الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

وذهب في الجواهر الى لزوم اليمين مطلقا، لقاعدة انحصار ثبوت الدعوى بالبينة واليمين ((130)).

وكيف كان، فالظاهر من العبارات: انه لا ضمان على الامين سواءقلنا بلزوم اليمين ام لم نقل، وسواء كان متهما ام لم يكن.

ولكن قال السيد المحقق الخوئي (رحمه اللّه): «ان مقتضى النصوص الواردة في دعوى الامين التلف هو التفصيل بين كونه متهماوعدمه: ففي الاول يلزم بالبدل ما لم يقم البينة على العدم، في حين يقبل قوله في الثاني مع يمينه ما لم يقم المدعي البينة((131)).

ويمكن ان يقال: ان النصوص المشار اليها مختصة بباب الاجارة،ولا تشمل سائر الموارد التي منها الشركة. واما قوله(ع) في صحيحة ابي بصير: «على نحو من العامل ان كان مامونا فليس عليه شي،وان كان غير مامون فهو ضامن»((132)) فهو مسبوق بالسؤال عن رجل استاجر جمالا فيكسر الذي يحمل او يهريقه فشموله لغيرمورد الاجارة محل تامل، هذا مضافا الى ان الاصحاب لم يفتوا بضمان الامين ولو كان متهما.ويؤيد ذلك بعض المرسلات منها: ما عن المقنع عن الصادق(ع) عن المودع اذا كان غير ثقة هل يقبل قوله ؟ قال: «نعم، ولا يمين عليه» ((133)).

ومنها: ما روي عن ابي جعفر (ع): «لم يخنك الامين، ولكنك ائتمنت الخائن» ((134))، بناء على ان المراد من هذا وشبهه الحكم شرعابعدم خيانة كل امين لك وانه متى ائتمنته كان غير خائن لك شرع.

ومنها: ما روي عن الصادق (ع): «ليس لك ان تاتمن من خانك ولاتتهم من ائتمنت» ((135)).

وغير ذلك من الاخبار الدالة على قبول قول الامين. ومن المعلوم انه مع قبول قوله لا ضمان، والا فهو مناف لقبول قوله، كما لايخفى.

المسالة الثانية عشرة: تبطل الشركة بالموت، لانتقال المال الى الوارث، فلا يجوز التصرف بغير اذنه. وكذا الحال فيما لو كان عقدالشركة مع ولى شريكه، لان موته يمنعه من جواز التصرف في المال المشترك ما لم ياذن الولي الجديد في ذلك، فان اذن الولي الاول يسقط بانتهاء زمان ولايته.

وكذا تبطل الشركة بعروض الفلس، فانه مع حجر الحاكم تصيرالاموال تحت سلطان الحاكم الشرعي، فلا يجوز التصرف فيهابغير اذنه.

ولا يخفى عليك ان المراد من عدم جواز التصرف بدون اذن الوراث او الولي ونحوهما كالوصي هو عدم جواز التصرف المعاملي، اذ بدون اذنهم تكون المعاملات فضولية.

نعم، يمكن دعوى حلية التبدلات باحراز رضا الوراث والاولياء، لان التصرف في الاعيان مع احراز الرضاية جائز، ولكن تبقى المعاملات فضولية حتى يستاذن منهم وياذنوا، لعدم كفاية الرضا في صحة المعاملات، كما لا يخفى.

ثم ان السيد الفقيه اليزدي (رحمه اللّه) الحق الجنون والاغماء والسفه بالموت في بطلان الشركة ((136)) ولكن اورد عليه في المستمسك: بان ذلك غير ظاهر لولا ظهورالاجماع، وكما ان الاذن لا يبطل بالنوم لا يبطل عرفا بالاغماءوالجنون والسفه، واذا شك فالاستصحاب كاف في ترتيب الاحكام ((137)).

واجاب عنه في مباني العروة: بان حكم المجنون حكم الحيوانات من حيث فقدانه للاهلية، وحيث ان جواز التصرف متوقف على الاذن بقاء، وهو منتف في المقام نظرا لانعدام اهليته فلا محيص عن الالتزام ببطلان الشركة وعدم جواز تصرف الاخر في المال المشترك... الى ان قال في المغمى عليه: بانه ملحق بالمجنون، فانه لا يقاس بالنائم على ما هو المتسالم عليه بينهم فان الاذن السابق لااثر له، واللاحق ساقط الاعتبار، لانتفاء اهلية المجيز... والى ان قال في السفيه: يظهر وجهه مما تقدم، فان جواز الاذن متوقف على صلاحية الاذن واهليته للقيام بذلك التصرف مباشرة، وحيث انه مفقود في المقام فلا اعتبار باذنه.

وبعبارة اخرى: ان العقود الجائزة متقومة بالاذن حدوثا وبقاء،فتنتفي بمجرد انتفائه، وحيث ان المحجور عليه (بالسفه) ليس له التصرف في ماله فليس له حق الاذن في ذلك فعلا بقاء ايضاومعه فلا يجوز للماذون سابقا التصرف فيه، لانتفاء الاذن الفعلي، وعدم تاثير الاذن السابق ((138)).

ولقد افاد واجاد في المجنون والسفيه، لوضوح فقدان اهليتهمابمجرد عروض الجنون والسفاهة. واما المغمى عليه فما ذكره في المستمسك فيه قوى، لان الاهلية فيه كالنائم باقية ولو في حال الاغماء، كبقاء اهلية النائم في حال النوم، بخلاف المجنون والسفيه، ومع الشك نستصحب بقاء الاهلية في المغمى عليه.

المسالة الثالثة عشرة: اذا بطلت الشركة المفيدة للاذن بعروض احدالامور المذكورة على بعض الشركاء، لا تبطل الشركة الخارجية الحاصلة بالمزج او الارث او غيرهما، فانها باقية على حالها. نعم،ما قرراه في ضمن عقد الشركة من زيادة احدهما في النماء بالنسبة الى ماله او نقصان الخسارة فهو باطل، لانه من توابع الاذن السابق،والمفروض انتفاء الاذن السابق بعروض احد الامورالمذكورة.

المسالة الرابعة عشرة: اذا تبين بطلان الشركة المفيدة للاذن في التصرف من ناحية فقدان شروط العاقد من العقل والبلوغ وعدم المحجورية من ناحية الفلس وعدم السفاهة فالمعاملات الواقعة في تلك الحال محكومة بالبطلان سواء كانت واقعة قبل تبين البطلان او بعده، لفقدان شرائط الصحة، اذ لا عبرة باذن المجنون او الصغير او المحجور عليه، فالعقد من هؤلاء الاشخاص كالعدم لفقدان الاذن فيه.

