضا محل منع بل دعوى عدمظهوره في نفي
الحرمان مطلقا وفي ثبوت الارث منالقيمة قريب جدا. اللهم الا
ان يقال ان القدر الم7تيقنمنه هو نفي الحرمان من القيمة.
وفيه:
اولا ان الاخذ بالقدر المتيقن انما يصح اذا دار الامر بينالاقل
والاكثر، وفيما نحن فيه الامر دائر بين المتباينينالعين او
القيمة، وعلى هذا لا يتم
الاستدلال به على سبيل الجزم لمختار السيد ايضا،فتدبر.
وثانيا ان ظهور هذه الطائفة من الاخبار في انالمراةترث من
جميع تركة الزوج لو ثبت ليس باقوى واظهر منظهور الكتاب
ولا اكثر اعتبارا منه فيخص ص عمومهبالاخبار الدالة على
الحرمان، كما خصصنا بها عمومالكتاب.
ان قلت: هذا اذا لم تقع المعارضة بين هذه الاخبار الدالةعلى
عموم ارثها من تركة الزوج وبين الطائفة الاخرىالدالة على
حرمانها في الجملة، وبعد المعارضة يجبعلاجها بالرجوع الى
المرجحات، فترجح الطائفة الاولىبموافقة الكتاب.
قلت: ان الرجوع الى المرجحات انما يجوز اذا لم يمكنالتوفيق
العرفي بينهما، واما اذا جمع العرف بينهما بحملالظاهر على
الاظهر او العام على الخاص يجمع بينهمافلا يرفع اليد عن
العام المبتلى بالخاص في غير موردالخاص ويعمل الخاص في
مورده كما استقر عليه بناءالعرف في محاوراته، ولا ريب ان ما
دل على الحرمانفي الجملة خاص بالنسبة الى ما دل على
عموم ارثها منالزوج.
هذا، مضافا الى ان الرجوع الى ما يرجح مضمون
احدالمتعارضين مثل الشهرة على القول بانها فتوائية
وموافقةالكتاب انما يصلح اذا كان الخبران المتعارضان
متكافئينمن حيث السند وجهة الصدور والا يلاحظ
اولاالمرجحات السندية فان كانا متكافئين بحسبها
يلاحظالمرجحات الجهتية التي منها مخالفة العامة
وعليهاترجح الاخبار الدالة على الحرمان على غيرها
لمخالفةالاولى للعامة وموافقة الثانية لهم ».((17))
وانت خبير بما في هذا الكلام من وجوه الاشكال فانه:
اولا ليست رواية ابن ابي يعفور ظاهرة في نفي الحرمان،بل
صريحة في ذلك ، بقرينة ورود التصريح فيها بعدمالفرق بين
الزوجة والزوج فيما ترك وتركت في قبال ماافترضه السائل من
ارتكازه ان الزوجة لا ترث منالارض مما ترك زوجها، واى لسان
اصرح من هذا فيارث الزوجة كالزوج من الارض والعقار؟!
وكيف يقبلهذا اللسان التخصيص او التقييد بغير الارض؟!
وهل كانسؤال السائل عن غير الارض ليكون جواب
الامام(ع)بعد تخصيصه بغير الارض جوابا لسؤاله؟! ولعمري
مثلهذه الكلمات ليست الا تمحلات باردة.
وثانيا ما ذكر من ان الدوران بين ارثها من العين او منالقيمة
من الدوران بين متباينين غير صحيح عرفا، بل همافي باب
الاموال من الدوران بين الاقل والاكثر، فانالعين مشتملة على
الخصوصية المالية والمثليةوالعينية.
وثالثا ما ذكر من تقدم الترجيح بالمرجحات السنديةغير تام
فانه لم يثبت شي من الترجيحات سوى الترجيحبموافقة
الكتاب ثمبمخالفة العامة بنحو الترتيب، ولميثبت شي من سائر
المرج حات السندية او المضمونيةعندنا على ما قررناه مفصلا
في بحوث تعارض الادلة.
وقد يحاول الجمع بين صحيح ابن ابي يعفور ورواياتالحرمان
بتخصيص الاول بذات الولد وتخصيص الثانيبغير ذات الولد
بسبب رواية ابن اذينة القادمة المفصلةبين ذات الولد وغيرها ،
لانها بمنطوقها تدل على ارثالزوجة ذات الولد من عين الرباع،
وبمفهومها تدل علىعدم ارث الزوجة غير ذات الولد من
الرباعفتكون شاهدجمع وتفصيل بين الطائفتين المتعارضتين،
فتقيد كلامنهما باحد القسمين، ويرتفع التعارض بينهما من
البين ،لكونها اخص من كل منهما.
