وهذا نظير ما يقال في باب الخمس من ان تعلقه بالعين
بنحوالشركة في المالية الخارجية واثره امكان دفع القيمة،
لكونهامصداقا عرفا للمالية الخارجية ايضا، ولا يمكن لصاحب
الخمس الامتناع عن القبول. كما انه يمكن اعطاؤه من العين،
وفي فرض حصول النماء ايضا يكون صاحب الخمس شريكا فيه
بنحو الشركة في المالية كالاصل. ومن هنا عبر بعض الاعلام في
المقام بقوله:«وترث مما ثبت فيها من بناء واشجار وآلات
واخشاب ونحوذلك، ولكن للوارث دفع القيمة اليها، ويجب
عليها القبول»
((24)).
ومنه يظهر ضعف ما ذكره في الجواهر حيث قال: «وهل
يجبرالوارث على التقويم او تجبر هي على الرضا بالعين اذا
رضي الوارث؟ وجهان: الا انه اختار الاخير منهما بعض
المتاخرين تمسكا بما عساه يظهر هنا من كون التقويم رخصة،
جبرا لحال الوارث، فهو كالامر الوارد عقيب الحظر.
وفيه: انه مناف لما دل على عدم ارثها من ذلك، ضرورة
ظهورهافي انه لا تملك شيئا من ذلك بالارث، فلا مدخلية
لرضا الوارث فيه. بل لعل الاول لا يخلو من قوة، خصوصا بعد
ملاحظة انه كقيم المتلفات باعتبار تنزيل حرمان الشارع لها من
العين وتخصيص من عداها بها بمنزلة اتلافه عليها فيضمنون
لها القيمة.
ومنه يعلم عدم بناء ذلك على المعاوضة، بمعنى عدم
جوازتصرف الوارث حتى يدفع القيمة، بل الظاهر ثبوت ذلك
في ذمة الوارث من غير فرق بين بذل الوارث العين وعدمه، ولا
بين امتناعه من القيمة وعدمه، وان كان مع الامتناع يبقى في
ذمته الى ان يتمكن الحاكم من اجباره على ادائها او البيع عليه
قهرا كغيره من الممتنعين من اداء الحق. ولو تعذر ذلك كله
يبقى في ذمته الى ان تتمكن الزوجة من تخليصه ولو مقاصة
سواء في ذلك الحصة وغيرها»
((25)).
وتابعه عليه بعض الاعلام المعاصرين في رسالته «ارث
الزوجة»،حيث
قال: «ان مجموع هذه الروايات تدل على نفي ارث الزوجة
من اعيان الدور والعقار والقرى وحصر حقها في قيمة الابنية
واجزائها... ( وقال:) فتحصل انه لا دليل على ان المراة ترث من
نفس البناءواجزائه وللوارث ان يعطيها قيمتها كما ذهب اليه
بعض الاعلام بل هي ترث من خصوص القيمة، فما يعط ى الزوجة
من القيمة هو من باب الحكم الاجباري، نظير سائر المواريث، لا
انه من باب كونه ارفاقا بحال الوارث بحيث يكون حقها متعلقا
بالعين، وللوارث اعطاؤها القيمة بدلا عن العين، وذلك لدلالة
الاخبار على نفي ارثها من الاعيان ولزوم اعطاء قيمتها لها»
.
((26))
وجه الضعف ان مقتضى ادلة ارث الزوجة من التركة ان حقها
في المالية الخارجية والعين معا، فاذا دل دليل على اعطائها من
القيمة والمالية فهذا لا يقتضي انتقال حقها الى الذمة، فما دام
يمكن الجمع بين حقها في القيمة والمالية الخارجية وبين عدم
حقها في العين كان مقتضى القاعدة الحفاظ على ذلك، تمسكا
باقتضاء دليل الارث لاستحقاقها من التركة الخارجية بتمام
مراتبها، خرجنا عن ذلك في خصوص العين دون المالية
الخارجية، فتبقى تحت اطلاق ادلة الارث.
فالحاصل: ما لم يدل دليل صريح على انتقال حقها الى
الذمة تكون الشركة في المالية الخارجية هي مقتضى الجمع
بين الادلة واثر هذا النحو من الشركة هو ما ذكرناه من الاث
وهذا هو مقتضى ظاهر روايات الدفع من القيمة في نفسه ايضا،فانها لا تقتضي تخصيص عمومات الارث من التركة باكثر من
هذاالمقدار، لان ظاهرها ان حقها في قيمة البناء الذي هو تركة
الميت،اي ماليتها الخارجية، وهو معنى الشركة في المالية.
بل حمل قوله (ع) في الروايات «ترث قيمة البناء» على القيمة
في الذمة كما صنعه صاحب الجواهر (رحمه اللّه) خلاف
الظاهر جدا،اذ المال في ذمة الورثة مال آخرلا ربط له بالتركة،
والروايات صريحة في النظر الى ارثها وحقها من تركة الزوج،
غاية الامر لاترث من العين ولكن ترث من قيمتها وماليتها،
وهي تساوق المالية الخارجية لا الذمية، ولهذا لو تلفت التركة
بلا تعد او تاخير اوتفريط كان حقها ايضا تالفا كسائر الورثة، بينما
اذا كان حقها منتقلاالى الذمة كانت مستحقة لها وكان الورثة
مدينين لها بذلك، وهذاما لا اظن يلتزم به احد فقهيا اذا تدبر
وامعن النظر حتى اذااستظهر ان دفع القيمة عزيمة لا رخصة
وان نسبه في بلغة الفقيه الى عم ه في رسالته الخطية (
ملحقات البرهان) وظاهر مستندالشيعة الالتزام به وكذلك في
مهذب الاحكام وان حكم بان الاحوط التصالح والتراضي.
وايا ما كان فالظاهر من الروايات هو الشركة في المالية
والقيمة الخارجية للبناء، لا انتقالها الى الذمة التي هي مال آخر
لا ربط له بالميت، وليس عليه في الروايات عين ولا اثر.
والشركة في المالية الخارجية شركة عقلائية وعرفية، كالشركة
في العين، وكملك الكلي في المعين كما حقق في محله.
فما يظهر من بعض الاعلام كالمحقق البروجردي في
رسالته(نخبة الافكار) من ان تعلق حقها بالمالية يوجب كونها
اجنبية عن العين وان تكون النماءات كلها للوارث، كما انه لا
يمكن اجبارهاعلى قبول العين، كانه ناشى من عدم تصوير
الشركة في المالية الخارجية.
