ثم اننا لو اخذنا بالاحتمال الاول فتدل الاية بمنطوقهاعلى جواز
ابداء الزينة للطفل غير المميز، وبمفهومهاعلى عدم استثناء
الطفل المميز وان لم يكن بالغا فتجريعليه الحرمةفبناء على
وجود ملازمة عرفية بين حرمةابداء الزينة ولزوم سترها وبين
حرمة النظر، فيحرم النظرعليه كالبالغ وافتى بذلك بعض
((330))، وافادبعض بان معنى الحرمة على المراهق مع
الفقهاء
انه غير مكلفانه يحرم على وليه تمكينه((331)) منه .
الاحتمال الثاني: ان يكون الظهور بمعنى الغلبة كقولهتعالى:
(فاءصبحوا ظاهرين)،
((332))اي عدم القدرة علىممارسة
الجنس، وذلك انما يكون قبل البلوغ، فالقيدللتاكيد ولبيان
السر في الاستثناء، فيكون المعنى استثناءالطفل غير البالغ
الذي لا يقوى على النكاح، فيشملالمميز وغيره .
2- ان هذا كله مبنى على ما هو المشتهر على الالسنة منان
العورة هنا بمعنى السواة . لكن ثمة احتمال آخر فيقوله تعالى:
(عوراتالنساء)، وهو ان العورة هنا ليستبمعنى السواة
بالمعنى الخاص، بل المراد الحالاتوالخصوصيات التي يمكن
من خلالها نفوذ الرجل الىعالم المراة ، اذ في بعض تصرفات
المراة، كابداء زينتهاايحاءات للجنس الاخروهذا ما لا يفهمه الا
الذكرالمدرك لمثل هذه الامور((333))، على ان
تفسيرهابالسواة بحاجة الى تكلف وتقدير كثير، بخلاف
هذاالاحتمال، وهو تفسير العورة بنقاط ضعف المراة
ومواضعاختراقها والنفوذ الى عالمها .
ويؤيد ذلك ما ذكره الراغب، فانه بعد ان ذكر انالعورةبمعنى
السواة قال:
«والعوار والعورة: شق في الشي كالثوب والبيت ونحوه،قال
تعالى: (ان بيوتنا عورة وما هيبع ورة)
((334))، ايمتخرقة
ممكنة لمن ارادهاومنه قيل: فلان يحفظ عورته،اي خلله .
وقوله : (ثلاث عورات لكم((335))) ... وقوله:(الذين لم يظهروا
على عورات النساء)((336))
، اي لم يبلغوا الحلم »((337)).
فما ورد في القرآن الكريم في سائر الموارد من استعماللفظ
(العورة) لا يراد به الفرج .
وعند ارادة الفرج يعبر اما بلفظه او بالسواة، قال تعالى:(والتي
اءحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا)
((338))،
وقال:(والذين هم لفروجهم حافظون ((339)))، وقال:
(ويحفظوافروجهم ذلك اءزكى لهم ان اللّهخ بير بما يصنعون
#وقللل مؤمناتيغضضن م ن اءبصارهن ويحفظنفروجهن)
، وقال: (والحافظين فروجهموالح((341))افظات ) .
((340))
وقال ايضا: (يا بني آدم قد اءنزلنا عليكم لباسا يواريسوآتكم
((342))، وقال: (فوسوس لهما الشيطانلى بديلهما ما
وريشا)
ووري عنهما من((343))سوآتهما ) .
بل ان ارادة السواة من العورة هنا بعيد ، لانه ان اريد منالظهور
الاطلاع على السواة بمعنى عدها سواة،فالمناسب التعميم لا
التخصيص بالنساء كان يقال: لميظهورا على العورات .
وان اريد من الظهور الغلبة، اي القدرة على الجماعونحوه فهذا
في منتهى البعد ، لانالمناسب هنا التعبيربالجماع ونحوه، او
التعبير ببلوغ الحلم او
النكاح، ومن غير المناسب جد ا التعبير عنه بعدم القدرةعلى
العورة، لكون المراد حينئذعدم القدرة على جماعالعورة، وهو
مستهجن ، لان الاليق اما ذكر الجماع اوبلوغ الحلم مطلقا من
دون اضافة الى العورة او الاضافةالى النساء ، كما ورد التعبير
بمباشرة النساء او ملامستهنونحو ذلك: كقوله تعالى: (ف
الان باش روهن وابتغوا ماكتب اللّه لكموكلوا واش ربوا حتى
يتبين لكم الخيطالابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم اءتموا
الصيام الىالليل ولا تباشروهن )
((344))،
و (ولا تقربوهن حتى يطهرن فاذا تطهرنف اءتوهن)((345))،
و(ما لم
تمسوهن)
((346))، و (اءو لامستم النساء)
((347)):
(وابتلوااليتامى حتى اذا بلغوا النكاح)
((348))، و (والذين
لميبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات منقب ل صلاة الفجروحين
تضعون ثيابكم منالظهيرة ومن بعد صلاة العشاءثلاث
عوراتلكم ليس عليكم ولا عليهم جناحبعدهنطوافون عليكم
بعضكم على بعض كذلك يبيناللّه لكمالايات واللّه عليم حكيم #
واذا بلغالا طفال منكمالحلم)
((349)).
كما قد يؤيده ايضا ما ورد في جملة من الروايات من انعورة
المؤمن على المؤمن حرام المراد به تتبع العيوبونقاط الضعف
او اذاعة السر
((350)).
وهذا الاحتمال كما ترى لا يستثني البالغ، بل كل منيظهر
لديه الميل
الجنسي، بل لا يبعد تحققه لدى المميز من اول سنالتمييز او
اواسطه، وتحقيق ذلك خارج عن المدلولاللفظي للاية .
4- ربما يثار سؤال هنا مفاده: ما هو السبب لافراد الطفلبالذكر
والوصف ؟ او لم يمكن الاكتفاء بعطفه على ماسبق كان يقال:
(او التابعين غير اولي الاربة من الرجالوالطفل) ونحو ذلك ؟
الجواب: ان افراد الطفل بالذكر وكذا افراده بالوصفيدلان على
ارادة معنى لا يؤمنه العطف على ما سبق،فمن ذلك :
1- تقييد الجملة الاولى بقيد (التابعين) دون الطفلالمطلق
الذي لا يقصد تقييده بذلك القيد ، طبقا لقاعدةاحترازية
القيود .
2- ان الرجل بحسب الطبع والخلقة يشعر بالحاجةالجنسية الى
الانثى دون الطفل غير البالغ مبلغ الرجالفانه ان كان عنده
شعور بالالتذاذ نحو الانثى فهو ليسبمستوى الحاجة والميل
الشديد، ففرق بين الجائع الذييشعر بالحاجة الى الطعام لسد
جوعته وبين منيلتذبالعطر والرائحة الطيبة، من هنا افرد
الطفل بالذكروالوصف .