واما اذا تبين البطلان من ناحية فقدان شرائط عقد الشركة، امكن القول بصحة المعاملات الواقعة، فان صحة تلك المعاملات لا تتوقف على صحة عقد الشركة، بل هي متوقفة على تحقق الاذن والمفروض ان الاذن موجود فيما اذا لم يكن الاذن متقيدابصحة عقد الشركة، بل مقتضى ما ذكر صحة المعاملات ولو تبين البطلان، لان المعيار في الصحة هو صدورها مع اذن المالك والمفروض ان الاذن موجود قبل تبين البطلان وبعده، بناءعلى انه لا منافاة بين العلم بالفساد وبقاء الاذن، لان الفساد المعلوم هو فساد عقد الشركة لا فساد المعاملات، ويجتمع الاذن بالمعاملة مع العلم بفساد عقد الشركة.

المسالة الخامسة عشرة: هل يستحق العامل اجرة في الشركة اويستحق ؟ لا الظاهر هو الاول مع عدم قيام قرينة على ان العمل على سبيل المجان والتبرع اذا اتى بالعمل مع اذن الاخر وامره به، فان العمل محترم وصادر عن امره لا على سبيل المجان والتبرع.

ودعوى: ان بناء العقلاء على المجان والتبرع في الشركة.

مندفعة: بعدم ثبوت ذلك، بل لعل الامر على الخلاف.

ثم لو جعل الزيادة في الربح للعامل لم يكن ذلك بنفسه قرينة على ان العمل مجاني وتبرعى، نعم لو قامت قرينة على ذلك فهو.وكيف كان، فان ذكر المسمى للاجرة فهو مورد الاستحقاق، والافاجرة المثل.

هذا كله بالنسبة الى الشركة الصحيحة، واما الشركة الباطلة فالعامل يستحق اجرة المثل اذا كان سبب البطلان فقدان شروط الشركة لاشروط العاقد، فان العمل مسبوق بالاذن في صورة فقدان شروط الشركة، والمفروض انه لم يات بالعمل على سبيل المجان سواءعلم بفقدان الشرائط او لم يعلم، اذ مع العلم بفقدان الشرائط لم يقصد المجانية ايضا، وحيث ان الاذن مع بطلان الشركة موجودفالعامل يستحق اجرة المثل ولو كانت زائدة على المقدار الذي جعل للعامل في عقد الشركة زائدا على سهمه من الربح، فان المجعول المذكور لا يكون قرينة على ارادة المجانية. نعم، حيث كان العقد فاسدا لم يستحق الزيادة المجعولة، بخلاف اجرة المثل،فانه مع عدم قصد المجانية يستحقها ولو كانت زائدة على الزيادة المجعولة.

واما ما في مباني العروة من ان في فرض اشتراط الزيادة فهو انمايستحق اجرة المثل فيما اذا لم تزد الزيادة التي كانت له على تقديرالصحة، والا فلا يستحق الزائد عنها، لاقدامه على عدم استحقاقه والتبرع بهذا المقدار، فهو في الحقيقة انما يستحق اقل الامرين من الزيادة واجرة المثل ((139)).

فمنظور فيه، لما عرفت من ان الجعل المذكور لا يلازم التبرع بالنسبة الى العمل، هذ.

مضافا الى انه لو سلمنا ذلك فهو متقيد بتوهم الصحة، ومع البطلان فهو مستحق لاجرة المثل، ولذا افتى الاصحاب باستحقاق اجرة المثل عند ظهور بطلان الاجارة في سائر المقامات، ولم يلتزم احد باقل الامرين: من المسمى واجرة المثل، فتدبرجيد.

ومما ذكر يظهر ما في مباني العروة، فراجع.

المسالة السادسة عشرة: اذا اشترى احد الشريكين متاعا وادعى انه اشتراه لنفسه، وادعى الاخر انه اشتراه بالشركة، قال السيد الفقيه اليزدي (رحمه اللّه): «فمع عدم البينة: القول قول المشتري مع اليمين،لانه اعرف بنيته((140))».

ووجهه في المستمسك بقوله: «يشير هذا التعليل الى القاعدة المشهورة في كلام الاصحاب: من قبول قول من لا يعرف المقول الا من قبله، ويظهر انها من القواعد المعول عليها عندالعقلاءولولاها يلزم تعطيل احكام القول، اذ لا طريق الى اثبات موضوعها، ويقتضيها قاعدة «من ملك شيئا ملك الاقرار به المدعى عليها الاجماع في كلام الاصحاب» ((141)).

وربما يقال: ان وجه تقديم قول المشتري هو كونه منكرا والشريك الاخر مدعيا، لان قول المشتري موافق للاصل، وهو ظاهر العقدواطلاقه، بخلاف قول الشريك، فانه تقييد زائد ويحتاج الى مؤونة زائدة.

ولعل ما في مباني العروة يؤول اليه، حيث قال في وجه تقديم قول العاقد المشتري في ذيل قول السيد الفقيه اليزدي: «القول قوله [اي المشتري ] مع اليمين، لانه اعرف بنيته» : «بل لظهور اطلاق البيع والعقد وبطبعه الاولي في كونه للعاقد نفسه، وكونه للغيرتقييد يحتاج الى مؤونة زائدة، ومن هنا فعلى مدعيه الاثبات، والافالاصل عدمه» ((142)).

ولكنه محل تامل، لان العقد السببي لو سمعه الشريك وغيره لامكن الاستدلال بظاهر اطلاقه على ان يكون العقد لنفسه، واما اذافرض انه لم يسمعه احد وانما ادعى العاقد انه بنفسه اوقعه كذا،فلا مجال للاستدلال بظاهر اطلاقه، فانه فرع سماعه والمفروض عدمه، فالاولى هو الاستدلال بما استدل به السيد الفقيه اليزدي((143)) من ان الفاعل اعرف بنيته، وهو الذي عليه بناء العقلاءوحكمة اعتبار قوله هو الانسداد، اذ لو لم يعتبر قوله لزم تعطيل احكام القول، اذ لا طريق الى اثبات موضوعها كما افاد في المس((144))تمسك .

المسالة السابعة عشرة: اذا اشترى احدهما متاعا وادعى انه اشتراه بالشركة، وقال الاخر انه اشتراه لنفسه، قال السيد الفقيه اليزدي(رحمه اللّه): «فمع عدم البينة القول قوله مع اليمين، لانه اعرف ولانه امين» ((145)).

ولا اشكال في الاستدلال الاول، وهو قوله: «لانه اعرف»، ولكن اورد عليه في المستمسك من جهة استدلاله الثاني حيث قال: «لايظهر دليل على كلية سماع قول الامين الا في حال الاخبار عن وقوع الفعل المؤتمن عليه، كما اذا اخبرت الجارية بغسل الثوب الذي كلفت بغسله ثم قال: فكان الاولى للمصنف (رحمه اللّه)ان يقول: لانه امين على اداء الفعل الذي اخبرعن وقوعه» ((146))، وعليه ان يعلل بانه اخبر عن وقوع الفعل المؤتمن عليه. ولكن لا يخفى عليك ان المقام من موارد سماع قول الامين، لانه اخبار عما وكل فيه بالحمل الشائع الصناعي ولذااضاف السيد الفقيه اليزدي (رحمه اللّه)هنا قوله: «ولانه امين»، بخلاف المسالة المتقدمة، فانه اخبر عن فعل نفسه، ومع كون الفعل لنفسه لا وجه للتعليل بانه امين، بخلاف المقام فانه اخبار عما وكل فيه من الفعل المؤتمن عليه، والتعليل بانه امين مناسب له ايض.

قال في مباني العروة في وجه المسالة: «بل للسيرة العقلائية والمتشرعية القطعية على قبول قول الوكيل فيما هو وكيل فيه ودخوله تحت قاعدة «من ملك شيئا ملك الاقرار به» التي ارسلت في كلماتهم ارسال المسلمات.

نعم، لو ادعى الشريك كذبه في ذلك كان له احلافه على ما تقتضيه قواعد الدعوى((147))».

ولا يخفى ما في الاضراب بعد افادة عبارة السيد ذلك ايضا بقوله :«ولانه امين»، اذ المراد منه ان المشتري امين وادعى وقوع الفعل المؤتمن عليه، فقوله مقبول عند العقلاء.

اللهم الا ان يكون المراد من الاضراب انه لا يلزم الحلف الا عندادعاء الشريك كذبه في ذلك، والا فالبناء ثابت على قبول قول الامين فيما وكل فيه من دون حاجة الى الحلف، فتدبرجيد.

 

 

دراسات وبحوث

حقوق الطبع والنشر محفوظة ام لا ؟/1

 

القسم الاول

 

 عبد الحليم عوض الحلي

 

 تمهيد: ان من جملة الموضوعات التي لم تكن موجودة في عصر صاحب الشريعة المقدسة(ص)والاوصياء من بعده، وحدثت بعد ذلك مسالة حقوق الطبع والنشر، وهذه المسالة بدات تاخذ طابع الجدية بعد ان انتشرت صنعة الطباعة والتاليف والترجمة وتحقيق المخطوطات، وغيرذلك من النشاطات العلمية والثقافية.

وقد كثرت الحاجة الى تحرير هذه المسالة فقهيا في العصرالحاضر خصوصا بعد نزول اشرطة الكامبيوتر المعروفة ب (اا (الى السوق، فان الناس كثيرا ما يسالون عن جواز وعدم جوازتكثير مثل هذه الاشرطة بدون اجازة من مالكها الاصلي.

ونحن عندما نقول: ان هذه المسالة من المسائل المستحدثة مقصودنا من ذلك انها من المسائل المستحدث موضوعها، فان الموضوع للمسالة الشرعية وهو حق الطبع وحق النشر هنا من المواضيع المستحدثة التي تولدت بعد انتشار صنعة الطباعة، كماعرفت.

المقدمة الاولى: تحرير محل النزاع محل البحث هنا يكون في ثبوت المحمول للموضوع وهوالاحترام لهذه الحقوق وعدمه بعد تسليم كونه حقا عرفا، بمعنى ان الشريعة الاسلامية هل تحترم مثل هذه الحقوق او انها لاتحترمها ؟ وبعبارة ادق: هل ان تاليف الكتاب او تحقيقه او نشره يولد حقايختص بالمؤلف تحترمه الشريعة او لم يكن الامر كذلك وبالنتيجة يمكننا ان نخوض في البحث في مرحلتين: المرحلة الاولى: هل ان المنع من تكثير ونشر الكتب حق للمؤلف ام لا ؟ وما هي مناشئ هذا الحق ؟ المرحلة الثانية: لو سلمنا ان المنع من النشر والتكثير من الحقوق،هل ان هذا النوع من الحقوق محترم شرعا او لا ؟ هذا، وان هناك ثلاث حالات للمؤلف والناشر: فاما ان يكتب عبارة:(حقوق الطبع والنشر محفوظة اللمؤلف)، او ان يكتب عبارة تجويزطبع ونشر الكتاب لكل احد، او ان يسكت من دون التعرض لاثبات الحق لنفسه او لبيان الانصراف عنه.

ومحل الكلام هنا في الحالتين الاولى والثالثة، ويمكن ان نحمل الحالة الثالثة على الثانية ونجعلها بمنزلة الانصراف عن الحق، فيبقى البحث في الحالة الاولى.

ثم انه بناء على حفظ حقوق الطبع للناشر او للمؤلف او للمؤسسة التحقيقية التي اهتمت بالكتاب ياتي هنا بحث آخر هوالى متى يستمر هذا الحق للمتصدي؟ هل ان هذه السلطة تكون له مادام الكتاب تحت يده ولم يخرج الى السوق او ان هذا الحق والسلطة على المنع من النشر والتكثير خاص بالمتصدي في الطبعة الاولى واذا خرج الكتاب الى السوق فقد انقطعت العلاقة بين الكتاب وبين صاحبه ؟ او ان الحق يستمر الى آخر العمر وينتهي بموته او ان الحق يستمر ويصل للورثة من بعده ؟ ثم انه اذا تصدى الغير للطبع والنشر بدون اجازة من المؤلف اوالناشر، بل شرع في النشر والتكثير مع منع المولف، هنا هل تكون المطبوعات شرعا ملكا للمتصدي للطبع او ان المؤلف الاصلى يكون له شي منها ؟ وبعبارة اخرى ادق: هل يوجد اثر وضعى شرعي يترتب على تلك العبارة المكتوبة على اول الكتاب وهي عبارة (حقوق الطبع محفوظة للمؤلف ام لا) ؟ وهل يجوز للمؤلف ان يعط ي هذا الحق للغير مثل الناشر وياخذبازائه شيئا من المال او لا يجوز ذلك ؟ وما هو الوجه في اخذه؟ هذه جملة من الاسئلة نتجت بسبب تطور صنعة الطباعة والنشروتكثير الكتب واشرطة المسجلات واجهزة الكامبيوتر.

الغاية من المنع ثم ان الغاية من منع الغير من تكثير الكتاب او الشريط المسجل اوغير ذلك قد تكون لاجل الاختصاص بالارباح المادية التي تحصل نتيجة البيع بعد النشر والتكثير، فان المتصدي للكتاب اعم من المؤلف او الناشر او المحقق يريد ان يستاثر بكل النتاجات المادية له.

وقد تكون ارادة المنع من النشر والتكثير لاجل امر آخر يرتبط بذات المؤلف من حيث رغبته في اعادة النظر في الكتاب بعد نفاذالطبعة الاولى من السوق.

المعروف بين علماء الاسلام ان امر تكثير ونشر الكتب سائغ وجائز لاصحابها، بل ان النشر والتكثير في بعض المواردمطلوب وعلى هذا فاذا تصدى صاحب بالحق المؤلف او دارالنشر او المؤسسة التي اهتمت بطبع الكتاب وتحقيقه لنشرالكتاب فان اثر هذا العمل ونتائجه المادية تكون لهم بلا ريب، وان مثل هذا العمل خارج عن محل بحثن.