وفيه: ان رواية ابن اذينة على ما سياتي ليست دالة الاعلى
ارث الزوجة ذات الولد من عين الرباع، واما عدمارث غير ذات
الولد من الرباع فلا دلالة فيها على ذلك الامن باب المفهوم،
بمعنى انه لو كانت ترث غير ذات الولدمن عين الرباع ايضا كان
التخصيص والتقييد بذات الولدلغوا، وهذا هو معنى ظهور القيد
في الاحترازية. الا انهمن الواضح ان هذا الظهور لا يقتضي
المفهوم بنحوالسالبة الكلية بل الجزئية وبنحو اجمالي، بمعنى
عدممساواة ذات الولد وغير ذات الولد في الحكم وهو الارثمن
عين الرباع والا كان القيد لغوا.
اما ان غير ذات الولد لا ترث من الرباع اصلا اي حتى منقيمتها
وماليتها فهذا لا يقتضيه المفهوم المستفاد مناحترازية القيود،
فلعلها ترث من قيمة الرباع ضمن قيمةالدور والابنية، فلا تكون
رواية ابن اذينة مخص صةلرواية ابن ابي يعفور، وانما غايته
دلالتها على عدم ارثغير ذات الولد من عين الارض، فيبقى
ارثها من الماليةوالقيمة ولو ضمن قيمة البناء والدور مما ترك
الزوجتحت شمول رواية ابن ابي يعفور، فيثبت
مختارالصدوق(قدس سره) الذي هو اخص من مختار
السيدالمرتضى(قدس سره).
نعم، لو قلنا بمبنى انقلاب النسبة امكن ان يقال في المقامبان
روايات الحرمان بعد تخصيصها برواية ابن اذينةتكون اخص من
رواية ابن ابي يعفور ، لانها تختص بغيرذات الولد وتثبت
حرمانها من ارث الارض عينا وقيمة،ورواية ابن ابي يعفور
تشمل ذات الولد وغيرها وتنفيالحرمان فيهما مطلقا، فبناء
على قبول كبرى انقلابالنسبة لابد من تخصيص رواية ابن ابي
يعفور واخراجغير ذات الولد من عمومها بمقتضى روايات
الحرمانبعد اختصاصها بغير ذات الولد.
الا ان المقرر في محله عدم قبول كبرى انقلاب النسبة،على ان
ظهور رواية ابن ابي يعفور في عدم الفرق بينالزوج والزوجة
في الارث مما تركته وتركه من الارضالتي هي مورد سؤال
السائل اقوى من ظهور رواياتالحرمان في حرمان الزوجة من
ارث مالية الرباع، فلاتصل النوبة الى التخصيص حتى على
القول بكبرىانقلاب النسبة، بل يجمع بينهما بما
صنعهالصدوق(قدس سره).
وقد يحاول اسقاط اصل رواية ابن ابي يعفور عنالحجية:
تارة: باعتبار اعراض المشهور عنها بناء على انه يوجبوهن
الخبر الصحيح وسقوطه عن الحجية.
واخرى: باعتبار معارضتها مع السنة القطعية المتواترة،وهي
الروايات الدالة على حرمان الزوجة من العقار،فانها كثيرة
مستفيضة تبلغ حد التواتر، وقد حقق فيمحله من علم الاصول
ان الخبر الصحيح اذا خالفالكتاب الكريم او السنة القطعية
بنحو التعارض سقط عنالحجية.
والجواب: اما عن الاعراض، فلم يثبت اعراض عنالعمل بهذه
المعتبرة، كيف وقد صرح الشيخ الصدوق فيالفقيه والشيخ
الطوسي في التهذيب والاستبصار بالعملبها، غاية الامر
خصصوها بما اذا كانت الزوجة ذاتولد.
هذا، مضافا الى ان الاعراض الموجب للوهن انما هوالاعراض
التعبدي الكاشف عن وجود خلل في سند الخبر، فلا يتمفي
مورد يحتمل فيه استناد الفقهاء الى قواعد الجمعالدلالي او
السندي بين المتعارضين، كما في المقام.