هذا، ولو فرضنا عدم عرفية الشركة في المالية مع ذلك نقول:
ان المستفاد من مجموع الروايات المتقدمة تعلق حق الزوجة
باعيان البناء والشجر والنخل، وانما جوز الشارع للورثة اعطاء
حقها من التركة بالقيمة، لا انتقال حقها الى مال آخر غير التركة
في ذمة سائرالورثة، فان هذا خلاف ظاهر الروايات جدا، وهذا
نظير ما يقال في الخمس والزكاة حيث يقال بتعلقهما بالعين،
ومع ذلك يجوز لمن عليه الخمس او الزكاة اعطاؤهما بالقيمة
من النقد الرائج والوجه في ذلك هو عدم ظهور روايات التقويم
والاعطاء من القيمة في اكثر من ذلك، ولا في لزوم ذلك واجبار
الورثة بذلك، بل ظاهرهاان ذلك من جهة الارفاق بالورثة
وحفظ العقار الموروث لهم من التلاعب والافساد عليهم، فهذه
الروايات نظير الاوامر في موردتوهم الحظر لا تكون ظاهرة في
الاجبار والالزام بعدم الاعطاء من العين، بل في عدم الالزام
بالاعطاء من العين، وهذا واضح من نفس الروايات الدالة على
اعطائها من قيمة البناء فضلا عن انه مقتضى الجمع بينها وبين
ما دلت عليه بعض الروايات الخاصة والعمومات من ان لهن
الحق في نفس الطوب والبناء. ولازم ذلك انه ما دام لم يدفع
الوارث القيمة للزوجة كانت مستحقة من نفس الاعيان وان كان
يجوز للوارث دفع حقها بالقيمة، ولا يجوز لهاالامتناع عن
اخذها. فتترتب على ذلك كل تلك الاثار التي ذكرناهاايضا على
القاعدة.
وان شئت قلت: ان حق الزوجة في التركة من البناء والشجر
غيرمرتفع قطعا، لانه مقتضى ادلة الارث وظاهر الروايات
الخاصة حيث صرح في اكثرها بدفع حقها من البناء بالقيمة،
وهذا يعني عدم سقوط حقها منه، وانما غايته امكان دفع حقها
بالقيمة ولزوم قبولها لها، بمعنى عدم جواز مطالبتها بالعين.
بل لو فرضنا ظهور الروايات في وجوب دفع القيمة اليها ايضا
لم يكن وجه للقول بسقوط حقها في العين غاية الامر تعبدا
جعل الوفاء متعينا بدفع القيمة وعدم الاجتزاء بدفع العين الا
على نحوالمصالحة ونحوها. والنتيجة بقاء حقها في العين بنحو
الشركة فيهااو في ماليتها ما لم يدفع لها القيمة، فتترتب كل
تلك الاثارالمتقدمة عدا الاجتزاء بدفع العين اذا ارادت القيمة،
وهذا لعمري واضح جد.
فما ذكر في كلمات صاحب الجواهر وغيره من دلالة
الروايات على انتقال حقها الى الذمة او لزوم دفع القيمة بنحو
الحكم الاجباري او دلالتها على حصر حقها في القيمة لا ماخذ
له، فان التعبير باعطائها من القيمة انما هو في قبال لزوم
اعطائها من العين، كما هو مقتضى القاعدة الاولية، وليس في
قبال جواز اعطائها من العين اذا رضي الورثة بذلك، فمن اين
استفيد هذا الالزام الاجباري ؟ ودخول اللام في بعض الروايات
على قيمة البناءوالطوب لا يدل على التعيين في مثل هذا
المقام الذي هو مقام توهم تعين حقها في العين، خصوصا مع
التعبير بانه تعط ى حقهامن ذلك الصريح في النظر الى حق
ارثها الثابت بمقتضى ادلة الارث في التركة لا غير. فلا دلالة في
شي من الروايات على ان حقها في المالية او العين الخارجية
ساقط مطلقا وانه اجنبي عنهاوان حقها ينتقل الى ذمة سائر
الورثة، وانما غايته اجزاء او وجوب اعطائها من القيمة وعدم
حقها في المطالبة بالعين.
ويترتب على ذلك اعني كون حقها بنحو الشركة في المالية
اوالعين الخارجية للبناء ما ذكرناه من عدم جواز التصرف فيها
قبل دفع حقها من القيمة او العين، ومن تخيير الورثة وامكان
اعطائهامن العين اذا رضوا بذلك، ولا يجوز لها الامتناع عن
قبولها واجبارالورثة بدفع القيمة بناء على ما تقدم من عدم
استفادة الالزام الاجباري بدفع القيمة من الروايات كما انه اذا
دفعوا لها القيمة يجب عليها القبول، ولا يمكنها المطالبة بالعين، لان القيمة اعني النقود المتمحضة في المالية تعتبر عقلائيا
متحدة مع المالية الخارجية، فكانها نفسها بناء على الشركة في
المالية، كما ان الروايات قد صرحت بذلك على كل حال، فلا
يجوز لها الامتناع حتى اذا كان حقها متعلقا بعين البناء.
كما انها تستحق النماءات الحاصلة، واذا كانت منفصلة
استحقت من اعيانها، بل اذا لم يدفع الورثة القيمة لها لعذر او
غير عذر كان لها المطالبة باجرة البناء في تلك المدة بالنسبة.
كما ان الميزان في القيمة المستحقة بيوم الدفع لا يوم الوفاة،
كل ذلك يثبت على القاعدة بناء على قبول احد الوجهين. ولهذا
قال بعض الاعلام: «اذا لم يدفع الوارث القيمة لعذر او لغير عذر
سنة اواكثر كان للزوجة المطالبة باجرة البناء. واذا اثمرت
الشجرة في تلك المدة كان لها فرضها من الثمرة عينا فلها
المطالبة بها، وهكذاما دام الوارث لم يدفع القيمة تستحق
الحصة من المنافع والثمرة وغيرهما من النماءات»
((27)).
وقال ايضا: «لو لم يرغب الوارث في دفع القيمة للزوجة عن
الشجروالبناء فدفع لها العين نفسها كانت شريكة فيها كسائر
الورثة، ولايجوز لها المطالبة بالقيمة. ولو عدل الوارث عن بذل
العين الى القيمة ففي وجوب قبولها اشكال، وان كان الاظهر
((28))وقال في مسالة 1795:
«المدار في القيمة على العدم
قيمة يوم الدفع
((29))».
وما ذكره في ذيل المسالة ( 1794) من عدم تاثير العدول
الى القيمة بعد دفع العين هو مقتضى القاعدة ايضا، لانه بعد ان
كان حقها في المالية او العين الخارجية فبدفع العين يتحقق
التقسيم والافراز، ويكون المقبوض منها متعينا في سهمه.
فجواز ارجاع ذلك وتبديلها بالبدل يحتاج الى دليل، ولا يستفاد
من الروايات المتقدمة ولا من حكم الشركة في المالية عند
العقلاء اكثر من التخيير وجواز دفع القيمة محضا ابتداء لا
استمرارا واستدامة.وهذا واضح ايض.
ومنها كيفية تقويم البناء والشجر والنخل بناء على حرمانها
من الارض عينا وقيمة، فقد اختلف في ذلك على اقوال كما
في الجواهر :
1-
ان يفرض البناء او الشجر مما ينقل، وان بقاءها يكون
باجرة فيقوم كذلك، فتعط ى ربعها او ثمنه.