المقدمة الثانية: الحقوق على قسمين انه يمكن لشخص ان يقسم الحقوق الى نوعين: النوع الاول هو الحقوق الشرعية، والنوع الثاني هو الحقوق العرفية اما الحقوق الشرعية فهي الحقوق التي ثبتت بتاسيس من الشارع المقدس، مثل: حق خيار الحيوان الثابت للمشتري قبل انتهاء ثلاثة ايام من عملية البيع، ومثل حق خيار المجلس الثابت للمتبايعين ماداما في المجلس وغير ذلك مما ورد ذكره في الشريعة المقدسة واما الحقوق العرفية فهي الحقوق التي لم يؤسسها الشارع المقدس، وان العرف يرى ثبوت مثل هذا النوع من الحقوق وهنا يمكننا ان نقول: ان الحقوق العرفية تنقسم الى قسمين: قسم ممضى شرعا بحيث يجب احترامه ومراعاته، وقسم غير ممضى شرع.

ونحن في هذا البحث نريد ان نصل الى ان حقوق الطبع والنشرثابتة شرعا بعد تسليم ثبوتها عرفا او انها غير ثابتة شرعا المقدمة الثالثة: تشخيص الموضوعات بيد العرف لا اشكال في ان تشخيص موضوعات الاحكام وكذا تطبيق العناوين على المصاديق موكول الى العرف، ضرورة ان الشارع المقدس كواحدمنهم في القاء الخطابات، وليس له منهج خاص ولا طريقة خاصة به في تشخيص موضوعات الاحكام.

فالايات والاخبار الواردة في الاحكام الشرعية يكون فهمهاوتشخيص موضوعاتها بحسب العناوين والمفاهيم وتشخيص مصاديقها بحسب الواقع والخارج بيد العرف العام، لا العقل البرهاني الدقيق، فاذا قال الشارع المقدس: الدم نجس يكون الاعتبار في تشخيص مفهوم الدم ومصداقه بنظرالعرف فالموضوع للنجاسة هو عنوان الدم عرفا، ومصداقه ما يراه العرف بحسب الخارج دم.

ثم ان المراد من تشخيص العرف ليس ما هو المتداول في لسان بعضهم من التشخيص المسامحي والمسامحة العرفية، فان العرف قد يتسامح كما في بعض الموضوعات التي لا يعتنى بها كالتبن والكلا ولا يتسامح في بعضها كالذهب ونحوه، والميزان في موضوعات الاحكام الشرعية تشخيص العرف الدقيق لا المتسامح، الا ان تقوم قرينة على ان الشارع ايضا تسامح في موضوع من الموضوعات فيتبع.

وخلاصة هذا الكلام: ان المدار والملاك في نجاسة الفقاع مثلا آهو تسميته فقاع عرفا او ظهر من شربه السكر، لا مطلق ماء الشعير، فان تشخيص الموضوعات الخارجية للاحكام الشرعية بيدالعرف جاء في مصباح الفقيه: ان المرجع في تشخيص الموضوعات للاحكام الشرعية التي ليس لها حقيقة شرعيه هو الصدق العرفي فلا مسرح للتشبث بالاصول والقواعد في مقابله . ((148)) المقدمة الرابعة: انتفاء الصدق العرف قد اتضح من خلال الكلام السابق ان تحديد مفاهيم موضوعات الاحكام الشرعية يكون بيد العرف وكذلك تطبيق المفاهيم على المصاديق يكون بيد العرف، والسؤال الاتي ما هو الموقف لو انتفى الصدق العرفي ؟ والى اين يكون الملتجا لو لم يتمكن العرف من تطبيق المفهوم على مصداقه ؟ يقول الشيخ الهمداني في هذا المجال: لو انتفى الصدق العرفي بحيث حصل الشك في اندراج هذا الفرد تحت المطلق اوالمضاف يجب الرجوع في تشخيصه الى ما يقتضيه الاصل الموضوعي ان امكن تعيين احد الموضوعين بالاصل كما لو شك في اضافة الماء باختلاطه بالمضاف او شي من الجوامد من تراب ونحوه شيئا فشيئا او شك في اطلاق المضاف لا متزاجه بالمطلق شيئا فشيئا على وجه يعد المشكوك بنظر العرف بعد المسامحة العرفية عين الموضوع الذي كان في السابق ماء مطلقا او مائعامضافا، المرجع حينئذ استصحاب حالته السابقة دون الاصول الجارية في نفس الاحكام، لحكومته عليها ((149)).

اهل الخبرة: وهناك طريق آخر وهو الرجوع الى اهل الخبرة، ولاجل هذا قال بعض العلماء في هذا المجال: «ولعل الاقوى في المقام ونحوه ممايتعذر العلم وما بحكمه من البينة في تشخيص الموضوعات التي يترتب عليها الاحكام الرجوع الى الظن الحاصل من اهل الخبرة في تشخيصها سواء كان الشك في مفهوم الموضوعات او في مصاديقه.

فان المرجع في ذلك العرف الخاص، كما عليه بناء العقلاء في معرفة ما يتعلق به اغراضهم من ذلك، ومنه الظنون الرجالية، والحاصل من قول اللغويين.

ويرشد اليه صحيحة عمار الساباط ي في معرفة المواقيت عن الصادق (ع)، قال: (يجزيك اذا لم تعرف العقيق ان تسال الناس والاعراب عن ذلك).

وكلمة (يجزيك) ظاهرة في كفاية الظن الحاصل من جواب الشخص الذي ساله، اذ ما وراء العلم من شي غير الظن» ((150))فاذن المعتبر في تحديد موضوعات الاحكام الشرعية هو الظن ان لم يمكن تحصيل القطع واليقين .

وعملية الاستنباط انما هي عملية تشخيص الحكم للموضوع بعدتحديده وتشخيصه، ولا شك ان المعايشة الحياتية للحوادث لهادور كبير في تشخيص الموضوعات وتحديدها وفهم طبيعة الحكم المناسب المستفاد من الادلة.

ولعل هذا الفهم لعملية الاستنباط هو الذي جعل الامام الحكيم يهتم بقضية الارتكاز العرفي، كما انه يفتح آفاقا في عملية الاجتهادلا يمكن حصرها في العملية التجريدية المحصورة بين النصوص والتصورات والفروض، وقد يضيف للاجتهاد والاعلمية شرطاجديدا وبعدا ومحتوى اصيلا يحتاج فيه مثل هذا الفهم الى المعايشة ((151)).

المقدمة الخامسة: الموضوعات على قسمين القسم الاول: موضوعات صرفة كتشخيص ان هذا المائع خمرمثلا، وهذا القسم من الموضوعات يكون تشخيصه بيدالمكلف.

القسم الثاني: الموضوعات مستنبطة، وهي التي يعود تشخيصهاالى شؤون المجتهد، كتشخيص ان الغناء هو الصوت المطرب لاكل صوت اشتمل على ترجيع من غير طرب.

