في الابدان ، لانها راجعة الى الشركة في المنفعة ، اذالمراد بها
هو ان يوقعا العقد على انيكون نصف خياطتهاو طبابته في
الايام المعينة او مطلقا لصاحبه في قبالتمليك صاحبه نصف
خياطته او طبابته في تلك الايام اومطلقا، وقد عرفت انه لا
دليل على بطلانها عدا دعوىالاجماع على اعتبار المزج، ولم
يثبت الاجماع المذكور،وانما الثابت هو انمورد المزج مجمع
عليه .
وذهب الشيخ الطوسي (قدس سره) في الخلاف الىالبطلان
وقال: «دليلنا: اجماع الفرقة واخبارهم . وايضا:العقود الشرعية
تحتاج الى ادلة شرعية ، وليس في الشرعما يدل على صحة
هذه الشركة . وايضا: نهىالنبى(ص)عن بيع الغرروهذا غرر ،
بدلالة ان كل واحدمنهما لا يدري ايكسب صاحبه شيئا ام لا
يكسب، وكممقدار ما يكسبه»
((99)) .
ويمكن الجواب عن ذلك كله:
اما عن الاجماع: فبما مر من احتمال ان يكون هذاالاجماع
راجعا الى الاجماع المدعى على اعتبار المزج،وقد عرفت ان
ذلك الاجماع غير ثابت، وانما الثابت هوان مورد المزج مجمع
على صحته، وهو غير اعتياد المزجبالاجماعفتامل .
واما عن الاخبار: فباني لم اعثر عليها لا في باب الشركةولا في
غيرها .
واما عن انه ليس في الشرع دلالة شرعية لهذه العقود:فبان
العمومات تكفي لاثبات شرعية الشركة، ولا حاجةالى دلالة
خاصة، بل يكفي بناء العقلاء وعدم الردع عنها.
واما عن النهي عن الغرر: فالثابت هو النهي عن بيع الغررلا
مطلق الغرر، والخطر لا يلزم في العقود الجائزة،والشاهد له: هو
اقدام العقلاء على مثله
كالمضاربة والحوالة مع عدم العلم بوجود الربحومقداره،
وعدم العلم بتحصيل ما يريده الجاعل . هذا،مضافا الى ان مورد
الشركة هو المنفعة، وهي موجودة ، اذالعمل كمنفعة الدار
والشركة تكون فيها، فلا يرد عليهالغرر اصلا . نعم، لو كان مورد
الشركة هو اجرة العمل فيردعليه مضافا الى الغرر
فتامل : ان جعل الاجرة لغير العامل بعقد الشركة
خلافمقتضى دليل صحة الاجارة . اللهم الا ان يراد من
الشركةفي الاجرة الشركة بعدما تدخل في ملك العامل
منهمابحيث تخرج من ملك العامل الى ملك الشريك، فلايكون
مخالفا لمقتضى الدليل .
واما شركة الوجوه: فهي كما في العروة «ان يشتركاثنان
وجيهان
لا مال لهما بعقد الشركة على ان يبتاع كل منهما في ذمتهالى
اجل، ويكون
ما يبتاعه بينهما، فيبيعانه ويؤديان الثمنويكون ما حصلمن
الربح
بينهما »((100)) .
وقيل: «هي ان يبتاع وجيه في الذمة، ويفوض بيعه الىخامل،
ويشترطا ان يكون الربح بينهما »((101)) .
او هي- كما عن الشيخ الطوسي : «ان يبتاع كلمنالشريكين
لنفسه بثمن في ذم ته على ان يكون الربحبينهما »((102)) .
والمحكي عن الشهيد بعد ذكر تفسيرات شركة الوجوه انهقال:
«والكل عندنا باطل، خلافا لابن الجنيد فانه جوزهابالمعنى
الاول، ولابي حنيفة
مطلقا »((103)) .
ثم ان الشيخ الطوسي استدل على البطلان: بانه غررعظيم،
وهو منهى
((104)).
ويمكن ان يقال: لولا الاجماع لامكن الجواب عن الغرربما
عرفت من ان الغرر بمعنى الجهالة لا دليل عليه فيغير البيع،
والغرر بمعنى الخطر لا مصداق له في المقام،فمع وجود بناء
العقلاء عليه يكفيه عدم الردع، فضلا عنوجود العمومات .
واما ما في مباني العروة: من ان مثل هذا العقد داخل فيتمليك
المعدوم، وهو غير جائز
((105)) .
ففيه: ان التمليك هنا كتمليك الحصة في المضاربةونحوها ،
فكما ان الحصة غير موجودة في تلك العقودومع ذلك تكون
المضاربة ونحوها صحيحة عند العقلاء والشرع امضاها، فكذلك
في المقام .
والقول: بان مثل المضاربة ورد فيها الدليل الخاص، غيرسديد
بعد شمول الادلة العامة ، اذ لا فرق بين الدليلالخاص والدليل
العام في اثبات الشرعية .
واما ما في المستمسك: من ان المراد من هذه الشركة لوكان
الابتياع لهما والثمن في ذمة المبتاع المباشر،فالمعاملة في
نفسها باطلةبناء على المشهور من وجوبدخول كل من
العوضين في ملك من خرج منه الاخر ،فانالابتياع اذا كان لهما
فقد دخل في ملك كل منهمانصف المبيع، فيجب ان يخرج
من كل منهما نصفالثمن، ولازمه كون نصف الثمن في ذم ة
احدهماوالنصف الاخر في ذمة الاخر ، لا ان يكون تمام
الثمنفي ذمة احدهما المباشر
((106)) .
فالجواب عنه هو ما افاده في المستمسك: من ان اللازمفي
صدق المعاوضة ان يدخل العوض في ملك مالكالمعوض، ولا
يلزم العكس كما هو الظاهر،
وهو حاصل في المفروض، ومعه تصح المعاملة، ولاموجب
للبطلان الا
الاجماع
((107)) .
هذا، مضافا الى امكان ان يقال: لا يلزم في صدقالمعاوضة ذلك
ايضا: لصدقها ولو دخل العوض في ملكغير مالك المعوض،
فالعمدة هو الاجماع .
ثم انه اورد في المستمسك على الاجماع: بعدم تحصلمعقد
الاجماع ، اذ شركة الوجوه قد فسرت بمعان اربعة،اظهرها او
اشهرها ما ذكره المصنف) . وفي القواعدفسرها: بان يبيع
الوجيه مال الخامل بزيادة ربح ليكون لهبعضهوخصه بالبطلان .
وهذا المعنى ذكره في التذكرةآخر المعاني الاربعة، وذكر قبله:
ان يشترك وجيه لا مالله وخامل ذو مال، ليكون العمل من
الوجيه والمال منالخامل، والمال في يده لا يسلمه الى الوجيه،
والربحبينهما . وذكر قبلهما: ان يبتاع وجيه في الذمة،
ويفوضبيعه الى خامل، ويكون الربح بينهما، عكس
المعنىالمذكور في القواعد .
