ويقول(قدس سره)حول الحاجات الثابتة التي تمثلاساس
الاحكام الثابتة غير العبادية: ان «كلجماعةتسيطر خلال
علاقاتها بالطبيعة على ثروة، تواجه مشكلةتوزيعها، وتحديد
حقوق الافراد والجماعة فيها، سواءكان الانتاج لدى الجماعة
على مستوى البخار والكهرباء،ام على مستوى الطاحونة اليدوية
»((242)).
اذن، ثمة حاجات في البعد العبادي من حياة الانسانوفي البعد
الاقتصادي يشترك فيها جميع البشر . وقداتضح الى حد ما
من خلال النص المنقول عن السيدالشهيدالمقصود بالحاجات
في البعد الاقتصادي، ولكنماهي الحاجات الموجودة في البعد
العبادي التي يمكنفي ضوئها تشريع الاحكام المرتبطة بها ؟
يذكر (قدس سره) ثلاثة انواع من الحاجاتوالمشاكلالتي
يواجهها الانسان على هذا الصعيد :
ا الحاجة الى الارتباط بالمطلق :
((243))
وهي حاجة ثابتة في وجود الانسان، والذي يشبع هذهالحاجة
هو نظام العبادات . ويستدلالسيد الشهيد علىذلك بدليل
مرك ب من ثلاث مقدمات :
المقدمة الاولى: يعاني الانسان في تحركه الحضاري منمشكلة
رئيسة ذات حدين :
احدهما: يتمثل في الضياع واللاانتماء، وهذه هي مشكلةالالحاد،
وهي الجانب السلبي من المشكلة .
والثاني: عبارة عن الغلو في الانتماء، بتحويل الحقائقالنسبية
التي ينتمي اليها الى مطلقوهذا هو الجانبالايجابي في
المشكلة . واطلقت الشريعة على الجانبالاول: الالحادوعلى
الثاني: الشرك والوثنية .
المقدمة الثانية: تلتقي هاتان المشكلتان في نقطة واحدة،هي
اعاقة حركة الانسان في تطوره عن الاستمرار الخلاقالمبدع
الصالح .
المقدمة الثالثة: ان الايمان كغريزة لا يكفي ضمانالتحقيق
الارتباط بالمطلق بصيغته الصالحة، لان ذلكيرتبط بطريقة
اشباع هذه الغريزة واءسلوب الاستفادةمنها، كما هو الحال في
كل غريزة . ومن هنا كان لابدللايمان باللّه والشعور العميق
بالتطلع نحو الغيبوالانشداد الى المطلق من توجيه يحدد
طريقة اشباع هذاالشعور، ومن سلوك يعمقه، والعبادات هي
التي تقومبدور التعميق لذلك الشعور، لانها تعبير عملي
وتطبيقيلغريزة الايمان .
ب الموضوعية في القصد وتجاوز الذات :
تتنوع مصالح الانسان الى مصالح تعود مكاسبها الىنفس الفرد،
واءخرى تعود على غيره .
والنوع الاول: يضمن الدافع الذاتي لدى الفرد توفيرهوالعمل في
سبيله . وهذا بعكسه في النوع الثاني فلايكفي الدافع الذاتي
لضمان تلك المصالح ، لانها لاتخص الفرد العاملوكثيرا ما
تكون نسبة ما يصيبه منجهة وعناء اكثر
من نسبة ما يصيبه من تلك المصلحة الكبيرة ومن هناكان
الانسان بحاجة الى تربية على الموضوعية فيالقصد، وتجاوز
الذات في الدوافع . والعبادات تقومبدور كبير في هذه التربية
الضرورية، لانها اعمال يقومبها الانسان من اجل اللّه سبحانه، ولا
تجوز اذا اداهاالانسان من اجل مصالحه الشخصية .
ج- الشعور الداخلي بالمسؤولية :
تتبع الانسانية دوما نظاما معينا في توزيع الحقوقوالواجبات،
وتحيطه بضمانات لالتزام الافراد بهذاالنظام . والضمانات منها
ما هو موضوعي كقانونالعقوبات، ومنها ما هو ذاتي ينبثق عن
الشعوربالمسؤولية . والاخير بحاجة الى ايمان برقابة لا
يعزبعن علمها مثقال ذرة ، والى مران عملي ينمو من
خلالههذا الشعوروهو يكون عن طريق الممارسات العبادية .
والنتيجة، هي وجود حاجات ثابتة في حياة الانسان،يشترك
فيها جميع الناس في العصور كافة، وهي تتوزع مابين الجانب
الاقتصادي والجانب العبادي من حياةالانسان، وهي التي يقوم
على اساسها النظام الاقتصادي،ونظام العبادات على مستوى
التشريع .
2- الزمان والمكان والاحكام الثابتة :
ذكرنا ان لولي الامر مل منطقة المباحاتوالحكم فيهابحكم
ثانوي الزامي . واما الاحكام الثابتة الاصلية فليسلولي الامر
تغييرها، بان يغير الواجب الى محرم اوبالعكس . فلا تاثير للزمان
والمكان في هذه الدائرة منالاحكام، ولذا يقول الشيهد الصدر
(قدس سره): «واماالافعال التي ثبت تشريعيا تحريمها بشكل
عام كالربامثلا فليس من حق ولي الامر الامر بها . كما ان
الفعلالذي حكمت الشريعة بوجوبه كانفاق الزوج على زوجتهلا
يمكن لولي الامر المنع عنه، لان طاعة اءولي الامرمفروضة في
الحدود التي لا تتعارض مع طاعة اللّهواحكامه العامة »((244)).
نعم، الزمان والمكان يؤثران بشكل آخر في نظر السيدالشهيد،
اي في مرحلة تطبيق الحكم على موضوعه، لافي مرحلة تعيين
اصل الحكم . وقد اشار (قدس سره)الى ذلك في مقدمة
الفتاوى الواضحة، فقال: «والاحكامالشرعية على الرغم من
كونها ثابتة، قد يختلف تطبيقهاتبعا للظروف من عصر الى
عصر، فلابد لرسالة عمليةتعاصر تغيرا كبيرا في كثير من
الظروف ان تاخذ هذاالتغيير بعين الاعتبار في تشخيص الحكم
الشرعي»((245)).
قد يقال: ان الاحكام الثابتة لو كانت استجابة للحاجاتالثابتة،
فلا مجال حينئذ للكلام عن التغيير .
فانه يقال: ان الاحكام وكذا الحاجات، وان كانت ثابتة لاتتغير،
الا ان اءسلوب اشباع تلك الحاجات هو الذي يتغير. وقد اشار
السيد الشهيد الى ذلك بقوله:
«زود الجانب الثابت من النظام بقواعد تشريعية ثابتة فيصيغها
القانونية، غير انها تتكيف في تطبيقها
بالظروفوالملابساتوبذلك تحدد الاسلوب الصحيح
لاشباعالحاجات الثابتة التي تتنوع اساليب اشباعها بالرغم
منثباتها، وذلك كقاعدة نفي الضرر في الاسلام، ونفيالحرج
في الدين
((246)) ».