والموضوعات المستنبطة على نحوين: الاول: هو الثابت بحيث لا يتغير باختلاف الزمان والمكان ومثاله الغناء.

الثاني: هو المتغير بحيث يتاثر بالظروف المحيطة، وبما ان الاحكام تتغير بتغير المواضيع، وتدور مدارها فمن هنا كان تشخيص الموضوعات المستنبطة المتغيرة له دخل في الاجتهاد.

جاء في الاصول العامة للفقه المقارن للسيد محمد تقي الحكيم «ان جميع القضايا الشرعية انما وردت على سبيل القضايا الحقيقة لا القضايا الخارجية، فلا تتكفل تشخيص وتعيين موضوعاتهاخارجا، وانما يترك تشخيص الموضوعات الى المكلفين انفسهم بالطرق والقواعد المجعولة من قبل الشارع لذلك، ومن هنا قيل: ان القضية لا تعين موضوعها خارجا اذا كانت قضية حقيقة فالدليل الذي يامرك بالصلاة خلف العادل، لا يعين لك ان فلانا مثلا عادل او غير عادل وهذا من الواضحات» ((152)).

وبعد ط ى هذه المقدمات نستعرض اولا الادلة التي استدل بها اويمكن ان يستدل بها لعدم احترام حقوق الطبع، ثم نستعرض ادلة الطرف الاخر ثانيا، وثالثا الاشارة الى بعض الاثار المترتبة على ثبوت الحق ورابعا بحث بعض الصور والحالات لثبوت حق الطبع، وخامسا التعرض الى بعض التطبيقات العملية، وسادسا بحث حكم الاقراص الكمض يوترية، فصارت ستة بحوث مضافا الى المقدمة والى فتاوى الفقهاء التي جمعناها ضمن ملحق آخر البحث.

البحث الاول: ادلة عدم احترام حقوق الطبع يمكن ان يستدل لجواز تكثير الكتاب المطبوع والمباع في الاسواق من قبل غير المؤلف والناشر بامور: الامر الاول: ان المؤلف والناشر ليس له حق في منع غيره من تكثيرونشر الكتاب والاستفادة منه ماديا، وذلك لان المؤلف او الناشراقدم على بيعه، وبهذا البيع تخرج وتنتهي سلطته على الكتاب،وعلى هذا فاذا كتب في اول او آخر الكتاب عبارة (حقوق الطبع محفوظة للمؤلف او للناشر) فان هذه العبارة لا اثر لها اصلا، ولاتثبت حقا شرعيا للمؤلف.

نعم، له سلطنة ثابتة على الكتاب قبل ان ينشر في الاسواق، وامابعد الانتشار فقد فلت من يده، وهذا العمل نظير التقليد الجاري في الصناعات، حيث ترى شركة او مؤسسة تصنع زيا خاصا من الملابس وتبيعه في الاسواق، وبعد الانتشار ترى الغير من اصحاب تلك الصنعة يقلد ذلك الشكل مستفيدا من الخبرات والجهود التي صرفها المنتج الاول، ولا ينكر عليه احد من اصحاب ذلك الفن، وهذا مؤيد لعدم وجود الحق الشرعي للمؤلف في منع الغير من تكثير كتابه.

ويرد عليه: انه قياس مع الفارق حيث ان ما مثلت به ليس له حق محفوظ حسبما تعارف بين اهل الصنعة، مضافا الى ذلك انه لم يحفظ حق ذلك الانتاج لنفسه ولم يكتب ان ذلك الشي ممنوع تكثيره، وعدم تثبيت الحق لنفسه بمنزلة الانصراف عنه، وهذاالامر جار حتى في الكتب، فان عدم وجود عبارة (حقوق الطبع محفوظة للمؤلف او للناشر) بمنزلة الانصراف والاعراض عن ذلك الحق، كما هو واضح.

الامر الثاني: اصالة العدم بان نقول: اننا ندعي عدم ثبوت الحق للمولف او الناشر في منع الغير عن تكثير الكتاب، واذا شككنا في ان الحق للمؤلف او للناشر ثابت ام لا ؟ اصالة العدم هي الجارية هنا، فلا حق له في منع غيره عن نشرالكتاب.

ويرد عليه: ان اصالة العدم هنا محكومة باصالة الاستصحاب حيث توجد الحالة السابقة، فان المؤلف قد كان له الحق في الكتاب قبل نشره، وبعد نشره يشك في ان حقه في منع الغير من طباعته وتكثيره قد زال ام لا ؟ الاصل بقاء حقه السابق.

اللهم الا ان نقول: ان موضوع جريان الاستصحاب قد تبدل فلامجال للاستصحاب حيث ان الكتاب والمؤلف قبل النشر والتكثيريختلف عنه بعد النشر والتكثير، فتامل.

الامر الثالث: ثم انه قد يستدل لعدم وجوب حفظ حقوق الطبع للمؤلف او للناشر بالادلة الحاثة على نشر العلم وبثه مثل ما ورد في الذكرالحكيم: ( ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى من بعد مابيناه للناس في الكتاب ا ولئك يلعنهم اللّه ويلعنهم اللاعنون ( ((153)) فان هذه الاية الشريفة صريحة في حرمة كتمان العلم، وتدل بالالتزام على عدم وجوب، بل على عدم جواز حفظ حقوق الطبع والنشر وحصرها في جماعة معينة كالمؤلف والناشر.

وقد يشكل عليها بانها واردة في حرمة كتمان العلوم المرتبطة باصول الدين، ولا تشمل كل علم، فلا ربط لها بمسالة حفظ حقوق الطبع.

ونقول في رد هذا الاشكال: اطلاق الاية شامل لكل علم يرضى به اللّه تعالى وقد بينه للناس فكتم العلم الملازم لحرمة نشر الكتاب حرام ويرد عليه: ان مثل هذا المؤلف او الناشر لا يصدق عليه انه كاتم للعلم، بل قد تحقق منه نشر العلم من خلال الطبعة الاولى ولوطلب منه نشره مرة ثانية من قبله لم يمتنع، فالمسالة ترتبط بمنافع نشر الكتاب، ولا ربط لها بمنع نشر العل الامر الرابع: قد ورد في الخبر عن النبي (ص)انه قال: (من سئل عن علم فكتمه حيث يجب اظهاره وتزول عنه التقية جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار) ((154)).

وهذا الحديث ايضا ظاهر في حرمة كتمان العلم الملازمة لعدم احتكار العلم المعبر عنها بحفظ حقوق الطبع، وقد ورد في خبرعن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن جعفر بن محمدالاشعري، عن عبداللّه بن ميمون القداح، عن ابي عبد اللّه (ع) عن آبائه عليهم السلام قال: جاء رجل الى رسول اللّه (ص)فقال: يارسول اللّه ما العلم ؟ قال: الانصات، قال: ثم مه ؟ قال: (الاستماع).قال: ثم مه ؟ قال: (الحفظ) قال: ثم مه ؟ قال: (العمل به)، قال: ثم مه يا رسول اللّه ؟ قال: (نشره) ((155)).