2-
ان يفرض البناء او الشجر ثابتا من غير اجرة اي مستحقا
للبقاء،ثم يقوم على هذا الفرض وتعط ى حصته.
3-
ان تقوم الارض مجردة عن البناء او الغرس وتقوم مبنية
اومغروسة، فتعط ى حصتها من تفاوت القيمتين.
ومبنى القول الاول: انها حيث لا ترث من الارض شيئا فيكون
البناءفي غير ملكها، فتكون باجرة جمعا بين الحقين.
وقد رده في الجواهر بانه خلاف ظاهر النصوص
خصوصاالمشتملة على ارثها ذلك البناء، وقيمة البناء الذي منه
يعلم ارادة تقويم الالات باقية على حالها وبنائها وهيئتها، لا ان
المراد تقويم نفسها غير مبنية، كما عساه يتوهم من قوله (ع): «قيمة الخشب والجذوع
والقصب والطوب»
((30)).
وقال الشيخ الاراكي على ما ينقل عنه بعض تلامذته: «ولا
يخفى ان الظاهر من قولهم يقوم البناء انه بهذه الحالة التي
يكون عليهاوهو كونه بحيث
ليس لاحد حق اجرة بقائه على احد يعتبر قيمته واثبات
حق للورثة هنا، واستثناؤه يحتاج الى دليل مستقل، وليس في
الاخباراشعار باعتبار هذا الحق اصلا
((31))وهذا الاستظهار معناه ان هذه المنفعة وهي حق البناء
واقامته على تلك الارض مشمولة لدليل الارث ولا يشملها
المخصص،فلا يخرج الا رقبة الارض المسلوبة منفعتها بالبناء،
لا بما هي مجردة وخالية ليستحق الورثة تخليتها من البناء او
اخذ الاجرة عليه، وهذا لازمه ان الزوجة تستحق منفعة البناء
على الارض اوالغرس فيها، فلابد وان يقال به حتى في الارض
التي لا بناء ولاغرس فيها، بل هذا قد يكون قريبا من قيمة
الارض نفسها، فان قيمتها وماليتها انما تكون بلحاظ منفعتها
بما هي مكان يمكن ان يبنى عليه البناء او يغرس فيه الشجر
والنخل او يزرع فيه الزرع فاذاكانت الزوجة تستحق قيمة هذا
الحق كانت بمثابة استحقاقها قيمة الارض، وهذا رجوع الى
فتوى السيد المرتضى (رحمه اللّه) بحسب الدقة، ومن هنا قلنا
ان التعبير الوارد في الروايات بانها تستحق من قيمة البناء بما
هو بناء قائم على الارض بلا اجرة يدل على عدم حرمانها من
مالية الارض ومنفعتها، وانما تحرم من عينها كالبناء.
فالحاصل: بناء على فتوى المشهور القائلين بان الزوجة لا ترث
من الارض عينا ولا قيمة، فالمكان يكون مملوكا طلقا لسائر
الورثة فلاتستحق منه الزوجة شيئا، فلا محالة يكون حقها في
البناء المقابل للمكان من دون حق في المكان، فلابد في
التقويم من ملاحظة البناء او الشجر مما ينقل وان بقاءها يكون
باجرة وهو القول الاول،فالجمع بين استحقاق الزوجة لقيمة
البناء بما هو قائم على الارض مجانا الى ان يفنى كما عبر بعض
الاعلام وعدم استحقاقها شيئامن الارض والمكان لا عينا ولا
منفعة فيه تناقض، اذ الاول يعني انها تستحق منفعة ابقاء البناء
او الشجر والغرس في الارض، وانه يجب اعطاؤها قيمتها والتي
تساوق قيمة الارض عادة، ومن هنااستشهد المحقق الشعراني
بهذه الفتوى المشهورة في كيفية التقويم للابنية على صحة
قول السيد المرتضى (رحمه اللّه) في ارث الزوجة من قيمة
الارض ايضا على ما تقدم كلامه الذي نقلناه منه.
ولعله من هنا ذهب جملة من الاعلام بناء على حرمان الزوجة
من الارض عينا وقيمة الى القول الاول في كيفية التقويم، اي
عدم استحقاقها لقيمة الابقاء على الارض مجانا ومن دون اجرة
قال السيد الحكيم (رحمه اللّه): «كيفية التقويم ان يفرض البناء
مماينقل ثم يقوم على هذا الفرض، فتستحق الزوجة الربع او
الثمن من قيمته
((32))».
خلافا لصاحب الجواهر، والسيد الامام في تحريره والسيد
الخوئي في منهاجه وكثير غيرهم حيث ذهبوا الى القول الثاني.
ونحن نوافقهم على استظهارهم من الروايات ان الزوجة ترث
من قيمة البناء والشجر والنخل بما هي قائمة على الارض مجانا
الى ان تفنى، ولكن نجعل ذلك دليلا على انها ترث من جميع
منافع الارض، وانما تحرم من عين رقبتها، لان هذا ليس من
باب التبرع لها بالمجانية من قبل الورثة او من قبل الشارع
تعبدا، بل معناه انهاتستحق هذه الحيثية وترث منها بما هي من
التركة، وهو يساوق عرفا وعقلائيا استحقاقها منفعة الارض وابقاء
البناء عليها ولوبالقيمة، وان الاستثناء لا يشمل سوى رقبة
الارض وعينها، لامنافعها والتي تكون مالية الارض وقيمتها
بلحاظها عادة. ولا معنى لفرض انه اذا كان هناك بناء فالزوجة
تستحق من منفعة الارض والمكان، وان لم يكن بناء فهي لا
تستحق من هذه المنفعة شيئا،لان هذه المنفعة راجعة الى
الارض والمكان، لا البناء والشجرونحوه مما هو مثبت على
الارض، فاذا كانت مستحقة للزوجة فلابد وان تكون مستحقة
لها سواء كان البناء موجودا ام لا، لانه منفعة وحيثية لها مالية
فتكون جزء من التركة، وان لم تكن مستحقة وكانت مخصصة
وخارجة عن ادلة التوريث بالروايات المتقدمة النافية لارث
الزوجة من العقار والارض فلابد من خروجها عن التوريث في
فرض وجود البناء ايضا، فلا تستحق الزوجة الا من قيمة البناء بلا
حق البقاء على الارض مجان.
واما القول الثالث: فقد ذكر صاحب الجواهر انه لعله يرجع الى
مااختاره وهو القول الثاني، ثم رده وقال: ان ما اختاره احسن
منه،فقال: «اذ يمكن زيادة قيمة الارض بملاحظة ما فيها من
الغرس والشجر والنخل، واستحقاقها لهذه الزيادة مناف لما دل
على حرمانها من الارض عينا وقيمة، فالاولى الاقتصار في
كيفية التقويم على ما ذكرناه»
((33)).
