الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

هذه هي العناوين التي وردت في النصوص الشرعية ممايصلح للانطباق على (التراث الثقافي) بمفهومه العرفي‏الذي اسلفناه.

وسوف نوضح في البحث التالي كيفية‏انطباقها على التراث الثقافي، وحدود هذا الانطباق‏ومداه.

البحث الثالث: وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الاول: حول تطبيق العناوين المذكورة الواردة‏في النصوص الشرعية على موضوع (التراث الثقافي)حسب مفهومه العرفي.

ان ما ذكرناه من تحديد (التراث الثقافي) في مفهومه‏العرفي وهو انه «الاثر التاريخي المشتمل على صفة‏مفيدة‏»، بالرغم من سعته الشاملة في اغلب الظن لاكثرمما حددته المراجع القانونية من مصاديق التراث‏الثقافي، يشمله جميع ما ذكرناه من العناوين الواردة في‏النصوص الشرعية شمولا كليا او جزئيا.

وهذا ما نوضحه‏في البيان التالي:

العنوانان الخامس والسابع، وهما عنوان (ما يقبل العمارة‏والاحياء) وعنوان (المال النافع او الثروة الاقتصادية)يكادان يشملان كل مصاديق التراث الثقافي بالمفهوم‏المذكور، ويترتب على ذلك ان الاحكام الشرعية التي‏دلت النصوص على ثبوتها لهذين العنوانين تشمل‏التراث الثقافي بكل مصاديقه ما دام مندرجا تحت احدالعنوانين من المال النافع او ما يصلح للعمارة‏والاحياء.

واما العناوين الاخرى فان انطباقها على (التراث‏الثقافي) بمفهومه الانف الذكر ليس انطباقا كليا بل هوانطباق جزئي، وان كان واسعا كثير الموارد في حدذاته.

فالعنوان الثالث وهو عنوان المصلحة العامة انما ينطبق‏على التراث الثقافي اذا كان مشتملا على صفة معينة‏تجلب نفعا عاما او تحقق مصلحة عامة للناس سواءاكانت مصلحة معنوية او مادية كما وضحنا سابقا.والتراث الثقافي ليس دائما مما يجلب مصلحة عامة،وانما التراث الثقافي الذي يجلب مصلحة عامة هو مايبلغ من الاهمية المعنوية درجة تجعله مما تناط به هوية‏شعب ما او تتجلى فيه قيم جماعة كبيرة من الناس‏ومثلهم التي يقدسونها، او يبلغ من الاهمية الاقتصادية‏مرتبة تجعله مما يناط به نفع كبير لشعب ما او جماعة‏كبيرة من الناس.

هذا هو الاطار العام لمفهوم المصلحة العامة، اماتحديده الدقيق فذلك انما يتم كما هو الحال في سائرالمفاهيم العرفية من خلال المؤسسات العرفية التي‏يرجع اليها في التحديد الدقيق لمصاديق المصالح العامة‏للامم والشعوب، فان المصلحة العامة من المفاهيم‏العرفية التي يرجع في تحديدها الى العرف،والمؤسسات العرفية في الغالب تمثل العرف العام في‏هذا المجال.

والعنوان الاول وهو (الشعائر الالهية) ايضا ليس ممايشمل كل تراث ثقافي وانما يختص بالتراث الثقافي‏المشتمل كما اسلفنا على صفة تجعله معلما لما ندب‏اليه الشرع الشريف، والمعلم هو الاثر او هو المكان‏المختص شرعا او عرفا بعمل مندوب اليه في الشرع‏من عبادة او ذكر او علم او سبيل من سبل المعروف‏والخير التي دعا اليها الشرع الشريف.

ثم ان المعلم المختص بما ندب اليه الشرع قد يصبح‏شعارا الهيا بتخصيص من الشارع نفسه كالمسجد، اوالامكنة المختصة بمناسك الحج او غير ذلك مما تم‏اختصاصه بالعمل المندوب الشرعي، بفعل الشارع نفسه‏والامر واضح غالبا في مثل هذه الشعائر الالهية، لقطعية‏تخصيصها بالعبادة وعمل الخير من قبل الشارع بالنقل‏المتواتر والسيرة القطعية للمسلمين وغير ذلك من‏الدلائل الواضحة.

اما الاثار والاماكن التي لم يتم تخصيصها بفعل من‏الشارع نفسه فان تم اختصاصها على مرالزمن بفعل‏الناس حتى اصبح اختصاصها بالعمل الشرعي المندوب‏شائعا معلوما لدى الناس فلا كلام في ذلك ايضا، وان لم‏يكن اختصاصها بالعمل الشرعي المندوب امرا شائعامعلوما للناس فان دل ت الامارات والدلائل المقبولة‏لدى عرف الناس على ذلك، وقامت على ذلك بينة‏عادلة او دليل من شرع او عقل اخذ به، والا خرج عن‏دائرة الشعائر الالهية، ولا تجري فيه حينئذ ما يجري في‏الشعائر الالهية من الاحكام الشرعية.

واما العناوين الثلاثة الاخرى وهي: آية الموعظة والعبرة(العنوان الثاني(والاثر العلمي (العنوان الرابع) والتعاون‏على البر والتقوى (العنوان السادس) فهي متصادقة في‏كثير من الاحيان ويكاد ينطبق بعضها على بعض في‏اغلب مواردها، وان كان بينها بحسب النظر المنطقي‏الدقيق عموم وخصوص مطلق تارة ومن وجه اخرى،فهي ايضا ليست من العناوين العامة الشاملة لكل تراث‏ثقافي، بل تختص بالتراث الثقافي المشتمل على صفة‏خاصة تجعل منه آية يتعظ بها او اثرا علميا ينتفع به اوعمل خير او بر يتعاون فيه.

المطلب الثاني: الى جانب العناوين السبعة التي اشرنااليها والتي وردت في النصوص الشرعية احكام ايجابية‏بشانها اشرنا الى شي منها وسوف نزيدها توضيحا في‏ما ياتي من البحث، هناك عناوين اخرى ذات احكام‏سلبية في الشريعة، قد يتصور انطباق التعريف الذي‏ذكرناه للتراث الثقافي وهو (الاثر التاريخي ذو الصفة‏المفيدة) عليها.

غير ان الحقيقة كما سوف يتبين ان العناوين ذات‏الاحكام السلبية التي سوف نشير اليها يكاد يجمعهاعنوان: «ما يتصف بصفة مضرة‏»ضررا ماديا او معنويا. ولاتجتمع صفة الضرر مع صفة الفائدة في هذه العناوين الاوتكون صفة الضرر هي الغالب والاهم من الوصفين،وقد تكون هذه الاهمية اهمية دل عليها الشرع او دل‏عليها العقل بحجة مقبولة.

وعندئذ فالاثر التاريخي الذي ينطبق عليه عنوان من‏العناوين ذات الاحكام السلبية يخرج عن التعريف الذي‏ذكرناه للتراث الثقافي وهو «الاثر التاريخي ذو الصفة‏المفيدة‏» ولا يكون حينئذ مصداقا للتراث الثقافي، فلاتكون الاحكام السلبية احكاما للتراث الثقافي على هذاالتقدير.

اما العناوين ذات الاحكام السلبية فيمكن تحديدهاضمن العناوين التالية:

الاول‏ الامور المضرة والمفسدة :

كل شي مضر او مفسد سواء خلا من المنفعة مطلقا اواشتمل على منفعة نادرة او قليلة الاهمية بالقياس الى‏الضرر المترتب عليه، وسواء كان الضرر المترتب على‏الشي ضررا ماديا او ضررا معنويا.

فكل اثر تاريخي مشتمل على صفة مضرة ضررا مادياكما لو كان بناء مشرفا على الانهدام ومصدرا للخطر على‏ارواح الناس ولم يكن من الممكن عمارته او الحفاظ‏عليه بالشكل الذي يتجنب معه الخطر على حياة الناس‏وارواحهم لم يجز تركه بحاله بل يجب هدمه لضمان‏امن الناس في حياتهم وارواحهم. وكذا الاثر التاريخي‏المشتمل على صفة مضرة ضررا معنويا كما لو كان‏مدعاة لفساد اخلاق الناس وضعف القيم الاخلاقية‏والمثل المعنوية في ما بينهم.

وقد دل من الشرع على وجوب دفع الضرر عن الناس‏نصوص كثيرة منها: ما دل على حرمة الضرر والاضراركقول رسول اللّه(ص)«لا ضرر ولا ضرار»((149)) وما دل‏على حرمة الفساد والافساد كقوله تعالى: (وا ذا تولى‏سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل‏واللّهلا ى حب الفساد)((150)) وغير ذلك.

الثاني اشاعة الباطل:

الفكرة هي التي تصنع الناس وتولد فيهم الارادة التي‏يصدرون عنها في اعمالهم ومواقفهم، ومن الافكار مايشكل اللبنة الاساس في الشخصية الانسانية فرداومجتمعا، ولا تقام للانسان حياة وادعة يظللها الامن‏والرخاء ويخيم عليها الهناء من دونها، بل ولا يمكن‏للانسان ان يبني صرح الايمان باية حقيقة الا عليها، ان‏هذه الافكار واضحة الحقانية دائما، تحمل معها بيناتهاوبراهينها، حتى ان احدا من اصحاب العقول السوية لايملك ازائها الا ان يؤمن بها ويسلم لها، ان هدم هذه‏الافكار التي تشكل اساس الحياة المعنوية للانسان هدم‏لصرح المثل الانسانية من اساسها ونسف للقيم المعنوية‏والروحية باكملها.

فلو ان اثرا تاريخيا بحسب الفرض وان كان فرضا بعيدانادر المصداق ظاهرا ساهم في هدم هذه الاسس‏العقائدية الواضحة براهينها والبينة دلائلها لم يعدالحفاظ عليه مما يعود الى الانسانية بخير، بل مما يجراليها الفساد والشر، فمن الطبيعي حسب حكم العقل‏والشرع وجوب ازالة هذا الاثر، لفقدانه مواصفات‏التراث الثقافي الذي تجب صيانته.

وهكذا كل ما ثبت ثبوتا قطعيا كونه من الباطل بدليل‏واضح من العقل او الشرع، ولم يكن في الحفاظ عليه غاية وفائدة عقلية‏او شرعية، من قبيل الاستفادة منه في سبيل ترويج الحق او امحاءالباطل واضعافه، لم يعد الحفاظ عليه عندئذ امرا مبررا،فان الحفاظ على الباطل والاهتمام برعايته امر ينكره‏العقل والشرع معا، وقد دلت على وجوب ازالة الباطل‏وحرمة ابقائه والحفاظ عليه نصوص كثيرة من الكتاب‏العزيز والسنة الشريفة، قال سبحانه وتعالى: (بل نقذف‏بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هوز اهق ولكم الويل مماتصفون)((151))، وقال تعالى: (ويمح اللّه الباطل ويحق‏الحق بكلماته)((152)).

الثالث هياكل العبادة المبتدعة:

الاصنام والاوثان والمجسمات التي خصصت للعبادة لايمكن ان تعتبر تراثا ثقافيا ما لم تخرج عن حالتها التي‏خصصت لها اولا وهي العبادة والتقديس.

ان عبادة الاوثان والاصنام مع انها من ابين الخرافات‏فسادا، وانها تعتبر في ذاتها ظاهرة تقضي على الثقافة‏والفكر، ومن اكبر العوائق التي تحول دون التطور الثقافي‏والحرية الفكرية، نهى عنها الاسلام كما نهت عنه الاديان‏السماوية نهيا باتا، والظاهر ان السر في ما اتخذته‏الاديان السماوية وخاصة الدين الاسلامي من الموقف‏الصارم في رفض هذه الظاهرة هو ما تلعبه هذه الظاهرة‏من الدور في تجميد العقل الانساني وتعطيل قواه‏الفكرية، وافراغ الشخصية الانسانية من محتواها القائم‏بالتعقل والتفكير.

واذا كانت ظاهرة ما او شي ما ايا كان يشكل خطرا على‏العقل الانساني ورقما سلبيا في معيار الانطلاق الفكري‏والنشاط العقلاني وبالتالي يعتبر عنصرا مضادا للثقافة‏والتعقل والتفكير، فان اشتماله على خصائص متميزة من‏الفن المعماري او الجمال التصويري لا يمكن ان يضفي‏على ذلك الشي حالة ايجابية تبرر الحفاظ عليه اوالاهتمام برعايته، اللهم الا اذا خرج عن حالته التي كان‏عليها كما لو كان مثلا صنما او وثنا، ثم تحول الى‏مجرد اثر فني، لا يقصد ولا يرغب فيه الا لقيمته الفنية‏وما يشتمل عليه من الجمال والابداع الفني والتصويري،وسوف نبحث في المطلب الثالث عن الحكم الشرعي‏في الموضوع الذي طرا عليه التغيير.

وعمدة الدليل الشرعي المثبت لعدم جواز الابقاء على‏الاصنام والاوثان ووجوب هدمها وامحائها ما ذكرناه‏سابقا مما دل على وجوب امحاء الباطل وعدم جواز ابقائه او احيائه، وكذا قوله تعالى:(فاجتنبوا الرجس من الاوثان)((153))، بناء على ان المرادبالاجتناب مطلق الاجتناب الشامل للاجتناب عن‏الحفاظ عليها وابقائها لا خصوص الاجتناب عن‏عبادتها، ولعل الظاهر من الاية ارادة الاجتناب عن‏خصوص عبادتها لا مطلقا.