ولهذا ذهب بعض العلماء في عصرنا الى ان من موجبات الكتمان المحرم ان يمنع المؤلف نشر كتابه الا باذن منه، وتعاقد معه، واخذ اجرة عليه، وانما يجب عليه ان يمنحه لمن شاء طبعه ونشره دون حجر ولااحتكار، وبغير مقابل، وانكروا ما اصطلح الناس في عصرنا على تسميته حقوق التاليف او النشر او التوزيع.

وجوابه واضح مما تقدم حيث ان المؤلف لا يصدق عليه انه كاتم للعلم فانه قد نشر العلم في الطبعة الاولى.

الامر الخامس: يمكن التمسك لاثبات عدم الحق للمؤلف او دارالنشر في منع غيره من تجديد طبع الكتاب ونشره بدليل (الناس مسلطون على اموالهم) ((156)) وهذا الشخص الذي اشترى الكتاب قد صار الكتاب ملكه وماله يفعل به ما يشاء، من قراءة اوكتابه او هبة او بيع او تكثير ونشر وغير ذلك.

وبعبارة اخرى: ان البائع للكتاب مثل صاحب المكتبة قد باعه لانسان لا يعرفه ولا علاقة له بالناشر او المؤلف، كما انه قد استوفى المال المقابل للكتاب ولم يبق شي لم ياخذه من مشتري الكتاب حتى يمعنه عن النشر والتكثير فسلطة المؤلف من ناحية تكثيره ونشره قد ذهبت وصارت له ولغيره ممن وقع بيده الكتاب بالشراء ان قلت: ان المؤلف للكتاب وكذلك الناشر كان لهما الحق في منع الغير عن نشر الكتاب وطبعه قبل ان ينطبع الطبعة الاولى وهذاثابت بلا ريب، وبعد الطبعة الاولى نشك في بقاء تلك السلطنة وزوالها، هنا نستصحب بقاء تلك السلطنة.

قلت: اننا لا نشك في بقاء تلك السلطنة، بل نقول: انها قد ارتفعت يقينا بالبيع للطبعة الاولى، وصار هذا الكتاب ملكا للمشتري والناس مسلطون على اموالهم وعلى عقولهم، فلا مجال للاستصحاب في مثل هذا المورد.

وذلك لان الاستصحاب يجري فيما اذا تمت اركانه وهي اليقين السابق والشك اللاحق وما نحن فيه ليس كذلك فانه لا يوجدعندنا شك لاحق بل نحن على يقين بارتفاع تلك السلطنة.

الامر السادس: ان القول باحقية المؤلف والناشر بمنع تكثير الكتاب قول بجواز اجحاف المشتري، فان المشتري قد اعط ى مالا مقابل الشي الذي اخذه، وهو حر في التصرف يفعل بالكتاب الذي اشتراه ما يشاء.

وهكذا يجري الامر فيمن اشترى ملبسا معينا مخيطا وفق هيئة معينة، واراد ان يصنع مثله بعد ان فهم رغبات المجتمع لهذا الشي هنا هل يجب اخذ رخصة واجازة من المبدع الاول او لا يجب؟ كما انه لو ردع المبدع الاول غيره عن التكثير ولم يقبل هل لمنعه اثر ام لا ؟ وهكذا يجري الامر فيمن سافر الى دولة ودخل فندقا من فنادقهااو مدرسة من مدارسها مثلا وراى الجهد الفكري المبذول في هندسة هذا البناء، وكان صاحب فن بحيث انه تمكن من نقل الخارطة من الواقع الخارجي الى ذهنه فاذا رجع الى وطنه هل تقولون بان هذا لا يحق له استعمال تلك الخارطة الموجودة في ذهنه لاجل حفظ الحقوق، او تقولون ان مثل هذه الاشياء له حق فيها ؟ ويرد عليه بعض الايرادات الواردة في الامر الاول هذا غاية ما قيل او يمكن ان يقال في عدم احترام حقوق الطبع البحث الثاني: ادلة احترام حقوق الطبع يمكن ان يستدل لمنع الغير شرعا من تكثير الكتاب المطبوع المباع في الاسواق من قبل المؤلف او الناشر بامور: الامر الاول: ان حق المنع من تكثير الكتاب من الحقوق العرفية العقلائية المستحدثة، وكل ما كان حقا بنظر العقلاء فهو محترم في الشرع الاسلامى، فتكون النتيجة ان للمؤلف والناشر الدفاع عن حقه، فله منع الغير عن التكثير، فالعرف هنا صنع لنا موضوعاللكبرى الكلية القائلة بان الحقوق محترمة بنظر الشريعة الاسلامية، وهو ان المؤلف له حق في تاليفه.

وهذا الحق عبارة عن فرد ومصداق جديد يدخل تحت الكبرى الكلية، فانه بمجرد صيرورة شي حقا عرفيا فان العمومات الصريحة باحترام الحقوق تشمله.

قال السيد الشيرازي في كتاب الفقه: «واما الحق المستحدث باعتبار جعل الناس له حقا كحق التاليف مثلا مما دخل في موضوع الحق بجعل الناس له اذا ابطله الناس خرج عن الموضوعية، فلا يترتب عليه بعد ذلك احكام الحقوق» ((157)).

ويستفاد من مفهوم كلامه ان الذي يثبته الناس من الحقوق محترم عند الشارع المقدس.

وقد يشكل عليه بانه ليس كل حق ثبت عند الناس قد امضاه الشارع، وما نحن فيه غير ثابت كونه من قبيل الحقوق المحترمة.

الامر الثاني: ان هذا الشخص الذي اشترى الكتاب قد اشتراه مع شرط، وهو الاستفادة من هذه النسخة من الكتاب الذي بيده في القراءة والنقل منها فقط، ولا يحق له الاستفادة من الكتاب بالنشروالتكثير، لانه قد راى ما على ظهر الكتاب من منع، فلا يحق له المتاجرة بالتكثير والطبع والنشر.

وقد قبل المشتري هذا الشرط الضمنى وهو حفظ حقوق النشرللمؤلف بالاقدام على الشراء، ولا يحق له مخالفة هذا الشرطلان( المؤمنين عند شروطهم الا شرطا خالف الكتاب والسنة) ((158))كما انه يشمله عموم الاية الكريمة ( ا وفوا بالعقود) ((159)) والشرط هنا وان كان غير مصرح به الا انه محترم شرعا حاله حال الشرائط المصرح بها لفظ.

وسياتي توضيح اكثر لما يترتب على مخالفة الشرط في معاملة البيع.