ويظهر منهم: ان معقد الاجماع مردد بين هذه المعاني،فهو
واحد منها مردد بينها، كما يظهر ايضا من الاقتصارعلى واحد
منها في كلام بعضهم: ان الاجماع لم يكنعلى البطلان في
الجميع .
وحينئذ، كيف يعتمد على مثل هذا الاجماع المرددمعقده ؟ !
ولا سيما بملاحظة ان المعنى الثالث نوع منالمضاربة
الصحيحة لا يختلف عنها الا في خصوصيةالوجاهة والخمول
ومن المعلوم ان هذين القيدين لايوجبان اختصاصه بالبطلان،
ولم يذكر الاصحاب فيشروط صحة المضاربة
انتفاء القيدين المذكورين . نعم، المعنى الذي ذكره فيالقواعد
وعكسه من قبيل الجعالةلكنها لا تصح فيهما ،لما تقدم من
الاشكال في شركة الابدان ، من ان عقدالشركة لا يصلح لتشريع
غير المشروع
((108)) .
ولا يخفى ما فيه ، فانه مع العلم بوجود الاجماع وترددمعقده
بين معان اربعة يلزم الاحتياط في الاربعة، عدا مايعلم من
الخارج انه لا اشكال فيه كالمعنى الثالث، فلايلزم محذور، اللهم
الا ان يكون مقصوده ان عباراتالمجمعين متناقضة: ظاهر
بعضها ان معقد الاجماع مرددبين هذه المعاني، وظاهر بعضها
ان الاجماع ليس مرددافي جميع هذه المعاني .
ولكن لقائل ان يقول: انه بعد معلومية اصل الاجماع لايضره
مناقضة العبارات بعضها مع بعض في مورده ، اذبعد معلومية
اصل الاجماع يلزم الاحتياط في اطرافالمحتملولا تفيد
عبارات القوم بعد تعارضها شيئا فيتعيين مورد الاجماع، ولعل
المتيقن من اطراف المحتملهو الصورة الاولى ، لامكان جعل
البقية من المضاربة اوالجعالة .
ودعوى: انه لا يصح جعل غير الصورة الاولى من قبيلالمضاربة
او
الجعالة ، لان جعل الربح منتقلا الى العامل من اول الامرمن
دون فرض انتقاله اولا الى المالك ثم الى العاملخلاف مقتضى
المعاوضة وادلتها .
مندفعة مضافا الى انهما من مصاديق المضاربةوالجعالة : بما
مر من صدق المعاوضة ولو لم ينتقل الىالمالك، سواء كان ذلك
في طرف الثمن او في طرفالمثمن ، اذ يكفي في صدق
المعاوضة عدم كون الانتقالمجانا .
ثم ان الصور المحتملة ليست باربعة، بل هي خمسة ، لانالشيخ
قال في الخلاف: «صورتهاان يكون رجلانوجيهان في السوق
وليس لهما مال، فيعقدان الشركة علىان يتصرف كل واحد
منهما بجاهه في ذمتهويكون مايرتفع بينهما »((109))، وهي
الصورة الخامسة ، وبما انهاوقعت في كلام الشيخ واسند
الخلاف الى الشافعي وابيحنيفة واستدلبلفظ «دليلنا ... »،
فتكون هذه الصورة منالموارد المتيق نة من الاجماع، كما ان
الصورة الاولى التيذكرها صاحب العروة تكون ايضا من الموارد
المتيقنةللاجماع ، لاسناد هذه الصورة في المسالك والتذكرة
الىالاشهر، واما بقية الموارد فلا شاهد لكونها من مواردالاجماع
مع كونها من موارد المضاربة او الجعالة، وعليهفلا وجه
للتشكيك في معقد الاجماع، بل اللازمالاجتناب عن الشركة
في الصورتين المذكورتين، بل همامتقاربتان من حيث المعنى،
ولعلهما صورة واحدة،وبالجملة ، فلا وجه لرفع اليد عن
الاجماع مع كونهمتصلا الى زمان المعصوم% .
واما شركة المفاوضة التي صورتها: ان يشترك اثنان اوازيد
على ان يكون كل ما يحصل لاحدهما من ربحتجارة او زراعة او
كسب آخر او ارث او وصية او نحوذلك مشتركا بينهماوكذا كل
غرامة ترد على احدهماتكون عليهما فقد ادعى في الجواهر
الاجماع بقسميةعلى فسادها
((110)) وفي محكى مفتاح
الكرامة:«اجماعا، كما في السرائر والايضاح وشرح الارشاد
لولدالمصنف والمهذب البارع والتنقيح وجامع المقاصدوغيرها
»((111)) . قال الشيخ بعد ان خص الخلافبالعامة :«
دليلنا: انه لا دليل على صحة ذلك، وانعقاد الشركةحكم شرعي
يحتاج الى دلالة شرعية الى ان قال:
وايضا: روي عنه (ع) انه نهى عن الغرر، وهذا غرر ، لانهيدخل
في
العقد على ان يشاركه في جميع ما يكسبه وما يضمنهبعد ، من
غصب وضمان وكفالة . وقد يلزمه غرامة،فيحتاج ان يشاركه
فيها على حسب ما دخل عليه فيالعقد، وهذا غرر عظيم
»((112)) .
ولا يخفى عليك ان العمدة هو الاجماع على البطلان،واما ما
ذكره في الخلاف فهو منظور فيه ، اذ الغرر بمعنىالجهالة لا
دليل على النهي عنه في غير البيع وما يلحقبه، والغرر بمعنى
الخطر متى ما كان محتملا في كلطرف فهو كالعدم، ولعل
ضمان الجريرة مثله وهو انيقول من لا وارث له: عاقدتك
على ان تنصرني وتمنععني وتعقل عني وترثني، ويقول
الاخرقبلت
((113)) معانه غررى وخطرى ، اذ الخطر
المذكور متدارك باحتمالالارث او بكون ذلك من الطرفين
فيما اذا كانا معا لاوارث لهما، فلو كان هناك بناء من العقلاء
على المفاوضةفلا يمنع عنه الغرر، كما ان البناء يكفي في
شرعية ذلكمع عدم الردع عنه نعم، يرد عليه:
اولا: بانها تمليك ما قد يملكه في المستقبلوهو معدوم،فيكون
باطلا
((114)) .
اللهم الا ان يقال: ان التمليك في المضاربة يكون كذلكومع
ذلك يراه العقلاء صحيحاوهو يكفي في امكانالثبوت .
هذا، مضافا الى ان التمليك في مثل هذه الامور
فعلى،والمملوك يكون استقباليا وموجودا في ظرف
فرضه،والتمليك متعلق بالشي الموجود على تقدير
الوجود،وكم له من نظير، فتدبر .
وثانيا: ان الربح يكون لصاحبه بدليله، فانتقال بعضه الىغير
صاحبه خلاف ذلك الدليل . وكذلك الغرامة تكونعلى صاحبها
بدليلفثبوتها لغيره خلاف ذلك الدليل .
ومن ذلك يظهر الاشكال فيما ورد في بعض الحواشي((115)):
من انه يمكن تصحيح ذلك بالاشتراط في ضمنعقد لازم آخر ،
اذ بناء على ما ذكرنا يكون مخالفالمقتضى الكتابفلا يصح
.