واما حديث طرح هذا الخبر الصحيح لمخالفته مع
السنةالقطعية فهو فرع قطعية روايات الحرمان وتواترها
وهوممنوع وفرع تمامية الدلالة على الحرمان عينا
وقيمةبنحو لا يمكن حملها على حرمانها عن خصوص
عينالعقار لا قيمتها. وقد تقدم عدم دلالة جملة منها
علىذلك. وما قد يقال: انه لا يمكن حمله على ذلك لا يبلغحد
التواتر قطعا.
الصنف الرابع:
ويتمثل في رواية عمر بن اذينة المتقدمة المصرحة بانالزوجة
اذا كانت ذات ولد اعطيت من الرباع، وهي اخصمن الروايات
الدالة على الحرمان، بل ناظرة الى ذلكالحكم ، ومفصلة بين
فرض كونها ذات ولد وغير ذاتولد، فتكون مفسرة وحاكمة
على تلك الروايات. ومن هناذهب مشهور القدماء الى هذا
التفصيل.
وقد نوقش في الاستدلال بها تارة من حيث السندواخرى من
حيث الدلالة:
اما من حيث السند فقد ذكر جملة من الفقهاء بانه لايعلم كونها
رواية اصلا، لانها مقطوعة لم يذكر ابن اذينةانه ينقلها عن
المعصوم، فلعله فتواه ونظره، واية حجيةلذلك؟ ! بل شدد مثل
صاحب الجواهر(قدس سره) علىهذا الموقف وافاد بانه لا يشفع
لها عمل الاصحابوالمشهور بها في الحجية، لان الانجبار
بالشهرة فرعاحراز كون الرواية مسندة الى المعصوم، وهذا غير
محرزفي المقام
((18)). وقد تقدم فيما سبق استبعاد هذا
الكلامواندعوى الاطمئنان بكونها رواية عن المعصوم
ليستمجازفة اصلا.
بل من المطمان به ان الخبر المقطوع المذكور من
اصولالحديث خصوصا عن مثل ابن ابي عمير وابن اذينة هوجزء
من الخبر المسند الى المعصوم(ع) المذكوربجملته في ذلك
الاصل المشتمل على احكام متفرقةفي ابواب الفقه الصادرة
عن المعصوم(ع)، وليس فتوىمن قبل صاحب الاصل ولا رواية
مرسلة، فهذه الروايةالمقطوعة بمثابة المضمرة من حيث
الحجية.
قال المحقق الشعراني(قدس سره) في تعليقته على
هذاالحديث في كتاب الوافي: «قوله: «اذا كان لهنولد
اعطينمن الرباع»هذه رواية مقطوعة غير منسوبة
الىالامام(ع)، وهي في حكم المضمرة في ان كليهمايحتملان
الرواية عن المعصوم وعن غيره. ومثلها الروايةالضعيفة التي
يكون احتمال الكذب فيها معتنى به فانهاتحتمل كونها من
معصوم ومن غيره. وقال بعض علمائناالمتاخرين كصاحب
الجواهر وقبله صاحب الكفاية ان المقطوعة لا تجبر بالشهرة
والمضمرة تجبر، وليس وجهالفرق ظاهرا عندي، بل كلاهما
يجبران بالشهرة ان قيلبالانجبار، ولا فرق بينهما وسائر
الضعاف، لان مناطجبر الشهرة قوة الظن بكون الحديث او
مضمونه صادرامن المعصوم، وهذا حاصل في المقطوعة ايضا.
والعلم بمضمون هذه الرواية قوي جدا خصوصا مع انحرمان
الزوجة من بعض التركة خلاف الاصل. وان قلنابحرمانها من
العين دون القيمة فالزامها بقبول القيمةايضا خلاف الاصل، ولا
يحل مال احد الا بطيبنفسه.
وربما يقال: ان حكمة منعها من الرباع جارية في ذاتالولد
وغيرها. وهذا ضعيف، لانالحكمة غير مط ردة.على ان الحكمة
على ما ذكر في الخبر الاحتراز منشركة الاجنبي في العقار
وتناسبه حكمة الشفعة، فلو كانلها ولد كان الاشتراك لولدها
حاصلا قهرا، وهي مشاركةلولدها في الراي والسكنى.