ونظير هذا ما نشاهده في بعض البلدان في ازمنة معينة من ان بعض الحكومات او الشركات تبيع اشياء باسعار رمزية وتشترط على صاحب الدكان ان يبيعها بهذا المكان وبهذا السعر لاجل مراعاة حال الفقراء مثلا، فانه هنا لا يجوز لصاحب الدكان تجاوزالشرط المتفق عليه وما نحن في من هذا القبيل، فانه لا يحق لمشتري الكتاب ان يغض النظر عن الشرط المفروض عليه حين شراء الكتاب وهو حفظ حق النشر والتكثير للمؤلف، واذا اغمض المشتري النظر فان صاحب الكتاب يحق له فسخ المعاملة كماسياتي ذلك مفصل.

وهذامثل ان تشترط المراة في عقد الزواج سكن امها معهامادامت على قيد الحياة فان هذا الشرط يجب على الزوج الوفاء به الامر الثالث: الحاق الضرر .

ان الشارع لو لم يقف مع المؤلف والناشر في المنع من تكثيرالكتاب فانه سيكون مقرا في الحاق الضرر بالمؤلف والناشرالاصليين حيث اننا نرى كثيرا من الكتاب والمؤسسات حيث يقومون بتحقيق الكتاب واصلاحه وتخريج مصادره ويطبعونه الطبعة الاولى ولم يستوفوا ما صرفوه فتراهم منتظرين للطبعة الثانية كي يستوفوا ما صرفوه من الاموال في هذا الطريق واذا جازللغير الطبع والتكثير فانه سيتضرر صاحب الموسسة، والشارع لايرضى بالضرر والضرار، فلا بد من الحكم بالمنع، وعليه فتبقى تلك الحقوق محفوظة ومختصة بالمؤلف والمحقق.

ولا باس بالاشارة الى انه يجب التمييز بين الكتاب المؤلف والكتاب المحقق من قبل المؤسسات في مسالة الحاق الضررفانه قد يصدق الحاق الضرر بمؤسسات التحقيق ولا يصدق الحاق الضرر في تاليف الكتاب، نعم يصدق فوات المنفعة.

ان قلت: ان المؤلف الذي يبذل جهدا فكريا في تاليف الكتاب اذاطبعه غيره فانه لا يدخل تحت الضرر، بل يدخل تحت فوات المنفعة والفرق بينهما واضح، حيث ان فقهاء الاسلام يفرقون بين الافعال الموجبة لالحاق الضرر على الانسان وبين الافعال الموجبة لتفويت المنافع، وان حكم الاول غير الثاني وما نحن فيه قد يكون من هذا القبيل، فان من اخذ كتاب الغير وكثره وباعه في الاسواق واستفاد من منافعه فانه لا يكون قد اضر بناشر الكتاب اوالمؤلف، بل انه قد فوت المنافع عليهم وتفويت المنافع غير الحاق الضرر.

قلت: لو صح كلامك فما هو قولك فيمن يجعل ميزانية مالية ضخمة في تحقيق كتاب ولم يستوفها بالطبعة الاولى ويبقى منتظرا للطبعة الثانية ؟ فلو قلنا بعدم حفظ حقوق الطبع الم نكن من القائلين بجواز الحاق الضرر بمثل هذا الشخص او هذه المؤسسة ؟ وهذا مقبول في مؤسسات التحقيق الباذلة مالا في اخراج الكتاب لكنه غير جار في مسالة تاليف الكتاب.

الامر الرابع: المعلوم في الفقه الاسلامى حرمة التصرف في مال الغير من دون اذنه، وتشتد الحرمة مع منعه عن التصرف في ماله.وهنا حق الطبع والنشر والتكثير مال للمؤلف فان هذا النوع من الحقوق له مالية محترمة عند الشارع المقدس.

بيان ذلك: ان الثابت في الشريعة المقدسة ان جهود واتعاب الانسان لها مالية، فالمالية قد تحصل من عمل الانسان البدني وقدتحصل من عمل الانسان الفكري، وما نحن فيه من قبيل الثاني فتكون هذه المالية التي تكونت للمؤلف بسبب جهد التاليف من مختصاته ولا يحق لاحد التكثير والتصرف فيها بدون اجازته.

ويمكن التاييد له في باب الجعالة حيث ثبت جواز اعطاء المال على العمل الفكري كان يقول الجاعل: ان من يناظر فلانا ويغلبه في المناظرة فله كذا. واذا ثبت استحقاق المالية على مثل هذاالعمل وهذا الجهد ثبت كونه محترما عند الشارع المقدس ولايحق لاحد التجاوز عليه.

ثم ان المؤلف يمكنه ان يتنازل عن هذا الحق والجهد الذي بذله آالنسخة الاولى من الكتاب للناشر بعد التوافق بينهما واما بدون توافق فلا يجوز النشر والتكثير من غير رضاه.

ولا يخفى عليك ان الكتاب ملك لمؤلفه ولهذا ينسب اليه ويحسب عليه ويحاسب على اخطائه، وملكيته هنا ملكية علمية ادبية، وهوامر اعترف به في القوانين المدنية.

ولا ريب ان من ملك شيئا اصبح حر التصرف فيه، واصبح من حقه الانتفاع بثمراته، وهذه من لوازم الملكية فاذا كان من يملك بيتا له الحق ان يسكنه او يؤجره او يبيعه، فكذلك من يملك كتابا فله الحق في طبعه ونشره وله الحق في منع ذلك.

فالكتاب العلمي لا ياتي عفوا انما هو ثمرة كفاح طويل، ونتيجة جهد جهيد، وسهر بالليل، وعرق بالنهار لا يعرفه الا من عاناه وربمااستغرق الكتاب من صاحبه سنين حتى يبرز الى حيز الوجود، فهواذن كسب من وراء عمل طويل مختزن في كتابه، كما ان المصنع اوالعمارة ثمرة جهد طويل، اختزنه فيها منشئ المصنع او صاحب العمارة.

وان حياة المؤلف ليست حياة سهلة، كحياة سائر الناس، انها حياة تتطلب جهدا خاصا زائدا على جهود العاديين من الناس، كماتتطلب نفقات خاصة زائدة ايضا على نفقات الاخرين.

المؤلف يحتاج الى مكتبة غنية بالمصادر المهمة ويحتاج الى من يساعده في الاستنساخ او التبييض او الطباعة، ويحتاج لمن يساعده في شؤون اسرته حيث لا يمكنه ان يتفرغ لامورهم ورعايتهم كما يتفرغ سائر الناس، وبدون هذا لا يستطيع ان ينتج علما حقيقيا، فانى له ان يغط ي هذه النفقات وان كان موظفا في جامعة او وزارة او مؤسسة ان لم يكن له من مؤلفاته ما يدر عليه بعض العوض ؟ ثم ان المؤلف قد يصدر طبعة من كتاب ثم يتراءى له بعد صدوره اشياء تقتضي ان يضيف او يحذف او يغير، بناء على اطلاع جديداو تغير اجتهاد او اقتراح مقبول، او غير ذلك.

فاذا لم يعلم الطابع او الناشر ماذا عند المؤلف من تعديلات وتنقيحات، فانه سينشر الكتاب على ما كان عليه، ويلزم المؤلف مالم يعد يلتزمه.