فالتابعون من الرجال اذا كانوا من اولي الاربة آوالاطفال
الذين يظهرون على عورات النساء وان اتحدافي وجود اصل
الميل الجنسي لديهم تجاه الجنس الاخربيد ان الفرق بين
الميلين شاسع جدا، بشهادة الوجدان،ومنشا هذا الفرق الخلقة
والتكوين ، فان غرائز الانسانومشاعره تتناسب مع سنه
ومرحلته العمرية . وهذا الميلالضعيف الذي خص به الطفل
غير البالغ دون التابع منالرجال ، باعتبار انه يكشف عن
مستوى من الادراكالمفقود في التابع الناقص العقل .
قد يقال: بان هذا التحليل مبني على كون (الطفل)معطوفا
على
(بعولتهن)، اما لو جعل معطوفا على (الرجال) وان(الذين) نعت
ل (التابعين) كما احتمله بعض
((351))فلا يتم شي مما ذكر.
الجواب:
1- انه من المستبعد ارادة ذلك ، لان الذي يناسبه
العطفبالوار، فان العطف ب (او) هنا يؤدي الى الايهام
الذييناسب الاحاجي والالغاز، ولا يتناسب مع الكلام المبين.
2- ما ذكرناه آنفا من عدم ارادة تقييد الطفل بكونه
منالتابعين، بل المراد مطلق الطفل ، اذ لا خصوصية
للتابعدون غيره، اي لا فرق في الطفل بين من كان واجدا
للاباو من كان يتيما ، لكون الملحوظ فيه حيثية
الصغر،بخلاف من لا حاجة له للنساء من الرجال، فان
لهحصتينتارة يكون لنقص شخصيته وعقله وهو المولىعليه
والتابع، واخرى يكون لنقص في البدن دون عقلهفهذا غير
مستثنى، فهذا التحصيص ياتي في غير اوليالاربة دون الطفل
الذي لا جدوى هنا في تحصيصافراده وحالاته .
3- انه يؤول الى زيادة احد الوصفين ، للاستغناء عناحدهما
بالاخر، مما يدعو الى حمل احدهما علىالتاكيد او زيادة
التوضيحوهو خلاف الاصل .
4- انه بناء على هذا الاحتمال كان الانسب جمعالوصفين معا لا
الفصل بينهما، كان يقال(او التابعين غيراولي الاربة الذين لم
يظهروا على عورات النساء منالرجال او الطفل) او يقال: (او
التابعين من الرجالوالطفل غير اولي الاربة الذين لم يظهروا
على عوراتالنساء)فالفصل بينهما يناسب تعدد الموصوف، لا
اتحاده.
5- يمكن دعوى ان يراد من الطفل هنا ما يشمل الذكروالانثى،
حيث ان الاناث من الاطفال لم يشملهن قولهتعالى: (اءو
نسائهن) لانه لا يطلق الا على البالغات دونالصغيراتوبما ان
لفظ (الطفل) للجنس فلا داعيلتخصيصه بالاطفال الذكور، اذ
لا مقيد لهذا الاطلاق . بلوهذا الاحتمال لا يتنافى مع ما
رجحناه من تفسيرللوصف المذكور للطفل من عدم الظهور
على عوراتالنساء . وعليه فيحرم ابداء الزينة امام الطفلة
الصغيرة اذاكانت مطلعة على الميول الجنسية الخاصة بالانثى .
الا ان هذا واضح البطلان ، لان الحرمة هنا غير محتملةقطعا
بالنسبة للبالغة المدركة المطلعة فضلا عن الصغيرة،بل صرح
بالاباحة للبالغة في قوله تعالى
(اءو نسائهن) السابق على قوله تعالى (اءوالطف ل...) فلاينعقد
مثل هذا الاطلاق بلحاظ القرائن اللفظية واللبية، اذان غير
البالغة ليست باسوا حالا من البالغة .
المحور الثالث: هل الاستثناء حاصر لهذه الطوائفالاثنتي عشرة
؟
1 لقد تقدم بيان ان الجد وان علا ملحق بالاب، كما انابن
الابن وان سفل ملحق بالابن ، فهؤلاء مشمولونبالاية ، للاطلاق
.
2- لم تنص الاية على جميع المحارم، ومنهم الاعماموالاخوال
فهؤلاء من المحارم على ما هو المعروف، وفيذلك اتجاهان :
الاتجاه الاول: انهم مستثنون كسائر المحارموقد ذكر فيبيان
الوجه في عدم النصعليهم هو للاستغناء عنه بذكرابن الاخ
وابن الاخت، وذلك لوحدة النسبة بين العم وابنالاخ وبين
الخال وابن الاخت، فكما يجوز للمراة ابداءزينتها لابن اخيها
وابن اختها نظرا الى كونها عمة او خالةلهما يجوز لها ابداء
زينتها لعمها وخالها لوحدة النسبة((352)). ولعل هذا هو
المراد من قول عكرمة: «لميذكرهما في الاية لانهما تبعان
لابنائهما »((353)).
وحاول بعضهم بيان وجه آخر لعدم ذكر الاعماموالاخوال فقال:
«السر في ذلك انهم بمنزلة الاباء، فاغنىذكرهم عن ذكر
الاعمام والاخوال، وكثيرا ما يطلق الابعلى العم ... »((354)).
وقال ثالث: «لانهم في معنى الاخوان »((355)).
اقول: كون الاية في مقام بيان موارد الحرمة والاباحة لايناسب
اهمال طائفة من الطوائفوما ذكر من محاولاتلتصوير شمول
الاستثناء للاعمام والاخوال لو سلمناتماميتها في نفسها فاثبات
ارادتها في الاية غير واضح ،لانها تعود الى نكات تحليلية غير
ظاهرة من اللفظبحسب الفهم العرفي العام .
اجل، يمكن تسرية الحكم اليهما بتقريب: انه عند
لحاظالمناسبة بين الحكم والموضوع وموارد الاستثناء
يحصللنا اطمئنان متاخم للقطع بان الحكم ليس تعبديا،
فانالملاك واضح لدى العقلاء، وهو عدم الاثارة
الجنسيةوهومتحقق بالنسبة لجميع المحارم بما فيهم
الاعماموالاخوال بحسب الطبعفيتعدى اليهم في اباحة
ابداءالزينة .
ولعل وضوح ذلك هو الذي حدا ببعض الفقهاء انيتكلف في
اثبات دلالة الاية لفظا على هذا الحكم .
الاتجاه الثاني: وقد التزم بعضهم بعدم شمول الحكم لهمرغم
كونهم من المحارم مبينا فلسفة ذلك بان ابناءالاعمام والاخوال
ليسوا من المحارم لهن، فلعلهم اذاراوا زينتهن بان يظهرنها
لهم يصفونها لبنيهم فيفتتنوا((356)). ومن الواضح ان هذه
النكتة تطرد في بعض مناستثنته الاية كاجداد وآباء البعولة
والنساء و... . ومنالواضح عدم امكان الالتزام بالحرمة فيمن ذكر
.
اجل، حكي عن الشعبي وعكرمة ان العموالخال ليسا
منالمحارم
((357))، ويحتمل رجوعه الى القول
المتقدموليس قولا ثانيا .