اقول: بل تكون قيمتها مجردة اكثر دائما من قيمتها مشغولة
بالبناءعن استحقاق لصاحب البناء في البقاء عليها مجانا، فيكون
في هذاالقول مزيد حرمان لحق الزوجة عما في القول الثاني
المختارله.
نعم، هذا النحو من التقويم قد يرجع الى التقويم الاول، حيث
لايكون البناء فيه ملحوظا مستحقا للبقاء مجانا على الارض،
بل يلحظ فيه قيمة نفس البناء زائدا على قيمة الارض، فيكون
هذاراجعا الى القول الاول.
ومنها ما ذكره بعض الاعلام نقلا عن استاذه الشيخ الاراكي
(رحمه اللّه) من الحاق الزرع الذي لم يستحصد بالشجروالنخل
في ان الزوجة لا ترث من عينه بل من قيمته، وانه قال:«وما
تحرم منه عينا لا قيمة هو آلات البناء من الاخشاب
والابواب والقصب، وكذا الابنية والطوب والاجر والحجر، وكذا
الشجروالنخل، وكذا الزرع، لوضوح ان ذكر الشجر ليس لاجل
الخصوصية بل من باب المثال واما الثمر على الشجر مثل العنب
وغيره فهي من جملة المنقولات ترث الزوجة من عينها، وكذا
الشجرة لو كانت حين موت الميت منقلعة عن اصلها، وكذا
الزرع الذي استحصد
((34))».
وهذا غريب منه (رحمه اللّه)، فان حمل الشجر والنخل على
المثالية لا يقتضي التعدي الى الزرع، فانه ليس مثل الشجر
والنخل، اذالمقصود منهما البقاء في الارض والاستفادة من
ثمرتهما اوالاستظلال بهما، بخلاف الزرع فان المقصود منه ما
يحصد من الحبوب ونحوه، ولا غرض في ابقائها على الارض، فلا
يكون عقارا، بمعنى ما يثبت في الارض. ومن هنا لم يذكر ذلك
احد من الاصحاب، بل ذكر في الجواهر: «بخلاف الثمر ولو على
الشجروالزرع وان لم يستحصل، بل لو كان بذرا فانها ترث
من عينه
((35))».
نعم، يمكن الحاق ما يثبت في الارض من اجل الشجر
والاغصان بذلك، كالعريش الذي يكون عليه اغصان الكرم، بالغاء
الخصوصية او كونها من ملحقات ما يثبت في الارض. ومنها
بيوت القصب التي يستعملها اهل القرى لرعاية البساتين
ونحوه.
قال في منهاج الصالحين: «وهل يلحق بذلك الدولاب
والمحالة والعريش الذي يكون عليه اغصان الكرم ؟ وجهان:
اقواهماذلك فللوارث اجبارها على اخذ قيمتها، وكذا
بيوت القصب
((36))».
ولكن في الجواهر تردد في القصب، قال: «هذا، ولكن لا ينبغي
ترك الاحتياط بالصلح ونحوه في جميع محال الشك، وربما
كان منه بيوت القصب ونحوه مما يستعمله اهل القرى، فيمكن
حرمانها من العين فيها ايضا، ضرورة كونه كالدور المتخذة من الاخشاب،ويحتمل العدم.
وربما كان منه ايضا بعض ما يوضع في حجر الدارمن المرآة ونحوها للزينة»
((37)).
والصحيح انه كلما شك في شمول البناء وآلاتها والشجر والنخل
له كان باقيا تحت عموم ادلة ارث الزوجة من اعيانها، لانه من
موارداجمال المخصص المنفصل والذي يكون المرجع فيه
عموم العام،لكونه شكا في تخصيص زائد والعموم ينفيه.
وحيث ان اصل هذا الحكم على خلاف الاصل، وان المستفاد
من التعليل الوارد في رواياته ان المقصود حفظ الدار او الارض
للورثة من دخول الاجنبي عليهم بسبب الزوجة، وان عدم
توريثها من اعيان البناء والشجر والنخل بل من ماليتها وقيمتها
ايضا من اجل ذلك، فلا يمكن فهم ملاك هذا الحكم عرفا من
مثل هذه الخطابات، وان المقصود التفصيل بين كل ما يكون
منقولا وما لايكون منقولا حتى تلغى الخصوصية ويتعدى الى
ما لم يذكر في الروايات، فيكون المتعين في غير ما هو متيقن
الشمول للروايات هو الرجوع الى عمومات ارث الزوجة من عين
التركة.
ومنه يعرف حكم الابار والعيون والقنوات والانهار حيث
الحقهابعض الفقهاء بالابنية والاشجار، فحكموا بارث الزوجة من
قيمتهالا اعيانها، وانها ترث من عين الماء الموجود فيها حين
الوفاة دون المتجدد.
قال في الجواهر: «واما القنوات والعيون والابار والانهار
ونحوهافلا ريب في ارثها من قيمة الالات ان كانت، ومن عين
الماءالموجود حال الموت الذي ملكه الميت قبل موته،
بخلاف المتجدد فانه ملك للوارث على الاصح»
((38)).
وهذا محل تامل بل منع، فان البئر والقناة والنهر ونحوها
غيرالارض
والعقار، كما انها غير البناء والشجر والنخل، فحتى اذا قلنا
بشمول الاخبار المتقدمة لمطلق الاراضي، الا ان ذلك لا
يقتضي شمول البئر والقناة من حيث هو بئر او قناة، فلا وجه في
عدم ارثها من عين البئر والقناة تمسكا بعمومات التوريث من
عين التركة، ولوسلمنا الحاقها بالابنية والشجر والنخل من
ارثها من قيمتها لااعيانها، فلا وجه لتخصيص ارثها من عين
الماء الموجود فيها بماكان موجودا قبل الموت، بل الصحيح انها
ترث من عين المياه الموجودة فيها بحسب حصتها ما دام لم
يدفع لها قيمة البئروالقناة، لما تقدم من انها شريكة في مالية
النماء مما ترث من ماليته، او ما يكون ملكيته سببا لتملك مال
آخر كملكية البئروالقناة التي تكون سببا لتملك ما ينبع فيها
من الماء وان لم يصدق عليه عنوان النماء.
فالحاصل: ما دامت الزوجة ترث من عين البئر والقناة او
من ماليتها الخارجية بنحو الشركة في المالية فهي تستحق من
عين الماء النابع فيهما بالتبعية ما لم يدفع اليها حصتها من
العين اوالقيمة.
واما المعادن في الارض فقيل بعدم ارثها منها ايضا بناء على
القول بحرمانها من جميع الاراضي، لصدق الارض عليه.
وفيه تامل بل منع، خصوصا في مثل المعادن الباطنة
كالفلزات والبترول والغاز، بل حتى في مثل الملح الذي هو من
المعادن الظاهرة، نعم قد يصح ذلك في مثل معادن الحجر
والجص ونحوهما، لصدق الارض والتراب عليه.