((116))
اللهم الا ان يقال: اذا كان الشرط المذكور بعد دخول الربحفي
ملك المشروط له لا قبله نظير اشتراط ان يدخلالربح في
ملك العامل بعد ان يدخل في ملك المالك لاقبله فلا يلزم
المخالفة مع مقتضى الادلة
((117)) .
ولكن يرد عليه حينئذ: انه تمليك للمعدوماللهمالا انيقال: ان
المملوك موجود في ظرف وجوده، فتدبر .
فاتضح من جميع ذلك: ان العمدة هو الاجماع المتصلالى
زمان
المعصوم (ع)، فانه يكشف عن تقرير المعصوم (ع) لماذهبوا اليه
ولو كان مستندهم غير صحيح والاجماعمدركيا كما قررناه في
الاصول .
المسالة الثالثة: اعلم انه بناء على عدم صحة الشركة فيالديون
يمكن المصالحة بينهما بعد عدم وجود دليلعلى ممنوعية
مطلق المعاوضة في معاملة الدين بالدين،واما مع ممنوعية
مطلق المعاوضة فيمكن مصالحةنصف الدين بعين دينار في
قبال مصالحة الاخر علىنصف دينه بذلك الدينار .
وكذا بناء على عدم صحة الشركة في المنافع يمكنالمصالحة
على نصف منفعة داره بنصف منفعة دارالاخر، او المصالحة
على نصف منفعة داره بدينار مثلافي قبال مصالحة الاخر نصف
منفعة داره بذلك الدينار.
وايضا بناء على عدم صحة شركة الاعمال يمكنالمصالحة
بينهما بنصف منفعته المعينة او منافعه الىمدة كذا في مقابل
نصف منفعة او منافع الاخر، اوالمصالحة على نصف منفعته
بعوض معين في قبالمصالحة الاخر على نصف منفعته بذلك
العوض .
وايضا مع بطلان شركة الوجوه فان ارادا ذلك على
الوجهالصحيح وكل كل منهما الاخر في الشراء، فاشترى
لهماوفي ذمتهما .
واما مع بطلان شركة المفاوضة فان ارادا ذلك امكنالمصالحة
بينهما على اخذ نصف الارباح المحتملة بازاءاعطاء شي معلوم،
او المصالحة على اعطاء نصفالغرامة بازاء اخذ شي معلوم . وكذا
يمكن تصحيح ذلكبالاشتراط في ضمن عقد لازم آخر غير
الشركة،كمصالحة شي بشي ، واشتراط المفاوضة فيها، كما
ذهباليه المحقق النائيني في تعليقته على شركة العروة
.
((118))
واورد عليه: بان الشرط المذكور مخالف لمقتضى الكتاب.
واجيب عنه: بانه مخالف للاطلاق، ويؤيده الصحيح عنابي عبد
اللّه% في رجلين اشتركا في مال، فربحا فيه،وكان من المال
دين وعليهما دين، فقال احدهما لصاحبه:اعطني راس المال،
ولك الربح وعليك التوى، فقال: «لاباس اذا اشترطا، فاذا كان
شرطا يخالف كتاب اللّه عزوجل فهو رد الى كتاب اللّه عزوجل)
.
((119))
ومن المعلوم ان شرط كون تمام الربح والتوى علىالشريك
شرط يخالف مقتضى الشركةومع ذلك صرحبصحته ولم يجعله
مخالفا للكتابفتدبر
جيدا .
وذهب في المستمسك بعد الاشكال في الشرطالمذكور بانه
مخالف
للكتاب الى امكان تصحيحه بان الظاهر من اشتراطشي من
الربح فيه ان يدخل الربح في ملك المشروط لهبعد ان يدخل
في ملك المشروط عليه لا قبل ان يدخل،نظير اشتراط شي
من الربح للعامل في المضاربة ، فانالمراد به اشتراط ان يدخل
الربح في ملك العامل بعد انيدخل في ملك المالك، لا قبله
ليكون خلاف الادلةالاولية
((120)) .
و اشكل عليه: بانه تمليك ما قد يملكه في المستقبل،وهو باطل
جزما .
ولكن يمكن الجواب عنه: بما مر من كون المضاربةكذلك،
فصحة المضاربة دليل على امكان ذلك ثبوتا،ومع الامكان
الثبوتي يشمله اطلاق ادلة نفوذ الشروط،فتدبر جيدا .
المسالة الرابعة: الظاهر من عبارة السيد الفقيه اليزدي(قدس
سره)
((121)) في المقام ان الشركة بحسب الكيفيةاما ان تكون
بنحو الاشاعة او تكون بنحو الكلي فيالمعين، واليه ذهب في
الجواهر حيث قال: «لا اشكال فيصدق الشركة مع الكلي في
المعين ولا اشاعة . اللهم الاان يراد منها عدم التعيين »((122))
. واورد عليه: بانالفرض خارج عن موضوع الشركة ، فانها انما
تتحقق فيمااذا كان المال الواحد مملوكا لشخصين او اكثر على
نحوالاشاعة بان يكون لكل منهما حصة في كلجزء من
ذلكالمال لا ما اذا كان مال كل منهما مستقلا عن مال
الاخر،وان كانا بحسب الوجود واحدا .
واجيب عنه: بان العبرة في تحقق الشركة انما هي
بوحدةالوجود في الخارج بنظر العرفوهي متحققة فيما
نحنفيه ، حيث لا يكون وجود الكلي منحازا في الخارج
عنوجود الفرد الخارجي، بل الكلي موجود بوجود الفرد ،ومن
هنا فالموجود الواحد في الخارج بالفعل مضافالى مالكين
ولكن بنحوين من الاضافة ، فانه بلحاظالافراد مملوك بتمامه
للمالك وبلحاظ الكلي الذي هوالثاني موجود بوجود الافراد
مضاف ومملوكللمشتري . والحاصل : ان الوجود الواحد لما
كان مضافاالى شخصين تحققت الشركة بينهما فيه وان اختلف
نحوالاضافة اليهما
((123)) .
ويمكن ان يقال: ان اعتبار الملكية في الكلي سواء كانمطلقا
او في المعين ليس بملاحظة وجوده الخارجي،بل بملاحظة
وجوده الذهني ، كما ان عروض الاحكاميكون كذلك ، ولذا
نقول: ان ظرف الاحكام هو الذهن لاالخارج . وعليه فمملوك
المشتري مغاير لمملوك البائع ،لان مملوك المشتري ذهني
ومملوك البائع خارجي،والكلي في المعين قبل تعينه ليس هو
الكلي الطبيعيالمنطبق على الفرد الخارجيبل يتعين بتعيين
المالكالبائع، نعم هو قابل للانطباق، ولا ينطبق الا بتعيين
مالكالصبرة . وهذا بخلاف ما لو كان مملوك المشتري هوالفرد
المردد ، فان المملوك حينئذ يكون مملوكا خارجياوصح ما
ذكر .
ولكن تحديد دائرة الانطباق يدل على انالخارج موردلحق
مالك الكلي في المعين، كما انه ملك لمالكالصبرة، ولعله
يكفي في الاشتراك ، فان الخارج مجمعملكية المالك وحق
مالك الكلي في المعين، وعليهتجري احكام الشركة عليه ،
بمعنى ان مالك الكلي فيالمعين شريك مع مالك العين في
منافع العين وخسرانها،فلو ربح في بيع العين كلها كان مالك
الكلي في المعينشريكا في الربح بمقدار سهمه من الكلي في
المعين لواجاز المعاملةوان خسر بعد الاجازة كان مالك الكلي
فيالمعين شريكا ايضا في الخسران .
وقد صرح السيد الفقيه اليزدي باشتراك الفقراء في الربحعند
اجازة الحاكم، مع ان ملكيتهم للزكاة هي عند السيدبنحو
الكلي في المعينقال في
المسالة (33) من زكاة الغلات: «اذا اتجر بالمال الذي فيهالزكاة
قبل ادائها يكون الربح للفقراء بالنسبة، وان خسريكون خسرانها
عليه »((124)) ، بناء على ان المقصود هوان الربح للفقراء
بالنسبة مع اجازة ولى امر الزكاة، وامابدون الاجازة ففيه اشكال
وان وردت به رواية مرسلة ،كما صرح به السيد المحقق
البروجردي (قدس سره)((125)) . واما وجه كون الخسران
على التاجر لا علىمستحق الزكاة: فلان ولى الامر لايجيز
المعاملة اذا رآهاذات خسران ، لانها حينئذليست في مصلحة
الفقراء .نعم، لو اجاز بعد وضوح كون المعاملة في مصلحةالفقراء
ثم عرض الخسران، فان الخسران يكون علىمستحق الزكاة
ايضا بالنسبة .
والحاصل: ان السيد الفقيه اليزدي مع ذهابه الى ان
الزكاةمتعلقة بالعين
لا على وجه الاشاعة بل على وجه الكلي في المعين آكما اشار
اليه في
المسالة (31) من زكاة الغلات صرح بشركة الفقراء فيالربح
عند الاتجار بالمال الزكوي لو اجاز ولى امر الزكاة .
ومما ذكر يظهر: ان الشركة في الخسران يمكن تصورهاايضا
فيما اذا اجاز مالك الكلي في المعين في التجارةفاتجر مالك
العين بجميع المال ، فان مالك الكلي ومالكالعين يشتركان
حينئذ في الربح والخسران . ولكن يتفرعذلك على بيع تمام
العين .
المسالة الخامسة: ذهب بعض الاعلام الى عدم جوازالشركة او
ابقائها مع من يعتقد بوجوب الخمس ولكن لميؤده، بناء على
تعلق الخمس بالاموال بنحو الاشاعةوكون الشركة على نحو
الاشاعة . والوجه فيه واضح ، لانالشركة مع من لم يؤد الخمس
يوجب التصرف في عينالمال المشترك بينهم وبين ارباب
الخمس من دون اذنهم،وهو لا يجوز .
ومما ذكر يظهر الاشكال في المشاركة مع البنوك فيصورة ما
اذا كان المشاركون ممن يعتقدون بالخمسولكن لم يؤدوه،
فالتصرف يكون محرما، ولا فرق فيذلك بين ان تكون الشركة
في خصوص المضاربة او فيجميع المعاملات المشروعة .
ويمكن التخلص من ذلكبوجوه:
منها: ان يجيز الحاكم الاسلامي المعاملات الواردة علىاعيان
سهام ارباب الخمس عندما يرى المصلحة فيذلك، ولو كانت
المصلحة هي ازدياد سهامهم واحتمالاداء بعض من لم يؤد
الخمس بعد التوبة ، اذ الاجازةحينئذ تكون بنفع ارباب الخمس
. واما مع عدم الاجازةووقوع المعاملات على الاعيان فالتصرف
فيها يكونمحرما، بل فرز السهام محتاج الى اذن الامام،
والارباحالمتعلقة بسهام ارباب الخمس مع عدم الاجازة
وعدمالعلم بمالكيها تكون مجهولة
المالك، وتحتاج في تفكيكها الى اذن الحاكم ايضا .
ومنها: ان يوقعوا المعاملات في ذممهم لا على اعيانالاموال
المجتمعة، كما لعله كذلك في العمليات البنكية ،اذ الاعيان
تصير سببا للاعتبار في الاحاد والافراد اوالجهاتفيتعاملون
بالاعتبار، وعليه فلا يلزم من الشركةالتصرف في الاعيان الا
عند فرز السهام وتحويل اعياناموالهم ، فان اللازم حينئذ اذن
الحاكم بعنوان انه ولىالخمس .
وبالجملة: ان الشركة ترجع الى اجتماع
عدةللمعاملاتبالمباشرة او بالتوكيل، فكل معاملة تقع عن هذه
الشركةفهي انما تقع في ذممهم على نسبة سهامهم،
والربحوالخسارة عائدان لكل ذي سهم بمقدار سهمه، ولايتوهم
انها تنتهي الى شركة الوجوه التي هي ممنوعةبالاجماع ، لانه
في المقام وان تعامل كل واحد منالافراد بذمته ولكن يكون
ربح كل واحد وخسارته لنفسهولا شركة في الربح، بخلاف
شركة الوجوه ، فانها علىما فسره الشيخ الطوسي ان يبتاع
كل من الشريكينلنفسه بثمن في ذمته على ان يكون الربح
بينهما ولواختلفا في النفع، والفرق واضح، وهكذا الامر في
تفسيرالمشهور، فراجع .
هذا كله بناء على تعلق الخمس بنحو الاشاعةواما اذا قلنابان
الخمس متعلق بنحو الحق ، لظهور قوله تعالى:(غنمتم)
((126)) في كون جميع المال مما يغنمهالمخاطبون اذ لو
كان تعلق الخمس بنحو الاشاعة فلاوجه لنسبة الغنيمة الى
جميع المال، بل اللازم هو نسبتهاالى اربعة اسهم منه
فالتصرف في عين المال المشتركوان كان حراما من جهة
كونه متعلقا لحق ارباب الخمس،ولكن لو عصى وتصرف لا يلزم
منه اشتراك اربابالخمس ايضا في المال المشترك .
واما اذا قلنا بان الخمس متعلق بنحو الكلي في المعينفلا يجوز
التصرف في تمام العين ، فانه ينافي الكلي فيالمعين الذي
يكون ملكا لارباب الخمس، فان اجازالحاكم الشرعي ذلك فلا
اشكال في صيرورة اربابالخمس من الشركاء حينئذ، وان لم
يجز الحاكمالمعاملات بقي مقدار حقهم على حاله وكانت
المعاملةبمقداره باطلة، واعطاؤه للغير واخذ مال في
مقابلهتصرف غير مجاز، بل فرز السهام يحتاج الى اذن الحاكم.
و لكن تعلق الخمس بنحو الكلي في المعين لا يساعدنسبة
جميع الغنيمة الى المخاطبين في قوله تعالى:(غنمتم) ، اذ
مقدار الكلي لارباب الخمس، وبقية الكلامفي محله .