وبالجملة: فعمر بن اذينة من اضبط الناس على ما يعرفمن
تتبع رواياته، وكان له كتاب في الفرائض، وما فيكتابه منقول
كثيرا من جماعة من اصحاب الصادقينغ،ولم يكن يكتفي
بالسماع من واحد منهم.
واحتمال كون الحكم استنباطا من راي ابن اذينة بعيد
فيالغاية
ومدفوع بشهرة العمل بها، وليس ابن اذينة ممن نقل عنهقول
اجتهادا، كالفضل ويونس وجعفر وسماعة، ولابد انيكون
علماؤنا عارفين بقرائن في كتابه تدل على كونهمنقولا عن
الامام(ع)، فالقول بارث ذات الولد قويجدا، كما هو
المشهور»((19)).
وقال بعض الاعلام المعاصرين في رسالته المعقودةلبحث (ارث
الزوجة): «واستشكل فيه بعدم حج يةالمقطوع ، لعدم حجية
قول غير المعصوم.
واجيب عنه: بان ذلك اذا لم يجبر بالشهرة وعملالمشهور به،
فاذا كان الخبر معمولا به مشهورا بينالاصحاب ينجبر ضعفه
بالعمل.
لا يقال: ان العمل يكون جابرا لضعف السند اذا كان الخبرمرويا
عن الامام
كالمرسل. واما اذا لم يكن حاكيا عن قول الامام او فعلهاو تقريره
فلا معنى لجبر ضعف سنده بالعمل، مضافا الىانه لا ضعف
لسند هذه المقطوعة، فانه لا كلام في صحةالسند الى ابن
اذينة.
فانه يقال: لا فرق بين المقطوع والمرسل اذا حصلالاطمئنان
بصدور المتن او مضمونه عن المعصوم،وعمل المشهور وفتوى
الاصحاب وتخريجه في الكتبالمعدة لتخريج احاديث الائمة
المعصومينچ يوجبالاطمئنان بالصدور.
ومن القرائن التي تدل على صدور هذه الجملة عنالمعصوم ان
ابن اذينة ليس ممن يقول شيئا في احكاماللّه من قبل نفسه
ومن غير اعتماد على قول المعصومولا يفتي برايه، ولا يكون
ذلك الا اذا سمع من الامام(ع)او ثبت عنده قوله.
وابن ابي عمير ايضا مع جلالة قدره وعلو شانه فيالتحفظ
والتحرز لا يروي ما ليس صادرا عن المعصومفي الاحكام
الشرعية ولا يخبر عمن ليس فتواه حجة،وكذا من يروي عن
ابن ابي عمير الى زمان الصدوقوالشيخ. فهؤلاء الاجلة لا
يخرجون في كتبهم ورواياتهمفتوى غيرهم كائنا من كان، فما
كان الصدوق ولا الشيخان يرويا ما ليس بحجة عند الشيعة ولم
يصدر عن اهلبيت الوحيچ، فيكشف من ذلك انهم اعتمدوا
على مااخبر به ابن اذينةوقامت لديهم القرائن والامارات
عليكون ما اخبر به كلام الامام(ع) او ما بمعناه.
وبالجملة فهذه القرائن الكثيرة تكفي للاعتماد على خبرابن
اذينة وتحصل لنا الاطمئنان بصدوره عنالمعصوم(ع)، كما
تحصل لنا الاطمئنان بكل حديث كانسنده في غاية الصحة
والاعتبار.
ويؤيد ذلك ويقوي الاطمئنان بصدوره هذه الجملة
عنالامام(ع) ان علماء الفهارس والتراجم عدوا من كتبابن
اذينة كتاب الفرائض، رووه تلامذته عنه، فاكتفى ابنابي عمير
باسم مؤلف الكتاب لمعروفية ذلك التصنيفمنه.
والحاصل: ان الاطمئنان والوثوق بصدور هذا المقطوععن
الامام(ع) لا يقل عن الوثوق بصدور غيره منروايات مسالة
حرمان الزوجة »((20)).
واما من حيث الدلالة فقد اعترض على الاستدلال بهابوجوه:
منها ان تخصيص عمومات الحرمان بصحيحة ابناذينة يوجب
حمل
تلك العمومات او الاطلاقات على النادر، اذ قلما يتفقعدم كون
المراة ذات
ولد((21)).