الرابع التماثيل والصور:

ورد في بعض الروايات ما يدل على تحريم التماثيل‏المجسمة والصور ذوات الظل اذا كانت تماثيل او صورالذوات الارواح فقد روي عن ابن عباس قال: قال رسول‏اللّه (ص)«من صور صورة كلف يوم القيامة ان ينفخ فيهاالروح، وليس بنافخ‏»((154))وروى الصدوق محمد بن‏علي بن الحسين ما يقرب من ذلك عن الامام جعفر بن‏محمد الصادق عن آبائه عن رسول اللّه(ص)((155)).وروى مسلم عن ابن عباس قال:

سمعت رسول‏اللّه(ص)يقول: «كل مصور في النار يجعل له بكل صورة‏صورها نفس فتعذبه في جهنم‏»((156))، وروى البرقي في‏المحاسن بسند صحيح عن محمد بن مسلم قال: سالت‏ابا عبداللّه جعفر بن محمد الصادق(ع) عن تماثيل‏الشجر والشمس والقمر، فقال: «لا باس ما لم يكن شيئامن الحيوان‏»((157)).

اما الصور والتماثيل غير المجسمة فقد ورد ما يدل على‏حلها وان كانت لذوات الارواح مع كراهة ان يصلى اليهاالا اذا سترت، فقد روي الكليني باسناد صحيح عن‏محمد بن مسلم قال سالت احدهما (اي الباقر اوالصادق) غ عن التماثيل في البيت فقال: «لا باس اذاكانت عن يمينك وعن شمالك وعن خلفك او تحت‏رجليك، وان كانت في القبلة فالق عليها ثوبا»((158)).

ثم ان الصور المجسمة انما تحرم اذا كانت صورة كاملة‏لذات الروح، اما الناقصة فقد ذهب كثير من الفقهاء الى عدم حرمتها،للروايات الكثيرة الدالة على عدم حرمة الناقصة منهامثل ما رواه البرقي في المحاسن والحميري في قرب‏الاسناد عن موسى بن جعفر غ قال الراوي: سالته عن‏البيت قد صور فيه طير او سمكة او شبهه يلعب به اهل‏البيت هل تصلح الصلاة فيه؟ قال: «لا حتى يقطع راسه اويفسده، وان كان قد صلى فليس عليه اعادة‏»((159)).وهناك روايات اخرى قريبة منها في المضمون. ان الذي تدل عليه هذه الروايات وغيرها هو ان‏حرمة‏اقتناء الصور المجس مة خاصة بالمكان الذي يصلى فيه،وليست حرمة مطلقة، بل تدل على جواز اقتنائها اجمالابشرط ان لا تكون في البيت الذي يصلى فيه، وقد روى‏عبداللّه بن جعفر في قرب الاسناد باسناده عن موسى بن‏جعفر غ، قال: سالته عن الدار او الحجرة فيها التماثيل‏ايصلى فيها؟ قال: «لا تصل فيها وشي منها مستقبلك الاان لا تجد بدا فتقطع رؤوسها، والا فلا تصل‏»((160)).

فهذه الرواية واضحة الظهور في اختصاص الحرمة‏بصورة استقبالها في الصلاة وان النهي ليس عنها بذاتهابل النهي متوجه الى الصلاة اليها.

ومما يدل على جواز اقتناء الصور المجسمة ما روته‏عائشة زوج النبي ص‏قالت: كنت العب بالبنات، فربمادخل على رسول اللّه(ص) وعندي الجواري، فاذا دخل‏خرجن واذا خرج دخلن((161)).

وروت ايضا: «ان النبي(ص)قدم عليها من غزوة تبوك اوخيبر وفي سهوتها ستر، فهبت الريح فكشفت عن بنات‏لعائشة لعب، فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي، وراى‏بينهن فرسا له جناحان من وقاع فقال: ما هذا الذي ارى‏وسطهن؟ قالت:

فرس، قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت:جناحان، قال: فرس له جناحان؟ قالت: اما سمعت ان‏لسليمان خيلا لها اجنحة؟ قالت:

فضحك رسول‏اللّه(ص) حتى بدت نواجذه‏»((162)).

وجواز اقتناء الصور المجسمة الذي دلت عليه هذه‏الروايات يدل بالدلالة الالتزامية على جواز صنعهاوصناعتها ان لم يقصد بها العبادة والتقديس ولم يكن‏من شانها ذاك، فتكون هذه الروايات معارضة تعارضابدويا للروايات الاولى التي دلت على حرمة صنع‏التماثيل المجسمة لذوات الارواح مطلقا، وبالتامل في‏مجموع الاحاديث التي وردت في هذه القضية، وبقرينة‏ما دل منها على اختصاص النهي عن الاقتناء بالمكان‏الذي يصلى فيه، نستنتج اختصاص النهي عن الصورالمجسمة بالصور المجسمة التي تعبد او من شانهاذلك او ان يصلى اليها او توضع في مكان يصلى فيه،فالنهي عن الصور المجسمة مختص بما ذكرناه، اماالصور المجسمة التي تصنع لغرض التسلي او التزيين‏المحض من دون شائبة عبادة او تقديس فانها غيرمشمولة لادلة النهي بحال من الاحوال.

والمحصل الذي انتهينا اليه من مجموع الامرين الثالث‏والرابع هو: حرمة صنع الهياكل المختصة بالعبادة اواقتناؤها كذا والصور المجسمة التي من شانها في النظرالعرفي ان تعبد وحرمة تقديسها بالصلاة اليها او وضعهافي دور العبادة والامكنة الخاصة بالصلاة، والظاهراختصاص حرمة وضعها في دور العبادة وامكنة الصلاة‏بصورة ما اذا كان يلزم من ذلك عبادتها او تقديسهاتقديسا لا يصلح الا للباري سبحانه وتعالى.

المطلب الثالث: قد يتغير الموضوع الذي ثبتت له‏الحرمة فيتحول الى غير ما كان عليه حين ثبوت الحرمة،وذلك يستلزم تغيير الحكم تبعا لتغير الموضوع.

فلو ان التمثال المجسم او الهيكل المصنوع للعبادة‏والتقديس تغير بمرور الزمن عن حالته الاولى حتى عادصورة مجسمة عادية لا يقصد بها الا التزيين او التسلي‏او شي من هذا القبيل لا العبادة او التقديس، لزم من ذلك‏تغير حكمه الاولي وهو وجوب الامحاء او الازالة، وجازحفظه واقتناؤه والاعتناء به ما لم يوضع في مكان مختص بالعبادة او يصلى اليه.

فقد ذكرنا ان الظاهر من مجموع النصوص الواردة في‏هذه المسالة عدم الحرمة المطلقة لاقتناء الصورة‏المجسمة لذوات الارواح او صنعها، بل ان الحكم‏بالتحريم مقيد بما اذا كانت الصورة المجسمة هيكلا من‏هياكل العبادة او شيئا مختصا بالعبادة او كان مؤهلا في‏النظر العرفي للعبادة والتقديس، فاذا زال القيد وتغيرموضوع الحكم بالتحريم عما كان عليه وتحول الى‏صورة مجسمة عادية غير مؤهلة عرفا للعبادة‏والتقديس، كان لها حكم سائر الصور المجسمة العادية‏من عدم تحريم صنعها واقتنائها والمحافظة عليها،ويختص الحكم بالتحريم عندئذ بالتعامل معها معاملة‏العبادة والتقديس كالصلاة اليها او وضعها في المكان‏المختص بالصلاة.

وعلى هذا الاساس راينا جواز الاحتفاظ بمجسمة بودافي افغانستان بل رجحان الاحتفاط عليها، لعدم شمول‏الحكم بالحرمة لمثل ذلك نظرا الى خروجها عن كونهامجسمة تعبد او مؤهلة للعبادة عرفا، فلم يكن ينظر اليهاالعرف بهذا المنظار، بل كانت قد تحولت الى مجردمجسمة عادية يقصد بالحفاظ عليها التمتع بجمالها اوتذكار التاريخ الماضي او شي من هذا القبيل، ولم يكن‏ينظر اليها في المنظار العرفي الا باعتبارها اثرا فنياتاريخيا صرفا، ولقد كان من الممكن ان يترتب على‏الحفاظ عليها فوائد شرعية متعددة وراجحة احياناكالاتعاظ والتذكر او غير ذلك من قبيل التسلي وامثالهمامن الاغراض المشروعة.

والنتيجة التي نخلص اليها من بحثنا في الفصل الاول‏حول تحديد موضوع (التراث الثقافي) في النظر العرفي،وكذلك من زاوية النصوص الشرعية يمكن اختصارهافيما يلي:

1- كل اثر تاريخي يتصف بصفة مفيدة يعتبر تراثا ثقافياتنطبق عليه العناوين السبعة الواردة في النصوص‏الشرعية، انطباقا كليا او جزئيا، حسب التفصيل الذي‏بيناه.

2- عندما يتصف الاثر التاريخي بصفة سلبية خاصة‏تجعله مضرا سواء كان الضرر ضررا عرفيا اي يعد مضرابحسب النظر العرفي او ضررا شرعيا اي اعتبره الشارع‏مضرا وان لم يعتبره العرف مضرا يفقد عندئذ صفة‏كونه «تراثا ثقافيا»ولا تنطبق عليه العناوين السبعة الواردة‏في النصوص الشرعية المشار اليها.

3- قد يتصف الاثر التاريخي في ظروف معينة بصفة‏مضرة تمنع دخولها ضمن عنوان (التراث الثقافي)وتحول دون انطباق العناوين السبعة الواردة في‏النصوص الشرعية عليه، لكن ه يتحول بفعل متغيرات‏معينة من ظروف زمنية او جغرافية او عوامل اخرى الى‏حالة اخرى يكتسب معها صفة جديدة مفيدة ويفقدالصفة المضرة التي كان يتصف بها سابقا، وعندئذ يشمله‏عنوان التراث الثقافي، ويعود الى دائرة العناوين الشرعية‏السبعة المذكورة كليا او جزئيا، وتجري عليه حينئذاحكامها.

الفصل الثاني تحديد الحكم الفقهي لقد فرغنا في الفصل الاول من هذا البحث عن تحديدموضوع التراث الثقافي في مفهومه العرفي والعناوين‏الشرعية الصادقة عليه بحدودها، وقد حان الان ان نحددالحكم الفقهي للتراث الثقافي على ضوء النصوص‏الشرعية والعناوين الواردة فيها حسب التفصيل الماضي،فنقول:

ينقسم التراث الثقافي بحسب الحكم الفقهي الى اقسام‏خمسة مختلفة باختلاف العناوين والاوصاف المنطبقة‏عليه:

القسم الاول: ما تجب عمارته وصيانته والمحافظة عليه‏ويحرم هدمه او تخريبه او التفريط به والتساهل في‏صيانته وحفظه بما يؤدي الى خرابه وتلفه، وهو كل اثرتاريخي تنطبق عليه المواصفات والعناوين التالية:

1- الشعائر الالهية:

وهي حسب التعريف الذي نقلناه آنفا عن مجمع البيان‏عبارة عن: «المعالم للاعمال، وشعائر اللّه معالمه التي‏جعلها مواطن للعبادة، وكل معلم لعبادة من دعاء اوصلاة او غيرهما فهو مشعر لتلك العبادة‏»، ولا تختص‏العبادة بمثل الصلاة والدعاء كما اشار اليه صاحب مجمع‏البيان، بل يشمل كل عمل ندب اليه الشارع المقدس،وقد اشرنا في بحثنا السابق ان الشعائر الالهية تشمل كل‏مكان او اثر اختص شرعا او عرفا بعمل مندوب اليه في‏الشرع يتقرب به الى اللّه سبحانه وتعالى.

وبناء على ذلك فالمساجد والاماكن المختصة بالعبادة‏والاماكن التي صلى فيها النبي والائمة من اهل البيت‏صلوات اللّه عليهم او مقابرهم التي يقصدها الناس‏للصلاة عليهم وهي من اهم القربات التي اكدتهاالنصوص الشرعية وكذا الاماكن المختصة بنشر العلم‏وغير ذلك من القربات الشرعية، كل ذلك مما يعتبر من‏شعائر اللّه التي يجب تعظيمها وعمارتها وصيانتها،ويحرم خرابها والتفريط بها والتساهل في صيانتها او اى‏عمل يوجب الوهن في المعلم الرباني او الحط من قدرالشعار الالهي وشانه عند الناس.

يدل على ما ذكرناه كل النصوص التي اشرنا اليها سابقاوغيرها من قبيل:

قوله تعالى: (ومن يعظم شعائر اللّه فانها من تقوى‏القلوب)((163)).

وقوله تعالى: (لا تحلوا شعائر اللّه)((164)).

وقوله تعالى: (انما يعمر مساجد اللّه من‏آمن‏باللّه و ال‏يوم الاخر واءقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش الا اللّهف عسى‏اءولئك اءن يكونوا من المهتدين).((165))

وقوله تعالى: (ومن اءظلم ممن منع‏م ساجد اللّهاءن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها)((166)).

وقوله تعالى: (اللّه نور السماوات والارض) الى قوله‏تعالى: (في بيوت اءذن اللّه اءن ترفع ويذكرفيها اسمه يسبح‏له فيها بالغدو والاصال‏# رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع‏عن ذكر اللّه... )((167)).

2- المصلحة العامة:

لا يجوز التفريط بالمصالح العامة بحال من الاحوال،دلت على ذلك نصوص كثيرة من الكتاب والسنة.

فمن الكتاب: قوله تعالى: (ولا تفسدوا في الارض بعداصلاحها)((168))، فان التفريط بالمصالح العامة من اظهرمصاديق الافساد.

وقوله تعالى: (ولولا دفع اللّه الناس بعضهم ببعض‏لهدمت صوامع وبيع وصلوات‏ومساجدى ذكر فيها اسم‏اللّه كثيرا)((169))، وقوله تعالى: (ولولا دفع اللّه الناس‏بعضهم ببعض لفسدت‏الارض)((170)) تدل هاتان الايتان‏على ان الامكنة المختصة بذكر اللّه تعالى تجب صيانتهاوالمحافظة عليها وان‏تخريبها وهدمها من مصاديق‏الافساد في الارض، فتعتبر من المصالح العام ة التي‏يجب اقامتها وصيانتها.

وقال تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء اءموالكم التي جعل اللّهلكم قياما)((171))، دلت الاية على عدم جواز التفريط‏بالمصلحة الاقتصادية الكامنة في اموال الناس عن طريق‏تمكين السفهاء منها، وهي تشمل بدلالتها الاموال‏الخاصة التي ليس فيها مصلحة عامة بل فيها مصلحة‏خاصة، فهي تدل على حرمة التفريط بالاموال المشتملة‏على المصالح العامة بالاولوية القطيعة.

ومن السنة: قول النبي (ص)«من اصبح لا يهتم بامورالمسلمين فليس بمسلم‏»((172)). دل‏الحديث على‏وجوب الاهتمام بشؤون المسلمين وامورهم، ولا شك ان‏من اهمها مصالحهم العامة التي لا قوام لهم بدونها،فتجب صيانتها، ويحرم التفريط بها والتساهل فيها.

وبناء على ذلك فان مما يجب صيانته ويحرم التفريط به‏لكونه من المصالح العامة الاثر التاريخي المفيد الذي‏تترتب عليه فوائد معنوية او مادية كبرى بحيث يصدق‏عليه عرفا ان فيه مصلحة عامة لعموم الفوائد المترتبة‏عليه كالذي اشرنا اليه في بحثنا السابق عن موضوع‏التراث الثقافي من الاثار التاريخية التي تمثل القيم‏العليا لشعب ولامة او تمثل كيانها المعنوي ومثلهاالحضارية، او الاثار التاريخية التي تجلب الى الناس‏خيرا ماديا كثيرا ونفعا اقتصاديا عاما، وان كان بسبب‏جلبها للسائحين واثارة حب الاستطلاع في الراغبين الى‏معرفة الشعوب وحضاراتها وتاريخ الماضين واساليب‏عيشهم وطرائق حياتهم.

والمصلحة العامة لها مصاديق عرفية وشرعية واضحة،وقد تكون لها مصاديق غير واضحة يرجع في تحديدهاالى المؤسسات العرفية او الشرعية المخصصة لذلك،واهمها وعلى راسها مؤسسة الدولة التي تتحمل‏مسؤولية رعاية المصالح العامة في المجتمع.

3- الاثر العلمي ويشمل الاثر الفني والادبي بحسب‏مفهومه العرفي العام:

ويدل على وجوب صيانة الاثر العلمي وحفظه كل ما دل‏على وجوب طلب العلم كالحديث المتواتر عن النبي (ص)«طلب‏العلم فريضة على كل مسلم‏»((173)). وكذا ما ورد من الحديث في وجوب‏حفظ العلم ونشره كقول النبي(ص)في جواب السائل ماالعلم؟ قال:

«الانصات الى قوله: ثم مه؟ قال: الحفظ، قال ثم مه؟ قال العمل به، قال: ثم مه يارسول اللّه؟ قال: نشره‏»((174))، وفي الحديث عن ابي عبداللّه جعفربن محمد الصادق(ع): قال: «قرات في كتاب علي(ع):ان اللّه لم ياخذ على الجهال عهدا بطلب العلم حتى اخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهال،لان العلم كان قبل الجهل‏»((175))، وروي عنه(ع) ايضا انه قال: «احتفظوابكتبكم فانكم سوف تحتاجون اليها»((176)).

وهناك روايات تدل على ان الواجب من طلب العلم، هوطلب العلم الذي يحتاج الناس اليه في امور معاشهم اومعادهم، دون ما لا يحتاجون اليه، وان كان طلب العلم‏في نفسه راجحا مندوبا اليه في الشرع مطلقا ان لم يكن‏علما مضرا ومفسدا، لكن العلم الذي لا يحتاج اليه‏الناس في حياتهم خارج بالتخصيص بحسب هذه‏الروايات عن شمول النصوص الدالة على وجوب طلب‏العلم، وقد ورد في الحديث ان رسول اللّه(ص)دخل‏المسجد وبه جماعة قد اطافوا برجل فقال: «ما هذا؟فقيل: علامة، فقال: وما العلامة؟ فقالوا له: اعلم الناس‏بانساب العرب ووقائعها، وايام الجاهلية والاشعارالعربية، قالوا: فقال النبي (ص)ذاك علم لا يضر من‏جهله، ولا ينفع من علمه، ثم قال النبي (ص)انما العلم‏ثلاثة: آية محكمة او فريضة عادلة او سنة قائمة، وماخلاهن فهو فضل‏»((177))، وسئل ابو الحسن موسى بن‏جعفر(ع): «هل يسع الناس ترك المسالة عما يحتاجون‏اليه؟ فقال: لا»((178)).

ومهما يكن من امر، فحفظ العلم النافع وآثاره واجب‏مطلقا، وكذا حفظ الاثار الفنية والادبية التي صدق عليهاانها مما يحتاج اليه الناس في حياتهم، فيجب حفظهاوحفظ ما يدل عليها ويؤدي اليها سواء كان الاثر كتابا اوعمارة او بناء او غير ذلك.

4- العمران والاحياء:

يستفاد من مجموع المصادر الدينية ان عمران الارض‏واحياءها واحياء ما فيها من الثروات والاموال فرض‏كفاية على الناس اجمعين وفرض عين على الدولة،ومندوب اليه في الشرع بالنسبة لافراد الناس باعيانهم.ومهما يكن من امر فان وجوبهما على الناس وجوباكفائيا ووجوبهما على الدولة وجوبا عينيا، يعني وجوب‏صيانة الاثار التاريخية بما يمنع من خرابها، ووجوب‏احيائها ان اصابها الخراب باى سبب من الاسباب.

ومما يدل على ما ذكرناه من الوجوب الكفائي للعمارة‏والاحياء قوله تعالى: (هو اءنشاءكم من‏الارض واستعمركم‏فيها)((179))، وعلى وجوبها مطلقا اجمالا ووجوبهاالعيني على الدولة قوله تعالى: (فاتقوا اللّه واءطيعون #ولاتطيعوا اءمر المسرفين # الذين يفسدون في الارض‏ولا يصلحون)((180))، وصفت الاية الحكام المسرفين‏بوصفين الافساد وعدم الاصلاح، فهي تدل على حرمة‏الافساد ووجوب الاصلاح مطلقا على الاجمال،وتدل‏على ان الحاكم بوجه خاص يجب ان يكون‏مصلحا وان لا يكون مفسدا، والاصلاح لا يكون الابعمارة الارض وما فيها مما يصلح للعمارة والاحياء.

واما ما ورد في الشرع من الندب الى العمارة والاحياءالدال على كونه مندوبا اليه بالنسبة لافراد الناس‏باعيانهم فهو كثير من ذلك ما رواه السيد المرتضى عن‏علي(ع) قال: «واما وجه العمارة فقوله تعالى: (هواءنشاءكم من‏الار ض واستعمركم فيها)((181)) فاعلمناسبحانه انه قد امرهم بالعمارة ... »((182)).

وقد روى يزيد بن هارون عن الامام جعفر بن محمدالصادق(ع) انه قال:

«الزارعون كنوز الانام يزرعون طيبا اخرجه اللّه عز وجل،وهم يوم القيامة احسن الناس مقاما واقربهم منزلة،يدعون:

المباركين‏»((183)).

وروى العياشي في تفسيره عن ابي سعيد الخدري عن‏رسول اللّه(ص) انه قال: «من سقى طلحة او سدرة‏فكانما سقى مؤمنا من ظما»((184)).

وخلاصة ما يستنتج مما ذكرناه في خصوص «التراث‏الثقافي‏»هو وجوب الصيانة والاحياء لكل تراث ثقافي‏يقبل العمارة والاحياء، وعدم جواز التفريط به بما يؤدي‏الى فساده وخرابه، وقد سبق ان اشرنا الى ان المقصودبالتراث الثقافي هو كل اثر تاريخي مفيد.

5- التعاون على البر والتقوى:

قال سبحانه وتعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الاثم‏والعدوان)دل((185))ت الاية بظهورهاالاولي على وجوب التعاون على البر والتقوى مطلقا،لكن القرينة العقلية الدالة على ان الفرع لا يزيد على‏اصله تدل على ان البر المندوب الذي رخص في تركه‏يستحب التعاون فيه كما يستحب الفعل ذاته ، وليس من‏الحرام ترك التعاون فيه كما لا يحرم ترك العمل راسا،لكونه غير فرض.

وبناء على هذا، فالتعاون في اعمال البر الواجبة يكون‏واجبا وفي اعمال البر المستحبة يكون مستحبا، كمايحرم التعاون على الاعمال التي حرمها الشرع الشريف‏بمقتضى قوله تعالى: (ولا تعاونوا على الاثم‏والعدوان).

وفيما يخص التراث الثقافي نستنتج مما ذكر ان‏التراث‏الثقافي الذي يحمل مضمونا او صفة ورد في الشرع مايدل على وجوب اذاعته او نشره او بقائه تجب صيانته‏واحياؤه وتسهيل امر اذاعته ونشره وتوفير المقدمات‏المؤدية الى ذلك كله، ويجب التعاون في ذلك كله مع من‏يقوم بذلك، كما يجب كل عمل من اعمال الاهتمام‏بالتراث الثقافي مما ينطبق عليه عنوان التعاون على البروالتقوى ما دام التراث الثقافي مشتملا على مضمون اووصف او حالة اوجبها الشارع المقدس واوجب ترويجهاواشاعتها.

اما التراث الثقافي المشتمل على مضمون غير واجب،فان اشتمل على مضمون او وصف او حال راجح في نظرالشارع فان التعاون فيه وفي حفظه وصيانته يكون‏راجحا ومندوبا من الناحية الشرعية ومثابا عليه من اللّهسبحانه وان لم يكن واجبا.

وان كان الاثر الثقافي مشتملاعلى مضمون منكر منهي عنه لدى الشارع نهي تحريم اونهي تنزيه كان الاهتمام به والمحافظة عليه ومطلق‏التعاون فيه تابعا في الحكم لذلك المضمون ايضا فيحرم‏او يكره التعاون فيه والاهتمام بشانه تبعا لحرمة مضمونه‏او كراهته.

6- المال النافع او الثروة الاقتصادية:

لا يجوز في الشرع تبذير المال والاسراف فيه، ويقصدبتبذيره اتلافه، وبالاسراف فيه الانفاق بما يزيد عن‏الحاجة المتعارفة سواء كانت الحاجة حاجة ضرورية اوحاجة كمالية في الحياة او عدم الانتفاع به انتفاعا لائقابه ومناسبا له بحسب النظر العرفي، او اهماله وترك‏احيائه واعداده للانتفاع به مع القدرة على ذلك.

وقد دلت آيات وروايات كثيرة على حرمة التبذيروالاسراف منها:

قوله تعالى: (ولا تبذر تبذيرا # ان المبذرين‏ك انوا اخوان‏الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا)((186))، وقال تعالى: (ولاتسرفوا انه لايحب المسرفين)((187)).

وبناء على هذا الاساس، فكل تراث ثقافي يتصف بصفة‏المالية عرفا لا يجوز اتلافه، كما لا يجوز استعماله اوالانتفاع به فيما لا يعتبر انتفاعا لائقا ومناسبا له، ولايجوز ايضا التفريط به واهماله، لكون ذلك كله اسرافامحرما في الشرع، بل يجب احياؤه واستثماره وتاهيله‏للانتفاع به بحسب شانه اللائق به في النظر العرفي.

القسم الثاني: ما تستحب عمارته واحياؤه وصيانته‏والمحافظة عليه من غير وجوب.

وهذا القسم يختص بما اذا كان التراث الثقافي تراثاخارجا عن دائرة العناوين الستة التي اشرنا اليها سابقا،فلم يكن من الشعائر الالهية، ولا اثرا علميا نافعا ولا من‏المصالح العامة، ولا مما يقبل العمارة والاحياء، ولا من‏مصاديق التعاون على البر الواجب والتقوى، ولا من‏المال النافع والثروة الاقتصادية التي يعبا بها، وذلك من‏قبيل الاواني الفخارية او المسكوكات القديمة التي لامالية لها يعتد بها وامثال ذلك ، فمثل هذه الامور بعدعدم صدق شي من العناوين الستة السابقة عليه، لا وجه‏لوجوب احيائه او المحافظة عليه، بل يستحب ذلك ان‏كان مما يستفاد منه للاعتبار بحياة الماضين وتذكارآثارهم والاتعاظ بها، لانه حينئذ آية يعتبر بها ويتعظ بها،وقد سبق ان اشرنا الى ان الاتعاظ والاعتبار بثارالماضين مما دعت اليه الشريعة، واكدته آيات الكتابة‏واحاديث السنة الشريفة، وكذا لو كان في احياء الاثرالتاريخي تعاون على بر مندوب كما اذا كان تشجيعاللناس في عمل الخير وترغيبا لهم في الاعمال الصالحة‏وما شاكل ذلك، فان ذلك كله مندوب اليه مستحب فعله‏شرعا.

القسم الثالث: ما يحرم ابقاؤه بل يجب هدمه‏وامحاؤه.

وهو كما اشرنا اليه في بحثنا السابق عن العناوين السلبية‏ما يندرج تحت عنوان المضروالمفسد، او عنوان الباطل،او ما كان من هياكل العبادة المتبدعة اي الاوثان‏والاصنام او من الصور والتماثيل المجسمة التي‏خصصت للعبادة، او قصد بها العبادة.

وقد اشرنا سابقا الى ان الحكم بالحرمة ووجوب‏الامحاء والهدم في هذا القسم مختص بحال بقاء الموضوع على ما هو عليه‏من الاندراج تحت العنوان السلبي او الصفة السلبية التي‏ثبت له الحكم بالحرمة بسببها، فلو تغير الموضوع تغيرانفى عنه صدق العنوان السلبي او الصفة السلبية التي‏ثبت الحكم بالحرمة بسببها زال الحكم بزوال الموضوع،ومن هنا قلنا ان مجسمة بودا التي اثيرت ضجة حولهاعندما دمرتها حكومة الطالبان، كان مما شملها تغير الموضوع وزوال عنوان الصنم المعبود عنه،فان المجسمة المذكورة بعد قرون من زوال الديانة‏البوذية من المنطقة وتحول اهلها كافة الى مسلمين‏مؤمنين وعدم استعمالها للعبادة طيلة القرون الاخيرة‏الماضية، وتحولها في نظر العرف الغالب الى مجردمجسمة ينتفع بها في الاعتبار والاتعاظ او التزين اوجلب السائحين او غير ذلك، تغيرت بحسب الموضوع‏الى شي آخر غير الذي كانت عليه، وهو كونها صورة مجسمة‏تذكر بالماضي وينتفع بها في جلب السائحين وما شاكل‏ذلك وليس في شي من هذا امر ردع عنه الشارع او منع‏عنه او امر بهدمه وامحائه بل دعا الى بعض ذلك‏كالاعتبار والاتعاظ.

القسم الرابع: ما يكره ابقاؤه وصيانته وعمارته.

وهو كل اثر تاريخي اندرج ابقاؤه وعمارته تحت عنوان‏نهى الشارع عنه نهى كراهة وتنزيه لا نهي منع وتحريم،وذلك من قبيل الابنية على القبور، فقد ورد في الحديث‏ما يدل على كراهة تشييد الابنية على القبور، وخرجت‏عن هذا العموم مقابر النبى والائمة‏چ والصالحين، لورودالدليل بتخصيص هذه الكراهة لغير مقابر الرسول واهل‏البيت والصالحين من اوليائهم التي يشملها قوله تعالى:(في بيوت اءذن اللّه اءن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له‏فيها بالغدو والاصال # رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع‏عن ذكر اللّه)((188))، هذا اذا لم يندرج الاثر التاريخي‏تحت عنوان آخر من العناوين السابقة التي ندب الشارع‏الى احيائها وعمارتها ندبا وجوبيا او استحبابيا والا تعين‏الحكم بحسب الاهم من العنوانين المتزاحمين.

القسم الخامس: ما يباح ابقاؤه وصيانته والمحافظة عليه‏من غير تعين الفعل او الترك ولا رجحان احدهما، وهوالاثر التاريخي غير المندرج تحت شي من العناوين‏المامور بها امرا وجوبيا او استحبابيا او المنهي عنها نهياتحريميا او تنزيهيا.

وقد اتضح بما ذكرناه ان حكم التراث الثقافي فقهياينقسم بانقسام الاحكام الخمسة ويدور الحكم فيه مدارالعنوان المنطبق على التراث الثقافي، وقد اتضح ايضامما ذكرناه ان الاغلب الاعم من مصاديق التراث الثقافي‏يندرج تحت احد العناوين الستة التي يحكم فيها فقهيابوجوب الابقاء والعمارة والصيانة والاحياء.

وآخر دعوانا ان الحمد للّه رب العالمين وصلى اللّه على‏محمد وآله الطاهرين.

 

 

العلاقة بين العناوين الاخلاقية والبحوث الفقهية

الشيخ معين دقيق

 

تمهيد قبل الدخول في معالجة الموضوع من المناسب التعرض‏الى امرين :

الامر الاول: تعريف الاخلاق الاخلاق، وهي في اللغة كلمة ثلاثية الاصل، قال ابن‏فارس:

«الخاء واللام والقاف اصلان‏احدهما تقدير الشي،والاخر ملاسة الشي . فاما الاول، فقولهم: خلقت الاديم‏للسقاء، اذا قدرته . واما الاصل الثاني، فصخرة خلقاء،اي: ملساء »((189)) .

وقد ذكر غيره لهذه الكلمة ومشتقاتها معاني كثيرة في‏الاستعمال اللغوي، لعل اقربها الى المعنى الاصطلاحي‏الشائع ما ذكره الجوهري من ان الخليقة تاتي بمعنى‏الطبيعة، والجمع خلائق ((190)) .

وقال ابو هلال العسكري في مقام التفريق بين الطبيعة‏والقريحة: «ان الطبيعة ما طبع عليه الانسان، اي: خلق‏والقريحة فيماقال المبرد ما خرج من الطبيعة من غير تكلف »((191)).

ولعل هذا هو الشائع في الروايات عند التعبير بمكارم‏الاخلاق .

ويمكن ان تكون من الخلقة بالكسر، بمعنى الفطرة((192)) .

واما في الاصطلاح، فيمكن تعريفها بانها ملكة تصدرعنها الافعال من النفس سهلة بلا كلفة فيها ولا مشقة((193)) .

وهذا شبيه بتعريف المبرد للقريحة، فتدبر .

ومسائل علم الاخلاق هي الابحاث التي تدور حول‏ملكات الانسان وصفاته الممدوحة والمذمومة، الحسنة‏والقبيحة، ذاتية كانت او عرضية، موهوبة كانت او مكتسبة((194)) الامر الثاني:

التوضيح الاجمالي للعنوان .

انه على الرغم من كون الشريعة المقدسة قد تضافرت‏نصوصها على اثبات حقيقة تشريعية مهمة، وهي ان‏احكامه تبارك وتعالى شاملة لجميع وقائع الحياة، ويمكن التعبير عن ذلك بانه: (ما من واقعة الاوللّه فيها حكم حتى ارش الخدش) .

وهذه المقولة وان لم ترد هكذا فيما ورد عن المعصومين(، الا انه يمكن التدليل عليها بجملة من النصوص .

منها: ما اورده علي بن الحسين المرتضى في رسالة‏المحكم والمتشابه، نقلا عن تفسير النعماني باسناده الى‏اسماعيل بن جابر، عن ابي عبد اللّه%، عن آبائه، عن اميرالمؤمنين% في حديث طويل، قال: (واما الرد على من‏قال بالراي والقياس والاستحسان والاجتهاد، ومن يقول:ان الاختلاف رحمة، فاعلم انا لما راينا من قال بالراي‏والقياس قد استعملوا الشبهات في الاحكام لما عجزواعن عرفان اصابة الحكم، وقالوا ما من حادثة الا وللّهفيها حكم ...) ((195)) .

ذراعا في عريض الاديم، مثل فخذ الفالج، فيها كل مايحتاج الناس اليه، وليس من قضية الا وهي فيها، حتى‏ارش الخدش) . ((196)) بل حتى لو غضضنا النظر عن تلك النصوص وغيرها لمااحوجنا الدليل لاثبات هذه القاعدة ، اذ يمكن اثباتها عن‏طريق الاستنصار بثوابت عقائدية وعقلية، حيث انه آتعالى بمقتضى علمه المطلق، وارادته الثابتة التي هي‏بمعنى علمه بالنظام الاحسن، وانه تعالى فاعل بالعناية((197))، وان حكمه التشريعي متعلق بافعال المكلفين‏التي تصدر منهم عن اختيار، وان كل فعل من افعالنا يؤثربشكل او بخر بالنظام النوعي، ينتج ذلك بعد الكسروالانكسار انه لا بد وان تتكيف افعال العباد الاختيارية‏بحكم من الاحكام، بمقتضى قاعدة اللطف، وكون‏التكليف حسنا واحسانا من المبدا الاعلى .

ولكن على الرغم من توافق النقل والعقل على تلك‏المقولة اعني: استيعاب احكامه تعالى لجميع وقائع‏الحياة نرى ان البحث الفقهي المتعارف والذي يدورمحوره حول فعل المكلف وما يتكيف به من احكام قدانحصر في ضمن اطار خاص، يمكن القول عنه بانه‏اضيق من دائرة وقائع الحياة .

بل يمكن القول بان هذا الانحصار في الاطار من ناحية‏الموارد انعكس على الادوات وكيفية فهمها واجرائها،فكثيرا ما نجد الفقهاء اعلى اللّه كلمتهم يتعاملون مع‏النصوص الخارجة عما اصطلحوا عليه بالبحث الفقهي آكالنصوص الواردة في مجال المباحث الاخلاقية آبطريقة مغايرة لمعاملتهم معها في البحث الفقهي .

مثلا: يتعامل الفقيه مع النص الوارد فيما اطر به بحثه على‏وفق ما ثبت لديه في الاصول من صغريات حجية‏الظهور، كظهور صيغة الامر في الوجوب، والنهي في‏الحرمة مع التجرد عن القرائن الصارفة، بينما في المجال‏الثاني الذي اخرجه عن اطار بحثه كثيرا ما لا يتعامل في‏مجال فهم النص بهذه الطريقة .

مع انه طبقا للحقيقة المشار اليه سابقا، والتي يساعدعليها العقل والنقل، ينبغي ان تكون كل‏النصوص الواردة‏في المجالين عاكسة لراي الشريعة وموقفها، وهو لا بدوان يكون حكما شرعيا من الاحكام المتعارفة .

فالحاصل: ان السؤال الرئيسي التحقيقي في هذه المقالة‏هو:

لماذا كانت الطريقة السائدة عند الفقهاء قائمة على‏فصل العناوين الاخلاقية عن البحث الفقهي؟ وجوه محتملة في الانفصال :

فاعلم انه للوهلة الاولى قد تطرا على الذهن وجوهايمكن ان يدافع بها عن تلك الطريقة السائدة بين الفقهاء، علما ان‏هذه‏الوجوه التي اشير اليها لا انسبها الى شخص بعينه ، لعدم‏اطلاعي في حدود تتبعي على من تعر ض لهذاالبحث ولو في ضمن مقالة .

وكيف كان، فيمكن الاشارة الى وجوه خمسة :

الوجه الاول: ان الاحكام التي تتكيف بها الافعال‏والمواقف في الاطار الاول ((198)) لما كانت تاسيسية وابداعية من الشارع‏المقدس، من دون ان يكون لها سابقة عقلائية وجذورارتكازية، فكانت بحاجة ماسة الى التدقيق في نصوصهاليحرز معه مراد الشريعة . بينما نرى ان الاحكام التي‏ترتبط بالافعال والمواقف التي تصنف في ضمن الاطارالثاني تكون امضائية وذات جذور عقلائية واضحة،يكفي في احراز موقف الشريعة منها عدم الردع‏المستكشف منه الامضاء .

اقول: يعرف ما في هذا الوجه بعد التفاتة سريعة الى‏قسم المعاملات من البحوث الفقهية والرسائل العملية.

فهذا الميرزا النائيني) يشكل على الشهيدين‏# اللذين‏يظهر منهما ان البيع ونحوه من الفاظ المعاملات حقيقة‏في الصحيح ومجاز في الفاسد، بان كون العقد حقيقة في‏الصحيح معناه ان الشارع وضعه للصحيح، مع‏ان‏المعاملات باجمعها امضائية . ((199)) ويرى الامام الخميني) ان الادلة العامة الواردة في باب‏المعاملات من قبيل: (اءوفوا بالعقود) و (المؤمنون عندشروطهم) امضائية تنفيذية‏لا تاسيسية تعبدية ((200)) .

ومثله ما عن السيد الخوئي)، حيث قال عن هذا النوع من‏الادلة بانه من المعلوم انها ادلة امضائية، لا تاسيسية((201)) .

وعليه، فعلى فرض صحة الوجه المذكور، يلزم اخراج‏اكثر مباحث المعاملات عن الاطار الاول، او الالتزام‏بالاستطراد فيها، وكل منهما كما ترى .

هذا، مضافا الى ان كثيرا من المباحث والمواقف التي‏تندرج في ضمن الاطار الثاني تاسيسية ايضا، كالمباحث المرتبطة بافعال‏النفس من قبيل العجب والرياء ، اذ اية سيرة كانت قائمة‏على اعطاء نظرة واضحة وشاملة في مثل هذا الامورقبل الشريعة، ليقال بان نصوص الشريعة فيها امضائية لاتاسيسية .

لا يقال: ما ذكر من الامثلة المذكورة المرتبطة بافعال‏النفس، قد تعرض له الفقهاء في كتبهم الفقهية، فتكون‏داخلة في الاطار الاول فلا يصح النقض بها.

لانه يقال: انما تعرضوا لها استطرادا، لا من جهة حكم‏ذواتها وتفريعاتها، بل من جهة آثارها على بعض‏العبادات، كالصلاة والصوم . هذا مع ان النقض لا ينحصربها كما لا يخفى، فلا يكون الجواب عنها جوابا عن مطلق‏النقض.

الوجه الثاني: ان النصوص الواردة في الاطار الاول غالباما تكون مولوية، بخلاف النصوص الواردة في الاطارالثاني، فانها ارشادية غالبا .

وفيه: مضافا الى كونه متفرعا على الوجه السابق الذي‏قد عرفت ما فيه ان للارشادية مجالا في كثير من‏نصوص الاطار الاول، كما لا يخفى على المتتبع‏خصوصا في باب المعاملات، والنصوص الواردة في بيان‏موانع وشرائط بعض العبادات .

ثم انه مضافا الى كل ذلك، فان جملة من الفقهاء قد نصواعلى ان الاوامر والنواهي الارشادية قد يستفاد منهابعض الاحكام الشرعية الخمسة .

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية