قال الفقيه الاصولي الاقا رضا الهمداني): «انالاوامروالنواهي
الشرعية الارشادية ليست معر اة عن الطلب،وكيف لا ! مع انه
لو صدر من الشارع كلام صريح فيالارشاد، كما لو قال:
(استعمال الماء الساخن يورثالبرص) لكان ذلك مشوبا
بالطلب، ولذا يفهم منهالكراهةفضلا عما لو صدر منه الامر بشي
او النهي عنه .فقولنا: ان الاوامر والنواهي المتعلقة بكيفية
العمل ظاهرةفي الارشاد وبيان الحكم الوضعي، لا نعني بذلك
ادعاءكونها بمنزلة الاخبار معراة عن الطلب، بل المقصودبذلك
ادعاء ان المتبادر من مثل هذه التكاليف كونمتعلقاتها معتبرة
في ذلك العمل»
((202)).
والحاصل: انه حتى لو سلمنا كونها ارشادية، الا ان ذلك لايمنع
من
تكيف الافعال المصنفة في ضمن الافعال الاخلاقيةبحكم من
احكام الشريعة المقدسة .
الوجه الثالث: ان ما كان من قبيل الموارد الداخلة فيضمن
الاطار الثاني لا تتنوع فيه الاحكام ، اذ ان اكثرهيدرج في ضمن
الاداب والسنن، مما لا يكون حكمهمحتاجا الى مزيد بحث،
خصوصا عند من يرى القولبقاعدة التسامح في ادلة السنن.
وهذا بخلاف ما يصنففي ضمن الاطار الاول ، حيث انه تتنوع
فيه الاحكام منتكليفية خمسة الى وضعية لا احصاء لها .
وفيه :
اولا: ان هذا الفرق لا طريق الى تحصيله الا بعد البحثعن
المطالب الاخلاقية استدلاليا لمعرفة حكمها، فكيفيكون ما لا
يحصل الا بعد البحث سببا لعدم البحث ! .
وثانيا: ان الفقهاء كثيرا ما بحثوا عن الاداب والسنن((203)) في
ذيل كثير من ابواب الفقهفهلا ادرجوا مواردالاطار الثاني معها .
وثالثا: ان الاحكام في الاداب والسنن متنوعة ايضا ، لانالاحكام
غير الالزامية متنوعة . وقلة الاحكام المتنوعة وكثرتها لايكون
فارقا،
خصوصا بعد ما عرفت من ان القلة والكثرة انما تعرفبعد
البحث، فلا تكون سببا لتركه .
الوجه الرابع: ان الموارد الداخلة في الاطار الاول اكثرابتلاء،
بخلاف الموارد الداخلة في الاطار الثاني .
قلت: وانت خبير بما في هذا الوجه ، حيث انكثيرا منالمباحث
الاخلاقية يكثر الابتلاء به بشكل يومي سواءمن قبل الفرد ام
المجتمعفالمحاسبة والمراقبة مهما كانحكمهما الشرعي
الذي يتكيفان به مم ا يحتاج اليه فيكل
يوم، ويكشف عن ذلك كثرة الاخبار الواردة في مثل
هذهالمباحث .
بل كيف يمكن ان تكون المطالب الاخلاقية قليلةالابتلاء،
والحال انه لولاها لما كان هناك ضمانة لتطبيقالاحكام حتى
الالزامية في غالب الاحيان .
فان الاحساس بالمسؤولية وحسن الانضباط صفتان مناهم
المسائل الاخلاقية، ولهما الدور الكبير في تقدمالامم . فقد
قيل: ان المانيا التي امست بعد الحربالعالمية الثانية حفنة
رمادنجدها وقد اصبحت اليوماحدى الدول الصناعية العامرة،
ويقول ذوو الخبرة ليسالسبب في ذلك ان الالمانيين اذكى
الناس، ولا ان لهم منالقوى والصلاحيات ما ليس لغيرهم ، بل
ان السبب الاهمفي تقدمهم هو الاحساس بالمسؤولية وحسن
الانضباط((204)) .
فللاخلاق دور كبير في تقدم الامة اية امة سواء كانعلى
صعيد التقدم المادي ام المعنوي، وللّه در الشاعرحين يقول :
فان هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا
مضافا الى ان كثيرا من الابواب الفقهية التي كانت محطالنظر
الفقهاء مما يقل الابتلاء بهافليس باب السبقوالرماية باكثر ابتلاء
من كثير من المباحث الاخلاقية، كمالا يخفى .
الوجه الخامس: ما قد يقال من ان المتتبع للمباحثالفقهية
يجد ان متعلق الحكم الشرعي فيها هو الفعلالجوارحي للمكلف
. وليس معنى ذلك ان القانونالاخلاقي لا يتعلق الا بافعال
الجوانح بمقتضى المقابلة ،اذ انكثيرا من متعل قات هذا
القانون هي من افعالالجوارح ايضا، بل بمعنى ان الحكم الفقهي
ينحصر تعلقهبافعال الجوارح . ومن هنا نجد ان الفقهاء قد
تعرضوا فيبحوثهم الفقهية للمباحث الاخلاقية التي ترتبط
بالافعالالجوارحية، كالغيبة والكذب اللذين هما فعل من
افعالاللسان الذي يعتبر جارحة لا جانحة ، كما لا يخفى .
وفيه :
اولا: انه لو كنا بصدد التفريق بين الاطارين كيفما اتفقلكان
هذا الوجه
في غاية المتانة والقبول، الا انك قد عرفت سابقا بانالاحكام
الشرعية
تشمل جميع وقائع الحياة بما فيها افعال الجوارحوالجوانح ،
لاطلاق النصوص من جهة ، وعدم قابليةالدليل العقلي الذي
اشرنا اليه للتخصيص . وحينئذ يبقىالسؤال موجها، وهو لماذا
حصر الفقهاء بحوثهم الفقهيةبما يرتبط بافعال الجوارح ؟
وثانيا: لا نسلم انحصار متعلقات الاحكام الفقهية
بافعالالجوانح، ويكفي في النقض الاشارة الى بعض الموارد
،لان نقيض الموجبة الكلية (كل متعلقات الاحكام الفقهيةمن
افعال الجوارح) سالبة جزئية (بعض متعلقاتالاحكام الفقهية
ليس من افعال الجوارح)وهي تصدقولو في بعض الموارد،
مضافا الى انطالب الحق المنصفتكفيه الاشارة، والمكابر
المتعس ف لا ينتفع ولو بالفعبارة . ومن هذه الموارد التي
يمكن الاشارة اليها :
1-
مباحث النية التي طرحها الفقهاء في ابواب
العبادات،وحكموا بوجوبها الشرعي، وانعدمها يقتضي
بطلانالعبادة . نعم اختلفوا في كونها جزءا او شرطا
((205))،
الاان ذلك لا يضر بما هو المقصود .
2-
في ابواب النيابة في العبادات نص جمع من الفقهاءعلى ان
للنائب حينما ياتي بالعمل فعلين: احدهما قلبيمن افعال
الجوانح، وهو النيابة، والاخر خارجي من افعالالجوارح، وهو
العمل المنوب فيه، كالصلاة مثلا . ومن هنارفع بعضهم اشكال
اخذ الاجرة على الواجبات،بانالاجرة ان ما هي على النيابة التي
هي فعل جوانحي،والتقرب كان على الفعل الجوارحي وهو
الصلاة
((206)).