ان قاعدة نفي الضرر والحرج كصياغتين تشريعيتين، وانكانتا
ثابتتين
نظريا، لكنهما تتاثران في مقام التطبيق بالمؤثراتالزمانية
والمكانية، ومع ذلك لا يضربثباتهما كحكمينعامى ن، فكذلك
الاحكام الثابتة تتنوع في مقام التطبيق.
3- نماذج من تاثير الزمان والمكان في الاحكام المتغيرة:
توضيحا لما ذكرنا نستعرض بعض الامثلة الواردة فيكلام
السيد الشهيد(قدس سره):
ا-
الشرط الضمني: قال: «الشرط الضمني واجب ونافذ،وهو كل
شرط دل عليه العرف العام، وان لم يصرح به فيالعقد، ولكن
نوع هذه الشروط لما كان العرف هو الذييحددها تختلف،
فقد يكون شي ما شرطا ضمنيا معالعقد في عصر دون عصر
»((247)).
ب-
اسرى الحرب: للامام ان يختار في اسرى الحربالتي تكون
باذنه العفو او اخذ الفدية واطلاقهم اوالاسترقاق، قال (قدس
سره): «ان ولي الامر مسؤول عنتطبيق اصلح الحالات الثلاث
على الاسير، واوفقهابالمصلحة العامة، فانالاسترقاق قد يكون
احيانا اصلحمن العفو والفداء معا، وذلك فيما اذا كان العدو يتبع
معاسراه طريقة الاسترقاق، ففي مثل هذه الحالة يصبح
منالضروري ان يعامل العدو بالمثل »((248)).
ج- مصرف الزكاة للفقراء: من الاحكام الثابتة فيالاسلام جواز
دفع الزكاة للفقراء، ولكن الاسلام لم يعطللفقر مفهوما مطلقا،
ومضمونا ثابتا في كل الظروفوالاحوال، وانما اعطاه مفهوما
نسبيا، من قبيل عدمالالتحاق في المعيشة بمستوى معيشة
الناس، وبقدر مايرتفع مستوى المعيشة يتسع المدلول الواقعي
للفقر،فيتسع هذا المفهوم حتى لغير الواجد للحاجات
الرفاهيةوالكمالية، وان كان غنيا بالنسبة للضروريات، لانه
دونمتوسط المعيشة لدى عامة الناس، فاذا اعتاد الناس
مثلاعلى استقلال كل عائلة بدار نتيجة لاتساع العمران
فيالبلاد، اصبح عدم حصول عائلة على دار مستقلة لونا
منالفقر، بينما لم يكن فقرا حينما لم تكن البلاد قد وصلتالى
هذا المستوى من اليسر والرخاء .
فيستنتج من ذلك كله، امكانية انعكاس تاثيرات الزمانوالمكان
حتى على الاحكام الثابتة التي هي خارج اطارمنطقة
المباحات، حيث يكون التاثير في مقام التطبيق،ولا يختص هذا
الكلام بالاحكام غير العبادية، بل يشملالعبادات ايضا ، كما
لاحظنا ذلك في النموذج الثالثالاخير الذي ذكرنا .
4- تغيير الاحكام الثابتة من خلال تغيير الموضوع :
من خلال النماذج المشار اليها في دائرة الاحكام الثابتة،فانه
يمكن استنتاج ما يلي: انالتاثير الزماني والمكاني انما يطرا في
الاحكام الثابتة على الموضوع، وهذا بعكسالاحكام المتغيرة،
فان التغير فيها يطرا على نفس الحكم. فوجوب الزكاة حكم
شرعي دائمي الا ان التغيير يقع فيناحية الموضوع وهو
الفقيرحيث تختلف النظرة العرفيةلمن يعيش الحالة المعاشية
المتوسطة باختلاف الظروفالمعيشية، ولذا يقول السيد
الشهيد: «وليس غريبا اعطاءمفهوم مرن لمدلول تعلق به حكم
شرعي، كالفقر الذيربطت به الزكاة . ولا يعني هذا تغير الحكم
الشرعي، بلهو حكم ثابت لمفهوم خاص، والتغير انما هو في
واقعهذا المفهوم تبعا للظروف »((249)).
وينظر (قدس سره) للمقام ايضا بمثال آخر وهو مفهوم(الطب)،
ويقول: «ان الشرع حكم بوجوب تعلم الطبكفاية على
المسلمين، وهذا الوجوب حكم ثابت تعلقبمفهوم خاص وهو
(الطب) . ولكن ما هو مفهوم الطب؟وما يعني تعلم الطب؟ ان
تعلم الطب هو دراسةالمعلومات الخاصة التي تتوفر في ظرف
ما عنالامراض وطريقة علاجها، وهذه المعلومات الخاصةتنمو
على مر الزمن، فما هي معلومات خاصة بالامس لاتعتبر
معلومات خاصة اليوم، ولا يكفي في طبيب اليومان يتقن ما
كان يعرفه الاطباء الحاذقون في عصر النبوة،ليكون ممتثلا
لحكم اللّه في تعلم الطب، فالمرونة فيالمفهوم اذا غير التغير
في الحكم الشرعي، واذا كان طبيباليوم غير طبيب عصر
النبوة، فمن المعقول ان يكون فقيراليوم في مفهوم الاسلام
غير فقير عصر النبوة ايضا»((250)).
نتائج البحث: يستخلص مما تقدم النتائج التالية :
1- انقسام الحاجات الانسانية الى ثابتة ومتغيرة .
2- انقسام الاحكام الشرعية وصياغات النظامالاجتماعي
والاقتصادي باعتبارها تمثل التلبيةالتشريعية لتلك الحاجات
الى ثابتة ومتغيرة، ويطلقعلى الجانب المتغير في الاطار
الاجتماعي (منطقةالفراغ) .
3- ينحصر نظام العبادات بتلبية الحاجات الثابتة فقط.
4- تخلو منطقة الفراغ من الحكم الالزامي الاولى،والحكم
الاولى لها هو الاباحة .
5- ان امر مل منطقة الفراغ اوكل الى ولى الامر
والدولةالاسلامية .
6- للزمان والمكان تاثير كبير في مل منطقة المباحات
اومنطقة الفراغ .
7- يقوم الولي الفقيه بمل منطقة فراغ بحسب
مقتضياتالزمان والمكان والمصالح العامة .
8- تتحدد دائرة الفراغ بالمباحات الشرعيةويترتب علىذلك
تاطر دائرة الصلاحيات التنفيذية للولي الفقيهبحدود المباحات
ايضا .
9- بالرغم من عدم تاثير الزمان والمكان في الاحكامالثابتة
نفسها، ولكنهما يؤثران في مقام التطبيق . 10- وقوع التغيير في دائرة الاحكام المتغيرة في نفسالحكم، بعكس الاحكام الثابتة فانالتغيير يقع في طرفالموضوع
دراسات مقارنة في فقه القرآن الشيخ خالد الغفوري
ان تزين المراة في نفسه يعد في الجملة لدى العقلاء
منالضرورات الحياتية الا ان اظهار الزينة من قبلها امامالرجال
يختلف حكمه في التنزيل كما
سيتضح بحسب طبيعة العلاقة بين الرائي والمرئيوحالهما،
فهو يتردد بين المنع والجواز، فان كان الرائيرجلا اجنبيا
فموقف القرآن العام تجاه هذه الحالة هوحرمة اظهار المراة
زينتها امامه، وان كان الرجل يمتبصلة للمراة كما لو كان من
محارمها فيجوز.
والملاك الكلي في هذا الموقف القرآني يعود الىامرين:
الامر الاول: الحاجة العملية والحياتية التي تقتضيمخالطة
البعض مخالطة يعسر معها اخفاء الزينة، كما انهاقد تقتضي ابراز
شي من بدن المراة كالوجه والكفين كيتتمكن من قضاء
حوائجها وقيامها بشؤونها.
الامر الثاني: عدم الاثارة الجنسية، كما هو الحال
بالنسبةللمحارم الذين لا يتاثرون بحسب طبعهم بما يرون
منزينة محارمهم.
وعليه، فالملاك ليس تعبديا محضا، بل هو مفهوم لدىالعرف
والعقلاء . وهذه النكتة مفيدة ونافعة يمكنتوظيفها في ثنايا
البحث والاستدلال .
واهم نص قرآني تصدى لتشريح حكم ذلك هو قولهتعالى: (وقل
للمؤمنات يغضضن مناءب صارهنويحفظن فروجهن ولا
يبدين زينتهن الا ما ظهر منهاوليضربن بخمرهن على جيوبهن
ولا يبدين زينتهن الالبعولتهن اءوآبائهن اءو آباء بعولتهن اءو
اءبنائهن اءواءبناءبعولت هن اءو اخوانهن اءو بني اخوانهن اءو
بنياءخواتهن اءو نسائهن اءو ما ملكتاءى مانهن اءو التابعينغير
اءولي الاربة من الرجال اءوالطف لالذ ين لم يظهرواعلى
عورات النساءولاى ضر بن باءرجلهن ليعلم مايخفين من
زينتهن وتوبوا الى اللّه جميعا اءيها المؤمنونلعلكم تفلحون)
.
((251))
وفي البدء نشير الى امرين:
الامر الاول: ان هذا النص الشريف تضمن عدة احكامهي:
امر المؤمنات بغض البصر، وحفظ الفرجونهيهن عنابداء الزينة،
وامرهن باسدال المقانع على النحوروالصدور، ونهيهن عن
ضرب الارض بالارجل للاعلامبوجود الزينةثم ختمت الاية
توجيهاتها بامر المؤمنينبالتوبة.
وقد تكرر النهي عن ابداء الزينة مرتين في الاية ، وفي كلمرة
يعقب النهي باستثناء .
هذا، وننبه على ان مسؤولية هذه الدراسة هو بحث
هذينالاستثناءين فقط بتفصيل يناسب المقام، ولسنا هنا
بصددبحث تمام الاية بكلمقاطعها .
الامر الثاني: لابد من بيان بعض المفردات والتراكيباللفظية
المرتبطة بالبحث الواردة في هذا النص، وهي :
1 (زينتهن) الزينة: ما يتزين به
((252))، من زان الشيصاحبه
زينا من باب سار، والاسم الزينة
((253)). وهي مالا يشين
الا((254))نسان .
والظاهر ان الزينة تعطي معنى ايجابيا لا سلبيااي مايعطي
الشي حسنا او ما يزيده حسنا وجمالا .
وقد استعملت في القرآن الكريم في موارد عديدة، فتارةاطلقت
على الزينة المادية واخرى على المعنوية، قالتعالى: (حتى اذا
اءخذت الارض زخرفها وازينت)
((255))،وقال : (وحبب اليكم
الايمان وزينه في قلوبكم)((256)).
وايضا اطلقت على الزينة التكوينية والمكتسبة ، قالتعالى: (انا
زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب)
((257))،وقال: (خذوا زينتكم
عند كل مسجد)
((258)) .
وايضا اطلقت على الزينة الحقيقية والوهميةقال تعالى:(ولقد
جعلنا
في السماء بروجا وزيناها للناظرين)
((259))وقال: (زينللذين
كفروا الحياة
الدنيا)
((260)).
وايضا اطلقت على الذوات وعلى الافعال، قال تعالى:(المال
والبنون زينة الحياة الدنيا)
((261))وقال: (وكذلكزين لكثير
منال مشركينق تل اءولادهم شركاؤهم)((262)).
وقد نسب التزيين تارة للّه سبحانه واخرى لغيرهكالشيطان، قال
تعالى:
(ان الذين لا يؤمنون بالاخرة زينا لهم اءعمالهم)
،وقال: (فزين لهم الشيطان اءعمالهم)
((264)).
((263))
وقد اضيفت الزينة في هذا النص الى ضمير التانيث(زينتهن)
والاضافة للاختصاص، اي ما يختص بالمراةمن الزينة، كالحلي
والادهان والمساحيق، ومن الممكنان يراد بزينة المراة ايضا
الزينة التكوينية والجمالالطبيعي لهاوقد تكون زينة المراة
ظاهرة كالملابسالمزينة وقد تكون باطنة في بعض المواضع
الخفية منبدنها .
ومن الجدير بالذكر ان لفظ الزينة في هذه الاية تكررثلاث مرات
.
2-
(بعولتهن) البعولة جمع بعل، وزان فحل وفحولة، وهوالذكر
من الزوجين اي
((265))الزوج قال تعالى: (وهذابعلي شيخا)
.
((266))
وقيل يطلق على السيد ايضا
((267))، بل على كل
مستعل((268)).
3- (اءو ما ملكت اءيمانهن) اءي الاماء والجواري خاصة،وقال
بعضهم: المراد العبيد والاماء، اي الارقاء ذكوراواناثا .
4-
(غير) فيها وجهان: الجر والنصب: اما الجربناء على انه نعت
ل (التابعين) او بدل منه او بيان له، واما النصب فعلىالحال او
الاستثناء
((269)).
5-
(الاربة): الحاجة، والولوع بالشي والشهوة له، والاربةالحاجة
في النساء، والاربة العقلومنه الاريب
((270)).والارب والارب
والاربة بمعنى، والجمع: مرب .
وقال الراغب: «الارب: فرط الحاجة المقتضي للاحتيالفي
دفعه، فكل ارب حاجة، وليس كلحاجة اربا، ثميستعمل تارة
في الحاجة المفردة، وتارة في الاحتيال وانلم يكن حاجة ...
وقوله: (اءولي الاربة من الرجال) كنايةعن الحاجة الى النكاح،
وهي الاربى للداهية المقتضيةللاحتيال »((271)).
والاربة وزان فعلة من الارب كالمشية والجلسة
((272)). والمراد بقوله تعالى: (غير اءولي الاربة منالرجال) اي غيراولي الميل والشهوة او الحاجة الى النساء، ومثل لهبعضهم بالبله والحمقى والمغفلين الذين لا يدركون منامور الجنس شيئا . ((273))
6-
(الطفل) كلمة طفل اسم جنس تقع على الجمع كماتقع
على المفرد، فهي مثل كلمة (ضيف)، نظير قولهتعالى: (ثم
نخرجكم طفلا)
((274))، والمراد به الجمع هنابدليل قوله:
(اءوالطف ل الذين لم يظهروا) حيث جاء بواوالجماعة، واللام
للاستغراق، وكذلك نعته ب (الذين)((275))، فيكون الطفل
معطوفا على (بعولتهن) .
واحتمل كون (الذين) نعتا ل (التابعين)فيكون (الطفل)معطوفا
على (الرجال) .
((276))7 (لم يظهروا) اي لم يطلعوا، او من الظهوربمعنى
الغلبة، اي لم يقووا على امور يقبح التصريح بها،وهو كما قيل
كناية عن ا((277))لبلوغ .
8 (عورات النساء) العورة: سواة الانسانوذلك كناية،واصلها
من العار ، وذلك لما يلحق في ظهوره من العار،اي المذمة
((278)). نعم، هل يراد بذلك خصوص القبلوالدبر او ما يشمل
السرة والفخذ ؟ سيتضح ذلك فيما
بعد، كما سياتي احتمال ارادة معنى آخر هنا تبويبالبحث:
قسمنا البحث في ثلاثة محاور: الاول في الاستثناءالاول،
والثاني في الاستثناء الثاني وقد اشتمل علىجملة من العناوين
اقتضى كلمنها تحقيقا وتفصيلا،والمحور الثالث في مدى ارادة
الحصر من الاستثناءوعدمه .
المحور الاول: في الاستثناء الاو ل، وهو قوله تعالى: (ولايبدين
زينتهن الا ما ظهر منها) .
ا- ما هو المراد بالنهي عن ابداء الزينة ؟
الاتجاه الاول: وهو المعروف المراد النهي عن اظهارالزينة ،
فان الابداء لغة: الاظهار والاراءة والاعلان للغيرواعلامه .
واصحاب هذا الاتجاه انقسموا الى فريقين في تفسيرالزينة :
الفريق الاول: من فسرها بمواضع الزينة من اعضاء بدنالمراة، لا
الزينة ذاتها، سواء وضعت عليها ما يتزين به منالخضاب والحلي
او خلت من ذلك . وهذا الاطلاقمجازي من باب اطلاق الحال
وارادة المحل ، وذلكلملابستها لتلك المواضع .
ويدل على ذلك: الاستثناء الوارد بعد النهي والمتكررمرتين،
ففي الاولى استثني ما ظهر من الزينة فاختصتالحرمة بما
عداه اي بما لم يظهر، وفي الثاني استثنيالطوائف الاثنتا عشرة
فاختصت الحرمة بمن عداهم،ومن الواضح انهذا لا يستقيم الا
اذا اريد بالزينةمواضعها، فان نفس الزينة بما هي يجوز ابداؤها
بلا فرقبين من استثني وغيره، فانه لا يحتمل في ذلك
الحرمةقطعا، فيتعين ارادة مواضع الزينة وتؤيده بعض
الروايات،منها :
1-
ما عن ام المؤمنين عائشة عن النبي(ص)انه قال: «لايحل
لامراة تؤمن باللّه واليوم الاخر اذا عركت
((279))انتظهر الا
وجهها ويديها الى هاهنا » وقبض على نصفالذراع
((280))،
وقريب من مضمونه ما رواه ابو داود((281)).
2-
صحيحة الفضيل قال: سالت ابا عبد اللّه (ع) عنالذراعين
من المراة هما من الزينة التي قال اللّه: (ولايبدين زينتهن الا
لبعولتهن) ؟ قال: «نعم، وما دون الخمارمن الزينة وما دون
السوارين »((282)).
ويمكن ان يكون اطلاق الزينة على بدن المراة ليسمجازيا بل
حقيقيا ، وذلك بلحاظ ما تمتاز به المراة منطبيعة جمالية،
فانها خلقة وتكوينا تمتلك زينة وجمالاطبيعيا دون الرجل،
وهذه الزينة الطبيعية تشمل اغلببدن المراة او كلبدن المراة
الا ما استثني كالعورة، فان هاليست زينة، بل هي مما يستقبح،
ولذا اطلق عليها السواة.
ووسع بعضهم هذا الاتجاه بان المراد العضو كله، لاالمقدار الذي
تلامسه الزينة منه .
في حين احتمل آخر الاختصاص بمحلها فقط ، فلايتعدى الى
غيرها خصوصا المواضع الخفية في اكثرالحالات والقريبة من
العورة .
الفريق الثاني: من فسر الزينة بما تتزين به المراة ، فهوالمفهوم
عرفا ولغة .
ويؤى د ذلك قوله عزوجل: (و لا يضربنباء رجلهن ليعلمما
يخفين من
زينتهن)، فان ضرب الرجل على الارض لا يوجب العلمبموضع
الزينة، وانما الذي يوجبه هو العلم بنفس الزينةمن الخلخال
وغيره، اذ انضرب الرجل يوجب حركتهاوايجاد الصوت فيعلم
بها لا محالة
((283)).
كما ويؤيد ذلك بعض الروايات التي ذكرت الزينة
نفسها،كالثياب والكحل والخاتم وخضاب الكف والسوارونحوها
. هذا بحسب المدلول اللفظي للزينة .
((284))
ولكن هذا لا يمنع من دعوى وجود دلالة التزامية عرفيةبين
حرمة ابداء ذات الزينة وحرمة ابداء مواضعها، وانماصرح بالاول
للمبالغة، كما في قوله تعالى: (ولا تقربواالزنى)
((285))، فان
هذه الزينة واقعة على مواضع يحرمالنظر اليها لغير من استثني
في الاية من الطوائف الاثنتيعشرة
((286)).
الاتجاه الثاني: وذهب اليه بعض المحققين اخيرا((287))،
وهو مبتن على التفريق بين معنى الابداء فيالفقرة الاولى وبين
معنى الابداء في الثانية، ففي الاولىبمعنى ترك الشي
مكشوفاوالنهي عنه يراد به وجوبالستر، اي يحرم كشف الزينة
ويجب سترها فضلا عناراءتها، في حين ان المراد به في الفقرة
الثانية الاراءةوالاعلام ، لان الفعل فيها متعد لمفعول ثان باللام
.
وبناء على ذلك فان في الاية حكمين ولكلحكم استثناء،لا انه
حكم واحد ورد عليه استثناءان .
فالحكم الاول حرمة الكشف ولزوم الستر على المراةباستثناء ما
ظهر، والحكم الثاني حرمة اظهار الزينة للغيرباستثناء الطوائف
الاثنتي عشرة .
ويؤيد ذلك: تكرار الامر في الاية مرتين وتعقيب الاولمنهما
بالامر بالقاء الخمر والستر امام من استثنوا فيه .
وقد يقال: بان تكرار الامر في الاية لاجل التوطئةللاستثناء
الثاني، لا لافادة معنى جديد.
الا ان ذلك تطويل في التعبير، وهو خلاف البلاغة ، فانهلا داعي
لاقحام الامر بالقاء الخمر في وسط الكلام، اذبالامكان تقديمه
وعطفه على الامر بحفظ الفرج اوتاخيره الى آخر الاية .
ب ما هو المراد بالاستثناء في قوله تعالى: (الا ما ظهرمنها) ؟
في ذلك عدة آراء :
1-
ظاهر الزينة وهو الثياب، كما عن ابن مسعود ، فذلكجائز
اظهاره ، فانه لا سبيل لاخفائه كالرداء الذي تجلل بهالنساء
، دون الزينة
((288))
الباطنة، اي ما هو مباشر للبدن ويستلزم ابداؤه عادة ابداءالبدن
والنظر اليه النظر الى البدن
((289)).
2- الثياب والوجه، حكي عن ابن جبير .
3- الثياب والوجه والكفان، محكي عن ابن جبير ايضا.
ولعل الرايين الثاني والثالث متحدان ، اذ لا نكتة للتفريقبين
الوجه والكفين . 4- الكحل والسوار والخضاب الى نصف الذراع والقرطةوالفتخ ونحو ذلك . ((290))
5-
الوجه والكفان
((291)). وهذا مختار كثير من الفقهاء ،فان
ذلك مما يظهر عادة وعرفاواخفاؤه فيه حرج و ضيقعلى المراة
.
اقول: ان العرف لا يحصر ذلك في الوجه والكفين بليتوسع الى
القدمين كذلك، بل قد يتوسع اكثر من ذلكقليلا، فاذا كانت
الحاجة العرفية تمام النكتة في هذاالتفسير وما سبقه من
التفاسير الاربعة المتقدمة فهيتقتضي مثل هذه التوسعة، ولا
داعي لحصرها بالثيابالظاهرة فحسب او بالوجه فحسب .
6- الظاهر ما ظهر لضرورة قصوى او لضرورة عرفيةكالمعالجة
والشهادة.
7- الظاهر ما ظهر بنفسه صدفة واتفاقا كالغفلة وما
كشفهالريح، لا ما كان عن عمد واختيار .
والرايان الاخيران السادس والسابع بحاجة الى تقديرفي
الاية، نحو كلمة (اضطرارا) و (سهوا) ونحو ذلك .والتقدير
خلاف الاصل كما يقال .
كما ان ارادة اولهما من الاية اشد بعدا من الثاني ، لعدممناسبته
مع التعبير بالفعل الماضي (ظهر) .
قد يقال: بان التقدير لا مناص منه على كلالاحتمالات،فان ه
على الاحتمالات المتقدمة ايضا لابد من تقديركلمة (عرفا) او
(عادة )فيعود اشكال التقدير اشكالامشتركا على جميع
الاحتمالات .
الجواب: ان القيود المقدرة اذا كانت من قبيل (عقلا اوطبعا او
عرفا) ونحوها فهي بقوة المصرح بها، فلا يعدافتراضها خلاف
الاصل وليس بحاجة الى مؤونة زائدة،وعليه فيكون
للاحتمالات المتقدمة اولوية .
المحور الثاني: في الاستثناء الثاني، وهو قوله تعالى: (ولايبدين
زينتهن الا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن علىجيوبهن ولا
يبدينزين تهن الا لبعولتهن او آبائهن اءو آباءبعولتهن اءواءب
نائهن اءو اءبناء بعولتهن او اخوانهن او بنياخوانهن او بني
اءخواتهن اءو نسائهن اءو ما ملكت اءيمانهناو التابعين غير ولي
الاربة منالرجال اءو الطفل الذين لميظهروا على عوراتالنساء
) .
في هذا المقطع الشريف استثناء من حرمة ابداء الزينة،وهذا
الاستثناء ناظر الى عناوين معينة:
ثلاثة منها للمصاهرة، وهم: الازواج وآباؤهم وابناؤهم.
وخمسة منها للنسب، وهم: الاباء والابناء والاخوةوبنوهم وبنو
الاخوات . فالمجموع ثمانية .
وعنوان تاسع، وهو النساء .
وعاشر، وهم المملوكون .
وحادي عشر، وهم البله .
وثاني عشر، وهم الاطفال .
ولابد من تفصيل البحث في كل عنوان على حدة :
1- (بعولتهن) اي ازواجهن، فقد استثنتهم الاية من حرمةابداء
الزينة لهم في الجملة وان اختلفوا عن سائرالطوائف الاحدى
عشرة بمقدار ما يباح لهم، وليست فيالاية اية اشارة لذلك، بل
يستفاد ذلك من ادلة اخرى،نظيرما دل على اباحة المباشرة
والاستمتاع الجنسي بينالزوجين بكل اشكاله .
وقيل: انما بدئ بالبعولة في الاستثناء قبل غيرهم ،
لاناطلاعهم يقع على ما هو اعظم من هذا
((292)).
بل ورد في الروايات ترغيب للزوجة في ابداء زينتهالزوجها، لا
مجرد الاباحة
((293)).
وبناء على اطلاق البعل على الاعم من الزوج والسيديكون
المراد من
(بعولتهن) ما يعمهما .
قد يقال: بان الخطاب في الاية موجه للحرائر ولا يعمالاماء،
لوجود قرائن منها قوله بعد ذلك: (اءو ما ملكتاءيمانهن)،
فيتعين ارادة الازواج من
البعولة .
والجواب: ان الطوائف الاثنتي عشرة المستثناة مذكورةعلى
نحو القضية الحقيقية، والتي بدورها تنحل الى عدةقضايا
حقيقية بعدد الطوائف، اي على فرض وجودها،فعدم تحققها
في الخارج لا يؤثر على الخطاب والمرادبه، فالمراة العقيمة
مثلا لا يخرجها انتفاء الولد عن عمومالخطاب (اءو اءبنائهن
)وهكذا بالنسبة لسائر الطوائف،وعليه فالخطاب عام من هذه
الجهة .
2- (آبائهن) اي آباء المراة، وقالوا ان اللفظ يشمل الجدوان علا
من جهة الذكران لاباء الاباء وآباء الامهات((294)).
3-
(آباء بعولتهن) اي آباء الازواج، وايضا قالوا بشمولهلجد الزوج
وان علا
((295)).
4-
(اءبنائهن) اءي اءبناء المراءة، ويدخل فيه اءبناء الابناء
وانسفلوا ذكرانا كانوا او اناثا، كبني البنين وبني
البنات((296)).
5-
(اءبناء بعولتهن) اءي اءبناء الازواج، ويدخل فيه ابناءالابناء وان
سفلوا
((297)).
6-
(اخوانهن) اي اخوة المراة، والظاهر الاطلاق، قالالاردبيلي:
«والاخ اعم من ان يكون من الطرفين [ الاموالاب جاو احدهما
» ((298)).
7-
(بني اخوانهن) اي ابناء اخوة المراةويدخل فيه ابناءالابناء
وان سفلوا ذكرانا كانوا او اناثا
((299)).
8-
(بني اخواتهن) اي ابناء اخوات المراةويدخل فيهابناء الابناء
وان سفلوا ذكرانا كانوا او اناثا
((300)).
9- (نسائهن) وقد اختلفوا في بيان ما هو المراد به .
ومن الجدير بالذكر انه لم نجد مثل هذا الاختلافبالنسبة الى
ما تقدم من الطوائفوليس ثمة غموض فيمعنى لفظ النساء،
والسبب في تعدد الاراء هنا هواختلاف النسبة ، فان الحكم
المستثنى في الاية حكمانحلالي بملاحظة كل مراة بالنسبة
الى بعلها او ابيها اوابنها او اخيها الى آخر ما ذكر فيها ، اذ لا
يحتمل جوازابداء زينتهن لبعولة او آباء او ابناء اخوان غيرهن،
بليختص الحكم بكل امراة على حدة بالنسبة الى ابيهاوسائر
ارحامها المذكورين في الاية، فهنا تظهر فائدةاضافة الضمير
(هن) الى العناوين المتقدمة، واما بالنسبةالى (نسائهن) فلا
يمكن الالتزام بكون الحكم انحلاليا ، اذلا يعقل تصور كونها
امراة لامراة دون اخرى ، اذ نسبتهامن حيث هي مراة وانثى الى
كل فرد من افراد النساءعلى حدسواء بخلاف نسبتها الى افراد
الرجال فانهامختلفة، فقد تكون حليلة او محرما لشخص دون
غيره((301)). فلابد من بيان الفائدة من اضافة لفظ (النساء)الى
الضمير (هن) هنا . ومهما يكن من امر ففي قولهتعالى:
(نسائهن) عدة احتمالات بل اقوال: الاحتمالالاول: ان يراد بها
مطلق النساء((302))
، وعليه فيتعين ان يراد ب
(ما ملكت اءيمانهن) العبيد خاصة .
وهذا الاحتمال بعيد ، لعدم الفائدة حينئذ في اضافة
لفظ(النساء) الى الضمير (هن) . مضافا الى ان الحرمة هنا
غيرمحتملة ولا متوهمة حتى يتصدى الشارع لنفيها
وبيانالاباحة .
الاحتمال الثاني: ان يراد بها النساء الحرائر مطلقا ، اذ منالواضح
ان المقصود بالنساء طبيعي النساء، وبقرينةالعطف عليهن بقوله
تعالى: (اءو ما ملكت اءيمانهن)والمراد به الاماء سواء اريد الاماء
خاصة او اريد مطلقالمملوك امة كانت او عبدا فيفهم: ان
المراد من طبيعيالنساء خصوص الحرائر، فيتحصل من الاية
الكريمة انطبيعي المراة لا باس بان تبدي زينتها لطبيعي
الحرائروطبيعي الاماء، بل يدعى تبادر ذلك من لفظ النساء
فيذلك الزمان، او لتكرر استعمال القرآن ذلك في عدةموارد
بخصوص الحرائر .
وهذا الاحتمال يكون راجحا فيما لو اضيف لفظ (النساء)الى
الضمير المذكر (هم)، واما لو اضيف الى المؤنث(هن) فظهور
ذلك غير واضح .
الاحتمال الثالث: ان يراد بها المؤمنات خاصة . وهذامعناه حرمة
ابداء المراة المسلمة زينتها للمراة الكافرةمطلقا حتى ولو لم
تكن متزوجة ، وقد نسب الى اكثرالسلف . قال ابن عباس: «ليس
للمسلمة ان تتجرد بيننساء اهل الذمة ولا تبدي للكافرة الا ما
تبدي للاجانبالا ان تكون امة لها ، لقوله تعالى: (اءو ما
ملكتاءى مانهن)». وكتب عمر الى اءبي عبيدة اءن يمنع نساء
اهل الكتابمن دخول الحم ام مع المؤمنات
((303)).
الاحتمال الرابع: ان يراد بها النساء المؤمنات الحرائر .وهذا
الاحتمال عبارة عن تطوير للاحتمالين الثانيوالثالث بالجمع
بينهما ضمن احتمال واحد ، وتقريبذلك بان يقال: ان هنا في
الحقيقة دالين ومدلولين:
اولهما: لفظ (النساء) الذي اعتبر دالا على الحرائر ، امالدعوى
تعارف هذا الاطلاق سابقا ، او لان هذا هوالظاهر من
الاستعمالات القرآنية .
ثانيهما: لفظ الضمير (هن) الذي اضيف اليه لفظ (النساء)،
وهذه
الاضافة دالة على ارادة خصوص المؤمنات، فيكونقوله تعالى:
(اءونسائهن) نظير قوله تعالى: (واس تشهدواشهيدين من
((304)). وهنا تتجلى الفائدة فيالاضافة الى الضمير
رجالكم)
(هن) .
الاحتمال الخامس: ان يراد بها النساء الاقرباء خاصة .
وقد يؤيد بان ما ورد في باب غير ذات العادة بالرجوعالى عادة
نسائها المفسر بالاقرباء، فعن الامام محمد بنعلي الباقر (ع)
قال: «يجب للمستحاضة ان تنظر بعضنسائها فتقتدي باقرائها
ثم تستظهر على ذلك بيوم»((305)).
غير ان هذا ابعد الاحتمالات كلها ، اذ ان لازمه الالتزامبدلالة
الاية على حرمة ابداء المراة زينتها لغير نساءعشيرتها، وهو
خلاف الضرورة الفقهية
((306)).
الاحتمال السادس: ان يراد بها النساء المختصات بهنبالصحبة
والخدمة والتعارف سواء اكن مسلمات او غيرمسلمات
((307)).
وهذا الاحتمال غير واضح الظهور في الايةومن الواضحانه لا
قيمة للاحتمال ما لم يبلغ درجة الظهور من اللفظ.
10- (او ما ملكت ايمانهن)، وفيه عدة احتمالات، بلاقوال:
الاحتمال الاول: مطلق المماليك من الاماء والعبيد ،وذلك
للاطلاق،
فان هذا العنوان يصدق على الاناث والذكرانواختارهالشافعية
وجعلوه كالمحارم((308))وقيده ابن حجر بالعبدالعدل
.
((309))
الاحتمال الثاني: العبيد خاصة ، بقرينة العطف علىاللفظ
(النساء) المتقدم بناء على كون المراد طبيعي النساء.
ومن هنا فقد ذهب بعض الى جواز ان يظهرن لعبيدهممن
زينتهن ما يظهرن لذوي محارمهن.
وقد رووا في ذلك عن انس: ان ه(ص)اتى فاطمة بعبد قدوهبه
لها وعليها ثوب اذا قنعت به راسها لم يبلغ رجليها،واذا غطت به
رجليها لم يبلغ راسها، فلما راى رسولاللّه(ص)ما بها قال: «انه
ليس عليك باس، انما هو ابوكوغلامك ».
وعن مجاهد: كان امهات المؤمنين لا يحتجبن عنمكاتبهن ما
بقي عليه
درهم .
وروي: ان عائشة كانت تمتشط والعبد ينظر اليها((310)).
والاحتمالان الاول والثاني من المستبعد جدا ارادتهمافي الاية
، لان العبودية لا تاثير لها في ضمور الشهوةالجنسية وعدم
اثارتها ، اذ العبودية مجرد ملكية ومحضعلاقة اقتصادية،
بخلاف المحارم والجنس المماثلفانالطبيعة النفسية
والسايكلوجية لهؤلاء تجعلهم غيرملتفتين الى الاثارة الجنسية
عادة الا من شذ .
ومن هنا ينقدح الشك في بعض المرويات كالذي رواهانس عن
النبي صاو المروي عن امهات المؤمنين مناستباحة ابداء
الزينة امام العبيد ، فان هذا المعنى منالصعب تقبله اسلاميا،
لمخالفته للارتكاز المتشرعي،وهذا هو الذي اثار حفيظة سعيد
بن المسيب فاخذينادي بقوله: «لا تغرنكم آية النور، فانها في
الاناث دونالذكور »((311)).
ومن هنا يتضح سقوط الاحتمالين الاول والثاني .
الاحتمال الثالث: الاماء خاصة، بقرينة العطف على لفظ(النساء)
المتقدم
بناء على كون المراد خصوص الحرائر، وبقرينة ذكر حكمالعبيد
في الفقرة التالية وهي قوله تعالى: (اءو التابعين غيراءولي الاربة
من الرجال) لابد ان يكون قوله تعالى: (اءو ماملكت اءيمانهن )
منصرفا الى الاماء لئلا يؤدي الىالتكرار
((312)).
وعلى ذلك فيكون العبد بالنسبة الى سيدته كالاجنبي،وهو
قول عبد اللّه بن مسعود ومجاهد والحسن وابنسيرين وسعيد
بن المسيب
((313))واختاره احمد ابنحنبل وابو حنيفة وهو
قول الشافعي ايضا وتاولوا الايةبانها في حق الاماء فقط .
واستدلوا بما نقل عن سعيد بن المسيب انه قال : «لاتغرنكم آية
النور،
فانها في الاناث دون الذكور »، وعللوا ذلك بانهم فحولليسوا
ازواجا
ولا محارم، والشهوة متحققة فيهم، فلا يجوز التكشفوابداء
الزينة
امامهم . وقالوا: انما ذكر الاماء في الاية لانه قد يظنالظان انه لا
يجوز ان
تبدي زينتها للاماء ، لان الذين تقدم ذكرهم احرار، فلماذكر
الاماء زال
الاشكال
((314)).
واضافوا ايضا الاحتجاج بقوله (ص)«لا يحللامراةتؤمن باللّه
واليوم الاخر ان تسافر سفرا فوق ثلاث الا معذي محرم »والعبد
ليس بذي محرم منها، فلا يجوز انيسافر بها، واذا لم يجز له
السفر بها لم يجز له النظر الىشعرها كالحر الاجنبي .
وكذلك فان ملكها للعبد لا يحلل ما يحرم عليه قبلالملك ، اذ
ملك النساء للرجال ليس كملك الرجال للنساء. فانهم لم
يختلفوا في انها لا تستبيح بملك العبد منهشيئا من التمتع كما
يملكله الرجل من الامة .
وايضا ان العبد وان لم يجز له ان يتزوج بمولاته الا انهذا
التحريم عارض كمن عنده اربع نسوة فانه لا يجوز لهالتزوج
بغيرهن، فلما لم تكن هذه الحرمة مؤبدة كانالعبد بمنزلة سائر
الاجانب
((315)).
الاحتمال الرابع: الاماء الكافرات خاصة
((316)).
وربما يكون دليله هو دعوى دخول المؤمنات مطلقا آحرائر
واماء في قوله تعالى: (اءو ن سائهن) فيختص (ماملكت
اءيمانهن) بالاماء الكافرات .
وقد تقدم عدم صحة هذه الدعوى وان المراد من
قوله:(نسائهن) خصوص الحرائر المؤمنات، فيبقى (اءو ماملكت
اءيمانهن) على اطلاقه دون تقييد او تخصيص .
11- (التابعين غير اءولي الاربة من الرجال)وفيه عدةبحوث :
البحث الاول المعنى المراد اجمالا: الرجال الذين لارغبة لهم
في النساء .
واختلفوا في ذكر المصاديق على اقوال: القول الاول آالاحمق
الذي لا حاجة فيه الى النساء، وهو المروي عنالامام محمد بن
علي الباقر %
((317)).
القول الثاني الابله، وهو مروي عن الامام الصادق %((318)).
القول الثالث المجنون
((319)).
القول الرابع المعتوه .
القول الخامس المغفل . وهذه الاقوال يمكن ارجاعبعضها الى
بعض، كما هو واضح .
القول السادس العنين .
القول السابع الخصى .
القول الثامن الخصى المجبوب، وهذا منسوب
للشافعي((320)).
القول التاسع المخنث .
القول العاشر الشيخ الكبير .
وهذه الاقوال الخمسة السادس والسابع و الثامنوالتاسع
والعاشر لا شاهد عليها، بل المناسبة بينالحكم والموضوع
تقتضي عدم ارادتها من النص ، وذلكلعدم منافاة الحالات
المذكورة مع الميل الجنسي للمراة.
القول الحادي عشر الشيخ الهم الذي سقطت شهوته .
القول الثاني عشر الشيخ الصالح
((321)).
وهذا الراي لا يستحق الذكر ، فان الشخص الصالح يكوناولى
من غير الصالح بترك النظر وبعدم تكشف المراةامامه وكتمانها
زينتها، قال الاردبيلي: «ولا يخفى انالشيوخ الصلحاء الذين
يغضون ابصارهم اذا كانوا معهنلا يحتاجون الى الاستثناء، بل لا
يصح ، فانالظاهر منالاستثناء جواز الكشف لهم وجواز النظر
لهم، فافهم ».
القول الثالث عشر الرجل يتبع القوم فياكل
معهمويرتفق بهم، وهو ضعيف لا يكترث للنساء ولا
يشتهيهن((323)).
القول الرابع عشر الصبي الذي لم يدرك
((324)). وهذاالراي
ينبغي اسقاطه من الحساب ، لان الاية تتحدثعن الرجال لا
عن الذكوركما هو واضح .
وان امكن توجيه هذا الاحتمال بناء على ارجاع وصف(الذين)
الى
(التابعين)، بيد ان ذلك لا يدفع الغائلة تماما عن هذاالاحتمال ،
لكون بعض افراد الرجال داخلين في(التابعين) قطعا .
القول الخامس عشر العبيد الصغار، نسب الى ابي حنيفة.
القول السادس عشر هو التابع يتبعك ليصيب منطعامك
.
((325))
القول السابع عشر هم الفقراء الذين بهم الفاقة
((326)).ولعله
يرجع الى
سابقه .
والحاصل: ان المستفاد من المناسبة بين الحكموالموضوع كما
ذكرنا
هو كون المدار في الاستثناء على الرجل عديم الشهوةالجنسية،
وهذا ينسجم
مع الاقوال الخمسة الاولى كما ينسجم مع القول الحاديعشر
لكن مع تقييده بالتابع على خلاف فيما يرادبالتابع على ما
سياتي قريبا ، فتنحصر الاحتمالات فيالاقوال الخمسة
المتقدمة فحسب .
البحث الثاني التبعية والاتباع من المفاهيم ذاتالاضافة، فكما
يوجد تابع لابد من وجود متبوع، وبما انهغير مذكور في الاية،
اذن لا محيص عن
تقديره، وفيه عدة احتمالات:
الاحتمال الاول: المتبوع هو خصوص المراة المؤمنةالمخاطبة
بهذا الحكم .
وهذا الاحتمال غير ظاهر ، لعدم الاضافة الى الضمير(هن) حتى
يخصص بالنساء .
الاحتمال الثاني: المتبوع هم المؤمنون كافة ايالمجتمع
المسلم بقرينة خطابهم في الاية السابقة وفيذيل هذه الاية،
ولم يذكر الاسم او الضمير لكونه مفهوما.
الاحتمال الثالث: المتبوع الناس اي المجتمع الشاملللكفار
ايضا، ولم يذكر في الاية لعدم الفائدة فيه ، اذالمدار في الحكم
على التابع ولا شان لنا بالمتبوع، فذكرهيكون تطويلا بلا طائل .
ومن هنا نرى عدولا في الخطاب ، اذ انالطوائف العشرقرنوا مع
الضمير
(هن ) لاجل افادة التخصيص، بخلافه بالنسبة الى
عنوانالتابعين، وكذا الحال بالنسبة الى العنوان الاخير،
وهوالطفل فقد ذكر مطلقا ومجردا عن هذه الاضافة والقيدية.
البحث الثالث تحديد المراد بالتابع:
ا ان لفظ التابع تارة يكون مشتقا من التبعيةاي من
يكونملحقا من الرجال ولا استقلالية له حكما وشرعا،
وهوالمول ى عليه من الرجالوليس هو الا المجنون .
نعم يمكن توسعة هذا المعنى نسبيا بان يراد به ما يشملالمغفل
والمعتوه والابله والاحمق ممن هو خفيفالعقل، لا المجنون
خاصة .
ب وتارة يكون مشتقا من الاتباع، اي من تبعكم طلباللعافية او
الانتفاع او الخدمة ويكون ملازما لكم فيالعيش من الناحية
العملية .
البحث الرابع تحديد المراد ب (غير اءولي الاربة) :
وينبغي البحث في جهتين:
الجهة الاولى لقد اختلفوا في تحليل هذه الفقرة منحيث
تركيبها النحوي على رايين تبعا لاختلاف القراءة:
الراي الاول: بناء على قراءة الجر ان (غير) تكون وصفا لآ(التاب
عين) .
الراي الثاني: بناء على قراءة النصب فيكون استثناءا ثانيابعد
الاستثناء
الاول، اي لا يحرم ابداء الزينة للتابعين الا ذا الاربة منهم. او
يكون حالا،
اي والذين يتبعونهن عاجزين عنهن، قاله ابو حاتم((327)).
الجهة الثانية ان الظاهر كون هذا الوصف وهو (غير
اءوليالاربة) اءي من لا حاجة له في النساء يراد به من لاتتوق
نفسه الى النساء لامر ثابت في نفسه تكوينا، كمن لاشهوة له
اصلا، ولا يشمل ما كان لطارئ يزول، كالمرضالعارض ونحوه .
البحث الخامس ان التقييد بالرجال يخرج غير البالغ .
البحث السادس ان المتحصل اشتمال هذه الفقرة علىثلاثة
قيود :
الاول: التبعية او الاتباع .
الثاني: عدم الحاجة الى النساء .
الثالث: الرجولة .
ولابد من لحاظها معا، فلا يصح اغفال شي من هذهالقيود . ومن
هنا فان اوجه الاحتمالات في الاية هي :
الاحتمال الاول: خصوص الرجل المجنون المولى عليهالذي لا
همة له
في النساء، فانه لا ملازمة بين انتفاء العقل وانتفاء الشهوة .وعليه
فليس كل مجنون يباح للمراة ابداء زينتها امامه .ويؤيده المروي
عن الامام محمد بن علي الباقر (ع) منانه الاحمق الذي لا
حاجة فيه الى النساء، كما مرسابقا،والظاهر ان القيد احترازي،
وليس قيدا توضيحيا، فانالتوضيح والتاكيد خلاف الاصل الا ان
تقوم قرينة عليه.
الاحتمال الثاني: نفس الاحتمال الاول لكن مع توسعتهنسبيا
بان يراد به ما يشمل المغفل او المعتوه او الابله اوالاحمق ممن
هو خفيف العقل، لا المجنون خاصة .
الاحتمال الثالث: الرجل الذي يتبع غيره في المعيشة آلحاجته
الى الغير او لحاجة الغير اليه ولا همة له فيالنساء، ومن اوضح
مصاديق ذلك العبيد الذين لا شهوةجنسية لهم تجاه النساء اما
لعاهة او لشيخوخة وطعن فيالسن .
واستثناؤهم من الحرمة ، لان التحرز عنهم يكون
حرجياولانتفاء المفسدة الملحوظة في النهي .
وهذا الاحتمال بعيد من ظاهر الاية ، باعتبار انالمناسبله
التعبير بالضعفاء او المساكين ونحو ذلك .
الاحتمال الرابع: المراد بعض الاصناف من الرجال الذينفي
رجوليتهم نقص كالعبد والخصى والعنين والمخنث.
وهذا الاحتمال في منتهى الضعف ، لان هؤلاء لايعدمون الشهوة
فهم ممن يرغبون في النساء ويصدقعليهم عنوان الرجال، فلا
دليل لاستثنائهم
((328)).
والحاصل: انه لدى لحاظ القيود الثلاثة والمناسبة بينالحكم
والموضوع يترجح الاحتمالان الاول والثاني .
12- (الطفل الذين لم يظهروا على عوراتالنساء) :
1- لقد استثني الطفل جزما بصريح الاية، وهو يطلق علىغير
البالغ، وقد الحق به وصف عدم الظهور على عوراتالنساء، وهذا
الظهور فيه احتمالان كما تقدمت الاشارةاليهما اجمالا
وتفصيلهما :
الاحتمال الاول: ان يكون الظهور بمعنى الاطلاع كقولهتعالى:
(انهم ان يظهروا عليكمير جموكم)
((329))، وهذاهو الظاهر
من نسبة الظهور الى العورة، ولم ينسب الطفلالى النساء مما
يدل على ارادة مطلق الطفل، فيكونالمراد : لا يحرم ابداء
المراة زينتها للطفل الذي لا يدركالاثارة الجنسية ولا يرى
العورة عورة لصغره، وهو غيرالمميز، فالوصف للتخصيص .
|
|---|