3-
الظاهر من الاية استثناء المحارم من النسب ، وليسفيها
ذكر للمحارم من الرضاعوالمعروف انه كالنسباستنادا للسنة
.
((358))
الا ان بعضهم استظهر من الاية الشمول للمحارم منالنسب
والرضاع ، للصدق، فيحرم نكاح بعضهم علىبعض، فهؤلاء
محارم
((359)).
اقول: ان كان المراد الاستدلال بالاطلاق اللفظي فلا يتم ،لان
صدق اللفظ على المحارم غير النسبيين من بابالمجاز لا
الحقيقة .
وان اريد الاستدلال بتسرية الملاك والغاء الخصوصيةفهو وجه
فني، سيما مع دعمه ببعض المؤيدات منالاحكام الاخرى .
4-
ما هو حكم السيد ؟ فهل يجوز للامة اظهار زينتهالمولاها ؟
صرح بعض بجواز ذلك
((360))، ويمكن استفادته منالاية بناء
على ما
اثاره البعض في المعنى اللغوي للبعل وانه يطلق علىالسيد،
فيكون المراد
ب (بعولتهن) ازواجهن واسيادهن، وقد سبقت الاشارة اليه.
والظاهر تمامية هذا الوجه .
5- لقد افاد بعض بان هذه الطوائف وان اشتركوا فيجواز رؤية
الزينة الباطنة وفي جواز ابدائها لهم لكنهميختلفون في دائرة
الرؤيةفهم على اقسام ثلاثة:
اولهم: الزوج وله حرمة ليست لغيره، يحل له كلشي منها.
وثانيهم: سائر المحارم من النسب والرضاع كالابوالابن والاخ
والجد وابي الزوج، فيحللهم ان ينظروا الىالشعر والصدر
والساقين والذراع واشباه ذلك .
وثالثهم: التابعين غير اولي الاربة من الرجال
((361)).
اقول: يرد على ذلك امور، منها:
1- ان هذه القسمة غير حاصرة حيث اهملت فيها
بعضالطوائف، كالنساء والاطفال .
2- ان حلية الاستمتاع للزوج لا علاقة لها بجواز اظهارالزينة،
فهذان حكمان احدهما غير الاخر . 3- كذلك لا دلالة للاية على الفرق بين القسمين الثانيوالثالث .
القواعد الفقهية قاعدة الفراغ والتجاوز/1 القسم الاول السيد محمد باقر الموسوي الهاشم الجبيلي
اهمية قاعدة الفراغ والتجاوز :
ان قاعدة الفراغ والتجاوز هي من القواعد التي تعم بهاالبلوى،
وهي وان كانت ثابتة في النصوص الشرعيةالواردة عن ائمة اهل
البيت چ لكنها لم تكن معروفة عندقدماء الاصحاب كمعروفيتها
عند المتاخرين وان استنداليها بعضهم احيانا في مسائل
الطهارة والصلاة، لكن لابعنوان قاعدة كلية سارية في معظم
ابواب الفقه ان لمنقل في جميعها .
ومن الواضح ان غفلة المتقدمين عنها وعدم استدلالهمبها لا
يؤدي الى سقوطها عن الاعتبار بعد دلالة الاخبارعليها .
وقد بذل علماؤنا دقة كبيرة في سبيل تحصيل هذهالقاعدة
واستفادتها من الاخبار الواردة في هذا المجال،فكانت جهودهم
متظافرة لتنقيح هذه القاعدة ودراستهاتمهيدا للاستفادة منها
لاستنباط الاحكام الشرعية فيابواب الفقه المختلفة
((362)).
ولعل اول من استعمل مصطلح التجاوز فيما هو محلالبحث
من العلماء هو العلامة الحلي (قدس سره) في(تذكرة الفقهاء)
((363))حيث قال: «لو شك في الاتيانبركن او غيره من
الواجبات فان كان قد تجاوز المحل لميلتفت، مثل ان يشكفي
النى ة وقد كبر، او في تكبيرةالافتتاح وقد قرا ... او التشهد وقد
قام، وان كان في محلهلم يتجاوز عنه فانه ياتي به ، لان الاصل
بعد التجاوزالفعل، اذ العادة قاضية بان الانسان لا ينتقل عن
فعل الابعد اكماله، ولان اعتبار الشك بعد الانتقال حرج
،لعروضه غالبا، ويقول الصادق (ع): «واذا خرجت منشي
ودخلت في غيره فشكك ليس بشي ».
وذكر (قدس سره) ايضا في (نهاية الاحكام): «...لانه شكفي
شي بعد التجاوز عن محله ... ».
وفي (مجمع الفائدة والبرهان) للمقدس
الاردبيليشرحا للمراد بالخروج عن الشي المذكور في
بعضالروايات، حيث قال: «لعلالمراد بالخروج عن الشي
هوالتجاوز عن محله وعدم كونه فيه . وفيها ايماء الى انتجاوز
محل المشكوك فيه انما يكون بالدخول فيمابعده، فتامل
»((365)).
ولعل اول من استخدم مصطلح الفراغ في تطبيق منتطبيقات
البحث هو العلامة الحلي ايضا في (مختلفالشيعة)، حيث قال:
«... بيان الملازمة ان الشك بعد الفراغمن الصلاة في ركوع
الاولى اما ان يكون موجبا للاعادة اولا، فان كان الاول لزم خرق
الاجماع، وان كان الثاني لزماختلاف الشك بعد الفراغ
والشكقبله في الحكم، وهوباطل لتساويهما في الموجب
للاعادة . وما رواه محمدبن مسلم في الموثق عن الباقر (ع)
قال: «كل ما شككتفيه مما قد مضى فامضه كما هو »((366)).
فمن استدلاله (قدس سره) بالحديث المذكور الذي هومن ادلة
الفقهاء في قاعدة الفراغ وذكره لكلمة (الفراغ)في مضمون
كلامه يمكننا ان ندعي انه اول من استعملهذا المصطلح فيما
هو تطبيق من تطبيقات القاعدة، وقال(قدس سره) في
(منتهى المطلب): «ولا حكم للشك بعد الفراغ من الصلاةبلا
خلاف ، لانه شك بعد انتقال فلا التفات، ولان اعتبارهعسر
فيكون منفيا، ويؤيده ما رواه الشيخ في الصحيح عنمحمد بن
مسلم عن ابي جعفر (ع) قال: «كل ما شككتفيه بعدما تفرغ
من صلاتك فامض ولا تعد ».
ووجه الاستدلال به كسابقه .
وقد اشتهرت في السنة المتاخرين اشتهارا تاما حتىصارت
كالمسلمات ، لما يترتب عليها من النفع الكثيرفي مختلف
الابواب الفقهية .
وقد استند الفقهاء اليها في كثير من الفروع والابوابالفقهية
المختلفة، بل
هي من القواعد العامة التي يحتاجها المكلف في كثيرمن
مسائله الشرعية
اليومية سيما العبادات، فكان من الجدير الاهتمام ببحثهاضمن
رسالة
مستقلة وان داب المحققون المتاخرون على التعرض لهاضمن
مباحث الاستصحاب من علم الاصول، الا ان ذلكلمجرد
المناسبة لدى الحديث
عن تقدمها على الاستصحاب، والا فهي قاعدة فقهيةاجنبية
عن مسائل علم الاصول .
ولاهمية هذه القاعدة قام عدد من الاعلام بتاليفرسائل
مستقلة للبحث عنها وعما يرتبط بها من مسائلعلمية مختلفة
.
السنة الروايات :
من المناسب ملاحظة الروايات والاخبار التي استنداليها
الباحثون عند دراسة هذه القاعدةوسوف يتضحعند استعراض
تلك الروايات والاخبار ان لسانها ليسمنحصرا بالفراغ والتجاوز،
بل هناك السنة اخرى مضافاالى لفظتي الفراغ والتجاوز، وهي :
1-
المضى: كما في رواية اسماعيل بن جابر عن ابيجعفر (ع)
((367))، وموثقة ابن بكير عن محمد بن مسلمعن ابي جعفر
(ع)
((368)).
2-
الانصراف: كما في رواية محمد بن مسلم عن ابي عبداللّه
(ع)
((369)). 3- التجاوز: كما في موثقة ابن ابي يعفور عن ابي عبداللّه (ع) . ((370))
4-
الفراغ: ربما توهم ان عنوان الفراغ لم يرد في اية روايةمن
الروايات التي ذكرت للاستدلال على القاعدة . ولكنالملاحظ
ان اطلاق العلماء لعنوان الفراغ له منشا روائي،حيث ذكر هذا
العنوان على لسان الائمة چ في عدةروايات: منها: ما ورد في
في صحيحة علي بن يقطين: «وان كان قد فرغ من صلاته فقد
تمت صلاتهوان لم يكنقد فرغ من صلاته فليعد »((371)).
وما ورد في: صحيح زرارة عن ابي جعفر (ع)
((372)).
التعريف لغة واصطلاحا :
اما لغة فلابد من بيان معاني هذه الكلمات الاربع :
1-
المضى هو: النفاذ والذهاب والخلو، بمعنى الانتهاءوالفراغ
من
الشي
((373)). 2- الانصراف: الصرف: رد الشي عن وجههصرفه يصرفهصرفا فانصرف . وصارف نفسه عن الشي صرفها عنه .وانصرف: انكف . ((374))
3-
التجاوز: وقد ذكروا له معاني متعددة منها: انه بمعنىالعفو
عن الذنوب .
ومنها: انه بمعنى التعدي والعبور من الشيوهذا هوالمناسب
مع
المعنى الاصطلاحي . قال ابن فارس: «جوزالجيم والواووالزاء
اصلان ... . والاصل الاخر جزت الموضع: سرتفيه،
واجزتهخلفته وقطعته، واجزته نفذته »((375)).
4- الفراغ: وقد ذكر له اللغويون معاني متعددة :
منها: انه بمعنى الصفوة من الابل الواسع ضرعها .
ومنها: انه الخلاء في مقابل الشغل .
قال ابن فارس: «فرغ الفاء والراء والغين اصل صحيحيدل على
خلو
وسعة ... ذرع من ذلك الفراغ: خلاف الشغل . يقال: فرغفراغا
وفروغا وفرغ ايضا ».((376))
وقال الفيومي: «فرغ من الشغل فروغا من بابقعد،
وفرغ يفرغ من باب تعب لغة لبني تميم والاسم(الفراغ) ... وفرغ
الشي: خلا ..((377)). ».
وقال الطريحي: «الفراغ من الشي: الخلاص منه»((378)).
اذن فان الفراغ بمعنى الخلاص من الشغل والانتهاء منهبحيث
يكون في خلو وسعة .
والحاصل: ان المستفاد مما ذكره اللغويون في معانيهذه
الكلمات الاربع بما يهمنا في المقام انها كلها بمعنىواحد، وهو
الانتهاء من الشي والتعدي عنه .
هذا كله بحسب اللغة .
واما في الاصطلاح :
فلم يتعرض معظم الفقهاء لتعريف قاعدة الفراغوالتجاوز رغم
تعرضهم لبيان موضوع كلمنهما وحدوده،ولعل ذلك من اجل
عدم ترتب اثر مهم على تعريفهما،وان كان مقتضى منهجية
البحث البدء في كل قاعدة ببيانتعريفها .
واما الذين تعرضوا لتعريف القاعدة فمنهم :
الشيخ المشكيني قال: «هي حكم المكلف بصحة عملهبعد
الفراغ عنه والشك في صحته »((379)).
وذكر المروج: ان قاعدة الفراغ شرعت للحكم بصحةالعمل
الموجود اذا شك في صحته بمفاد كان الناقصةبعد الفراغ عن
العمل الذي شك في صحته
((380)).
وعرفها اءستاذنا السيد الهاشمي بانها: عبارة عن حكمظاهري
بصحة العمل الذي يحتمل الغفلة عن ايقاعهصحيحا بعد الفراغ
عنه
((381)).
وعرفها المصطفوي بانها: الحكم بصحة العمل المركبالذي
شك في صحته بعد الفراغ منه
((382)).
والفكرة الاجمالية المستفادة من هذه التعاريف لقاعدةالفراغ:
ان الفرد اذا فرغ من عمل عبادي معين كالوضوء اوالصلاة مثلا،
ثم شك في صحته، فانه يبني على الصحة،ولا يعتني بشكه .
واما قاعدة التجاوز فقد عرفها المشكيني بقوله : «هيالحكم
بوجود عمل شك في وجوده بعد التجاوز عنمحله والدخول
في غيره او بعد ما خرج
وقته »((383)).
وذكر المروج بانها قاعدة مجعولة لحكم الشكفي وجودالشي
بمفاد كان التامة بعد الخروج عن محل ه والدخولفي غيره،
وهو البناء على وجود المشكوك فيه وعدمالاعتناء بالشك
.
((384))
وعرفها استاذنا السيد الهاشمي بانها: عبارة عن حكمظاهري
باتيان ما يحتمل الغفلة عن الاتيان به في محلهمن المركب
الارتباطي بعد تجاوزه
((385)).
وتعني اجمالا: ما يفتي به الفقهاء من انالمصلي اذا شكفي
وجود جزء من اجزاء الصلاة بعد ان تجاوز محله
لميعتنبشكهواعتبر الجزء المشكوك كانه موجود، وبنىعلى
صحة صلاته وعبادته .
هذا، اذا اعتبرنا قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز
قاعدتينمستقلتين، واما اذا اعتبرناهما قاعدة واحدة
والحقنااحداهما بالاخرى فلابد من الاقتصار فيهما على
احدالتعريفين او تعريف جامع بينهما من قبيل ما ذكرهبعضهم
من عدم الاعتناء بالشك في العمل الا ان يكونفي المحل قبل
صدق التجاوز والفراغ
((386)). وقد ذكرالكرباسي في هامش
(منهاج الاصول) عن الشيخالانصاري: «امكان ارجاع قاعدة
الفراغ الى مفاد كانالتامة، بمعنى ارجاع صحة الموجود الى
التعبد بوجودالصحيح »((387)).