3-
ان من جملة المسائل التي يطرحها الفقهاء فيبحوثهم
واستفتاءاتهم، مسالة حكم التخيل والتفكيربالمراة الاجنبية
((207))، وغير خفي كون موضوع هذهالمسالة من الموضوعات
المرتبطة بالافعال القلبية .
4-
ان الصوم الذي يقع متعلقا للحكم الشرعي قد عرفعند
بعض الفقهاء بانه كف النفس عن المفطرات
((208))،وكف
النفس مما يرتبط بالجوانح، كما لا يخفى .
5- ان الاحرام الذي هو واجب من واجبات الحج عرفهالمحقق
الكركي
بقوله: «ومعناه كف النفس عن امور مخصوصة الى انياتي
بالمحلل من
الافعال »((209)) .
6- ان من جملة مراتب الامر بالمعروف والنهي عنالمنكر
الواجبة هي
مرتبة الانكار القلبي، وهو على احد تفسيريه متمحضبكونه
فعلا جوانحيا، وعلى تفسيره الاخر يتضمن فعلاجوانحيا، قال
الشهيد الثاني في المسالك:
«اعلم ان الانكار القلبي يطلق في كلامهم على معنيين:احدهما
ايجاد
كراهة المنكر في القلب، بان يعتقد وجوب المتروكوتحريم
المفعول مع كراهته للواقع . والثاني الاعراضعن فاعل المنكر
واظهار الكراهة له بسبب
ارتكابه . والمعنى الاول يجب على كل مكلف ، لانه منمقتضى
الايمان
واحكامه ... »
((210)) .
وهذا واضح في ان الانكار بالمعنى الاول صرف عملجوانحي،
والمعنى الثاني يتضمن الكراهة المبرزة . 7- ان جملة من الفقهاء قد ناقشوا في ادلة حرمةالاستماع الى الغيبة، ولكنهم مع ذلك التزموا بحرمته اذاكان فيه امضاء او تشجيع للمتكلم عليها ، وذلك لانهحينئذ يكون داخلا في عنوان حرمة الرضا بفعل الظالمين((211)) . وانت خبير بان الرضا الذي جعلوه منالمحرمات من افعال الجوانح، واستدلوا عليه بما ورد منان الرضا بفعل قوم كالداخل فيه معهم . ((212))
8- هناك جملة من المباحث الفقهية ترتبط بمباحثالشك
والسهو والظن، كما لا يخفى على المتابع لكتابالصلاة في
الفقه، والحال انالعناوين المشار اليها منالصفات النفسانية .
وهناك موارد اخرى نصفح عنها اكتفاء بما ذكرنا المختارفي
الجواب :
هذا، وتحقيق الحال في الاجابة عن التساؤل الرئيسي فيهذه
المقالة يتضح بتقسيم الفقه الى صنفين :
الصنف الاول: الفقه الروائي، ونقصد به الفقه الذي يقومعلى
اساس سرد المباحث الفقهية في اطار النصوصالروائية، كما
فعله المحد ثون من الفقهاء في مجاميعهمالحديثية، امثال ثقة
الاسلام الكليني) (ت: 329 ه)، والفيض الكاشاني) (1008
1090 ه)، والحر العاملي)(1033 1204 ه) وامثالهم . وهؤلاء
اذا نظرنا الى كتبهمالفقهية التي هي عبارة عن نصوص
الروايات، نجد انه لميكن عندهم فرق بين ما يصنف في زماننا
في ضمنالبحوث الفقهية، وما يصنف في ضمن
البحوثالاخلاقية .
فهذا الشيخ الكليني الذي جمع في كتابه الاصولوالفروع، وما
يصنف في الفقه، وما يصنف في الاخلاقفي عصرنا، بل وغير
ذلكيقول في ديباجة كتابه: «وذكرتان امورا قد اشكلت، لا
تعرف حقائقها ، لاختلافالرواية فيها، وانك تعلم ان اختلاف
الرواية فيهالاختلاف عللها واسبابها، وانك لا تجد في حضرتك
منتذاكره وتفاوضه ممن تثق بعلمه فيها، وقلت: انك تحبان
يكون عندك كتاب كاف يجمع فيه من جميع فنونعلم الدين،
ما يكتفي به المتعلم، ويرجع اليهالمسترشدوياخذ منه من يريد
علم الدين والعمل بهبالاثار الصحيحة عن الصادقين چوالسنن
القائمة التيعليها العمل، وبها يؤدى فرض اللّه تعالى،
وسنةنبيه(ص)، وقلت: لو كان ذلك رجوت ان يكون ذلك
سببايتدارك اللّه تعالى بمعونته وتوفيقه اخواننا
واهلملتناويقبل بهم الى مراشدهم »((213)) .
فانظر ايدك اللّه تعالى ترى ان السائل قد رجع الىالكليني
بما هو صاحب نظر وعلم، او فقل: بعنوان انهمجتهد وفقيه
بمصطلح المتاخرين، وانه يطلب كتابايجمع فيه جميع فنون
علم الدين ليرجع اليه من يريدالعلم والعمل، يعني ليرجع اليه
المقلد . علما ان ما اودعهفي الكافي من روايات كان بعد اعماله
لرايه بانتخاب ماهو صحيح غير معارضوعليه فيكون البحث
الفقهي فيهمتضمنا، وان كان مستواه اقل مما يتقوم به البحث
الفقهيفي عصرنا، وليس ذلك الا للفاصل الزماني الذي
احوجناالى اعمال كثير من القواعد العامة والعناصر المشتركة .
والحاصل: ان الكليني قد اعمل الفقاهة في جمعه لهذهالاخبار
في ضمن كتابه الجليلوالحال ان كتابه لا ينحصربما يسمى في
عصرنا بالمباحث الفقهية . وهذا ان دلعلى شي فانما يدل على
ان اعمال العناية الفقهية بنظرهيشمل جميع ما يدخل في
ضمن وقائع الحياة .
ويمكن القول ان هذا هو ما كان شائعا حتى قبل الكلينيايضا،
فكتاب المحاسن لاحمد بن محمد بن خالدالبرقي يعرف من
اسمه انه ناظر الى محاسن الافعالومكارم الاخلاقوالحال ان
احدا ممن ترجم للبرقي لميقل عنه انه كان من علماء الاخلاق .
وكذلك نجد الحر العاملي المتاخر عن الكليني زمانايعبر في
الابواب المرتبطة بالمباحث الاخلاقية تعبيراتشائعة في
البحوث الفقهية .
مثلا: يقول في كتاب جهاد النفس وما يناسبهباباستحباب
ملازمة الصفات الحميدة ، باب وجوب اليقينباللّه، باب عدم
جواز تعلق الرجاء والامل بغير اللّه، بابصحة التوبة من الكبائر،
باب تحريم الاصرار علىالذنب، باب جملة مما ينبغي تركه من
الخصال المحرمةوالمكروهة، وغير ذلك .
وانت خبير بان هذه الالفاظ (الوجوبوالحرمة ، وعدمالجواز،
والاستحباب، وينبغي تركه) من الالفاظ الشائعةفي المباحث
الفقهية، فهي نظير قوله في سائر الابوابالفقهية: (باب وجوب
الصلاة، باب حرمة الغصب ... الخ).