وقد كان علماؤنا قديما لا يستبيحون رواية كتاب عالم ما الاباجازة منه، وقد كان العلماء سابقا يعط ي بعض طلابه اجازة خاصة برواية كتاب معين واحيانا يمنحه اجازة عامة برواية كتبه كله.

وهذه الاجازة تشبه حق الطبع او النشر في زماننا، اضيف اليهاعنصر جديد وهو: ان المؤلف يتقاضى اجرا على جهده في التاليف ويشارك الناشر في جزء من الربح الذي يصيبه من وراء نشرالكتا الامر الخامس: ان الذي اشترى شيئا من السوق فيه فن ودقة مثل بعض الالبسة، لا يحق له تقليد وتكثير هذا الشي الذي اشتراه حسب ما تعارف بين اهل الصنعة، الا باجازة من المبدع الاول وذلك لان هذا الشخص قد اشترى الشي نفسه ولم يشتر الفن الفكري المبذول فيه وهذا امر متعارف بين اصحاب كل فن.

وبعبارة اخرى: ان هذا الشي المشترى فيه جانب احداهما: العمل الميكانيكي المبذول مع المادة وهذا ماليته قداستوفاها بالشراء.

ثانيهما: العمل الفكرى المبذول والفن الفكري الجديد، وهذا له مالية لكنها لم تستوف بالشراء، فيبقى ذلك الفن محفوظا لصاحبه ولا يحق التقليد الا بالاجازة من المبدع الاول.

ويرد عليه انه لم يثبت مثل هذا الحق ولم يتعارف بين اصحاب الفنون كما ادعيت، كما هو ظاهر من حال السوق العالمي.

الامر السادس: حق الاختصاص.

ومما يستدل به على جواز المنع من النشر والتكثير من قبل المؤلف الالتزام بحق الاختصاص، والمراد بذلك هو ان هذاالكتاب من مختصاته ويحق له تكثيره ويحق له المنع من تكثيره ويحق له تكثير مئة نسخة او اكثر من ذلك او اقل من ذلك، وبعبارة ادق: ان جميع امور وشؤون الكتاب موكولة الى مؤلفه يفعل بذلك ما يشاء فانه ثمار جهوده، وثمار الجهود مملوكة لصاحبها ولايستهان بها سواء قبل الطبع او بعد الطبع.

ولا باس بالاشارة الى ان حق الاختصاص يمكن للمؤلف ان يعطيه الى ناشر معين مجانا، او مقابل مقدار من الثمن.

وقد يرد عليه ان حق الاختصاص ثابت ما دام الكتاب في حوزته ولا يعلم بقاء ذلك الحق بعد خروجه من يده الى السوق.

ويجاب عليه ان الحق بعد ثبوته للمؤلف بسبب الجهد الفكرى الذي بذله في انتاج النسخة الاولى من الكتاب واختصاصه بها نشك في زوال الحق عنه بعد طبع النسخة الاولى ووقوعها بيد المشترى، والاستصحاب يقول ببقاء الحق لصاحبه ولا يجوز لاحد الطبع والتكثير لغير صاحب الكتاب فان اركان الاستصحاب هنا تامة وهي اليقين السابق بثبوت الحق للمؤلف والشك في بقاء ذلك الحق بعد عملية الطبع والنشر والاستصحاب يقول ببقاء ذلك الحق.

الامر السابع: الحق لمن سبق ان من جملة القواعد الفقهية عنه علماء المسلمين قاعدة الحق لمن سبق الدالة على ثبوت الحق بواسطة السبق في مكان في الامكنة العامة.

وقد نطقت بهذه القاعدة الادلة الروائية الكثيرة: منها: رواية طلحة بن زيد عن ابي عبد اللّه (ع) عن امير المؤمنين (ع)قال: (سوق المسلمين كمسجدهم، فمن سبق الى مكان من سوق فهواحق به الى الليل) ((160)).

ومثلها مرسلة عن ابن ابي عمير ((161)).

ومنها: النبوي المشهور (من سبق الى مالم يسبقه اليه مسلم فهواحق به) ((162))، فمثل هذه الروايات تدل على اثبات الاحقية للسابق.

ويتايد مضمون القاعدة بالسيرة العقلائية القائمة على ان من سبق الى مكان يكون احق به من غيره وهذه السيرة العقلائية افضل دليل على هذه القاعدة، لعدم ردع الشارع عنها ((163)).

ونحن نحتاج هذه القاعدة لنستفيد منها بالاولوية حيث ان الحق لما كان ثابتا لاجل السبق كان ثبوته بالاولى في عمل المؤلف الذي بذل جهدا في ذلك، فانه يكون احق بما عمل، خصوصا واننا نقول: ان عمل المؤلف له مالية وهذه المالية تحترم عند العرف والشارع لا يرى في ذلك باس.

ويرد عليه ما في الامر السابق ويجاب عليه بجريان الاستصحاب،ومن المحتمل عدم جريان الاستصحاب فيسقط هذا الكلام عن دليليته.

وهذه الروايات وان كانت من حيث الدلالة تامة لكن يشكل على سندها حيث ان رواية ابن ابي عمير مرسلة، والرواية الاولى فيها طلحة بن زيد ولم يوثق، واما النبوي فطريقه غير معتبر كذلك.

لكن هذا الكلام بعيد عن الانصاف حيث انه يمكن لنا ان نقول بانجبار السند بمعنى ان بعض الروايات يعضد بعضها البعض الاخر، كما ان العمل من مشهور العلماء بهذه الروايات يمكن ان يجبر السند مضافا الى اننا قلنا: ان السيرة العقلائية تدل على ذلك الامر الثامن: ومن جملة ما يمكن ان يستدل به لعدم جواز طبع ونشر كتاب بدون رضا صاحبه بالادلة الامرة بالاحتياط والصريحة بالوقوف عند الشبهة، فان حق المؤلف اذا لم يثبت بالادلة المتقدمة فان المجال مفتوح للاحتياط.

الامر التاسع: ويستدل على المطلب بالنصوص الناهية عن بخس حق الناس كقوله تعالى: ( ولا تبخسوا الن اس اشياءهم ((164))، فانه بعد تسليم ان الجهود الفكرية والاتعاب العلمية حق للمؤلف عرفا فانه لا يحق لاحد ان يبخس هذه الحقوق.

بعض الاثار المترتبة على ثبوت حق النشر:

1- ارث حق النشر انه يلزم على القول بثبوت الحق لصاحب الكتاب بالمنع عن نشرالكتاب استمرار وبقاء هذا الحق له، بل قد يصل للورثة فيما لوتوفي صاحب الكتاب على القول بان مثل هذه الحقوق لها مالية محترمة عندالعرف والعقلاء، فان المال المحترم عند العقلاء، تصل نوبته للورثة فيما لو توفي المالك الاصلي.

2- حكم المعاملة على هذا الحق:

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية