كلمة التحرير

 

 

الدليل القرآني بين التنظيرالاصولي وواقع العملية الاجتهادية

 رئيس التحرير

 

 كانت البذور الاولى للتفكير الفقهي تدور حول القرآن الكريم باعتباره الخطاب الالهي الموجه للبشر وكان يمثل اساس الحالة الاسلامية الجديدة التي احدثتها الرسالة.. ولم تكن مرجعية القرآن آنذاك منفصلة عن السنة النبوية الشريفة .. ولم يحس باثنينيتهما.. فكلاهما كانا يتلقيان عن النبي (ص) فقد كان ناقلاللوحي ومبينا وشارحا.. وكان الرعيل الاول من الصحابة في الوقت الذي كان يحفظ و يدون القرآن كان ايضا يتعامل مع السنة بالمستوى نفسه.. فنرى عليا (ع) قد دون مصحفا بالاضافة الى صحيفة كبيرة مليئة باحاديث النبي (ص) ولقد فوجئ المسلمون بعد رحيل النبي (ص) وفي اوائل مرحلة الخلافة بالدعوة الى اللجوء الى الكتاب وحده وانه لاضرورة لمراجعة السنة النبوية.. وتبع ذلك خطوات عملية حيث منع الحديث على مستوى التدوين وعلى مستوى التبيين..

ولم تستمر هذه الحالة اكثر من عقدين وسرعان ما انتهت مرحلة القطيعة مع السنة النبوية وعادت مرة اخرى الى مرجعيتها كمصدرقرين للكتاب لكن هذة العودة كانت تتم بالتدريج وببط فلم تصل السنة الى مرحلة الازدهار على المستوى العام والرسمي الا في النصف الثاني من القرن الثاني.. وبعد ان نشات ظاهرة التنظير الاصولي بدات عملية التقييم لادلة الاحكام.. و سارت على ضوئها عملية التنويع لتلك الادلة..

وكان هذا هو الحجر الاساس للاجتهاد بمعناه الشائع اليوم. .

واستنادا الى النظرية المشهورة لدى الباحثين عن تاريخ الاجتهادفان ظهور الاجتهاد الاصولي في مدرسة اهل البيت (ع) كان متاخرا.. حيث لم يتضح في الساحة العلمية الا اوائل القرن الرابع. .وبعد ان استحكمت عناصره النصوصية والروائية .

وتستند عملية الاستنباط في اطار مذهب اهل البيت (ع) على الادلة اليقينية (: العلم) او التي تنتهي الى اليقين (: العلمي).. وقدحصرت مدرسيا منذ قرون في الادلة الاربعة التقليدية.. وهي اجمالا: الكتاب العزيز والسنة الشريفة بما تشتمل عليه من قول وفعل وتقرير للمعصوم والاجماع التعبدي والدليل العقلي. ظاهرة التطرف في التعامل مع الادلة:.

بيد ان التعامل مع كل واحد من هذه الادلة لم يكن على حد سواء.. فان مستوى التعامل معها لم يحافظ على منسوبه على طول الخط.. بل ابتلي بتموجات عرضته للصعود حينا والنزول حينا آخروساقته يمينا وشمالا.. وعلى اثر ذلك اصطبغ كل مقطع تاريخي من عمر الاجتهاد بلون خاص وبطابع تعاملي متميز . .

فتارة يرى التركيز المفرط على دليل الاجماع.. فجعل منه المستندالمتين والحجة البالغة التي لا تطلب بعدها حجة ولا حاجة للتفتيش عن سائر الادلة الاخرى.. فكثرت دعاوى الاجماع الى حد التكلف والتي لا تخلو من تهافت في عدد معتد به من الحالات . . وقد برزت هذه الظاهرة بوضوح في اواخر القرن الرابع الهجري وما تلاه.. وتارة يشاهد الميل الشديد والشغف المفرط بالدليل العقلي والبحوث العقلية وشيوع المنهج الفلسفي والتنظير التجريدي للمعط ى الشرعي وتحجيم سائرالادلة..

وثالثة يلاحظ الانحياز المبالغ فيه الى جانب دليل السنة الشريفة بحيث عدت الاصل والاساس للشريعة والمفسر والمبين لسائرالادلة التي لا يمكن لها ان تسد مسد السنة ولا تغني عنها بحال..حتى لو كانت تلك الادلة ادلة من الكتاب..

وقد تمثل هذا الاتجاه في التيار الاخباري الذي بلغ اوجه على يد امين الاسلام الاسترآبادي.. وقد اثر هذا المد الاخباري في الساحة العلمية وانجازاتها وتطلعاتها.. وكاد ان يهيمن على المسار الفقهي باكمله لولا ان تصدى له الاتجاه الاصولي الذي قاده البهبهاني. .

الاتزان في التعامل مع الادلة: ولم يدم هذا التارجح وان طال.. اذ صدته محاولات التصحيح والاصلاح المنهجي.. والتي كانت تبرز عقيب كل حالة تطرف واختلال.. سيما في مرحلة الاعتدال والنضج الاصولي الاخير ..

ويمكن القول ان تقنين عملية الاستنباط وصل على يد متاخري الاصوليين الى درجة عالية من الضبط الضامن لاتزان حركة الاجتهاد وعدم اختلالها.. والمؤمن لاستقامة مسار الاستنباط الى مدى ليس بالقصير.. فقد تم تحديد موقع كل دليل وقيمته الدليلية وموارد الافادة منه والنسبة بينه وبين سائر الادلة. .

وليس معنى ذلك ان علم الاصول قد وصل بهذا الى ذروته التي لاتطور بعدها.. بل المراد ان الفكر الاصولي قد شمله التقنين واخضع للضوابط في كل امتداداته. . وعلى اثر ذلك فقد اكتسب هوية مستقلة خاصة به تميزه عن غيره من العلوم ذات الصلة كعلم الفقه والعلوم اللغوية والادبية والفلسفة والمنطق وعلم الكلام..واصبح فكرا منهجيا بعد ان اجتاز المراحل القلقة حيث كانت بحوث هذه العلوم متداخلة ومتشابكة مع بحوث الاصول.. والافان محاولات الاصوليين لتطويره وتكميله وتعميقه بل وحتى تجديده لا تزال قائمة فعلا وسوف تستمر مستقبلا ايضا..

اما الاجماع فقد اختلفت النظرة تجاهه وصار التعامل معه ليس بلحاظ قيمته الذاتية بل بلحاظ كاشفيته عن موقف السنة الكامنة فيه.. فبمقدار كاشفيته يتحدد اعتباره وقيمته الدليلية..

وبداالتمحيص لانواع الاجماع وموارده.. فقسم الاجماع الى المنقول والمحصل فانحسر دور الاول ودعم الثاني الذي لم يجد امامه آفاقا واسعة للتحرك نظرا لمحدودية امكانية تحصيل الاجماع ..

ثم قسم الاجماع مرة اخرى الى الاجماع المدركي او المحتمل المدركية والاجماع التعبدي.. فضرب على الاول ودعم الثاني الذي مني بقلة موارده.. وهكذا اخذ دور الاجماع يتضاءل بشكل سريع.. واستمرت عمليات الملاحقة للاجماع ومحاصرته في مساحات صغيرة وتضييق الخناق عليه اكثر فاكثر.. وذلك من خلال التشكيك في دليليته من قبل بعض اعلام الاصوليين المتاخرين..فلم يبق امام الاجماع سوى بضع حالات معدودة.. وهي فيما لووصل الاجماع الى درجة التسالم الفقهي القطعي . .

واما السنة الشريفة فقد رست على اسس مستحكمة فيما يتعلق بوسائل وطرق اثبات صدورها. . فبينما كانت قبل تتارجح بين متشدد لا يرى الا اعتبار القطعي الصدور منها دون الظني وبين معتدل يتمسك بحجية خبر العادل وبين من يتكل على حسن ظنه بالمحمدين الثلاثة وباسانيد الكتب الاربعة وبالشهرة العملية كجابر لضعف السند في الرواية.. وقد انتهى اخيرا هذا التارجح حيث وضعت قواعد للتوثيقات العامة والتوثيقات الخاصة.واما الدليل العقلي فقد تعرض كذلك هو الاخر الى التطوير .

حيث حددت دائرته وعلاقته مع الادلة الشرعية.. وقد تم تنويعه الى نوعين رئيسيين هما: المستقلات العقلية وغير المستقلات العقلية وان كان يلاحظ احيانا حالات اقرب ما تكون الى الترف الاصولي والاسفاف في البحوث الفرضية التي لا طائل تحتها..

واما الكتاب الكريم فقد دافع الاصوليون دفاعا شديدا عن حريمه وحجيته وردوا كل محاولات اقصائه عن ساحة الاستدلال اوتحجيمه.. وذلك من خلال اصرارهم على حجية ظواهر الكتاب ورفض كل ما يهدد هذه الحجية من شبهات وابهامات كمسالة التشابه في الكتاب ومسالة التاويل وعدم الاحاطة بمعاني الايات وحقائقه السامية.. وايضا من خلال اعتبار القرآن الكريم عرشاللادلة وانه الميزان الذي توزن به السنة.. فيقبل ما وافقه منها ويردما خالفه.. وقد استقر الراي اخيرا على ذلك.. ولم نعد نسمع بمثل تلك الشبهات اليوم في الدائرة الاصولية والفقهية. .

بل اضطر اولئك الذين نسبت اليهم هذه الشكوك حول الكتاب الكريم بالتصريح بان حجية الكتاب مورد اتفاق الامة بكل طوائفهاوانه لا مجال للريب في ذلك وحاولوا ان ياولوا الشكوك المثارة سابقا بتفسيرات اخرى كالدعوة الى عدم الاكتفاء بالكتاب وحده ولابد من الفحص في السنة عن المخصصات والمقيدات ونحو ذلك من التاويلات مما لا يرجع الى الغاء الدليل القرآني..

ولكن هذا التطوير كله كان قد انجز على مستوى البحث الاصولي والتنظيري الصرف وتم في اطار دائرة التقعيد الكلي والعام ..

واما على صعيد الممارسة الاجتهادية السائدة فعلا فهل انها تسيرفي تعاملها مع الادلة بنفس الافق المطروح اصوليا وتنظيرياانه من الصعوبة بمكان الاجابة على هذا التساؤل بالايجاب..

فان عنصر الموازنة بين الادلة الشرعية الاربعة غير واضح في حالات كثيرة.. بل نجد غيابا ان لم نقل تغييبا لبعض هذه الادلة..كما هو الحال في كيفية التعامل مع الدليل القرآني..

وقد يرد هذا الادعاء بان الفقهاء قد اولوا القرآن عناية فائقة بحيث خصصوا له كتبا وتصانيف تعرف بكتب (آيات الاحكام) او (احكام القرآن) او (فقه القرآن).. وعدوا البحث في ذلك تخصصاوفنا مستقلا فصلوه عن علم التفسير وسائر العلوم والمعارف القرآنية.. وان المتابع والمستقصي لكتب الفهارس والتصانيف يتجلى له بوضوح مدى ضخامة التراث المدون من قبل فقهاءالقرآن في هذا المجال من مختلف الطوائف الاسلامية. .

لكن يظهر ان هذا الدفاع وان بدا رائعا الا انه غير موفق .. وذلك: 1 ان ما انجزه علماؤنا السابقون في مجال البحث في (فقه القرآن وآيات الاحكام) امرا يستحق الاجلال والتقدير الا ان كلامنا لم يكن موجها نحو الماضي التراثي وانما ينصب على المرحلة الراهنة فنقول ما هو حجم ما انجزه المتاخرون والمعاصرون ؟ !ان المتتبع سوف ينتهي الى نتيجة غير متوقعة وغير مرضية . .

2 ان مرادنا مما اثرناه من تساؤلات هو معرفة لماذا تندر الافادة من القرآن الكريم في استنباط في الكتب الاستدلالية المهيمنة على الجو العلمي في الدائرة الفقهية ؟.. وليس مرادنا من ذلك النفي المطلق.. وعليه فلا يكفي وجود استدلال بالكتاب في بعض الموارد من قبل بعض الفقهاء . . فهذا لا يصلح ردا للاشكال المطروح، كما هو واضح. .

3 اننا لا نكتفي بطرح الادعاء الصرف بل سوف نذكر بعض المؤشرات الرقمية المحددة التي تؤكد وتثبت ما اوردناه من خلال تقصي واستقراء بعض المدونات الفقهية الاستدلالية المرجعية: اولا نلاحظ قلة التعرض للايات الكريمة من ناحية عدد المواردوالتعويل على غيرها من الادلة كما يلاحظ في بحث الاجارة حيث لم يشر الى بحث النصوص القرآنية الا في بعض كتب القدماء.. بل نرى ان هذه القلة قابلة للاختزال ايضا وذلك بعد عزل مواردالاستشهاد اللغوي وكذلك بعد عزل موارد الاستشهاد الفقهي عن موارد الاستدلال. . فلا يبقى حينئذ امامنا الا النزر القليل..

ثانيا لوحظ في بعض الحالات عدم بيان المراد بالاية والاكتفاءبذكر نصها فحسب كما هو الحال عند ذكرهم لاية الاكل من بيوت الاقارب.. فان بعض فقراتها لم يتضح المراد به مع وقوع الاختلاف في تفسيره ورغم ذلك فقد اختزل البحث فيها اختزالا شديدا.. مع ان الاية تتضمن احكاما شرعية اغلبها مهم والقليل منها ترخيصي. . ومن الملفت للنظر انها محل للابتلاء دوما . .

ثالثا عدم توسعة البحث في نصوص الكتاب من ناحية المقدار والكم.. فتجد البحث فيها في بعض الاحيان لا يتجاوز عدة اسطر. . كما يلاحظ في آية الايلاء التي هي الاصل في احكامه. .

رابعا عدم تعميق مستوى الاستدلال من حيث ظاهرة النقض والابرام المالوفة عادة في كل بحث فقهي استدلالي..

وعدم استيعاب جميع الاحتمالات الممكنة والوجوه في مفاد النص القرآني وعدم استقصاء الاقوال في تفسيره.. وبالتالي عدم ايفاءالبحث حقه.. كما نلاحظ ذلك جليا في بحثهم لاية غض البصر..

خامسا عدم الالتفات او عدم التركيز على لحاظ النسبة بين الدليل القرآني وسائر الادلة المعتبرة في عملية الاستنباط سيما السنة الشريفة.. بل لاحظنا في بعض الاحايين انه يستدل بعض الفقهاء بحديث نبوي متضمن لنص قرآني فيتم التعامل مع الحديث فقط وفقط. . ويعرض عن النص. . وهذا من الغرائب ؟ ! سادسا لوحظ في بعض الحالات اهمال طائفة من الاحكام الشرعية التي تضم في المصنفات الفقهية المفصلة ولا المختصرة..وهي على انواع: الاول: احكام ترخيصية مثل آداب الحضور في المجالس العامة..

الثاني: احكام الزامية نظير صلاة الخوف المبينة قرآنيا مفصلا من حيث الحكم والكيفية..والتي حذفت من بعض الكتب الفقهية..

الثالث: احكام عامة تبين الاتجاه العام للشريعة في قسم من المجالات الحياتية كالمجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي..

والنتيجة التي نخلص اليها بعد الاذعان والتسليم بالاشكالات المثارة كلا او بعضا هي ضرورة معالجة ذلك والسعي للتغيير والتكميل.. وذلك من خلال التواصل مع القرآن الكريم والرجوع اليه في عمليات الاستدلال الفقهي من الناحية العملية.. وذلك لوجوب الفحص على المستنبط عن الادلة مهما كانت في مظانهاسيما الاساسية منها والمتمثلة بيات الكتاب.. مضافا الى ان وعي القرآن في نفسه يؤدي الى وعي سائر الادلة والسنة الشريفة بالذات.. وايضا فثمة احكام او اسس عامة قد تستفاد من طائفة من الايات ومن الرؤية الشاملة للكتاب وليس من خلال دراسته مقطعا مقطعا.. فان النظرة التجزيئية قد تفوت علينا بعض المداليل العامة.. اننا نستهدف من خلال اثارة هذا الموضوع هو تركيز حالة التواصي بالحق انطلاقا من الشعور بالمسؤولية والحرص على الامانة التي حملناها.. عسى ان نصل الى المستوى المطلوب منا رساليا.. وينبغي ان نكرس حالة التناصح داخل المؤسسة الفقهية والعناية بمشاريع التطويروالاطروحات التي تساهم في حركة التكامل والدفع نحوالمستقبل الواعد.. وينبغي ان لا نضيق ذرعا بمثل هذه الاثارات مادامت مبتنية على اساس منطقي متين ومدعمة بادلة الاثبات..

فعلينا ان نفعل ظاهرة النقد الذاتي وان نفيد منها لترميم ما يرى من خلل في بنائنا المنهجي.. وذلك من خلال عدة طرق..

طرق تفعيل المرجعية القرآنية: الطريق الاول: تشجيع ظاهرة التخصص واحياء (فقه القرآن) و (آيات الاحكام) من جديد وتركيز ذلك في المؤسسة الفقهية..

الطريق الثاني: الاعتناء بالدليل القرآني في البحوث الاستدلالية وفتح منافذ مختلفة من الدلالات القرآنية الممكنة ولو بدوانظير ما صنعه السابقون تجاه بعض الايات كقوله تعالى: (اوفوا بالعقود) و(واحل اللّه البيع) و (تجارة عن تراض) او بعض الايات المطروحة في غضون البحوث الاصولية كالاستدلال بية النفر ونحوها . .حيث اشبعها الباحثون تدقيقا وتنقيحا. .

الطريق الثالث: رفع المستوى المرجعي للقرآن وادخاله كعنصرمعياري فوقاني حاكم وموجه لكيفية التعامل مع السنة النبوية الشريفة وسائر الادلة الشرعية المعتبرة.. وضرورة التاكيد على دراسة طبيعة النسبة بين النص القرآني والنص الحديثي..

الطريق الرابع: الافادة من النص القرآني واساليبه الحركية في مجال تطوير الخطاب الفقهي في تحريك المكلف نحو الامتثال..

الطريق الخامس: محاولة اكتشاف الابعاد التطبيقية في الكتاب الكريم.. فانه بالتامل يمكن الكشف عن خيوط الرؤية الرسالية في مجال تطبيق الشريعة ميدانيا سيما على المستويات العامة..الطريق السادس: تخصيص بعض البحوث العليا في الحوزة العلمية (: ابحاث الخارج) بفقه القرآن ودراسة آيات الاحكام.. على ان لا يكون مستوى البحث سعة وعمقا واسلوبا ادنى من مستوى الابحاث والدراسات العليا المتعارفة وان لا يكون البحث لمجردالتبرك بالقرآن وآياته. . والا فستكون النتيجة عكسية..

( ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطانا . . ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا) . . ولا حول ولا قوة الا باللّه . .

 

رئيس التحرير

 

 

 

 بحوث اجتهادية

 

ميراث الزوجة من العقار/4

 

القسم الرابع

آية اللّه السيد محمود الهاشمي الشاهرودي

 

 

لقد دار البحث في الجهة الاولى حول اصل الحكم بحرمان الزوجة من ارث العقار... حيث توفر سماحة السيد الاستاذ دام ظله على معالجة فنية للروايات الواردة في ذلك بحيث تنجو من المعارضة مع الكتاب الكريم و عمومات الارث...

وقد عقد البحث في الجهة الثانية حول مناقشة التفصيلات الواردة في كلمات الفقهاء بناء على ما ذهبوا اليه من القول بحرمان الزوجة من ارث العقار في الجملة... (التحرير) ( الجهة في التفصيلات المذكورة في كلمات الاصحاب او التي يمكن ان تذكر، وهي عديدة: منها التفصيل بين الزوجة ذات الولد فترث من اعيان الرباع وغيرذات الولد فلا ترث، وهذا هو المشهور. وقد تقدم مبنى هذا التفصيل مفصلا، فلا نعيد.

ومنها التفصيل بين الرباع وهي الدور والمساكن وبين غيرها من الاراضي كالبساتين والمزارع والاراضي الاخرى، فيختص الحرمان بالرباع، وترث من قيمة الابنية والاثار فيها حتى الشجر، واماالاراضي الاخرى فترث الزوجة من اعيانها واعيان ما فيها على حد سائر التركة. وهذا مذهب المفيد (رحمه اللّه) حيث قال في المقنعة: «والرباع هي الدور والمساكن دون البساتين والضياع»((1))، وكذا هو ظاهر السيد المرتضى (رحمه اللّه) حيث قال في الانتصار: «ان الزوجة لا ترث من رباع المتوفى شيئا، بل تعط ى بقيمته حقها من البناء والالات دون قيمة العراص» ((2)).

وخالف في ذلك الشيخ (رحمه اللّه) كما تقدم حيث الحق البساتين والضياع بالرباع، قال في النهاية: «وقال بعض اصحابنا: ان هذاالحكم مخصوص بالدور والمنازل دون الارضين والبساتين.والاول اكثر في الروايات واظهر في المذهب، وهذا الحكم الذي ذكرناه انما يكون اذا لم يكن للمراة ولد من الميت، فان كان لها منه ولد اعطيت حقها من جميع ماذكرناه من الضياع والعقار والدور والمساكن» ((3)).

فالشيخ واتباعه من بعده خصصوا الحكم بغير ذات الولدولكنهم عمموه لمطلق الاراضي، والمفيد والمرتضى خصصوه بالرباع ولم يستثنوا ذات الولد من ذلك.

واصر ابن ادريس على صحة مذهب المفيد (رحمه اللّه) دون الشيخ (رحمه اللّه)، قال : «والحق بعض اصحابنا جميع الارضين من البساتين والضياع وغيرها، وهذا اختيار شيخنا ابي جعفر (رحمه اللّه).

والاول اختيارشيخنا المفيد (رحمه اللّه)، وهو الذي يقتضيه اصول مذهبنا، لانا لوخلينا وظواهر القرآن ورثناها من جميع ذلك، وانما عدلنا في الرباع والمنازل بالادلة، وهو اجماعنا وتواتر اخبارنا، ولا اجماع معنا منعقد على ما عدا الرباع والمنازل» ((4)).

والمدرك على هذا الحكم ان كان منحصرا في الاجماع فالمتيقن منه خصوص الرباع وهو الدور والمساكن، كما ذكر ابن ادريس، الاانه في الروايات ما ظاهره العموم، بل صرح في بعضها بحرمانهامن الضياع ايض.

ففي موثقة محمد بن مسلم وزرارة المتقدمة عن ابي جعفر (ع) «ان النساء لا يرثن من الدور ولا من الضياع شيئا، الا ان يكون احدث بناءفيرثن ذلك البناء» ((5)).

وفي خبر ميسر المتقدم عن ابي عبد اللّه (ع) قال: سالته عن النساءما لهن من الميراث ؟ قال: «لهن قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب، فاما الارض والعقارات فلا ميراث لهن فيه...». ((6)) وفي صحيح محمد بن مسلم المتقدم عن ابي جعفر (ع)قال «النساء لا يرثن من الارض ولا من العقار شيئا» ((7)).

وفي معتبرة الواسط ي المتقدمة قال: قلت لزرارة ان بكيرا حدثني عن ابي جعفر (ع): «ان النساء لا ترث امراة مما ترك زوجها من تربة دار ولا ارض الا ان يقوم البناء والجذوع والخشب فتعط ى نصيبهامن قيمة البناء، فاما التربة فلا تعط ى شيئا من الارض ولا تربة دار».قال زرارة: هذا لا شك فيه ((8)).

وفي صحيح الاحول المتقدم عن ابي عبد اللّه (ع) قال: سمعته يقول: «لا يرثن النساء من العقار شيئا، ولهن قيمة البناء والشجروالنخل» ((9)). بناء على ان العقار اعم من المنازل ويشمل مطلق الارض.

ومثلها خبر عبد الملك بن اعين عن احدهما غ قال: «ليس للنساءمن الدور والعقار شي» ((10))، بل قد يقال بان عطف العقار على الدور فيها قرينة على ارادة الاعم من المنازل.

وعلى هذه العمومات استند الشيخ (رحمه اللّه) ومشهور الفقهاء بعده في الحكم بالتعميم لسائر الاراضي، ولا ينافي ذلك اقتصار بعض الروايات على ذكر خصوص الرباع وعقار الدور، لانهمامثبتان فيؤخذ بهما معا من دون تعارض.

قال المحقق النجفي في الجواهر: «... الى غير ذلك من النصوص التي لا ينافيها الاقتصار في بعض النصوص على حرمانها من الرباع ومن رباع الارض ومن العقار ومن عقار الدور ومن الدوروالعقار بعد الاتفاق في النفي، اذ هو نحو ( لا تضرب الرجال) و( لا تضرب زيدا)، فلا يضر حينئذ معروفية المنازل من الرباع بين اللغويين، فعن العيني: الربع: المنزل، والوطن يسمى ربعا لانهم يربعون فيه، اي يطمئنون. وقال: هو الموضع الذي يرتعون فيه في الربيع.

وعن الازهري عن الاصمعي: الربع: هو الدار بعينها حيث كانت.والمربع: المنزل في الربيع خاصة. وعن الفارابي: الربع: الدار بعينهاحيث كانت، الى غير ذلك، مع انه يمكن ان يمنع ذلك في نحورباع الارض.

واما العقار فانه وان نقل عن الازهري انه حكاه بمعناه، وفي النافع ( وكذا المراة عدا العقار، وترث من قيمة الالات والابنية، ومنهم من طرد الحكم في مزارع الارض والقرى) وهي كالصريحة في اختصاص العقار بغير المنزل ((11))، لكن المعروف في كتب اللغة كما في موضع من كشف اللثام: انه الضيعة او النخل او ما يعمهما وسائرالاشجار، وفي آخر: الاشهر في معناه الضيعة.

بل ما في الصحيح «لا يرثن النساء من العقار شيئا، ولهن قيمة البناء والشجر والنخل» كالصريح في كونه للاعم، بل ربما يومى اليه، اضافته الى الدور كما في بعض النصوص: «لا ترث النساء من عقار الدور شيئا»، بل قد يدعى انه في خبر الدار اظهر منه فيها،ولذا عطفه عليها في البعض الاخر فقال: «وليس للنساء من الدوروالعقار شي» بل في كشف اللثام قيل: العقار كل مال له اصل من دار او ضيعة. وبذلك كله يظهر لك قوة القول بالتعميم.

فما في النافع ومحكي المقنعة والسرائر من الاختصاص بالدوروالمساكن اقتصارا في تخصيص عموم ادلة الارث على المجمع المتواتر به الاخبار، كما عن السرائر واضح الضعف، ضرورة عدم الالتزام بالمتيقن بعد فرض تسليم كونه الدار والمسكن هنا مع قيام الدليل المعتبر على الاعم من ذلك وان كان ظنيا وآحاداوالعام قطعي كتابي، كما هو محقق في محله.

فما عن المختلف من ان قول شيخنا المفيد جيد، لما فيه من تقليل التخصيص، فان القرآن دال على التوريث مطلقافالتخصيص مخالف، فكل ما قل كان اولى لا يخفى عليك مافيه» ((12)).

وقال الشيخ محمد تقي البروجردي (رحمه اللّه) في كتابه ( نخبة الافكار) على ما ينقل عنه بعض المعاصرين: «ليس لتلك النصوص المقتصرة على الحرمان من الرباع ورباع الارض وعقار الدور مفهوم يقتضي توريثها مما عدا الرباع وعقار الدور كي تصلح للمعارضة مع النصوص الاخرالدالة بالصراحة على حرمانها من مطلق الارض والتربة من الضياع، وانما غايته سكوتها مما عدا الرباع المعروف كونه بين اللغويين عبارة عن المنزل والدار والمسكن. فتبقى النصوص النافية لارثها من العقاروالارض والتربة والضيعة على حالها سليمة عما يصلح للمعارضة معها، فيخصص بها حينئذ عمومات الارث كتابا وسنة، كتخصيصها بما دل على حرمانها من الرباع والدار. وعلى فرض دلالتها على ارثها مما عدا الرباع فغايته كونها بالاطلاق، فيقيد بالنصوص المصرحة بحرمانها من مطلق الارض والتربة» ((13)).

وهذا الذي ذكروه وان كان هو مقتضى الصناعة بين الدليلين المثبتين للحكم، الا انه في خصوص المقام يوجد بعض المبعدات التي قد تمنع عن الاخذ بالاطلاق المذكور: 1 نفس التحفظ الشديد تجاه اصل هذا الحكم المخالف لظاهرالقرآن الكريم والروايات الكثيرة الظاهرة في ارث الزوجة من تمام التركة، والذي كان على خلاف العمل الخارجي للمسلمين طيلة زمن النبي الاكرم غ والخلفاء وامير المؤمنين (ع)، ولم يكن معهوداحتى عند اتباع مدرسته واصحابه الى عهد الصادقين غ، فان هذابنفسه مبعد ارتكازي قد يمنع انعقاد الاطلاق لعنوان العقاروالارض لغير القدر المتيقن. ولعل هذا كان مركوزا لدى رواة هذه الاحاديث الصادرة عن ابي جعفر وابي عبد اللّه غ ايضا، وكان بمثابة قرينة ارتكازية متصلة عندهم على عدم الاطلاق، ومثل هذالا يمكن نفيه باصالة عدم القرينة، كما حقق في محله.

2 ان معظم الروايات المتقدمة قد اقتصرت على ذكر الرباع اوتربة دار او عقار الدور او الدور والعقار ونحو ذلك مما هومخصوص بارض المساكن والدور، وقد جعلت علة هذا الحكم اوحكمته هي ان لا تدخل الزوجة على اهل المواريث من يفسدعليهم مواريثهم، وهذا التعبير يناسب ايضا الرباع والمساكن لاالبساتين والمزارع التي هي على حد الاموال الاخرى ويمكن ان تقسم بينها وبينهم، ولهذا ايضا جعل حقها في البناء والدور من القيمة لا من اعيانه.

فمجموع هذه الخصوصيات الواردة في معظم هذه الروايات يوجب ظهورا قويا لها في النظر الى الرباع والمساكن ومنع الزوجة من استئثارها بها في قبال سائر الورثة. وهو ان لم يوجب انصراف عنوان الضيعة او العقار والارض الوارد في غيرها الى خصوص الرباع والمنازل، فلا اقل من وقوع التعارض بينهما رغم كونهمامثبتين، لانه لا يمكن حمل عنوان الرباع والدور على المثالية وجعل موضوع الحكم مطلق الارض، لقوة ظهورها خصوصا مع التعليل المذكور في ان للمنزل والدار خصوصية ملحوظة من قبل الامام (رحمه اللّه) في عموم هذه الروايات، وهذا الظهور اقوى من اطلاق العقار والضيعة لغير المسكون منها بحيث يوجب التقييدوحمل المطلق على المقيد.

ولو فرض التكافؤ والتساقط في مورد التعارض فالمرجع عمومات الارث، هذا اذا لم نرجح هذا الظهور على الاطلاق لكونه موافقاللكتاب، والاطلاق مخالف له بناء على تطبيق هذا المرجح ايضافي المتعارضين في الجملة.

3 امكان منع اصل الاطلاق في الروايات المدعى اطلاقهاواشتمالها على عنوان الارض او الضياع، لان جملة منها قد وردفيها التعليل المتقدم، والذي قلنا انه على الاقل يوجب انصرافهاالى عقار الدور والمنازل، وعدم الاطلاق فيها سواء حملنا روايات التعليل على العلية والمناط التام للحكم او على انه مجرد حكمة آوما لم يرد فيها التعليل قد ورد في جملة منها استثناء قيمة الطوب والبناء، من قبيل صحيح الاحول ومعتبرة الواسط ي، او ذكر ذلك اولا كما في خبر ميسر، وهذا يوجب اجمال اطلاق العقار والارض فيها لغير الدور والمنازل، لان الاستدراك والاستثناء يمكن ان يكون شاهدا او صالحا للقرينة على ان النظر الى الدور والمنازل لامطلق الاراضي، و هو كاف لاجمال الاطلاق وعدم انعقاده.

وما لم يذكر فيها الاستثناء المذكور وهو صحيحة محمد بن مسلم وزرارة عن ابي جعفر (ع) قال: «النساء لا يرثن من الارض ولا من العقار شيئا»، وفي آخر: «لا ترث النساء من عقار الارض شيئا»،وفي ثالث: «ان النساء لا يرثن من الدور ولا من الضياع شيئا الا ان يكون احدث بناء فيرثن ذلك البناء» يحتمل كونها نفس الصحيحة الاخرى عن ابي جعفر التي نقلها الفضلاء او نقلاها عن ابي عبداللّه (ع) ((14)) والتي فيها الاستثناء لانها كلها بنفس العبارة اوقريب منها. فلم يكن هناك حديثان لهما عن ابي جعفر او ابي عبداللّه غ وانما حديث واحد نقل بطريقين مع التقطيع، فاقتصرالراوي او صاحب الكتاب في بعض هذه الطرق على نقل عدم الارث من العقار فقط دون الارث من قيمة البناء ونحوه، ويشهدعليه ورود استثناء الارث من البناء في النقل الثالث الذي من المطمئن به انه نفس النقل الاول لنقل محمد بن حمران فيهما معاعن زرارة ومحمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع)، والذي هو نفس سند الحديث الاول المطلق.

ودعوى: ظهور النقل الثالث في التعميم لذكر الضياع فيه وعطفهاعلى الدور ثم استثناء البناء منه.

مدفوعة: بان الاستثناء راجع الى الدور والضياع معا لا خصوص الضياع والا لزم عدم ارثهن من بناء الدور ايضا، وهو واضح العدم وهذا يجعل الحديث ظاهرا في ان المراد بالدور والضياع نفس الارض والمكان الذي يستقر فيه ويسكن وهو الرباع، ولهذااضطر ان يستثني منه البناء، فلا اطلاق في هذا الحديث ايض.

فالحاصل: دعوى الاطمئنان بوحدة هذه الاحاديث وتعدد الطرق في مقام النقل، ووقوع هذا المقدار من التغيير من اجل ذلك ليست بالبعيدة، ولا اقل من انه لا يبقى وثوق بتعددها وبعدم وحدتها،ومعه لا يحرز الحديث المطلق وكونه صادرا ظاهرا في الاطلاق.

ولا يمكن احراز ذلك باصالة عدم القرينة او بشهادة الراوي: اماالاول فلما تقدم من منع جريانها في موارد احتمال القرينة المتصلة، واما الثاني فلما نقحناه في محله من علم الاصول من ان الشهادة التي توجد امارة نوعية يسلب الوثوق بها لا تكون حجة وفي المقام من المظنون قويا وحدة اكثر هذه الروايات وان هذا الاختلاف في بعض الالفاظ نشا من النقل بالمعنى من قبل رواة الحديث الى تلاميذهم، فان هذا كان متعارفا خصوصا في طبقة الرواة المباشرين عن المعصومين، وقد وردت روايات في تجويز النقل بالمعنى لاحاديثهم، ويشهد له وقوع الاختلاف في الالفاظ كثيرا في الحديث الواحد المعلوم وحدته والمنقول بطرق عديدة رغم وحدة الراوي له عن المعصوم، كما لا يخفى على الخبير المتتبع.

واما خبر عبد الملك: «ليس للنساء من الدور والعقار شي» فحيث انه قد عطف فيه العقار على الدور فهو يكون على عكس ما قاله صاحب الجواهر غير ظاهر في الاطلاق، ولا في عدم الارث من القيمة بقرينة سياق ذكر الدور، والذي لا شك في ارثها من قيمة بنائها. هذا مضافا الى ان شمول العقار لمطلق الارض حتى الخالية عن البناء ممنوع.

وبهذا ايضا يجاب عما ورد في رواية عبد الملك الاخرى عن ابي جعفر (ع) انه جاء بكتاب علي وفيه: «ان النساء ليس لهن من عقارالرجل اذا توفي عنهم شي»، على انه من المظنون قويا وحدة الروايتين.

وهكذا لا يثبت في مجموع الروايات الدالة على حرمان الزوجة مايكون فيه العموم لمطلق الارض من دون احتفافه بالاستثناءالمذكور او بالتعليل المتقدم او بذكر الرباع او الدور او العقار ممايوجب عدم انعقاد الاطلاق فيه او اجماله، وقد تنبه الى ذلك بعض الاعلام المعاصرين فذكر في رسالته: «ومنها: ما يمكن استفادة العموم منه مع قطع النظر عن غيره، ولكن لاحتمال اتحاده مع غيره مما لا يستفاد منه ذلك ان لم نقل باستفادة خلافه يسقط الاستدلال به، خصوصا اذا كان احتمال ان يكون ما يستفاد منه العموم من النقل بالمعنى لما لا يستفاد منه ذلك مقبولا عند العقلاءوالع لا يقال: ان احتمال اتحاد ما يستفاد منه العموم مع ما لا يستفاد منه او يستفاد منه الخصوص غير مقبول عند العرف والعقلاء، بل يجب الحكم بتعدد الحديث، ولو فتحنا هذا الباب في الاحاديث لسقط اكثرها عن الحجية.

فانه يقال: قد يقوم في بعض الموارد قرائن تدل على اتحادالحديث وعدم صدوره مكررا بحيث يصل بها اليقين او الاطمئنان او الظن للناقد البصير العارف باحوال الاحاديث واسنادهاومتونها، فلا يحرز بمجرد تكرر نقل بعض الاحاديث تكرر صدوره عن الامام (ع)، ولو شككنا في ذلك ليس في البين اصل يدفعه. فاذااخبر زرارة او غيره من الشيوخ احد تلاميذه بحديث في ارث الزوجة مثلا واخبر تلميذه الاخر ايضا وهكذا اخبر سائر تلاميذه به لا يستلزم ذلك تعدد المخبر به، وان ما ذكره الشيخ لبعض تلاميذه غير ما ذكره لتلميذه الاخر، والا فيصير عدد الاحاديث بتكثر الوسائط وتعدد التلاميذ في كل طبقة خارجا عن حدالاحصاء.

ان قلت: فمن اين جاء اختلاف المضمون ؟ قلت: اختلاف المضمون انما جاء من جهة النقل بالمعنى واختلاف التعابير والاتكال على وضوح المعنى عند المخاطب وعطف كلمة بكلمة في مقام التفسير وكون الناقل في مقام التفصيل او الاجمال والاختصار والاحتياج الى نقل بعض الحديث وعدم الحاجة الى نقل تمامه ودخالة فهم الناقلين وغيرذلك.

فهذا خبر يزيد الصائغ رووه تارة عن محمد بن عيسى عن يحيى الحلبي عن شعيب عنه، وتارة عن محمد بن ابي عبد اللّه عن معاوية بن حكيم عن علي بن الحسن بن رباط عن مثنى عنه ومتنه يشهد بانهما حديث واحد، ومع ذلك يقول في ما خرجوه عن محمد بن عيسى: «سالته عن النساء هل يرثن من الارض ؟ فقال لا،ولكن يرثن قيمة البناء».

ويقول فيما اخرجوه عن محمد بن ابي عبد اللّه: «ان النساء لايرثن من رباع الارض شيئا»، فلو كنا والحديث الاول نعتمد عليه ونستظهر من قوله: «هل يرثن من الارض» العموم بسبب ترك الاستفصال في مقام الجواب. ولكن مع ملاحظة الحديث الثاني يضعف هذا الاستظهار ويسقط عن درجة الاحتجاج به، ويقوى في النظر اسقاط كلمة مثل ( الرباع او العقار) او كون الالف واللام في الارض للعهد، ولذا ترك الامام الاستفصال، فلا يجوز الاعتمادعلى مثله في تخصيص عموم الكتاب.

وكذا راينا انهم خرجوا عن زرارة ومحمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع): «لا ترث النساء من عقار الارض شيئا» واستظهرنا منه الحكم بحرمانها من ارض الدور.

ثم راينا ما خرجوا عنهما بطريق آخر عن ابي جعفر (ع) قال «النساءلا يرثن من الارض ولا من العقار شيئا» لا يجوز الاتكال على الحديث الثاني، لاحتمال ان يكون هذا عين الحديث الاول ويكون المراد من الارض ارض الدور وان يكون (ولا من العقار شيئا) من العطف بالتفسير» ((15)).

نعم، ظاهر صحيح زرارة المتقدم عن ابي جعفر (ع): «ان المراة لاترث مما ترك زوجها من القرى والدور والسلاح والدواب شيئاوترث من المال والفرش والثياب ومتاع البيت مما ترك،وتقوم النقض والابواب والجذوع والقصب فتعط ى حقهامنه» ((16)) انها لا ترث من الارض شيئا حتى المزارع، لانه ذكرما ترث منه وحصره في خصوص المال المنقول، بل قد يقال: ان عنوان القرى يشمل غير الرباع والمنازل فيها كالمزارع والبساتين وسائر الاراضي.

الا ان هذه الرواية قد تقدمت الاشارة الى انه لا عامل بهالتصريحها بحرمان الزوجة من السلاح والدواب، بل ظاهرها ان ما يكون في القرى من الزرع والشجر والنخيل ايضا لا ترث من اعيانه ولا من قيمته شيئا. وهذا مقطوع بطلانه في المذهب.

فالرواية لابد من رد علمها الى اهلها او حملها ولو بقرينة ما في ذيلها من ذكر قيمة الطوب والخشب ان المراد من القرى خصوص الابنية والرباع منه.

ودعوى: العمل ببعض مفادها وهو حرمان الزوجة من الارض آدون بعضها الاخر وهو حرمانها من السلاح والدواب وقيمة الاشجار والنخيل.

مدفوعة: بان ما ذكر من كون مفادها خلاف المقطوع به من المذهب يوجب اجمالها، فلعل المقصود منها امر لو عرف كان مانعا عن ظهورها في حرمان الزوجة من الارض ايض.

وبعبارة اخرى: ليست هذه دلالات مستقلة ومتعددة ليقال بان القطع بعدم صحة بعضها لا يمنع عن حجية الدلالة الاخرى المستقلة عن الاولى، بل مفاد الحديث مطلب واحد وهو التفصيل بين بعض التركة وبعض، اما بعنوان المنقول وغير المنقول اوالارض والعقار وغيرها، او الرباع وغيرها، او بين الاعيان والمالية اوبين ما هو متاع البيت المشترك بين الزوج والزوجة وما ليس كذلك،بل من شؤون الرجال كالسلاح والقرى والضياع والدواب كما هوظاهر هذا الحديث وحيث يعلم بعدم صحة هذا التفصيل فتسقط دلالته عن الحجية، ويعلم ان المراد الجدي منه امر آخر غيرظاهره، وهو تفصيل مجمل مردد لا يحرز انه اي تفصيل من التفصيلات.

قال المجلسي في ذيل هذا الخبر: «قال في المسالك ما اشتمل عليه هذا الخبر من الدواب والسلاح منفي بالاجماع، وحمله بعضهم على ما يحبى به الولد من السلاح كالسيف، فانها لا ترث منه شيئا، وعلى ما اوصى به من الدواب او وقفه او عمل به مايمنع من الارث، ولا يخفى كونه خلاف الظاهر الا ان فيه جمعا بين الاخبار، وهو خير من اطراحه راسا» ((17)).

ثم انه قد يجعل عطف الشجر والنخل على البناء في بعض الروايات قرينة على عموم النظر الى المزارع والبساتين، الا ان هذامحل تامل بل منع ايضا، لان هذا لم يرد الا في رواية واحدة وهي خبر الاحول ( رقم 8)، واما سائر الروايات فالوارد فيها استثناءقيمة البناء والطوب والخشب والتي كلها آلات البناء. ورواية الاحول ورد فيها «ان النساء لا يرثن من العقار شيئا، ولهن قيمة البناء والشجر والنخل» ( يعني بالبناء الدور، وانما عنى من النساءالزوجة) ((18))، وظاهرها بقرينة استثناء قيمة البناء ارادة العقارالذي فيه البناء اي المساكن والدور كما فسره الصدوق فيكون المراد من الشجر والنخل ما يكون منهما في الرباع والدور ايضا، لاالمزارع والبساتين.

وهكذا يتضح ان الاطلاق المدعى في روايات الباب ليس واضحا،واننا لو قلنا بالحرمان فينبغي تخصيصه باراضي الدور والمساكن خاصة كما اختاره المفيد والمرتضى وابن ادريس والمحقق في النافع وابي عبد اللّه العجلي واليوسفي والفاضل المقداد ومال اليه المقدس في المجمع واستجوده في الكفاية ومال اليه السيدالبروجردي (رحمه اللّه)، بل كان يفتي بلزوم مصالحة سائر الورثة مع الزوجة في ذلك احتياطا ((19)).

وقد تلخص من مجموع ما ذكرنا ان هناك ملاكات ثلاثة، كل واحدمنها يقتضي تقييدا معينا في الحكم بحرمان الزوجة من العقار: الملاك الاول: ما ذكره السيد المرتضى (رحمه اللّه) من تقييد الحرمان بعين العقار دون قيمته.

الملاك الثاني: ما ذكره المفيد والمرتضى من تقييده بعقار الدوروالمنازل دون البساتين وسائر الاراضي.

الملاك الثالث: ما ذكره الصدوق والشيخ واتباعه من تقييده بالزوجة غير ذات الولد.

ومبنى الاول (رحمه اللّه) قوة ظهور الكتاب الكريم وسائر الروايات في انحفاظ سهم الزوجة من مجموع التركة، وانه مقتضى الجمع بين الادلة المتعارضة.

ومبنى الثاني عدم الاطلاق في روايات الحرمان لاكثر من الرباع والمنازل.

ومبنى الثالث وجود رواية ابن اذينة المفصلة بين ذات الولدوغيره.

فان قبلنا المباني الثلاثة كلها كانت النتيجة ما ذكرنا انه يمكن جعله قولا سادسا اخص من مذهب السيد المرتضى (رحمه اللّه)، وهو ارث الزوجة من العقار عينا وقيمة الا غير ذات الولد، فانها ترث من قيمة عقار الدور والمنازل دون اعيانها. وهذا اقرب الاقوال الى ظاهر الكتاب وسائر الروايات، واقلها مخالفة لهم.

وان انكرنا المباني جميعا ثبت مذهب مشهور المتاخرين، وهوالقول الخامس المتقدم، وهو ابعد الاقوال واكثرها مخالفة لظاهرالكتاب وسائر الروايات. هذا اذا طرحنا صحيح ابن ابي يعفورالمتقدم والدال على عدم الفرق بين الزوج والزوجة في الارث من العقار، والا وقع التعارض بينهما وكانت النتيجة ما نسب الى الاسكافي من ارثها من عين العقار مطلقا ترجيحا للصحيح المذكور لموافقته الكتاب او للتساقط والرجوع الى ظاهرالكتاب ((20)).

وان قبلنا المبنى الاول دون الثاني او الثالث اتجه القول بحرمانهامن اعيان العقار دون قيمتها، اما في مطلق الارض ولكن في خصوص غير ذات الولد، او في مطلق الزوجة ولكن في خصوص الرباع والمنازل وهو ظاهر المرتضى (رحمه اللّه) او في مطلقهما.وهذه الاحتمالات ايضا اقل مخالفة لظاهر الكتاب وسائرالروايات مما عليه مشهور القدماء او المتاخرين.

وان انكرنا المبنى الاول وقبلنا الثاني او الثالث اتجه القول بحرمانها من العقار عينا وقيمة، اما في مطلق الارض ولكن في خصوص غيرذات الولد وهو قول الشيخ ومشهور القدماء او في مطلق الزوجة ولكن في خصوص الرباع والمنازل وهو ظاهر المفيد وصريح ابن ادريس آاو في خصوص الرباع والمنازل لغير ذات الولد ولعله ظاهر كلمات الصدوق فيكون قولا آخر غير الاقوال الخمسة المتقدمة ايضاوهواقل مخالفة مع ظاهر الكتاب وسائر الروايات من مشهور القدماء اومشهور المتاخرين فانه بعد ان نقل حديث ابن ابي يعفور الدال على ارث الزوجة من الدار والتربة كالزوج علق عليه بقوله: «قال مصنف هذا الكتاب:هذا اذا كان لها منه ولد، فاذا لم يكن لها منه ولد فلاترث من الاصول الا قيمتها، وتصديق ذلك: مارواه محمد بن ابي عمير عن ابن اذينة في النساء اذا كان لهن ولد اعطين من الرباع» ((21)). وهذا ظاهر في انه يفتي بمضمون حديث ابن ابي يعفور بعد تقييده بما فصله حديث ابن اذينة. ومن الواضح ان موضوع التفصيل في حديث ابن اذينة خصوص الرباع لا اكثر، فيبقى الباقي تحت اطلاق حديث ابن ابي يعفور. بل ظاهر عبارته ان غير ذات الولد ترث من قيمة الاصول كلها ومنها العقار، فيكون موافقا مع ما قويناه وجعلناه قولا سادسامن اختصاص الحرمان بغير ذات الولد وبالرباع والدور ومن العين دون القيمة.

ومنها ان الروايات المتقدمة المتعرضة لارث الزوجة من البناءوآلاتها متعارضة، لان بعضها يدل على ارثها من عين البناءوالالات، وبعضها يدل على ارثها من القيم والاول روايتان تقدمتا: احداهما: موثقة محمد بن مسلم وزرارة عن ابي جعفر (ع): «ان النساء لا يرثن من الدور ولا من الضياع شيئا، الا ان يكون احدث بناء فيرثن ذلك البناء» ((22)). وظاهرها الارث من عين البناء.

الثانية: موثقة محمد بن مسلم، قال: قال ابو عبد اللّه (ع): «ترث المراة الطوب في نسخة الكافي من الطوب ولا ترث من الرباع شيئا. قال: قلت: كيف ترث من الفرع ولا ترث من الرباع ( من الاصل) شيئا ؟ فقال: ليس لها منه...» ((23)). وظاهرها ايضا الارث من عين الطوب والفرع،لامن قيمتها فحسب.

فتعارض الروايتان، ما دلت عليه الروايات العديدة الاخرى انهاترث من قيمة البناء والطوب، وحينئذ قد يقال: ان مقتضى الصناعة بعد التعارض ترجيح الروايتين، لكونهما موافقتين لظاهر الكتاب الكريم.

الا ان الظاهر ان هذا ليس من التعارض المستقر الذي يرجع فيه الى المرجحات، وانما هو من نوع التعارض غير المستقر الذي فيه جمع عرفي، وذلك بحمل الروايتين على ارادة الارث من قيمة البناء والطوب، لصراحة الروايات الاخرى المصرحة بذلك وصلاحيتها للقرينية عرفا على ان المراد من ارث الزوجة من الطوب او البناء هو الارث من قيمتها وماليته.

نعم، مقتضى هذا الجمع العرفي ان حق المراة متعلق بالمالية الخارجية للبناء لا المالية في الذمة او بنحو الكلي في المعين ويترتب على ذلك بعض الاثار والنتائج.

منها انه يمكن لسائر الورثة اعطاؤها من نفس العين، ولا يجوز لهاالامتناع عن اخذ ذلك والمطالبة بالقيمة. وهذا هو مبنى ما ذكره جملة من الفقهاء من ان اعطاءها القيمة بنحو الرخصة لا العزيمة على الورثة.

ومنها انه اذا حصل نماء للشجر او ارتفاع للقيمة عما كان عليه حين الوفاة كانت الزوجة ايضا شريكة في قيمة النماء بنسبة سهمها، لان النماء تابع للاصل الخارجي في الملكية.

ومنها ان المدار في القيمة يوم الدفع لا يوم الوفاة، لانها تملك الما الخارجية، فاذا زادت زاد سهمها ايض.

ومنها انه لا يجوز لسائر الورثة التصرف في البناء قبل دفع حقهامن القيمة او العين، لكون المالية الخارجية متعلق حقه.

فالحاصل: مقتضى الجمع بين ظهور الروايتين في تعلق حقهابالبناء وآلات البناء الخارجية والروايات الدالة على اعطائها من قيمة البناء والالات: تعلق حقها بالمالية الخارجية للبناء بنحوالشركة في المالية لا العين.

بل مقتضى الجمع العرفي بين روايات اعطائها من قيمة البناء والالات والشجر والنخل وعمومات الكتاب الكريم، والروايات الاخرى الظاهرة في ان حقها في اعيان التركة ايضا ذلك، فان الظاهر من مثل قوله (ع-) في بعض تلك الروايات: «يقوم البناءوالطوب وتعط ى حقها منه» ان حقها المتعلق بالبناء يكون بنحوبحيث يمكن للورثة ان يعطوها القيمة، لا انه لا حق لها في الخارج اصلا وان متعلق حقها في الذمة، وهذا هو المعبر عنه بالشركة في المالية.

 

الصفحة التالية