بل يمكن لنا ان ندرج كتاب من لا يحضره الفقيه
للشيخالصدوق (المتوفى سنة 381 ه) الذي يعرف من اسمه
انمضمونه فقهي، في ضمن هذا الصنف ، وذلك لانه قدادرج
في كتابه (158) رواية في مكارم الاخلاقواحدىهذه الروايات
تصل الى ما يقرب من عشرين صفحة . معانه قد قال في
مقدمته:
«ولم اقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه،بل
قصدت الى ايراد ما افتي بهواحكم بصحته، واعتقدفيه انه حجة
فيما بيني وبين ربي تقدس ذكره، وتعالتقدرته »((214)) .
ثم انه يمكن القول بانه لم يكثر في كتاب من لا يحضرهالفقيه
من المطالب الاخلاقية ، لكونه قد الف كتبا اخرىفي الحديث
ضمنها الكثير من المطالب الاخلاقية،كالامالي والخصال
ومعاني الاخبار والعلل وثوابالاعمالوغيرها .
ومن هذا القبيل الصحاح الستة عند العامةفانها مشحونةبابواب
تتناول جملة من المطالب الاخلاقية .
واما عدم تضمن التهذيب للمطالب الاخلاقية ، فلانمصنفه
وهو شيخ الطائفة)، لما كان بصدد شرح مقنعةاستاذه الشيخ
المفيد) لم يحسن حينئذ الا المشي علىمنهجيتها .
الصنف الثاني: الفقه المستل، ونقصد به الفقه الذي اخذهالفقهاء
من النصوص الشرعية والقواعد العامة، سواء كانيتضمن
استدلالا ام لا، فيشمل الكتب الاستدلالية ومايطلق عليه في
زماننا اسم الرسائل العملية . وقد شاعهذا عند فقهاء مرحلة
التفريع على القواعد والاصول،ويمكن ان يصنف في ضمن هذا
الصنف غالب الفقهاءالذين دونوا في الفقه متونا منفصلة
مستقلة عن متونالنصوص والاخبار، ومن هؤلاء ابو صلاح
الحلبي وسلاروالشيخ وبنو براج وحمزة وادريس والمحقق
والعلامةوالمحقق الثاني والشهيدان وغيرهم من الفقهاء
الىعصرنا الحاضر .
وهؤلاء لم تكن كتبهم الفقهية خالية عن بعض
المباحثالاخلاقية، فهذا ابو الصلاح الحلبي (374 447
ه)يقسم كتابه الفقهي الذي اسماه الكافي في الفقه الىاقسام
ثلاثة: التكليف العقلي، والتكليف السمعي،والمستحق
بالتكاليف واحكامه . ويدرج في كل قسمشيئا مما يصطلح عليه
بالاخلاق في زماننا .
كما انك خبير بان كثيرا من الفقهاء قد بحثوا فيالمعاملات عن
احكام بعض المواضيع الاخلاقية، كالغيبةوالكذب والنميمة
ونحوها .
والمتحصل من جميع ما تقدم: ان هذا الفصل بينمباحث
الاطارين لم ينشا من كون اخبارنا قد ميزتبينهما، وانما الذي
يقرب الى الذهن ان التصنيف فيالكلام والاخلاق كان اسبق
من التصنيف في الفقهالاستدلالي، وكان التصنيف فيهما غالبا
ما يتبع المنهجيةالعقلية على طريقة حكماء اليونان، حيث ان
الفلسفةعندهم كانت اسما عاما لجميع العلوم الحقيقية،
وكانوايقسمونها الى قسمين رئيسيين: هما العلوم
النظرية،والعلوم العملية، وكانت العلوم النظرية تشمل
الطبيعياتوالرياضيات والالهياتوالطبيعيات تشمل بدورها
علمالفلك والمعادن والنبات والحيوان، وتتشعب الرياضياتالى
الحساب والهندسة والهيئة والموسيقى، وتنقسمالالهيات الى
قسمين: ما بعد الطبيعة، او البحوث العامةللوجود، ومعرفة اللّه .
والعلوم العملية تتشعب الى ثلاثةفروع هي: الاخلاق، وتدبير
المنازل، وسياسة المدن((215)) .
وفي الجانب الاخلاقي ان ذكرت الروايات والنصوصالشرعية
فانما كانت تذكر بهدف الاستشهاد دونالاستدلال، وعندما بدا
التصنيف الفقهي بعد ذلك، راىاصحابه ان المباحث الاخلاقية
قد استوفيت بالبحث منقبل من صنف في الاخلاق، ولكنهم
قد خفي عليهم انهمانما استوفوها بمنهجية عقلية او صوفية، لا
بمنهجيةفقهية مستقاة من النصوص والاخبار .
واكبر شاهد على التفاوت بين المنهجين انعلماءالاخلاق
بحثوا الغيبة مثلا في ضمن بحثهم عن رذائلوفضائل القوة
الغضبية والشهوية، ثم ذكروا اسبابهاوبواعثها وكيفية علاجها،
من دون ان يتعر ضوا لحكمهاالشرعي . بينما نجد ان اول شي
بحث عنه علماء الشريعةهو حكمها الشرعي مستدلين عليه
بالادلة الاربعة، ثمبحثوا عن بعض فروعها ومستثنياتها .
ويتضح لدينا ايضا ان الفقه الشامل لجميع وقائع الحياة،لا
يختص بما تعارفت عليه المدرسة الفقهية ، لان ذلكبعض
وقائع الحياة لا كلها . وهذا الذي ذكرته لا يختصبالعناوين
الاخلاقية، بل يشمل غيرها من العناوين التييمكن ان تتكيف
بالحكم الشرعي بحده الوسيع . وبهذا نصل الى ختام ما اردنا بيانه في هذه المقالة، معاعترافي بان هذا البحث يحتاج الى تحقيق اكثر، الا ان ما لا يدرك كلهلا يترك كله، مع عدم كون الهدف من كتابتي لهاالاستيعاب، بل الاثارة لهذا التساؤل مع محاولة متاوضعةللجواب عنه، لعل ذلك يكون باعثا لاصحاب الاقلامالبارعة بتناوله بشكل موسع .
دور الزمان والمكان في الاجتهاد لدى الشهيد الصدر(قدس سره)
الشيخ محمود زماني
زترجمة: الشيخ صفاء الخزرجي
من الفقهاء الذين عنوا بمسالة دور الزمان والمكان فيالاجتهاد
في تراثهم العلمي بشكل عام هو آية اللّهالعظمى السيد محمد
باقر الصدر . ويعتبر كتاب
(اقتصادنا) من اكثر مؤلفاته تعرضا للمسالةوذلك فيسياق
محاولته لاكتشاف المذهب الاقتصادي فيالاسلام .
وعلى الرغم من ان السمة الاقتصادية هي الغالبة فيبحثه، الا
ان من الواضح عدم تاطر البحث بذلك،وسريانه الى ابواب الفقه
كافةوان كانت بعضها اكثر حظامن غيرها .
اولا مراحل الاجتهاد ومسالة الزمان والمكان :
للاجتهاد مراحل ينبغي التعرف على ما يقع منها موردالتاثير
الزمان
والمكان . ولا يساعد ذلك على توضيح عنوان البحثفحسب،
بل انه ينقح محل النزاع ايضا والمراحل التيتطويها عملية
الاجتهاد للوصول الى الحكم الشرعيثلاثة :
المرحلة الاولى: اعداد العناصر المشتركة
يقوم المجتهد في اءولى خطوات الاستنباط باعدادالعناصر
المشتركة الكلية التي تقع كبرى في قياساستنباط الحكم
الشرعي، او قل هي كما يعبر السيدالشهيد مرحلة اكتشاف
العناصر المشتركة من اجل ضمالعناصر الخاصة اليها لاستنباط
الحكم الشرعي . والعلمالذي تقع على عاتقه هذه الوظيفة هو
علم الاصول، ولذايعرفه السيد الشهيد بانه: «العلم بالعناصر
المشتركة فيعملية استنباط الحكم الشرعي ».
المرحلة الثانية: تطبيق العناصر المشتركة
((216))
يفتش الفقيه في هذه المرحلة عن العناصر الخاصة آصغرى
القياس ليطبق عليها العناصر المشتركة والكلية.
المرحلة الثالثة: تطبيق الحكم الشرعي
يقوم الفقيه هنا بتطبيق نتيجة القياس على المواردوالمصاديق
آخذا
بنظر الاعتبار الاوضاع والظروف الاجتماعية والمصالحالعامة،
اي ان الفقيه
بعبارة ثانية يطبق في هذه المرحلة الحجة الشرعيةالتي
توصل اليها
على الموارد والحالات . وعلم الفقه هو المعني
بهاتينالمرحلتين الاخيرتين، ولناخذ مثالا لتطبيق
هذهالمراحل عليه: يحاول الفقيه اولا اثبات حجية
خبر الواحد وحجية الظهور كقاعدتين عامتين . ثم يطبقهاتين
القاعدتين في المرحلة الثانية على صحيحةمحمد بن مسلم
عن الامام الصادق (ع) التي ورد فيها:«ايما قوم احيوا شيئا من
الارض وعمروها فهم احق بهاوهي لهم»((217))، وذلك بعد ان
يبحث عن صحة سندهاوجهتها، فتقع هذه الرواية كعنصر
خاص للقاعدتينالمتقدمتين باعتبار ظهورها، وكونها خبرا
واحدا، فتكونبذلك
حجة شرعية لدى الفقيه كي يطبقها في المرحلة الثالثةعلى
موردها في زمانه وظروفه .
وحيث ان تطبيق هذه الحجة الشرعية (ملكية المحيي)في
السابق لا يلزم منها اى محذور باعتبار محدوديةوسائل الانتاج
في الاعمار والاحياء، فلا شك انه يفتيبجواز علمية الاحياء
وملكية المحيي، ولكنه لا يستطيعفي ذلك اليوم مع هذا
التقدم العلمي وتطور وسائلالانتاج للزوم اختلال النظام
والعدالة الاجتماعية، فيتعينعليه دراسة الظروف المحيطة
بزمان تطبيق الحجةالشرعية التي توصل اليها في المرحلة
الثانية .
فيتضح من ذلك ان المراد عند من يقول بتاثير الزمانوالمكان
في الاجتهاد، التاثير في المرحلة الثالثة منمراحل استنباط
الحكم الشرعي . دون المرحلتينالسابقتين ، لانالقواعد الكل
ية والعناصر المشتركة لاتتاثر بالزمان والمكان، وكذلك مرحلة
التطبيق .
وقد اشار السيد الشهيد في معرض بحثه عن ضرورةالتغيير في
الرسائل العملية الى هذه النقطة فقال:«والاحكام الشرعية على
الرغم من كونها ثابتة، قديختلف تطبيقها تبعا للظروف من
عصر الى عصر، فلابدلرسالة عملية
تعاصر تغيرا كبيرا في كثير من الظروف ان تاخذ هذاالتغيير
بعين الاعتبار في تشخيص الحكم الشرعي»((218)).
وتنبغي الاشارة الى عدم حصر القائلين بتاثير الزمانوالمكان
بمرحلة تطبيق الحكم على مصداقه، بليعتبرون ذلك ايضا في
وضع وتعيين الحكم الشرعيايضا .
تحرير محل النزاع :
قبل الدخول في دراسة الاقوال والادلة ينبغي تحريرمحل
البحث، وان كان قد علم مما تقدم شي من ذلكالى حد ما،
ولكن ينبغي البحث في اطراف ذلك اكثر،ليعرف مراد القائلين
بتاثير الزمان والمكان في الاجتهاد.
تشترك في عملية الاستنباط جملة اءمورفالكتاب والسنةهما
مصدرا الاستنباطوالقواعد الاصولية تعين الفقيه آكما قلنا
على معرفة الحجة
الشرعية، وتتكفل طريقة الاستنباط كيفية تطبيق
القواعدالاصولية على مواردها، ومن ثم تطبيق نتيجة ذلك
علىالمصاديق . وهنا يجب التعرف على اى
هذه العناصر اكثر تاثرا بالظروف والاوضاع
والمتغيراتالخارجية، فالزمان والمكان لا يعدان من
مصادرالاستنباط، ولا مما يؤثر في عملية الاستنباط
حتى لدى من يرى اختصاص الخطابات القرآنيةبالحاضرين في
مجلس الخطاب، اذ لا يختلفون بينهمفي اشتراك الاحكام بين
الحاضرين والمعدومين. وعليه،فان الكتاب والسنة مصدران
ثابتان في عملية الاستنباط.
واما القواعد الاصولية فهي كما اسلفنا لا تختصبزمان معين
ليطرا
عليها التغيير بمرور الوقت، وكذلك منهج الاستنباط لميتغير
عما كان اوصى
به اهل البيت
(ع)
اصحابهم وان تطور اكثر، فهذه الامور لمتتاثر
بتغييرات الزمان والمكان بلا خلاف في ذلك . فلا يبقىسوى
الحكم، فقسم
من الاحكام ثابتة لا تتغير، باعتبار عدم تشريعها لمرحلةاو فترة
معينة كي
تنتهي بانتهائها . ولكن السؤال يقع عن موضوعات هذهالاحكام
الثابتة، هل
هي ثابتة ايضا او يمكن عروض التغيير عليها ويتغيرالحكم
الثابت بتبعها؟ وسؤال آخر عن المساحة المتروكةلولي الامر،
فهل ثمة احكام متروكة لولي الامر لميحددها الشارع ويحددها
هو بحسب الاوضاعوالظروف والمصالح العامة؟
هاتان نقطتان جديرتان بالدراسة والبحثالاولى فيتطبيق
الاحكام الثابتةوالثانية في الاحكام المخول فيهاولي الامر .
ثانيا الاحكام الثابتة والمتغيرة :
ما تقدم هو في بيان موضوع البحث والمبادئ التصوريةله، وقد
حان لنا الدخول في صلب البحث، فننقل رايالسيد الشهيد
الصدر اولا ثم نتعرض للادلة التي اقامهاعلى ذلك .
المستفاد من كلماته (قدس سره) انه يرى للزمانوالمكان تاثيرا
كبيرا في الاحكام الشرعية وفي النظامالاقتصادي، ولا يقتصر
هذا الدور على تطبيق الاحكام،بل يتعداه الى الاحكام الولائية
الخاصة بولي الامر .
ولنطرح البحث بصيغة اءخرى، ثم نتوصل الى راي
السيدالشهيد: هل الاحكام الشرعية ثابتة بنحو لا تمسها
يدالتغيير بسبب تغير الزمان والمكان؟ او هل انها قدشرعت
لمقطع زماني خاص، بحيث اذا تغير تغيرت معهتلك الاحكام؟
او ان بعض الاحكام ثابت وبعضهامتغير؟
يختار الشهيد الصدر الاحتمال الثالث ويفترض خطوتينلاثباته
:
الخطوة الاولى: اقامة الدليل العقلي على ذلك مع قطعالنظر
عن الدليل النقلي .
الخطوة الثانية: اقامة الدليل النقلي .
وبعبارة علمية: الخطوة الاولى في مقام الثبوت ، والثانيةفي
مقام الاثبات .
الخطوة الاولى :
ويتالف الدليل الثبوتي الذي يقيمه في المقام الاول منثلاث
مقدمات :
المقدمة الاولى: ان الحكم الشرعي هو عبارة عن
التشريعالصادر من اللّه تعالى لتنظيم حياة الانسان((219)).
المقدمة الثانية: ان الحياة الاجتماعية نابعة من
الحاجاتالانسانية . وقد استدل السيد الشهيد على ذلك
بقوله:«خلق الانسان مفطورا على حب ذاته والسعي
وراءحاجاته، وبالتالي استخدام كل ما حوله في سبيل
ذلك،وكان من الطبيعي ان يجد الانسان نفسه مضطرا
الىاستخدام الانسان الاخر في هذا السبيل ايضا، لانه لايتمكن
من اشباع حاجاته الا عن طريق التعاون معالافراد الاخرين،
فنشات العلاقات الاجتماعية علىاساس تلك الحاجاتواتسعت
تلك العلاقات ونمتباتساع تلك الحاجات ونموها.. فالحياة
الاجتماعية اذن،وليدة الحاجات الانسانية »((220)).
المقدمة الثالثة: اذا درسنا الحاجات الانسانيةوجدنا فيهاجانبا
رئيسا ثابتا على مرالزمن، وفيها جوانب تستجدوتتطو ر طبقا
للظروف والاحوال، فهذا الثبات الذينجده في تركيب الانسان
العضوي وقواه العامة، وما اءودعفيه من اءجهزة للتغذية والتوليد
وامكانات للادراكوالاحساس، يعني حتما اشتراك الانسانية
كلها فيخصائص وحاجات وصفات عامة . .
ومن ناحية اءخرى، نجد اءن عددا كبيرا من الحاجاتيدخل في
نطاق الحياة الانسانية بالتدريج، وينمو منخلال تجارب الحياة
وزيادة الخبرة بملابساتها،وخصائصها . فالحاجات الرئيسة ثابتة
اذن، والحاجاتالثانوية تستجد وتتطور وفقا لنمو الخبرة
بالحياةوتعقداتها .
والنتيجة التي يخرج بها السيد الشهيد الصدر من
هذهالمقدمات هي: ان
النظام الاجتماعي الصالح للانسانية ليس من الضروري آلكي
يواكب نمو
الحياة الاجتماعية ان يتطور ويتغير بصورة عامة، كما انهليس
من المعقول
ان يصوغ كليات الحياة وتفاصيلها في صيغ ثابتة، بليجب ان
يكون في
النظام الاجتماعي جانب رئيسي ثابتوجوانب مفتوحةللتطور
والتغير، ما دام الاساس للحياة الاجتماعية(الحاجات الانسانية)
يحتوي على جوانب ثابتة وجوانبمتغيرة، فتنعكس كل من
جوانبه الثابتة والمتطورة فيالنظام الاجتماعي الصالح
.
((221))
ولا يختص هذا الاستنتاج بالنظام الاجتماعي خاصة وانكان
السيد الشهيد ذكره فيها، بل انه يعم الاحكام الشرعيةكافة، وقد
استدل (قدس سره) بنفس هذا الاستدلال فيرسالته العملية
لاثبات استجابة نظام العبادات فيالاسلام لجميع الحاجات
الانسانية
((222)).
الخطوة الثانية :
قد ثبت في الخطوة الاولى اشتمال النظام الاجتماعيعلى
جوانب ثابتة واءخرى متغيرة تبعا لحاجات الانسان. وفي هذه
الخطوة نحاول اثبات ذلك بالدليل النقليلنرى مدى صحة
وقوع ما تعقلناه في مرحلة الثبوت،وهل ان الاحكام الشرعية
التي بلغها النبي(ص)والائمةچ من بعده ثابتة ومتغيرة او لا ؟
ان اثبات هذا المطلب بمكان من الضرورة، اذ ما لم يثبتذلك
من خلال
النقل والنصوص فلا قيمة لما اثبتناه في الخطوة الاولى .ومن
هنا، يقول السيد الشهيد (قدس سره): «وهذا هوالواقع في
النظام الاجتماعي للاسلام تماما »((223)).فالاحكام ليست
ثابتة مطلقا ولا متغيرة مطلقا، فالمعظمالذي يشكل القسم
الاساسي منها ثابت، والباقي متغيربتغير الاوضاع والاحوال .
فالاول: هو استجابة لحاجاتالانسان مثل: الضمان
المعيشيوالتوالد، والامن، والزواجوالطلاقوالحدود، والقصاص،
ونظام العبادات .
والثاني: هو استجابة لحاجات متغيرة، وهي الاحكامالتي سمح
فيها الاسلام لولي الامر ان يجتهد فيها وفقاللمصلحة والحاجة
في ضوء الجانب الثابت في النظام.
فاتضح ان الاحكام الشرعية والنظام الاجتماعي فيالاسلام
يتكون من
قسمين: ثابت ومتغير .
ثالثا دور الزمان والمكان في الاحكام المتغيرة :
1- دائرة الترخيص :
نحاول تحت هذا العنوان التفصيل اكثر فيما توصلنا اليهقبل
قليل، من
انقسام الاحكام والنظام الاجتماعي في الاسلام الىثابت ومتغير
. والمتغير هو عبارة عن الاحكام الولائيةالمتروكة لتشخيص
ولي الامر ، فنقول: اصطلح السيدالشهيد على هذا القسم من
النظام الاجتماعي ب- (منطقةالفراغ) او قل (منطقة الترخيص)،
وهي التي يمنح فيهاولي الامر الاجتهاد في ضوء ما تقتضيه
المصلحةوالاوضاع، حتى انها قد تقتضي حكمين مختلفين
فيمجتمع واحد في زمانين مختلفين، فضلا عن مجتمعين.
2- منطقة الفراغ ليست نقصا :
قد يتبادر الى الذهن سؤال عن ان التعبير بمنطقة الفراغالا
يتعارض مع الاحاديث الدالة على انه: «ما من واقعةالا ولها حكم
»؟ ! ثم الا يستلزم هذا وجود نقص فيالتشريع ؟ !
والجواب هو: انه لا يقصد بالفراغ الفراغ من كلحكم، بلالفراغ
من الحكم الالزامي، اي عدم اصدار الشارع حكماالزاميا لجميع
الازمنةوان ما اصدر حكما بالاباحة . ولوكان ثمة حكم بالوجوب
او الحرمة فهو ليس بنحو الدوام،بل بمقتضى الظروف والاوضاع
.
وبعبارة اخرى، انه ما من واقعة في الحياة الاولها حكمهاالخاص
من الاحكام الخمسة بما فيها الاباحة، الا انالامور المحكومة
بالاباحة قد يكون لها حكم ثانوي آخرفيما لو اقتضت المصلحة
ذلك . ومن هنا، يمكن ان يقالبان الاحكام الالزامية التي تملا
منطقة الفراغ او منطقةالترخيص انما هي احكام ثانوية .
ومنه يعرف الجواب عن السؤال الثاني، فانه ما من واقعةالا ولها
حكم اصلي خاص بها، فلا فراغ في الشريعةوعليه، فلا نقص
فيها .
اذن، فمنطقة الفراغ حسب السيد الشهيد في الوقتالذي لا
تعد نقصا او عيبا في التشريعفانها تعد كمالا فيه،قال (قدس
سره): «ولا تدلمنطقة الفراغ على نقص فيالصورة التشريعيةاو
اهمال من الشريعة لبعض الوقائعوالاحداث، بل تعبير عن
استيعاب الصورةوقدرةالشريعة على مواكبة العصور المختلفة،
لان الشريعة لمتترك منطقة الفراغ بالشكل الذي يعني نقصا او
اهمالا،وانما حددت للمنطقة احكامها، بمنح كل حادثة
صفتهاالتشريعية الاصلية، مع اعطاء ولي الامر صلاحية
منحهاصفة تشريعية ثانوية حسب الظروف . فاحياء الفردللارض
مثلا عملية مباحة تشريعيا بطبيعتها، ولوليالامر حق المنع
عن ممارستها وفقا لمقتضياتالظروف»((224)).
3- مل منطقة الفراغ من قبل النبي (ص)
حينما نقول: منطقة الفراغ، فانما نعني ذلك بالنسبة
الىالشريعة ونصوصها، لا بالنسبة الى الواقع التطبيقيللاسلام
الذي عاشته الامة في عهد النبوة، فانالنبي(ص)قد ملا ذلك
الفراغ بما كانت تتطلبه اهدافالشريعة في المجال الاقتصادي .
وعليه، فما قامبه(ص)من تطبيق للاحكام يعبر تارة عن احكام
ثانويةفي دائرة الترخيص، واءخرى عن اءحكام ثابتة خارج
هذهالمنطقة .
توضيح ذلك: ان للنبي(ص) كسائر الانبياء منصبين
اووصفين كما يعبر السيد الشهيداحدهما وصف
(النبوة)،والثاني وصف (ولاية الامر) .
فباعتباره نبيا، يبلغ الاحكام الواردة اليه عن طريق الوحيالى
الامة .
وباعتباره وليا للامر، يصدر الاوامر بحسب اقتضاءاتالمصلحة
العامة صونا للنظام والعدالة الاجتماعية .
فالاحكام من السنخ الاول، احكام ثابتة للجميع ، ولاتتغير بتغير
الزمان والمكان . والاحكام من السنخ الثاني،قابلة للتغيير بتغير
الظروف والاحوال . يقول السيدالشهيد الصدر حول السنخ
الثاني: «ان نوعية التشريعاتالتي ملا النبي(ص)بها منطقة
الفراغ من المذهب بوصفهولي الامر ليست احكاما دائمية
بطبيعتها، لانها لم تصدرمن النبي بوصفه مبلغا للاحكام العامة
الثابتة، بلباعتباره حاكما ووليا للمسلمين . فهي اذن، لا تعتبر
جزءاثابتا من المذهب الاقتصادي في الاسلام، ولكنها تلقيضوءا
الى حد كبير على عملية مل الفراغ التي يجب انتمارس في
كل حين وفقا للظروف »((225)).
فاتضح ان المقصود من منطقة الفراغ في النظامالاجتماعي، ما
كان منها بحسب النصوص الشرعية، لا ماطبقه النبي(ص)في
مجتمعه . كما اتضح ايضا ان ماطبقه(ص)في منطقة الفراغانما
هي الاحكام المرنة وغيرالثابتة .
4- فلسفة منطقة الفراغ :
بعد اتضاح ان ما قام به النبي(ص)من عملية المل، انماهو لسنخ
الاحكام المتغيرة، فانلسائل ان يقول: لماذا لمتملا الشريعة
منطقة الفراغ بالاحكام الثابتة ابتداء؟ولماذا تركت ذلك لولي
الامر؟
ويجيب السيد الشهيد على ذلك، بان الشريعة الاسلاميةلما
كانت غير
مقصورة على زمان دون زمان، بل هي شاملة لكلالاعصار، فلذا
لم تقرر مبادئ نظامها الاقتصادي بوصفهاعلاجا مؤقتا او
تنظيما مرحليا يجتازه التاريخ بعد فترةمن الزمن الى شكل آخر
من اشكال التنظيم . وانماقدمتها باعتبارها الصورة النظرية
الصالحة لجميعالعصور، فكان لابد لاعطاء الصورة هذا
العموموالاستيعاب، ان ينعكس تطور العصور فيها ضمن
عنصرمتحرك، يمد الصورة بالقدرة على التكيف وفقا
لظروفمختلفة
((226)).
فاذا تكمن فلسفة تشريع (منطقة الفراغ) في النظامالاقتصادي
والاجتماعي، بمنحه قدرة المواكبة لركبالمتغيرات
والتطورات في سائر العصور .
5- اهمية منطقة الفراغ :
قد ظهر مما تقدم اهمية منطقة الفراغ في النظامالاجتماعي
في الاسلام، فان وجود العنصر المتحرككفيل باتصاف ذلك
النظام بالشمولية والاستيعاب ،ليمنحه القابلية على مواكبة
جميع المتغيرات وانماطالتنمية الانسانية والحياتية
والاستجابة للمتطلباتوالحاجات المستجدة، ولذا يقول السيد
الشهيد فيمطلع بحثه عن منطقة الفراغ واهميتها في بناء
النظامالاقتصادي: «وحيث جئنا على ذكر منطقة الفراغ
فيالتشريع الاقتصادي، يجب ان نعطي هذا الفراغ اهميةكبيرة
خلال عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي ، لانهيمثل جانبا من
المذهب الاقتصادي في الاسلام ، فانالمذهب الاقتصادي في
الاسلام يشتمل على جانبين :
احدهما: قد ملئ من قبل الاسلام بصورة منجزة، لا تقبلالتغيير
والتبديل .
والاخر: يشكل منطقة الفراغ في المذهب، قد تركالاسلام
مهمة ملئها
الى الدولة او (ولي الامر)، يملؤها وفقا لمتطلباتالاهداف
العامة للاقتصاد الاسلامي ، ومقتضياتها في كلزمان »((227)).
ويقول في موضع آخر: «واما اذا اهملنامنطقة الفراغ ودورها
الخطير، فان معنى ذلك تجزئةامكانيات الاقتصاد الاسلامي،
والنظر الى العناصرالساكنة فيه دون العناصر الحركية
»((228)).
6- دور الولي الفقيه في منطقة الفراغ :
ذكرنا ان النبي(ص)هو الذي يملا باعتباره ولي الامر آمنطقة
الفراغ بالاحكام الولائية، في ضوء مقتضياتالمصالح القائمة
آنذاك، كاحكام مرنة ومتغيرة . ولكنالسؤال عمن يقوم بذلك
من بعده ؟
والجواب هو من ينطبق عليه عنوان ولي الامروهمالائمة چ من
بعده،
ثم الفقهاء في عصر الغيبة . ولا اشكال ولا خلاف فيحقهم چ
في التصدي
لذلك . ولكن الخلاف في ثبوته للفقهاء بعدهم ، وقداستدل
السيد الشهيد على ذلك بدليلين :
ا الدليل العقلي
((229)): وهو مركب من ثلاث مقدمات،هي
كالتالي :
المقدمة الاولى: قيام النظام الاقتصادي في الاسلام علىاساس
العدالة الاجتماعية، وهذه المقدمة واضحة جدا،لورود الايات
والروايات التي تدعو الانسان الى تحقيقالعدالة .
المقدمة الثانية: اختلاف مقتضيات العدالة الاجتماعيةباختلاف
الاوضاع الاقتصادية، فقد يكون عمل ما فيصالح المجتمع فترة
من الفترات، وقد يكون بضرره فيفترة اءخرى . ومن هنا، لا
يمكن صياغة مفردات النظامالاقتصادي الجزئية صياغة ثابتة .
وكمثال على ذلك مااشرنا اليه سابقا، من ان مقتضى العدالة
الاقتصادية كانيسمح للفرد بالاحياء من دون ان يحدد مقدار
ذلك،باعتبار محدودية امكانيات الفرد المحيي في ذلكالزمان،
الا انمقتضيات العدالة الاجتماعية اليوم مع هذاالتطو ر العلمي
الموجود لا تسمح بذلك بان يحيي الفردما يشاء من الاراضي .
المقدمة الثالثة: ان افضل طريق لحفظ وتحقيق
العدالةالاجتماعية هو ايكال ذلك الى ولي الامر . واما ايكالهالى
افراد المجتمع وآحادهم لتحقيق العدالة، فانه وانكان مطلوبا
وضرورياالا انه غير كاف في نفسه، اذ يؤديالى عكس
المطلوب، والى اختلال النظام .
فالمتعين اذن، ارجاع ذلك الى ولي الامر، ليملا دائرةالمباحات
تحقيقا للعدالة الاجتماعيةبحسب مقتضياتالزمان والمكان .
ب- الدليل النقلي: وقد تمسك السيد الشهيد بقولهتعالى: (يا
اءيها الذين آمنوا اءطيعوا اللّهواءطيعوا الرسولواءولي الامر
منكم)
((230))بتقريب: «ان هذا النص دلبوضوح على وجوب
اطاعة اء ولي الامر، ولا خلاف بينالمسلمين في ان اءولي الامر
هم اءصحاب السلطةالشرعية في المجتمع الاسلامي، وان
اختلفوا في تعيينهموتحديد شروطهم وصفاتهم . فللسلطة
الاسلامية العليااذا حق الطاعة والتدخل لحماية المجتمع،
وتحقيقالتوازن الاسلامي فيه، على ان يكون هذا التدخل
ضمندائرة الشريعة المقدسة »((231)).
فالاحكام الثابتة هي فوق الزمان والمكان، ولا تنتهيبانتهاء عصر
النبوة، بعكس الاحكام المتغيرة التي تتبدلبتبدل الظروف
والاحوالوالمستند فيها هو الاية الشريفةالمتقدمة .
7- حدود ولاية الامر :
عرفنا ان مساحة الاحكام المتغيرة متروكة لولاية الامر،والان
نريد معرفة دائرة هذه الولاية، لكي نعرف دائرةالاحكام الالزامية
الصادرة ضمنها .
والاباحة هي الحكم الاصلي كما اسلفنا لمنطقةالفراغ، وهي
قابلة لطرو حكم آخر عليها ، واما ما كانالحكم الاولي فيها غير
الاباحة من الاحكام الاخرى،فهي خارجة عن منطقة الفراغ .
وعليه، فصلاحيات ولي الامر تتحدد بحدود ما كانحكمه
الاولي الاباحة
دون ما لم يكن كذلك . ولذا فالسيد الشهيد بعدالاستدلال
بية (اءولى الامر) الشريفة المذكورة آنفا آيقول: «وحدود منطقة
الفراغ التي تتسع لها صلاحياتاءولي الامر، تضم في ضوء هذا
النص الكريم كل فعلمباح تشريعيا بطبيعته، فاى نشاط وعمل
لم يرد نصتشريعي يدل على حرمته او وجوبه يسمح لولي
الامرباعطائه صفة ثانوية، بالمنع عنه او الامر به . فاذا منعالامام
عن فعل مباح بطبيعته اصبح حراما، واذا امر بهاصبح واجبا .
واما الافعال التي ثبت تشريعيا تحريمهابشكل عام كالربا مثلا
فليس من حق ولي الامر، الامر بها. كما انالفعل الذي حكمت
الشريعة بوجوبه كانفاقالزوج على زوجته لا يمكن لولي الامر
المنع عنه، لانطاعة اءولي الامر مفروضة في الحدود التي لا
تتعارضمع طاعة اللّه واحكامه العامةفالوان النشاط
المباحةبطبيعتها في الحياة الاقتصادية هي التي تشكل
منطقةالفراغ »((232)).
8- نماذج من صلاحيات ولي الامر :
وهي عبارة عن نماذج من النصوص لاستعمال ولي
الامرصلاحياته في حدود منطقة الفراغوهذه النماذج
كمايقول السيد الشهيد تلقي ضوءا على طبيعة
المنطقة،واهمية دورها الايجابي في تنظيم الحياة الاقتصادية .
ثمينقل اربعة نصوص في ذلك، نوردها مع توضيح منه(قدس
سره) حولها
((233)):
ا- ما ورد عنه(ص)من النهي عن منع فضل الماء والكلاء،فعن
الامام
الصادق (ع) انه قال: «قضى رسول اللّه بين اهل المدينةفي
مشارب النخل انه لا يمنع فضل ماء وكلاء »((234)).
وهذا النهي نهي تحريم كما يقتضيه لفظ النهي عرفا،
واذاجمعنا الى ذلك راي جمهور الفقهاء القائل: بان منعالانسان
غيره من فضل ما يملكه من ماء وكلاء ليس منالمحرمات
الاصلية في الشريعة، كمنع الزوجة نفقتهاوشرب
الخمر، امكننا ان نستنتج ان النهي من النبي صدر عنهبوصفه
ولي الامر . فهو ممارسة لصلاحياته في ملمنطقة الفراغ حسب
مقتضيات الظروف، لان مجتمعالمدينة كان بحاجة الى انماء
الثروة الزراعيةوالحيوانيةفالزمت الدولة الافراد ببذل ما يفضل
منمائهم وكلائهم للاخرين تشجيعا للثروات
الزراعيةوالحيوانية . وهكذا نرى انبذل فضل الماء والكلاء
فعلمباح بطبيعته، وقد الزمت به الدولة الزاما تكليفيا
تحقيقالمصلحة واجبة .
ب- ورد عن النبي(ص)النهي عن بيع الثمرة قبل نضجها،ففي
الحديث عن الصادق (ع): ان ه سئل عن الرجليشتري الثمرة
المسماة من ارض، فتهلك ثمرة تلكالارض كلها؟ فقال«قد
اختصموا في ذلك الى رسولاللّه(ص)، فكانوا يذكرون ذلك .
فلما رآهم لا يدعونالخصومةنهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ
الثمرة ، ولميحرمه، ولكنه فعل ذلك من اجل خصومتهم
»((235)).
وفي حديث آخر: «ان رسول اللّه(ص)احلذلك فاختلفوا،فقال:
لا تباع الثمرة حتى يبدو صلاحها »((236)).
فبيع الثمرة قبل بدو صلاحها عملية مباحة بطبيعتها،
وقداباحتها الشريعة الاسلامية بصورة عامة، ولكن النبي
نهىعن هذا البيع بوصفه ولي الامر، دفعا لما يسفر عنه
منمفاسد وتناقضات .
ج- ونقل الترمذي عن رافع بن خديج انه قالنهانا رسولاللّه
صعن امر كان لنا نافعا، اذا كانت لاحدنا ارض انيعطيها ببعض
خراجها او بدراهم، وقال: «اذا كانتلاحدكم ارض فليمنحها
اخاه او ليزرعها »((237)).
ونحن حين نجمع بين قصة هذا النهي واتفاق الفقهاءعلى عدم
حرمة كراء الارض في الشريعة بصورة عامة،ونضيف الى ذلك
نصوصا كثيرة واردة عن الصحابة تدلعلى جواز اجارة الارض،
نخرج بتفسير معينللنصالوارد
في خبر رافع بن خديج، وهو ان النهي كان صادرا منالنبي
بوصفه ولي الامر، وليس حكما شرعيا عاما .فاجارة الارض
بوصفها عملا من الاعمال المباحةبطبيعتها، يمكن للنبي
المنع عنها باعتباره ولي الامر آمنعا تكليفيا وفقا لمقتضيات
الموقف .
د-
جاءت في عهد الامام (ع) الى مالك الاشتر اوامرمؤكدة
بتحديد الاسعار وفقا لمقتضيات العدالة، فقدتحدث الامام الى
واليه عن التجار واوصاه بهم،
ثم عقب ذلك قائلا: «واعلم مع ذلك ان في كثير منهمضيقا
فاحشا، وشحا قبيحا، واحتكارا للمنافع، وتحكمافي البياعات،
وذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة. فامنع من
الاحتكار، فان رسول اللّه(ص)منع منه، وليكنالبيع بيعا سمحا
بموازين عدل، واسعار لا تجحفبالفريقين في البائع والمبتاع
»((238)).
ومن الواضح فقهيا: ان البائع يباح له البيع باى سعراحب، ولا
تمنع الشريعة منعا عاما عن بيع المالك للسلعةبسعر مجحف،
فامر الامام بتحديد السعر ومنع التجارعن البيع بثمن اكبر
صادر منه بوصفه ولي الامر . فهواستعمال لصلاحياته في مل
منطقة الفراغ، وفقالمقتضيات العدالة الاجتماعية التي يتبناها
الاسلام((239)). رابعا دور الزمان والمكان في الاحكام الثابتة
1-
آالحاجات
الثابتة :
عرفنا لحد الان مدى تاثير عنصري الزمان والمكان فيالاحكام
المتغيرة والمرنة في النظام الاجتماعي، ونحاولفيما يلي من
البحث معرفة مقدار تاثيرهما علىالاحكام الثابتة، ولكن نشير
قبل ذلك الى اشكال يتعلقبتنويعنا الاحكام الى ثابتة ومتغيرة
في ضوء ثبات او تغيرالحاجات الانسانية، فهل توجد لدينا
حاجات ثابتةاساسا لتترتب عليها احكام ثابتة؟ ومعنى الثبات
في هذهالحاجات، هو وجودها من عصر التشريع الاول
الىعصرنا هذا، ومن بعده الى يوم القيامة .
قد يبدو لاول وهلة عدم وجود هكذا مفهوم للثبات،وذلك نظرا
الى تغير حاجات الانسان المعاصر عما كانتعليه في عصر
التشريع . وعليه، فلا حكم ثابت بثباتالحاجات . وقد تعرض
السيد الشهيد الصدر ضمناشارته لاعتبار العبادات من
الحاجات الثابتة في حياةالانسان الى بيان وتحليل هذا التساؤل
قائلا: «ولئن كانت العبادات كالصلاة والوضوء والغسلوالصيام
مفيدة في مرحلة ما من حياة الانسان البدوي ،لانها تساهم في
تهذيب خلقه ، والتزامه العملي بتنظيفبدنه، وصيانته من
الافراط في الطعام والشراب، فان هذهالاهداف تحققها للانسان
الحديث اليوم طبيعة حياتهالمدنية واءسلوب معيشته اجتماعيا
. فلم تعد تلكالعبادات حاجة ضرورية، كما كانت في يوم من
الايام،ولم يبق لها دور في بناء حضارة الانسان او حل
مشاكلهالحضارية ».
ويجيب السيد الشهيد على ذلك ضمن مقدمتين :
المقدمة الاولى: ان للانسان نمطين من العلاقة معالاشياء:
علاقته مع
الطبيعة، وعلاقته مع اللّه ومع اخيه الانسان .
فالتطورالاجتماعي في الوسائل والادواتانما يفرض التغير
فيعلاقة الانسان بالطبيعة، وما تتخذه من اشكال مادية،فكل
ما يمثل علاقة بين الانسان والطبيعة، كالزراعة التيتمثل
علاقة بين الارض والمزارع تتطور شكلا ومضمونامن الناحية
المادية تبعا لذلك . فعلاقات الانسانبالطبيعة او الثروة تتطور
عبر الزمن، تبعا للمشاكلالمتجددة التي يواجهها الانسان
باستمرار وتتابع خلالممارسته للطبيعة، والحلول المتنوعة
التي يتغلب بهاعلى تلك المشاكل، وكلما تطورت علاقاته
بالطبيعة ازدادسيطرة عليها، وقوة في وسائله واساليبه
.
((240))
المقدمة الثانية: ان العبادات ليست علاقة بين
الانسانوالطبيعة لتتاثر بعوامل هذا التطوروانما هي علاقة
بينالانسان وربه، ولهذه العلاقة دور روحي في توجيه
علاقةالانسان باخيه الانسان . وفي كلا هذين الجانبين نجد
انالانسانية على مسار التاريخ، تعيش عددا من الحاجاتالثابتة
التي يواجهها انسان عصر الزيت وانسان عصرالكهرباء على السواء
.
ونظام العبادات في الاسلام علاج ثابت لحاجات ثابتةمن هذا
النوع، ولمشاكل ليست ذات طبيعة مرحلية، بلتواجه الانسان
في بنائه الفردي والاجتماعي والحضاريباستمرار . ولا يزال
هذا العلاج الذي تعبر عنه العباداتحيا في اهدافه حتى اليوم،
وشرطا اساسيا في تغل بالانسان على مشاكله، ونجاحه في
ممارسته الحضارية((241)).
|
|---|