وفيه: انه ليس نادرا، بل ما اكثر ما لا يكون للزوجة ولدمن
زوجها المتوفى، على ان هذا الحكم حيث انه علىخلاف
القاعدة والاصل والروايات الدالة عليه بحكمالتعليل الوارد فيها
تناسب مع غير ذات الولد. كما انه وردالتفصيل فيها بين قيمة
البناء وعين التربة، وعدم مركوزيةالعمل به في ذات الولد حتى
من قبل اصحاب الائمة آكما تقدم فلا يلزم من اختصاصه
بخصوص الزوجة غيرذات الولد تخصيص عمومات او مطلقات
واضحة عامةالبلوى بموارد نادرة، ليكون مستهجنا او غير
محتمل، بلعلى العكس من ذلك باعتبار غموض اصل مفاد
هذهالروايات، وكونه على خلاف الاصل والقاعدة وظواهرالقرآن
والاحاديث والشهرة وعمل المتشرعة، كلمااختص مفادها
بموارد خاصة كان اقل مخالفة واوفقبالقبول.
ومنها انه لو سلمنا صحة الاستدلال بها فلا تدل هذهالرواية الا
على التفصيل المذكور في الزوجة في ارثهاعن خصوص الرباع،
ولا وجه للتعدي عن
الرباع الى غيرها، فيبقى الباقي تحت العمومات الدالةعلى
حرمان الزوجة
عنه((22)).
وفيه: ان الرباع هي القدر المتيقن من الحكم بحرمانالزوجة
من ارث الارض بحيث لا يحتمل فقهيا بل ولاعرفا وبحسب
لسان الروايات ومناسبة التعليل الواردفيها اختصاص الحرمان
بغير الرباع من الاراضي،فتكون الصحيحة دالة على عدم
حرمان الزوجة من ارثسائر الاراضي غير الرباع بطريق اولى،
ولعمري هذاواضح.
ومنها ان في روايات الحرمان ما هو صريح في حرمانالزوجة
حتى اذا كان في البين ولد للمتوفى، حيث صرحفي بعضها
باعطائها الربع او الثمن من قيمة البناء، والثمنانما يكون في
فرض وجود الولد.
وفيه: ان الثمن انما يعطى لها مع فرض وجود الولدللمتوفى،
وهو اعم من ان يكون من نفس الزوجة اوزوجة اخرى، بينما
الصحيحة دالة على اعطائها منالرباع اذا كان الولد لها، فتكون
اخص من تلك الروايات. وهذا واضح ايضا.
وهكذا يتضح ان مقتضى الصناعة العمل بهذه الروايةللاطمئنان
بكونها كسائر مضمرات الاصحاب صادرة عناحد الصادقينغ.
وعندئذ اذا استظهرنا باحد الوجوهالسابقة انالمراد من حرمان
الزوجة من ارث الاراضيوالرباع في الروايات المتقد مة حرمانها
من اعيانها دونماليتها كما عليه السيد المرتضى.
فالنتيجة هو التفصيل بين ذات الولد فلا تحرم حتى مناعيان
الاراضي كما عليه المشهور وبين غير ذات الولدفتحرم من
اعيان الارض دون قيمتها كما هو مختارالسيد المرتضى
وهذا قول سادس اخص حتى من قولالسيد المرتضى كما اشرنا
اليه سابقا.
لا يقال: هذا على خلاف المفهوم في صحيح ابن اذينةالدال
على حرمان الزوجة وعدم اعطائها من الرباع اذالم يكن لهن
ولد. فانه يقال: تقدم سابقا ان مفهوم هذه الصحيحة ليسباكثر من نقيض منطوقها، ومنطوقها اعطاؤهن من نفسالرباع واعيانها، فيكون قصارى المفهوم فيها ان الزوجةاذا لم تكن ذات ولد لم تعط من عين الرباع، فلا ينافياعطاءها من قيمتها. واللّه الهادي للصواب.
بحث في اللقطة ومجهول المالك/1
آية اللّه السيد كاظم الحائري
الحمد للّه رب العالمين، وصلى اللّه على محمد وآلهالطيبين
الطاهرين .
تعريف الضالة واللقطة : جرى اصطلاح الفقهاء على تسمية الطفل الضائعالملتقط ب (اللقيط) والحيوان ب (الضالة) وغيرهما بآ(اللقطة) . وبحثنا هنا يكون في الضالة واللقطة ومجهولالمالك . اما اللقيط فلا نبحث عنه هنا . |
|---|