ثم ان الاستدلال باخبار تحليل الخمس للدلالة علىجواز
الشركة مع من لم يؤد الخمس مشكل، واليك بعضهذه
الاخبار:
1 صحيحة الحارث بن المغيرة النصري عن ابي عبداللّه (ع)،
قال: قلت له: ان لنا اموالا من غلات وتجاراتونحو ذلك، وقد
علمت ان لك فيها حقا ؟ قال:
«فلم احللنا اذا لشيعتنا الا لتطيب ولادتهم ! و كل منوالى
آبائي فهو في حل مما في ايديهم من حقنا، فليبلغالشاهد
الغائب »((127)) .
2 صحيحة الفضلاء عن ابي جعفر% قال: «قال اميرالمؤمنين %:
هلك الناس في بطونهم وفروجهم ، لانهملم يؤدوا الينا حقنا .
الا وانشيعتنا من ذلك وآباءهم فيحل »((128)) . ووجه
الاشكال امور:
منها: ان اخبار التحليل معارضة مع ما دل على وجوبالخمس،
والترجيح مع الثاني ، لاعراض الاصحاب عنالاول .
ومنها: ان اخبار التحليل محمولة على الحكم السلطانيالمؤقت
.
ومنها: ان الاخبار المذكورة في مقابل العامة الذين لايعتقدون
بالخمس، فشمولها بالنسبة الى المعتقدينالذين لم يؤدوا
الخمس غير واضح . اللهم الا ان يستفادمن الاطلاق في
صحيحة الحارث النصري وقوله (ع)في خبر يونس بن يعقوب:
«ما انصفناكم ان كلفناكم ذلكاليوم »((129)) وقوله (ع): «الا
لتطيب ولادتهم »ان الائمةچ لم يريدوا وقوع الشيعة في عدم
الطهارة والكلفةوالضيق الواردة من ناحية خمس الا؟خرين . وعليه، فمناعطى الخمس بنفسه فهو في حل بالنسبة الى الشركة معمن لم يؤد الخمس ولو كان شيعيا، كما افتى به السيدالمحقق الخوئي ومن تبعه في حاشية التوضيح، فتدبر.
دراسات وبحوث التراث الثقافي في الفقه الاسلامي الاستاذ الشيخ محسن الاراكي
تمهيد حول منهج البحث:
قبل كل شي ينبغي ان نشير الى المعالم العامة لمنهجالبحث
عن التراث الثقافي وحكمه الفقهي فيالاسلام.
ان تحديد الحكم الفقهي لكل موضوع ينطوي علىمرحلتين
اساسيتين:
المرحلة الاولى: مرحلة تحديد الموضوع، ونعنيبالموضوع:
الشي الذي نبحث عن حكمه الفقهي.
المرحلة الثانية: مرحلة استنباط الحكم الشرعي الثابتلذلك
الموضوع في ضوء الادلة الشرعية، ونصوصالكتاب والسنة.
ثم ان كلا من هاتين المرحلتين يشتمل على عدةخطوات.
اما المرحلة الاولى وهي تحديد الموضوع فتشتملعلى ما لا
يقل عن خمس خطوات:
الاولى: تحديد ما اذا كان الموضوع منصوصا عليه فيالشرع
بالنص الخاص، او بالنص العام، او مشمولاللقواعد العامة التي
قررها الشرع لما لا يعلم حكمهالشرعي الاولي.
الثانية: فان كان الموضوع منصوصا عليه بالنص الخاصاو العام
فلابد في المرحلة الثانية من تحديد طبيعةالموضوع من ناحية
كونه موضوعا شرعيا او عرفيا.
ونقصد بالموضوع الشرعي: ما نص الشارع على تحديدمعين له
كالمسافة التي يقصر فيها المسافر صلاتهالرباعية، او السارق
الذي يجب عليه الحد.
ونقصد بالموضوع العرفي: كل شي ثبت له الحكمالشرعي من
دون نص من الشارع على تحديد خاصللموضوع، فيرجع في
تحديده الى العرف.
الثالثة: فان كان الموضوع شرعيا، كان الشرع المتمثل
فينصوص الكتاب والسنة هو المصدر الذي يرجع اليه
فيتحديد الموضوع، وان كان الموضوع عرفيا كان العرفهو
المرجع في تحديد الموضوع.
هذا من ناحية تحديد الموضوع من الناحية المفهوميةوعلى
المستوى النظري، واما على المستوى التطبيقيومن جهة
المصداق بعد تحديد مفهومه النظري، فقديكون الموضوع امرا
عاديا لا يتوقف تحديد مصداقهالخارجي الى خبرة واختصاص
كالماء الذي يجباستعماله في الطهارة فيكون العرف العام هو
المرجع فيتحديد الموضوع على مستوى التطبيق، وقد
يكونالموضوع امرا يتوقف تطبيق مفهومه على
مصداقهالخارجي وتحديد الامر الخارجي الذي ينطبق
عليهمفهومه الى خبرة واختصاص كمفهوم الضرر مثلا،
اذيتوقف تحديد مصداقه في بعض الاحيان على مراجعةاهل
الخبرة والاختصاص، وحينئذ يكون المرجع فيتحديد الموضوع
على مستوى التطبيق راي اهل الخبرةوالاختصاص.
الرابعة: ثم ان الموضوع سواء اكان شرعيا او عرفيا قدتكون له
احوال مختلفة يختلف بحسبها الحكم الشرعي،فلابد من
ملاحظة احوال الموضوع المختلفة وتمييز كلحالة عن غيرها
ليتم تحديد الحكم الشرعي لكل حالةمن حالات الموضوع
وصفاته بحسبها.
ثم ان الحالة او الصفة التي يكتسب الموضوع حكمهالشرعي
بلحاظها قد تكون بنفسها حالة او صفة شرعية،وقد تكون حالة
او صفة عرفية، فلابد في تحديد الحالةاو الصفة المعينة من
مراجعة الشرع ان كانت الصفة اوالحالة شرعية، ومن مراجعة
العرف ان كانت عرفية.
الخامسة: وقد يكون الموضوع موضوعا يقبل التطوروالتغيير من
ناحية ذاته او من ناحية صفته او حالته التيثبت له الحكم
الشرعي بسببها، وقد
يكون التطور والتغيير الذي يلحق بالموضوع تطوراوتغييرا
طبيعيا كالحجر او التراب الذي يتحول الى معدنفيتغير حكمه
الشرعي بسبب هذا التغيير، وقد يكونالموضوع موضوعا
اجتماعيا، والتغيير الطارئ عليه ايضاتغييرا اجتماعيا، والتغيير
الاجتماعي هذا قد يكون تغييراخاضعا لعامل الزمن، وقد يكون
تغييرا خاضعا لعواملجغرافية او غيرهما من العوامل المؤثرة في
التغييرالاجتماعي، وتطور الظاهرة الاجتماعية. فلابد للفقيه
منمواكبة تغيرات موضوع الحكم الشرعي ومتابعة
تطوراتهالطبيعية او الاجتماعية قبل ابداء الراي في
حكمهالشرعي، فاذا فرغ من تحديد الموضوع في حالته
التييراد بيان حكمه الشرعي بحسبها صح له استنباط
الحكمالشرعي الثابت لموضوعه من ادلته الشرعية.
كل هذا من خطوات المرحلة الاولى، وهي مرحلةتحديد
الموضوع.
اما المرحلة الثانية: وهي مرحلة استنباط الحكم الشرعيبعد
الفراغ من تحديد الموضوع، فهي تشتمل غالبا علىما لا يقل
عن سبع خطوات:
الاولى: مراجعة مصادر التشريع وهي الكتاب والسنة،او العقل
او الاجماع
الكاشفان عنهما حسب موازين الكشف المبحوث عنهافي
محله والفحص عن الدليل الخاص او العام الذييمكن
استنباط الحكم الشرعي منه.
الثانية: فاذا تم العثور على الدليل الخاص او العام فلابدمن
التثبت عن صحة سنده اذا لم يكن قطعي السند.
الثالثة: واذا كان الدليل قطعي السند او ثبتت صحته سندافلابد
من البحث عن مدى دلالته على الحكم الشرعيالمبحوث عنه،
وتحديد ما يدل عليه من الحكمالشرعي.
الرابعة: فاذا تم تحديد دلالة الدليل الشرعي بعد الفراغعن
صحة سنده لزم الفحص عن الدليل المعارض، فانلم يوجد
معارض للدليل او وجد ولكن لم تتوفر فيهشروط الحجية
تماستنباط الحكم الشرعي وفقا لما يدلعليه الدليل حسب
موازين الدلالة والظهور العرفياللغوي.
الخامسة: وان وجد المعارض الذي توفرت فيه شروطالحجية
لزم تحديد نسبة المعارض الى الدليل، وتعييننوع التعارض،
من كونه تعارضا بدويا غير مستقر يقبلالجمع العرفي، او تعارضا
مستقرا يابى الجمع العرفي.
السادسة: اعمال قواعد الجمع العرفي ان كان التعارضغير
مستقر، واعمال قواعد باب التعارض ان كانالتعارض مستقرا،
ثم الخروج بالنتيجة التي تفرضهاقواعد الجمع العرفي عند
التعارض غير المستقر اوقواعد التعادل والترجيح عند التعارض
المستقر.
السابعة: وعند فقدان الدليل الخاص او العام على
الحكمالشرعي وعدم العثور على شي من ذلك في
مصادرالتشريع يتعين الرجوع الى القواعد الشرعية التي
تحددالموقف العملي الشرعي في مثل الموضوع المبحوثعن
حكمه عند فقدان الدليل، ويصطلح على هذه القواعدالشرعية
في عرف الاصوليين بالاصول العملية.
التراث الثقافي في الفقه الاسلامي:
والان وبعد تحديد المعالم العامة لمنهج البحث هنا،ينبغي ان
ندخل صميم البحث لنحدد الحكم الفقهيللتراث الثقافي على
ضوء المنهج الذي اشرنا الى معالمهالعامة، وذلك ضمن فصلين:
الفصل الاول
تحديد الموضوع
ان الموضوع الذي نبحث عن حكمه الفقهي وهو
(التراثالثقافي) من الموضوعات المستجدة، وذلك يعني
عدموروده بهذا العنوان والمفهوم في شي من
النصوصالشرعية، فلابد اذن من اجل معرفة الحكم الشرعي
لهذاالموضوع المستجد من ان نحدد هذا الموضوع
ضمنالخطوات التالية:
الاولى: ان نحدد المراد بهذا المفهوم في العرفالمعاصر.
الثانية: مراجعة النصوص الشرعية والفحص عن
عناوينالموضوعات الواردة فيها مما يمكن انطباقه انطباقا
كليااو جزئيا على الموضوع المبحوث عنه، وهو
(التراثالثقافي) بحسب مفهومه العرفي المعاصر.
الثالثة: تطبيق العناوين الواردة في النصوص الشرعيةعلى
الموضوع المبحوث عنه تمهيدا لاستنباط حكمهالشرعي من
خلال الادلة والنصوص.
وبناء على هذا سوف نحاول تحديد موضوع البحثضمن
الابحاث التالية:
البحث الاول: مفهوم التراث الثقافي في العرفالمعاصر:
لم نعثر في المصادر الثقافية والقانونية التي راجعناهاعلى
تحديد واضح لمفهوم (التراث الثقافي) يمكنالتعويل عليه،
ولكن من خلال متابعة موارد استعمالعبارة التراث الثقافي
ومراجعة المصادر التي استخدمتفيها هذه العبارة نجد ان
اوسع مفهوم يتلائم مع مواضعاستخدام هذه الكلمة وموارد
استعمالها عبارة عن: (الاثرالتاريخي المشتمل على صفة
مفيدة) سواء كانت الفائدةعلمية بان كان الاثر التاريخي
مشتملا على مضمونعلمي، او كانت الفائدة فائدة فنية او ادبية
بان اشتملالاثر التاريخي على مضمون فني او ادبي، او
كانتالفائدة فائدة معنوية كما اذا كان الاثر التاريخي يمثلهوية
المجتمع ويعبر عن ثقافته او قيمه التي يؤمن بها،او كانت
الفائدة فائدة اقتصادية بحتة بان اشتمل الاثرالتاريخي على
مضمون يدر نفعا اقتصاديا اما مباشرا كمااذا كان الاثر التاريخي
بنفسه ثروة اقتصادية، او غيرمباشر كما اذا كان الاثر التاريخي
يستثير رغبة الناس فيالاستطلاع وبذلك يؤدي الى نفع
اقتصادي من خلالجلبه للسائحين وتاثيره في تنشيط حركة
السياحةالمحلية او العالمية.
ثم ان اهمية هذا الاثر التاريخي تتفاوت بحسب تفاوتاهمية
هذه الفائدة كما ونوعا، فقد تكون الفائدة فائدةخاصة باناس
معينين، وقد تكون الفائدة عامة تشملقطاعا واسعا من الناس،
وقد تكون الفائدة غير ذاتاهمية من حيث نوعيتها لعدم
مساسها بالقضاياالمصيرية في حياة الناس، وقد تكون الفائدة
ذات اهميةبالغة في حياة الناس، بل قد تمس كرامة امة
باسرهاوتعتبر ذات مساس قريب بهوية شعب كامل، وذاتتاثير
في بناء شخصية الشعب من الناحية الحضاريةوالثقافية.
ان من اهم العناصر التي تحافظ على تماسك الامموالشعوب
ضمن حركة التطور الاجتماعي، ومن اهم مايضمن للامة
قدرتها على مواصلة الحياة من ناحية وعلىالرقي في سلم
الكمال من ناحية اءخرى في خضمالتنافس القائم بين الشعوب
في حلبة الصراع على البقاءوالحصول على مواهب الحياة، هو
ثقافة الامة وقيمهاالحضارية التي تتجسد ضمنها هويتها، ويتم
من خلالهابناء الكيان الروحي للامة وتماسك شخصيتها
وانسجاممقوماتها الداخلية.
وللتراث الثقافي اهم الادوار في استمرارية هوية الامةوالحفاظ
على ثقافتها وقيمها الحضارية، حتى يمكنالقول ان من غير
الممكن ان تكون للامة ثقافة يتقوم بهاكيانها الروحي والمعنوي
من غير تراث ثقافي يمدروحالام ة وشخصيتها الفكرية والثقافية
بالمضمون الثقافيالخاص وبالقيم الحضارية المنبثقة منه.
ومن هنا فقد يكتسب التراث الثقافي اهمية بالغة عندمايرتبط
مع هوية الامة ومقومات كيانها الحضاريوالثقافي، بل قد
تتجاوز اهمية التراث الثقافي في حدودالامة المعينة والشعب
الخاص ليحتل موقعا جوهريا فيبناء الثقافة البشرية على
العموم، وبذلك يتحول التراثالثقافي من كونه عنصرا اساسيا
في هوية شعب خاصالى كونه عنصرا مقوما للهوية الانسانية
كلها والكيانالبشري على العموم.
البحث الثاني: تحديد العناوين الواردة في النصوصالشرعية
مما يقبل الانطباق على التراث الثقافي بحسبمفهومه العرفي.
حسب تتبعنا في مصادر الشريعة فان العناوين التيوردت فيها
مما يمكن انطباقه على التراث الثقافي، هيكالتالي:
الاول الشعائر الالهية:
ان من التراث الثقافي ما يندرج تحت عنوان الشعائرالالهية،
وقد قال تعالى في كتابه الكريم: (ذلك ومن يعظمشعائر اللّه
فانها من تقوى القلوب)((130))، وقال تعالى:(يا اءيها الذين
آمنوا لا تحلوا شعائر اللّه)((131)). وقد وردفي تفسير مجمع
البيان تحديد الشعائر بانها : «المعالمللاعمال، وشعائر اللّه
معالمه التي جعلها مواطنللعبادة، وكل معلم لعبادة من دعاء
او صلاة او غيرهمافهو مشعر لتلك العبادة، وواحد
الشعائر:شعيرة»((132)).
ويبدو ان لفظ «الشعائر»حسب هذا التعريف لا يختصبامكنه
الصلاة والدعاء فحسب، بل يشتمل كل مكان اومعلم اختص
بعمل ندب اليه الشارع، فيشمل مثلالمدارس والامكنة
المختصة بطلب العلم، وقد ندبالشارع المقدس الى طلب
العلم ندبا مؤكدا جعل منطلب العلم وطالبه امرا محاطا بهالة
من التقديسالديني، فقد جاء في الحديث عن رسول اللّه
(ص)«منزار عالما فكانما زارني، ومن صافح عالما
فكانماصافحني، ومن جالس عالما فكانما جالسني،
ومنجالسني في الدنيا اجلسه معي يوم القيامة، فاذا جاءالموت
يطلب صاحب العلم وهو يطلب العلم ماتشهيدا، ومن اراد
رضائي فليكرم صديقي»قالوا: يا رسولاللّه، من صديقك؟ قال:
«صديقي طالب العلم وهو احبالى من الملائكة، ومن اكرمه
فقد اكرمني، ومن اكرمنيفقد اكرم اللّه، ومن اكرم اللّه فله
الجنة، فانه ليس شياحب الى اللّه عز وجل من هذا العلم،
ومذاكرة العلمساعة احب الى اللّه عز وجل من عبادة عشرة
آلاف سنة،وطوبى لطالب العلم يوم القيامة»((133)).
وروى امير المؤمنين علي بن ابي طالبچ عن
رسولاللّه(ص)انه قال: «من خرج يوما في طلب العلم فله
اجرسبعين نبيا»((134)).
وقد وردت بمثل هذا المضمون احاديث كثيرة جدايستفاد من
مجموعها ان طلب العلم بنفسه من اعظمالعبادات، وانه اعظم
عند اللّه من الصلاة والصياموامثالهما من العبادات، فيكون
المعلم المختص بطلبالعلم ونشره معلما من معالم اللّه
وشعيرة من شعائر اللّه،كما هو الحال في المعالم المختصة
بسائر انواع العبادةوالقربة الى اللّه تعالى.
ومهما يكن من امر فالشعيرة الالهية تشمل كلمكاناختص
بعمل ندب اليه الشرع من صلاة او ذكر او علم اوما شابه ذلك،
سواء اكان اختصاص المكان بذلك العلمبسبب من الشارع
كالمساجد او بسبب من الناس انفسهمكسائر الاماكن التي
يخصصها الناس للد عاء او قراءةالقرآن او التعليم، بحيث يختص
لدى العرف بذلك، فانالاختصاص العرفي للمكان بالعمل
المندوب المقربالى اللّه تعالى يجعل المكان مما يصدق عليه
انه معلممن معالم العبادة والقربة الى اللّه، فيصدق عليه
عنوانالشعيرة الالهية.
الثاني آيات الموعظة والعبرة:
وهي الاثر التاريخي الذي يشتمل على صفة تذكر باللّهسبحانه
او بامره ونهيه او ما يتعلق بذلك كثار الماضينالتي تذكر
الانسان بفناء الحياة الدنيا ونعيمها وزوال مافيها من الثروة
والجاه والقدرة والسلطة، وان الملكوالبقاء للّه وحده، وان بيده
الخير وله الامر واليه تصيرالاشياء وترجع الامور.
وقد وردت في الكتاب العزيز آيات كثيرة تدعو الناسالى التدبر
في هذه الايات والنظر فيها والاعتبار بها، فقدقال تعالى: (اءو لم
يسيروا في الارض فينظروا كيف كانعاقبة الذين من
قبلهمكانوا اءشد منهم قوة واءثاروا الارضوعمروها اءكثر مما
عمروها وجاءتهم رسلهم بالبيناتفما كان اللّه ليظلمهم ولكن
كانوا اءنفسهميظلمون)((135))، وقال تعالى: (فكاءين من قرية
اءهلكناهاوهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة
وقصرمشيد # اءفلميسيروا في الارض فتكون لهم
قلوبيعقلونبها اءو آذان يسمعون بها فانها لا تعمى الابصار
ولكنتعمى القلوب التي في الصدور)((136)).
نجد في هذه الايات وامثالها ندبا مؤكدا الى النظر فيآثار
الماضين والتدبر فيها والاعتبار بها، ونجد فيالايتين
الاخيرتين بالذات تصريحا بالسبب الذي ندبالشرع من اجله
الى النظر في آثار الماضين، وهو ان تكونللناظرين اليها قلوب
يعقلون بها او آذان يسمعون بها،وان العمى ليس عمى الابصار
بل هو عمى القلوب التيفي الصدور.
فان كان لاثار الماضين هذا التاثير البالغ في احياءالقلوب
وتوعيتها وعرفنا ان توعية القلب وتجنيب النفسغفلتها التي
تؤدي بها الى الهلاك من اهم ما ندب اليهالشرع بل اوجبه واكد
عليه، عرفنا ما لهذه الاثار من قيمةفي المنظار الشرعي، وما
للحفاظ عليها لهذا الغرض مناهمية مؤكدة في شريعة اللّه
سبحانه وتعالى.
وقد روى شاذان بن جبرئيل القمي في كتاب الفضائلعن عمار
الساباطي، قال: قدم امير المؤمنين(ع) المدائنفنزل ايوان
كسرى، وكان معه دلف بن بحير، فلما صلىقام وقال لدلف:
«قم معي»وكان معه جماعة من اهلساباط، فما زال يطوف
منازل كسرى، ويقول لدلف: «كانلكسرى في هذا المكان كذا
وكذا»ويقول دلف: هو واللّهكذلك حتى طاف المواضع بجميع
من كان عنده، ودلفيقول: يا سيدي ومولاي، كانك وضعت
هذه الاشياء فيهذه المساكن((137))، الخبر.
وقال الزمخشري في ربيع الابرار: «الايوان اي ايوانكسرى
عن بغداد على مرحلة الى ان قال ولما بنىالمنصور بغداد،
احب ان ينقضه ويبني بنقضه فاستشارخالد بن برمك فنهاه،
وقال: هو آية الاسلام، ومن رآهعلم ان من هذا بناه لا يزيل امره
الا نبى، وهو مصلىعلي بن ابي طالب(ع) »((138)).
الثالث المصلحة العامة:
قد يعتبر الاثر التاريخي كما اشرنا سابقا عنوانا لهويةشعب ما
او تذكارا يعبر عن امجاده، فيكون في الحفاظعلى هذا الاثر
مصلحة معنوية عامة، وقد يكون الاثرالتاريخي مشتملا على
صفة او صفات معينة يتمتعبرؤيتها السائحون، فتكون في
الحفاظ عليها ورعايتهامصلحة اقتصادية عامة، وقد وردت
نصوص كثيرة تدلعلى عدم جواز التفريط بالمصالح العامة
وضرورة القيامبكل ما من شانه الحفاظ على المصالح
العامةورعايتها.
فمن ذلك قوله تعالى: (و لا تفسدوا في الارضبعد
اصلاحها)((139)).
وما ورد في الصحيح عن النبي(ص)انه قال: «من اصبح لايهتم
بامور المسلمين فليس بمسلم»((140))، وما ورد من
قوله(ص)«لا ضرر ولا ضرار»((141)).
الرابع الاثر العلمي:
ويقصد بالعلم في النصوص الشرعية مفهومه العرفيالعام
الشامل للفن والادب، وقد وردت احاديث كثيرةعن رسول
اللّه(ص)، تؤكد على ضرورة التعلم ونشرالعلم وضرورة
المحافظة على الاثار العلمية، فقد روىالامام جعفر الصادق
عن ابائهچ: «ان رجلا جاء الى رسولاللّه فقال: يا رسول اللّه
ما العلم؟ قال: الانصات قال: ثم مه؟ قال: الاستماع، قال:ثم مه؟
قال: الحفظ، قال: ثم مه؟ قال: العمل به، قال: ثممه؟ قال:
نشره»((142))، وروي عن الامام جعفرالصادق(ع) انه قال:
«احتفظوا بكتبكم فانكم سوفتحتاجون اليها»((143)).
الخامس العمران والاحياء:
كل شي يصلح لكي ينتفع به ان كان الانتفاع به متوقفاعلى
اصلاحه او العمل فيه بما يؤهله للانتفاع به،فاصلاحه وتاهيله
للانتفاع به يعتبر احياء وعمرانا، سواءكان هذا الشي ارضا او بناء،
او اثرا فنيا او علميا، وقد امراللّه سبحانه بعمارة الارض وما فيها،
فقد قال سبحانهوتعالى: (هو اءنشاءكم من
الارضواستعمركمفيها)((144)).
وروى السيد المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه عنتفسير
النعماني
عن امير المؤمنين علي بن ابي طالبچ في حديث لهحول
معايش الخلق
وانها خمسة: الامارة، والعمارة، والتجارة، والاجارة،والصدقات
قال : واما وجه العمارة فقوله تعالى: (هوالذي اءنشاءكم من
الارضواستعمركم
ف يها)((145)).
السادس التعاون على البر والتقوى:
قد يكون الاثر التاريخي مشتملا على صفة تدعو الىالفضيلة
والتقوى او تشجع عليهما وعلى مضمون منمضامين الخير
والصلاح كما لو كان مسكنا او محلا لكبيرمن كبار الاتقياء
والصلحاء فضلا عما اذا كان دارا اومدفنا لنبى او امام من ائمة
الهدى سلام اللّه عليهماجمعين، فيكون احياؤه والحفاظ عليه
والاهتمام بشؤونهمما يساهم في اشاعة الخير والتقوى بين
الناس، ويكونمصداقا للاعانة على البر والتقوى بل مصداقا
للبرنفسه.
فان مما لا شك فيه ان القيام بشؤون المكان الذي يذكرالناس
باللّه سبحانه ويثير فيهم حبالفضيلة والتقوىوتسهيل امر
الاستفادة منه لغرض توثيق الارتباط باللّهسبحانه وتعظيم
ذكره واحياء القيم والمفاهيم والافكارالتي كان ذلك الكبير
الذي ينتسب اليه المكان حاملا لهاوداعيا اليها، كل ذلك يعتبر
من المصاديق البارزة للاعانةعلى البر والتقوى، بل يعتبر من
البر والتقوى والخيرالذي دعا اليه الكتاب الكريم والسنة النبوية
الشريفة، قالسبحانه: (وتعاونوا على البر والتقوى)((146))،
وقالتعالى: (وافعلوا الخير)((147)).
السابع المال النافع او الثروة الاقتصادية:
قد لا يكون الاثر التاريخي مشتملا على مضموناخلاقي او
ديني خاص، وانما يعبر عن حالة ثقافيةلمرحلة تاريخية معينة
عاشها الانسان في الزمن الغابر،وذلك مما يستهوي الناس
المولعين برؤية الاثارالتاريخية، وكذا الراغبين اليها لحب
الاستطلاع منمختلف مناطق العالم.
والاثر التاريخي في هذا الفرض يعتبر ثروة اقتصاديةكبيرة لما
يترتب عليه
من منافع اقتصادية بسبب جلبه للسائحين وتاثيره البالغفي
تنشيط حركة السياحة المحلية والعالمية.
وعندئذ يعتبر الاثر التاريخي مالا وثروة كسائر
الثرواتالاقتصادية مم ا يجب احياؤه وعمارته والمحافظة
عليهوالقيام بشؤونه، ولا يجوز التفريط به بحال من
الاحوال،شانه شان سائر الثروات الاقتصادية. وقد نهى اللّه سبحانه وتعالى في كتابه الكريم عنالتفريط بالاموال، فقال سبحانه: (ولا تؤتوا السفهاءاءموالكم التي جعل اللّه لكم قياما )((148)). وقد ورد فيالحديث الشريف الندب الى استصلاح المال والتاكيدعليه.
|
|---|