ويمكن المنع عن اطلاق الروايات وشمولها لهذه المعادن
ايضابدعوى ظهورها في حرمان الزوجة من الارض والعقار بما
هومكان ومحل ثابت، اما الشي من الارض الذي يطلب
منه الاستخراج والنقل فهو من المنقول او بحكمه فلا يكون
مشمولاللروايات خصوصا مع التعليل الوارد فيها بان حرمانها
من اجل ان لا يدخل على سائر الورثة زوجا آخر فيفسد عليهم
مواريثهم كمافي بعضها او يزاحمهم في عقارهم كما في بعض
آخر، او لان العقار لا يمكن تغييره وقلبه كما في ثالث.
فهذه الالسنة الواردة في اكثر هذه الروايات ان لم توجب
ظهورهافي اختصاص الحرمان بالعقار بمعنى المكان والمحل
الثابت غيرالقابل للنقل والانتقال فلا اقل من الاجمال، فيكون
المرجع عمومات الارث، والذي يقتضي استحقاقه.
وقد يفصل في المعادن بين ما يكون مستحصلا ومستخرجا
حين الموت فترث الزوجة من عينه، وبين ما لا يكون مستخرجا
بعد فلاترث منه، لانه بحكم مال يتجدد في ملك سائر الورثة
كالمياه المتجددة في الابار والقنوات.
ولكن تقدم الاشكال في شمول الروايات للابار والقنوات
ايضاكماان
قياس المعادن التي تكون موجودة عرفا قبل الاستخراج
بالمياه المتجددة غير صحيح.
ومنها ان بعض الفقهاء عمم الحكم للاراضي الخراجية التي
بيدالزوج وانه اذا مات فلا ترث الزوجة من حق اولويته
بالارض الخراجية، بدعوى ان اطلاق قوله (ع): «لا ترث من
العقار شيئا»يشمل جميع الاراضي وتوابعها ومنها حق الاولوية
في الارض الخراجية.
وفيه: ان الظاهر من نفي ارثها من العقار شيئا عدم ارثها لشي
من نفس العقار اي لاى جزء او مقدار منه، اما الحقوق الاخرى
فلاوجه لحرمانها منها، بل ما يستحقه المورث في الارض
الخراجية ليس هو العقار اصلا، وانما
منفعته، فهو نظير الارض او الدار المستاجرة للميت والتي
يملك منفعتها او الانتفاع بها، وهو خارج عن شمول هذه
الروايات وترث منها الزوجة قطع. ومثل ذلك حق السرقفلية في الارض المستاجرة او حق الشفعة في الارض المشتركة اذا كان له مالية، فانه لا وجه لحرمانها منه بدعوى ان هذه الحقوق من توابع الارض، فانه لا دليل في الروايات على حرمانها من غير ذات العقار ورقبتها، بل فيها قرائن تقدمت الاشارة اليها تدل على خلاف ذلك، سواء قيل بعدم ارثهامن الارض مطلقا او من عينها فقط.
بحث في اللقطة ومجهول المالك القسم الثاني آية اللّه السيد كاظم الحائري
الحكم الثالث التملك او التصدق او الاحتفاظ بها كامانة
اوتسليمها الى ولى الامر باعتباره وليا على المالك:
ا تملك ا
اما التملك فقد يستفاد من عدة انماط من الروايات:
1 ما جاء فيه الامر بجعل اللقطة بعد التعريف في عرض
ماله من قبيل ما مضى من رواية محمد بن مسلم عن احدهما:
(... فان جاءطالبها والا فاجعلها في عرض ملك يجري عليها ما
يجري على مالك الى ان يجي لها طالب)
((39)).
ورواية على بن جعفر الماضية: (يعرفها سنة، فان لم
يعرف صاحبها حفظها في عرض ماله حتى يجي
طالبها...)((40)).
ورواية محمد بن مسلم الماضية: (... فان جاء طالبها والا
فاجعلهافي عرض مالك يجري عليها ما يجري على مالك حتى
يجي لهاطالب، فان لم يجي لها طالب فاوص بها في
وصيتك)((41)).
وهذا النمط من الروايات يحتمل ان يكون الماذون فيها
هوالتصرف في المال بشكل التصرف في العارية، فمثلا ليس
هذا اذنافي اكل المال او بيعه، ويؤكد ذلك قوله: (حتى يجي
طالبها) او (الى ان يجي طالبها)، وقوله في بعض نسخ الرواية
الثانية (حفظها في عرض ماله)، وقوله في الرواية الثالثة (اوص
بها في وصيتك) .
2- ما جاء فيه التعبير بانها كسبيل ماله او نحو
ذلك، من قبيل مامضى من رواية الحلبي: (فان جاء لها طالب والا فهي كسبيل ماله)((42))، وما مضى من رواية على بن جعفر: (يعرفها سنة
ثم هي كسائر ماله)((43))، ورواية داود بن سرحان غير التامة
سندا عن ابي عبد اللّه (ع) انه قال في اللقطة: (يعرفها سنة ثم
هي كسائر ماله)ورواية ابراهيم بن عمر الماضية: (... والا فهي
كسبيل مالك)((44))، ورواية يعقوب بن شعيب الماضية: (...ثم هي كسبيل
ماله)
((45)).
وهذا النمط من الروايات اوسع دلالة من النمط الاول، اذ لو
كانت اللقطة سبيلها سبيلي مالي او هي كسائر مالي اذا يجوز
اكلهاوبيعها، الا انه ليس ايضا واضحا في الملكية، فيمكن ان
يكون من قبيل الاباحة في التصرف، والاثر العملي يظهر في
ارجاع النماءالى المالك لو ظهر بعد ذلك، فعلى الاباحة يرجع
النماء اليه كماترجع العين، وعلى الملكية لا دليل على رجوع
النماء.
3 ما ظاهره الملكية ولكن لم يعلم انها ملكية قهرية او تتبع
نية الملتقط اي يجوز له ان يتملك كما مضى من رواية حنان:
(... فان وجدت صاحبها والا فانت احق بها) وقال: (هي كسبيل
مالك) وقال: (خيرة اذا جاءك بعد سنة بين اجرها وبين ان
تغرمها له اذا كنت اكلتها)((46)).
ورواه الصدوق بسنده التام عن حنان بن سدير الى قوله:
(فانت احق بها) وزاد: (يعني: لقطة غير الحرم)
((47))، ورواه
الحميري ايضا بسند تام، الا انه قال: (فانت املك بها)
((48)).
4 ما جاء فيه الحكم بدخول المال في الارث للورثة وانه
لهم وهوما مضى عن ابي خديجة عن ابي عبد اللّه (ع): (... فانه
ينبغي ان يعرفها سنة في مجمع، فان جاء طالبها دفعها اليه والا
كانت في ماله، فان مات كانت ميراثا لولده ولمن ورثه، فان لم
يجئ لهاطالب كانت في اموالهم هي لهم، فان جاء طالبها
بعددفعوها اليه)((49)). وهذا ظاهر في الملكية القهرية.
وقد يقال: ان مجموع ما دل على الملكية القهرية كالرواية
الاخيرة،وما دل على الضمان بعد الملك على تقدير ما لو جاء
المالك وكنت قد اكلتها ولم يختر المالك اجرها كما قبل
الاخيرة يقع طرفا للمعارضة مع رواية صفوان الجمال التامة
ببعض اسانيدها:انه سمع ابا عبد اللّه (ع) يقول: (من وجد ضالة
فلم يعرفها ثم وجدت عنده، فانها لربها او مثلها عن مال الذي
كتمها)
((50)).فقد دل هذا الحديث بما له من مفهوم على
نحو القضية الجزئية آعلى انه لو عرفها فقد لا يكون ضامنا لها
لربها، بينما لو قلنابالملكية القهرية وانه يترتب على ملكها
ضمانها، اذا لا موضع لهذاالمفهوم ولو بنحو القضية الجزئية.
هذا اذا حملنا الضالة في هذاالحديث على مطلق اللقطة واضح.
واما اذا حملناها على خصوص الحيوان فقد يقال: ان من
المحتمل ان يختلف حكم الحيوان عن غيره، ففي غير الحيوان
يحصل الملك القهري وبالتالي الضمان، واما في الحيوان فلا
يحصل الملك قهرا، واذا لم يحصل الملك
كان بامكان الملتقط ان يحفظه امانة من دون ان يستملكه ولا
ان يتصرف فيه كعارية، وحينئذ لا يضمن الا اذا ترك التعريف.
ولكنه لا يبعد ان يقال: ان التفكيك بين الحيوان وغيره في
هذاالحكم ليس عرفي.
وتوضيح ذلك: ان الحيوان ان كان من القسم الذي لا يجوز
التقاطه اذا يكون الملتقط ضامنا على كل حال سواء عرف او لم
يعرف.وان كان من القسم الجائز التقاطه فالتفكيك بينه وبين
غيره في حصول الملك قهرا في غير الحيوان وعدمه في
الحيوان غيرعرفي، خصوصا مع فرض جواز التصرف فيه، كما
يفهم من قوله:(هي لك او لاخيك او للذئب) وقوله: (فكلها
وانت ضامن).
اذا فترجع المعارضة بالتباين على حالها بين دليل الملكية
منضماالى دليل الضمان على تقدير الملك وبين هذا الحديث
الدال بمفهومه الجزئي على عدم الضمان عند التعريف، اذ لا
يبقى حينئذ موضع لهذا المفهوم.
وعلاج التعارض يكون بحمل النمط الرابع على الملكية
الاختيارية او حلية التصرف، وحمل الارث فيه على الارث على
تقديرالتملك او على انتقال المال الى الوارث بالنحو الذي
كان للموروث من حلية التصرف له او جواز تملكه.
ولكن التحقيق عدم المعارضة في المقام راسا، وذلك
لامكان افتراض
ان موضع هذا المفهوم هو ما لو تلفت الضالة في اثناء السنة، فلو
لم يعرفها كان ضامنا، ولو عرفها لم يضمن، لانه امين والمال
بعدلم يدخل في ملكه، لان الملكية انما تكون بعد تمام التعريف
سنة كاملة، فلا موجب للضمان.
فتصبح هذه الرواية من قبيل رواية مضت عن الحسين بن زيد
عن جعفر عن ابيه غ قال: (كان امير المؤمنين (ع) يقول في
الضالة يجدها الرجل فينوي ان ياخذ لها جعلا فتنفق، قال: هو
ضامن فان لم ينو ان ياخذ لها جعلا ونفقت فلا ضمان عليه)
((51))، فهذاالحديث غير التام سندا لا يعارض النمط الرابع بناء
على ان ظاهره النظر الى زمان التعريف الذي ياخذ عليه جعلا او
لا ياخذ.
وهناك رواية اخرى قد تجعل معارضة لما دل على الملك
سواءالملك القهري او الاختياري او الاختياري، وهي ما عن
على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (ع)، قال: سالته عن
اللقطة اذاكانت جارية هل يحل فرجها لمن التقطها ؟ قال: (لا،
انما يحل له بيعها بما انفق عليها)
((52)). والسند تام.
فقد يقال: ان عدم حل الفرج لا ينسجم عرفا مع الملك، فيدل
هذاالحديث دلالة عرفية على عدم الملك، فاستثناء التصرف
في الفرج من حلية التصرف معقول عرفا، ولكن استثناءه من
الملك غير عرفي، واذا ضممنا ذلك الى دعوى عدم الفرق عرفا
بين الحيوان وغيره في حصول الملك وعدمه كانت الرواية دالة
على عدم ملكية اللقطة، اذا لابد من حمل النمط الثالث والرابع
على حلية التصرف المطلق بناء على امكان انفكاكه عرفا
عن الملكية.
ولعله يمكن الجواب على هذه الرواية بان الجارية من ذلك
القسم من الحيوان الذي يمكنه ان يحفظ نفسه، فلا يجوز
التقاطها،وبالتالي نحتمل الفرق بينها وبين غيرها في انها لا
تملك بالالتقاط،ولهذا لم يحل فرجها، بل لعله لا يجوز اى
تصرف آخر فيها كعارية مادام اصل التقاطها لم يكن شرعي.
وقد يرد هذا الجواب: بان النكتة العرفية للفرق بين الحيوان
وغيره في
عدم جواز التقاط الحيوان عندما يمكنه حفظ نفسه وجواز
التقاط غير الحيوان هي ان الحيوان له حظ من قوة الارادة،
والشارع لم يجوز قهر ارادة الحيوان
الا لمالكه او لمن هو ماذون من قبل مالكه دون الملتقط،
كماجاءت الاشارة
الى ذلك في قوله في حديث هشام بن سالم الماضي: (لا
تهجه)((53))،
اما الجارية فباعتبارها عاقلة بالامكان التقاطها برضاها بل
برغبتهابلا اى
تهييج، وعندئذ لا تدخل في القسم المحرم التقاطه، ونفس
سكوت هذه الرواية عن المنع عن التقاطها ثم السماح ببيعها
في مقابل مصاريفها شاهد على جواز الالتقاط.
نعم، يمكن الجواب على هذه الرواية: بان احتمال الخصوصية
في الجارية بعدم حصول الملكية فيها موجود، فلعل هذا يكون
من باب سد احد ابواب تملك الانسان للانسان، ومع عدم
الملكية لم يحل فرجها، ولولا ما صرفه عليها من مال لم يجز
ايضا بيعها كي يكون سدا آخر لباب تملك الانسان، وانما حل له
بيعها بما انفق عليه.
الجمع بين انماط الروايات:
اذا بقينا نحن والانماط الاربعة من الروايات التي عرفتها،
فهل نستفيد من الجمع بينها التخيير بين مفادها، فمثلا يتخير
الملتقط بين الاستفادة من المال كعارية وبين الاستفادة منها
حتى بالاكل والبيع بعنوان حل التصرف وبين الملكية، او ان
مفاد بعضها يندك في البعض الاخر ويستفاد من مجموعها حكم
واحد ؟
الطريق الاول: الظاهر اننا لو اعتمدنا على النمط الرابع
واستفدناالملكية القهرية فمفاد الانماط الاخرى يندك في مفاد
هذا النمط الرابع، فالنمط الثالث كان يدل على الملكية المرددة
بين كونهاقهرية او بالاختيار، ولكن النمط الرابع اصبح قرينة
على ان الملكية قهرية، والنمط الاول والثاني كانا يدلان على
جواز التصرفات اوبعض التصرفات، ولكن تبين من النمط الرابع
ان جواز التصرف كان على اساس حصول الملك، اذا فتصبح
الفتوى طبقا للنمط الرابع.
الطريق الثاني: اما اذا لم نعتمد على النمط الرابع وبقينا
نحن والانماط الثلاثة الاولى فمفاد النمط الاول مندك في
مفاد النمط الثاني، لان مفاد النمط الاول هو حلية التصرف في
غير حدودالافناء والنقل، ومفاد النمط الثاني هو حلية التصرف
مطلقاوالثاني اوسع من الاول، فاذا جاز التصرف في الدائرة
الواسعة فقد جازفي الدائرة الضيقة، ولا معنى للتخيير بينهما،
واما الملك فاذاافترضناه ملكا غير قهري فلا اندكاك لاحد
المفادين في الاخرويصبح الملتقط بحكم الجمع بين الانماط
الثلاثة بعدفرض استفادة الملكية الاختيارية من النمط الثالث
مخيرا بين حل التصرف في اللقطة من دون ملك وبين
تملكها، ومع الشك في كون المقصود من النمط الثالث هل هو
الملكية القهرية اوالتملك بالاختيار تكون النتيجة نتيجة
التخيير، فانه لو قصد التملك حصل الملك
على كلا التقديرين، ولو لم يقصد التملك شككنا في
حصول الملك وكان الاصل عدمه.
الطريق الثالث: ولا يبعد ان يقال: ان النمط الثاني راجع الى
النمط الرابع او الثالث، لعدم تفكيك العرف بين جواز كل
التصرفات بمافيها الاكل والبيع
من دون توقف على اذن المالك وبين الملك، فان لم نعتمد
على النمط الرابع
بدعوى ان حصول الملكية القهرية في المقام خلاف الارتكاز
آحمل النمط الرابع والثاني والثالث على الملكية الاختيارية،
وبهذايتحد مفاد النمط الثاني والثالث والرابع، وبالجمع بينها
وبين النمط الاول نعرف ان الملتقط مخير بعد التعريف بين
الاستفادة من العين كعارية بل وحتى مع قطع النظر عن
النمط الاول فانه يكفي دليل جواز التملك دليلا على جواز
الانتفاع بالعين كعارية بالاولوية العرفية وبين تملكه.
وان لم نقبل دعوى مخالفة الملكية القهرية للارتكاز اذا لابد
من الافتاء بالملكية القهرية اعتمادا على النمط الرابع، ويحمل
النمط الثاني وكذا الثالث الذي كان مرددا بين الملك القهري
والاختياري على الملكية القهرية، ويحمل النمط الاول على ان
حل التصرف كان على اساس حصول الملكية.
هذا بغض النظر عن جعل ما سيجي من دليل التصدق قرينة
على عدم الملكية القهرية، اذ التخيير بين الملك والتصدق انما
يعقل اذاكان الملك اختياريا لا قهريا، وبقطع النظر عما سيجي
من احتمال دعوى كون الاموال مجهولة المالك واللقطة
للامام.
الاستثناء من هذا الحكم:
ثم ان اصل الملك او جواز التصرف في اللقطة يستثنى منه
امران الحيوان او المملوك او خصوص الجارية ولقطة الحرم.
1-
اما الحيوان والمقصود ما جاز التقاطه : فقد يستثنى
من الملك القهري بما مضى من رواية صفوان الجمال
((54))
الدالة بالمفهوم ولو في الجملة على عدم الضمان مع التعريف،
فيقال: ان عدم الضمان آية عدم الملك وان الرواية خاصة
بالحيوان بناء على حمل كلمة (الضالة) على الحيوان، اذا
فالملكية القهرية غير ثابتة في الحيوان، نعم، جواز التصرف
حتى على مستوى
الاكل ثابت كما دلت عليه روايات: (هي لك او لاخيك او
للذئب)((55))، خصوصا رواية على بن جعفر الماضية التي جاء
في ذيلها: (فكلها وانت ضامن لها...)((56))، وايضا تدل على
جواز اكل الحيوان بعد التعريف رواية
جراح المدائني عن ابي عبد اللّه (ع) قال: (الضوال لا ياكلها
الاالضالون اذا لم يعرفوها)
((57))، الا ان سند الرواية ضعيف.
وعلى اى حال، فخلاصة الكلام: ان الملكية القهرية لا تثبت
في الحيوان بحكم رواية صفوان، اما جواز التصرف المطلق فهو
ثابت، فان كان هذا مستلزما عرفا للملكية الاختيارية ثبتت
الملكية الاختيارية.
ولكن قد عرفت فيما مضى ان التفصيل بين الحيوان وغير
الحيوان في الملكية القهرية وعدمها غير عرفي، وان رواية
صفوان لا تدل على عدم الملكية.
نعم، قد تستثنى الجارية على اساس ما مضى من رواية عدم
حل فرجها، وهذا استثناء عن الملك سواء القهري او
الاختياري وقديتعدى منها الى العبد بعدم الفرق عرفا، فان
استفدنا من روايات الملك الملكية الاختيارية كان بالامكان
القول باننا وان استفدنا من رواية عدم حل فرج الجارية
استثناءها من الملك لكن جوازاستخدامها كعارية يبقى على
حاله ولو بمقتضى اطلاقات النمط الاول من الانماط الاربعة
الماضية، وان استفدنا الملكية القهرية وحملنا كل الانماط على
ان التصرف في اللقطة يكون على اساس التصرف في الملك اذا
فبعد استثناء الجارية عن الملك قد يقال:انه لا يبقى دليل على
جواز استخدامه.
قد يقال: ان النمط الاول من الروايات انما يندك في رواية
الملكية القهرية بالنسبة لما لم يستثن منها، واما الجارية التي
استثنيت منهافالنمط الاول يبقى على حاله بالنسبة اليها في
الدلالة على جوازالاستخدام.
ولكن الظاهر ان هذا الكلام غير عرفي، وان العرف يجعل
رواية الملكية القهرية قرينة على كون النمط الاول ناظرا الى
جوازالتصرف من حيث صيرورة اللقطة ملكا، فبعد استثناء
الجارية لاتبقى للنمط الاول دلالة على جواز استخدامه.
ولكن قد يقال في مقابل ذلك: ان نفس رواية استثناء الجارية
دلت على جواز بيعها في مقابل ما انفق عليها، وهذا يدل
بالاولوية العرفية على جواز استخدامها في مقابل الانفاق عليها،
الا ان هذالا ينتج جواز الاستخدام اكثر مما يقابل الانفاق.
ويؤيد ما ذكرناه من الاستخدام في مقابل الانفاق: ما ورد
في اللقيطة المحكومة بالحرية من الاستخدام لقاء الانفاق من
قبيل مارواه الشيخ باسناده عن احمد بن محمد عن ابن
محبوب عن محمد
((58))، ورواه الكليني عن محمد بن يحيى
عن احمد بن محمد عن ابن محبوب عن محمد بن احمد قال:
سالت ابا
عبد اللّه (ع) عن اللقيطة، قال: (لا تباع ولا تشترى، ولكن
استخدمهابما انفقت عليها)
((59)). وكل من السندين فيه
عيب: اما عيب سند الشيخ ففي سنده الى احمد بن محمد، واما
عيب سندالكليني فهو اننا لم نعرف محمد بن احمد الراوي عن
ابي عبد اللّهمن هو. نعم، قيل: ان في بعض نسخ الكافي اقتصر
على ذكر محمدمن دون توصيفه بكونه ابن احمد، ويؤيده ما
في التهذيب من ذكرمحمد بلا هذا التوصيف، وحينئذ لا يبعد
انصراف محمد الى محمد بن مارد الذي له كتاب يرويه عنه ابن
محبوب، ويرويه عن ابن محبوب احمد بن محمد بن عيسى بلا
واسطة حسب نقل النجاشي، وان كان حسب نقل الشيخ يرويه
عنه بواسطة ابن ابي عمير ومحمد بن مارد ثقة.
وقد يستدل على استثناء الحيوان من الملك سواء فرض قهريا
اواختياريا ومن جواز الاكل بحديث وهب عن جعفر عن ابيه غ
في حديث قال: (لا ياكل الضالة الا الضالون)
((60))، او: (لا ياكل
من الضالة الا الضالون)
((61))، بناء على كون المقصود من
الضالة هوالحيوان، ولكن سند الحديث ضعيف.
ولو بنينا على حجية الضعاف اذا لابد من تخصيصه
بالخبرالضعيف الذي مر عن جراح المدائني عن ابي عبد اللّه
(ع) قال:(الضوال لا ياكلها الا الضالون اذا لم يعرفوها)
((62))،
كما عرفت ان بعض الاخبار الصحاح ايضا دل على جواز الاكل
بعدالتعريف كما مضى من رواية على بن جعفر حيث قال:
(فخذهاوعرفها حيث اصبتها، فان عرفت فردها الى صاحبها،
وان لم تعرف فكلها وانت ضامن له((63))ا) .
2-
واما لقطة الحرم: فيستفاد استثناؤها من الملك وحل
التصرف من
بعض الروايات، من قبيل ما مضى من رواية ابراهيم بن عمر
عن ابي عبد
اللّه (ع) قال: (اللقطة لقطتان: لقطة الحرم وتعرف سنة، فان
وجدت صاحبها والا تصدقت بها، ولقطة غيرها تعرف سنة فان
جاءصاحبها والا فهي كسبيل مالك)
((64)). حكم اللقطة التي لا يمكن تعريفها: بقي الكلام في اللقطة التي لا يمكن تعريفها، فهل يجوز تملكها اولا ؟ قد يستفاد من عدة من الروايات ان حكمها التصدق، وهي كمايلي:
1-
يونس بن عبد الرحمان قال: سئل ابو الحسن الرضا (ع)
واناحاضر الى ان قال: رفيق كان لنا بمكة، فرحل منها الى
منزله ورحلنا الى منازلنا، فلما ان صرنا في الطريق اصبنا بعض
متاعه معنا، فاى شي نصنع به ؟ قال:
(تحملونه حتى تحملوه الى الكوفة). قال: لسنا نعرفه ولا
نعرف بلده ولا نعرف كيف نصنع ؟ قال: (اذا كان كذا فبعه
وتصدق بثمنه).قال له: على من، جعلت فداك ؟ قال: (على
اهل الولاية)
((65)).وسند الحديث تام.
وفي مورد الحديث يكون الملتقط قد راى المالك قبلا، ولعله
لورآه بعد هذا لعرفه، لكن هذه الخصوصية ملغاة عرف.
وايضا مورد الحديث خارج عن الالتقاط بالمعنى المقصود،
فانه هو ما يلتقط المال متعمدا، وانما صار المال في ضمن
امتعته من دون تعمده هو، ولكن لا يبعد الغاء هذه الخصوصية
عرفاايض.
وواضح في مورد الحديث عدم امكانية التعريف على اساس
سعة دائرة الجهالة حيث لا يعرف بلد المالك، والمتاع اخذ من
بعض منازل السفر، ولا يدرى في اى بلد صاحبه، ولم يؤخذ من
بلدمعين حتى يعرف في ذلك البلد.
2-
زرارة قال: سالت ابا جعفر (ع) عن اللقطة، فاراني خاتما في
يده من فضة قال: (ان هذا مما جاء به السيل، وانا اريد ان اتصدق
به)((66)). وسند الحديث تا
وهذا ايضا واضح في عدم امكانية التعريف لسعة دائرة
الجهالة
والغموض، لانه مما جاء به السيل.
3-
ما مضى من رواية اسحاق بن عمار
((67)) الامرة
بالتصدق بالدراهم التي وجدها مدفونة في بعض بيوت مكة،
والظاهردخول ذلك في الكنز الذي تكون دائرة جهالة مالكه
واسعة. 4- ما مضى من حديث على بن ابي حمزة في دينار وجده في الحرم، قال (ع): (يعرفه).
قلت: فانه قد عرفه فلم يجد له باغيا ؟ قال:
(يرجع الى بلده فيتصدق به على اهل بيت من المسلمين، فان
جاء طالبه فهو له ضامن)
((68))، حيث استظهرنا من هذا
الحديث التصدق قبل التعريف سنة، لان المسافر الى الحرم لا
يبقى عادة في الحرم سنة، وقلنا: لعل الحديث ناظر الى حالة
الاضطرار وعدم التمكن من التعريف سنة باعتبار عدم تمكنه
من البقاء سنة في الحرم. الااننا لا يمكننا ان نجزم بكون الامر
بالتصدق في هذا الحديث مستندا الى عدم امكانية التعريف، لان
في مورده سببا آخرلوجوب التصدق وحرمة الاكل وهو كون
اللقطة لقطة الحرم وكذلك الحال في الحديث الثالث.
فالعمدة في المقام الحديثان الاولان، ولنا حولهما عدة ابحاث:
البحث الاول: ان هاتين الروايتين مخصوصتان بصورة عدم
امكانية التعريف وقد امرتا بالتصدق سيما اولاهما، وروايات
التملك الماضية مخصوصة بصورة امكانية التعريف وقد امرت
بالتعريف ثم حكمت بالتملك، اذا فلا تعارض بينهم.
|
|---|