المقارنة بينها وبين قاعدتي الصحة والحيلولة 1 الفرقبين
القاعدة واصالة الصحة :
ان الفرق بينهما يبتني على اساس ان اصالة الصحة لاتجري الا
في الاعمال الصادرة عن الغير، بخلاف قاعدةالفراغ والتجاوز
التي تجري في عمل المكلف نفسه((388)). على انالقاعدة لا
تجري الا بعد التجاوز او الفراغمن العمل، بخلاف اصالة الصح ة
الجارية اثناء العملوبعده
((389)).
وعليه فالنسبة بين القاعدة واصالة الصحة هي التباين .
2- الفرق بين القاعدة وقاعدة الحيلولة :
ان مفاد قاعدة الحيلولة هو عدم الاعتناء بالشكخارجالوقت
((390))، بخلاف قاعدة الفراغ التي يكون عدمالاعتناء بالشك
فيها داخل((391)) الوقت .
القاعدة فقهية لا اءصولية :
لا اشكال في ان قاعدة الفراغ والتجاوز قاعدة فقهية،
انماالاشكال في الدليل الذي ذكروه لاثبات ذلك، فقد
ذكرالسيد الخوئي بان المناط في المسالة الاصولية امران :
احدهما: وقوعها كبرى في قياس استنباط الاحكامالفرعية
الكلية بعد ضم الصغرى اليهاكالبحث عن حجيةالخبر مثلا ،
فانه بعد ضم الصغرى المتمثلة بدلالةالخبر على الوجوب
ينتج ان الفعل الفلاني واجب .
الثاني: ان يكون تطبيق القواعد الاصولية على المصاديقبيد
الشارع وليس للمقلد حظ فيه ، فان تطبيق حلية ما لانص فيه
على شرب التتن مثلا بيد المجتهد، فانه بعدالفحص وعدم
وجدان نص فيه يحكم بحليته .
بخلاف المسائل الفقهية فان تطبيقها بيد المقلد، بل ربمايقع
الاختلاف بين المجتهد والمقلد في التطبيق، فيرىاحدهم ان
المائع الفلاني خمر والاخر يراه خلا .
اذا عرفت ذلك تعرف ان قاعدة الفراغ ليست من مسائلعلم
الاصول، بل هي من المسائل الفقهية ، لان ضمالصغرى لها لا
ينتج الا الحكم الجزئي، وهو صحة صلاةالشخص عند الشكفي
الجزء او الشرط، لا صحة كلصلاة، بخلاف المسالة الاصولية
التي اذا ضممنا اليهاصغرى الدليل تنتج حكما كليا، كما لو
قلناخبر الواحدحجة، وخبر زرارة في وجوب السورة مثلا
من اخبارالاحاد، فتجب السورة في كلصلاةوهي نتيجة كل ية
غيرمختصة بشخص معين .
هذا، بالاضافة الى ان تطبيق قاعدة الفراغ انما هو بيدالمقلد،
فهو الذي يرى ان هذا الشكالمتعل ق بعددالركعات مثلا
حدث بعد الفراغ من الصلاة .
وعلى هذا الاساس لابد من اعتبار قاعدة الفراغ منالقواعد
الفقهية وان كانت بنفسها من نتائج المسائلالاصولية ، لكونها
مستفادة من الاخبار بمقتضى حجيةالظواهر وحجية الاخبار
من حيث السند، والبحث عنحجية الظواهر وحجية السند من
المسائل الاصولية((392)).
وفي المقابل ذهب بعضهم الى ان المعيار في اصوليةالمسالة
ليس ما ذكره السيد الخوئي، بل هو قابليتهالاثبات الحكم
الشرعي في الشبهة الحكمية، وقاعدةالفراغ والتجاوز لا علاقة
لها بالشبهة الحكمية، بل يستفادمنها اثبات المتعلق الخارجي
للتكليف عند الشك فيتحققه خارجا، فحالها حال الاصول
العملية المختصةبالشبهات الموضوعية، وهي لذلك لا تكون
من المسائلالاصولية، بل هي قاعدة فقهية يستفاد منها احكام
فقهيةظاهرية
((393)).
هل القاعدة امارة ام اصل ؟ :
وقع الكلام بين الاعلام في ان قاعدة الفراغ والتجاوز هلهي
من الامارات
ام من الاصول؟
فذهب الاكثر
((394))الى انها من الامارات مستندين فيذلك
الى ان ملاكها عند العقلاء والشرع هو عدم الغفلةعن العمل
حين القيام به .
وبعبارة اخرى: ان الشك في صحة العمل بعد الفراغ اوبعد
التجاوز عنه ينشا من احتمال الغفلة والسهو دونالعمد ، لان
ترك الجزء عمدا لا يجتمع مع كون المكلففي مقام
الامتثالواصالة عدم الغفلة من الاصولالعقلائية الناظرة الى
الواقع .
بل ان الاخبار الواردة في هذا المجال تدلايضا على انالقاعدة
من الامارات، كما في قوله (ع): «بلى قد ركعت»، وقوله (ع):
«وكان حين انصرف اقرب الى الحق منهبعد ذلك »وقوله (ع):
«هو حين يتوضا اذكر منه حينيشك ».
وهي شواهد على امارية القاعدة وكاشفيتها عن الواقع،وان
اعتبارها لاجل كشفها، لا انها مجرد حكم لرفعالحيرة من دون
ملاحظة الواقع واحرازه حتى تكون منقبيل الاصول العملية .
وفي مقابل ذلك ذهب جماعة
((395))الى انالقاعدة
منالاصول المحرزة ، لان مجرد كون الغالب في موردجريانها
الكشف عن الواقع لا يعني امارية القاعدة ، لاناماريتها تحتاج
الى جعل الشارع، وهو ما لا يمكناستفادته من اخبار الباب، بل
المستفاد منها خلاف ذلك،كما في قوله (ع): «اذا خرجت من
شي ودخلت في غيرهفشكك ليس بشي »((396))، وقوله (ع):
«كل شي شك فيهمما قد جاوزه فليمض عليه »
((397)). الى
غير ذلك منالاخبار الدالة على الغاء جهة الكشف والامارية، فما
وردمن التعليل بالاذكرية في بعض النصوص محمول
حينئذعلى بيان حكمة الجعل والتشريع .
وعلى اية حال، لو شككنا ولم نتمكن من احراز اماريةالقاعدة
فمقتضى الاصل عدم حجيتهابمعنى عدمترتيب الاثار الشرعية
للوازمها العقلية، كما هو الحال فيكل مشكوك الحجية .
والى ذلك ذهب السيد البجنوردي (قدس سره) حيثقال : «انه
لو شككنا ولم نحرز انهما من الامارات او منالاصول فمقتضى
القاعدة عدم ترتيب آثار الامارةعليهما من ترتيب الاثار الشرعية
التي للوازمهما العقليةعليها ، لان مرجع هذا الشك هو الشك
في اثبات اللوازمبهما، والا بالنسبة الى اصل المؤدى فلا فرق
بينهما، ايسواء كانا من الاصول او من الامارات يثبت
المؤدىبهما، ومعلوم ان نتيجة الشك في حجيتهما في
اثباتاللوازم عدم حجيتهما كما هو الشان في كل
مشكوكالحجية »((398)).
عدم وجود الثمرة في البحث :
يبدو ان البحث حول امارية القاعدة من البحوث التي لاثمرة
مترتبة
عليها
((399)).
نعم، قد يتصور البعض ترتب ثمرتين في هذا المجال :
احداهما: في تقديم القاعدة على الاستصحاب وسائرالاصول
العملية الاخرى عند تعارضها معها .
وهذه الثمرة لا يمكن قبولها ، لان من المسلم به لدىالجميع
تقديم القاعدة على الاستصحاب وسائر الاصولالاخرى، سواء
كانت من الامارات او من الاصول، قالالشيخ الاعظم (قدس
سره)«اصالة الصحة في العمل بعدالفراغ عنه
لا يعارض بها الاستصحاب، اما لكونها من الامارات ...واما لانها
وان كانت
من الاصول، الا ان الامر بالاخذ بها في موردالاستصحاب يدل
على تقديمها عليه، فهي خاصةبالنسبة اليه، يخصص بادلتها
ادلته، ولا اشكال في شيمن ذلك »((400)).
وذكر المحقق العراقي بان القاعدة رغم كونها من الاصوللا من
الامارات الا انها حاكمة على الاستصحاب ،باعتبارها ناظرة اليه
ورافعة لموضوعه الذي هو الشك،بخلاف الاستصحاب الذي
ليس فيه نظر الى نفي الشك،بل نظره متوجه الى اثبات
المتيقن او اليقين عند الشكفي زوالهما، فتكون القاعدة من
هذه الناحية من قبيلقوله (ع): «لا شكلكثير الشك
»((401))الحاكم على ادلةاحكام الشك المختلفة
((402)).
ومن المسلم به ايضا عدم تقديم القاعدة على سائرالامارات عند
تعارضها معها، كما لو شككنا بين الثلاثوالاربع بعد الفراغ من
صلاة المغرب فقامت البينة علىانها اربع، فلا اشكال بينهم في
تقديمها على قاعدة الفراغوالحكم بفساد الصلاة .
والاخرى: حجية مثبتات القاعدة على القول باماريتها،وذلك
كما لو شككنا بعد الفراغ من الصلاة في انها كانتمسبوقة
بالوضوء فانه يقال حينئذ بصحة الصلاة الماتيبها عن طريق
قاعدة الفراغ، ويحكم ايضا بعدم وجوبالاتيان بوضوء آخر لصلاة
اخرى باعتبار انلازم القولبصحة الصلاة الحكم بطهارة
المصلي .
بخلاف ما لو اعتبرناها من الاصول لا من الامارات ، فانهلا يصح
حينئذ اعتبار المصلي متطهرا ، لان ذلك مناللوازم العقلية
التي لا يمكن اثباتها بالاصول .
والصحيح ان هذه الثمرة كسابقتها لا يمكن الالتزام بهاوترتيبها
حتى على القول بامارية القاعدة ، لان ما هومعروف من ان
مثبتات الامارات حجة انما هو فيالامارات اللفظية التي هي
عبارة عن البينات والاقاريروالاخبارات اللفظية التي فيها
حكاية عن شي معينيكون المخبر فيها ملتفتا الى ما تستلزمه
حكايته منلوازم، وذلك لثبوت السيرة العقلائية للاخذ باللوازم
فيامثال هذه الموارد دون غيرها من الامارات
الاخرى((403)).
تقديم القاعدة على سائر الاصول :
تقدمت الاشارة الى مسالة تقديم القاعدة على سائرالاصول،
والان نحاول بحث ذلك بصورة مفصلة فنقول:
اذا كان مقتضى الاصل في المورد الذي تجري فيهالقاعدة هو
الفساد، فلا خلاف في تقديم القاعدة عليه،والحكم بصحة
العمل وان كان هناك خلاف في سببالتقديم، فقال بعضهم
بان القاعدة امارة فلابد منتقديمها على الاصل في حال
تعارضها معه .
ومن الواضح ان هذا الكلام لا يمكن ان يكونمقبولا
لدى من يعتقد بان القاعدة من الاصول لا منالامارات ، اذ لابد
حينئذ من ذكر تعليل آخر يفترض فيهكون القاعدة من الاصول
لا من الامارات، كما فعل ذلكالشيخ الانصاري الذي اعتبر ان
القاعدة في هذا الفرضايضا مقدمة على سائر الاصول التي منها
الاستصحاب،معللا ذلك بانه ما من مورد ورد الامر بجريان
القاعدةفيه الا وهو مؤهل لجريان الاستصحاب فيه ايضا،
ولماكانت الموارد التي تجري فيها القاعدة اخص من
مواردالاصولدل ذلك على لزوم تقديم القاعدة على
سائرالاصول وترجيحها عليها
((405)).
وهذا التعليل من الشيخ الانصاري لا مناص من قبولهبناء على
كون الاستصحاب اصلا عملياواما بناء علىكونه امارة كما هو
مختار جماعة منهم السيد الخوئي((406))وكل من تقدم
((407))على والد المحقق البهائي آفهل يمكن قبوله والاكتفاء
به؟
ذهب السيد الخوئي الى امكان الاكتفاء به
((408))،
خلافاللمحقق النائيني الذي تمسك بجواب آخر مفاده
حكومةالقاعدة على الاستصحاب ، باعتبار ان ادلة القاعدةواردة
في موارد جريان الاستصحاب ، كما في الشكفيالركوع
بعد الدخول في السجود، وهي لذلك تكون ناظرة الىادل ة
الاستصحاب وشارحة لها
((409)).
ورد السيد الخوئي على ذلك: بان الحكومة بالمعنىالمصطلح
هو كون
الدليل الحاكم بمدلوله اللفظي الى الدليل المحكوموشارحا له،
بحيث لو لم
يكن الدليل المحكوم موجودا لكان الدليل الحاكم لغوا،كما في
قوله (ع):
«لا شك لكثير الشك »((410))فانه حاكم على قوله (ع):«اذا
شككت فابن على الاكثر »((411))، لكونه شارحا لهبمدلوله
اللفظي ، اذ لو لم يكن للشك حكم معين منالاحكام لكان قوله
(ع): «لا شك لكثير الشك »لغوا . ومانحن فيه ليس
من هذا القبيل ، لان قوله (ع): «بلى قد ركعت»((412))ليس
شارحا لقوله (ع):
«ان كنت على يقين من طهارتك فلا تنقض اليقين
بالشك»((413))بحيث لو لم
يكن هذا الحديث موجودا لكان قوله (ع): «بلى قدركعت »لغوا لا
معنى له ،
اذ لا مانع من جعل قاعدة كلية تقتضي البناء على صحةالعمل
مع الشك
في صحته بعد الفراغ منه حتى لو لم يكن الاستصحابموجودا
اصلا . اذن
فلا يصح اعتبار القاعدة حاكمة على الاستصحابلمجرد
ورودها مورده،
بل لابد من اعتبارها مخصصة له كما قلنا .
وقد تقول: كيف يمكن تخصيص الاستصحاب بالقاعدةمع ان
العلاقة بينهما عموم وخصوص من وجه؟ اذ تفترقالقاعدة عن
الاستصحاب بجريانها فيما اذا كان للشيحالتان متضادتان
كالطهارة والحدث فشك في المتقدممنهما والمتاخر بعد
الفراغ من الصلاة ، فان القاعدة هيالجارية هنا دون
الاستصحاب ، لانجريانه في كلواحدة من الحالتين يتعارض
مع جريانه في الاخرى .ويفترق الاستصحاب عن القاعدة فيما
اذا كان للمشكوكحالة سابقة وكان الشك فيه قبل الفراغ عن
العمل .
واذا كانت العلاقة بين الاستصحاب والقاعدة بهذهالصورة فلابد
ان تكون النسبة بينهما في مورد الالتقاء هيالتعارض، فلا يصح
تخصيص الاستصحاب بالقاعدةوتقديمها عليه .
والجواب هو ان الوجه في حمل العام على الخاصبصورة عامة
هو الابتعاد من محذور اللغوية المترتبعلى ترك العمل
بالخاصونحن بتركنا تخصيص القاعدةللاستصحاب سوف
نبتلى بنفس هذا المحذور ، باعتباران مورد افتراقها عن
الاستصحاب نادر الحدوث جدا،وهو لا يتناسب مع العدد الكبير
من الروايات الدالة علىمشروعية القاعدة
((414)).
ادلة القاعدة :
هناك عدة ادلة مذكورة لاثبات قاعدة الفراغ والتجاوز،وهي
كما يلي :
الدليل الاول: الاخبار
هناك عدة روايات منقولة عن الائمة چ يمكن الاستدلالبها
على القاعدة، وهي على قسمين :
فمنها: اخبار عامة غير مختصة بباب من ابواب الفقهدون باب،
واذا كانت مختصة فهي مقرونة بتعليل يستفادمنه التعميم .
ومنها: اخبار خاصة وردت في بعض ابواب الفقه معتجردها عن
قرينة التعميم .
الاخبار العامة :
اما الاخبار العامة فهي كما يلي :
1 موثقة محمد بن مسلم عن ابي جعفر الباقر (ع) قال:«كل ما
شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو»((415)).
وتمتاز هذه الموثقة عن غيرها بعمومها وشمولها لكلشي شك
فيه، كما ياتي البحث عنها في محله .
2 صحيحة زرارة، قال: قلت لابي عبد اللّه (ع): رجلشك في
الاذان وقد دخل في الاقامة؟ قال: «يمضى »، ثمقال: «يا زرارة،
اذا خرجت من شي ثم دخلت في غيرهفشكك ليس بشي
»((416)).
3 موثقة اسماعيل بن جابر، قال: قال ابو جعفر (ع): «انشك
في الركوع بعد ما سجد فليمض، وان شك فيالسجود بعد ما
قام فليمض ، كل شي شك فيه مما قدجاوزه ودخل في غيره
فليمض عليه »((417)).
4 رواية محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه (ع): «ان شكالرجل
بعد ما صلى فلم يدراثلاثا صلى ام اربعا، وكانيقينه حين
انصرف انه كان قد اتم، لم يعد الصلاة، وكانحين انصرف اقرب
الى الحق منه بعد ذلك »((418)).
وقد نقل الصدوق هذه الرواية عن محمد بن مسلم، الاان في
اول سندها احمد بن عبد اللّه البرقي، واباهوكلاهما غير
مذكورين في كتب الرجال، وان كان المظنونوثاقتهما .
5 موثقة بكير بن اعين، قال: قلت له: الرجل يشك بعد
مايتوضا؟ قال:
«هو حين يتوضا اذكر منه حين يشك »((419)).
6 موثقة ابن ابي يعفور عن ابي عبد اللّه (ع)قال: «اذاشككت
في شي من الوضوء وقد دخلت في غيره فليسشكك بشي ، انما
الشكاذا كنت في شي لم تجزه»((420)).
الاخبار الخاصة :
واما الاخبار الخاصة ببعض موارد الفقه فهي كما يلي :
1 صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع): «كل ماشككت
فيه بعدما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد»((421)).
2 صحيح محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه (ع) فيالرجل
يشك بعد ما ينصرف من صلاته، قال: فقال: «لا،ولا يعيد، ولا
شي عليه »((422)).
3 صحيح محمد بن مسلم المنقول بسند الشيخالصدوق عن
ابي جعفر (ع) في رجل شك بعد ما سجدانه لم يركع؟ قال:
«يمضى في صلاته حتى
يستيقن ... »((423)).
4 صحيحة حماد بن عثمان، قال: قلت لابي عبد اللّه(ع):
اشك وانا ساجد فلا ادري ركعت ام لا، فقال: «قدركعت، امضه
»((424)).
5 صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد اللّه، قال : قلتلابي عبد
اللّه (ع): رجل اهوى الى السجود فلم يدراركع ام لم يركع؟ قال:
«قد ركع »((425)).
6 رواية علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر غ،قال: سالته
عن رجل ركع وسجد ولم يدر هل كبر او قالشيئا في ركوعه
وسجودههل يعتد بتلك الركعةوالسجدة؟ قال: «اذا
شكفليمض في صلاته »((426)).
والاشكال في هذه الرواية هو ان في سندها عبد اللّه بنالحسن
الذي لم يذكر بتوثيق .
7 صحيحة محمد بن مسلم، قال: سمعت ابا عبد اللّه(ع)
يقول: «كل
ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكرا فامضه، ولااعادة
عليك
فيه »((427)).
8-
صحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع)، قال: «اذا كنتقاعدا على
وضوئك فلم تدر اغسلت ذراعيك ام لا فاعدعليهما وعلى
جميع ما شككت فيه انك
لم تغسله او تمسحه مما سمى اللّه مادمت في حالالوضوء فاذا
قمت
عن الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال اخرى فيالصلاة او
في غيرها فشككت في بعض ما سمى اللّه ممااوجب اللّه عليك
فيه وضوءه، لا شي عليك فيه»((428)).
9-
صحيحة محمد بن مسلم في الذي تذكر انه لم يكبرفي اول
صلاته،
فقال: «اذا استيقن انه لم يكبر فليعد، ولكن كيف يستيقن ؟!
»((429)).
وهي صريحة في ان الميزان هو حصول اليقين بالخلل،فلا
يكفي الشك اذا كان قد دخل في صلاته .
10-
صحيحة زرارة وبكير ابني اعين، قال (ع) : «اذااستيقن انه
زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها،واستقبل صلاته
استقبالا اذا كان قد استيقن يقينا»((430)).
وهي واضحة الدلالة على ان الميزان هو حصول اليقينبالخلل
وعدم الاعتناء بالشكفيه بعد الفراغ عن الصلاة.
11-
الرواية المروى ة في (الجعفريات) باسناده عنجعفر بن
محمد (ع) عن ابيه (ع)، قال: «من شك فيوضوئه بعد فراغه
فلا شي عليه »((431)).
12- الرواية المروية في الدعائم عن جعفر بن محمد غ،قال:
«من شك في شي من صلاته بعد ان خرج منه مضىفي صلاته،
وان شك في شي من الصلاة بعد ان يسلممنها لم تكن عليه
اعادة »((432)).
13-
رواية (قرب الاسناد)، قال: سالته عن رجل يكونعلى
وضوء ويشك على وضوء هو ام لا؟ قال: «اذا ذكروهو في صلاته
انصرف فتوضا واعادها، وان ذكر وقدفرغ عن صلاته اجزاه ذلك
»((433)).
والاشكال في هذه الرواية انها ضعيفة بعبد اللّه بنالحسن .
14- رواية ابن ادريس نقلا عن كتاب حريز فيمستطرفات
(السرائر)، وفيها: «وان دخله الشكبعد انيصلي العصر فقد
مضت، الا انيستيقن ،
لان العصر حائل فيما بينه وبين الظهر، فلا يدع الحائللما كان
من الشك الا بيقين ».
وهذه الرواية لا يصح الاستدلال بها على القاعدة
،وذلك :
اولا: لضعفها سندا ، لعدم العلم بطريق ابن ادريس الىكتاب
حريز .
وثانيا: لانها تدل على قاعدة اخرى، وهي قاعدةالحيلولة، وهي
تختلف موضوعا وملاكا مع قاعدة الفراغ.
15 رواية زرارة عن ابي جعفر (ع)، قال: قلت له: رجلترك
بعض ذراعه او بعض جسده من غسل الجنابة؟ قال:«... فان
دخله الشك وقد دخل
في صلاته فليمض في صلاته ولا شي عليهوان استيقنرجع
فاعاد عليه
الماء »((435)).
16 رواية فضيل بن يسار، قال: قلت لابي عبد اللّه (ع):استتم
قائما فلا ادري ركعت ام لا؟ قال: «بلى، قد ركعت،فامض في
صلاتك ، فانما ذلك من الشيطان »((436)).
الدليل الثاني: الاجماع
فقد ادعي الاجماع على العمل بهذه القاعدة في ابوابالفقه
المختلفة، قال في اوثق الوسائل: «استدل عليه ايضامضافا الى
الاخبار بوجوه اخر، منها الاجماع في الجملة((437)) ».
ويرد عليه :
اولا: ان عمل الاصحاب غير محرز في كلابواب الفقهوان كان
محرزا في باب الصلاة والطهارة .
وثانيا: ان الاجماع المدعى يحتمل انه مدركى ،
لاحتمالاستناده الى الاخبار المتقدمة، فلا عبرة حينئذ الا
بهذهالاخبار
((438)).
الدليل الثالث: السيرة
كما يستفاد من كلمات المحقق الهمداني (قدسسره)قال:
«العمدة في حمل
الاعمال الماضية الصادرة من المكلف او من غيره علىالصحيح
انما هي السيرة القطعية »((439)).
والاستدلال بها على القاعدة مرة يكون بسيرة
المتشرعة،واخرى بسيرة العقلاء .
اما سيرة المتشرعة فهي وان كانت مسلمة الا انمستندها على
ما يبدو الاخبار المتقد مةفلا يصح الاستناد الىسيرة
المتشرعة الا بمقدار ما تدل عليه الاخبار .
واما سيرة العقلاء بمعنى استقرار بنائهم على صحةالعمل بعد
مضيه،
فلا اشكال في عدم قيامها على العمل بالقاعدة بعنوانقاعدة
الفراغ والتجاوز، واذا كان هناك بناء من قبل العقلاءفلابد ان
يكون مستنده اصالة عدم الغفلة
في العمل، اي الاتيان بالعمل على طبق المقصود . ومنالواضح
ان اصالة
عدم الغفلة اصل عقلائي مورده الاخبار والشهادةالمربوطة
بفعل الغير، وهو يجري فيه حتى قبل الفراغ عنالعمل وتجاوزه،
فلا ربط له بقاعدة الفراغ والتجاوز .
على ان اصالة عدم الغفلة بهذا المعنى اصل عقلائيلفظي
تكون لوازمه حجة في باب الدلالات ، فاذا كان هومدرك
القاعدة لزم حجية لوازمها ايضا عند العقلاء، وهوما لا يلتزم به
احد قطعا
((440)).
الدليل الرابع: اصالة الصحة
لقد حاول بعض الاعلام الاستدلال باصالة الصحةلاثبات قاعدة
الفراغ والتجاوز، كما في كلمات صاحبالجواهر (قدس سره)
حيث قال: «ثم لا ريب في جريانما ذكرنا من عدم الالتفات الى
الشك بعد الفراغ في كلفعل مركب كان توالي فعل الاجزاء
شرطا في صحتهكالصلاة ونحوها ، لاصالة صحة فعل المسلم
»((441)).
ولما كانت فكرة تعميم اصالة الصحة وشمولها لفعلالنفس لا
يتفق مع راي المشهور
((442))فقد اعترضبعضهم على هذا
الاستدلال مؤكدا على ان موضوعالقاعدة يختلف عن موضوع
الاصل ، لان موضوعالقاعدة هو الشك بعد الفراغ والتجاوز عن
عمل النفس،
وموضوع الاصل هو عمل الغير سواء كان قبل
الفراغوالتجاوز او بعدهما، فلا معنى للاستدلال به على
القاعدة((443)).
الدليل الخامس: العسر والحرج
ما يظهر من المحقق الهمداني (قدس سره) في مصباحالفقيه
من الاستدلال على القاعدة بادلة نفي العسروالحرج، وعموم
التعليل الوارد في روايات قاعدة اليدوالسوق، من انه لولا ذلك
لما قام للمسلمين سوق،ولاختل النظام .
قال المحقق الهمداني (قدس سره) بانه لولا اصالةالصحة
«لاختل نظام المعاش والمعاد، ولم يقمللمسلمين سوق، فضلا
عن لزوم العسر والحرج المنفيينفي الشريعة، اذ ما من احد الا
اذا التفت الى اعمالهالماضية من عباداته ومعاملاته الا ويشك
في اكثرهالاجل الجهل باحكامها او اقترانها بامور لو كان
ملتفتااليها لكان شاكا . كما انه اذا التفت الى اعمال
غيرهيشكفي صحتها غالبا، فلو بنى على الاعتناء بشكه لضاق
عليهالعيش، كما لا يخفى »
((444)).
واورد عليه : اولا: ان هناك مجموعة من القواعد والاصول المؤمنةالتي جعلها الشارع في موارد الشكوالتي بها يرتفعالحرج والمشقة ،
|
|---|